تحميل رواية تمرد عاشق بقلم سيلا وليد pdf
بقلم سيلا وليد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
البارت الأول بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم. في قانون العشق يقولون... لا يوجد تعريف للحب، لكنك ستشعر به حين تراه. في إحدى محافظات مصر، محافظة الفيوم، حيث الطبيعة الخلابة من صوت السواقي والشلال، وتغريد العصافير، ورائحة الزهور، وخاصة بمنزل يشبه السرايا وهو منزل الحاج حسنين الألفي، وبجواره منزل منصور الحسيني. تجلس العائلتان في جو من الحب، هذه العائلتان لم تربطهما قرابة الدم، ولكن تربطهما قرابة الصداقة، فما أجمل الصداقة التي تبنى على الصدق...
رواية تمرد عاشق الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سيلا وليد
خرج من غرفتها وهو يزفر بضيق من طفولتها التي مازالت عليها.
"ماشي يا غزل، إنتِ اللي جبتيه لنفسك، كلها ساعات وعلى الله ماتتطلعيش من الأوائل وقتها هتلاقي جواد تاني أتمنى ماتشوف الوش دا."
اتجه حيث جلوس حازم وصهيب.
جلس بجوارهم وهو يمسح براحتيه بغضب. نظر إليه حازم مستغرباً حالته التي أتى بها.
"مالك يا جواد، وكنت فين؟"
جاوبه بسخرية متهكمة من أفعالها، ولكن استوقفه خروج جاسر من منزله بسرعة وكأن حدث له شيئاً مروعاً أصابه بمكروه.
أسرع جواد إليه عندما وجده يركب سيارته وكأنه يصارع شيطاناً أمامه.
وقف جواد أمام السيارة.
"مالك يا جاسر عامل كدا ليه.... انزل في إيه اللي حصلك؟"
وصل صهيب وحازم إليهما. نظر كلا منهما للآخر لا يعرفان ما أصابه، فقد كان جسد جاسر يصدر ارتعاشة قوية وصدره يعلو ويهبط بسرعة، وحبيبات العرق تسير على جانبي رأسه مع عرق نافذ في رقبته واصطكاك من أسنانه يصحبها فم مذموم.
اتجه حازم إلى باب السيارة وفتحه.
"جاسر مالك فيه إيه..."
اختنق حلقه بغصة عندما تذكر حديث والده.
"مفيش عايز أشم شوية هوا بس."
وقام بإغلاق باب السيارة لتشغيلها.
اتجه جواد إليه.
"أنا مش قولت انزل مبتنزلش ليه، وإيه اللي حصل وصلك لحالة إنك تعيط بالطريقة دي؟"
أطرق رأسه للأسفل يقاوم رغبة قوية في البكاء. خرج من سيارته وحزن الدنيا فوق قلبه.
جذبه جواد وحضنه وربت على ظهره عندما شك أن هناك أمراً ما. نظر حازم لصهيب الذي يقف ولا يبدي ردة فعل لما حدث.
اتجهوا جميعاً إلى منزل حازم عندما رفض جاسر الجلوس في حديقة المنزل.
سار بخطوات واهنة وتيه محدقاً في الفراغ. جلس فوق المقعد بظهر منحنى وكتفين متهدلين يقتله الوجع والألم والحسرة.
جلس أمامه جواد على عقبيه ورفع ذقنه.
"إنت مش بنت عشان تنزل راسك في الأرض، حتى البنت متعملش كدا. إنت ضابط ومهما يحصل معاك لازم تكون قوي ومتوريش ضعفك لحد حتى لو كان مراتك."
نظر له تائهاً مشتتاً لا يشعر إلا بألم روحه التي يتآكلها القهر، نعم إنه قهر الرجال الذي يكسر الروح ويفني الجسد. ظل على هذه الحالة لوقت بسيط.
"مين اللي عامل فيك كدا يا جاسر؟ هتحايل عليك عشان تحكي، أبوك ولا شهيناز؟"
غصة كبيرة أحكمت قبضتها منعته من التنفس ومقلتيه مغرورتين بالدموع.
"وهو إيه اللي حصل؟"
قص له ما صار. "وأبوك كان رده إيه؟"
مسح وجهه بكفيه يقاوم غصة مسننة تستقر بحلقه.
"إنتِ تعملي كدا في أبوك يا جاسر؟ تعملي علاقة مع مراتي وتلوثي شرفي في الأرض للدرجة دي معندكش أخلاق ولا تربية؟ كان عايش معايا واحد بأخلاق منحطة."
ثم صفعه بكل قوته.
"امشي اطلع برة، مش عايز أشوف وشك هنا، واللي يسأل عليك هقولهم ابني مات، ابني مش حقير."
ثم نظر إلى زوجته.
"إنتِ طالق، لمي هدومك وما تشوفيش وشك في بيتي تاني."
ثم صوب نظراته مشمئزة لهما وخرج.
وقف جواد سريعاً متجهاً إلى ماجد. أوقفه حازم.
"إنت رايح فين؟ متتسرعش يا جواد."
"سيبه ياحازم، خليه يوقفهم عند حدهم."
هذا ما أردفه به صهيب. اتجه وجلس بجوار جاسر.
"إنت اللي غلطت من الأول، سكوتك عليها خلاها تتمادى، متلومش غير نفسك."
نظر لهم حازم ولا يعلم شيئاً.
"أنا مش فاهم حاجة..."
"أبدا ياسيدي، الست شاهي عشقانة حضرة الظابط وبتجري وراه من زمان، بس دا كل الموضوع مع شوية حقارة منها. من أول يوم دخلت البيت دا وأنا مش برتحلها. دي حاولت مع جواد."
"أنا لسه فاكر القلم اللي جواد علم بيه على وشها، فاكره يا جاسر؟ في عيد ميلاده حبت تلعب علينا وراحت حضنته وباسته، بس الصراحة عجبني رد فعله لما سمعت الصوت المدوي على وش المصون مرات أبوك."
دخل كالثور الهائج.
"شهيناز اطلعيلي هنا."
خرج ماجد وهو يتنفس بتثاقل كمن يرتكز فوق صدره جبل يحجب تنفسه.
"إيه يا جواد مالك داخل بالهمجية دي؟ مش هتتغير هو عشان بحترمك تسوق فيها؟"
اتجه إليه ببطء ووقف أمامه.
"نفسي تقولي دليل واحد إنك عارف عيالك أو تلمحلي لو بحاجة بسيطة إنهم بيحبوا إيه وبيكرهوا إيه. قولي يا ماجد، إنت مكنتش كدا، إيه اللي حصل وصلك إنك تشك في أخلاق ابنك اللي إحنا مأمنينه على أختنا؟ إنت أصلاً تعرف إيه عن أخلاقه عشان تتهمه بالشكل دا؟"
وصلت شهيناز وهي تسقط دموعها المصطنعة مثل الشمطاء أو الحرباء تتغير بكل لون.
"أنا معملتش حاجة يا جواد، ماجد اللي فهم غلط، أنا كنت رايحة أسأل جاسر عنه بس هو فكر فينا غلط."
وصل إليها بخطوة ثم رفع سبابته أمامها.
"أنا صبرت عليكي بما فيه الكفاية."
توجه ببصره لماجد.
"مراتك المحترمة بقالها فترة بترمي نفسها عليه ومش بس كدا حاولت بكل الطرق تغريه لحد ماوصلت إنها تهدده بقتل مليكة. بس إحنا سبناها عشانك عشان عارف إنها بق على الفاضي وبس، لكن توصل للإنحدار والإنحطاط، وإنك تصدقها وتشك في أخلاق ابنك، يبقى تسمحلي دي عايزة تربية وتأهيل نفسي."
وبلحظة جذبها من شعرها وألقاها على المقعد.
نزل لمستواها ونظر في مقلتيها.
"تعرفي نفسي في إيه دلوقتي؟ نفسي أعلقك على باب الكومبوند وأخليكي عبرة لمن يعتبر."
استشاطت داخلها منه وأردفت ببرود تحرقه.
"دا كله عشان رفضت أقضي ليلة معاك ياحضرة الضابط، عارفة إنك من يوم مادخلت البيت دا وإنت بتحاول ترمي نفسك عليا وهتموت كمان..."
لم يدعها تكمل باقي حديثها وقام بصفعها بكل قوته.
اتجه لماجد كالمجنون.
"شوف آخرتها إيه، بنت الكلب بتحاول توقعنا في بعض."
جلس ماجد على المقعد ووضع رأسه بين يديه وكأن الدنيا تدور به.
وصل جواد إليها في خطوة.
"إنتِ أكيد واحدة حقيرة والعيب مش عليكي العيب عليا إني سكت عليك، بس ملحوقة ياشهنياز دلوقتى جه الوقت نصفي حسابنا."
ولكن قاطعهم غزل.
"فيه إيه مالكو صوتكو عالي ليه؟"
همست شهيناز له بعيون مليئة بالحقد.
"روح شوف اللي هتموت عليك، وإنت عامل نفسك من بنها، ولا ياعالم يمكن مقضيها معاها ماهو مش معقول الحب اللي بينكم دا هيعدي من غير حاجة."
"هتسكت خالص عني يا جواد؟ وأي كلمة تانية هخليها زفت على دماغ الكل، بلاش ترمي الناس بالطوب وإنت بيتك من قزاز ياحضرة الظابط..."
بصق عليها جواد ثم نظر إلى ماجد مستاءاً منه ومن هذه الشمطاء.
اتجه إلى غزل وضمها من أكتافها.
"تعالي يا غزل معايا، جاسر عند حازم عشان حازم تعبان وهيبات معاه وقالي عشان أجي أطمنك."
اتجه بها نحو غرفتها.
"ضربته بخفة في جنبه وأسرعت إلى غرفتها."
"زي ما إنت لسة بتعاملني كإني طفلة، إنت بتساير بنت أختك الصغيرة وبتلهيها. في إيه بيحصل تحت يا جواد؟"
حاول بالفعل إلهائها عن التفكير فيما يحدث بالأسفل، فرفع حاجبه للأعلى وصاح بها.
"وإنتي لما تكبري هتكبري عليا أنا ولا إيه؟ وياترى بقي الحلوة العاقلة الكبيرة متعرفيش إنه غلط تقفل الباب في وش أخوها الكبير؟"
هبت واقفة أمامه تنفخ بفمها الهواء كطفلة حقاً فأثارت داخله مشاعر لطيفة.
"طيب أخويا الكبير دا لما كل شوية مفيش غير كلمة هعاقبك وغير إنه يحرق دمي أرد عليه بإيه مثلاً؟ أقوله تعالى في حضني وإنت بتعاقبني يا حنين؟"
رغم أنها أردفت بها بمزاح إلا أنها حركت مشاعره، فنظر بعمق داخل عينيها ليستشف معنى كلماتها الطفولية التي لا تدرك أثر وقعها على قلبه وعقله.
"وماله لما تاخديني في حضنك وتصالحيني؟"
رفعت حاجبها باستخفاف.
"كان عندنا وشطبنا ياحبيبي، ممكن نستلفلك من الجيران شوية أحضان."
قهقه جواد بصوت عالٍ، حتى نظرت إليه كالأطفال ومطت شفتيها للأمام قائلة.
"والله إنت رخم ومستفز."
جذبها إليه مقبلاً رأسها.
"أنا مش بقول طفلة تبقي فعلاً طفلة، ربنا يصبرني على هبلك. بقولك تعالي ننزل نركب عجل."
رفعت حاجبها.
"دلوقتي؟"
أجابها.
"أينعم... أصلي كنت عامل حريــ.ـقـ.ـة تحت لأبوكي. ونفسي أغظ شهيناز ونركب أنا وإنتي عجل دلوقتي."
"لا كدا حضرة الضابط شكله اتجنن.. عايزنا نركب عجل دلوقتي."
قرصها جواد من خدها متمتماً بابتسامة.
"وحد قالك إننا عاقلين يابنوتي الحلوة؟ قومي يالا تعالي."
أسبلت أهدابها متحاشية النظر إليه كي لا تتقابل بعينيه وتضعف أمامه. هبت واقفة.
"تعالي ننزل، عايزة صهيب في حاجة ضرورية."
ضيق عيناه ونظر إليها مستفهماً.
"صهيب كدا من غير آبيه؟ وكمان عايزاه ضروري؟ وياترى أميرتي الحلوة عايزاه في إيه؟"
رفعت حاجبها ونظرت له باستخفاف.
"إنت عندك تناقض في الشخصية.. من شوية هعاقبك، ودلوقتي اميرتي.. اتجهت ووقفت أمامه."
"اهدى يا آبيه وخليك بشخصية واحدة عشان أفهمك."
نظر إليها بتمعن وترقب.
"ناوية على إيه يازوزو، شكلك مش مريحني."
هبطت الدرج.
"انزل بس ولا حاجة ولا محتاجة..."
وجدت والدها جالساً ويبدو على ملامحه الحزن العميق. اتجهت إليه ووقفت أمامه.
"بابا قاعد كدا ليه..."
نظر لجواد الذي رفع حاجبه بألا ينطق أمامها شيئاً.
"رايحة فين يا غزل؟"
جملة أردف بها ماجد.
"هروح أشوف آبيه صهيب، فيه واحدة صاحبتي هتنزل عنده الشغل بكرة."
أماء برأسه دون حديث واتجهت خلف جواد الذي خرج منذ حديثها مع والدها.
"آبيه جواد."
أردفت بها بصوتاً مرتفع واتجهت اليه.
"فين صهيب فوق ولا عند حازم؟"
جاوبها بسخرية مقيتة.
"والله مش الحارس الشخصي بتاعه."
ثم اقترب منها حتى أصبح بقبالتها.
"هو صهيب وأنا آبيه جواد."
أردف بها وهو يتأمل قسمات وجهها الجميل وهي تنفخ من كلماته كالأطفال.
شهقت شهقة بتمثيلها المراوغ ثم دنت منه بخطوات هادئة وعلى وجهها ابتسامة تسلية.
"الله مش انت اللي قولت بقيتي بتقولي جواد من غير آبيه والصراحة عندك حق، ازاي أقول لواحد قدك اسمك بدون ألقاب."
على الرغم أنها أردفت بها بمزاح إلا أنها نزلت فوق صـ.ـدره كصخرة، وأصابت قلبه بمقتل.
صمت هنيهة يحاول تمالك أعصابه ونبضات قلـ.ـبه المتعصية. نظر إليها وكادت مقلتيه تخرج من محجريه وقلبه أوشك أن يتوقف من فرط الألم الذي أودى به إلى الهلاك في حضرتها.
"هتلاقيه عند حازم."
أردف بها ثم تركها وغادر بسرعة البرق هروباً منها ومن قلبه الذي بدأ يتمادى وعشقه الذي بدأ يظهر أمامه قبل الجميع.
في منزل يحيى الذي اشتراه بالقرب من الكمبوند، نظرت منال إليه واردفت.
"كنت هقولها خلاص بس جواد دخل ووقفني، لو سمع كانت هتكون نهايتنا."
زفر يحيى بضيق مردفاً:
"تعرفي الموضوع اللي فات عدى زي ماخططنا، كنا زمانا متخلصين منه. بس ابن اللئيمة عرف يعدي. بس مش مشكلة، بكرة أكيد هينزل الشغل، في الوقت دا تحاولي تستفردي بها."
❈-❈-❈
في تركيا.
قامت ميرنا بالاتصال على حازم.
"حازم وحشتني، أنا حجزت وعايزة أنزل القاهرة بس بابا رفض، كلمه ياحازم لو سمحت هو هيسمع منك."
خرج حازم ليكمل مكالمته.
"مالك ياميري صوتك ماله ياقلبي؟"
"تعبانة ومش مرتاحة من غيرك حبيبي، كدا تسبني وتمشي."
"ماما رفضت سفرك ياميري، وبعدين ماتزعليش ياقلبي هظبط كام حاجة هنا وهاجي أخـ. ـدك، أنا لسة منقلتش، شغلي كله مصر."
"بسرعة ياحازم لو سمحت هستناك."
"قريب حبيبتي متخافيش.. خلي بالك من نفسك وسلمي على ماما وخالتو."
بعد اغلاقه الهاتف وقف قليلاً بالخارج ينظر في اللاشيء ويتذكر كلمات وبكاء أخته، يعلم أن أصابها شيئاً.
وصلت غزل إليه. أوقفها وخرج بها إلى الحديقة كي لا ترى أخاها، فجواد اتصل به وفهمه إنها لا تعرف شيئاً.
"تعالي يازوزو نخرج شوية، عايزك في موضوع."
"لا أنا جاية عايزة أشوف صهيب الأول."
زفر بضيق وحاول ألا يشتت تفكيرها.
"حبيبتي صهيب روح من شوية."
"مالك يازومي من ساعة ماجيت وانت قافل على نفسك ليه؟"
"آهة خفيضة تحررت من بين شفتيه يتبعها قوله بمرارة."
"ميرنا وحشتني قوي، غير إن أنا وماما متخانقين بسبب نزولي بس دا الموضوع ياستو."
"أنا."
قهقهت عليه ستو أنا.
"إيه حكايتك مع جواد يا غزل؟ إنتِ بتحبي جواد يا غزل؟"
فتحت فمها لتعترض ولكنه حول نظره ليشجعها حتى تقص له.
تنهدت باستسلام وظهر اليأس والحزن على وجهها ثم زفرت بضيق. شعرت إن كل ذرة بمشاعرها تنتحب وحزينة، نادمة على قلبها الذي عشقت سراباً.
أطبقت جفنيها ثم نظرت له.
"لو قولتلك إن الحب اللي في الدنيا دي كلها فيه هتصدقني؟ هتقولي ليه هو؟ هقولك معرفش. هتسألني دا عشق؟ هقولك لو فيه أعلى منه كنت أدتهوله. بس شوف آخرة العشق دا إيه؟ أنا في طريق وهو في طريق تاني خالص."
رمقها بامتعاض وحزن في نفس الوقت.
"ساعات بنحب الناس الغلط في الوقت الصح للأسف."
سكنت لثواني تحاول تنظم أنفاسها المضطربة من فرط مشاعرها.
"بس وعدت نفسي لأمحي الحب دا من قلبي، متخافش عليا هتجاوزه وهكون قوية، هو علمني كدا الضربة اللي بتـ.ـوجع بتقوي."
أردفت بها بحزن.
كان وصل منذ وقت واستمع لحديثها. تهد.جت أنفاسه باضطراب، حاول أن يأخذ نفساً ثقيلاً يعبأ به رئتيه ولكنه شعر باختناقه. لا يعلم هل من كلماته أنها سوف تمحيه أم لأنه أوجع قلبها.
خطى لداخل بخطوات معتثرة وهو مازال يشعر بقبضة صدره التي جعلت قلبه كنار متوهجة مثل البركان.
"جاسر فين؟"
أردف بها دون حديث آخر. رأته واهتزت نظراتها أمامه عندما علمت أنه استمع لحديثها. لم تسعفها الكلمات أو النطق.
"أنا مش شفته."
وزع حازم نظراته بينهما.
"جاسر نام من شوية."
نظرت له بعمق.
"إنت مش تعبان ياحازم إزاي؟"
حمحم حازم ونظر لها.
"كنت متخا. نق مع صهيب وجاسر حاول يفك مابينا بس."
نظرت إليه بتمعن وترقب.
"خناقة بينك وبين صهيب وابيه جواد معرفش يحلها تجيب جاسر يحلها ويجي ابيه يقولي إنك تعبان وجاسر هيبات واجيلك الاقيك زي القرد، وغير كدا تقولي خنا. قة."
"روحي نامي يا غزل بعدين نتكلم."
أردف بها جواد وهو موليها ظهره. اتجهت في مقابلته وجدته يد.خن بشراسة.
"إنت لسة مخلص واحدة بقيت بتدخن كتير ليه؟ مش خايف على صحتك؟"
رمقها بنظرات هائمة.
"خايفة عليا؟"
أجابته بابتسامة باهتة خالية.
"لا خنقتني من ريحة السجاير.!!"
أردفت بها وغادرت.
أشفق حازم عليه توجه إليه وجلس.
خرج جاسر عندما غادرت غزل. نظر لهم وتحدث بصوتاً مرتجف رغم حزنه.
"غزل تعرف حاجة؟"
ربت جواد على ظهره.
"لا ياحبيبي متخافش، بس اختك وعارفها هتفضل تدور لحد ما تعرف."
في صباح آخر لاح في الأفق يعلن عن شروق شمس جديدة، أرخت أشعتها الذهبية بنحوها المعتاد ليظهر يوماً جديداً سعيداً على البعض وحزيناً على البعض الآخر.
في منزل يحيى يجلس عاصم في غرفته ويتحدث عبر هاتفه.
"عرفت هتعمل إيه على الله المرادي، تخيب ظني."
على الجانب الآخر.
"فهمت ياعاصم باشا، خبره هيكون عندك بالليل."
في منزل جواد.
يجلس أمام جهازه المحمول. يبحث بلهفة عن نتيجتها. دخلت مليكة عليه.
"إيه مفيش جديد؟ ازاي جاسر لحد دلوقتي ماجاش واطمن؟ ولا يمكن قاعد بيهديها؟ بتصل بيها مابتردش."
تهد.جت أنفاسه باضطراب بينما أخذ صدره يعلو ويهبط من كثرة انفاعله وترقبه.
أخيراً ظهر اسمها أمامه برقم جلوسها. جحظت عيناه وتساقطت دموعه بسعادة.
"كنت عارف إنك هتعمليها يابت يازوزو... برافو عليكي."
ضحكت مليكة وحضـ.ـنته.
"أخيراً ضحكت والله ياحبيبي، اللي يشوفك يقول نتيجتك انت."
قهقه عليها بصوتاً مرتفع.
"ماهي دي نتيجتي ياملوكة.. دا تعبي وشقاي السنين اللي فاتت."
ضمته بحب.
"ربنا يسعدك ياحبيبي يارب ودايماً نشوفها من المتفوقين. أظن كدا 'طب' إن شاء الله."
"أكيد ياقلبي، أروح أغلس عليها قبل ما أنزل شغلي. اتصلي بصهيب طمنيه وجاسر أكيد عرف دلوقتي."
خرج سريعا تقابل بجاسر، وظلا يضحكان.
ضمه جواد بحب.
"شوفت أختك القردة من الأوائل وامبارح تقولي هسقط. والله لازم آخد حق حر.ق دمي."
ضيق عيناه ونظر متسائلاً بهدوء، ينظر بعاصفة لما يقوله.
"وبعدهالك يا جواد هتفضل تهرب لحد إمتى؟ وأوعى تلف وتدور عليا. عايز أعرف الشعور اللي وصلني منك لغزل صح، ومن فضلك متستخفش بنظرتي."
اهتزت نظراته أمام جاسر ولم تسعفه الكلمات.
"لدرجادي مكشوف للكل كدا."
أردف بها بشفتين مرتعشتين، شعر بمدى حماقته وفداحة تصرفه فزفر بضيق.
ونظر كأنه يبحث عن مخرج من وجع قلبه.
"معرفش يا جاسر إزاي وقعت واستسلمت لقلبي، إزاي وأنا كنت مفكر إني بحب ندى، وفجأة لقيت نفسي مش متخيل حياتي من غيرها. معرفش إزاي وصلت للنقطة دي، حاسس إن جبل على قلاع من رمال، بس مستحيل الحب دا يكمل."
"غزل بتحبك قوي يا جواد، ومن كلماتك دلوقتي إنت بتحبها."
"لا مش بحبها!! هي بالنسبالي الحياة ياصاحبي بس حياة بطعم الموت، يعني لازم أقفل على قلبي بمليون قفل، هي صغيرة بكرة تلاقي اللي يحبها وتنساني."
"وممكن تفضل تحبك ومتعرفش تفتح قلبها لحد."
"مستحيل، إحنا زي النار والبنزين يا جاسر ماينفعش نقربهم من بعض، وإنت سمعت أسبابي، وممكن تعلقي بيها يكون حب أبوي فقط. أنا تايه ومعرفش إيه اللي هيحصل."
تنهد بضيق.
"حاول يا جواد وإنت هتلاقي حل، مش معقول الحب دا يضيع."
"لازم يضيع يا جاسر، ولازم أدو. س حتى أمنع التنفس."
❈-❈-❈
في شركة الألفي.
دخلت نهى الشركة وسألت في الاستقبال عن مكتب صهيب.
أجابتها المسؤولة: "حضرتك نهى عادل يافندم."
نظرت إليها نهى وأجابتها: "أيوة."
"طيب اتفضلي هتلاقي البشمهندس منتظر حضرتك في مكتبه في الدور الأخير."
"نعم!! الدور الأخير قصدك الدور السابع؟"
أومات الموظفة برأسها.
"بالظبط يافندم، توصلي هناك والسكرتيرة هتدخلك لعنده."
صعدت درجات السلالم حتى وصلت للطابق المنشود بعد فترة بجسد منهك ونفساً يكاد يسحب.
وقفت لدقائق حتى تستعيد انتظام أنفاسها. نظرت إليها السكرتيرة الخاصة بصهيب والتي تدعى شروق.
"أفندم حضرتك محتاجة حاجة؟"
حاولت نهى التحدث ولكنها لم تستطع الحديث. ظلت تسحب الهواء وتزفره ببطء حتى ينتظم تنفسها. أخيراً نظرت إليها وتحدثت قائلة.
"عندي ميعاد مع البشمهندس صهيب لو سمحتي."
نظرت لها شروق من أسفلها لأعلاها.
"وحضرتك مين بقي إن شاء الله؟"
زفرت بضيق منها ومن أسلوبها المستفز.
"حضرتك بس ادخلي وقوليله نهى عادل برة."
رفعت حاجبها مستاءة من تلك التي أمامها وتتحدث بثقة.
"طيب يانهى ياعادل هدخل أقوله، أما أشوف أخرتها إيه."
بعد لحظات خرجت لها وهي تنظر بمقت.
"اتفضلي البشمهندس مستنيكي."
تخطتها نهى وكأنها لا تعني شيئاً.
دخلت إليه. وجدته ينظر في ملف أمامه وتركيزه منصب بالكامل عليه.
حمحمت حتى يشعر بدخولها.
رفع نظره أخيراً من فوق الأوراق ثم نظر إليها بتمعن وأردف متسائلاً.
"إنت نهى عادل.. صديقة غزل؟"
"أيوة يافندم..."
ثم اقتربت منه ووضعت الـ C.V أمامه.
"كل حاجة عني قدام حضرتك."
ظل ينظر لها بصمت وفجأة تذكر أحداث الماضي. لا يعلم لماذا خطرت له الآن عندما رآها. هل يوجد شبه بينهما؟ أم هناك بعض الصفات المشتركة؟
ظل يحلق بها للحظات حتى أخرجته نهى من شروده.
"حضرتك مردتش عليا؟"
نظر للملف بتمعن ثم اتجه بأنظاره إليها.
"ما اشتغلتيش قبل كدا؟"
"لا!!"
"ماحاولتش."
إجابة بسيطة ردت بها.
نصب عوده الفارغ وسار إلى النافذة وسألها وهو موليها ظهره عندما تذكر ذكرى مأسوية له.
"ليه ما اشتغلتيش؟ مع إن تقديرك كويس جداً وغير كدا مخلصة بقالك سنة تقريباً."
"ماحاولتش أو بمعنى أصح مكنتش عايزة شغل وخلاص. أنا من عشاق اللغة ورغم كدا محاولتش أشتغل في السياحة."
"امممم...."
همهم بها ثم استدار إليها.
"ملفك بيقول معاكي 5 لغات دا صحيح؟!!"
"أيوة يافندم انجلش، فرنش، اسبانيش، تركي، وصيني. وبعرف عبري كمان بس محبتش أضيفه.. وعند حضرتك كورسات الكمبيوتر اللي أخدتها."
ابتلع غصة وخزت جوفه كأنها أشواك تمـ.ـزقه وقام بسؤالها.
"إنت بتحبي الرسم؟"
على الرغم من أن سؤاله غير مرتبط بالوظيفة إلا أنها أجابته.
"دي هوايتي المفضلة، هي والعزف على البيانو."
استغرب نفسه بسؤاله!!
نظر لعيونها مباشرة.
"شكلك أقنعتيني يا آنسة نهى."
ثم بسط يده وأردف مهنئاً.
"ألف مبروك يارب، شركتنا المتواضعة تعجب حضرتك."
بسطت يدها.
"شكراً لحضرتك وأتمنى أكون عند حسن ظنك."
عندما لامس يدها وصافحها. شعر بشعور قديم اجتاح داخله كان قد دفن منذ زمن.
ظل ينظر لعيناها التي كانت تحاول أن تهرب بها من صوب نظراته. ولكنه وجدها كترانيم تجذب كل من يراها. لونها البني المصفى يطغى على جمالها وروحها مما جذبه إليها بدون رحمة.
فهل سيقع صهيب في ترانيم عشقها.
في فيلا الحسيني.
وصل إلى غرفتها.
قام بطرق الباب عليها. فتحت بعد لحظات.
نظرت إليه وكلها خوف وأملاً في نفس الوقت.
"قول بسرعة وبلاش لعب بأعصابي... عارفة إنك بارد وهتمو.تني خوف."
حاول أن يداري ولكن نظراتها وكلماتها جعلته يقهقه. عندما وجدت ضحكاته أسرعت إليه وضمتـ.ـه بكل قوتها. ضمـ.ـها إلى صدره بحنان وبدأ يدور بها في الغرفة. وصل ماجد عندما استمع إلى ضحكاتهما.
نظر إليهم بتيه.
"عملت إيه يا جواد؟"
ضيق عيناه ونظر له مستاءاً.
"وتفتكر بنتي النجيبة هتعمل إيه؟ شوية وتلاقي وزير التعليم يتصل بها، على فكرة النتيجة دي جاتلي متسربة يابت عشان تعرفي غلاوتك قد إيه."
حضنته مرة أخرى.
"أنا بحبك قوي قوي يا جود ربنا يخليك ليا يارب.. على الرغم من فرحته التي ملئت قلبه بعد كلماته العفوية إلا أنها شقـ.ـت قلبه لنصفين. خرجت من أحضـ.ـانه ونظرت داخل مقلتيه وأردفت بحب وعرفان."
"عارفة إنك أكتر واحد تستاهل الفرحة.. إنت ورا النجاح دا مستحيل أنسى سهرك ومذاكرتك معايا، مستحيل أنسى المدرسين اللي شيبتهم معاك، والقهوة اللي طول الليل تتعملي.. شكراً يا آبيه بجد وإن شاءلله هيجي اليوم اللي أردلك تعبك معايا."
ضم رأسها وقبلها.
"متقوليش كدا يابت ياهبلة أنا كنت بعمل مع مليكة كدا.. كويس عندي واحدة مهندسة والتانية دكتورة إن شاء الله."
"دكتورة."
أردفت بها بصدمة.
"أنا مش عايزة أدخل طب يا آبيه."
"مفيش حضن لبابا يا غزل."
أسرعت له آسفة.
"يابابا أعذرني حبيبي الفرحة نستني... بس تعرف كان نفسي أسقط عشان أعرف حضرة الضابط هيعمل إيه. فين شهيناز عشان أفرحها."
نظر جواد لماجد بهدوء.
"أكيد تحت في غرفتها حبيبتي مش كدا ياعمو."
"أيوة ياقلبي هي تحت وكانت بتسأل عن النتيجة وأنا لما سمعت ضحكاتكم جيت أطمن."
جذب جواد يديها.
"تعالي معايا يازوزو هنروح لمليكة مستنياكي عشان تديكي هدية."
أسرعت للخارج كطفلة تسرع إلى ألعابها بكل رحابة صدرها.
في تركيا.
دخلت حسناء إلى غرفة ميرنا.
"هتفضلي كدا يابنتي زعلانة مني... طيب اسمعيني وبعد كدا احكمي."
"بعد إيه ياماما عايزاني أسمع، بعد مادمرتي حياة أخويا، وياترى دمرتي مين تاني... عمو حسين كنتي على علاقة إزاي بأخو جوزك، عايزة تبرري إيه.. أنا دلوقتي عرفت ليه سبتي مصر السنين دي كلها. دلوقتي عرفت ليه اتجوزتي بعد موت بابا حازم. عشان تقهري عمو حسين كمان وكمان وتقولي له شوف أنا عايشة حياتي من غيرك. للأسف أنا ندمانة إنك أمي."
قامت حسناء بصفعها.
"اخرصي إنتِ آزاي تتكلمي معايا بالأسلوب دا انتِ نسيتي نفسك ولا إيه."
أردفت بها بحزن ثم خرجت. لأول مرة ترفع يديها على إبنتها.
بعد ثلاثة أيام في فيلا الألفي.
ذهبت إليه لحين نزول جواد. جلست بجواره بهدوء ونظرت للبعيد ثم أردفت حزينة.
"هتفضل لحد إمتى رافض ترد على اتصالاتي؟"
ثم نظرت إليه.
"أنا عملت إيه يا جاسر للمعاملة دي؟"
ثم ذرفت دموعها.
زفر بضيق على حالتها التي وصلت إليها من خلاله.
"حبيبتي اعذريني أنا مشغول الأيام دي يامليكة."
ثم ضمها إلى صدره وقبل رأسها.
"آسف حبيبتي متزعليش مني."
تشبثت بملابسه بقوة وبدأت تبكي بقوة.
"فيك إيه يا جاسر احكيلي حبيبي مش أنا حبيبتك ومراتك والمفروض متخبيش عني حاجة..."
رفع رأسها ونظر إلى عينيها واردف مختنقا.
"أنا تعبان أوي يامليكة، الدنيا بتطوحني كل شوية حاسس إني في كابوس."
لمست جانب وجهه بحنان.
"احكيلي."
نظر للبعيد وأخرج تنهيدة عميقة تدل على مدى حزنه ووجعه من والده.
"أنا وبابا بينا مشكلة كبيرة، هي مش مشكلة هو وجع بالمعنى الصحيح."
نظرت إليه واستمعت إليه بكامل تركيزها عندما وجدت دموعه سقطت رغماً عنه.
"يعني إيه يا جاسر كلامك دا، عمو ماجد مزعلك يعني ولا إنت اللي مزعله؟"
قام بقص ما صار له في تلك الليلة ثم زفر بقوة.
وضعت يداها على فاها لم تصدق ما قيل.
"مش معقول الحقيرة دي وصل بيها التمادي لكدا، دا كله يحصل من غير ما أعرف."
"يعني انتِ مصدقة كلامي؟"
ضيقت عيناها مستفهمة عن حديثه ثم أردفت بقوة بعدما اعتدلت واقفة.
"إنت بتقول إيه.. معقول يا جاسر بتسألني السؤال دا... دا أنا أعرفك أكتر من نفسي وعمري ما أشـ. ـك بأخلاقك."
"إنها توصل للمستوى المنحط دا."
تنهد بضيق.
"بس أبويا صدقها للأسف... شوفتي!!"
"ولا يهمك حبيبي أعذره برضو، هو دخل وشاف المنظر دا عقله لازم يقف."
في هذه الأثناء أتى جواد إليهما ثم نظر إليهما.
"على ما أعتقد حلو الوقت اللي سبتكم فيه دا.. ياله ياعم رميو عشان نلحق."
ثم تركهم واتجه للسيارة.
ضمـ. ـها بقوة إلى أحضـ. ـانه كأنه يقوم بتوديعها.
أخرجها بأحضانه بهدوء.
"عايزك تعرفي إني بحبك، لو حبي اتوزع على العالم يفيض.. وعمري ما فكرت أحزنك او أبعد عنك."
ثم نظر إلى شفتيها التي ترتعش من واقع كلماته وقام بتقبيلها بهدوء.
بعد لحظات اتجه إلى جواد بعدما ودعها.
"خلي بالك من نفسك وغزل قربي منها على قد ما تقدري، إنتوا أغلى حاجة عندي... اعرفي لو جه يوم وبعدت عنكم فأنا بوصيكي عليها."
وصية أب على بنته.
خطى عدة خطوات ولكنه توجه بنظره إليها عندما صاحت.
اسمه بقوة وأسرعت إليه وحضنته بقوة وضربته على ظهره.
"ماتقولش كدا تاني إنت هتفضل معنا طول العمر سامعني؟ مش مسمحولك تسبيني."
ضمـ.ـها إلى أحضانه بقوة كادت أن تنصهر من شدتها وهمس لها بكلمات لحتى تستكين روحها ثم وضع قبلة أعلى جبينها وانطلق مغادراً من أمامها.
ركب السيارة بجوار جواد وكأن روحه سُرقت منه. تنفس بقوة وأخرج تنهيدة عميقة من صدره. نظر جواد إليه.
"اتكلمت مع مليكة في حاجة عرفتها..."
"سألتني مالك قولتلها إنك مشغول بس."
"حكتلها كل حاجة يا جواد كان لازم تعرف عشان ميجيش وقت وشهيناز تستغل الموضوع دا وتحاول تفرق بينا."
وردها كان إيه؟... ابتسم بحب عندما تذكر كلماتها.
"مستني يكون ردها إيه؟ مليكة دي عشقي يا جواد كبرت وحبها بيكبر جوايا. شوفت ستات العالم كلهم فيها، تفتكر بعد الحب دا هيكون ردها إنها تصدق إني أخونها أو أنزل لمستوى منحط بأخلاقي."
رفع حاجبه بضيق مفتعل.
"لا والله لا أنفتح بكلماتك، مش مكسوف مني ولا مراعي إنها أختي."
لكمه بخفة في ذراعه.
"ومراتي مش واخد بالك من الحتة دي... المهم عايز لما أخلص من القضية دي نتجو.ز هنستنى إيه؟"
"إن شاء الله حبيبي، ربنا يوفقنا المرادي ونعرف نمسكهم متلبسين ونخلص منها."
في طريقه قامت ندى بالاتصال به.
"حبيبي إيه مش المفروض ننزل نشوف العفش؟ فرحنا قرّب يا جواد ومفيش حاجة عملناها."
زفر بضيق وحاول أن يكون طبيعي.
"عندي شغل مهم دلوقتي ياندى، لما أخلصه هكلمك."
نظر جاسر إليه بعمق ثم اردف.
"إنت بتغلط يا جواد... ندى مالهاش ذنب."
جحظت عيناه ونظر له.
"أنا مظلمتهاش يا جاسر، بحاول أخلي حياتنا طبيعية.. لازم نكمل جوازنا يا جاسر لو الجوازة متمتش هيكون صعب عليا صدقني، خلينا نكون واقعيين بلاش أحلام وهمية."
❈-❈-❈
بعد فترة وصلت قوات الشرطة بقيادة كلا من العقيد جواد الألفي وجاسر الحسيني وهما من أكفأ ضباط مكافحة تهريب المخدرات وتجارة السلاح.
اقتحمت الشرطة وكر المجرمين وقاموا بمحاصرة المكان عندما كان هؤلاء المجرمين يقومون بعملية تسليم لتلك المواد المخدرة.
تفرقت قوات الشرطة إلى مجموعات حسب الخطة الموضوعة حيث اتجه جواد ومعه بعض القوات تجاه الغرف بحثاً عن مكان الرأس المدبر لتلك التجارة.
فيما اتجه جاسر ومعه باقي القوات نحو مكان التسليم حيث دارت العملية، فاوقفوا عملية التسليم وقاموا بإلقاء القبض على معظم المهربين مع تبادل لإطلاق النار نتيجة هروب البعض الآخر، ولكن كانت الغلبة لهؤلاء المجرمين لأنهم كانوا أكثر عدداً.
بعد وقت استطاع جواد التسلل لمكان الرأس الكبيرة والقبض عليه والذي يعد من أكبر رجال الأعمال في الدولة.
ثم توجه حيث وجود جاسر الذي كان محاصراً من جميع الاتجاهات بسبب عدد هؤلاء المجرمين الذين حاصروه. فاتجه جواد إليهم بزعميهم بعدما خسرت الشرطة الكثير من أبنائها.
صاح جواد بذلك الرجل الذي كان يقيده ويمسكه من تلابيبه.
"قولهم يوقفوا ضرب."
أمرهم الرجل بالتوقف حالاً ورمي أسلحتهم فانصاعوا لأوامره.
وبالفعل تم وقف تبادل إطلاق النار بينهما.
استدار جواد لجاسر.
"جمعهم على جنب كدا وتحفظ عليهم."
وفي غفلة منهما قام شخص بالتسلل واستخدم سلاحه واطلق طلقة في اتجاه جواد.
لمحه جاسر. أسرع وقام بدفعه واستقرت الطلقة في صدره.
نظر جواد إلى ما حدث ثواني فقط صار الوضع مأساوياً لدى الشرطة ولكن استطاع جواد السيطرة وتم القبض عليهم.
ولكن هرب أحد زعمائهم.
أسرع جواد إلى جاسر الذي سقط ودمائه تحاوطه وصاح بالضباط.
"اطلبوا إسعاف بسرعة."
جلس على ركبتيه ورفع رأسه وقام بالضغط مكان جرحه ليوقف النزيف.
ابتسم جاسر لجواد.
"خلاص ياصاحبي شكلها النهاية."
حاول أن يلتقط أنفاسه بصعوبة.
وضع يديه على يدي جواد.
"وصيتي ليك غزل يا جواد. أوعي تتخلى عنها. إتجوزها يا جواد أنا بوصيك إنك تتجوزها لو حصلي حاجة ياصاحبي هنتقابل وهسألك عليها. مالهاش حد بعدي، بابا ممكن يعمل فيها زي ما عمل فيا. أنا مسامحه وعارفه أني بحبه كتير. آه مليكة آه ياحب عمري وشبابي. خليها تعيش حياتها من بعدي. متخليهاش تحزن مش عايز أشوف حزنها. غزل يا جواد غزل."
ظل يرددها.
نزلت دموع جواد.
"اسكت يالا هتعيش سامعني وهتتجوز وهتسلم غزل لجوزها. أوعى تستسلم يا جاسر للموت أنا بقولك أهو. فين الإسعاف."
أردف بها بقوة زلزلت السماء من صرخاته.
لحظات وأغمض عينيه مبتسماً.
صرخة دوت بالمكان من جواد كأنه زئير أسد جائع يبحث عن طعام لفترة من الوقت.
أتت سيارة الإسعاف ونقلوه إلى المستشفى.
على صعيد آخر في فيلا الألفي.
تجلس غزل بجوار مليكة ويتعلمون العزف على البيانو مع مدربهما. بينما يجلس صهيب في الحديقة مع حازم يتسامرون.
نظر صهيب لحازم ورفع ذقنه بمعنى مالك.
"إيه يابني ساكت ليه من ساعة ماجيت؟"
"مفيش مخنـ.ـوق بس."
رفع حاجبه بتحفز.
"الكلام على إيه؟ أوعى يكون معرفتش تكلم المزة بتعتك."
قطع حديثهما رنين هاتف صهيب.
رفع نظره لحازم.
"أهو عمو عزرائيل وصل وهيسمعني موشح كل يوم. اسمع كدا."
"أيوة ياباشا مصر الأمن مستتب والكل في آمان."
ولكنه وقف سريعاً واردف مذهولاً.
"إنت بتقول إيه؟ جاسر ماله؟!! طيب طيب إحنا جاين أه. هتصل بيه حالا."
أسرع صهيب لوالده ونسي أن غزل بالداخل مع مليكة.
"بابا بابا."
"جاسر اتصاب وحالته خطيرة في المستشفى."
نظر إليه بذهول.
"إنت بتقول إيه يابني... يارب جيب العواقب سليمة. وأخوك عامل إيه؟"
كانت تخرج من غرفة الموسيقى بيديها كوباً من العصير وعندما استمعت إلى كلمات صهيب. صرخت بقوة باسمه حتى أتى جميع من في المنزل ثم أُغشي عليها.
أتت غزل بخطوات بطيئة ووصلت عندهم بعدما سمعت صراخ مليكة ووجدتها أُغشي عليها.
حملها صهيب وقاموا بإفاقتها.
نظرت إليهم.
"فيه إيه وماله جاسر.!!"
ضمها حسين إلى صدره.
"مالوش حبيبتي هيكون كويس بس اتصاب إصابة بسيطة. هنروح نشوفه."
نزلت دموعها كطفلة بريئة فقدت والدها.
"عايزة أروح معاكم... عايزة أشوف أخويا."
أردفت بها بصوت باكي متقطع.
جذبها صهيب وحازم من يديها.
"تعالي حبيبتي علشان تشوفيه."
نظر حسين إلى ابنه بمعنى.
"اتجننت!! هتروح إزاي وأنت بتقول حالته خطر."
همس لوالده.
"بابا جواد قال هاتوا غزل ومليكة."
ثم اتجه بأنظاره لمليكة التي تجلس وتنظر بشرود وكأنها مغيبة عن عالمهم.
وصل صهيب إليها وملس على رأسها بحنان.
"قومي حبيبتي عشان نروح نشوفه."
أخيراً رفعت عيناها إليه.
"هيكون كويس ياصهيب مش كدا؟"
ضمها بحنان أخوي.
"إن شاء الله ياحبيبتي."
بعد أكثر من نصف ساعة وصلوا جميعاً إلى المستشفى. الكل في حالة ترقب. معظم المستشفى كانت من الضباط بحكم أنها عسكرية.
اتجه أمجد بساقين ترتعشان ونظر إلى جواد وتحدث.
"فين جاسر يا جواد ابني فين؟"
لم يتحرك جواد ظل كما هو جالساً وكأن على رأسه الطير. أغمض عينيه بقوة لا يتحمل شيئاً يصاب لصديق عمره ولكن نظر إلى ماجد وأشار بعينيه اتجاه غرفة العمليات.
❈-❈-❈
ظل أكثر من ثلاث ساعات والكل في حالة ترقب شديد. تجلس مليكة بجوار غزل وتحتضنها وتتساقط دموعها بصمت وتتذكر حديثه الأخير.
انتهت العملية أخيراً وخرج الطبيب إليهم.
أسرع الجميع إليه سوى مليكة وغزل.
نظر ماجد إليه متسائلاً.
"ابني عامل إيه يادكتور؟"
نظر الطبيب وعلامات الإرهاق والحزن ظاهرة عليه ثم أردف بعملية.
"ادعوله إحنا عملنا اللي علينا والباقي على ربنا."
مرت أكثر من ساعتين أخرى، ولكن حدثت خطوات الأطباء السريعة إلى غرفة العناية تدل أن هناك شيئاً سيئاً حدث له.
بعد نصف ساعة خرج الطبيب. نظر إليهم بأسى وحزن.
"آسف كنت أتمنى أطمنكم لكن البقاء لله."
نزلت كلمات الطبيب كماء مثلج في فصل الشتاء على رؤوسهم. صرخة دوت بالمكان وشقت الصدور من قلب غزل. ثم اتجهت سريعاً إلى غرفة العناية وجدتهم يغطون وجهه.
شهقة من أنين قلبها تصرخ بتقطع.
"لا محدش يغطيه."
قالتها واقتربت بساقين مرتعشتين. الحزن والألم حفر ثقوباً بقلبها، ليشق صدرها وكم من آهات صرخت بها. شهقات خلف شهقات تكتمها بكفيها.
ثم جثت أمام فراشه.
أمسكت يديه تقبله وأردفت بصوتاً باكي متقطعاً شق صدور الموجودين.
"قوم يا جسورة يرضيك تسيب غزالتك وحيدة؟ طيب والله لا أخاصمك يا جاسر ومش هكلمك تاني."
"غزالتك مالهاش غيرك، آه ياحرقة قلبي."
ظلت تقبل كفيه، ورجفة اعترت فؤادها حينما شعرت ببرودة جسده.
ضمت كفيه تنفث بهما، وأردفت ببكاء.
"إنت بردان ليه؟"
"ياحبيبي كدا جسمك بدأ يبرد."
رفعت كفيها المرتعشتين إلى رأسه وملست بحب أخوي.
"أنا هنام في حضنك وأدفيك."
شهقت شهقة مؤلمة عندما لم يأتي رده. وآه خلف آه لتشعر بانسحاب أنفاسها. تضع رأسها بجانب رأس اخيها تملس على رأسه، وتردف بنحيب.
"طيب تعرف أنا هنام زعلانة منك يا جاسر وأنت عارف لما بنام زعلانة بيحصلي إيه."
رفعت رأسها إلى وجهه وبدأت تقبله على جبينه.
"إنت مش سامعني طيب لو سامعني رد عليا."
اقتربت ووضعت رأسها على صدره، تتمتم.
"أنا هفضل هنا لحد ما تقوم. أنا مش هسيبك ياحبيبي، هسيبك وأروح لمين. أنا ماليش غيرك، هستنى لحد ما تقوم."
كان واقفاً يبكي مأساته بقلب مفطور. ومن يخبرنا أصعب وجع هو وجع الفراق على الأحبة. آهة خفيضة محملة بكم الألم والوجع الذي أنتابه في هذه اللحظة، لعل هذا كابوس وأحدهم سيفيقـ.ـه منه.
اتجه إليها جواد وكأنه هو الذي فارق الحياة. نظر إلى صديقه وتمنى أن يكون مكانه ولا يشعر بكم الألم الذي سيطر عليه. جذب غزل من ذراعيها وأوقفها وضمها إلى صدره بحنان.
"كدا يا غزل عايزة تعذبيه ياقلبي ينفع تعملي كدا."
هنا فاقت من صدمتها لترفع نظرها إلى جواد ثم ضمت وجه مردفة بعيون دامية قائلة.
"جواد مش هو بيحبك وإنت بتحبه أكيد هيسمع كلامك مش مهم أنا، وأوعدك مش هزعله ولا أزعلك تاني بس خليه يفتح عيونه. بلاش تعذبوني يا جواد ضمه ودفيّه هو بردان بس."
أمسكت يديه وخطت بها إلى جاسر.
"شوف إيده بدأت تبرد إزاي."
"دفي اخويا يا جواد. أنا عارفة إنك بتحبني لو بتحبني صحيح دفي اخويا. أخويا بردان يا جواد وأنت تقدر تدفيه وترجعه للدنيا."
أغمض عينيه بألم وترك دموعه بالانسياب. هنا فقد الإحساس بالحياة. تمنى لو تزهق روحه لبارئها. حاوط جسدها، وتابع ممسداً على شعرها بحنان.
"غزل ممكن تحتضـ.ـني أنا تعبان حبيبتي ومحتاج لحضنك أوي ضمـ.ـيني يا غزل."
بدون مقدمات جذبته في عناقاً قوياً. ظلا هما الاثنين يخرجان ما آلامهم بقوة. ثم نظر إلى الممرضة لكي تنهي عملها. بكت في أحضانه بمأساة طفلة تفقدها الحياة أعز ما لديها. تشبست بقميصه.
"عارفة إنك بتقول كدا عشان تخرجني."
ثم أردفت بصوتاً باكي متقطع.
"قوله يا آبيه قوله يصحى وأنا مش هزعل منه خالص. قوله غزل بتحبك أكثر من أي حاجة. قوله غزل هتموت من بعدك."
ارتجفت أوصاله من الحزن عندما رأى صديق عمره عندما قاموا بتغطية وجهه. بدأ يتنفس بتثاقل كمن وجد غصة مؤلمة تمنع عنه التنفس. يشعر بوجود صخرة عملاقة فوق صدره تنحدر لتمنع تنفسه تماماً.
دنا منها وضـ.ـمها قائلاً "اللهم لا اعتراض على قضائك يارحمن يارحيم."
بكت في حضنه بنشيج مريراً وشعرت في تلك اللحظة لأول مرة باليتم.
"أنا النهاردة رجعت اتيتمت تاني آه ياحبيبي هتسبني لمين."
ضمها بقوة إلى صدره لا يعلم لماذا شعر بوخزة بشقه الأيسر عندما أردفت بهذه الكلمات. تمنى أن يأخذ حزنها ولا يؤلم قلبها. شعر بعجزه ولأول مرة بكى بحزن العالم كله. ضم وجهها ونظر لداخل عيونها.
"ماتوجعيش قلبي يا أغلى من روحي عليكي حبيبتي بلاش تخوفيني عليكي."
ثم قبل جبينها وضمها إلى أحضانه بكل قوة لديه ظلت تبكي على صدره وتهمهم ببعض الكلمات حتى هوت بين يديه فاقدة للوعي كورقة شجر سقطت في فصل الخريف.
حملها وخرج بها من غرفة العناية متجها بها إلى غرفة أخرى وطلب من الطبيب الكشف عليها وإفاقتها.
بينما بالخارج عند مليكة. تجلس تنظر فقط في نقطة وهمية لا تشعر بما يحدث حولها كأنها خرجت من العالم الواقعي.
ضمـ.ـها صهيب إلى أحضـ.ـانه وبدأ يتحدث معها علها تنتبه له ولكنها ظلت كما هي.
أتى جواد أحضنها وجلس بالجانب الآخر ينظر بصمت ويتذكر حديث صديقه وكم كانت السعادة تملئ قلبه منذ سويعات فقط.
ملس على رأسها بحنان وأردف حزيناً.
"ملاكي بصيلي ياحبيبتي."
ولكن ظلت كما هي. لم يمل جواد من الحديث إليها.
"جاسر وصاني عليكي وقالي متخليش مليكة تعيط عليا. عشان مزعلش، شوفي انتِ بتعملي إيه، إلى هنا فقط."
نظرت إليه بعيون زائغة أردفت حزينة.
"طيب ماقالش تقولي إزاي أقدر أعيش من غيره. ماقالكش إزاي يخو.ن وعده ليا، ماقالكش إني مش هزعل بس لا دا أنا همو.ت من بعده."
ثم اتجهت بنظرها للإتجاه الآخر.
وصل والدها إليها ونظر لاولاده يسألهم بعينيه.
"إيه أخبارها؟!"
ضمـ.ـها لأحضانه وملس بحنان على رأسها.
ثم أردف حزيناً.
"لا قالي لكل أجلاً كتاب."
دفنت رأسها في أحضانه وبدأت تصرخ حتى شعرت بانقطاع أحبالها الصوّتية. ثم غابت عن الوعي.
وصل يحيى وعاصم ومنال بعدما عرفوا الخبر.
نظر يحيى يبحث عن ماجد.
"ماجد فين يا حسين؟"
زفر حسين بضيق فهو في حالة لا تبدي النقاش.
"في العناية للأسف حالته صعبة. عنده جلطة أدعوله. الدكاترة محدش بيطمنا."
"غزل فين يا عمو أنا عايز آخدها معنا بدل أبوها مريض. واخوها الله يرحمه. دلوقتي مينفعش تقعد معاكم لحد ما عمو ماجد يفوق. وياريت حضرة الضابط يكون متفهم عشان منتعبش بعض."
في تركيا.
اتصل حازم بوالدته. سعدت كثيراً عندما وجدت اسمه ينير شاشة هاتفها.
"حازم حبيبي كدا تنسى أمك."
"ماما جاسر مات.. أنا هموت ياماما مش قادر أصدق. جاسر مات ياماما."
هبت واقفة وكأن الأرض تميد بها وتسحب أنفاسها وتساقطت دموعها عندما تذكرت وصية أختها التي تركتها دون تنفيذ.
"بتقول إيه جاسر مات."
قطعت حديثها عندما استمعت ارتطام خلفها، وما كان إلا ابنتها سقطت وأُغشي عليها من هول الصدمة.
رواية تمرد عاشق الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سيلا وليد
فتحت عيونها الرمادية الجميلة التي أصبحت دامية.
نظرت إليه وأردفت بصوت باكي:
- عايزة أشوف أخويا قبل ما يغسلوه لو سمحت.
- عايزة ألمسه لآخر مرة.
- عايزة أشم ريحته لآخر مرة.
- كل حاجة بتربطني بيه هتكون لآخر مرة.
- يا جواد، أنا النهاردة لتاني مرة أيتّمت.
- طيب أول مرة محسّتش بوجع عشان معشتش معاها.
نظرت إلى عيونه وأردفت متسائلة:
- جواد، هو ينفع أروح معاه؟
- الدنيا دي معدتش تلزمني، هعيش فيها ليه ولمين؟
- أخويا خلاص راح، راح سندي وقوتي، راح حضني الدافي.
- أنا مش عايزة أعيش.
ارتجفت أوصاله من كلماتها:
- ليه بتقولي كدا ياحبيبتي؟
- ينفع تسبيني يا غزل؟
سكنت لبرهة في أحضانه، علّها تجد الحنان الذي افتقدته في وفاة أخيها.
ولكنه ليس أخيها.
ولكن شعرت بشعور آخر، شعور بنبضات حبيب وليس أخ.
بدأت تبكي بنشيج.
نزلت دموعها فوق صدره كقطع زجاج تقطع جلده.
ارتفعت شهقاتها التي اخترقت جدار روحه وهي مازالت بأحضانه.
ملس على ظهرها بحنان وبدأ يهمس لها ببعض الكلمات.
دخلت ندى في هذه الأثناء ووجدته يقوم باحتضان غزل، ويقف صهيب ونجاة بجانبهم.
- جواد! إنت كويس؟
نظر لها وهو مازال على حالته.
نامت غزل بأحضانه بعدما حُقنت بمهدئ.
وضعها بهدوء على الفراش ومسد على شعرها بحنان، ثم قبّل جبهتها وهي مازالت ما بين اليقظة والنوم.
بدأت تهمهم باسم أخيها.
تنهد بحزن ونظر لوالدته:
- ماما، مليكة عاملة إيه؟
- نايمة ياحبيبي لسة، سيف عندها.
- أنا جيت لما غزل فاقت وبدأت تصرخ وتنادي على جاسر.
ملس على وجهها:
- خليكي جنبها ياماما، هشوف ندى شوية وراجع.
أمسك بيد ندى وخرج لحديقة المستشفى.
جلس فوق المقعد بظهر منحني وكتفين متهدلتين، قتله الوجع على فراق أعز الأصدقاء.
جلست ندى بجواره ومسّدت على ظهره:
- عامل إيه وإزاي دا حصل؟ أنا لسة عارفة من شريف من شوية.
- أنا كويس الحمدلله زي ما انتِ شايفة، بحاول أكون كويس.
نظرت له بعمق:
- غزل عاملة إيه وإزاي هتقدر عليها في حالتها دي؟ المفروض تشوف دكتور نفساني.
جحظت عيناه من كلماتها:
- غزل تحت الصدمة ياندى، الصدمة كسرتنا كلنا.
- ولولا وجود جاسر كنت زماني أنا اللي بيبكوا عليه، يعني هو فداني بروحه.
- هي مش مجنونة.
- إنت قصدك إن جاسر فداك؟ يعني كنت ممكن تكون...
فرك وجهه بكفيه بغضب وحزن:
- بالضبط كدا، كنت زماني أنا اللي بتعيطوا عليه.
هبّت واقفة:
- هو دا اللي كنت عايزة أكلمك فيه من فترة بس الوقت بيكون مش مناسب.
ضيق عيناه ونظر لها مستفهماً عن حديثها:
- مش فاهم تقصدي إيه؟
فركت يديها وولّته ظهرها:
- شغلك دا يا جواد، أنا مش مرتاحاله، مش عايزة الشغل دا.
- عندك شركات كتير ليه الشغل المعقد دا اللي ممكن ياخدك مننا؟
هوّت كلماتها على رأسه كصاعقة.
ضيق عيناه ونظر لها مستاءً:
- أنا مش هرد عليكي، عارفة ليه؟ عشان مش الوقت ولا المكان ولا الحالة تستدعي النقاش الأهبل دا.
- عن إذنك.
❈-❈-❈
زفرت بضيق من عصبـ.ـيته وتذكرت حديث والدتها بعدما علمت ما صار لجاسر:
- شغل الظباط دا مش حلو ياندى، لازم يسيب شغله.
- هتفضلي عايشة على أعصابك وهو في مهمة.
- وبعدين شغلهم كله أوامر وغير مش هتلاقي منه كلمة غزل ولا حب.
- هتعيشي إزاي بقى برنسس ندى اللي الكل هيموت عليكي؟
- لازم يكون عندك شخصية، انتِ مش أي حد، إنتِ ندى الدسوقي المذيعة المشهورة.
- لو ما أخذتيش موقف هتفضلي طول عمرك تحت طوعه.
- وبعدين يا نودي، دا دايماً جد كدا.
- قوليلي جه مرة عزمك على عشا رومانسي؟ أو حتى قالك كلمة حب؟
نظرت لها بهدوء ثم قالت:
- أو باسّة بوسة حبيب ياقلبي.
- فكري في كلامي.
وقفت وكأنها تائهة، ولكنها اتخذت قرارها وخطت لداخل المستشفى تلاحقه إلى غرفة غزل.
قابلها صهيب وهو يجلب قهوة:
- ندى، بلاش تشدي مع جواد في الوقت دا لو سمحتي.
- حاولي توقفي جنبه في الظروف دي.
وضعت ذراعيها فوق بعضها وضمت نفسها:
- هو أنا عملت إيه يا صهيب؟ وبعدين هو راح اشتكى مني؟
ضيق عيناه مستغرباً هجومها:
- أنا معرفش إيه اللي حصل، أنا بكلمك بشكل عام بعد ما شفت حالته وهو داخل.
عند جواد:
جلس يمسح وجهه بعصبية بعدما شعر بالاختناق من حديث ندى.
أتى حازم إليه:
- كنت فين يا حازم وازاي تسيب غزل وتمشي؟
استغرب حازم هجومه ولكنه حاول هدوئه بسبب حالته التي رآها:
- كنت بخلص أوراق الدفن، المفروض نخرج جاسر لدفن دلوقتي بدل عمه الظريف رفض يعمل حاجة بعد هجومك عليه.
نظر له بقـ.ـلة حيلة وحاول تمالك أعصابه:
- متزعلش مني.
أشفق عليه كثيراً، قاطعه بصوتاً مرتجف:
- المفروض نخرجه لمثواه الأخير.
- بعد ساعة.
- جواد، اجمد، الكل محتاجك.
- عارف اللي جاي صعب بس لازم نقوّي بعض.
نظر له جواد:
- كلمت مامتك؟ عرفتها؟
دخل حسين:
- يلا يا ولاد، قدامنا آخر مهمة.
- ماما وخالتوا جايين في الطريق يا عمو، قدامهم نص ساعة.
- ماما موصياني استناها.
نزلت كلمات حازم على عمه كصاعقة، شعر بانسحاب روحه بعدما تحدث بهذه الكلمات.
كان جواد ينظر بصمت لمتيمة قلبه وحياتهما سوياً تمر أمام عيناه.
لا يشعر بما يدور حوله.
ربّت حسين على كتفه:
- حبيبي شد حيلك، أنا مقدرش أقول غير كدا وربنا يصبرنا على فراقه.
❈-❈-❈
- الحمدلله لله يا بابا.
- ربنا يصبرنا ويرحمه ويتقبله من الشهداء إن شاء الله.
- جاسر مكنش صديق بس، لا كان توأم روحي.
- رغم السن اللي بينا بس كان مجرد نظرة مني كان بيفهم عايز إيه.
- اللي زيه ما يتعوضش.
- لله الأمر من قبله ومن بعده.
- ومانقول إلا ما يرضي الله.
- ربنا يصبرنا ويصبر أخته عشان إحنا كلنا هننسى ونكمل، لكن هي لأ، دا كان الحياة بالنسبة لها.
- معرفش هعمل إيه عشان أخليها تحاول تعيش من غيره.
دخل سيف:
- بابا، طنط حسناء وطنط ليلى جم بره واقفين مع ماما وندى.
خرج حازم سريعاً متجهاً لوالدته.
بينما ظل حسين ينظر للفراغ ويحاول التماسك أمام أولاده.
فهل الماضي سيؤثر عليه مرة أخرى؟
نظر جواد لوالده بهدوء:
- أخرج لها يا بابا وأنا شوية وهاجي وراك.
أغمض حسين عيناه وحاول أن يستنشق مزيداً من الهواء يعبأ به رئتيه.
ظل جواد يراقب حركات والده، خرج بهدوء.
وجدها تجلس وتبكي بحرقة هي وليلى وتواسيهما ندى التي تقف بجوارهما.
ارتبكت نظرات حسين إليها.
حاول جمع شتات نفسه، نظر لها بهدوء.
لم يرى سوى عيناها التي كانت تربكه وتهدم جميع حصونه.
ولكنه اليوم شعر بغموض في نظراتها إليه.
تقدم منهما:
- حمد الله على السلامة.
- ربنا يرحمه.
وقفت ليلى واتجهت له:
- عايزة أشوفه يا حسين، عايزة أودعه.
- نفسي أحضنه أوي.
أردفت بها بصوتاً باكي.
وقفت حسناء تحضنها:
- عايزين نودعه يا حسين، عايزة أطلب منه السماح لو سمحت.
مسح حازم دموع والدته:
- حبيبتي جاسر مش زعلان منكوا، بلاش توجعوه يا ماما لو سمحتي.
ضمّت وجه ابنها:
- خدني له يا حازم، عايزة أشوفه، عايزة أشوف شكله اتغير ولا لا.
- محدش هيدخل لعنده.
أردف بها جواد بقوة:
- دلوقتي جاية تتكلمي عن حقك إنك تشوفيه؟
- كنتي فين من تمن سنين وهو بيمسك إيدك ويتحايل عليكي عشان مش تسبيه؟
- برافو عليكي، إحنا المفروض نشكرك على واجبك الذيّادة.
- دا...
- جواد، إنت اتجننت؟
نظر لوالده ثم لوالدته التي تجلس بصمت:
- محدش له الحق هنا غير أمي يا بابا عشان هي اللي ربت وتعبت.
- دول جايين بأي حق يطلبوا حقهم فيه؟
- جواد حبيبي مينفعش تتكلم كدا.
نظر لها نظرة أرعبتها:
- إنتِ تعرفي إيه عشان تتكلمي؟ ماتتدخليش في حاجة متعرفيهاش.
نظرت له وعيناها تغشاها الدموع من إهانته لها أمام الجميع.
جذب صهيب يدها:
- تعالي معايا يا ندى عايزك.
تحدث بها عندما وجد حالة جواد الذي فقد السيطرة.
خطى ووقف أمام حسناء مباشرة:
- عايزة تشوفي مين يادكتورة؟
- دا أنا خايف أوريكي حد تاني وتقتنعي إنه هو.
- تشوفي واحد سيباه طفل وجاية بعد ما بقى راجل.
- لا وكمان مات.
صفّق بيديه:
- برافو والله، معرفش أشكرك ولا أعمل إيه.
جذبه والده وخرج به.
ثم نظر لحازم:
- خد مامتك وخالتك يا حازم عشان يودعوا جاسر.
وقف جواد ونظر لوالده بصدمة:
- امشي يا جواد ومتخلنيش أتغابى عليك.
أردف بها حسين بهدوء ينافي حالتهما.
بعد ساعة خرج الجميع سوى مليكة التي لا تشعر بالعالم الخارجي وكأنها استسلمت للغياب عن الوعي.
❈-❈-❈
وقف جواد أمام المستشفى يستلم جثمان الحبيب الغائب، الفقيد الشهيد.
وقف بجواره صهيب وسيف وحازم وباسم الذي انضم إليهما.
دموعه محبوسة كأنها أبية النزول وحمد الله على ذاك.
صهيب الذي شعر بأن روحه تنسحب منه وكأنه غير قادر على التنفس، فلعلّه في كابوس ويستيقظ منه.
سيف الذي يصغره ببضع سنوات، دموعه لن تتوقف أبداً ولسانه يردد اللهم لا اعتراض على الابتلاء.
حازم وآه من آلام قلبه وتأنيبه لأنه تركه وسافر.
تمنى لو يرجع الماضي لن يتركه أبداً.
أغمض عيناه بقوة حتى يتمالك من نفسه.
ركبت ندى ووالدتها ووالدها سيارتهما انتظارا بخروج الجثمان.
بينما نجاة التي يحتويها حسين بذراعيه وهي تبكي كأم فقدت ولدها الفقيد.
ولما لا، فالأم هي التي تربي.
أما حسناء وليلى اللتان تقفان ودموع الحسرة والندم على كلتيهما.
خرج جثمان الشهيد بخروج مشرف من قبل الشرطة وهم يتوجهون به إلى عربة نقل الجثمانين للانتقال إلى مثواهم الأخير.
صرخة بآهة عالية خرجت من جوف قلب نجاة عندما وجدتهم يحملّونه ويخرجون به.
- يا حبيبي يا ابني، يارب صبرنا يارب.
صرخت بها، ضمّها حسين لأحضانه:
- نجاة، مينفعش اللي بتعمليه دا، شوفي ولادك ماسكين نفسهم بالعافية.
اتجه الشباب حتى يستقبلوا الشهيد ويضعونه بالسيارة.
وزّع جواد نظراته لصهيب وحازم:
- روحوا هاتوا مليكة عشان نتحرك للفيوم.
أمسكه صهيب:
- جواد، إنت كويس؟
نظر له نظرات تائه مشتت.
ورغم ذلك تحدث قائلاً:
- كويس ياصهيب، هروح أجيب غزل، يالا عشان منتأخرش على صلاة الضهر.
اقتربت ليلى من جواد:
- فين غزل يا جواد؟
- رايح أجيبها.
أردف بها وهو يتحرك.
دخل صهيب على أخته وجدها استيقظت ولكنها تنظر في اللاشيء.
- مليكة، يالا يا قلبي عشان هنرجع الفيوم.
لا تنظر له ولا تتحدث، ظلت كما هي.
سندها وضمّها إلى أحضانه متحركاً للخارج.
تحرك حازم عندما وجده أخرج بها، وقف أمامها.
أشفق عليها حازم فما تشعر به صعب ومؤلم.
- مليكة، عاملة إيه؟
تحركت ولم ترد عليه.
عند غزل:
ابتلع غصة مؤلمة ودخل إليها، فالقادم سيكون صعب للغاية عليها.
وجدها تنام بهدوء بفضل المهدئ.
اتجه إليها وحملها ضاماً إياها إلى صدره بحنان، كأنه سيفقدها.
فتحت عيونها عندما استنشقت رائحته:
- جواد، نزلني، رايحين فين؟ أنا مش همشي وأسيب أخويا.
جفّ حلقه وارتعدت مفاصله.
خطى بها بخطوات هزيلة وترقرقت عيناه بالدمع.
أطرق رأسه للأسفل يقاوم رغبة قوية في البكاء.
حاول التماسك بقدر الإمكان:
- نزلني يا جواد، أنا هقدر أمشي، عايزة أشوف واخدني فين.
قطعت حديثها عندما وجدت نفسها خرجت من باب المشفى ووقوف صهيب وحازم بجوار سيارتهم.
أنزلها بهدوء.
أتت نهى إليها:
- غزل حبيبتي، عاملة إيه؟
- البقاء لله.
لم تستمع ولا تنظر لشيء سوى السيارة التي تركن بجانب الطريق ويكتب عليها "كل نفس ذائقة الموت".
شهقة مرتفعة وهي تتحرك متجهة للسيارة.
نظر جواد إلى صهيب وأردف بصوتاً مهزوز:
- هاتها، أنا مش قادر أتحرك، حاسس إني عاجز ومشلول.
نزلت ليلى سريعاً من السيارة عندما وجدت غزل تتحرك بهدوء كأنها تتعلم المشي متجهة لسيارة الموتى.
وقفت أمامها مردفة ببكاء:
- غزل حبيبتي.
ثم ضمّتها لأحضانها ونظراتها ذائغة لمحل أخيها.
أغمضت عيناها بحزن وقهر.
لقد جفت دموعها بكاء على حبيبها الغالي.
لم تتحرك ولم تفعل شيئاً، واقفة فقط كأنها فقدت النطق والحركة.
أمسكها سيف وحازم:
- تعالي معانا حبيبتي عشان هنمشي.
اتجهت بنظرها إلى جواد الذي يواليـ.ـها ظهره ويقبض على يديه بعنف.
جذبها صهيب من رسغها ضاماً إياها ومتحركاً بها إلى سيارة والده.
فتح الباب ونظر لوالدته:
- ماما خديها معكم، خلي بالكم منها وإحنا هنحصلكم.
تركت يديه واتجهت إلى جواد الذي مازال على وضعه.
أمسكت يديه:
- هروح معاكم، عايزة أحضر الدفنة.
- وحياتي عندك تاخدني معاكم.
شعر بأن الأرض تميد به وازداد شعوره بالعجز والضعف في آن واحد.
ورغم ذلك نظر إلى حازم:
- روحي اركبي مع حازم وخالتك وأنا هحصلكم.
هزت رأسها بالنفي وسندت على كتفه:
- مش هروح مع حد غيرك.
هنا فقد السيطرة، وانسابت عبراته، بكى في أحضانها مردفاً:
- هيكون صعب عليكي يا قلبي.
- أسندي نفسك يا غزل وحاولي تكوني قوية.
خرج من أحضانها وضـ.ـم وجهها بين يديه:
- عايز غزل القوية اللي ربتها، مش عايزك هشة ضعيفة الحزن يموتك.
- أنا محتاج قوتك عشان تقويني.
سحبته واتجهت به إلى سيارته:
- غزل قوية يا جواد فوق ما تتخيلي وهتشوف، هحضر دفنة أخويا.
عصر عينيه حزناً ووجعاً لأنه يعرف إنها لم تتحمل مشهد وداعه الأبدي.
نظر الجميع إلى مشاهدتهم.
تحدثت والدة ندى:
- هي البنت دي دايماً لازقة في جواد كدا ياندى؟ ما إخواته أهم، إشمعنى هو؟
زفرت ندى بضيق، فهي شعرت بوجود مشاعر لدى غزل تجاه جواد.
جاوبتها بهدوء رغم ضجيج قلبها:
- دي غزل يا ماما وأنتِ عارفة البنات ودلعهم.
وأكملت حديثها:
- دي اللي شريف هيموت عليها من يوم الخطوبة وهو قارفنا عشان نتقدملها.
نظر والدها إليهما:
- ممكن تسكتوا؟ بدأوا يتحركوا.
- أنا جاسر صعبان عليا أوي والبنت دي كمان، ربنا يصبرهم.
- وبدل ما انتوا بتتكلموا في حاجات تافهة، ادعوله بالرحمة.
❈-❈-❈
بعد فترة وصلت السيارات جميعاً إلى المسجد وقاموا بالصلاة عليه ثم اتجهوا إلى المقابر الخاصة بالعائلة.
اتجه حازم وصهيب اتجاه السيارة التي بها الشهيد.
لم يبقى له اسماً حتى كانوا ينادونه بالشهيد.
ما أصعب فراقك يا إنسان.
لحظات ولم يكن لاسمه سوى هاتوا الجثمان.
هوت الكلمة على أقاربه كسكين بارد ذبحهم جميعاً بألم.
سقطت دموع صهيب وكأنه لم يبكي من قبل حتى وصل إلى عدم قدرته على المشي.
تثاقلت أنفاسه واتجه ببطء كأنه يسير على حمم بركانية.
يقف الكثير من الناس بوجوه حزينة وقلوب تتبادل الحسرات وأعين تجمع الدموع والآهات.
جذب جواد غزل واتجه بها إلى مكان السيدات.
نظر إلى نهى وتحدث:
- ماتسيبهاش لو سمحتي.
ثم اتجه بأنظاره إلى ليلى:
- عيونكم ماتنزلش من عليها لحظة.
ضمّتها ليلى لأحضانها وبكت بنشيج، حتى شعرت بألم حنجرتها.
أما حسناء فظلت تنظر إليهم وهم يخرجونه من تابوته:
- سامحني يا حبيبي سامحني.
ظلت تردف بها إلى أن أوصلوه المقبرة.
نزل جواد أولاً لاستلام صديق عمره.
هنا هوت دوافعها، وانهارت قواها وأصبحت هشة لم تتحمل ذلك المشهد.
ظلت تردد اسمه بأنّين، أخيها سيتركها وحيدة.
آه عليكِ يا صغيرة، لم يتبق لكِ منه سوى ذكريات.
ضعفت وضعفت حتى وصلت أنها لم تشعر بنفسها إلا وهي تخرج من أحضان ليلى وتسرع إليهما صارخة منددة:
- لا لا.
ظلت تصرخ بصياح:
- بلاش والنبي بلاش تنزله في الضلمة.
بكى كل من يقف بالجوار على صرخاتها باسم أخيها.
- لا أخويا، لا أخويا.
اتجهت حسناء إليها تضمها إلى أحضانها:
- حبيبتي ماينفعش.
أخذها حازم بقوة متجهاً بها إلى والدته وحاول توقيفها.
ظلت تدفعه وتصرخ بأعلى صوتها عندما حمل جواد وصهيب الشهيد نزولاً به إلى مثواه الأخير.
فاقت قدرتك أيتها الصغيرة على تحمل ذلك المشهد الذي تقشعر له الأبدان.
صرخت باسم متيم قلبها وهي تترجاه:
" جواد مش مسمحاك لو نزّلت أخويا تحت، والله ما هسامحك. "
جواد!
صاحت، وصاحت بصرخات تأن لها القلوب.
دفعت حازم كالمجنونة، وهناك سدّ فصلها عن أخيها.
ضمّها حازم بقوة وبكى على أفعالها.
طالعته تترجاه:
- عايزة أخويا يا جواد، متنزلهوش في الضلمة لوحده.
- جوااااد.
ظلت تكررها بصيحات كالتي فقدت عقلها.
- أنا بكرهك.
- خليك فاكر إنك إنت اللي دفنته بعيد عني.
جواد!
صرخت صرخة مزقت كل القلوب.
خرج صهيب وترك جواد بالأسفل، متجهاً إليها.
جذبها بقوة وأركبها سيارته التي بها والدته ومليكة الحاضرة الغائبة، ونهى بجوارها وهي تضمّها.
حاولت غزل الفكاك من قبضته ولكنّه جذبها بقوة وقام بحقنها سريعاً.
نظر بعيون باكية لوالدته:
- دي متتسابش لوحدها ياماما.
- جواد كان عنده حق لما قال بلاش تحضر الدفينة.
اتجه يحيى إلى حسين:
- إحنا هنسيب غزل مراعاة لظروفها يا حسين بس مش كتير.
ثم توجه وركب سيارته.
غادر الجميع إلا من جواد الذي ظل جالساً فوق قبره فترة.
بعد المغادرة، هوّت دموعه بقوة وصدمة قوية امتلكته كأنه لم يفق إلا الآن بعدما أدخله مقبرته.
ظل يحدق للمقبرة وتمنى أن ينزل ويخرجه منها.
تمنى أن يخرج له جاسر ويحدثه بأنه كان يفعل به مقلب.
تمنى وتمنى إلى أنه شعر بانسحاب أنفاسه.
وقف، ترنّح جسده وأحس أن ساقيه فقدت القدرة على الحركة.
وصل صهيب إليه عندما تأخر عن اللزوم.
جلس بجواره، نظر له بأعين دامية تائه مشتت لا يشعر بالعالم من حوله.
- مخنوق قوي يا صهيب.
- حاسس إني بموت ويا ريتني أموت.
أوقفه صهيب بهدوء:
- يالا يا جواد، غزل لو فاقت مش هتسكت ومليكة خايف عليها، الصدمة كبيرة على قلبها.
- لكن إحنا أقوياء يا جواد مش ضعاف ولا إيماننا ضعيف.
- عارف الصدمة كبيرة على الكل بس هتعدي.
- الإختبار صعب على الكل يا صهيب وفيه تعب ومشقة، لكن ربك رحيم وعارف إن الابتلاء بيشيل من ذنوب عبده بس يصبر.
- لكن أنا طلعت ضعيف قوي يا أخوي، ضعيف قوي، مش عارف هنول الصبر دا ولا الوجع والفراق مش هستحمله.
- النهاردة اكتشفت إن إيماني ضعيف قوي.
وأكمل حديثه الباكي:
- شوف بإيدي الاتنين دول حطيته تحت هنا وسبته لوحده.
- بإيدي دي قدرت أسيبه يعاني الوحدة والضلمة يا صهيب.
- ياريتها اتقطعت ولا كنت عملت كدا.
- أنا ضعيف قوي فوق ما تتخيل.
ضمّه صهيب بقوة وظلا يبكيان حتى شعر أن دموعهما جفت من كثرة البكاء.
بعد فترة رجعوا إلى منزلهما.
ولكن وجدا حازم أخذ غزل عنده لأنه الأقرب لها.
دخل جواد:
- غزل فين يا حازم؟
- لسة نايمة جوا.
صوّب نظراته لحسناء ثم اتجه بنظراته لحازم:
- هاخدها يا حازم لو سمحت، مش هقدر أرتاح وهي بعيدة عني.
- غير دي وصية جاسر الله يرحمه، هتكون مسؤوليتي.
اتجه حازم له:
- من غير وصية يا جواد، أنا عارف علاقتكم ببعض.
دخل وحملها متجهاً بها إلى منزله.
وضعها بهدوء على فراشها.
دخلت والدته عليه:
- أختك هتفضل كدا ياحبيبي.
تنهد بحزن وقهر:
- تعرفي الغيبوبة أحسن لها ياماما، سبيها مرتاحة.
ملست على شعره بحنان:
- إنت عامل إيه ياحبيبي؟
- الحمدلله كويس.
- عايز بس أنام شوية.
- لكن خايف غزل تصحى، وانتِ كفاية عليكي مليكة.
- فين نهى صحيح؟ هي روّحت؟
- لا، سيباها قاعدة مع مليكة، كلمت مامتها وقالت هتروح الصبح.
- تمام كويس، ممكن غزل تتحسن لو قعدت شوية معاها، هما قريبين من بعض.
اتجه إلى الفراش وجلس بجوار غزل التي أعطتها الطبيبة حقنة مهدئة.
نظر إليها بعمق وهي نائمة كالطفلة وتذكر حواره بعدما دلف للمستشفى.
أمسك بيد جواد:
- اوعدني يا جواد لو مخرجتش من الأوضة دي إنك تراعي غزل وتكون لها السند والحامي.
- أوعى حد يزعلها.
- دي لسة طفلة، معرفتش معنى كلمة ماما إيه.
- راعيها وياريت لو ينفع تتجوزها.
- اتجوزها.
ثم أغمض عينيه وأسرع به المسعفون لغرفة العمليات.
نهاية الفلاش.
ملس على شعرها بحنان، فهي أمامه الطفلة المدللة للعائلتين.
ابتسم بخفة بعدما تذكر حديثه عن الزواج وحدث حاله:
- عايزني اتجوزك؟ تخيلي بيطلب مني المستحيل.
- آه يا وجع قلبي عليك يا صاحبي.
- أنا بسند الكل ومش لاقي اللي يسندني في غيابك.
وقف واستند بظهره على الجدار البارد والحزن يتملك منه، يدعو الله أن يصبره على ابتلاءه.
انزلقت دموعه رغماً عنه عندما تذكر جولاته مع صديق عمره.
اتجه بأنظاره إلى غزل وجد دموعها تنزلق من عينيها.
أغمض عينيه بألم لا يعرف مصيرها وخاصة بعد حجز والدها في العناية وحديث الأطباء عن حالته المتأخرة.
وحديث عاصم الذي شقه لنصفين.
ظل ينظر إليها بصمت ثم اتجه وجلس بجوارها وبدأ يمسد على شعرها بحنان.
مسح دموعها العالقة برموشها.
- لو اضطريت أموت اللي يقرب منك مش هتأخر.
- عارفة ليه؟
أمسك يديها وقبلها:
"عشان روحي فيكي، محدش يقدر يقرب منك إلا بموتي، ورغم كدا مش هقدر اتجوزك مع إنها أمنيتي الوحيدة."
ملس على وجهها خائفاً يوصل به الحال لكره اليوم الذي قابله فيه وتولى رعايتها.
نزل بجبهته على جبهتها.
بتمنى أموت ولأني أكرهك يا حبيبة عمري.
خايف قوي يا غزل.
لكن المتأكد منه إنك العشق الممنوع ومستحيل يربطنا عقد واحد.
رفع نظره لها ووجد دموعها تسقط بصمت كأنها تسمعه.
قبل جبهتها.
❈-❈-❈
بعد مرور عدة أيام والحال كما هو.
دخل عليها وجدها تنظر من النافذة بصمت، فهي لا تتحدث مع أحد منذ ذلك اليوم.
جلست نهى يومين ولكنها سافرت وتركتها بحالة مأساوية.
جلس بجوارها وصدره يستعير بلهيب الحزن والوجع عليها.
أدار وجهها له:
- هتفضلي كدا يازوزو؟ وحشتني ضحكتك يا حبيبتي.
- تعرفي مليكة برضو مابتتكلمش، خايف عليها.
نظرت له.
بدأت تبكي بنشيج:
- عايزة أموت يا جواد.
نزلت دموعها فوق صدره كقطع زجاج تقطّع جلده.
ارتفعت شهقاتها التي اخترقت جدار روحه.
- بعد الشر عليكي يا حبيبتي متقوليش كدا.
ظلت تبكي وهي مازالت بأحضانه.
مسد على ظهرها بحنان وبدأ يهمس لها ببعض الكلمات.
دخلت ندى في هذه الأثناء ووجدته يقوم باحتضان غزل.
نظرت إليه باستياء ثم تحدثت قائلة:
- جواد، عايزاك برة خمس دقايق.
استغرب جواد نظراتها ورغم ذلك أشار لها بالخروج.
- غزل، حاولي ترتاحي هرجعلك بعد شوية.
خرج إلى الحديقة بعدما أوصى صهيب عليها.
وجدها تقف وكأنها غاضبة.
اتجه إليها ووقف بمقابلتها وأردف غاضباً منها:
- إيه اللي عملتيه فوق دا؟
- دا انتِ حتى مسألتش عاملة إيه، ولحتى عزّتيها؟ إيه قلة الذوق بتاعتك دي؟
ظلت تهز قدمها بعنف من كلماته ثم رفعت نظرها إليه وتحدثت مستاءة:
- خلصت كلامك.
- عايزة أعرف بقالك كام يوم وإنت مش وراك غير ست غزل.
- حتى تليفوناتي مبتردش عليها.
- لا وكمان عامل زعلان مني.
- ما كفاية إنت!
نظر إليها بغضب وتحدث قائلاً:
- كلمة كمان وهنسى إنك خطيبتي وبلاش تلخبطي في الكلام يا أستاذة.
- نسيتي نفسك ولا إيه؟ اللي جوا دي بنتي، عارفة يعني إيه؟
- لا مش بنتك يا جواد ودا حقي.
- لو إنت مش واخد بالك إن غزل بتحبك تبقى غبي.
- أما لو واخد بالك وبتستعبط عليا يبقى هنا لازم نلاقي حل.
أمسكها بعنف من يديها وأردف مستنكراً حديثها:
- إنتِ شكلك اتجننتي ونسيتي إنت بتتكلمي مع مين.
- ودلوقتي قولي عايزة إيه، إيه سبب زيارتك الحلوة دي؟
على الجانب الآخر.
عندما تركها وخرج، ظنت إنه خرج لحبيبته لأنه اشتاق إليها.
خطت بخطوات حافية القدمين للخارج.
وجدت صهيب يتحدث في هاتفه وموليها ظهره.
هبطت بهدوء إلى الأسفل وخرجت من باب الفيلا الرئيسي.
وجدته وهو يقف ويمسك بأيدي ندى.
نزلت دموعها رغماً عنها، ثم خرجت متجهة إلى الباب الخارجي للحديقة الخلفية.
ظلت تسير بخطوات مهزوزة ضعيفة لعدم قدرتها على الحركة بسبب عدم تناولها الطعام منذ ثلاثة أيام بعد وفاة أخيها.
وصلت إلى المقابر.
نظرت حولها في جميع الاتجاهات، فهي نسيت أين مقابرهم.
حاولت التذكر.
بعد فترة وجدته أخيراً.
جلست بجانبه تكاد تأخذ أنفاسها بصعوبة.
رآها حارس المقابر اتجه إليها سريعاً عندما وجدها بهذه الحالة.
نظر بأسى إلى حالتها:
- ياحبيبتي يابنتي، إيه اللي عامل فيكي كدا؟
لم تجبـ.ـه ولم تنظر إليه حتى.
ظلت تلمس التراب الذي بجوار المقبرة وتتحدث كأنه يسمعها.
تركها حارس المقابر وغادر وظل يراقبها فترة من الوقت.
عند جواد وندى:
نظر إليها مذهولاً من حديثها.
حاول يدعي الثبات:
- قولي عايزة إيه يا ندى.
- أنا جاية اقولك على حاجة.
مسح وجهه بكفيه يقاوم استياءه منها:
- قولي عايزة إيه بسرعة يا ندى لو سمحتي، إنت شايفة حالة غزل، دي ممكن تعمل في نفسها حاجة.
- بتقولي عايزة أروح لأمي وأخويا.
- ندى، حاولي تقربي منها مش تيجي وتقولي كلام يزعلني منك.
❈-❈-❈
تغضن جبينها بعبوس وأردفت متسائلة:
- إنت قصدك أقرب من غزل اللي كل نظراتها حب لخطيبي؟
أمسك ذراعها بقوة:
- إنتِ باين عليكي اتجننتي، دي زيها زي مليكة وغير.
- أنا مربيها فطبيعي تحبني.
ارتفع جانب وجهها وبشبه ابتسامة متهكمة قائلة باستهزاء:
- أنا مش عارفة أقولك إيه الصراحة.
- بس هوريك حاجة.
أعطته هاتفها:
"شوف الرسالة والصورة الحلوة دي بتاعة مين".
أمسك هاتفها وجد صورة له هو وغزل وهو يقبّلها ويضمّها بقوة كحبيب ويكتب:
- شوفي خطيبك المصون بيخونك مع البنت اللي بيقول عليها بنته.
أغمض عينيه بوجع، فمن الآن أصبح في منطقة خطر من الجميع.
توجه بأنظاره لندى التي تنظر له بصمت وعيناها تترقرق بالدموع:
- إنتِ مصدقة الكلام دا ياندى؟ مصدقة إني ممكن أكون بالحقارة دي؟
اقتربت منه ودموع عيناها تنساب على وجنتيها:
- طيب قولي لو مكاني هتعمل إيه؟
- وكل الخيوط قدامي بدأت تبان من رفضك ارتباط شريف بها حتى ماخلّتوش يكلمها.
- بتحسسني بغيرتك عليها.
- لو بتحبني أثبت دا يا جواد لو سمحت.
- خلي شريف يرتبط بيها، هو أعجب بيها وهيموت عليها.
قاطع حديثهما عندما اتجه صهيب سريعاً إليه:
- جواد، غزل مش موجودة في البيت، معرفش خرجت إمتى وازاي؟
هوّت كلمات صهيب على قلبه مزّقته لنصفين، وأسرع يبحث عنها في كل مكان.
ونبضات قلبه في الارتفاع، مما أفقد السيطرة على نفسه، وبدأ يصرخ في صهيب:
- دقايق بس ومعرفتش تحافظ عليها.
ثم لكمه في صدره:
- قولي أعمل فيك إيه دلوقتي وأدور عليها فين؟ دي مش حاسة بحاجة.
أسرع إلى سيارته وهو يفتح هاتفه حتى يرى موقعها من خلال سلسالها.
صاحت ندى بقوة عليه:
" جواد! إحنا لسة مكملناش كلامنا، ممكن أعرف سايبني ورايح فين زي المجنون كدا؟ "
أردفت بها وهي تقف أمامه وتضع يديها فوق الأخرى وتضمّها على صدرها.
صوّب نظرات نارية إليها:
- بتكلمي بجد؟ يعني تقصدي أسيبها وأروح أقعد معاكي ومعرفش عنها حاجة؟
زفرت بضيق وأردفت:
- أنا أهم منها عندك مش كدا ولا إيه يا حضرة الضابط.
ركب سيارته وكأنه صمّ أذنه من حديثها وأشار لها:
- ابعدي من قدامي بدل ما أتغابى عليكي.
ثم قام بتشغيل المحرك.
اتجهت وفتحت باب سيارته:
- مش هتمشي يا جواد إلا لما نخلص كلامنا.
تهدّجت أنفاسه باضطراب من استفزازها:
- ندى، لو حقيقي باقية عليا لو حتى سنتيمتر، إبعدي عني.
- غزل لو حصلها حاجة ماتلوميش غير نفسك.
- وعايز أقولك هي أغلى من روحي، شوفتي أهميتها عندي بتكون إيه؟
اهتزت نظراتها أمام ثورته:
- لدرجة دي معنديش خاطر عندك يا جواد؟
قاد السيارة ولم يستمع لحديثها.
حاول يبحث عنها في الشوارع الجانبية.
اتصل بصهيب ولكنه لم يجدها.
قام المسؤول عن المقابر:
- أيوه ياباشا فيه بنت قاعدة قدام المقبرة وعمال تعيط.
ارتجفت أوصاله حزناً عليها وعلم ما بها الآن.
اتجه سريعاً إليها.
نزل من سيارته وبخطى متعثرة اندفع يركض إليها بلا هدى حتى يجدها ليشعر بنبضات قلبه مرة أخرى.
رآها تضع رأسها على المقبرة وكأنها تتحدث إليه.
عند غزل:
جلست بجواره تمسك بحفنة أتربة بيديها.
- وحشتني قوي يا جاسر، كدا تسبني دا كله لوحدي في الدنيا الظالمة دي.
- مش لاقية اللي ياخدني في حضنه من بعدك.
ثم انسابت دموعها.
- حتى جواد مع الوقت هينساني.
- بابا تعبان قوي يا جاسر، موتك قسمة ياحبيبي.
- نفسي أشوفك وألمس وشك ياحبيبي.
- أنا خلاص هفضل جنبك لحد ما أجيلك وتاخدني في حضنك.
- حاسة إني بردانة وعايزة اللي يدفيني.
- مش قادرة أتنفس في الدنيا دي وإنت مش موجود فيها.
- عارف نفسي في إيه؟ نفسي أنام في حضنك إنت وماما.
"غزل"
أردف بها بصوتاً متهدج ممزوج بمشاعره الحزينة.
رفعت رأسها إليه وابتسمت ابتسامة باهتة:
- شوف مين اللي جه يا حبيبي.
- جواد جالك أهو تلاقيه وحشته هو كمان، ماهو مش معقول ممكن ينساك.
خطى إليها بخطوات هزيلة ودمع عيناه تأبى الصمود.
صرخ بآهة خافتة خرجت من جوف حسرته على وضعها.
جلس بجوارها ومسد على شعرها بحنان:
- ينفع كدا حبيبتي تسبيني؟ هموت من القلق.
- كدا يا غزل.
ملست على وجهه بحنان ونظرت له ودموعها تنساب بقوة على وجنتيها:
- وحشني قوي يا جود.
- جيت أشوفه بس شوف ماشفتوش، هو زعلان مني.
- قلبي واجعني قوي نفسي أرمي في حضنه عايزة أحس بالأمان وهو جنبي.
- هو كدا مش هشوفه خالص إلا لما أموت، فقولت هقعد هنا لحد ما أموت وقتها بس هرتاح.
- طيب مفكرتيش في حبيبك هتسبيه لمين؟
رواية تمرد عاشق الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سيلا وليد
البارت الثالث عشر
"قد لا أملك أن أبقيگ بجانبي..
ولا أملك الأقدار كي أجعلگ قدري..
لكني أملك قـلب سأبقيگ فيه للأبد
_ ثم _
لم أكذب
عندما أخبرتك ذات مرة ...
أنك ستبقى معي حتى في غيابك
في فيلا ناجي
وقفت تصر. خ في ناجي..
- يعني إيه روحت موّ. ت جاسر، اللي مشغلهم دول أغبياء.. مالك ومال جاسر ياناجي!!
احتقـ.ن وجه بدماء الغضـ.ـب ونظر مستاءاً منها
- بقولك أنا ماليش دخل بمـ.ـوته.. العتال معرفش متفق مع مين على مو. ت الضابط ابن الألفي.. وكان عايز يمو. ته، لكن جاسر وقف قدامه وخد مكانه الطلـ. ـقة، واهو مات.. دا قدره مالي انا ومال مو. ت أجله وانتهى
صوبت نظرات نا. ر. يه اتجهاهه وليه معرفش بإتفاقك مع العتال ياناجي.. ليه بقيت تعمل حاجات من ورايا ياناجي!!
- بقولك يابوسي أنا عايز أعرف ايه حكايتك مع الضابط دا، وليه كل الحـ. ـقد دا عليه وليه عايزة تمو. تيه هو.. عايز أعرف إجابات لأسئلتي .. طيب العتال عايزه عشان ابنه اتحكم عليه مؤ. بد.. إنتِ عايزاه ليه؟
❈-❈-❈
جلست بمكانها ووجها بدى عليه الحز. ن والأ. لم تريد الحديث عما يعتـ.ـريه قلبها من آلا. لام ولكن كيف وهي السبب الوحيد الذي أوصلت أختها للهـ.لاك ورغم ذلك نظرت له وأردفت بهدوء
- هو اللي قتـ.ـل أختي... أردفت بها ثم غادرت إلى غرفتها وهي تبـ. ـكي بنشيج على البراءة التي وأدتها بنفسها
جلست على فراشها وبدأت تتذكر الماضي
فلاش باك
دخلت جنى لبثينة
- بدأت تقبـ. ـلها على خديها... وتحدثت قائلة بسعادة
- أنا بحبك قوي يابوسي، بحبك قوي قوي
اقترفت شفتيها بسمة عذبة واقتربت قائلة بصوت يملأه الحب
- وأنا بمو. ت فيكي ياروح بثينة... بس الجميل إيه اللي مفرحه كدا... إوعي يكون الضابط الحليوة يابت هو ورا دا كله
ضحكت "جنى" ضحكات صاخبة..
- لا ياقلبي.. مش هو، هو آه حليوة وعسل بس مغرور يابت بوسي، إنما اخوه دا عسل
رفعت بثينة حاجبها
- الله أخوه... هو كمان له أخ على كدا ناوية توقعي العيلة دي يابت هيبوصلك ياهبلة
لكمتها جنى في كتفها-
: بس ياماما هو أختك قليلة ولا إيه
ضمتها لأحضانها
- لا ياقلبي إنتِ ست البنات كلهم، بس ايه حكاية اخو الضابط دا..
- مفيش حكاية ولا حاجة.. اتعرفت عليه من مدة كدا والنهاردة وصلني
ضيقت عيناها
: يعني إيه موصلك.. إزاي تركبي مع راجل غريب.. دي تربيتي ليكي ياجنى!!
-حبيبتي لا مش اللي في دماغك.. فاكرة القضية اللي جواد كلمني عليها... دي ممكن تكون خطـ. ـر عليّا فكلم صهيب يوصلني عشان سلامتي بس دا كل الموضوع
التفتت لها بحنق وضيقت عيناها
- جواد مين وصهيب إيه أسماء الجاهلية دي... ضحكت عليها جنى وأمسـ. ـكت يـ. ـديها
- ايه يابوسي شكل الذاكرة بعافية شوية
- جواد دا الضابط، وصهيب اخوه... فهمتي كدا
- امم كدا فهمت... طيب يابتاعة المزز تعالي نكمل المحشي
مساءً كانت تجلس جنى تكتب بعض الملاحظات على قضيتها... سمعت طرقات على باب منزلها... اتجهت وقامت بفتحه
- مساء الخير ياجنى
جحظت عيناه لما ترى
- حضرة الضابط.. اتفضل هو فيه حاجة!!
- آسف فيه موضوع مهم لازم نتكلم فيه
- طيب اتفضل
- لا مينفعش أنا اتصلت بيكي بس فونك مقفول والموضوع مايتأجلش.. أتت بثينه وتحدثت
- مين ياجنى على الباب!؟
- دا حضرة الضابط يابوسي، عايزني شوية
اتجهت بثينة اليهما... وجدت شابا طويلا جذابا.. يضع نظارة على شعره... ابتسمت له.. جذبها بوسامته.. ابتسم بمجاملة
- اهلاً بحضرتك معلش فيه حاجه مهمة تدعي وجودك إنك تيجي بنفسك لعندنا
نظر إليها بهدوء يقيّم حركاتها ثم أردف
- آسف الموضوع مهم ومينفعش أجله
نظرت جنى لجواد- دي بثينة أختي وماليش غيرها..
- عارف إنها اختك ومالكوش غير بعض بعد موت أخوكي من سنتين في حادثة وقبلها باباكي ومامتك
جحظت بثينة عيناها ونظرت له
- دا إحنا مهمين قوي حتى يخلي حضرة الضابط يعرف كل حاجه..
ارتدى نظارتها
: لازم أعرف كل حاجة على اللي بتعامل معهم ...
تبادلوا النظرات للحظات ثم تركها ونزل للأسفل.. هستناكي ياجنى تحت
فاقت من ذكرياتها عندما رن هاتفها
عند شهيناز
تجلس في شقتها القديمة تتفحص هاتفها.. وجدت على صفحة غزل تضع صورة لجاسر يُكتب عليها
"إن العين لتدمع و إن القلب ليحزن وإنا علي فراقك لمحزونون ولا نقول إلا ما يرضي الله وإنا لله إنا إليه راجعون"
وقفت كالمجنـ ـونة وجـ.سـ.دها يرتعش وتـ.بكي لا مستحيل.. جاسر لا.. لا مستحيل.. أسرعت لخزانتها وارتدت ملابسها سريعا واتجهت إلى فيلا الحسيني
في المقابر
نظر إليها وضر بات قلـ.به بالإرتفاع بعدما قالت كلاماتها.. وشعر بغصة كبيرة تمنعه من التنفس.. وتحدث بما يخالفه عقله
- وحبيبك هتسبيه لمين ياغزل
سكنت لثواني تتأمل حزنه على وجه.. ونظرته التي لأول مرة ترى بها وميضا من نوعا آخر.. شـ.عرت بدقات قلبها السريعة.. استدارت تنظر للمقبرة وتحاول السيطرة على دقاتها ورغم ذلك تحدثت
- انا حبيبي تحت التراب ياجواد، ماليش حبيب تاني، موضوع الشاب اللي كلمتك عنه كله وهم، كنت بضحك عليك به.. عشان متفكرش اني زعلانة وتفتكر إني بحبك
- ودا مش حقيقي مش إنتِ بتحبيني، أردف بها بشفتين مرتعشتين وشـ.عر بد. قاته ستخرج من صـ.، دره الذي يستـ. ـعير مثل البركان
خبأت آهـ.اتها الصار. خة وخيّبات قلبها المتأ. لم ونظرت له بقلب مفطور
- الكلام اللي سمعته مني أنا وحازم دا كله وهم.. جاسر بعدها أخدني لدكتور نفساني عشان يخرجني من حالة تعلقي بيك.. كان عايز يثبتلي إن حبي ليك وهم.. وفعلا طلع وهم.. حكيت للدكتور كل حاجة.. قالي لو حبيتيه بجد مكنتيش تقدري تشوفيه مع حد تاني، ولا كنتِ صبرتي.. دا اختلاط من حب أبوي وحب أخوي عملك غيرة.. دا كل الموضوع... ودا فعلا اللي حسيته معاك بعد كدا بشوف ندى عادي معدش بيأثر عليا
❈-❈-❈
لوهلة صدمته بردها.. ولكنه ابتسم لها
- والله جاسر أخدك لدكتور نفساني ومقاليش.. ضيقت عيناها مستغربة رده البسيط... قاطعته بصوت مرتجف
- تقصد إيه ياجود بكلامك دا
ابتلـ. ـع ريقه ولا يعلم بما يجيبها... عشقها تخطى الحدود.. وأصبح كالإ. دمان إليه الذي لايود الشفاء منه.. رفع يد. يه وجمع شعرها الذي يسقط بعشوائيه مع تحركه بفعل الهواء... تعرفي بفكر في إيه دلوقتي
رعشـ. ـة قو. ية ضـ. ـربت جـ. سـ ـدها من لمسـ. ـته.. أسبلت أهدابها متحاشية النظر إليه.. فتحت فمها لتتحدث لكن نظراته الغريبة إليها جعلتها تقف عن الحديث
- عارفة يازوزو إنتِ لو كبيرة بس شوية يعني تلت سنين أربعة كدا كنت عملت إيه
رمقتـ. ـه بنظرات متسائلة
أطرق رأسه للأسفل بعيدا عن نظراتها
وأحـ. ـس بإرتفاع حرارة جـ. ـسـ ده.. كنت اتجو. زتك
شهـ. ـقت من حديثه وصعـ. ـقت لم تتوقع فكيف له أن يتحدث بذلك في هذه الأثناء
ابتلعـ. ـت غصـ. ـة مريرة في جو. فها ورفعت يد، يها تدير وجهه له. تبادلا النظرات للحظات
صمتا مقتو. لا يتبعه نظراتهما فقط
- مالك ياجواد أول مرة أشوفك كدا.. دا تأثير وفاة جاسر، لو بتقول كدا عشان كلامي الأهبل اللي قولته لحازم صدقني كان مجرد كلام وبس، لكن إنت أخويا الكبير اللي هكون سعيدة عشانه.. إنسى أي حاجة سمعتها مني.. متقولش كدا عشان بقيت وحيدة
نظر لها بأعين حز. ينة يود لو يسـ. ـحقها بأحضـ. ـانه ولكن نظراته كانت تائه، مشتتة، لا يشعر بالعالم من حوله كمن ذهبت رو. حه إليها ولم يعد السيطرة على حاله
❈-❈-❈
- أنا تعـ.، بان قوي ياغزل، نفسي أرتاح بس شكلي مش هرتاح أبدا
أمسكـ. ـت يد. يه وضـ.، متها بين يد، يها الناعمة بحنان- مالك بس ياحبيبي... رغم إنها قالتها بعفوية إلا أنها اختر. قت جدار قلـ.، به لتسـ.، كنه آبيه الخروج
- أطبق جفنيه بقوة محاولا السيطرة على نفسه وكلمات ندى تتردد بآذانه.. وعلى الجانب الآخر قلبه الذي يأبى التخلى عن حبه... ولكن ماذا يفعل بعقله الذي رفض رفضا قاطعا لحديثه... جذب يـ. ـد. يه بسرعة عندما شـ. ـعر بكهرباء تسري بجسـ. ـده من حركتها ووقف سريعا
- ياله عشان نروح أتأخرنا وزمان صهيب بيدور عليكي...
- مقولتش مالك ياجواد
- مفيش... مشكلة بيني وبين ندى وهحلها متقلقيش المهم لازم تخرجي من حالتك دي ياغزل أنا عارف إنك قوية، ادعيله بالرحمة حبيبتي.. مسمعش منك تاني إن سندك راح أنا لسة موجود... استنشق بعض الهواء بقوه ثم زفره ببطئ وتحدث قائلا
- لو بإيـ. د. ي أنزل اخرجهولك وأروح مكانه صدقيني مش هتأخر... وقفت سريعا بمقابلته
- بعد الشر عليك ليه بتقول كدا، ربنا يخليك لوالدتك وأخواتك
رفع ذقنها وإنتِ ياغزل مش عايزة ربنا يخليني عشانك... أستدارت بجـ. ـسـ. ـدها
وتحدثت بحـ. ـزن
- بلاش نتكلم في الموضوع دا إنت عارف كويس إنت بالنسبالي إيه، بس دلوقتي عندك مسؤلياتك... جذ. بها بقوة حتى أصبحت بأحضـ. ـانه
❈-❈-❈
إنتِ غالية عليا قوي.. خليكي فاكرة مهما يحصل ومهما أقولك دا ميجيش حاجة من اللي في قلبي ليكِ.. نظرات مشتته لا تعلم ماذا به ظلت تنظر لعيونه علها تستشف مابه... تلاقت نظراتهم رفع شعرها عن عيونها
- عمك جاي عشان ياخدك بيقول مفيش بينا قرابة.. ابتسم ابتسامة لاتصل لعينيه.. ميعرفش إنك أقرب حتى من النفس
ضيقت عيناها متفاجأة من حديثه
- ياخدني فين مش فاهمة.. قصدك أروح أعيش معه، ليه هو ناسي أبويا لسة عايش.. لدرجة دي بقيت مقطو. عة كل واحد عايز يشدني شوية... مـ. ـلس على وجهها بحنان وأردف مهموما حزينا لانه يعلم حالة والدها
- محدش يقدر يلمـ. ـس شـ.، عرة منك ، وعايزك تعرفي عمرك ماكنتِ وحيدة أبداً ولا هتكوني... المهم لو جه كلمك عايزك قوية ومتضعفيش من أي كلمة مهما كانت كلاماته هتأثر فيكي
لقد تسلل لها بعض الر. عب من كلماته.. نظرت له بتمعن وترقب
- ليه بتقول كدا، هو ممكن ياخدني بالغصـ. ـب
زفر بضيـ.، ق ثم وضع كف يد. يه على شعـ. ـره وارجعه للخلف بضيق في حركة تنم عن غضـ. ـبه وعجـ. زه في آن واحد
- للأسف يقدر ياخدك إلا في حالة واحدة.. ضيقت عيناها متسائلة
- هو ايه اللي ممكن وحالة إيه؟
خالتك حسناء أو ليلى استقروا هنا.. ممكن انتِ ترفضيه
غضبـ. ـت من كلماته
- أنا لا رايحة مع دا ولا دا... انا ليا بيت هفضل فيه وخليه حد يجي يقولي كلمة.. تحركت ووقف بجانب القبر. وأشارت
- شوف جاسر هنا أهو، ورغم كدا هيفضل يحميني وأنا مش ضعيفة للحز. ن أبويا لسة عايش سامعني لا خالتي ولا عمي ليهم حق عليا... ولو حد له الحق هيكون إنت.. ولا دا كان مجرد كلام لبابا
جذ. بها لأحضـ. ـانه بقوة... عارف إنك قوية وعارف أنا الوحيد اللي ليا الحق فيكِ دايما خليكي فاكرة الكلمة دي كويس ياغزل عشان هحاسبك عليها بعدين.. أخرجها من أحضـ. ـانه ومسح دموعها التي تساقطت رغما عنها، ونظر لها
- أنا لو أطول أحطك جوا قلبي ومخليش حد يقرب منك صدقيني هعملها.. رفعت يد. يها وقوة صبرها عليه تلاشت... قـ.، لبها الضعيف تهاوى أمام كلماته
- أنا هفضل كدا عندك ياجود، هفضل جوا قلبك زي مابتقول ولا فيه اللي هياخد مكاني.. أردفت بها ودمو. عها تسا. قطت بغزارة كأنها آبية الصمود أمام دقات قلبها الخائنة الضعيفة التي تخو. ن عهدها
- هتفضلي إنت اللي ساكنة الرو. ح والقلب ياحبيبة قلبي مستحـ. يل حد يقرب من مكانتك... أغمض عيناه بقـ. ـهر واسترسل حديثه
- ياريت يرجع بيا الزمن أخدك.. وانتِ لسة طفلة ونهرب لبعيد في مكان مايعرفانش فيه حد
- جود إنت ليه غريب النهارده وكلامك دا
كل مابه ضمـ. ـها بقوة يسـ. ـتنشق رائحتها...
عايز أنسى نفسي ياحبيبة جود، عايز أنسى كل حاجة
خرجت من حضـ. ـنه عندما علمت إنه يبكي
- مسحت دموعه بكفها الصغير ودمعها على وجنتيها
عارفة إن مو. ت جاسر أثر عليك... بس إحنا هنقوي بعض مش كدا... قبّـ. ـل يد. يها التي توضعها على خـ. ـديه مما أشـ. ـعرها بأنها أصبحت لا تقو على الوقوف وتشعر بحر، ارة خدودها ود. قات قلبها السريعة
- أغمضت عيناها وحاولت الثبات أمامه فلقد انها. رت حصونها وردت بصوت جاهدت أن يكون متنزنا بعدما فعل بها يهد. م حصـ. ـونها بالكامل
- معرفش إيه اللي حصل معاك، موصلك لكدا بس عارفة ومتأكدة ان مهما يحصل، ومهما تواجه فانت هتفضل جواد الألفي اللي مستحيل يهده حاجة
كاد يختـ. ـنق من حديثها وحاول أن يأخذ انفا. سه.. أخذ شهـ. ـيقا عميقا ثم زفره ببطئ
- عندك حق مش أنا اللي لازم أضعف
نظر لعيونها وأردف
- غزل فيه موضوع لازم تعرفيه... قاطع حديثهما صهيب وندى
- يعني ياجواد لقيتها مش تطمني بدل ماأنا زي المجـ. ـنون كدا
سحـ. ـب نفـ. ـساً ثقيلا ثم ز. فره ببطئ
-معلش ياصهيب حالتها نستني اتصل بيك.. توجه بنظره لندى التي تنظر بهدوء لغزل
-خد غزل وروح ياصهيب.. نظر لغزل
"غزل هي اللي هتخرج مليكة من حالتها، أنا كنت عايزها تفوق عشان تفوّق مليكة"
أتجهت ندى ووقفت بجواره عندما وجدت الحزن مالي عيونه
- حبيبي إنت كويس
- ايوة كويس.. روحي معهم وأنا شوية وجاي
حضـ. ـنت ذراعه- أنا هفضل معاك لسة مكملناش كلامنا... ألتقطت نظراته بغزل
ولكنها لم تشـ. ـعره بشئ توجهت لصهيب وأمسـ. ـكت بيد. يها
- ياله ياآبيه أنا تعبانة وعايزة أرتاح.. أتت لتتحرك فكانت حافية القدمين وأقدامها مجروحة
نظر صهيب لأقدامها
- إنت جاية كدا... نظر جواد وندى لأقدامها... اتجه سريعا إليها وأجلسها ثم رفع قدمها على ساقيه
- ينفع كدا ياغزل، ينفع تنزلي بالشكل دا، تعوري رجليكي كدا، ارتـ. ـعشت يد. يه عندما وجد شذ. ايا لزجاجة مكسورة في قدمها.. صر. خت عندما وضع يديه... رغم أنه جرح بسيط إلا أنه شعـ. ـر بوجع قلبه كأن كل مايخصها يختـ.، رق جدار قلبه
حدجتهما ندى بمقـ. ـط فقد تحملت فوق طاقتها
- خلاص ياجواد الموضوع بسيط مش مستاهل
صوب نظرات نا. رية اتجهاها
- ليه حسيـ. ـتي بوجعها قبل كدا
زفر. ت بضـ. ـيق من هجومه الغير مبرر عليه اليوم... اقترب صهيب منهما عندما وجد نظرات ندى الغاضـ. ـبة لغزل وجواد الذي لم يعد السيطرة على نفسه.. قام بحمل غزل
- تعالي ياحبـ. ـيبة قلبي.. أنا هعقملك الجرح في البيت... رغم إنه يعرف اخاه ولكنه
صـ. ـدره يستـ. ـعير مثل لهيـ. ـب البر. كان وشعـ. ـوره بالغيرة والغضـ. ـب يعمي بصـ.، ره وبصير. ته
جلس عندما شعـ. ـر أن ساقيه لا تحملانه
جلست ندى بجواره وضمته بذراعها واضعه رأسها على كتفه
جلس وكأن لايستطيع أخذ أنفـ. ـاسه... عندما حملها صهيب... قب، ض على قبضة يد. يه بعنـ. ـف على ضعفه الذي بدأ يتحكم فيه
في فيلا الحسيني في القاهرة
دخلت شهيناز الفيلا تنادي على العاملين كالمجنـ. ـونة عندما علمت ماصار لجاسر
وقفت نجية العاملة
- افندم ياهانم
ابتلعـ.، ت رجـ. ـفة قلبها وخو. فها واردفت بخوف
- فين جاسر؟
بكـ.، ت العاملة بقوة- انتِ متعرفيش ياهانم ان جاسر باشا وبدات تبـ. ـكي بصوتا مرتفع
- اخرصي وقولي ايه اللي حصل
- جاسر باشا استشهد أردفت بها سريعا
صر. خت بصوتا مرتفع واضعه يديها على أذنها
متقوليش كدا.. أخرصي.. بدأت تثـ. ـور وتكـ. ـسر الأشياء من حولها حتى د. مرت جميع الأشياء التي توجد به
ياحبيبي كدا تمشي من غير ماودعك.. ظلت تردف كلمات كالمجنـ.، ونة المعتو. هة
في فيلا حازم الالفي
نزلت والدته وخالته- حبيبي إحنا لازم نمشي سايبة اختك تعبانة.. وبقالي تلات أيام هنا... زفر بضـ.، يق ولم يعلق
- براحتك ياماما، بس فيه حاجة.. يحيى مش هيسيب غزل إلا لما ياخدها وكان أملي فيكي كبير لكن شوفي كالعادة ياماما
- إيه اللي بتقوله دا... وبعدين متاخفش جواد عامل زي التور محدش هيقدر يلمـ.، سها... جلست ليلى بجواره وربتت على ظهره
- حبيبي أنا هظبط أموري وأعرف عمك محمود وأنزل أنا وجنة نقعد هنا كام شهر كدا وهجيب ميرنا معايا أنا اتفقت مع ماما على كدا بس الموضوع دا عايز شهر
مسـ. ـح على وجهه بعنـ.، ف ووقف
- اعملوا اللي تعملوه بعد إذنكم
أسرع حازم للخارج حتى لايجادل والدته فالموضوع يخنـ. ـقه
سمع صوت خنا. قات بين صهيب وعاصم.. اتجه لمصدر الصوت... وجد عاصم يجـ. ـذب غزل بشدة من يد. يها
دخل كالثو. ر ولكمه بأنفه.. ثم صـ. ـرخ بوجهه
- انت اتجننت إزاي تمد ايد.ك عليها يالا نسيت نفسك ولا إيه.. هجـ. ـم عاصم عليه كالمجنون... هاخدها يابن الكلـ. ـب منك له، والله لأخدها واحسركم وفين حضرة الضابط طفش وسابكم متصدرين.. أسرع اليه صهيب وقام بلكمه بمعدته
تعالى ياحليتها وأنا أوريك الطفشان لما يجي هيعمل إيه
وجه نظراته لغزل
بيضحكوا عليكي وبيكرهوكي فيّا، غزل أنا بحبك ومستحيل أسيبك مع الوحوش دي
أمسـ. ـكه صهيب من تلابيبه
حبك برص، ومين يحبك تعالى قرب عليها كدا واتر. حم على نفسك
- سيبه ياآبيه صهيب أردفت بها عندما وجدت صهيب يهـ. ـجم عليه كالوحش
اتجهت ووقف بجواره وتحدثت
-أنا هفضل قاعدة في بيت أبويا ياعاصم.. ومش هروح مكان... اتت حسناء ووقفت أمامه
-عايز ايه يابن أمال، ايه مش مكفيكم آذية الكبار، رايحين تأذوا الصغيرين واستطردت حديثهااسمع ياعاصم ووصل الكلام دا ليحيى
- خلي حد يقرب من غزل وشوفوا هعمل فيه إيه، هطّلع القديم والجديد.. وصله بس الكلمتين دول وقوله ماجد لسة عايش
رغم سعادته من كلاماتها إلا أنه كلماتها أصبحت الغازا بالنسبة له
وصل جواد وندى في هذه الاثناء
وزع نظراته بين الجميع
ايه اللي بيحصل هنا... ضحك عاصم بطريقة هزلية... الله، الله حضرة الضابط وصل، ولكنه عندما وجد ندى أمامه استغل وجودها
: اهلا ندى هانم آسف معلش نفسي أعرف خطيب حضرتك ليه رافض يديني بنت عمي القاصر وعايزها تعيش معهم.. ماهو لازم يكون فيه حاجة إحنا منعرفهاش
قبـ. ـض جواد على يد. يه بعنـ. ـف حتى لا يتهو. ر وتظهر مشاعره أمام الجميع
- نظرت ندى بهدوء لعاصم
- آسفة على تدخلي أنا معرفش بأي حق جاي تاخدها، كل اللي أعرفه إن جواد هو المسؤل عن حياتها.. وكمان باباها لسة موجود وشايفة خالتها موجودين... وفيه كمان عمو حسين... حضرتك جاي بأي حق تقول كدا
اقترب عاصم إليها ونظرات الحقد اتجاه صهيب وجواد
- عشان دي لحـ. ـمي أنا، وأنا الأقرب لها
- خلصتوا مسرحيتكم عليا
- كلامي للجميع... متفكروش إن جاسر الله يرحمه موته هيكسرني ويخلي كل واحد فيكم هيعمل فيها خيّري... بتكونوا غلطانين.. أنا محدش يقدر يخليني أعمل حاجة غصـ. ـب عني أنا في بيت بابا ومحدش له حق عليا سامعين كل واحد يلزم حدوده... أنا ممكن أكون صغيرة سنيا بس واعية وأعرف أعيش حياتي براحتي اتجهت بنظرها لجواد
- مش كدا ياآبيه.. مش دا اللي علمتهولي وربتني عليه إنت وجاسر قالتها بقوة
ابتسم لها ابتسامته التي أول مرة تظهر منذ مو. ت جاسر ثم اردف متناسيا ماحوله
- كدا ياروح آبيه... نظرت حسناء بتفاخر لغزل ورغم تضايقها من جواد إلا أنه أعجبها شخصيته بقوة
سحبها جواد ودخل بها للداخل
اجسلها على المقعد
- تعرفي أنا فخور بيكي قوي يابت يازوزو ثم قبّل رأسها حبيبتي ياناس كميلة وطعمة
قاطعهم صهيب
- يادي النيلة نفسي أجي مرة واحـ. ـس إنكم عايشين على كوكب الارض
لكمه جواد بصـ.، دره- بس ياحمار
نظرت ندى لضحكات جواد التي أنارت وجهه- ياه ياجواد لدرجة دي كلمات غزل ردت رو. حك
ملـ.، س على شعر غزل بحنان
قوي قوي ياندى.. اكدتلي دي تربيتي صح، قبّـ. ـل جبينها.. يسلملي الغالي اللي ضحكته بتنور حياتي... أردف بها عندما وجد ابتسامتها...
- كدا ضمنت إنك هتكون أب هايل لأولدنا
نظر بصمت لصهيب... إن شاء الله ياندى
انا هروح لمليكة وحشتني.. أردفت بها متحركة
❈-❈-❈
ضمـ.، ها صهيب لأحضانه
-تعرفي يابت يازوزو أنا فخور بيكي قوي وعايز اقولك سر
- بحبك يابت أكتر من حبي للجمبري
ضحكت بقوة حتى وزعت السعادة وانشرح قلبه ولمعت عيناه بدموع الفرحة .. نظر صهيب له نظرة جانبية فتحدث
بقولك يابت يازوزو إيه رأيك نلم دقيقنا ونتجو. ز أنا وانت ونعمل فرحنا بعد نص ساعة... قهقه حازم الذي دخل للتو هو وحسناء بعد مغادرة عاصم وهو يتوعدهم
- والله يابني انت صعبان عليا هتقدر تستنى نص ساعة بحالها... أنا بقول دقيقتين كدا أهو يادوب نلحق نزغرط
- كتير قوي يازومي أنا بقول ثواني،
عايزين جواد يرقصلنا على معزة عوجة
بدأت البهجة ترجع للوجوه رغم حزن القلوب.. وضعت غزل يديها على كتف صهيب وهو قاعد
نسيت حاجة ياآبيه... رفع حاجبه فيه واحدة تقول لجوزها ياآبيه يابت
ضحكت حسناء وملست على شعرها بحنان
- غزل بتفكرني بحنان كأنها نسخة تانية منها
- صحيح ياخالتو أنا شبه ماما
قبلتها على خديها- وأحسن كمان تعرفي يازوزو الولد حازم دا لو مش أخوكي كنت حطينا الدقيق زي ماالدكتور صهيب قال
رفع صهيب رأسه بطريقة مزاحية
- الله يعزك يادكتورة مفيش حد في العيلة دي عارف قدراتي.. قهقه عليه حازم
- عارفين ياخويا قدراتك الاختر. اقية
لكـ. ـمه في كتفه وتحدث بتفاخر
- والله يابني انتوا مش عارفين مواهبي.. اتجهت غزل للأعلى لغرفة مليكة وقد تبدل ضحكاتها التي رسمتها أمامهم بإتقان الى حزنها العميق وخاصة بعد هجوم عاصم اليوم
ظلت نظراته تراقبها إلى أن أختفت من أمامه... رفعت ندى نظراتها الى جواد ثم سحبته فجأة للخارج
- لازم نكمل كلامنا... تنهد بعمق
- غزل مش قادر اتكلم دلوقتي، ممكن بعدين.. نظرت له بصدمة وعيناها تغشاها الدموع
- انا ندى ياجواد مش غزل.. جذب يـ. ـد. يها وخرج للحديقة...آسف ياندى كنت عايز.. ولكن اوقفته حسناء،
- مش هتعرفنا على عروستك ياجواد، احنا اتعرفنا في المستشفى سريعا، لكن كان واجبك تعرفنا عليها مش كدا ولا ايه
- دي طنط حسناء خالة غزل.. دي ندى خطبتي أردف بها ببطئ
إتجهت حسناء لجواد- ربنا يسعدك ياجواد
عايزة اتكلم معاك شوية لم تفضى.. ثم تركتهم وغادرت
جلس يستنشق بعض الهواء
- بتحبني ياجواد.. صدمته بسؤالها
لكنه ابتسم بحنق قبل أن يضـ. ـغط على قلبه بقسـ. ـوة عندما أردف بهذه الكلمات
إيه اللي بتقوليه دا طبعا ولكن عجز اللسان
"هو الحب ايه غير راحة بين الاتنين ياندى"
لوهله صدمها رده البسيط ولكنها نظرت بهدوء "دا ردك عن الحب"
امسـ. ـكت يـ. ـديه وضمـ. ـتها
- جواد انا بحبك قوي ياجواد.. لثوان كان الصمت يعم المكان يتنافى مع ارتجافة قلبه الذي يتألم لمجرد لمـ. ـساتها... حاول الأ يجرحها ..
- معلش ياندى الظروف اللي بمر بيها صعبة حاولي تستحمليني شوية.. قاطعهم رنين هاتفه
- ايوة ياباسم.. وقف مذهولا من حديث باسم وردد" إن لله وإن إليه راجعون "
ماشي احنا هنيجي بكرة إن شاء الله
أكيد هروح أعزي مراته.
جلس بحزن وضع رأسه بين يديه
- ايه اللي حصل ياجواد
- خالد زميلنا استـ. ـشهد في سيناء
لم تستطع الصمود اكثر من كدا
- جواد انا مش عايزة اترمل وأنا صغيرة
لفت انتباه حديثها نظر لها بعمق
قصدك إيه ياندى
اختار ودلوقتي ياجواد... عشان جوازنا يتم عندي شرطين
❈-❈-❈
كانت نظراته تتناقض كليا مع حالته المستاءة من ثو. رانه الداخلي ضد حديثها
- اولا شغلك دا تستقيل منه
وثانيا ياحضرة المذيعة المطيعة
شريف يتجـ. ـوز غزل وقبل فرحنا كمان، يإما نعمل فرحنا مع بعض... المهم غزل ترتبط رسمي
هب واقفا مواليها ظهره محاولا قدر الإمكان أن يحافظ على ثباته الانفعالي أمامها .. اتجه ببصره لها أخيرا
- اولا إحنا مخطوبين وانتِ عارفة إني ضابط.. ثانيا غزل محدش يتشرط عليا فيها اعمل معها ايه ولا تتجو. ز مين.. قايلك اول معرفتنا لو جيتي في يوم وخيرتيني بينكم هختارها تسأليني ليه هقولك
من غير سبب.. كل اللي أعرفه إنها خط أحمر...
ودلوقتي أنا اللي بخيرك ياندى.. دي حياتي وهفضل كدا.. فكري وردي عليا
ثالثا دي من عندي ياندى
- معنديش ست تتشرط عليا.. ودلوقتي انتِ اللي خيرتيني.. فأنا أخترت حياتي مش حياة حد تاني
تسا. قطت دموعها بغزارة على وجنتيها
- ياااه ياجواد لدرجة دي معنديش قيمة عندك
وصل صهيب إليهم مليكة اتكلمت وعايزاك ياجواد... نظر له ببسمة بسيطة
الحمدلله كنت عارف غزل هي اللي هتخليها ترجع.. نظر صهيب لندى وجدها تجلس تبكي.. نظر لجواد
- خد ندى وغزل وإنزل القاهرة بابا كلمني وقال عمو ماجد فاق وعايز بنته.. وشهيناز كانت عنده.. ضيق عيناه واردف متسائلا
- انت مش مسافر
لا هسافر بكرة مع حازم..
جلس امام ندى ونظر لها
- ندى صهيب هيوصلك.. مش هقدر اسيب ماما ومليكة
❈-❈-❈
بعد اسبوع
كانت غزل تجلس مع مليكة التي تنظر بشرود من النافذة...
نظرت لها غزل وأردفت بحزن
- تعرفي جو الصيف دا كان جاسر بيكره اوي.. العيد الكبير بعد يومين... أول عيد ياحبيبي وهو مش معانا... بكت مليكة بوجع.. أما غزل التي تتحدث ودموعها تتساقط... كان المفروض تكونوا اتجو. زتوا
دخل صهيب ونظر لهما بهدوء
فيه موضوع مهم لازم تعرفيه ياغزل
ضيقت عيناها متسائلة
- فيه ايه؟ .
اتجه بنظره لمليكة فهو قد تحدث معها
- شوفي وبدأ يقص لها
اتسعت حدقتيها شيئا فشيئا وصعـقت من حديثه
- انت بتقول إيه؟
مستحيل لا مستحيل
امسـ. ـك يد. يها واوقفها.. تعالي معايا وهثبتلك حتى أسألي مليكة كمان مش كدا ياملاكي...
- اسمعي كلام صهيب ياغزل.. وصدقي كلامه صدقيني مش هتندمي ياحبيبتي
بعد فترة جلس صهيب مع جواد
ناوي تعمل إيه ياجواد في وصية جاسر
- ولا حاجة، قولتلك قبل كدا أنا وغزل مستحيل يربطنا عقد
وقف صهيب وخرج دون حديث
بعد حديثه مع صهيب غادر الغرفة تركه مغادر إلى الاسفل ولكن والده قابله
_جواد تعالى عايزك
ضيق عيناه ونظر متسائلا لوالده:
فيه حاجه يابابا ولا إيه؟
أماء والده براسه بنعم... زفر بضـ. ـيق ثم توجه لوالده ووقف امامه
- "خير يابابا فيه إيه" مستعجل
نظر إليه ثم إلى المقعد دعوة منه للجلوس
جلس جواد على مضض حالته لاتدعى للنقاش..
تنهد والده ثم نظر إليه بعمق واردف بغموض..- . دلوقتي عمك ماجد حالته خطيرة ومراته مش باينة من يوم موت جاسر الله يرحمه ومنعرفش هي ناوية على إيه حتى باسم معرفش يوصلها.. ويحيى رايح جاي على المستشفى ودا مش مطمني
بابا ادخل في الموضوع انا اعصـ. ـابي تعبانة
اردف بها جواد مستاءا
وقف حسين امامه "لازم تتجــوز غزل بما إنك سبت خطيبتك"
هب واقفا كمن لدغ وصاح بغضب
انتوا ايه حكايتكم النهاردة كل واحد يقابلني يقولي لازم تتجــوز غزل، انتوا شكلكم نسيتوا غزل دي بالنسبالي إيه
دي بنتي يابابا يعني لو اتجــوزت من عشر سنين كنت جبت بنت مقربة لعمرها
التفت والده إليه بحنق
_العمر مش كبير اوي ياحضرة الضابط ومفيش واحد بيتجوز وهو عنده عشرين سنة... وبعدين أنا عمري مااتخلى عنها حتى لو انطبقت السما على الأرض.. سامعني ياجواد البنت ابوها هيمـ. ـوت وأنا مش هسبها ليحيى ومرات أبوها.. انا لسة جاي من المستشفي والدكاترة اجمعوا ان ماجد خلاص أيام معدودة بعد قدرة ربنا.. يعني ياانت ياصهيب هتتجـ. ـوزها
وأنا موافق يابابا _كان هذا رد صهيب
تقدم صهيب منهما ووقف مقابلة لجواد ونظر إليه بعمق واردف _
انا موافق يابابا اتجـ. ـوز غزل، ما هو الحب مش بالكلام ياوالدي،، الحب حفاظ، وأمان، ودفاع مش مجرد كلمات للشخص اللي قدامنا
تذكر صهيب حديث جواد
فلاش باك
❈-❈-❈
- مستحيل ياصهيب آخر كلام عندي
زفر صهيب بضيق ثم تحدث.. هو إيه اللي مستحيل.. اتجه بنظره لوالده
- خلاص يابابا سيبه براحته هو حر.. أنا هكتب على غزل
نظر له بصدمة وشـ.ـعر ان الارض تميد به
- بتقول ايه ياصهيب
قاطعه دخول غزل
- عمو حسين انا رايحة أزور بابا
رمق حسين جواد بنظراته
- استني صهيب هيوصلك... روح وصلها ياصهيب... نظر جواد إليهما مستاءاً
- ليه رايحة دلوقتي...
اتصلت نهى
- ايوة يانهى لا خارجة أنا وصهيب رايحة لبابا...
نهى: وحشتيني قوي ياغزل.. وعايزة أشوفك..
- تمام هعدي عليكي
دلف مساء إلى منزله.. وخطى بخطوات هزيلة واتجه اليهما كانوا يجلسون لتناول عشائهم... ألقى عليهم تحية المساء
نظر إليها فاليوم منذ سبعة عشر عاما تغير مكانها بجواره
اتجه بنظره اليها وجدها تجلس بجوار صهيب ويتحدثون بخفوت.. ابتلع غـ. ـصة مريرة استقرت بجوفه.. واتجه لمقعده بمقابلها
نظرت اليه وتحدثت بابتسامة سمجه على ملامحها وهي تضع ساقا فوق الاخرى
اتأخرت ليه ياحضرة الضابط استنناك كتير كدا ألبس دبلتي وانت مش موجود... حتى صهيب كمان استناك ثم بسطت يديها..
ايه رأيك في الدبلة شوف شكلها حلو ازاي
"صهيب وغزل" لايقة مش كدا
رعـ.ـشة قوية ضربت جــسده بعد كلاماتها،، اتجه بانظاره لصهيب الذي نظر في اتجاه آخر... صمت هنيهة يحاول تمالك اعصابه
- مبروك ثم وقف يتنفس بتـ.ثاقل كمن يحمل صخره فوق جـ.ـسده
نهض ببطئ استعدادا للمغادرة.. اوقفته بصوتا مرتفع
آبيه جواد لازم تكون موجود بكرة في كتب الكتاب اصلي خليتك وكيلي بعد اذن عمو طبعا.. ماهو بابا ادلك الواصي معرفش ليه الصراحة وهو عايش
صوب نظرات ناريه اليها ثم وصل إليها بخطوة واحدة... اقترب منها ونظر داخل عيناها
- شوفي الصدف أنا أسيب خطيبتي وانتي تتخطبي لصهيب...هزة عنيفة شعرت بها، وشعور قلبها بالسعادة ظهر على عيونها
تحرك سريعا مغادرا لغرفته وكأن جـسده يشـ.ـتعل لهيبا هو يعرف أن صهيب يلعب به ولكن لماذا حزين لهذه الدرجة.. هل جنُ حتى شـ. ـعر بالغيرة..
باليوم التالي
يجلس مع باسم يتناقشون حول القضية التي راح ضحيتها جاسر
قولي تاني كدا اسمها ايه
اسمها بثينة ياجواد بتروحله كل فترة
معاك صورة
ايوة..ثم اعطاه الصورة
جحـ. ـظت عيناه من الصدمة... قبض على يـ. ـديه بعنـ. ـف حتى ابيضت... طيب انا نسيتك ليه راجعة تاني تحـفري قبر ك
قاطعه دخول المسؤل عن المكتب
فيه واحدة برة اسمها شهيناز يافندم
ضيق عيناه ثم نظر بهدوء
- ودي جاية ليه.. هو إيه اليوم اللي كل القديم بيظهرلي فجأة
دخلت شهيناز تتها. دى بمشيتها بخيلاء،
نظرت لكليهما
جاية اقولك كلمتين ياحضرة الضابط
- بعد يومين اخويا جاي وهيتــجوز السنيورة بتعتك لازم اقهـ. ـرك عليها ياجواد
زي ماقهرتني عليه
هب سريعا وقام بخـ. ـنقها... لولا تدخل باسم لما. تت قتـ. ـيلة بين يد. يه
ظل يصر. خ ويلكم باسم
- سبني ياباسم للحقـ.ـيرة دي... جاية تهددني في مكتبي... صوب نظرات نـاريه وهي تنظر له بشماته
وقامت بفتح تسجيل صوتي
"بحبها أكتر من روحي ياصهيب"
ااااه أسرع إليها ولكن قوة باسم حجزته عنها ظلت تضحك بهستريا
- تخيل تسجيل زي دا يوصل للنائب العام مع شوية صور حلوة للقاصر دي هتعمل ايه
بعد يومين هتيجي وتجو. ز غزل لسامح ماهو مش هنطلع من المولد بلا حمص... قالت كلاماتها وخرجت سريعا
بدأ يثو. ر ويكـ. ـسر جميع محتويات المكتب حتى اصبح محـ.، طم بالكامل
" والله لاندمك ياشهيناز الكـ. ـلب "
دفعه باسم... اقعد بقى وفكر هنتصرف إزاي.. قاطعهم اتصال والده
جواد تعالى بسرعة على المستشفى
- ايوة يابابا... خلاص عشر دقايق وأكون عندك
وصل للمستشفى في غضون دقائق.. دخل غرفة ماجد وجد محاميه ووالده وصهيب
وغزل التي تجلس تبـ. ـكي بصمت
رواية تمرد عاشق الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سيلا وليد
في المستشفى
دخل غرفة ماجد كعاصفة هوجاء، والخوف يلتهم قلبه كما تلتهم النيران سنابل القمح.
اتجه إليها سريعًا، جلس بجوارها واحتوت راحته وجهها وتحدث بنظرة يملؤها الخوف:
- مالك يا غزل بتعيطي ليه؟
ابتلعت غصة مريرة واقتربت حتى أصبحت بأحضانه.
- بابا تعبان قوي يا جواد.
مسح دموعها بحنان ونظر لداخل عينيها:
- بابا كويس حبيبتي ليه بتقولي كده؟ مش كده يا عمو ماجد؟
أخرجها بهدوء متجهًا لماجد، ثم سحب نفسًا عميقًا وجلس بجواره:
- فكرت في كلامي ولا لسه؟
أمسك ماجد يديه ثم نظر لغزل لكي تقترب منه.
وقفت واتجهت إليه وجلست أمامه بعدما وقف صهيب، مسد حسين على شعرها بحنان:
- بابا كويس حبيبتي، ثم رمق جواد بنظراته: حضرة الضابط بس اللي كان طالب منه إيدك وجينا النهاردة كلنا عشان نكتب كتابكم.
سكنت ثوانٍ تحاول تنظيم أنفاسها المضطربة من سرعة دقات قلبها، ثم اتجهت بأنظارها لجواد، تقابلت نظراتهما للحظات وتذكرت حديثه بالأمس.
فلاش باك
كانت تجلس على فراشها تتحدث مع نهى.
دخل عليها غرفتها دون استئذان، وقف أمامها:
- إيه المسرحية الهزلية اللي بتعمليها أنت وصهيب؟
ضيقت عينيها متسائلة بعدما قامت بإغلاق هاتفها:
- إزاي تدخل كده بدون استئذان؟ من إمتى وأنت قليل الذوق كده يا آبيه؟
رفع حاجبه بضيق واستفزاز من طريقتها:
- والأمورة عايزة أستأذن وأنا داخل أوضة مراتي!
- مش فاهمة تقصد إيه؟
نزل لمستوى جلوسها وضرب على الفراش من حولها:
- متختبريش صبري يا غزل، علمناهم السرقة سابقونا على البيوت... شغل الهبل واللؤم ده مش عليا... أشوفك مرة تانية تقعدي جنب صهيب بطريقتك غير المحترمة دي متلوميش غير نفسك.
رفعت حاجبها:
- أنا بعمل شغل هبل ولؤم يا آبيه؟ طيب إزاي جمعتهم مع بعض مش متفقين خالص؟
جذبها من خصلاتها بقوة:
- لا أنا مبهزرش، متعرفيش في الحاجات دي ممكن أعمل إيه.
- شعري يا آبيه بيوجعني.
لم يكترث لحديثها وجذبه بقوة قائلًا بغضب:
- فين دبلة مليكة يا بت وإياكِ تلبسي دبلة تاني لحد مهما كان.
اقترفت بسمة عذبة شفتيها واقتربت منه حتى أصبحت قريبة للحد غير المسموح:
- ليه؟ ما هو أنا كده كده هلبس دبلة... أنت زعلان ليه؟ مضايق ليه؟
شعر بمدى حماقته وفداحة تصرفه فزفر بغضب... ثم ألقاها على الفراش وخرج من الغرفة كالذي يطارد عدوًا.
جلست بعد خروجه تتمرمغ في فراشها وهي تضحك بسعادة، فكلما تذكرت نظراته وغيرته المجنونة وحديث صهيب تشعر بفراشة تدغدغ معدتها... ظلت على هذه الحالة ولكنها وقفت فجأة... "ده بيقولي أوضة مراتي"... ثم وقفت واتجهت تبحث عن دبلة مليكة.
عودة للمستشفى
وزعت نظرها بينه وبين والدها:
- هو ينفع حد يتجوز بنته يا بابا؟
جف حلقه وارتعدت مفاصله من ردها... اتجه بنظرة لوم لوالده.
- جواد من فترة حبيبتي كلمني على الارتباط، هو كان مقرر يفسخ خطوبته مع ندى شخصياتهم مختلفة، وهو مش هيلاقي أحسن منك وكمان مربيكي وعارفك كويس... ثم ابتسم لها: جحا أولى بلحمه يا زوزو مش كده ولا إيه؟
أردف بها حسين بهدوء.
تبادلت النظرات بينها وبين جواد وتذكرت حالته الأيام الأخيرة.
قاطع النظرات صهيب عندما اتجه لماجد:
- قوم بس يا عمو وإن شاء الله نعمل فرح الناس كلها تتكلم عنه.
نظر ماجد إلى حسين وأشار بعينيه أن يقترب منه.
جلس حسين بجواره ورغمًا عنه تساقطت دموعه.
- "شوفت يا صاحبي كده وصلنا لمفترق طرق، طول عمرك كنت الأخ والصاحب الجدع يا حسين وربي يشهد عليا عمري ما فكرت أبعد عنك".
نظر حسين لجواد ثم اتجه إليه:
- متتكلمش يا ماجد وإن شاء الله كله يرجع زي الأول.
- إيه اللي هيرجع يا حسين؟ ابني اللي مات زعلان مني ولا مراتي اللي اكتشفت إني أكبر مغفل؟ المهم غزل يا حسين... أمانة عندك يا صاحبي.
تذكر جواد حديث جاسر، ظل حديث يتردد بأذنه: "غزل يا جواد اتجوزها، اوعدني إنك تتجوزها وتكون سندها، ممكن بابا يعمل فيها زي ما عمل فيا، أنت أكتر واحد أتمنك عليها يا صاحبي، هنتقابل وأسألك عليك".
حزنه على صديقه اخترق جدار روحه تطعنه بخناجر مسمومة، شعر أن روحه تنسحب ببطء كلما تذكر كلماته.
نزل وجلس على عقبيه أمام ماجد وأردف ودموع عينيه خانته للتساقط:
- جاسر مش زعلان منك هو قالي كده والله يا عمو، جاسر بيحبك أوي وقالي أقولك كده.
نظر ماجد إليه:
- مقالكش حاجة تانية يا جواد؟
ضيق عينيه ونظر إليه مستفهمًا، هو أبعد معرفته بوصيته لغزل:
- "لا قالي قول لبابا أنا بحبه مش زعلان منه".
- عارف يا ابني؟
استغرب جواد حالته.
نظر ماجد إليه:
- حلمت بيه بيقولي وافق على وصيتي لجواد.
شعر أن الأرض تميد به وشعر بصغر حجمه، كيف كان له أن يترك وصية صديقه.
نظر إلى حسين قائلًا:
- أنا خليت الممرضة تتصل بالمحامي وجه... عشان أكتب كل أملاكي باسم غزل عشان عمها ما يحاولش معها... ثم نظر لجواد: وجواد يكون الواصي عليها حتى تعرف تحافظ عليهم يا حسين... أنا عارف إنك مش هتقصر معها يا جواد، لإنك بتعتبرها أغلى من روحك.
أغمض عينيه بقهر من نفسه ومن الأحداث التي تدور حوله:
- أنا هتجوزها يا عمو، وأنا اللي هكون مسئول عليها... ووعد مني أحاول أحافظ عليها لحد ما توصل للي عايزاه... وده قولتهولك امبارح... نظر لغزل وأردف: غزل مستحيل تتجوز حد غيري... مش أنت موافقة يا زوزو ولا لسه عندك لعبة جديدة؟
نظرت للأرض وابتسمت... ضربها صهيب على رأسها:
- القطة أكلت لسانك يخربيتك اتكلمي ليرجع في كلامه... ده زي أمشير كل ساعة بحال... ضحكت عليه.
اتجهت بنظرها لجواد ثم لوالدها:
- وأنا عمري ما أأمن لحد غيره يا بابا... حتى صهيب ده بشك في عقله.
ضحك جميع من بالغرفة.
تنهد حسين براحة عندما وافق كل من جواد وغزل.
دخلت الممرضة وأردفت محذرة:
- كده كتير أوي يا بشمهندس...
نظر إليه... ثم نظر لجواد وغزل:
- وتعالوا جنبي عايزكم.
- حاضر.
اتجها إليه...
- بس كفاية كلام.
أردف بها عندما وجد تنفسه قليل، وضع له تنفسه الصناعي... جلس بجواره وربت على يديه وبجانبه غزل التي تنظر لوالدها بعمق أردفت متسائلة:
- بابا ليه كتبت كل حاجة باسمي؟ ونظرت لجواد: وليه أنت عايز تتجوزني دلوقتي؟
ضغط والدها على يديها:
- عشان عايز أطمن عليكي يا قلبي وأفرح بيكي وبعدين حضرة الضابط هو اللي مستعجل... أنا هسيبك شوية مع بابا وهخرج.
خرج جواد إلى والده.
ضمه والده من أكتافه:
- طول عمري مش بستنى منك غير كده يا جواد، ربنا يبارك فيك ويحفظك يا ابني.
نظر صهيب مبتسمًا له:
- عمو حبيبي هو اللي بيتعب بيحلو كده؟ بس كفاية وحشتني.
أردف بها بعدما سقطت دمعة من عينيه.
أمسك يديه وقبلها:
- يالا خف بسرعة البيت وحش من غيرك...
حاول ماجد أن يرفع يديه ويملس على وجهه بحنان ولكنه لم يستطع... جلس أمامه صهيب:
- أؤمرني بس وأنا تحت الطلب... حتى ممكن أجازف وأتجوز البت صاحبة اللسان السليط دي.
ابتسم له ماجد بحب:
- كان نفسي بس فيه اللي سابقك وخطفها منك وهو بالذات مقدرش أقوله لا.
نامت على صدره:
- قوملي يا بابا مبقاش عندي حد غيرك.
نظر إليها وبكى عليها... كيف لي أتركك صغيرتي ربي يتولاكِ برحمته.
- غزل أنت موافقة على جواد؟
وقفت عن الحديث ولم تتكلم... نظر والدها لشرودها وحاول أن يعلم إذا كانت مقتنعة بجواد أم لا.
- غزل أنت بتحبي مين أكتر بابا ولا جواد؟
نظرت لصهيب ضائعة ماذا تجيبه وكيف لأبيها أن يسأل مثل هذا السؤال.
- بابا أنت حبيبي وكل حاجة حلوة ليا إزاي بتقارن نفسك بجواد؟
ابتسم ماجد ابتسامة كادت أن تخرج من شدة آلامه:
- "مش ده جواد اللي كنتِ دايماً بتقولي إنك بتحبيه أكتر حاجة في الدنيا؟"
انخرطت في البكاء وتحدثت:
- كان مجرد كلام يا حبيبي أنت عندي أغلى واحد في الدنيا...
- طيب عشان أنا أغلى واحد في الدنيا لازم توافقي على اللي هقوله.
ارتجف قلبها ولا تعرف لماذا.
ضغط ماجد على يديها ونظر لصهيب:
- جواد بيحبك يا قمري وطلب مني أسرع بجوازكم، هو طلب مني امبارح كده.
نظرت بتشتت لوالدها ثم إلى صهيب الذي أدار وجهه للجهة الأخرى، حتى لا ترى حزن عينيه عليها.
- غزل عايز أكتب كتابكم النهاردة، لازم تسمعي كلام بابا...
قاطعهم دخول جواد والمحامي ووالده إليهما.
الأستاذ أمين.
جلس أمين المحامي بجانب ماجد وجلس أمامهما جواد ووالده... ظلت غزل واقفة بمكانها لا تتحرك لا تبدي أي ردة فعل.
اتجه إليها جواد بنظره ووجد حالتها هكذا آلمه قلبه عليها... تساقطت دموعها بغزارة عندما تحدث والدها بصوت متقطع للمحامي أن يكتب كتابهما.
هنا لم تستطع الصمود وصرخت بصوت باكي فجأة:
- بابا أنت مخبي عني إيه؟ ليه السرعة دي ده جاسر لسه ميت قريب... حتى مش مستني تخرج من المستشفى.
ضمها صهيب بقوة:
- غزل حبيبتي بلاش تعملي كده بابا تعبان بلاش نتعبه.
وقف جواد سريعًا واتجه إليها ورفعها من الأرض وضمها بقوة إلى أحضانه وبدأ يتحدث إليها:
- حبيبتي ليه بتعملي كده؟ بلاش توجعيني يا غزل عشان خاطري.
رفعت رأسها من أحضانه وهمست له:
- أنتوا مخبين عليا إيه يا جود؟ بابا هيموت صح؟
أغمض عينيه بقوة وقهر وألم عليها، لقد شقت قلبه لنصفين، نظر إلى المحامي ووالده حتى يكملوا عقد القران ثم همس لها:
- ده مجرد أمان عشان باباكي خايف عليكي وحاسس إنه ممكن يحصله حاجة... ويا ستي اعتبري أنا اللي مستعجل، نظر لها: أنا وحش يا زوزو فين بحبه أكتر من روحي.
- ليه دلوقتي يا جواد؟ فجأة كده جيت في بالك واكتشفت إنك عايزني وأنت لسه سايب واحدة من أسبوع كنت بتقول حبيبتك... قولي ليه وليه رافض حد يقربلي؟
مجرد كلمة فقط زلزلت كيانه... نظر بتيه لعينيها الساحرة وأردف متخبطًا من مشاعره:
- كنتِ عايزة حد تاني... ومين قالك إني هوافق ولا أأمن لحد عليكي... ولا حد ممكن ياخدك مني ببساطة حتى لو كان الحد ده صهيب...
بعدين نتكلم حبيبتي، مش دلوقتي.
قبل جبينها متجها لوالدها.
تنهد صهيب أخيرًا براحة ونظر لهما، وحث جواد للذهاب إليهما.
نظر جواد نظرة أخيرة إليها وشعر أن الأرض تميد به عندما وجد دموعها تغرق وجهها بغزارة. ظن حينها إنها رافضة شخصه.
ياترى كلامك ليا صحيح ولا تخمين يا غزل؟
غزل، لو مش عايزة الجوازة دي، وحاسة إنك هتقابلي شخص يكون فتى أحلامك بجد، وقتها هنفترق ماشي، بس دلوقتي لازم نكمل جوازنا.
أردف كلماته ثم تركها.
خطى إليهما وكأن جدران الغرفة تطبق عليه. تم عقد القران غير الموثق لعدم وصول غزل السن القانوني.
ظلت تنظر له وهو جالس.
يالك من أحمق يا حبيبي، كيف لك أن تتخيل أن قلبي يميل لسواك؟
جذبها صهيب وخرج بعدها. وقف يمازحها عندما وجد حزنها.
أقول مبروك يا مرات أخويا ألف مبروك، المفروض تقوليلي يا عمو صهيب.
ابتسمت على مزاحه وتغير مزاجه.
تسلملي يا أبيه ربنا يخليك ليا دايما، بحس بوجودك جنبي. وشكرًا، لولا وجودك ما كان أبو الهول نطق.
ضحك عليها. وصل جواد إليهما واستمع لحديثهما الذي أوجعه ولا يعرف لماذا.
هل تضايق من حديثها لصهيب؟
ادخلي لبابا يا غزل عايزك.
دخلت بهدوء لوالدها، رفع يديه إليها أن تتقدم.
- مبروك يا حبيبتي، عايزك تعرفي جواد أحسن شخص وشكلك بتحبيه أوي، هو كمان بيحبك، أنتِ عنده أغلى من أي حاجة. صدمني بكلامه ما كنتش أتوقع إنه بيحبك أوي كدا. ممكن تكوني لسة صغيرة بس أكيد فاهمة مشاعرك كويس. ونظراته زمان قولتها له لكن هو ضحك واتريق.
ثم أكمل استرسالًا لحديثه:
- عايزك تعرفي إنك أغلى حاجة عندي وعمري ما فكرت غير في سعادتك.
قبلت يديه.
ربنا يخليك ليا يا حبيبي يا رب.
روحي مع جوزك دلوقتي أنا عايز أرتاح.
تحركت لتخرج ولكنه أوقفها.
"غزل"!!
نظرت له وعيناها تغشاها الدموع.
رفع يديه. أسرعت إليه وألقت بنفسها داخل أحضانه وبكت بقوة.
- أوعى تسيبني يا بابا.
ضمها بحنان.
- ربنا يسعدك يا حبيبتي ويرحم أخوكي.
دخل جواد عندما تأخرت بالداخل.
صوب نظراته لها، وجد دموعها تسقط بصمت. خطى إليها بخطواته الواثقة.
- ينفع كدا تعيطي النهاردة؟ دا فال وحش على فكرة، مش كدا يا عمو؟
أغمض ماجد عيناه لعدم قدرته على الكلام.
جذبها من يديها للخارج.
- بابا تعبان تعالي نمشي.
اتجه بها للخارج وقف بجانب صهيب الذي ينتظره.
بسط يديه إليها. نظرت لداخل مقلتيه، ودقات قلبها تتصارع كالطبول، أحقًا أصبحت زوجته؟
شبكت أصابعها بأصابعه.
هنروح فين؟
هنا قاطعهم صهيب.
عازمكم على العشا.
توجه بنظره لجواد.
يارب ذوقي يعجبكم.
ضمه صهيب لأحضانه وهمس له: "جواد إنسى كل حاجة، افتكر حبيبتك بين إيديك وبس. دي فرصة جاتلك على طبق من ذهب".
تركه جواد جاذبًا غزل من يديها.
وصلا لسيارته، فتح بابها واستقلت بها وتحرك بالاتجاه الآخر للقيادة. وضعت رأسها على النافذة وتساقطت دموعها بغزارة فجأة. صدمته حالتها.
اهتزت نظراته إليها. شعر أن شيئًا غريب يحدث له. اقترب ومسح دموعها بحنان:
"ممكن أعرف إنتِ بتعيطي ليه دلوقتي؟ لو شايفة جوازك مني هيقهرك أوي كدا صدقيني ما كنتش اتجوزتك".
فتحت عيناها وصوبت نظرها داخل عينيه.
"دا اللي فهمته يا جود".
أردفت بها بصوت باكي.
ملس على جانب وجهها:
"غزالتي بقت صعبة عليا ما عدتش بفهمها".
وضعت خدها على يديه الذي لامس خديها به:
"ولا عمرك هتفهمني. أنا تعبانة أوي ومحتاجة أرتاح".
ثم أغمضت عيناها.
أوعي تقولي ناوية تروحي للدكتور النفسي الأهبل، ما أعرفش ليه حاسس الدكتور الأهبل دا صهيب.
قهقهت فجأة على رغم حزنها.
طيب والله صهيب دا العاقل اللي في عيلتكم.
- آه صهيب هو العاقل، لما دا يكون عاقل فين المجنون يا حبي؟
شعرت بعاصفة داخل قلبها من مجرد كلمته التي قالها بعفوية.
احتوت كفه بين راحتيها وحاولت أن تجمع شتات نفسها.
- جواد ليه اتجوزتني؟ ليه فجأة كدا؟
وياريت تكون واضح، عايزة أعرف السبب الرئيسي.
نظر لوجهها الذي يشبه الوجه الملائكي بهدوء. نعم قلبه يذوب كقطعة شوكولاتة معها فقط.
جذبها بهدوء إلى موضع قلبه.
ممكن نتكلم بعدين، اليوم كان طويل ومتعب جدا النهاردة في الشغل.
وقام بقيادة السيارة. ثم نظر إليها وهي في حضنه وعلى كتفه. ورغم إنها فعلتها كثيرًا قبل ذلك إلا اليوم هناك شعور لذيذ لديه.
لا يعرف هويته. جذبها بقوة وقاد السيارة بيد واحدة وهو يستنشق عبيرها.
شعرت بدقات قلبه تحت خدها. أغمضت عيناها تستمع لدقاته ودفء حضنه تتمنى لو يتوقف الزمن هنا فقط، لم تعد تطلب شيئًا آخر غيره.
مسحت رأسها بعنقه مما أدى إلى ارتفاع وتيرة أنفاسه من فعلتها البريئة، ولكنها جعلته كنيران مستعرة.
بعد دقائق وصل إلى المكان المنشود الذي أخبره به صهيب.
نزلت بهدوء من السيارة واتجهت إلى الناحية التي بها جواد.
أغلق سيارته وجذبها من خصرها متجها بها إلى مكان يطل على النيل محجوزًا خصيصًا لهما.
دخل وجد أضواء شموع خافتة، تزين مائدة الطعام التي توضع في ركن هادئ وموسيقى هادئة. أجلسها وجلس بمقابلتها وابتسم بهدوء مردفًا:
- والله صهيب دا مالوش حل، دا المفروض يكون دكتور في الحب.
ضحكت عليه.
- هو فعلا حاجة نادرة، بحبه جدًا، بيمشي معاك على الطريقة اللي بتكون موجود عليها.
رفع حاجبه ونظر لها بهدوء مخيف.
بتحبيه؟ والله حبك برص إنتِ وهو. تعرفي اللي بتقولي عليه دا؟ كان ماشي مع نص بنات الجامعة، كل شوية أجيبه من مصيبة. وخليفته زفت سيف.
- ويترى حبيبي كان مؤدب؟
يا إلهي ماذا قالت هذه الطفلة من كلمة حتى اخترقت جدران قلبي؟ أتناديه بحبيبها؟ نعم فأنا رَجُلها الأوحد.
ملست على يديه بحب.
بكلمك ما بتردش ليه؟
وضع يديه على الطاولة واقترب منها حتى وضع جبينه فوق جبينها، وأردف بقلبه قبل لسانه:
- قولتي إيه من شوية؟
لا تشعر بنفسها كأن جسدها مخدر بالكامل من حرارة أنفاسه التي تضرب بشرتها الناعمة. وضعت يديها على خده.
- جود مش عايز تقولي حاجة؟ تحكيلي أي حاجة، عايزة أعرف كل حاجة.
وضع سبابته على شفتيها.
فشعر بضعف قلبه لمجرد لمس شفتيها، بل ضعف كيانه بالكامل ورغبة وحيدة وهو أن يتذوق حلاوة شهدها. أغمض عيناه عن ذكرى تذوقه لشفتيها. وضعت يديها مرة أخرى على خديه مستمتعة بلحظتهما هذه. أمسك يديها وقبلها، مما جعلها تشعر بفراشة تدغدغ معدتها. نظر لحالتها التي أصبحت عليها، هو لا يقل عن حالتها أبدًا، ولكن عقله استجاب وأرغمه لخروجه من نشوة القرب. وقف وبسط يديه:
- تعالي نرقص.
وقفت بابتسامتها ورقتها مما شعر أن هلاكه سيكون على يديها الليلة.
حوط خصرها بيديه ووضعت رأسها في مكانها المفضل. اعتدلت ونظرت لداخل عينيه.
دا مكاني المفضل، لازم أحس بنبضك ليا لوحدي.
عصرها بين أحضانه.
- ووعد مني عمره ما أكون لحد غيرك، يا قطعة من روحي.
هنا أصبحت ساقاها كهلام لم تحتمل كلماته ولا لمساته لخصرها وهي في أحضانه. دقات قلبه تعمل كالطبول. أهذا عشقها وحدها؟
هل هذا حقيقة أم خيال؟ رددت في سرها.
أحمدك ربي على تعويضك لي. وضعت رأسها في تجويف عنقه ورأت كيف إنه لم يستطع بلع ريقه بسبب تحريك تفاحة آدم لديه. رفعت نظرها مما أدى إلى تلامس شفتيها إلى عنقه. هنا فقد السيطرة بالكامل على نفسه. نزل بنظره إليها وقام برفعها حتى أصبحت بمستواه، وأردف بصوت متهدج بمشاعره التي جاهد طويلًا لدفنها بداخله وإعلانه الزائف إنها ابنته. اقترب حتى اصطدم بوجهها القريب جدا ونظراتها التي خدرته بالكامل وتبعث في جسده قشعريرة لذيذة. ولم يختلف الحال بما أصابها، فقرب أنفاسه الحارة واختلاطها بأنفاسها، شعرت بأن الأرض تميد بها ولم تقو على الوقوف. ألقت بثقل حملها عليه، وكان أكثر من مرحب بذلك.
اقترب للحد غير المسموح لشفتيها وكاد أن يقبلها، لولا رنين هاتفها الذي أيقظ عقله لأرض الواقع.
أمسكت هاتفها بيد مرتعشة لم تقو على الوقوف. فهم حالتها، جذبها وجلس بها على المقعد.
- أيوة يا نهى.
أردفت بها بصوت مرتجف من كم المشاعر التي كانت عليها للتو.
وقف واتجه ينظر للنيل بهدوء وبدأ يلوم حاله.
إزاي تعمل كدا؟ إنت غبي.
فجأة تساقطت دموعه رغما عنه، لوجع قلبه الذي بدأ يدمي لاشتياقه لها وهي بين يديه. نظر للسماء وكأنه يناجي ربه:
ربي أزل تعب قلبي.
ربي أخشى من فقدانها.
ربي اجعلها لي قرة أعين.
ربي الاختبار صعب وثقيل، ربي نجيني من وجع الفراق.
أطرق رأسه للأسفل يقاوم رغبة قوية في البكاء.
لماذا تضعه الحياة داخل هذا الاختبار الصعب؟
كيف سينجو ويخطو من كل هذه العقبات ولما لا وقلبه العقبة الأكبر؟
خرج من حديثه مع نفسه عندما وجدها وقفت بجانبه ووضعت رأسها على كتفه.
لذيذة، جميلة، مرحة، منيرة كالبدر ليلة التمام، رغم حضورها بلباسها المعتاد إلا إنه يراها كأجمل عروس في ليلة عرسها. ضمها لأحضانه.
- ليه قولتيلي على موضوع الدكتور اللي رحتي له إنتِ وجاسر؟
اعتدلت ثم اتجهت موالية ظهرها.
- عشان دي الحقيقة.
لوهلة صدمته بردها ولكن استكمالها جعل الراحة تسكن شريانه.
حبك مختوم في قلبي. جاسر الله يرحمه كان عايز يثبت لنفسه ويثبتلي إني موهومة بحبك. ما يعرفش إن روحي فيك.
أغمض عيناه مستمتعًا بكلماتها. حاول تهدئة مشاعره ولكنه يشعر بأن قلبه سيقفز من صدره.
رد عليها بلوم واستنكار:
ليه قولتيلي الكلام الأهبل بتاع المقبرة؟
جلست أمامه على السور.
كنت مستني إيه وأنا شايفة نظراتك ليا مشتتة حسستني بضياعك وكأني قدامك واجب ولازم تهتم بيه. شفت نظرات أول مرة أشوفها.
ودا يديلك الحق تكسريني كدا؟
يأست يا جواد وإنتَ عارف اليأس بيعمل إيه، بيكون زي العدو اللي عايز يخلص منك، كنت محتاجة أمل إني أكون خاصة.
تقومي تنسبى نفسك لراجل تاني؟ إزاي تدي نفسك حق إن راجل غيري طلب إيدك لو حتى أخويا؟ أو حتى مسرحية هزلية؟
أردف بها ونيران الغيرة تنهش بقلبه.
قوليلي المفروض أتصرف إزاي؟
وضعت يديها على وجهه عندما لاحظت عصبيته، إنه محق. كيف تجاهلت نظرات عشقه لها؟ ثم حركتها على نبضه قائلة:
- ما كنتش أعرف إن دا بيدق ليا صدقني.
داعَبَت أنفه بأصابعها.
ما يبقاش خلقك ضيق كدا.
جحظت عيناه وأردف مذهولًا من حديثها:
خلقي ضيق؟ دا جواز، يعني لو ما دخلتش كان صهيب ممكن يتجوزك حقيقي.
نزلت للأسفل.
صهيب عمره ما كان هيعملها، إنت عارفه أكتر مني.
ولو عملها؟!
- مستحيل، عشان وقتها هكون ميتة لو كنت لراجل تاني.
هنا وقف الزمن. هنا صاحبت دقات القلوب. هنا ارتجفت نظرات العيون. هنا تغلب العشق على المنطق.
هنا فقط رمى كل وعوده تحت قدميه وسحقها داخل أحضانه. أسند جبهته على جبهتها، وتحدث مغمض العينين بلهفة عاشق وبدون سيطرة على مشاعره:
- كنت هكون ميت، وإنت اللي قتلتيني.
ضم خصرها لحضنه، ولف ذراعه حول جسدها بتملك، وأصبح كالعاصفة الهوجاء تلتهم كل شيء.
- مستحيل كنت أسيبك لحد تاني.
أمال برأسه طابعًا قبلة عميقة فوق جبهتها. تمنى لو يسحق بها شفتيها، لكنه تريث قليلًا حتى لا يخيفها وتعتاد على علاقتهما الجديدة.
تنهد بتثاقل، وأصبحت حالته ميؤوسًا منها لنفسه.
- ليه سيبت ندى؟
سؤالها في هذا الوقت زلزل كيانه، على الرغم من توقعه لسؤالها.
زفر بضيق، ونظر للبعيد وتشتت نظراته:
- بلاش نتكلم في الموضوع دا دلوقتي. موضوع مش مهم.
ضيقت عيناها، ونظرت مستاءة من رده:
- مش مهم لما تكون من أسبوع بس خاطب، والنهاردة تيجي وتتجوزني، وأعرف إنك بتحبني؟ أنا تايهة لو سمحت فهمني.
اتجه موليًا ظهره:
- غزل، بعدين نتكلم، بلاش نتكلم دلوقتي. بكرة العيد، حبيت نتجوز عشان يكون مميز، عشان ما أحسش إن جاسر مات. عايز فرحة تدخل قلوبنا بدل الحزن اللي هيخلص علينا كلنا. أنا بحاول أسند الكل، بس مش لاقي اللي يسندني. بقيت محصور من كل الجهات، مش عارف الضربة هتيجي من مين.
استغربت حديثه. اتجهت له، ونظرت لداخل مقلتيه:
- في إيه وضربات إيه؟ إنت بتدور على اللي قتل جاسر مش كدا؟ وفي الآخر تدخل في صراع مع عصابة عندهم الدم زي الميه.
تشبثت بقميصه، وأردفت بقهر طفلة يتيمة مكسورة من ضياع والديها:
- بلاش يا جواد عشان خاطري. فيه ربنا هيخلص حقوقنا وياخد حق جاسر. جواد إياك، أنا ماليش حد غيرك إنت وبابا.
لو بتحبني صحيح، ما توجعش قلبي عليك لو سمحت. هموت لو حصلك حاجة.
ظلت ترددها بخوف وضياع.
ضمها لأحضانه، وهمس لها:
- حبيبتي أنا موجود ومستحيل أسيبك.
رفع ذقنها، ومسح دموعها، وبدأ يمازحها:
- ينفع مرات جواد الألفي تكون ضعيفة كدا؟ كدا هتضعفيني، أنا عايز قوتك مش ضعفك أبدًا حبيبتي.
ضمته بقوة:
- الفقدان صعب قوي يا جود، صعب دا موت بالحياة. ما تفتكرش إني سعيدة وجاسر بعيد عني. أنا اتكسرت، وحضني الدافي راح.
شدد عناقها وتركها تخرج ما يجيش صدرها.
- حبيبتي عايزة أقولك، أنت النفس اللي بتنفسه، اوعي تقطعي نفسي دا يا زوزو.
لمست جانب وجهه:
- أنا بحبك قوي يا جود، قوي فوق ما تتخيل.
أغمض عيناه منتشيًا بقرب أنفاسها، وكلماتها التي زلزلت كيانه:
- وأنا بعشقك يا قلب جود.
- ياااه أخيرًا... كنت فقدت الأمل إني أسمع منك حاجة قبل ما أموت.
قاطعها سريعًا وهو يضمها بقوة:
- بعد الشر عليكي يا روحي. يا رب ما يوجع قلبي عليكي.
- جود، ممكن أروح أبات عند نهى النهاردة؟ محتاجة أقعد معها شوية. صوتها حزين، وشكل موضوع خالد اتفتح تاني.
- من إمتى وإنت بتباتي بره يا غزل؟
زفرت بضيق.
ملس على وجهها بحنان:
- الصبح أوديكي، لكن بيات بره البيت لا يا روحي. تعالي عشان نتغدى أكل صهيب. والله خايف يطلع لي بقرموط من الغدا دا.
ضحكت بخفة:
- ما أعرفش مالك وماله. دا صهيبي.
- أهو مجرد ما بتقولي كدا دمي بيغلي، وببقى عايز أكسر دماغك.
رفعت حاجبها، ونظرت له باستخفاف:
- صهيب دا مكانته غير يا جود. يعني دا توأم روحي... إنت ناسي؟
قاطعها:
- وأنا من ساعات بس كنت زيه، لكن شوفي دلوقتي جوزك. فبلاش لعب بأعصابي يا زوزو عشان ما أخليش ليلتك وردي يا روحي.
- جواد، إنت ليه خطبت ندى؟
أردفت بها مفاجأة.
نظر لها، ثم توجه بأنظاره للبعيد، وتحدث بهدوء ينافي عاصفته الداخلية:
- هتزعلي لو كلمتك بصراحة؟
- أنا سمعاك يا جواد ومش هزعل.
أردفت بها بصوت مرتفع بعض الشيء. وضع قطعة ستيك بفمها، ونظر بهدوء لعينها:
- عشان عجبتني. يعني ممكن تقولي: جميلة، جذابة، عملية، ناضجة التفكير. يعني اخترتها بعقلي.
- طيب لما فيها كل الصفات دي، سيبتها ليه؟
زفر بضيق من أسلوبها الطفولي. لن تتغير أبدًا صوب نظرات.
- وبعدين يا غزل؟ مش قولت بلاش نتكلم في الموضوع دا؟ ليه عايزة تنكدي وخلاص؟
صدمها بكلماته:
- أنا نكدية وبنكد لما أسألك ليه سيبت خطيبتك، ومن يوم وليلة اتجوزتني؟ أكون نكدية؟
- مش أنا اللي سيبتها. أنا مش غدار ولا خاين عشان أرميها. هي اللي سابتني.
أردف بها بهدوء مميت لروحها.
نظرت للجهة الأخرى عندما وجدت عيناها تغشاها الدمع، وأردفت بصوت حزين:
- يعني لو ندى ما سابتكش، كنت هتفضل مكمل معها؟
زفر بضيق، ورغم ذلك أجابها:
- أيوه، عمري ما كنت أبيعها.
صاعقة ضربتها بشدة، وقفت فجأة:
- عايزة أروح.
أردفت بها متجهة للسيارة دون حديث آخر. استدعى النادل، وقام لكي يدفع الحساب، ولكن أكد له النادل أن صهيب قام بدفعه.
في فيلا يحيى الحسيني.
أتاه اتصالًا من شخص غريب:
- معايا اللي يخلصك من جواد الألفي.
- إنت مين؟
- واحدة متعرفهاش. المهم عايزة تمن للحاجة اللي معايا.
- أشوف الأول وبعد كدا أحكم.
ضحكت ضحكات رقيقة، وأردفت كالحية:
- رقبته تساوي كتير، تخيل دي رقبته وسمعته. هبعتلك جزء من الحاجة، وبكرة عايزة عشرة مليون. ما هو أكيد ورث ماجد ما يجيش رماليه من الفلوس دي.
يجلس حازم في حديقة المنزل يعمل على الجهاز المحمول. اتجه صهيب وجلس بجواره:
- كل تم زي ما خططنا بالضبط.
مسح حازم وجهه براحتيه يتمتم:
- على قد فرحك دا، على قد خوفي من العلاقة دي. أنا خايف على جواد فعلًا يا صهيب. إنت مش مدرك للخطر اللي ممكن يواجهه، لكن في نفس الوقت لازم ينفذ وصية جاسر، وكمان حبه اللي بدأ يتغلغل في أعماقه.
آهة خفيضة تحررت من شفتي صهيب:
- أنا خايف أكتر من جواد نفسه. مشكلة جواد إنه ضاغط على قلبه وشغال بعقله فقط. لكن ساعات الضغط بينفجر وبيعمل أخطاء.
توجه بنظره له:
- تفتكر هو خطأه إيه؟ ليه عايز يوهم نفسه دايما بخطأه يا حازم؟ ليه نمشي ورا كلام الناس اللي دايماً قاعدة للانتقادات فقط؟
زفر حازم بضيق:
- واخد الموضوع ببساطة يا صهيب. اقعد واتفرج شوف لما الموضوع يتعرف إيه اللي هيحصل. ما تنساش مركز جواد حساس.
قاطعتهم مليكة، ألقت عليهم تحية المساء.
نظرت بهدوء لحازم الذي يجلس يرتدي نظارته الطبية ويعمل:
- حازم، عايزة أتكلم معاك في موضوع مهم، ومحدش هيساعدني فيه غيرك.
وقف صهيب واتجه للداخل:
- هسيبكم وأدخل. عندي مقابلة عمل بعد ساعة، يا دوب أغير وأتحرك.
أومأ له حازم بنعم.
اتجه بنظره لمليكة:
- عاملة إيه؟ شايفك أحسن دلوقتي.
أطبقت جفنيها المتعبتين، وتركت دموعها للانسياب:
- تفتكر هكون عاملة إيه بعده؟
صرخة من أعماق قلبه على حالتها وعلى قلبه المسكين. سكت لثواني يتأمل قسمات وجهها الحزين، ثم تنهد بحزن:
- عارف مصيبتنا كبيرة، لكن ربنا رحيم يا مليكة. ما نعرفش حكمته إيه أو بالأصح لازم نحمد ربنا في السراء والضراء.
- الفراق موجع قوي يا حازم ومؤلم، وخصوصًا لو حد غالي.
دمعة سقطت رغماً عنه، وأردف بتثاقل اللسان:
- عارف وحاسه. جربته كتير يا مليكة، أكتر واحد الفراق علّم عليه. عايز أقولك الإنسان جه من النسيان، هتنسي مع الوقت. هيكون مجرد ذكرى حلوة في حياتك.
- جاسر مستحيل يتنسي. جاسر دا اللي علمني يعني إيه الحب بجد.
صدره اختنق بكلماتها، لقد شقت قلبه لنصفين وأدمته بكل جبروت، ورغم ذلك نظر للبعيد، وأردف بحزن:
- جاسر علّم الكل حاجات كتيرة. المهم كنت محتاجة إيه؟
- عايزة أعمل مجمع خيري صدقة على روح جاسر. يعني ممكن اللي يخرج منه يكون تبرعات للفقراء.
- حلوة الفكرة يا مليكة. ليه ما طلبتيش من صهيب أو جواد؟ ليه جايالي أنا؟
- عشان عرفاك مش هتقصر مع ابن خالتك، وكمان عايزة حاجة خاصة بيا ليه. صهيب وجواد بيفكروا في حاجة تانية. أنا مراته، عايزة أكون عملي مستقل بيه لوحده وليا لوحدي.
زفر بوجع، حاول الثبات قدر المستطاع أمامها. رفع نظره إليها:
- حاضر يا مليكة، هشوف الموضوع دا وأدرسه وأعرفك آخره إيه.
وقفت ونظرت لعيونه الحزينة التي يبعدها عن مرمى نظرها:
- شكرًا يا حازم، عارفة إنك هتعمل قصارى جهدك.
أومأ برأسه دون كلمات أخرى.
تركته وغادرت. وضع يديه محل قلبه:
- محكوم عليك بالوجع طول العمر. حاول تنسى وتتأقلم على الحياة من غيرها. أعرف إنها بقت الشراب المحرم عليك.
آاااااه يا رب أخرجها من قلبي. يا رب كفاية وجع، لم أعد أتحمل الأنين. الألم ينخر قلبي قبل عظامي.
في شقة شهيناز.
تجلس تتناول غدائها مع أخيها الذي أتى اليوم من سفره:
- اتجننتي عشان تروحي المكتب وتهدديه؟
ضربت على المنضدة بيديها حتى هشمت محتويات الطعام الذي توضع:
- كنت عايزني أعمل إيه بعد لما روحت لماجد المستشفى، ولقيته حارمني من كل حاجة؟ دا قالي مش هتنولي ولا جنيه.
تذكرت حديثه:
- دخلت غرفة ماجد الموجودة بالعناية المركزة. جلست بمقابلته على المقعد، وأردفت بحقد وغل:
- تعرف، اتحملتك كل السنين دي كلها عشانه هو، عشان نظرة من عيونه اللي كانت بتجنني لما يبص لي بالغلط، ولا حتى لما يكون مضايق مني. حاولت كتير معه بس هو غبي، راح حب الزفتة مليكة. لا وكمان كان خايف عليك. حبيته قوي يا ماجد، لكن شوف هو رفضني وخلاص ما عادش موجود. إنت السبب في موته، لو ما طردتوش كان ركز ومحدش قدر يموته. بس هو أكيد كان زعلان منك عشان كدا إنت السبب في موته. أنا لازم أنتقم من الكل يا ماجد، وأولهم جواد.
قهقهت كالمعتوه:
- وجواد جه تحت رجلي. دا طلع عشقان لبنتك. وأنا الهبلة اللي كنت مفكرة بنتك العبيطة هي اللي بتحبه. أتاري حضرة الضابط مغرم بالعيلة وهيموت لو حد لمسها.
اقتربت بوجهها منه:
- أنا بقى هندمه وأقهره عليها. شوف هخليه يسلمها ويجوزها بنفسه لسامح. هحرق قلبه عليها زي ما انتوا حرقتوا قلبي على جاسر حبيبي.
فتح ماجد عينيه، وأردف بلسان ثقيل:
- اطلعي بره. أنا بعتلك ورقة طلاقك يا حقيرة.
لعن نفسه الذي أوقعه في طريق تلك الحية الرقطاء لتصل لمستوى الدناءة وتعشق ابنه وهي على ذمته. لا، وكانت بترواد ابنه. أغمض عينيه بقهر وعجز من نفسه.
لمس الجرس مما أدى إلى دخول الممرضة:
- الست دي طلعيها. لو جت ما تدخلهاش.
جذبتها الممرضة للخارج. بدأت تصرخ:
- هقهرك إنت وجواد على غزل زي ما قهرتني على جاسر حبيبي.
هذا ما دعا جواد لإتمام زواج جاسر وغزل.
دخلت له الممرضة للاطمئنان عليه بعد:
- اتصلي بحسين خليه يجيلي ضروري يا بنتي.
أومأت برأسها بعد ما رأت انخفاض الضغط ودقات القلب. خرجت سريعًا لمهاتفة حسين.
في فيلا يحيى الحسيني.
نقر عاصم على مكتبه ناظرًا لوالده:
- يمكن حد بيشتغلنا يا بابا أو يمكن جواد عامل كمين.
نظر والده بشرود:
- ما أعرفش يا عاصم. المهم دلوقتي لازم نبعت الصور إياها لندى، وعايزك تراقب جواد بس من بعيد أو يحس بيك، دا ضابط يعني عنده أربع عيون.
- لا أنا هراقب غزل مش جواد يا بابا. غزل هي اللي هتجيبه وتوقعه في المحظور. أنا سمعت كلام الله وأعلم إن كان صح ولا لا. بيقولوا حضرة الضابط عشقان غزالتي وهي مطنشاه.
جحظت مقلتا يحيى من محجريها ونظر لابنه بصدمة:
"إنت سمعت الكلام دا من مين؟"
"سمعت الناس بيتكلموا في الجنازة.. أنت مشفتهوش كان عامل زي المجنون عليها إزاي!"
"طيب اسمع ونفذ اللي هقوله بالحرف الواحد، وأمك هتروح معاك، بس الكلام دا لغزل نفسها وإياك تغلط."
عند جواد وغزل:
وقف أمام السيارة ونظر لها:
"هتروحي دلوقتي ولا تروحي تقعدي شوية مع نهى؟"
"لا هروح، نهى كلمتني وخارجة، فيه اجتماع مع وفد إيطالي مع صهيب."
هنا تذكر جواد هذا الاجتماع المهم... ولكن والده وصهيب موجودان به.
"يعني عايزة تروحي؟"
اقتربت منه حتى أصبحت قبالته تمامًا، طوقت رقبته بذراع وبالأخرى تتلاعب بزر قميصه قائلة:
"لو هتسمعني كلام حلو رومانسي، وتحكيلي كل حاجة عن علاقتك بيا، وليه دلوقتي بالذات اتجوزتني، وليه خطبت ندى، وليه سبتها، وليه..."
وضع إصبعه على شفتيها ونظر داخل مقلتيها وهمس بصوت مفعم بمشاعره:
"دي كلها ليه؟ مفيش كلمة تانية؟ مثلًا تقوليلي انسى يا جود كلمات الهبل بتاعتي دي، وأنا هفضل ملكك لوحدك، وعمري ما هتغير، هتفضل ساكن قلبي.. ومتخفش خليك واثق إن غزل لجواد."
رفعت حاجبها وتحدثت بسخرية:
"ليه عندك شك في كدا؟ هترجع تقولي كلامك اللي يزعل دا؟"
داعب أنفه بأنفها:
"والله هتجنيني عارف.. وهيبتي هتضيع على إيدك."
ملست على جانب وجهه:
"جواد، إنت اتجوزتني علشان بتحبني ولا فيه سبب تاني؟ أوعى تكون عملت كدا عشان جاسر مات وتهديد عمي..."
وضعت يدها على نبضه:
"ولا عشان دا ليا بيدق باسمي يا جود؟ قولي دلوقتي ومتخبيش عني حاجة."
خبأ وجهه في خصلاتها قائلًا بارتجافة قلبه من خوفه من معرفتها إنه تزوجها لأجل تنفيذ الوصية... ولكنه يعشقها حد الموت.
شعرت بأنفاسه الحارة على عنقها مما أدى إلى ارتجافة لذيذة لجسدها.. وبدأت تهمهم باسمه.
"تفرق يا غزل عندك على طريقة جوازنا؟ المهم إنك مراتي جوه حضني باسمي."
رفع وجهه ونظر لشفتيها الذي تمنى تذوقها ولكنه حبيس لثباته حتى لا تشده غرائزه وتفهمها بطريقة خاطئة.
بدأت تحرك يديها على وجهه تنحت ملامحه، فقدت السيطرة ووضعتها على شفتيه، دعوة منها لتقبيلها... أغمض عينيه مع لمساتها وقبل يديها.
"تعالي نروح بدل ما إحنا واقفين كدا ويمسكونا بفعل فاضح." أردف بها عندما وجد نفسه فاقد السيطرة على مشاعره.
ضحكت عليه برقة:
"نفسي أصدق اللي قدامي دا، آبيه جواد بنفسه!"
وقف فجأة أمامها مما اصطدمت به. جذبها من خصرها عندما وجدها ستسقط.
"حد قالك إني مش راجل يابت ولا إيه؟"
ضحكت بطريقة صاخبة من طريقته:
"لا يا حبيبي أصلي كنت مسمياك أبو الهول الذي لا ينطق..."
"لا بجد، دي الستات دول بيحبوا النكد، لو اتكلمنا يقولوا مش مصدقين اللي قدامنا أنت، ولو سكتنا يقولوا أبو الهول... نسخة تانية من ندى في كلامها..."
هنا وقفت فجأة ونيران الغيرة أشعلت قلبها:
"إنت كنت بتقول لندى وتعمل معها كدا؟ أيوه أنا إزاي نسيت دا؟"
تحركت سريعًا إلى السيارة:
"عايزة أروح."
ركب دون حديث، عرف أنه أخطأ في حقها.
وضعت رأسها على النافذة تحاول ألا تبكي.. كل ما تفكر به كيف ستأخذ حقها منه.
جذبها بشدة إليه ووضع رأسها على كتفه دون حديث.. نامت ولم تتحدث إليه.
وصل أخيرًا للمنزل، صوب نظراته إليها ولمس وجهها بحنان:
"حبيبتي اصحي إحنا وصلنا."
ابتسمت له كأنها تحلم:
"سيبني شوية حبيبي عايزة أنام."
كلمة بسيطة ولكنها هزته داخليًا.. هزت الكيان، هزت الجبروت الذي يحاول الحفاظ عليه، هزت مشاعر الأبوة والأخوة وحولتها لمشاعر أخرى بمعنى آخر.
فتح أول زر لقميصه.. عله يتنفس عندما شعر بأن الهواء ينسحب من أمامه.
ثم توقف فجأة ونظر لنفسه في المرآة:
"إنت اتجننت باين عليك، إيه اللي بتفكر فيه دا؟ دي بنتك، فوق قبل ما تلاقي نفسك غرقت في الممنوع."
لام نفسه كثيرًا على ما فعله وتحدث بمكنون صدره إليها.
فتح باب سيارته بهدوء وقد تغيرت حالته من عاشق مجنون إلى من يقوم بتنفيذ ما عليه فقط، واتجه إليها وقام بحملها وذهب بها إلى غرفتها.
قابلته والدته ومليكة.
"غزل مالها يا حبيبي، هي تعبانة؟"
"لا يا ماما، هي أول مرة أدخلكم بيها وهي متشالة، الأبلة نامت في العربية وكالعادة عايزاني أشيلها."
ضحكت مليكة عليهما:
"جدعة يا غزل، خلصي قديمك وجديدك."
رفع حاجبه باستياء من أخته:
"ليه، حد قالك إني دراكولا يابت؟"
حاولت تخفي ابتسامتها ولكنها لم تستطع:
"أبدًا يا حبيبي بس غزل دي الوحيدة اللي بتاخد حق الكل منك."
"وبعدها لك يا ملوكة، دا أنت غيرهم."
دخل بها غرفتها ووضعها بهدوء على فراشها.. ظل ينظر إليها للحظات، ثم أخفض رأسه وقبل جبينها:
"ربنا يهديكي ويقدرني عليكي الأيام اللي جاية ومفقدش أعصابي عليكي يا غزل."
وصلت والدته إليه وأردفت هامسة:
"عملتوا إيه عند عمك ماجد وكان عايزكم ليه؟"
خرج ومعه والدته.
"كتبت كتابي على غزل."
وضعت مليكة يدها على فمها من ذهولها.
زفر بضيق:
"كنتوا عايزيني أعمل إيه؟ أسيبها لعمها ولا مرات أبوها دي اللي محدش عارف هي بتخطط لإيه؟"
ربتت والدته على ظهره:
"طول عمرك وإنت راجل حبيبي، وغزل عمرها ما هتلاقي أحسن وأحن منك."
"لا يا ماما، أنت فهمتي غلط مش الجواز اللي في بالك.. دا لحد ما تكمل العشرين وبعد كده هطلقها."
غضبت مليكة من حديثه:
"والله يا جواد وكدا نفذت وصية جاسر الله يرحمه."
نظر لأخته بغضب:
"أنا حاولت صدقيني بس مقدرتش... ليه مش حاسين بيا، من يوم وليلة البنت اللي كنت بعتبرها أختي وبنتي فجأة تكون مراتي؟"
"خلاص مش قدها يا جواد، كنت سيب صهيب يتجوزها... بابا قال إنه مش معارض..."
"وأنا مستحيل كنت أوافق يا مليكة."
استاءت مليكة من حديثه، نظرت له بلوم:
"وبعدها لك يا جواد، أنت بتحبها بتعاند ليه؟ محدش يقدر يلومك ليه اتجوزتها."
تنهد بضيق وحاول أن يكون طبيعيًا حتى لا يؤذي أخته بالكلام:
"ومين قالك المعلومة دي يا مليكة؟ صهيب اللي عامل فيها أفلاطون؟"
تحدثت بصوت مرتفع لأول مرة ونزلت دموعها:
"جاسر يا جواد، جاسر اللي قالي جواد بيحب غزل ونفسه يشوفك جوزها.. جاسر اللي كان مستعد يعمل أي حاجة عشان يسعدك.. وكان تعبان وحزين لما عرف بحبك لأخته.. عارف إنك هتقهر قلبك وتقهر الغلبانة دي."
"مليكة ممكن تسيبيني أرتاح شوية... هنزل بعد شوية... حاولي تاخدي بالك منها متفكريش إنها نسيت، هي بتظهر قدامنا كدا بس قلبها بيغلي من جوه بسبب موت جاسر... أنا جبتها متأخر عشان متفكرش إن بكرة العيد وتفكر في ذكريات الليلة دي... تعبان يا مليكة عايز اللي يسندني مش اللي يقهرني، لو سألتي إنت بتحبها بجد هقولك فوق ما تتخيلي وأنا هعمل اللي شايفه صح."
صباحًا أثناء تكبيرات العيد، فاليوم أولى أيام عيد الأضحى.
فتحت الجميلة عيناها... استمعت إلى التكبيرات في المساجد.. نظرت حولها تبحث عنه ولكنها لم تجده.. وجدت بجوارها على الفراش فستانين.
"الأول دا عشان تلبسيه النهاردة في العيد."
أمسكت الثاني.
نظرت له بإعجاب:
"ودا عشان تلبسيه في سهرتنا الليلة أنا وأنتي.."
ووجدت بجوارهما بطاقة مدون عليها من زوجك الحبيب إلى حبيبة روحه "غزل جواد الألفي".
ابتسمت بحب وأرسلت له:
"عيد سعيد عليك يا زوجي الحبيب."
"زوجتك الحبيبة "غزل جواد الألفي"" وقامت بإرسالها.
استمعت للتكبيرات بصوت مرتفع... اهتزت يدها التي تحمل هاتفها وارتجفت شفتاها.
"غريبة هو جاسر اتأخر ومجاش يصحيني ليه؟"
خطت بهدوء للخارج وذهبت لغرفته المغلقة وذكريات أليمة بدأت تتذكرها.. شعرت بانسحاب روحها وبدأت تبكي.. سقط هاتفها وهي تسير بخطوات هزيلة وتنادي بصوتها عليه:
"جاسر إنت فين ياله عشان نروح نصلي العيد."
بدأت ترددها إلا أن خرجت من المجمع.. كان سيف يجلس في شرفته ويتحدث في هاتفه ويضحك... فجأة جحظت عيناه مما رأى... أسرع للأسفل وبدأ يصرخ بصوت مرتفع على جواد.
"جوووواد..."
تفاجأ جواد بصراخ سيف. أسرع جهة الصوت يبحث عنه.. وجده يجري خلف غزل بسرعة.. نظر خلفه وجد جواد يسرع إليه، وقف ونظر له.
"بدأ يهمهم بصوت غير مفهوم ويشير لجواد جهة غزل التي تسير بلباس المنزل وهي تنادي على أخيها... غزل يا جواد خارجة معرفش مالها شكلها مش طبيعي."
نظر في اتجاهها وجدها تجلس تبكي في الطريق.. وفي لحظات وقفت سيارة بجانبها وقامت بخطفها.
وقف ينظر بشرود كأن أعضائه شلت بالكامل وبدأ يردد بلسان ثقيل وكلمات متقطعة:
"غززززززل..."
رواية تمرد عاشق الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سيلا وليد
خرج من الفندق، وبجواره نهى والمحامي المختص بشؤون الشركة.
تحدث الأستاذ أمين:
- حلو أوي يا بشمهندس الصفقة دي.. طلعت حسين الألفي الصغير.
نظر إليه بهدوء:
- أحلى حاجة في الإيطاليين الإتقان في العمل... المهم عايزك تدقق كويس في الشروط اللي عاملينها دي وشوف ثغراتها إيه. طبعًا الثلاث الأيام الجاية هيكون إجازة.. وبعد أسبوع نبدأ نشوف رد اليابانيين، كمان ما تردش عليهم دلوقتي.
نظر باتجاه نهى:
- هتيجي أوصلك آنسة نهى، عمو جمال هيوصل الأستاذ أمين عربيته عطلانة.
نظرت نهى بهدوء ورفضت بلباقة:
- ما فيش مشكلة، ممكن أخد تاكسي، لسه الوقت بدري.
تحرك إلى سيارته وأردف:
- ما بأحبش أعيد كلامي مرتين.
وقف أمام السيارة وأشار بعينيه على السيارة.
تحركت بهدوء وركبت بجانبه.
قاد السيارة متجهًا لمنزلها، الهدوء يسود السيارة.
- تحبي تسمعي ميوزك معينة؟
- "لا" عادي أي حاجة.
تنهد بحزن وتذكر جنى عندما ركبت معه أول مرة.
فلاش باك:
- تحبي تسمعي إيه يا أستاذة؟
وضعت سبابتها على شفتيها كأنها تتذكر، ثم توجهت بنظرها إليه:
- بأحب أسمع الهضبة أوي... بأحس بأغانيه، تحسه هادي، الموسيقى رائعة.
ضحك عليها بصخب:
- اللي يشوفك يقول دي بتسمع حسن شاكوش.
ضيقت عيناها وردت عليه باستفزاز:
- أيوه صح ما هو شبهك.. فيك كتير منه.
- جنى!
أردف بها بهدوء مميت يدل على غضبه منها.
رفعت حاجبها:
- خلاص سكت.
اتجهت بنظرها للنافذة، زفر بضيق ثم قام بتشغيل كاسيت السيارة وأغنية عمرو دياب "أول ما شفتك لمست قلبي بنظرة واحدة نسيت جراحه".
وضعت رأسها على النافذة تنظر لقطرات المطر وتستمع لعمرو دياب مطربها المفضل.. بدأت تبتسم لذكرى حلوة لديها هي وأختها...
ضيق عيناه وأردف:
- ضحكيني معاكي طيب.
- ما فيش حاجة مهمة.
نقر بيديه على القيادة ثم وزع نظراته لها وللطريق:
- شكل الأغنية لها ذكرى أو تخص حد قريب.
ابتسمت:
- مش شرط حد قريب.... ممكن موقف ظريف، أو ذكرى حلوة مش كدا ولا إيه؟
- ذكرى لحبيب!
أردف بها سريعًا.
سكنت لبرهة عن الحديث ثم رفعت نظرها إليه:
- ليه كل أغنية بنحبها بتربطوها بشخص معين؟
ارتفع جانب وجهه بابتسامة سخرية:
- إحنا مين يا أستاذة جنى؟
- على فكرة أنا خلقي ضيق وساعات بأتغابى.. مش علشان وصلتني...
قاطعها بهدوء:
- خلاص آسف.
خرج من شروده عندما استمع رنين هاتفه.
- أيوه يا سيف.
- يخربيتك ده لو جواد عرف هيخربها فوق دماغك.. أنهي قسم يا زفت.. طيب خلاص جاي لك.
اتجه بنظره لنهى:
- آسف، هأعدي على القسم في طريقنا، أخويا عامل مشكلة هأطلعه بس.
- ما فيش مشكلة يا بشمهندس، أنا هأتصل ببابا وأعرفه.
- تمام.
أردف بها صهيب، قامت بالاتصال بوالدها.
- بابا آسفة، هأتأخر كمان شوية، عمو جمال مش موجود والبشمهندس هو اللي موصلني وفيه مشكلة فهنضطر نتأخر شوية.
عادل:
- فيه حاجة ولا إيه يا حبيبتي؟
- لا يا بابا ما فيش حاجة خاصة بالبشمهندس.
- تمام يا نهى حاولي ما تتأخريش.
بعد قليل وصل للقسم، دخل وخرج بعد دقائق.
- أنت من إمتى وبقيت كدا يا سيف!
أردف بها صهيب بغضب، رفع سبابته قدامه.
- لازم جواد يعرف عمايلك دي ويعرف شلتك الفاشلة دي.
- خلاص يا صهيب علشان خرجتني هتذلني.
توجه للسيارة وركب بالخلف.
نظر لنهى وتحدث:
- مين المزة الحلوة دي؟ دي وجه جديد من حريم صهيب آل الألفي.
صوّب له نظرات نارية وأردف غاضبًا:
- أنت اتجننت يا ولا! فيه إيه مالك، من إمتى وأنت بتقول ألفاظك دي؟
زفر سيف بغضب ونظر للخارج.
سكن لثواني ثم صوّب نظراته لنهى:
- آسف، هو مش كدا بس هنعمل إيه شلته الفاشلة دي مغيراه.
وأكمل مسترسلًا:
- ده سيف الصغير مدلع بقى هنعمل إيه.
ابتسمت بهدوء:
- ولا يهمك، عادي الشباب كلهم بيقولوا نفس ألفاظه، بقت عاملة زي المية عندنا كدا.
رد عليها باستنكار:
- لا طبعًا مش كل الشباب، فيه المحترم والعملي... لكن اللي بيقول كدا الشباب الفاضي اللي ما لوش غير السهر والسرمحة.
أنهى كلماته بحدة شديدة وهو ناظرًا في المرآة لأخيه.
شعر سيف بضآلة حجمه عندما تحدث أخوه عن سلبياته وأفعاله غير المقبولة في الفترة الأخيرة.
نظر إلى صهيب وتحدث بندم:
- أنا آسف ووعد مني مش هأعملها تاني.
زفر بحنق وتحدث ملامًا له:
- كل مرة بتقول كدا يا سيف وأتغاضى عن أخطائك.. وأعديها وأنت ما صدقت إن جواد مضغوط فقلت أتمادى.
حاول تمالك أعصابه والسيطرة على غضبه من كلمات صهيب حتى لا يغضب منه أكثر من ذلك، متحدثًا مؤكدًا:
- لا وعد مني مش هتتكرر تاني، أنا آسف، ما هو مستحيل أكون أخو البشمهندس صهيب وحضرة الضابط وكل يوم أعمل لكم مشكلة.
ارتفع جانب وجهه وابتسم ابتسامة متهكمة قائلًا باستهزاء:
- يا رب تكون قد كلمتك المرة دي يا سيفو باشا.
ضحكت بخفوت على مشادّتهم الكلامية التي لا تخرج عن جو المزاح.
انتبهت لوصولها أمام منزلها، أوقفته وتحدثت بلباقة وهدوء:
- شكرًا لحضرتك يا بشمهندس...
هنا قاطعها سيف:
- لا أبدًا ما فيش بيننا شكر يا أستاذة.
أردف بها وهو يمد يده للتعرف.
رفعت حاجبها ونظرت له بسخرية وتحدثت:
- آسفة ما بأسلمش على عيال تافهة.
ثم تحركت مغادرة لمنزلها.
ابتسم صهيب بسخرية، حينها شعر بمدى حماقته وفداحة تصرفه.. توجه بنظره لصهيب:
- البت دي من الكوكب بتاعنا، يخربيتها دي بتقولي ما بأسلمش على عيال تافهة.
في تركيا:
تجلس ليلى بجانب محمود زوجها وجنة ابنتها الوحيدة، نظرت له وتحدثت بحماس:
- ما رديتش يعني يا محمود وقلت رأيك في موضوع سفري للقاهرة.
صمت لثواني ثم اتجه بأنظاره إليها:
- إزاي عايزة تروحي تعيشي في مكان وأنا في مكان يا ليلى، وناسية مدرسة بنتك وشغلك ده كله؟
ربتت على يديه:
- يا حبيبي أنا قلت هنقضي الإجازة هناك وفي الدراسة هنرجع هنا.. أنا مفتقدة حاجات كتيرة أوي يا محمود.. وبعدين أنت دايمًا مسافر يا حبيبي بحكم شغلك.
رفع راحتيه وضم وجهها بحنان:
- خلاص يا حبيبتي اللي شايفاها في مصلحتك اعمليه... أهم حاجة تكوني مبسوطة، لكن ده مش هيحصل إلا في أوقات سفري.
واستطرد قائلًا:
- ما ينفعش أكون عايش لوحدي يا ليلى هنا وأنتِ هناك، ما أقدرش على بعدك أنتِ.. كفاية وقت شغلي.
ضمت يديه بين راحتيها:
- هأعمل المستحيل صدقني.
في فيلا الحسيني:
استيقظ من نومه فزعًا وكانت قطرات العرق تغطي جبينه... وكأنه يصارع رياضة، وقف سريعًا عندما تذكر حديثه واتجه سريعًا إلى فيلا ماجد.
قبل قليل في غرفتها:
استيقظت فوجدت بجوار فراشها الفساتين الذي جلبهما لها ووضعهما لها عندما رجع، وجدها ما زالت نائمة... أمسكتهما وبدأت تنظر لهما بإعجاب وتشتم رائحته بهما.
تذكرته، كل عام في الأعياد لا بد أن يجلب فستانًا خاصًا بها هو وجاسر.
هنا وقفت واهتزت نظراتها وتذكرت العيد الماضي حينما أحضر لها جاسر فستانًا ورفضت ارتداءه لعدم إعجابها بلونه.
أغمضت عيناها وبدأت تبكي بصوت مرتفع:
- تعالى وأنا هألبس أي حاجة تجيبها يا جاسر، والله ما هأزعلك... وحشتني أوي يا حبيبي.. أنا آسفة والله ما هأرفض حاجة تانية.. هات لي الفستان وتعالى يا جسورة، تعالى يا حبيبي أنا مستنية فستانك..
بدأت تبكي بنشيج مرتفع، دخل حازم الذي يبيت معها سريعًا عندما استمع إلى صرخاتها.
جحظت عيناه مما رآى عندما رآها بهذه الحالة.
- حبيبتي مالك؟
ضمها لأحضانه، بدأت تضربه وتبكي بصوت مرتفع:
- أنا عايزة جاسر، هاتوه لي، هات لي أخويا يا حازم... جاسر وحشني يا حازم، قول له غزل هتلبس الفستان ما تزعلش...
دخل جواد وجدها بهذه الحالة، هوى قلبه بين قدميه، أسرع إليها.
ضم وجهها بين راحتيه:
- حبيبتي مالك بتعيطي ليه؟
ارتمت داخل أحضانه وبدأت تبكي:
- هات لي جاسر يا جواد، قول له أنا مش هأعملها تاني، خليه يسامحني يا جواد.
قبل رأسها:
- حبيبتي هو مش زعلان يا زوزو، كدا تزعليه.. وأنا كمان زعلان منك.
شدد من عناقها:
- حبيبتي اهدي ما توجعيش قلبي عليكي، جاسر الله يرحمه.
أشفق عليها كثيرًا، ولكن حالتها هذه جعلت صدره يستعر كنيران لم تخمد.
سكنت بين أحضانه وغفت تمامًا.
نظر حازم إليه وجده وشكله الذي ينم عن عدم نومه.. اتجه جواد سريعًا إليه:
- غزل نايمة؟
أومأ حازم رأسه بنعم.
اتجه سريعًا إلى غرفتها... حاول حازم توقيفه ولكنه لم يستمع.
فتح غرفتها بهدوء حتى لا يزعجها.
نظر لوجهها النائم الجميل بهدوء.. حمد الله كثيرًا عندما وجدها تغفو بهدوء واستكانة.
كاد أن يموت خوفًا عليها من حلمه الذي أفزعه بشدة وكاد أن يتوقف قلبه... خطى بخطوات متمهلة حتى وصل إليها وجلس بجوارها... ملس على شعرها بحنان وأنزل برأسه وقبل وجنتيها... ابتسمت في نومها كأنها تحلم.. تنفس بهدوء وجلس بجوارها وظل يملس على وجهها بحنان، نظر إلى جمالها الهادئ الذي يخطف قلبه ويجعله قلبه بين يديها وحدها.
دخل حازم بعدما طرق طرقات خفيفة.
اتجه بنظره لجواد الذي يمسح على وجهه بعنف دليل على غضبه ووجعه.. سار حتى وصل إليه.
جذبه خارجًا من الغرفة:
- هي من زمان كدا؟ وليه ما اتصلتش عليا يا حازم، كنت مستني يحصل لها إيه عشان أعرف؟
- ما فكرتش غير إني أهديها يا جواد، ما أعرفش إنها مجرد ما تشوفك هتهدى كدا.
رد عليه بلوم واستنكار:
- اللي جوه دي أغلى من روحي يا حازم، عارف يعني إيه أغلى من روحي؟
جلس واضعًا رأسه بين يديه وكتفين متهدلين قتلهما الوجع على حبيبة وتوأم الروح.. حاول تهدئة نفسه ولكنه يشعر كأن قلبه يتوقف من كثرة خوفه عليها.. رفع نظره لحازم:
- بعد ما كنت واعد نفسي أبعد بس ما قدرتش يا حازم.. حاولت لكن مجرد ما سبتها لساعات حاسس كأن روحي بتنسحب مني... بيننا جدران فقط وشوف حالتي عاملة إزاي، هو أنا كدا اتجننت ولا ده فعلًا الحب.
اتسعت حدقتا حازم شيئًا فشيئًا وأردف بذهول:
- معقول يا جواد يوصل بيك الحال لكدا؟
تنفس بتثاقل كمن يرتكز فوق صدره صخرة عملاقة تحجب تنفسه... ونظر كالضائع وتشتت:
- مستحيل أتخلى عنها أبدًا حتى لو هستقيل من وظيفتي.
جلس حازم بجواره واحتواه من أكتافه:
- إن شاء الله مش هتوصل لكدا يا جواد، أنا عارف الحمل كبير عليك وفيه عقبات كتير هتواجهها، خلي عندك يقين بالله وربك هيعدلها.
مسح وجهه بكفيه يقاوم غصة تستقر بحلقه ويكاد يختنق بسببها:
- الدكتور لسه مكلمني من شوية، عمو ماجد حالته صعبة جدًا يعني ممكن في أي وقت يموت، تفتكر أنا هستحمل خبر زي ده إزاي، أقول له ولا إزاي هأقدر أواجه... خايف، تخيل أنا أول مرة أخاف كدا.
قاطعهم دخول سيف، تحرك واتجه إليهما:
- جواد، عايز أتكلم معاك شوية.
أشار بيديه ليجلس بجواره، ونظر مستفهماً:
- وفيه حاجة ولا إيه؟ الساعة ثلاثة دلوقتي، موضوع إيه اللي مسهرك ومخليك تيجي هنا؟
ثم حول نظرته للتشجيع لكي يتحدث. أخذ شهيقًا عميقًا ونظر لأخيه:
- فيه مشكلة حصلت معايا النهاردة.. وروحت القسم وصهيب طلعني.
استدار له بجسده واستمع باهتمام وأردف متسائلاً:
- إيه اللي حصل؟
- كنا سهرانين في مكان، وفجأة بنت جت حستها مش تمام، وقفت قصادنا وبدأت تهري في كلام وقصداني بيه، ما استحملتش الكلام اتخانقت معها، وطبعًا أخوها أو معرفش يقرب لها إيه جه واتخانق معايا وقال هيعمل بلاغ قذف وسب، وجت الشرطة لما الموضوع تطاول بالإيد.
أغمض جواد عينيه وكأن رأسه تعمل كطبول:
- البنت دي شوفتها قبل كدا؟
- لا.
أردف بها سيف بهدوء. بدأ يهز ساقيه علامة على تفكيره. توجه لأخيه:
- تعرف اسمها ولا لا؟
وقف سيف أمامه:
- بأقولك معرفش عنها أي حاجة. حاولت تعمل حركات مش كويسة، أنا كبرت بس عرفت إنها تبع واحد في الشلة، أنا يعني علاقتي بيه مش قوية.. المشكلة كانت عايزة تعمل قضية تحرش لولا اللي شهدوا إني ما لمستهاش.
- أممم.. قولتلي تحرش..
اتجه لحازم وسأله:
- تفتكر تكون مزقوقة؟
- على كلامه أكيد يا جواد.
مط شفتيه للأمام ونظر لأخيه وتحدث:
- عايز أعرف الولد اللي تبع البنت دي اسمه إيه؟ تمام؟
وقف سيف واتجه للمغادرة:
- تمام يا جواد هاعرفلك كل حاجة وأقولك.
- سيف.
أردف بها جواد بقوة:
- عايز أقولك تاخد بالك كويس.. يعني ما تأمنش لحد مهما كان.. أنا فرحان علشان جيت واتكلمت معايا، ده مش جديد عليك.. لكن خلي بالك كلامك ما طمّنيش بالعكس قلّقني. عايز أعرف البنت دي حد زقها عليك، ولا مجرد صدفة، ولا يمكن معجبة وعايزة تلفت نظرك؟
أومأ سيف برأسه ثم خرج. تحرك جواد إلى غرفة غزل.
- شوف، كان ناقصني أصحاب سيف.
وقف حازم وأردف متسائلاً:
- رايح فين كدا.. لسة ما كملناش كلامنا، الفجر لسة قدامه ساعة.
- مفيش يا حازم، أنا هاخدها عندي، مينفعش أسيبها لوحدها تاني.
رفع حاجبه بسخرية وأردف متهكمًا:
- هو اللي تاخدها يا جواد.. لا يا حبيبي، أوعى تفكر علشان كتبت كتابك يبقى خلاص تتحكم براحتك..
أمسكه من ذراعه يحدقه والشرر يتطاير من مقلتيه قائلاً:
- نعم يا أخويا قولت إيه؟ سمعني كدا تاني.
ضحك حازم عليه:
- إيه يا ابني أنا بأقولك طلقها؟ أنا بأقولك مينفعش تاخدها عندك، بنتنا غالية ولازم تكون معززة مكرمة في بيتها.
دفعه بقوة رغم أنه يعلم إنه يمزح إلا أن وضعه لا يتحمل. فتح الباب بهدوء، وجدها تجلس وتضع رأسها بين ساقيها وتنظر بشرود. انتفض قلبه وجعًا عندما وجدها بهذه الحالة، واتجه إليها سريعًا وجلس بجوارها.
- زوزو، صحيتي إمتى؟
رفعت نظرها إليه وارتمت بأحضانه تبكي بنشيج مرير. ضمها بكل ما يمتلك من قوة لدرجة شعرت بتحطم عظامها.
- مالك يا حبيبتي؟ إنتِ كنتِ نايمة، إيه اللي صحاكي؟
بدأت تشهق شهقات خافتة انفلتت رغماً عنها من شدة بكائها. مسد على شعرها بحنان ثم أخرجها من أحضانه. نظر في مقلتيها التي تحولت للون الأحمر. ألمه قلبه، هو يعلم أنها ستعاني كثيرًا هذه الليلة. وأغمض عينيه قهرًا ووجعًا على ملاكه الغالي. شدد من عناقها عله يستريح من لوعة قلبه المتلهف عليه. شعر بسخونة دموعها فوق أكتافه. حينها شعر أن كل ذرة بمشاعره تنتحب وحزينة عليها. أخرجها بهدوء ونظر مبتسمًا:
- كدا غرقتي التيشرت باللؤلؤ.
وضعت رأسها بعنقه:
- وحشني أوي يا جواد، عايزة أحضنه.. وحشني حضنه أوي.. حلمت بيه بيضحكلي وبيقولي أنا مبسوط بيكي يا زوزو أوي.
آه خافتة خرجت من جوفه ونظر لها بقلب مفطور:
- طيب قولي عايزة إيه وأنا أعملهولك، والله لو بإيدي أروح مكانه وأجيبهولك، والله مش هتأخر.. مستعد أدفع عمري كله ولا أشوف دمعة من عيونك دي.. دموعك بتكوي قلبي يا غزل.
لامست كلماته أوتار قلبها الذي انشق متألمة من أجله. ضمت وجهه بين راحتيها:
- بعد الشر عليك يا حبيبي. ربنا يخليك ليا، إنتوا الاتنين قوتي يا جود وقلبي اللي اتقسم نصين، كفاية قلبي وجعني على نصه.. ما توجعنيش على النص التاني.. هو أخوي الحنين اللي مستحيل أعوضه. وإنت حبيبي اللي أموت لو مجرد إنك تتوجع، ليه بتقول كدا عايز تموتني؟
ارتجف قلبه لدى سماعه كلماتها التي أثارت بركان العشق وجعلته يتلظى بنيران الحب. اليوم فقط عرف لماذا سرقت هذه العصفورة النوم من عينيه وانتزعت قلبه من بين ضلوعه. نظر لعيونها التي يراها كترانيم لمعزوفة تصهر قلبه.
- بحبك.. بحبك..
ظل يرددها عندما لامس أنفه بأنفها. تهدجت أنفاسها باضطراب وأخذ صدرها يعلو ويهبط من انفعال كلماته التي أثارت قلبها وآنستها حزنها وآلامها. وضعت يديها على جانب وجهه وأغمضت عيناها منتشية بقرب أنفاسهما. طوق خصرها ورفعها حتى أصبحت بمستواه.
- مش عايز أشوف الحزن في عيون طفلتي الحلوة، حتى لو أنا مُت إياكِ تزعلي ولا تخلي العيون الحلوة دي تبكي وتكون كدا، هازعل منك.
اقتربت منه ووضعت جبينها فوق جبينه:
- إياك تقول كدا تاني، مش مسموحلك تبعد عني، سمعت؟
اهتزت نظراته أمام شفتيها وتوهجت عيونه بلمعة الحب خاصتها. ثم لامس شفتيه وجهها بهدوء. أغمضت عيناها باستمتاع للمسته. قبل وجهها بالكامل حتى وصل إلى شفتيها التي تطارده أحلامه. أغمض عينيه وسحب نفسًا عميقًا حتى يستطيع السيطرة على نفسه، لقد أفقده هذه الصغيرة سيطرته بالكامل. قامت بفتح عيناها ونظرت له، رأت تصارعه في عينيه. لم تتحدث، اتجهت إلى فراشها وأمسكت الفساتين التي جلبها لها.
- ذوقك حلو، كل سنة بتحسسني إن فستانك أجمل الفساتين اللي بتجيلي، لكن المرة دي مختلفة، جايب واحد بحجاب والتاني لا.. هو أنا هالبس حجاب ولا إيه؟
وقف بجانبها وحاوط خصرها:
- نفسي تتحجبي يا زوزو، أمنيتي مراتي محدش يشوف جمالها غيري.
ثم استرسل إكمالاً:
- الحجاب عفة للبنت ونور، وجمالك مش علشان تبينيه للغير لا.. ده حفاظًا لكِ يا حبي.
وضعت رأسها على كتفه:
- أنا اتكلمت مع مليكة وقررت أخرج أنا وهي ونشتري لبس واسع والله وكمان وحجاب، وهي كانت فرحانة أوي علشان أخيرًا طلبت منها كدا.
ملس على شعرها بحنان:
- برافو عليكي يا حبيبتي، عايز أقولك فرحتيني أوي.
- طيب الفستان ده بحجاب والتاني لا ومكشوف كمان.
جلس وأجلسها بجواره:
- ده علشان هنحتفل أنا وإنتِ النهاردة بالعيد وكمان بكتب كتابنا، إمبارح مش محسوب ما كنتش مخطط.
ضمت خصره وحضنته ولفت ذراعيها حول جسده ثم قبلت خده وأردفت بابتسامة بسيطة:
- مش فارق معايا الاحتفال قد ما فارق معايا وجودك معايا.
خبأ وجهه في خصلاتها قائلاً بارتجافة:
- حبيبي لازم يكون أسعد واحد في الدنيا.
ثم رفع رأسه بهدوء ونظر لداخل مقلتيها:
- فرحانة بجوازنا؟ إنتِ فرحانة علشان بقيت جوزك؟
رفع شعرها عن عيونها، ثم أكمل استرسالاً لحديثه:
- أنا أسعد واحد في الدنيا دي كلها علشان امتلكت أجمل واحدة وأحن قلب.
رعشة قوية ضربت جسدها عندما تحدث بصوت ممزوج بمشاعره ناظرًا لعيونها. تنهدت بحب وأردفت:
- أنا كفاية عليا أسمع الكلام ده منك إنت، صدقني ما كنتش حتى أحلم بيه، فما بالك بقى أكون مراتك.
اصطدم بوجهها القريب جدًا ونظراتها التي خدرته بالكامل ولمسة يديها لوجهه مرورًا بشعره جعلته فاقد السيطرة كاملة. اقترب بهدوء من شفتيها لأول مرة مقبلاً جانبها حتى يرى تأثيره عليها. وجدها شفتاها ترتعش فكانت مثيرة لفتنتها الطاغية التي جعلته كنيران مستعرة. ظل وقتًا ليس بقليل ولم يتركها إلا لأخذ أنفاسهما. أخيرًا وضع جبينه فوق جبينها:
- آسف يا زوزو، غصب عني صدقيني، من ساعة ما كتبت عليكي وبحاول أمسك نفسي بالعافية بس خلاص فقدت السيطرة، حبك بقى بيجري في دمي.
لم تقو على الحديث.. أغمضت عيناها متلذذة بلحظاتهما ثم أردفت:
- ممكن تاخدني في حضنك عايزة أنام.
ضمها من خصرها راجعًا بظهره للخلف ثم ضمها لصدره:
- نامي حبيبتي.. الفجر خلاص هيأذن وهانزل أصلي.. بلاش أرجع ألاقيكي واجعة قلبي يا زوزو.. النهاردة عيد، مش هأقولك ما تزعليش وما تفتكريش بس هأقولك علشان خاطري لو ليا خاطر عندك بلاش توجعيني عليكي.
استمع لصوت والدته بالخارج تؤذن.
في فيلا يحيى الحسيني.
تجلس أمام عاملة البيوتي سنتر لعمل جلستها الشهرية. وجدت والدها يدخل وعلامات الغضب تظهر على ملامح وجهه وخلفه والدته حالتها لم تقل عن حاله. دخل غرفة المكتب.. وبدأ يضرب على المكتب:
- والله لأنّدمك يا ماجد.
نظرت منال له وتحدثت بسخرية:
- ناوي تعمل إيه في المصيبة؟ كان أملنا في ماجد كدا، البنك ممكن يحجز على كل أملاكنا..
ولكنها فجأة وقفت وابتسمت بخبث وعيناها تلتمع بحقد:
- عاصم لازم يخطف غزل وكمان يتجوزها أو نوهمهم إنه عمل علاقة معها ويضطر ماجد الموافقة.
ثم أكملت حديثها كالحية:
- مفيش غيرها، لما يتحط قدام الأمر الواقع وبعد كدا كل حاجة هتكون لغزل.
مسح على وجهه بعنف.. استدار لها:
- إنتِ سمعتي الدكتور بيقول إيه؟ بيقول حالته متأخرة جدًا وخصوصًا دمه الملوث اللي بدأ يسري في جسمه ده كله، يعني ممكن في أي وقت يموت، يبقى نستنى لحد ما يموت؟ إيه اللي يخلينا نخطف غزل وندخل في سين وجيم؟
كانت تقف بخلف الباب واستمعت لحديثهما الذي أدى إلى ذهولها بالكامل. قامت برفع هاتفها واتصلت به بعد أن دخلت غرفتها.
في فيلا الألفي.
جلس في شرفته يستمتع بنسيم العليل ينتظر صلاة الفجر، يمسك بيديه قدحًا من القهوة.. يتذكر ماضيه.
فلاش باك:
خرجت من مكتب جواد متجه للمحكمة، فاليوم محاكمة المتهم الذي تتولى الدفاع عنه، ولكنها أثناء سيرها وجدته يستند على سيارته منتظرها بالخارج. اتجهت له مبتسمة وأردفت سعيدة عندما رأته:
- لا مش معقول، سيادة الباشمهندس بنفسه عندنا.
مسح أنفه بسباته وقهقه عليها:
- لا غلط سيادة المحامية الصغيرة.. إحنا في ملك الحكومة.
ضحكت على خفة دمه:
- هو إنت دايماً كدا يا باشمهندس؟
- لا ولا عمري كنت كدا غير مع حوالي سبعمائة وسبعين بنت بس..
ضيقت عيناها وأرجعت برأسها للخلف تضرب يد فوق الأخرى:
- لا بجد مستحيل تكون أخو حضرة الضابط.. بجد إنتوا من نفس الأم والأب؟
وضع خده على يديه:
- لا إحنا لاقيينه على باب الجامع، بذمتك العسل اللي زي دي هيعرف اللطع اللي زيه.
قهقهت بصوت صاخب عليه عندما وجدت جواد يقف خلفه وهو يحرك حاجبيه بمعنى "ما بكِ أيتها الفتاة خفيفة الظل". استدار ينظر للذي تنظر له وتضحك. وجد جواد يصوب له نظرات نارية.
- كنت بتقول مين اللي لقيتوه على باب الجامع يا صهيب؟
تلعثم بالكلام ورفع يديه:
- لو قولتلك هتصدقني مش كدا...
وضع يديه في خصره ثم نظر لساعته:
- اركبي يا جنى، ده واحد معتوه وعايز مستشفى المجانين..
ثم اقترب منه وأردف:
- شايف صحتك، جايه على القسم كل شوية تنطلي هنا.
أخرجه من ذكرياته عندما دخلت مليكة إليه:
- إنت ما نمتش؟ شوفت نور أوضتك شغال..
أشار بيديه.. اقتربت منه...
ضمها لحضنه وقبّل رأسها:
- عاملة إيه حبيبتي؟ شايفك بقيتي كويسة ما شاء الله.
وضعت رأسها في حضنه وتنهدت بألم:
- الحمد لله على كل حال، بدعي ربنا دايمًا يصبرني ويرزقه الرحمة من عنده. هو الفراق مؤلم قوي كدا يا حبيبي؟ إنت إزاي اتحملت يا صهيب وإزاي بتضحك وإنت قلبك ناره بتكويه؟
أنهت حديثها عندما انزلقت دموعها بغزارة على وجنتيها. ربّت على ظهرها ونظر للبعيد:
- مع الوقت هتتعودي حبيبتي صدقيني. هو بيكون صعب في الأول لكن هتتعودي. مقدرش أقولك هتنسي، لكن من شدة وجع قلبك هتتأقلمي، هداوي وجعك بابتسامة قدام الكل لحد ما خلاص هتكون طبيعة عندك.
قبّلت خديه:
- إنت أحسن وأحن يا صهيب.
رفع حاجبه متزامنًا مع شفتيه العلوية مستنكرًا حديثها:
- إنت بتكلميني أنا يا مليكة؟
ابتسم بخفة ظله وتوجه بنظره إليها:
- وحياتك ده أنا مكنة مصايب برجلين ماشية على الأرض. إنت بس اللي طيبة وبتنسي بسرعة.
رفعت حاجبها وضحكت عليه:
- أيوه فعلًا إزاي نسيت مصايبك، الله يرحمك يا جاسر، كان كل شوية يجيبك من مصيبة ويخاف جواد يعرف.
قهقه عليها:
- أعمل إيه ما البنات الحلوين بزيادة.
ظلا يمزحان إلى أن وقفت فجأة:
- شوفت جواد النهاردة عمل إيه؟
ارتشف من قهوته ونظر للبعيد:
- قصدك جوازه من غزل؟ مش ده قصدي طبعًا، قصدي إنه ناوي يطلقها بعد ما تكمل.
- مش هيقدر.
أردف بها بهدوء. أردفت متسائلة باعتراض:
- لا هيطلقها يا صهيب، إنت مشفتوش وهو بيتكلم وكأنها عمل بيخلصه لمدة وخلاص.
أمسك صهيب ذراعيها وأجابها بنبرة صارخة لا تقبل الجدال:
- جواد بيعشقها مستحيل يتخلى عنها، ده كلامه هوا على الفاضي يا مليكة، إنت جربتي وحاسة يعني إيه حبيبك يكون جنبك؟ تقدري تبعدي عنه؟ جواد اللي كان مسكته إنه مفكر حبه ليها زي حبه ليكي.
ثم استرسل:
- لحد ما خطب ندى وعرف فرق الحب إيه، واللي أكدله لما قالتله إنها بتحب واحد تاني، واللي جننه لما اعترفتله بمشاعرها وحاول يضحك على نفسه ويصدها.
نظر إليها واستطرد حديثه:
- لكن هو مغصوب على أمره، مش علشان وصية ولازم ينفذها. علشان هو بين نارين، يا إما ينجي نفسه وعيلته من الألسنة ومتنسيش مكانة بابا، يا إما يهلك نفسه وقلبه ويدوس ويموته بإيده ويعيش ميت. محدش هيرحمه بعد ما الموضوع ينكشف. أنا شوفت الناس في ميتم جاسر واسمعت كلامهم، هو لو عرف صدقيني كان مستحيل يوافق حتى ينفذ الوصية.
انتفض قلبها على أخاها ثم تحدثت بصوت حزين:
- أنا قسيت عليه قوي بالكلام يا صهيب وجرحته وهو يا حبيبي بيصارع الكل.
اتجه صهيب بنظره لها:
- مش فاهم كلامك، إنت عملتي إيه؟
تنهدت بضيق وقصت له ما حدث. ضمها لأحضانه:
- جواد مستحيل يزعل منك متخافيش.
قاطعهم دخول سيف. وزع نظراته عليهما:
- إيه جو العشق الممنوع ده؟
أشار صهيب بيديه عليه:
- عارفة ده هيكون أكبر مصيبة تخلص على عيلة الألفي.
ضمته مليكة وأردفت معاتبة صهيب:
- ده زينة شبابها يا أخويا. ده سيفو الحب والدلع.
قبّلها سيف على خديها:
- والله يا ملوكة إنت مظلومة في العيلة دي، إزاي يكون ملاك زيك أخت لحاجة اسمها صهيب وجواد.
رفع صهيب حاجبه وتحدث بسخرية:
- وده من إيه يا أخويا؟ عندك مرض عصبي بيحرك لسانك بالشتيمة؟ إنت أهبل يا ولد، ده إنت مالكش أساس في العيلة أصلًا.
وضعت مليكة يديها على أذنها:
- بس كفاية إنت وهو، أنا هروح أشوف جواد. ده فعلًا اللي الواحد يحس إنه بيتكلم مع ناس عاقلة.
قهقه عليها صهيب وتحدث بين ضحكاته:
- شوف البنت اللي كانت بتقولي إيه من شوية "بياعة موت".
خرجت وهي تضحك وتحمد ربها على وجود إخوان لها. استندت على الحائط وعيناها تغشاها الدموع. آهة خفيضة تحررت من بين شفتيها:
- الله يكون في عونك يا غزل.
في شقة شهيناز:
ظلت تجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا وتحاول الاتصال بأخيها ولكن هاتفه مغلق:
- يا ترى روحت فين يا سامح؟ ما هو مش معقول أربع ساعات علشان تشتري خط.
جلست وظلت متشتتة الأفكار ورأسها تعمل في كل الاتجاهات. وقفت فجأة:
- يا رب ما يكونش اللي في بالي. ده لو جواد وصلك يبقى كدا نهايتنا.
في تركيا:
تجلس حسناء تحرك الطعام بدون لمسه بجوار هاشم زوجها ووالد ميرنا. نظر هاشم إلى شرودها ثم تحدث:
- مالك يا حسناء مبتكليش ليه؟
وضعت شوكتها وتحدثت:
- مفيش، مضايقة شوية.
- مضايقة علشان حازم مش كدا ولا فيه حاجة تانية؟
تنهدت بحزن وأردفت بصوت أشبه بالبكاء:
- وحشني قوي يا هاشم، حاولت معه بكل الطرق يرجع لكنه رافض تمامًا.
رفع يديها وقبّلها:
- حبيبتي هو كبر ولازم يتعود على نفسه، ده شاب وهو ما شاء الله ناجح ويعتمد عليه، أنا فخور بيه جدًا.
ثم استكمل حديثه:
- هو بيكلمني كل يوم تقريبًا وبيسأل عليكي إنت وميرنا. ودايمًا بنتناقش في بعض الحاجات حتى اتفقت معه أنزله ميرنا تقعد كام يوم هناك.
وقفت ميرنا تصفق بتهليل طفلة ثم قبّلته:
- إنت أحن أب في الدنيا، ربنا يخليك ليا يا أحسن بابا في الدنيا.
ضحك عليها وأردف سعيدًا بسبب فرحتها التي ظهرت على وجهها بعد أن اختفت منذ زمن:
- ده كله علشان هتروحي تقعدي شوية مع حازم؟
قاطعته حسناء:
- ليلى هتنزل كمان وكنت متفقة معها بعد ما أقولك تاخد ميرنا معها.
ربّت هاشم على يديها:
- اللي تشوفيه في مصلحة بنتنا اعمليه يا حسناء، مش لازم ترجعيلي. أنا آسف علشان معظم الوقت مش معاكم، إنت عارفة شغل السفارة صعب.
ربّتت على يديه:
- عارفة حبيبي، أنا كمان شغل المستشفى واخد وقتي، علشان كدا لما عرفت ليلى هتنزل وحازم مش موجود قولت مينفعش نسيب ميرنا لوحدها.
- عملتي إيه مع حسين؟ كلمتيه على حازم؟
هذا ما أردف به هاشم.
- أيوه اتكلمت معه. قالي اللي حازم عايزه هعملهوله. كويس يا حسناء، حسين راجل كويس مستحيل يتخلى على ابن أخوه.
تذكرت حسناء حديثها مع حسين. خرجت بعد حديثها مع ندى وجواد وتقابلت مع حسين أمام المنزل. نظرت له بهدوء حاولت الحفاظ عليه وتحدثت:
- عايزة أتكلم معاك شوية.
أومأ لها بالموافقة. جلس بالحديقة وجلست بمقابلته. أخذ نفسًا عميقًا وتحدث متسائلًا:
- سامعك يا حسناء. لو هتكلميني على حازم فهقولك أنا مستحيل أكلمه يرجع معاكي. ده بيته وبيت أبوه وهسلمه ميراثه يعمل فيه اللي هو عاوزه.
- "حسين".
خرج اسمه من بين شفتيها بنبرة حزينة نادمة. مسح على وجهه بعنف عندما انتفض قلبه متأثرًا بدموعها:
- حسناء قولي عايزة إيه أنا لازم أرجع القاهرة مينفعش أسيب ماجد لوحده في الظروف دي.
- لسه زعلان مني يا حسين؟
اقترب ووضع يديه على الطاولة:
- أزعل منك ليه يا ترى؟ هو إنت جرحتيني ولا حاجة؟ لا إنت قهرتيني بس دي حاجة بسيطة مش محسوبة للوجع والعتاب. راجعة دلوقتي بعد عشرين سنة وتسأليني أنا زعلان منك ولا لا؟
وقف حتى يغادر. أمسكت يديه وترجته أن يجلس. نظر للمسها ليديه. سحب يديه بهدوء. ثم نظر لمقلتيها:
- عايزة إيه يا حسناء مني؟ ارجعي مكان ما كنتي. أنا عمري ما هسامحك سمعتيني؟ إنت قولتيها زمان وفعلًا زي ما قولتي "لازم أقهرك يا حسين وأوجع قلبك لما تشوفني وأنا مع أخوك". برافو عليكي.
رفع يديه موضع قلبه:
- عرفتي تقهريه وتدوسي بدون رحمة. ارجعي مكان ما كنتي، أنا مسحتك من حياتي يوم ما اتجوزتي أخويا وقتها عرفت إنك مستحيل تكوني حبيبة ليا، مسحت تاريخك من حياتي.
وقفت أمامه وأردفت ماطعنه:
- علشان كدا روحت سميت ابنك جواد اللي كنا متفقين عليه.
ثم ابتسمت بسخرية واقتربت منه:
- لا وكمان صهيب. ما تقولش حاجة مش قدها يا حسين.
ثم اتجهت مغادرة. جلس وبدأ يمسح وجهه بعنف من كلماتها. خرجت من ذكرياتها عندما أمسك هاشم يديها متجهًا لغرفتهما.
في غرفة غزل:
غفا جواد بجوار غزل بعدما رجع من صلاة العيد. دخل وجدها ما زالت نائمة تمدد بجوارها وضمها لأحضانه منتشيًا بعبيرها ثم ذهب في سبات عميق. استيقظت وجدته نائمًا بجوارها تذكرت طفولتها عندما كان يأخذها بأحضانه إلى أن وصلت العاشرة. مسحت على وجهه بحب ثم اقتربت من وجهه تطبع قبلة عميقة على خديه. اقتربت إلى أن وصلت شفتيه وضعت سبابتها تملس عليها. استيقظ عندما شعر بها تملس على وجهه ولكنه ظل مغمض العينين. بدأت تهمس بصوتها الحنون:
- أنا لحد دلوقتي مش مصدقة إني بقيت مراتك. أنا أسعد واحدة في الكون ده كله. ربنا يخليك ليا.
اقتربت حتى قبّلته قبلة خاطفة على شفتيه. هنا فتح عينيه ونظر إلى بريق عينيها الجميلة:
- صباح الحب حبيبي. إنت قد حركتك دي على الصبح.
استندت على مرفقيها ونظرت له بحب:
- آه قدها وقدك إنت كمان.
ابتسم على دعابتها اعتدل ومسد على شعرها بحنان:
- أنا هنزل أجهز علشان هنخرج عندنا عزومة النهاردة.
ضيقت عيناها وأردفت متسائلة:
- هنروح فين؟
ضمها لحضنها وداعب أنفها:
- باسم عازمنا عنده في المزرعة، أنا وافقت من غير ما أرجعلك، عايزك تغيري جو.
مسحت رأسها في عنقه:
- جواد مش عايزة أخرج.
ملس على شعرها بحنان:
- لازم تخرجي تغيري جو حبيبي، وبعدين حد يكره يخرج مع جوزه برضه؟
كلمته زلزلت كيانها داخليًا نظرت لعيونه:
- معرفش خايفة إن السعادة دي تتسرق مني، أنا فرحانة قوي يا جواد. ما عدتش عايزة حاجة تانية إنت كنت أقصى طموحاتي.
يا الله ما هذه الطفلة التي تزلزل كياني وكينونتي؟ ضمها لحضنه وطوّق خصرها بيديه الاثنين:
- هموت بسببك بسكتة قلبية قريبًا.
ضحكت عليه:
- بعد الشر عليك يا قلبي.
- على فكرة نسيت أقولك أنا قدمتلك في كلية الطب.
خرجت من أحضانه وصدمها كلامه:
- ليه عملت كدا؟ أنا قولتلك أنا مش عايزة أدخل طب.
احتوى كفها بهدوء بين راحتيه بهدوء منافي لعصبيته واختار كلمات منتقاة بعناية حتى لا يغضبها:
- هو فيه حد يكره يكون سبب في تعافي حد مريض؟ أو يكون سبب في تخفيف آلامه؟
ثم استكمل استرسال حديثه:
- كان نفسي أكون دكتور والله وكمان دكتور أورام للأطفال. الموضوع ده مأثر فيَّ جدًا. بيصعب عليا الأطفال المريضة بحس بانفطار قلبي عليهم لكن للأسف مكنش ليا نصيب أنول الشرف ده. حبيت إنك تكوني سبب في تخفيف آلامهم.
ابتسمت له لأول مرة ترى هذا الجانب بشخصيته وتعرف سره:
- لحد إمتى هفضل أكتشف حاجات فيك؟ كأنك شخص جديد.
ضحك عليها ثم وقف متجهًا مغادرًا الغرفة:
- يالا حبيبي متتأخريش، الساعة واحدة. حازم دخل علينا هو وماما أربع مرات يطمنوا إننا لسه عايشين.
توجه بنظره إليها:
- أول مرة أنام كدا. شكلك عندك طاقة لجذبي في النوم كدا.
اقتربت حتى وصلت إليه بابتسامة مشرقة وطوقت عنقه. ثم رفعت نفسها مقبلة خده ناظرة داخل مقلتيه:
- علشان قلبك ده ملكي لوحدي.
أردفت بها بعدما تلامست موضع قلبه مما أثار إلى ارتفاع دقات قلبه وجعله متخبطًا من لمساتها. ماذا تفعل به هذه الطفلة حتمًا ستذهب به إلى الجحيم. تنحنح بهدوء عندما وجد نفسه غير قادر على السيطرة:
- أنا هنزل دلوقتي يا غزل وإنت اجهزي.
أردف بها عندما أنزل ذراعها بهدوء ثم غادر.
بعد أسبوع:
وصلت ليلى وميرنا إلى القاهرة.
دخلت ميرنا فوجدت حازم يجلس مع غزل وسيف في غرفة المعيشة يتناولون البيتزا.
أسرعت إليه فقد فاجأته بنزولها.
"زومي حبيبي وحشتني موت موت" ظلت ترددها عندما وقف وألقت نفسها بأحضانه.
دار بها وهو يقهقه عليها.
"حبيبة قلبي اللي وحشتني قد عين السمكة."
لكمته في كتفه.
"أيوه رجعت للاستظراف."
نظرت لهما غزل وتساقطت دموعها رغمًا عنها عندما تذكرت أخيها.
خرجت إلى الحديقة بعدما قامت بالترحيب بها.
وجدت جواد يخرج من سيارته متجهًا لها.
أسرعت إليه كطفلة تستقبل والديها الغائب منذ زمن.
في هذه الأثناء وصلت ندى بسيارتها.
نزلت متجهة لوقوفهما.
وزعت أنظارها بينهما ثم أردفت:
"جواد عايزاك على انفراد."
اتجه حازم الذي خرج عندما لاحظ خروج غزل.
وقف بجانب غزل، ثم سحبها للداخل قائلًا بهدوء:
"سيبيهم شوية مع بعض يا غزل."
انتفض قلبها وجعًا ولم تتحمل رؤيته معها.
"مش قادرة يا حازم لازم أخرج وأعرف هي عايزة إيه."
تنفس بهدوء وحاول إقناعها:
"حبيبتي هي متعرفش إنكم متجوزين، هتروحي توقفي بصفتك إيه؟"
تركت يديه وتحركت سريعًا للخارج.
"دا جوزي غصب عن الكل، لازم أحافظ عليه. أهم حاجة هو بيحبني ودا كافي أحارب علشانه."
"غزل!" صاح بها حازم.
"متختبريش صبري. أنا قلت مينفعش. اسمعي الكلام وسيبك من المعيلة دي."
ضربت أقدامها بالأرض ورفعت سبابتها بوجهه:
"ولا أنت ولا غيرك يقولي أعمل إيه وأدافع عن جوزي إزاي!"
وقف أمامها:
"لو خرجتي هتخسري جواد نفسه."
هزة عنيفة أصابت جسدها جعلتها غير قادرة على الحركة.
جلست بمكانها وبدأت تهذي ببعض الكلمات:
"ليه هخسره؟ يعني أنا وهو في مهب الريح؟ لا مستحيل يعملها. لا، لا."
بعد فترة ليست بالقليل دخل جواد ووجهه حزين، ويوجد آثار لدموعه.
وقف حازم فجأة واتجه له، وكذلك سيف وميرنا. أما غزل جلست تنظر بشرود ولم يُبدِ عليها أي ردة فعل.
وقف أمامها وأوقفها:
"تعالي نخرج عايز أتكلم معاكي شوية."
خرجت ولم تُبدِ ردة فعل كأنها آلة.
نظر حازم إليه ثم اتجه ووقف بمقابلته:
"جواد إيه اللي حصل؟ مالك ندى قالت إيه؟"
همس جواد له:
"عمو ماجد."
ثم تحرك خارجًا إليها.
تحرك بالسيارة ووقف أمام النيل ينظر بصمت ولم يتحدث.
كل ما يؤرق روحه كيف سيخبرها بما هو آت؟
نظرت من النافذة وهي تتنفس بتثاقل كأنها تختنق.
"غزل." أردف بها بهدوء.
أغمضت عيناها بقهر.
هي رسمت لحالها سبب حالته إنه اشتاق لندى ولقد حركت شعوره إليها عندما زارته.
أدار وجهها بهدوء:
"مالك يا قلبي؟! زعلانة ليه؟"
مطت شفتاها بحزن ونظرت للأسفل وتحدثت بحزن عندما نزلت من السيارة جالسة أمام النيل وأردفت حزينة:
"وحشتك مش كدا؟ لما شفتها النهاردة زعلت وغيرتك كدا علشان سابتك؟ ندمت يا جواد؟ عارفة أنت قولتها قبل كدا."
"إزاي ترتبط بعيلة؟" أردفت كلماتها بصوت باكي.
جحظت عيناه لما استمع.
جذبها لأحضانه وهو يردف بتثاقل اللسان:
"إيه اللي بتقوليه دا يا مجنونة؟ أنت مصدقة دا بعد اللي حصل بينا؟ أنت مراتي وحبيبتي."
تشبثت بقميصه ودموعها تسبقها وبكت بقهر ثم تحدثت بتقاطع لكلماتها:
"طيب ليه مخلتنيش أقعد معاك وأنت معها؟"
ربت على حجابها الذي أنار وجهها رغم حزنها وبكائها:
"علشان مينفعش حبيبتي. فيه حاجات لازم تكون بعيدة عنك. مش علشان ملكيش دخل لا، علشان متتوجعيش. مجرد لما تشوفيها هتزعلي وقلبك هيغلي."
قاطعهم اتصال صهيب. حينها علم برحيل ماجد.
وقف مبتعدًا بعض الشيء:
"أيوه يا صهيب."
أجابه صهيب:
"جواد إن لله وإن إليه راجعون، البقاء لله يا حبيبي."
أغمض عيناه بقهر وألم ولا يعلم ماذا يفعل.
يكاد يختنق. هل رحل ماجد ولم يعد؟ كما رحل جاسر؟ رفقًا بي يا رب. أكاد اختنق ألمًا وحزنًا عليهما. ماذا أفعل الآن حتى أمحي حزنها؟
وقفت واتجهت إليه.
نظرت لعيونه ووجدت دموعه تتساقط رغمًا عنه.
أيبكي! جواد هذا ما حدثت به نفسها.
أمسكت يديه ونظرت لمقلتيها:
"في إيه يا جواد؟ أنت بتعيط؟ بابا حصله حاجة؟ قول متخبيش عليا. متخافش أنا هستحمل أصلي حاسة فيه حاجة هتحصل."
ضمها بأحضانه بقوة وهوت عبراته تزحف من عيناه، كأن مشهد موت جاسر اليوم.
لم يقو على التحدث. هو يحتاج لضمها فقط. لا يعلم إذا كان هو الذي يحتاج أم هي؟
خرجت من أحضانه ونظرت للبعيد وأردفت قائلة:
"يالا علشان نروح المستشفى."
"غزل." أردف بها بصوت حزين باكي.
مسحت دموعه برفق وأردفت:
"أول مرة أشوفك بتعيط. معلش أصلي أسمع العياط دا للضعاف بس، مش دا كلامك ليا. ربنا أخد أمانته." ثم ابتسمت بمرارة:
"اشمعنى بابا اللي هيفضلي يا جواد؟ كل اللي بحبهم سابوني ومشوا."
قاطعهم رنين هاتفه للمرة الثانية.
"أيوه يا حازم. ماشي إحنا جايين."
حاوطها من أكتافها وسار بها للسيارة.
تسير معه ببطء كأنها في كابوس.
أجلسها بجانبه ثم نظر لها:
"غزالتي الحلوة هروحك عند ماما. مينفعش تيجي معانا. إحنا هنروح نخلص إجراءات المستشفى، وبعدين أرجعلك مش هتأخر."
"يعني مش هودع بابا للمرة الأخيرة يا جواد؟"
عصر عيناه بألم ينخر بجسده ثم نظر إليها:
"بلاش يا غزل أنت كنتي معاه من شوية."
"قصدك كان بيسلمك أمانته يا جواد مش كدا؟ كنت تعرف إن بابا هيموت عشان كدا اتجوزتني بسرعة؟ يا رب ما يكون اللي في بالي صح يا جواد." قالتها بمرارة.
استندت على نافذة السيارة ثم أردفت:
"أعمل اللي تعمله أنا عايزة أرتاح، عايزة أنام يمكن ما أقومش تاني."
جحظت عيناه من حديثها، وشعر أن تنفسه انقطع، وكأن روحه تُسحب منه.
وفجأة ضمها بقوة كأن كلماتها ستحدث بالفعل:
"أوعي أسمعك بتقولي كدا يا غزل."
نظر لعينيها وجدها لم يوجد بها أي أثر لدموعها على والدها.
رفع ذقنها:
"زوزو أنتي كويسة؟"
ابتسمت بوهن كأنها سيغشى عليها، ثم رفعت يديها على خديه وأغمضت عيناه كأنها تحلم بقربه فقط لا تشعر بالعالم الخارجي ونطقت ما جعل قلبه يتزايد دقاته عندما قالت:
"كويسة حبيبي متقلقش عليا، أنا قوية زي ما علمتني." وهنا استجابت لسحابة سوداء وأغشي عليها.
جذبها لأحضانه وقام بقيادة السيارة متجهًا لمنزله، قبَّل رأسها:
"كتير عليكي اللي بيحصلك دا يا قلبي. اللهم لا اعتراض." كان يتحدث ويضمها بقوة كأنها ستهرب منه.
وصل بعد دقائق لمنزله.
اتجه حازم الذي ينتظره أمام المنزل.
وجده يحمل غزل متجهًا بها للداخل.
نظر إليه:
"اتصل بالدكتور يا حازم خليه يجي يطمني عليها."
"هي عرفت؟"
أومأ برأسه بنعم.
توجه بها للداخل قابلته والدته تبكي عليها:
"عيني عليكي يا بنتي، وعلى اللي بيحصلك، والله حرام."
"ماما لو سمحت أنا عايز اللي يقويها مش اللي يضعفها، أنا تعبت مش ملاحق كوارث."
"صهيب راح المستشفى."
"أيوه يا حبيبي جواد اهدى علشان أبوك تعبان كمان من ساعة ما عرف."
"ربنا يصبره ويصبرنا يا أمي، ونطمن على غزل أهم حاجة، خايف عليها ممكن تتنكس وتدخل في اكتئاب."
مسدت على كتفه:
"إن شاء الله هتكون كويسة يا حبيبي متخافش. روح أنت المستشفى وأنا هتابع مع الدكتور هنا."
"مينفعش يا ماما، لازم أطمن عليها وتفوق الأول. روحي يا ماما شوفي حازم اتأخر ليه دا الدكتور في الفيلا اللي قصادنا."
خرجت والدته.
جلس بجوارها وظل يمسد على شعرها بحنان.
أخفض رأسه يقبّل خديها:
"ألف مليون سلامة عليكي يا زوزو فوقي يا قلبي ما توجعنيش عليكي."
وصل الطبيب وقام بالكشف عليها:
"الأحسن يا جواد إنها تفضل نايمة، هي كويسة بس الصدمة اللي اتعرضتلها خلت عقلها غير مستوعب للي بيحصل، فرافضة الحياة. أديها مهدئ عشان ممكن تفوق في أي وقت."
بعد انتهاء الطبيب.
نظر جواد حوله وأردف متسائلًا:
"فين مليكة يا ماما مش باينة ليه؟"
تنهدت نجاة بحزن وتساقطت دموعها:
"مليكة حابسة نفسها من ساعة ما عرفت الخبر، افتكرت جاسر الله يرحمه."
"أنا هروح نص ساعة، خلي بالك منها أوعي تسيبيها ولا دقيقة يا ماما لو سمحت المرة اللي فاتت لولا التربي مكونتش هلاقيها."
"حاضر يا حبيبي، روح أنت وأنا مش هسيبها خالص."
قبَّل رأس والدته:
"ربنا يخليكي لينا يا ست الكل." ثم استكمل حديثه:
"هعدي على مليكة الأول."
اتجه لغرفة أخته. دخل بعد الاستئذان.
وجعه قلبه وأصبح الألم ينخر معظم عظامه.
مسد على وجهها بحنان:
"ملوكة ينفع اللي بتعمليه دا؟ أنا مش قادر على المواجهات دي كلها، عايزك معايا."
مسح دموعها:
"عمو ماجد وجاسر كانوا أقرب اتنين على قلبي، شوفتيني ضعفت؟ أنا أهو زي ما أنت شايفة، عايزك قوية بنت الألفي بجد." ثم نظر للبعيد:
"غزل حالتها خطر أوي وخايف لتأذي نفسها يا مليكة، قالتلي يمكن أنام وما أقومش."
وضعت يديها على فمها من صدمة كلماته.
قبَّل رأسها:
"قومي وامسحي دموعك لازم نكون كلنا جنبها. ادعيلهم بالرحمة حبيبتي."
وقف خارجًا متجهًا إلى المستشفى.
اليوم التالي من وفاة ماجد.
كان يضمها لأحضانه وحاول إطعامها ولكنها رافضة تنظر بشرود في نقطة وهمية.
ارتجف قلبه وآلامه مظهرها بالأمس كانت زهرته المتفتحة واليوم انطفأت وأصبحت ذابلة كأنها ميتة.
مسد على شعرها بحنان:
"حبيبي ليه بتخوفيني عليكي؟ كدا يا غزل دا وعدك ليا."
استندت برأسها على كتفه:
"عايزة أموت." ظلت ترددها.
اهتزت نظراته وبدأ الخوف يتملك منه ويدعو الله ألا يخسرها لقد شقت قلبه لنصفين.
انخرطت في البكاء وظلت تدعي:
"يا رب أموت."
ضمها لأحضانه ودموعها التي تساقطت بغزارة.
ضم رأسها لصدره:
"يا رب أنا اللي كنت أموت ولا شوفتك بالحالة دي."
دفعته ووقفت وبدأت تصرخ بهذيان:
"أنا لعنة ما تقربش مني. أنت كمان هتسيبني زيهم محدش يقرب مني. أنا ما عدتش عايزة أتعلق بحد."
وقف سريعًا.
دخل صهيب عندما استمع صراخها. نظر له جواد كغريق:
"أعمل حاجة يا صهيب."
"تمام اهدى." أردف بها صهيب عندما ذهب لغرفته.
ضمها جواد بقوة لأحضانه ولكنها بدأت تلكمه في صدره:
"أنا لعنة على الكل."
ابعد عني، أنا بكرهك يا جواد. اكرهني حبيبي وابعد عني، بقولك اكرهني.
ظلت تردف بها بصراخ.
وقفت ميرنا ومليكة على باب الغرفة وهما يبكيان على مظهرها الذي يبكي القلب قبل العين.
صهيب!
صاح بها جواد.
أسرع صهيب وقام بحقنها، وهي تهذي:
- لازم تكرهني حبيبي، أنا لعنة.
أخيرًا ذهبت في النوم بسبب المهدئ.
جلس وضع رأسه بين راحتيه:
- أنا عاجز ومش عارف أعمل إيه، دي ممكن تموت نفسها.
قاطعهم صوت صياح بالخارج.
وقف واتجه كلا من صهيب وجواد للخارج.
وجدوا عاصم يهجم على حازم بالسباب وحاول اقتحام منزل ماجد الذي يجلس به الجميع بعد وفاته.
نزل يحيى من سيارته متجهًا للداخل عندما خرج جواد وصهيب.
وقف أمام جواد عاصم وهو يردف بسخرية واستهزاء:
- ودلوقتي جيت تحت رجلي حضرة الضابط العاشق.
قاطعهم وصول شهيناز تقتحم وقفتهم:
- فين سامح ياجواد؟ وديت أخويا فين؟
اقترب يحيى ينظر لجواد بعمق:
- دلوقتي من حقي يا حضرة الضابط آخد بنت أخويا مش كدا ولا إيه؟
ضحكت شهيناز باستهزاء، ووجهت نظرها ليحيى:
- برافو عليك يا يحيى باشا ودا بالضبط اللي إحنا عايزينه.
وصل باسم وجد تجمعهم حول جواد.
نظر لجواد:
- فيه إيه يا جواد؟ شهيناز مقدمة بلاغ فيك إنك خاطف أخوها، ويحيى مقدم بلاغ إنك حاجز بنت أخوه.
وقف وكأن الأرض تميد به ولم يستطع الحركة. نظر لكل الوجوه التي تقف حوله، ولم يقو على الحديث كأن أعضائه شلت بالكامل.
رواية تمرد عاشق الفصل السادس عشر 16 - بقلم سيلا وليد
البارت السادس عشر
ونطقت أخيرًا بصوت مرتجف بمشاعر آلامها التي جاهدت طويلًا لدفنها بداخلها، وأعلنت موت قلبها الزائف أمامه حتى يكرهها.
ثم أغمضت عيناها بقهر من حديثه الذي يشق قلبها لفتات صغيرة.
- "جواد" أردفت بها بصوتها الحزين الرقيق.
رفع ذقنها ومسح دموعها بحنان ثم أردف:
"روح جواد اللي لو بعدتي عنه هيموت، عايزاني أموت يا زوزو؟"
وضعت يديها على فمه وبدأت تبكي بنشيج مرير:
"بعد الشر عليك يا رب، أنا قبلك."
ضمها لحضنه ووضع رأسه في خصلاتها يستنشق عبيرها الذي افتقده لأيام، وحاول يحثها على الرجوع لذاتها.
- "عايز غزل ترجع زي زمان، ضحكتها تنور وجهها وتخلي الشمس تنور، وتخلي حياتي كلها منورة."
ثم أكمل مسترسلًا:
"أنا موافق تروحي مع صهيب الفيوم الأسبوع الجاي."
نظرت له بأمل:
"صحيح يا جواد هتخليني أروح الفيوم أزورهم؟"
ملس على شعرها بحب ورفع ذقنها ناظرًا لمقلتيها:
"صحيح يا قلب جواد بس بشرط.. ترجعي غزل بنتي اللي ربيتها على القوة."
- "حاضر، وعد يا جواد هرجعلك غزل اللي إنت ربيتها."
ضمها لصدره بقوة:
"فيه مشوار لازم نروحه كمان ساعتين."
ضيقت عيناها متسائلة:
"مشوار إيه دا؟"
- "هنروح نوثق كتب الكتاب بتاعنا تاني، إنتي دلوقتي بقيتي في السن القانوني."
ثم استكمل حديثه:
"الأحسن والأمن لك إننا نوثق العهد."
اقتربت منه لأول مرة منذ أكثر من شهر وطوقت عنقه:
"قصدك هكون مرات جواد الألفي رسميًا وشرعيًا؟"
- قهقه عليها:
"أخيرًا حبيبتي الشقية رجعت لي! أيوه يا قلبي هيكون شرعًا وقانونًا لكن لسه فعلًا."
ضيقت عيناها متسائلة:
"يعني إيه فعلًا؟ هو فيه بعد الشرع والقانون؟"
أمسكها من يديها وجلس وأجلسها بجواره ضامًا خصرها.
- "لما تكبري شوية هقولك."
- "جواد" أردفت بها بتحذير.
داعب أنفها بأنفه وأجابها بصوت مبحوح:
"نعمين يا قلب جواد."
تهدجت أنفاسها من اختلاط أنفاسهما، ووضعت يديها على جانب وجهه:
"وحشتني قوي يا حبيبي."
أغمض عيناه وبدأت وتيرة أنفاسه تلحف وجهها مما جعلهما يفقدان السيطرة على مشاعرهما. اقترب من شفتيها ليذيق شهدهما الذي حرم منه لوقت ليس بالقليل. ظل يتذوق عسلها المصفى لدقائق. لم يعلم كم من الوقت مر على قبلتهما التي داوت جراح كلا منهما. أخيرًا فصل قبلته عندما أحتاج لتنفسهما. ضمها لصدره وملس على ظهرها بحنان.
- "وحشتيني لدرجة خايف أذيكي."
رفع ذقنها:
"ينفع كدا تحرميني منك الوقت دا كله؟"
اقتربت منه وقبلته على شفتيه ثم ملست على شعره ناظرة بعشق يخصه وحده:
"آسفة حبيبي.. كنت خايفة عليك، خفت قربي يأذيك."
وضع يديه خلف رأسها مقربًا إياها إليه ليغوص في كرزيتها الشهية له مرة أخرى. تركها واضعًا جبهته فوق جبينها:
"لازم أعوض حرماني منك الفترة دي.. إعملي حسابك هتنقلي جناحي من بكرة مفيش ليلة تانية هتباتي لوحدك فيها."
- "إنت قبل كدا قولت ماينفعش لازم نعمل فرح."
داعب أنفها بأصبعه.
- "ماهو هتفضلي زي ما إنتِ يا روحي، بس هتنامي في حضني."
ثم أشار لقلبه:
"علشان تريحي دا وتسمعي نبضه لكِ وحدك فقط."
رفعت رأسها ونظرت له:
"ليه ما نعملش فرح بسيط على قدنا يا جواد ونعيش مع بعض زي أي اتنين متجوزين؟"
"لا" أردف بها بسرعة. ثم أكمل مجيبًا باستفاضة:
"لازم تخلصي تعليمك الأول، علشان تقدري تواجهي الحياة الزوجية.. أما في تعليمك وخصوصًا الطب عايز تعب وتركيز."
- "طيب إزاي عايزني أنام معاك في أوضة واحدة؟"
"علشان إنتِ مراتي يا غزل.. متخافيش مني يا غزل أنا بخاف عليكي أكتر من روحي، فكرة تكوني في أحضاني كافية."
- "الصراحة مش قادرة أفهمك يا جواد... هروح أجهز علشان ناوية أعدي على نهى شوية، ينفع؟"
قبل رأسها:
"ينفع يا قلبي."
قاطع حديثهما دخول العاملة بعد ما أذنت بالدخول:
"ندى هانم تحت يا باشا وعايزة تقابل حضرتك."
- "تمام يا هدى روحي وأنا نازل."
وضعت يديها بخصرها:
"ودي جاية ليه إن شاء الله؟ أنا لسه ما عرفتش آخر مرة كانت عايزة إيه."
وضع قبلة عميقة على جبينها:
"غيري وانزلي حبيبتي."
تركها مغادرًا. ضربت قدمها بالأرض.
- "ماشي يا ندى ما أشوف آخرتها إيه."
ذهبت لغرفتها التي توجد بمنزلهم، تجهزت سريعًا ونزلت بخطوات واثقة. وجدتهما يجلسان في غرفة الصالون. تجلس ندى بجواره ويظهر على ملامحها آثار الحزن. وضعت يديها على يديها مردفة بوجع:
"ما قدرتش يا جواد، حاولت زي ما قولت والله ما قدرت."
ثم استكملت حديثها لاستعطافه:
"عارفة أنا غلطت لما قولت لك ننفصل كنت مفكرة هعرف أعيش بدونك.. لكن حبك ساكن جوايا.. قدرت تنساني بسرعة يا جواد؟"
سحب يديه بهدوء. وجاء أن يتحدث قاطعته التي دخلت كالعاصفة إليهما ولكنها حاولت الثبات أمامها.
- "أنا جاهزة يا حبيبي لسه قدامك كتير."
ابتسم بداخله هو كان يعلم إنها لم تتركه. توجه بنظره لها ورفع يديه:
"تعالي يا زوزو."
اتجهت تتهادى بمشيتها كأنثى شامخة لا تستهين بنفسها أمام منافستها الحسناء كما خيل لها.
اتجهت وجلست على ساقيه، في الأولى من سابقتها لم تفعلها قبل ذلك، طوقت عنقه.
"ما قولتش يعني عندنا ضيوف؟"
حاوط خصرها بيديه:
"دي ندى يا زوزو أكيد عارفين بعض."
صوبت ندى نظرات نارية لها ثم رفعت نظرها لجواد بعدما وجدته يضمها بحب إليه كعاشق ولهان. عندما ملس على حجابها مردفًا بابتسامة:
"المرادي فيه تغيير في التعريف."
رفع نظره لندى:
"دي غزل جواد الألفي."
هزة عنيفة ضربت جسد ندى بقوة، نظرت كالملسوعة ولكنها لم تقو على الحديث ورغم ذلك تحدثت:
"اتجوزتها يا جواد... اتجوزت عيلة؟"
ثم وقفت تتحدث كالمجنونة:
"ويا ترى الحب اللي في عينك دا قبل ما تخطبني ولا بعدها؟ أيوه أنا كدا فهمت ليه كنت هتموت عليها يوم خطوبتنا وأنا الهبلة اللي كنت مصدقة إنك بتعتبرها بنتك... أنا العبيطة اللي كنت بشوف نظراتها وواجهتك وطلعتني مجنونة.. يا ترى يا حضرة الضابط، خنتني كام مرة معها يعني كنتوا مقضينها مع بعض وإنت خاطبني؟"
ظلت تتحدث كلمات هزلية بالنسبة لجواد الذي حاول أن يتحكم بأعصابه نظرًا لحالتها.
وقفت أمامه ورفعت سبابتها في وجهه:
"والله لأندمك إنت وحتة العيلة دي! ويا ترى ضحكت عليها بإيه وأغرتك بإيه ماهي باين عليها مش سهلة."
توجهت عيونه بالغضب ولم يدعها تكمل تماديها:
"اخرسي يا ندى أنا عاذرك لكن تتمادي دا مش مسموح، العيلة اللي بتقولي عليها دي مراتي.. وتحت مراتي حطي مليون خط! ومش مراتي بس دي روحي.. جاية تلوميني على إيه؟ خيانة إيه اللي بتتكلمي عنها.. أنا خاين يا ندى.. ودلوقتي قولتي اللي عندك وأنا سمعته."
اعتصرت عيونها الباكية بألم:
"بتطردني يا جواد.. دي آخرتها؟"
ولاها ظهره وأردف غاضبًا من كل الأحداث التي تدور به:
"نورتي يا ندى."
استشاط داخلها على كرامة الأنثى التي أهدرت على يديه كلما خيل لها:
"والله لأعرف مصر كلها إزاي الضابط الهمام اللي الكل عمال يعظم فيه إنه خاين."
نظرت غزل لجواد بقلب مفطور:
"ما ينفعش يا ندى اللي بتقوليه دا."
رفعت نظرها وقهقهت عليها:
"ما عادش للعيال اللي يوقفوا قدامي ويقولوا إيه اللي ينفع وإيه اللي ما ينفعش."
"برة!" صاح بها بقوة جواد.
اللي يهين مراتي في بيتها مالوش غير الطرد.
نصبت عودها ونظرت له نظرات نارية.
وتحركت مغادرة توعدهما بأشد الانتقام لكرامتها.
***
في غرفة مكتب حسين يجلس يعمل على حاسوبه. استمع لرنين هاتفه، فتح الخط سريعًا ولم ينظر للمتصل.
- عامل إيه يا حسين؟ أردفت بها بنبرة حنون.
وضع حاسوبه واستمع لصوتها الحزين، تنهد بحزن وأجابها:
- أنا كويس يا حسناء، إنت عاملة إيه؟
- كويسة... أخبار صحتك إيه؟
أجابها بزفرة خافتة:
- أنا كويس، عرفت إن ميرنا هتستقر في مصر.
- آه باباها وافق تقعد مع أخوها.
- حازم عمره ما يفرط فيها يا حسناء.
نزلت دمعة من عينيها.
- عارفة يا حسين، ده تربيتك، نسيت ولا إيه؟
- أكيد طالع لأبوه يا حسناء مش ليا بعد فترة.
أغلقت الهاتف، جلس واضعًا رأسه بين يديه يتذكر ماضيه المؤلم.
دخلت بيته بكبرياء أنثى ولكنها داخليًا جريحة. بسطت يديها إليه هي ووالدتها.
- مبروك يا حسين.
ثم اتجهت بنظرها لنجاة.
- مبروك يا نجاة، عقبال لما ربنا يرزقكم بالذرية. أردفت بها وهي تنظر داخل مقلتيه.
وزعت نجاة نظراتها بينهما وردت بهدوء:
- الله يبارك فيكي يا حسناء، عقبالك إن شاء الله.
وصلت الكلمة لقلبه شقته لنصفين. دخل أخاه نظر لحسناء بحب.
- إيه ده دكتورة حسناء عندنا وأنا بأقول البيت منور ليه.
- تسلم يا حسن عقبال لما نفرح بيك إنت كمان.
تشجع وجلس بجوارها.
- ممكن أتكلم معاكي شوية يا حسناء على انفراد بعد إذن طنط طبعًا.
نظرت حسناء لوالدتها. أشارت بعينها وكانت تجلس بجوارهما والدة حسن وحسين. بعد فترة رجعا الاثنين ويبدو على وجههما السعادة.
نظر حسن لوالدته ثم لوالدة حسناء.
- ماما أنا طلبت حسناء للجواز وهي وافقت بس لازم طبعًا نشوف مامتها ووالدها.
جحظت عين والدتها ونظرت لها بلوم.
- ليه يا بنتي تعملي كده؟ أردفت بها بهمس لا يسمعه سواها وحسين الذي أغمض عيناه ألمًا ووجعًا على قلبه الذي هوى بين قدميه بعدما استمع لحديثهما.
خرج من ذكرياته الأليمة.
دخلت نجاة بفنجان قهوته كما يعشقها من يديها، نظر لها وأردف مبتسمًا:
- تعالي يا نوجة جنبي وحشاني.
ابتسمت بحنو واتجهت جلست على الأريكة بجواره ضامة رأسها في أحضانه.
***
في الحديقة.
تقف ميرنا تروي زرعها المفضل الذي بدأ عنايتها للزرع منذ أن أتت.
وصل سيف ووقف أمامها.
- يا بنتي هتاخدي إيه من ده كله.
ضحكت في وجهه:
- سيف. أردفت بها بصوت رقيق. رفعت نظرها له.
- تعالى شوف الوردة دي كبرت ورائحتها بقت روعة.
اتجه إلى التي خطفت قلبه بابتسامتها الرقيقة وحنو صوتها. أمسك يديها تاركًا دلو المياه.
- تعالي عايز أتكلم معاكي في حاجة.
ضيقت جبينها تنظر له بتساؤل.
- فيه حاجة ولا إيه؟
جذبها:
- تعالي عايزك.
عند غزل وجواد.
كان بانتظاره حازم ووالده ومليكة لتوثيق الزواج.
بعد فترة خرجوا جميعًا من عند المأذون.
اتجه حسين لسيارته مع حازم ومليكة.
- فيه مشوار هنروحوا وأنتوا روحوا.
ضم جواد غزل من أكتافها.
- أنا عندي شغل، هعديها على نهى وبعد الشغل هعدي عليها.
ركبت بجواره شبكت صوابع يديه بيديها.
- مبروك عليا إنت يا حبيبي.
توسدت كتفه وأغمضت عيناها مستمتعة بكلماته.
- أنا مش مسافرة يا جواد معنديش قلب أسيبك يوم واحد وأبعد.
رفع رأسها وضم وجهها بين راحتيه.
- قولي لي أعمل إيه دلوقتي وإحنا في طريق عام.
ضحكت بصوتها الرقيق الناعم.
- شكلك وحش قوي يا حضرة الضابط وإنت ممسوك متلبس.
قهقه بصوته الرجولي.
- شوفوا البنت بتقول إيه.
قاطعهم اتصال باسم. رفع الهاتف.
- أيوه يا باسم.
ضيق عيناه متسائلًا.
- إمتى الكلام ده؟... تمام عشر دقايق وأكون عندك.
***
توجه لغزل:
- زوزو هوديكي عند نهى وهعدي عليكي بعد الشغل تمام.
ضمت راحتيه.
- إحنا هننزل نشتري شوية حاجات علشان الجامعة.
ابتسم بحب:
- بالتوفيق حبيبي. إن شاء الله تكوني أحسن دكتورة في الدنيا كلها.
وصلت أمام منزل نهى، استدارت وقامت بتقبيل خدييه.
- مش هتأخر عليك. المرادي الاحتفال عندي بس يا ترى حضرة الضابط هيتحمل احتفالي.
لمس وجهها بحنان.
- صدقيني مش هقدر وبأقولك من دلوقتي. اقترب وقبل خديها. انزلي حبيبي علشان كده هاخدك على البيت. ما تلوميش نفسك على اللي يحصل.
نزلت متجهة لنهى التي تنتظرها بسيارتها.
ركبت بجوارها وانطلقتا.
أما هو زفر بضيق متجهًا لعمله. دخل مكتبه والغضب يعمي عينيه.
- فيه إيه يا باسم ماله نشأت عايز إيه؟
نظر لأسفل.
- فيه مشكلة كبيرة.
- افتح تليفونك وأنت تعرف.
وجد فيديوهات لندى تذم بعلاقته بغزل على السوشيال ميديا.
جلس بهدوء وكأن الغرفة تطبق عليه وتخنقه.
- ندى ما فيش غيرها. لدرجة دي تعمل كده.
زفر باسم بحزن:
- المشكلة الفيديوهات انتشرت بطريقة سريعة واللواء نشأت طلبك.
وضع رأسه بين يديه.
- فضحت البنت في أول حياتها بالكذب ليه تعملي كده يا ندى ليه.
وقف باسم أمامه:
- جواد المهم إنت هتعمل إيه مع نشأت.
ازداد توتره وجف حلقه، رفع كفه يتحسس عنقه كأنه يختنق.
- المهم غزل لو شافت الفيديوهات دي... باسم الفيديوهات دي فيها متركب مستحيل أكون بالصفاقة دي.
حاوط باسم كتفه ونظر إليه وتحدث بهدوء:
- جواد إنت متجوزها يعني حتى لو حقيقة محدش يقدر يلومك، المشكلة نشأت بيقول لي ليه مخبي وده فيه لبلبة لوضعك في الشغل.
مسح على وجهه بغضب:
- مش مهم عندي شغلي دلوقتي قد مراتي اللي سمعتها في الأرض.
دخل المسؤول عن مكتبه:
"اللوا نشأت طالب حضرتك يا أفندم."
عند غزل ونهى:
وقف عاصم أمام غزل:
"عايز أتكلم معاكي في موضوع ضروري."
ضمت نفسها بذراعيها:
"وبعدها إيه يا عاصم، عايز مني إيه؟ هو جواد مش حذرك؟ دلوقتي أنا مراته، ليه دايمًا عايزه يخرج عن شعوره؟"
"ماهو دا اللي عايزك تعرفيه يا غزل، وتعرفي مين اللي بيحبك ومين اللي واخدك غصب عنه."
ضيقت عيناها وأردفت متسائلة:
"تقصد إيه يا عاصم؟"
جذبتها نهى من يديها:
"تعالي يا غزل، وبلاش تسمعي له، جواد لو عرف هيزعل."
أوقفها عاصم:
"أنا مش هاخد من وقتك، هديلك حاجة وبعد كدا هسبلك التصرف."
أمسك يديها ووضع فلاشة:
"شوفي دي واسمعيها، وبعد كدا نتكلم. سلام يا بنت عمي."
تحرك مغادرًا وهو يبتسم بسخرية لإنجاز مهمته. وقفت تنظر للفلاشة بيد مرتعشة.
ثم نظرت لعاصم الذي وقف أمام سيارته وينظر لها بأسى وحزن مصطنع.
تحركت عائدة مع نهى إلى منزلها. دخلت غرفة نهى وأمسكت الجهاز المحمول (اللاب توب). أوقفتها نهى:
"بلاش يا غزل ما تسمعيش كلامه، صدقيني هتندمي. جواد أكتر واحد بيخاف عليكي، وزي ما قالك قبل كدا، دا واحد مؤذي، بدليل تنكره ودخوله لينا المول."
ثم أكملت إقناعها:
"دا لو نيته سليمة ما كانش عمل كدا، كان جه وواجه."
نظرت بتشتت لها وتحدثت:
"لازم أشوف آخره يا نهى قبل ما أسافر."
فتحت الفلاشة وهنا جحظت عيناها لما رأت وسمعت حديث كل من صهيب وجواد.
تنهد صهيب بضيق ثم وقف واتجه بمقابلته وتحدث مستاءً:
"وبعدين، آخرة تحكماتك دي إيه؟"
ضيق عيناه ونظر متسائلًا بهدوء ينذر بعاصفة داخل عيناه:
"عايز إيه يا صهيب؟ بقالك كام يوم بتلف وتدور عليه."
سكت لبرهة ثم أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه بهدوء:
"تتجوز غزل زي ما جاسر وصاك."
جحظت عيناه من كلماته التي نزلت عليه كالصاعقة:
"إنت اتجننت يا صهيب؟ مش كدا! إنت عايزني أتجوز بنتي!"
صاح بقوة:
"لا مش بنتك! إنت هتكدب الكدبة وتصدقها؟! كلنا عارفين إن غزل بنت عمو ماجد اللي بين الحي والموت دلوقتي، وأخت جاسر، ومش معنى إنك كنت بتهتم بيها من صغرها يبقى خلاص بنتك!"
"اسكت يا صهيب، إنت باين عليك اتجننت ومش واعي لكلامك."
دار صهيب حوله بخطوات رزينة ثم استرسل حديثه:
"إنت مش واعي للي بتعمله يا جواد. قولي عينك هتقدر تنام وإنت مش قادر تنفذ وصية جاسر؟ بلاش دا، هتقدر تشوفها لما مرات أبوها تيجي تاخدها وتجوزها أخوها؟ بلاش دا، هتقدر تشوف عاصم وأبوه يجوا ياخدوها وإنت مش قادر تقول لا؟"
سحب نفسًا ثقيلًا يملأ به رئتيه المتألمتين من كلمات أخيه ثم زفره على مهل ونظر إلى صهيب وأردف:
"محدش يقدر يقربلها."
صرخ صهيب بوجهه لأول مرة:
"بصفتك إيه؟ تقدر تقولي هتمنعهم إزاي؟ إنت يا حي الله ابن صاحب أبوها وقرابة من بعيد!"
"يبقى مفيش غير حل واحد وهو إنك تتجوز."
"اخرص يا صهيب، مش عايز أسمعك تقول كدا تاني. قولتلك دي بنتي، مش حاسس بفرق العمر اللي بينا؟ غير إني مقدرش أكون زوج لواحدة طفلة، يعني ما تعرفش جواز يعني إيه، والأكبر من دا كله إني لسة بحب ندى ومش قادر أمحي حبها من قلبي."
"اللي بتفكر فيه دا مستحيل، سامعني! وغزل لو آخر واحدة مستحيل أتجوزها."
اتسعت حدقيتها شيئًا فشيئًا وصدمة قوية اصطدمت بين دواخلها كأنها تلقت ضربة عنيفة فوق رأسها وقلبها الذي ينزف. ترنح جسدها وأحست أن ساقيها فقدت القدرة على حملها فهوت على مقعدها تقول بأسى وحزن:
"كان بيضحك عليا.. كان بيلعب بمشاعري.. عمل دا كله علشان وصية جاسر."
نظرات ضائعة مشتتة كأن حياتها تُسرق من أمامها وبيد من؟ بيد عاشق الروح. صدمة.. ألم.. وجع.. حزن.. لا.. لا بدأت تهذي بها وهي جالسة وتتذكر لحظاتهما سويًا.
ضربت على صدرها بقوة عندما اقتربت منها نهى وحاولت تتحدث معها:
"خدعني.. ضحك عليا.. كذب عليا... آه."
أردفت بها بصوت مرتفع:
"آه يا قلبي إزاي تنخدع في أقرب الناس؟"
ضمتها نهى لأحضانها:
"غزل اهدي حبيبتي، ممكن يكون..."
نظرت لها تقاطع حديثها:
"ممكن يكون مش هو صح؟ ممكن يكون الصوت والشكل مزور صح يا نهى؟"
أردفت بها وهي تضحك كالمعتوه.
وقفت سريعًا متجهة للمنزل. وقفت أمامها نهى:
"غزل اهدي، أوعي تعملي حاجة تندمي عليها، دا مهما كان جواد..."
ربتت على كتفها وأكملت استرسالًا حتى تشغل عقلها بما يدبره:
"اسمعيني، ممكن يكون جواد قال كدا في الأول يعني قبل ما يعرف إنه بيحبك."
وضعت يديها أمام نهى وأردفت بقوة:
"أخرصي يا نهى، مش عايزة أسمع اسمه تاني. دا باسني، عارفة يعني إيه؟ يعني كان بيتسلى أو ممكن يكون بيعوض حبيبته فيا..."
أشارت لها نهى بيديها:
"لا لا مستحيل جواد يعمل كدا. إنتي عرفاه أكتر مني، مستحيل أخلاقه ما تقولش كدا. بقولك أخرصي، مش عايزة أسمع اسمه."
خرجت من منزل نهى بخطوات هزيلة والدموع تنزرف على وجنتيها بغزارة. وبخطى متعثرة اندفعت تركض بخطوات بلا هدى. نظر لها عاصم الذي يقف يراقب وضعها بانتصار. ثم قام برفع هاتفه:
"تم يا باشا.. يلا اضرب على الحديد وهو سخن."
تهلل وجه عاصم بانتصار وهو يقهقه على خطته الذكية التي ستؤدي بانتصاره.
جلست أمام النيل، تتذكر جلوسه معها، كلماته، همسه لها بكلمات الغزل والعشق.
عند جواد، خرج من مكتب اللواء وهو لا يرى أمامه وتذكر حديثه:
"لازم يا جواد تخرج للصحافة إنت ومراتك، مكانتك دلوقتي غير زمان. بقى ليك وضع في النيابة. إنت مش ضابط عادي."
"أنا مستحيل يا فندم أعرض مراتي لمسرحية هزلية زي دي. مراتي خط أحمر وهعرف أخد حقها كويس."
اتصل جواد بغزل عدة مرات ولكن لا يوجد رد. اتصل بنهى التي أجابته أنها ذهبت للمنزل منذ قليل. استغرب ذهابها بدونه ولكنه رجح تجهيزها لليلة مميزة بينهم.
ابتسم رغم ما به متجهًا للمنزل. وصل ولكنه لم يجدها. ظل يتصل ولكن لم يجد جواب. توتر كل من بالمنزل. حاول صهيب وحازم وليلى ولكن لا رد.
"لا كدا الموضوع ما يطمنش، لازم أخرج."
استدار ليخرج وجدها تدلف بروح تكاد تزهق.
أسرع إليها وحاول ضمها ولكنها رجعت للخلف واضعة يديها أمامه.
ارتجف قلبه وأرجع حالتها أنها رأت فيديوهاتهما:
"زوزو حبيبي إيه اللي حصل؟"
اتجهت بخطوات متعثرة لحسين وأشارت عليه:
"طلقني منه... بابا وصاك عليا... أنا بقولك طلقني منه..."
صدمة.. رجفة.. برودة أسرت بأوردته.. تسلل الرعب لقلبه من كلماتها.
ابتلع غصة وخزت جوفه وشعر أن الأرض تسحب من تحت قدميه. اتجه بنظره إليها:
"تعالي نَقْعد نتكلم يا غزل.. وبعدين."
قاطعت حديثه بصرخاتها:
"إخرص يا جواد، مش عايزة أسمع صوتك."
اتجهت ووقفت أمامه:
"ورحمة جاسر اللي عرف يبيعني ليك بوصية مالهاش قيمة عندي لأدفعك غالي قوي. إنت واحد كداب.. خاين... إنت واحد خاين يا جوااااد."
رعشة قوية ضربت.
بُهت عندما استمع لكلماتها، وشعر بضعف الدنيا يحتل كيانه، كما شعر كمن تلقى ضربة قوية قسمته لنصفين.
"غزل" أردف بها بصوت مرتجف.
اقتربت منه حتى أصبحت قبالته تمامًا.
"غزل لو آخر واحدة في الدنيا مستحيل أتجوزها يا صهيب، هتجوز حتة عيلة؟ مراتي هتكون عيلة مش عارفة يعني إيه جواز؟"
صُعق من كلماتها فكيف عرفت بحديثهما.
استكملت حديثها الذي قسم ظهر البعير.
"وأنا مش شيفاك راجل ينفعني... عيلة بقى تقول إيه؟"
"أخرسي يا بت أنتِ اتجننتي؟" أردف بها صهيب بقوة متحركًا لها.
نظر لها نظرات قاتمة ووجه يملؤه الغضب.
"أيوة فعلًا طلعتي عيلة، هو فيه ست محترمة تتكلم مع جوزها كده؟"
دفعته بكل قوتها: "لسه دورك جاي يا حضرة الدكتور."
تحدث حسين أخيرًا.
"اطلعي فوق يا غزل ونتكلم الصبح."
"اطلعي فوق يا غزل والصبح نتكلم."
اتجهت بنظرها له: "والله يا عمو لسه عايزني أقعد في مكان واحد أنا وابنك المخادع ده فيه؟"
"غزل احترمي نفسك وكفاية إهانة لحد كده." قالتها ليلى عندما جذبتها من ذراعيها بشدة متجهة لغرفتها.
-*-*-
"استني يا خالتو ما أخدتش حقي من حضرة الضابط." اشتعلت نيران الغضب والانتقام بصدرها لدرجة أسرعت لها وبدأت تضربه بكلتا يديها وصرخت بوجهه.
"إيه اتخرست؟" ظلت تلكمه وهو لا يشعر بشيء إلا بحالتها التي تكوي قلبه بنيران مستعرة. نظرت داخل مقلتيه.
"ربنا ياخدك يا جواد، ليه هو اللي مات وأنت لأ؟"
هنا صرخت نجاة بقوة.
"ليه يا بنتي تدعي عليه كده؟ ده جزاته يا غزل؟"
سحبها صهيب وأجلسها.
"اقعدي يا ماما لما أشوف الأمورة."
"واخدة جرعة من مين؟" ظلت واقفة تنظر له وشفتاها ترتعش.
"طلقني يا جواد كفاية أذية لحد كده، ومالكش دعوة بالوصية."
تحرك منطلقًا للخارج فلقد تحمل فوق طاقته. أسرعت خلفه وباللحظة خطفت سلاحه من بنطاله.
ووجهته عليه.
"لو ما طلقتنيش هموتك يا جواد."
نظر لها بصدمة وأخيرًا تحدث بعد صمت.
"يا ريتك تعمليها وتريحيني وتريحي نفسك."
صرخت بقهر منه وأدارت السلاح على رأسها: "يبقى أموت نفسي أحسن."
شهق شهقة بخوف من جنونها.
أشار بيديه: "طيب خلاص هعمل اللي أنت عايزاه."
سيطر الخوف والوجع على الجميع. اتجه حازم إليها.
"غزل إيه اللي بتعمليه ده أنتِ مؤمنة عايزة تموتي نفسك؟"
بينما صهيب.
"سيبي المسدس يا غزل وهنعمل اللي أنتِ عايزاه."
ظلت تنظر لجواد الذي تتسارع دقاته وكأنها ستقفز من صدره خوفًا عليها. نظرت بعين تغشاها الدموع.
"طلقني حضرة الضابط."
نظر لصهيب وتذكر جاسر الذي كان يفهمه من نظراته وهنا لم يعد التحمل وتساقطت دمعة غادرة من عينيه. تحرك صهيب وهو يتحدث كي يشتت انتباهها عندما نظر لجواد الذي يراه كالضائع. اتجهت نجاة بقدمين مرتعشتين وحسين.
نظر حسين لها: "كده يا غزل ينفع اللي بتعمليه؟ وحياتي عندك يا غزل."
اتجهت بنظرها لنجاة وفي خطوة واحدة وصل إليها. حاول أن يأخذ سلاحه ولكنها ضغطت عليه وخرجت الطلقة متجهة إلى مكانها.
لم تشعر بنفسها إلا عندما رأت دموعه تتساقط أمامها وهي بين أحضانه.
رواية تمرد عاشق الفصل السابع عشر 17 - بقلم سيلا وليد
عجبت منك أيها الحب..
كيف تكون من حرفين وتغمرنا بمشاعر بلا حدود..
أولك حرارة وآخرك برود..
أولك حلاوة وآخرك بكاء وشرود.
في صباح آخر لاح في الأفق يعلن عن شروق شمس جديدة بعدما ذهب الليل بوجعه وحزنه على البعض وشماتة البعض الآخر.
هناك من نام مرتاح البال وهناك من لم ينم يؤرقه العذاب.. عذاب فراق.. عذاب الحب.. عذاب المرض..
استيقظ جواد بعدما داعبته أشعة الشمس، فتح عينيه اللتين تشبهانها كثيرًا.. شعر بألم في رأسه.. سحب نفسًا عميقًا وزفره ببطء وظهرت علامات الأسى على وجهه عندما تذكر أحداث ليلة أمس.. تنهد بحزن ووقف متجهًا إلى مرحاضه.. نظر لنفسه بالمرآة وتذكر ما صار من متيمة قلبه.
فلاش باك
وقف الجميع في حالة ذهول عندما ضمت غزل جواد.. صرخت.. ارتجف قلبها عليه حينما وجدت قطرات الدماء على قميصه.. صرخت بكل ما لديها من قوة.. حينها فقدت نجاة وعيها وهي تصرخ باسم ابنها.. أسرعت لها ليلى ومليكة التي دخلت للتو ولا تفهم ما الذي يصير.
أشفق جواد عليها ناظرًا لها:
"حبيبتي اهدي أنا كويس، الرصاصة ما أذتش اهدي".
بدأت تصرخ وكأنها لم تسمعه.
"زوزو أنا كويس".
أغمض عينيه بألم ناظرًا لصهيب أن يسنده حتى يقف.
ضم حسين ولده وهو يبكي:
"حبيبي أنت كويس... الرصاصة صابتك فين؟"
"أنا كويس يا بابا الرصاصة جت في دراعي الموضوع مش مخيف".
انتفض قلب مليكة على أخيها عندما وجدته مصاب، أسرعت إليه وضمته لأحضانها:
"إيه اللي حصل يا حبيبي إزاي اتصبت؟"
اتصل صهيب بالطبيب بعدما فاقت والدته.. اتجهت والدته بقلب أم مفطور على ولدها.
انتفض قلبه متأثرًا بدموعها وحالتها:
"ماما أنا كويس الحمد لله".
"الحمد لله يا بني" ظلت ترددها.. بينما تحركت ليلى حتى وصلت أمام غزل التي تقف ترتعش وتبكي، ضمتها بأحضانها:
"خلاص حبيبتي هو كويس... ينفع كدا يا غزل كان ممكن تموتيه؟"
نظرت ليديها وهي ترتعش وعيونها تغشاها الدموع...
"كنت هقتله يا خالتو.. كنت هقتل جوزي وحبيبي".
كان الجميع منشغلًا بجرح جواد الذي ينزف.. أما هو فنظراته مصوبة عليها وحدها يؤرقه روحه على وضعها الذي وصلت له بسببه.. أغمض عينيه بألم قلبه.
"غزل" أردف بها وهو ينظر لها بهدوء.. ولكنها ظلت كما هي تنظر ليديها وتبكي.. اتجه صهيب لها عندما وجد حالتها هكذا.
صمت مقتول ساد بين الجميع عندما كرر جواد النداء مرة أخرى.
سارت بخطوات واهنة وتيه محدقة بجرحه الذي ينزف.. جلست أمامه وهي ترتعش وتحدثت بصوت باكي:
"ما كانش قصدي والله أنا كنت بهددك بس".
جذبها من ذراعه السليم مقربًا رأسها مقبلًا جبينها:
"عارف يا قلبي ما كانش قصدك".
ولكنها انتفضت سريعًا عندما شعرت بسخونة شفتاه على جبهتها.. مسحت دموعها بعنف ونظرت له نظرات قاتمة ووجهها يغمره الحزن والغضب منه:
"ورغم كدا يا جواد لسة عند رأيي وعايزة أطلق منك ما عدتش عايزاك..."
نظر الجميع إليها بذهول.. وقف صهيب سريعًا:
"البت دي جابت لي العصبية ولازم تنضرب".
حاول إمساكها عندما اختبأت خلف حازم.
"صهيب" أردف بها جواد:
"أنت اتجننت عايز تضرب مراتي قدامي؟"
ازداد توترها عندما تحدث جواد.. ولكنها كلما تذكرت حديثه يغلي داخلها.
اشتعالت دواخلها:
"أنا ليا لسان وأعرف أرد وآخد حقي أما الباشمهندس أو اللي عامل لي دكتور وهو أصلًا شبه الكتكوت المبلول دا ما يقدرش يعمل معايا حاجة".
لأول مرة تنظر لها نجاة بوجع:
"إزاي جايلك الجرأة يا غزل توقفي وتتكلمي بعد اللي عملتيه؟... قولي لي شعورك هيكون إيه لو لا قدر الله الرصاصة جت في مكان خطر... كنتي هتعيشي إزاي؟!"
ثم أكملت استرسالًا حديثها:
"جواد ما غلطش، كنتي عايزاه يعمل إيه وجاسر موصيه عليكي.. ما تعرفيش إن وصية الميت واجبة التنفيذ؟"
ثم استطردت قائلة:
"جواد لغى كتب كتابه من ندى علشانك إنتِ.. علشان عارف غلاوتك تفوق روحه.. وشوفي رمى سعادته في مقابل إنك تكوني سعيدة".
جحظت عيناها مما استمعت:
"يعني كنت بتضحك عليا يا جواد.. يعني ما حبتنيش.. طيب ليه هو لدرجة دي أنا عيلة ينضحك عليها؟"
نظر صهيب لوالدته بقهر من حديثها وحدث حاله:
"ليه بس يا ماما بتقولي كدا؟"
أما هي فظلت تنظر له بوجع وهو مغمض عينيه لا يتحمل ألمًا آخر فوق آلامه لقد كسرت والدته قلبها بحديثها.
وصل الطبيب لاستخراج الرصاصة ولكن لقد فلتت رصاصة رحمة قلبها به.
خرج من ذكريات ليلة الأمس.
نظر لنفسه لاعنًا حظه الذي أدى به لهذا كله.. ظل ينظر بأعين دامية مشتت لا يعلم كيف يواجه القادم ولكنه تذكر إنه ليس بالضعيف أبدًا... نعم صدره يختنق من كلماتها ولكنها محقة.. ظل على تلك الحالة لفترة ليست بالقليلة ثم نهض ببطء وخرج ليجهز استعدادًا للمغادرة... سمع طرقات هادئة على باب الغرفة تمنى أن تكون هي... ولكن خاب أمله عندما دخلت مليكة بالطعام والأدوية... أغمض عينيه بقهر عندما اعتقد إنها.
ابتسمت له مليكة:
"صباح الخير حبيبي" عامل إيه النهاردة؟"
جلس وأشار لها بالجلوس:
"أنا كويس حبيبتي الحمد لله".
نظرت له عندما وجدته جاهزًا للخروج:
"جواد أنت هتخرج وأنت تعبان؟"
"أنا مش تعبان يا مليكة.. فيه مشوار مهم لازم أعمله".
فركت يديها وهي تنظر للأرض:
"مالك يا مليكة؟"
"فيه إيه؟"
زفر بغضب:
"مليكة قولي عايزة إيه ما تعصبينيش".
"غزل" أردفت بها سريعًا.
ارتجف قلبه لمجرد سماع اسمها.. حاول يهدئ من دقاته السريعة.. ثم تحدث بهدوء رغم نيران قلبه في بعدها:
"مالها؟"
"قافلة على نفسها ومش راضية تفتح الباب لحد.. وصهيب اتخانق معاها".
انتفض قلبه من مكانه..
"وصهيب يتخانق معاها ليه وهو هيفضل مندفع كدا على طول؟"
تحرك خارجًا.
"مش هتفطر يا جود؟"
وقف أثناء خروجه من غرفته.. ملس على وجهها:
"ما ليش نفس يا ملوكة.. ممكن تعملي لي القهوة بتاعتي.. أشربها قبل ما أمشي..."
تحركت مغادرة.
"حاضر يا حبيبي هعملها قبل ما أخرج مع صهيب.."
"مليكة" أردف بها جواد.
نظر بشرود ثم تحدث:
"بلاش جود دي أنتِ عارفة دي مميزة لغزل..."
ألقت نفسها بأحضانه تبكي على أخيها الذي آلمه الحب... وضعت يديها على جانبي وجهه:
"أنت عاذرها مش كدا يا جواد؟ عارف إنها غصب عنها؟"
قبل جبينها:
"روحي اعملي القهوة هشربها تحت..."
أومأت برأسها وتحركت عندما وجدته لا يريد الحديث.
دخل غرفته مرة أخرى وأحضر متعلقاته الشخصية للمغادرة.. استمع لرنين هاتفه.
في غرفة غزل التي تجاوره قبل قليل.
تجلس على فراشها وعيناها ذابلتين من كثرة البكاء.. تذكرت عندما حاولت الدخول لتطمئن عليه... ولكن منعها صهيب بقوة.
تذكرت حديثها مع حسين.
توجه حسين إليها عندما وجدها متمسكة برأيها سحبها لداخل المكتب:
"تعالي معايا".
ملس على رأسها وأردف لها بهدوء:
"اقعدي يا غزل عايز أتكلم معاكي شوية.. واللي إنتِ عايزاه هنعمله".
قاطعهم دخول صهيب وهو ينذر بالويل.
صفعة بعينيه.
- بعد إذنك يا بابا، سؤال واحد بس هسأله وعايز إجابته.
استشاط داخلها من طريقته، ورغم ذلك تنظر له بهدوء.
- إزاي عرفتي حوار جواد ده؟
زفرت بوجع وحزن وتوجهت له.
- ده كل اللي هامك؟ أنا فين من ده كله؟ ليه ضحكتوا عليا؟ ليه خدتوني لعبة بين إيدكم؟ قولي يا آبيه عملت إيه؟
توجهت بنظرها لحسين ودموعها سقطت رغماً عنها.
- أنا حبيته يا عمو والله، لكن ابن كسر قلبي.
جلس صهيب على عقبيه أمامها.
- والله جواد بيحبك يا مجنونة، هو قال كده بعد موت جاسر بيوم، كان لسه خاطب، تخيلي ما حبش يخون خطيبته حتى بالكلام. إهدي يا زوزو ما فيش أغلى منك عند جواد، ما تضيعيش حبك له بعقل عيلة.
وقفت وبدأت تتحدث بعصبية.
- وأنا عيلة ومش عايزة الجوازة دي.
وجه نظرات نارية لها.
- تمام يا غزل براحتك، يفوق ويشوف هيعمل إيه، يا رب ما ترجعيش تعيطي تاني.
أردف بها صهيب ثم خرج سريعاً عندما وجد نفسه فاقد السيطرة على نفسه.
***
ربت حسين على يديها.
- صهيب مضايق على أخوه.
ثم استرسل.
- أنا ما عرفتش بموضوع الوصية دي إلا قريب، لكن عرفت إن جواد بيحبك فعلاً يا بنتي، وطبعاً عمره ما كان هيوافق الجواز منك غير وهو عارف ومتأكد إنك حركتي قلبه بجد.
نظر لها واستطرد:
- القلوب يا بنتي مش لعبة، اللي عايز أقوله، فيه حاجات اللسان يعرف يرسمها كويس، لكن في الحب اللسان ما بيعرفش.
علشان الحب بيحرك أعضاء جسمك كله، زي نظرة عين، لمسة إيد، كلمة من الشفايف، دقة قلب في بعد أو قرب.
تنهد بألم لذكريات أخرجها ابنه.
- أكيد فهمتي قصدي يا غزل.
نظرت إليه بذهول وكأن لسانها انعقد ولا تستطيع الحديث.
- لا مش فاهمة حضرتك.
وضع يديها بين راحتيه وتحدث:
- يعني إنتِ أكتر واحدة تفهمي جواد إنه ضحك عليكي ولا لأ، غدر بيكي زي ما بتقولي ولا لأ، ما هو الحب زي ما قال صهيب مواقف.
وقفت متجهة للنافذة.
وآهة خفيضة خرجت من قلبها قبل فمها.
- أنا حاسة إني تايهة وغرقانة ومش عارفة الصح فين والغلط فين، بس اللي أعرفه إن قلبي بينزف من شخص جعلته الدنيا كلها، فهمتني يا عمو؟
وقف بجوارها ممسداً على ظهرها بحب أبوي.
- حاسس بيكي يا حبيبتي، وعلشان كده بقولك إهدي وما تتسرعيش، إنتِ لسه صغيرة يا غزل ما تعلمتيش كويس.
استدارت له وابتسمت.
- شكل حضرتك كنت بتحب ماما نجاة قوي قبل الجواز.
رغم إنها قالتها بعفوية إلا إنها اخترقت جدران قلبه لينزف على جراح الماضي.
- ماما نجاة ما فيش أحن منها في الدنيا، زي ما فيش أحن من جواد في الدنيا، مش كده ولا إيه؟
رفع ذقنها عندما نظرت للأسفل.
- فكري في كلامي ولازم تقعدي معه وتسمعي الأول وبعد كده قرري، تمام؟
أمأت برأسها:
- تمام.
دخلت نجاة إليهما وهي تتلاشى النظر إليها.
- يالا يا حسين علشان تاخد علاجك وتقيس الضغط.
تحركت ووقفت أمامها.
- ما تزعليش مني أنا آسفة.
توجهت لها نجاة.
- أعمل إيه بأسفك لو ابني حصله حاجة؟
- ماما نجاة!
رفعت سبابتها أمامها.
- اسكتي يا غزل مش عايزة أسمع صوتك دلوقتي، ثم أشارت جهة الباب.
- اللي فوق ده ابني من شوية كان ممكن تقتليه، وليه يا ترى؟ قال إيه علشان اتجوزك بوصية، أمال إنتِ مفكرة متجوزك ليه؟ علشان بيحبك صح؟
- طيب ما هو بيحبك وبيموت فيكي كمان، مستنية إيه؟ لحد دلوقتي ما تعرفيش إن جواد ممكن يموت نفسه علشانك؟ أنا مصدومة فيكي الصراحة.
قاطعها حسين.
- خلاص يا نجاة بنتنا عاقلة ومش هتغلط تاني، روحي يا حبيبتي شوفي جوزك وسيبيني مع ماما نجاة شوية، ما تخرجيش من باب البيت ده يا غزل لو بتحبيني فعلاً.
خرجت بهدوء متجهة لغرفته، وجدت صهيب خارجاً من عنده، وقفت أمامه.
- هو عامل إيه دلوقتي؟
عقد يديه فوق بعضها ووقف وأغلق الباب.
- لسه عايش الحمد لله.
ثم نزل بجسده لمستواها.
- إيه الحلوة جاية تخلص المهمة؟
جحظت عيناها من كلماته الجارحة لها.
وضعت يديها على مقبض الباب لتدخل، أزاح يديها بعنف.
- مش من حقك، جاية تشوفي مين؟
وضع إبهامه على ذقنه علامة للتفكير.
- يا ترى جاية تشوفي أخوكي ولا جوزك اللي حاولتي تقتليه يا غزل هانم؟
صوب نظرات نارية.
- روحي نامي مش عايز أشوف وشك قدامي، وهعرفك الكتكوت المبلول ده هيعمل فيكي إيه!
لم تتحمل الضغط على أعصابها أكثر من ذلك وتوجهت بهدوء لغرفتها بجوار غرفته.
خرجت من شرودها عندما استمعت لصوته بالخارج.
كان يتحرك متجهاً للأسفل يتحدث في هاتفه.
- أيوة يا باسم لا مش هاجي النهاردة، أيوة اتكلمت مع نشأت، لا أنا خارج رايح لندى.
أيوة هروح لها البيت مش الشغل.
وقفت خلف الباب تستمع لحديثه.
شعرت بنصل سكين طعن قلبها المغدور كما خيل لها، جعلها ترغب في البكاء لا بل بالصراخ، كزت على يديها بغضب حتى أدمتها دون وعيها.
- كده يا جواد تلعب بمشاعري، ماشي والله لأعرفك إزاي تكسر قلبي يا خاين.
نزلت درجات السلالم سريعاً، وجدته يجلس بجوار صهيب ومليكة يتناول قهوته وهو شارد حزين.
وقفت أمامهم وتحدثت غاضبة لما استمعت له قبل قليل.
***
- عايزة أتكلم معاك في موضوع مهم حالاً.
وقف وارتدى نظارته ولم يعطيها اهتمام.
- صهيب هعدي عليك عندي مشوار مهم.
- عايزك في موضوع، عندك اجتماعات النهاردة؟
- لا بس عندي غدا عمل الساعة خمسة كده.
- تمام.
قبل رأس مليكة وابتسم بهدوء.
- يوم عمل ناجح يا ملوكة، الولا حازم هينزل معاكم هو كمان بابا قالي امبارح.
استشاط داخلها من بروده وعدم مبالاته لها.
تحركت واقفة أمامه:
- أنا بكلمك وبقولك عايزة أتكلم معاك.
أمسك سلاحه وفتح يديها.
- خدي كملي مهمة امبارح يا غزل هانم، أنا قولتلك عندي مشوار مش فاضي.
وقف كلاً من مليكة وصهيب وتحركا مغادرين المنزل لعملهما، أما هي أمسكته من ملابسه بعنف.
- مش هتمشي غير لما نتكلم، سمعتني؟
أنزل يديها بهدوء.
- لا ما سمعتش ومش عايز أسمع، عندي أهم منك.
اتسعت حدقتيها شيئاً فشيئاً وصدمة قوية ظهرت على ملامح وجهها.
- هي أهم مني مش كده، أيوة صح أنا اللي هبلة صدقت واحد مخادع زيك.
لم يعلم عن ماذا تتحدث ولكنه أرجعه إلى خيالاتها، تركها ولم يرد عليها، أسرعت خلفه.
- جواد!
أردفت بها بغضب.
وقف أمام سيارته موالياً ظهره.
- قولتلك لما أرجع نتكلم دلوقتي أنا مشغول.
- طلقني يا جواد.
ابتلع غصة مريرة استدار لها ونظر لها باستخفاف لحديثها رغم أنها شقت قلبه، ولكنه وعد نفسه ألا يضعف أمامها مرة أخرى.
- حاضر لما أرجع.
ترنح جسدها وأحست أن ساقيها فقدت القدرة على حملها، فبدأت تقول بشفتين مرتعشتين:
- هطلقني...
اقترب منها بعدما وجد حالتها:
- عايزة مني إيه يا غزل... عايزة تطلقي حاضر هطلقك وأعملك كل اللي إنتي عايزاه...
اتجه لسيارته وبدون حديث آخر تحرك بسرعة جنونية أمامها، مما أدى إلى ارتطام لصوت عجلات السيارة.
وضعت يديها على قلبها وهي تنظر لمغادرته بشرود:
- ليه توجع قلبي يا جواد... ده جزاء حبي.
اتجهت لمنزل حازم حتى تجلس مع ميرنا وليلى.
في فيلا يحيى:
كانت تتفحص هاتفها ولكنها وقفت فجأة وهي تصرخ:
- لا مستحيل أتجوزها.
أتت والدتها سريعًا عندما استمعت لصرخها:
- فيه إيه يا نجلاء...
وجدتها تجلس وتبكي، نظرت لوالدتها:
- جواد اتجوز غزل...
"مستحيل" هذا ما أردف به عاصم بعدما وصل واستمع لحديث أخته.
نظر لهاتفها ووجد الصور والفيديوهات وكلامات ندى، أمسك الهاتف وألقاه في الحائط حتى تهشم بالكامل وبدأ يصرخ، ثم خبط كوب الماء الموضوع على الطاولة فسقط مهشمًا وهدر بصوت مرتفع:
- إزاي اتجوزته بعد ما سمعت كلامه، دي غبية...
جلست منال واضعة رأسها بين يديها:
- شوفوا عملنا إيه علشان نهربها وتبعد عنه وفي الآخر راحت اتجوزته.
دار كالمجنون:
- في حاجة غلط ولازم أعرفها... التسجيل ده من إمتى...
ولكنه وقف فجأة:
- ده بعد ما ساب خطيبته علشان قايل إنه لسه بيحبها...
جذب شعره بعنف وصرخ:
- وبعدين معاك يا ابن الألفي.
في فيلا عزيز والد ندى:
وصل جواد وتحدث للعاملة:
- بلغي عزيز بيه إني عايزه في موضوع مهم...
بعد قليل وصلت هدى والدة ندى:
- إنت جاي هنا ليه لو مفكر علشان تتحايل على بنتي بتكون غلطان... أنا بنتي جالها اللي أحسن منك مليون مرة...
قاطعها بالحديث:
- لا يا مدام أنا جاي أعتذر...
رفعت حاجبها ونظرت له بارتياح:
- برافو عليك إنك عرفت غلطك...
اقترب منها ووقف بمقابلتها ينظر بهدوء مخيف:
- لا أنا إنتِ فهمتي غلط، أنا جاي أعتذر لنفسي علشان فكرت في يوم إني حبيت أو اعتبرت بنتك بني آدمة...
تدخل عزيز بالحوار عندما استمع لحديثه:
- ليه يا ابني كده... ده كنت بقول عليك إنك راجل وابن ناس...
استدار ينظر له بغضب:
- وأنا حصل مني إيه علشان بنتك تفضحني كده قولي... كنت معها بما يرضي الله جت وخيرتني بين شغلي وبينها بحجة إنها مش عايزة تترمل.. في وقت كنت محتاجها توقف جنبي وتقولي كله هيعدي.. بنتك دبحتني وفضحتني بمراتي.
ضيق عينيه متسائلًا:
- إنت اتجوزت يا جواد؟
- أيوه يا بابا وتخيل أتجوز مين الباشا... حتة العيلة اللي مربيها...
أسرع إليها في خطوة كالعاصفة التي تهدم كل ما يقابلها:
- عارفة إنتِ لو راجل وحياة ربي لكنت دفنتك حية.
"جواد" أنت جاي تهدد بنتي في بيتي؟
- لا جاي أقولك ربي بنتك وعرفها اللي عملته مش هسكت عليه وهعرف أخد حقي كويس منها... أصلها طلعت غبية.. تعرفي يا حضرة المذيعة المحترمة حتى الصور لو حقيقية دي مراتي يعني إنتِ المتضررة... وريني هتعملي إيه لما أرفع عليكي قضية رد شرف وسب وقذف...
وقف والدها مذهولًا، استدار ينظر لابنته:
- عملتي إيه يا ندى؟
- أيوه قولي لباباكي يا محترمة إزاي ركبتي صور شاذة زي عقلك المريض لمراتي وطلعتي فضحتها على أساس إنك إنسانة سوية....
أمسكه عزيز من يديه:
- أنا لحد دلوقتي عاذرك وعارف إنك مستحيل تغلط إلا إذا الموضوع كبير... لكن راعي إن دي بنتي.
نظر له بتعمق:
- ماهي بنتك قدامك اسألها.
صرخت بوجهه:
- كنت مستني مني إيه وإنت بتخوني مع حتة عيلة وتضحك عليا.
- اخرسي يا ندى وبطلي تقذفي الناس بكلامك اللي هعرف أحاسبك عليه.
شوف بنتك معملتش اعتبار للعيش والملح لا بكل جبروت اتهمتني في شرفي... وأنا معنديش أغلى من شرفي يا عزيز بيه وشرفي ده متمثل في مراتي.
قالها وتحرك مغادرًا ولكنه وقف أمام باب المنزل:
- نسيت أقولك العيلة اللي بتقولي عليها عرفت تعلم جوايا حاجات إنتِ معرفتيش عنها حاجة... واه تعرفي أنا متجوزها من إمتى؟ تاني يوم ما سبتك... يعني حتى ما زعلتش عليك...
قالها وهو ينظر لها بسخرية ثم تحرك مغادرًا للشركة.
***
بعد قليل وصل للشركة... دخل لنهى:
- ممكن أتكلم معاكي شوية؟
وقفت واتجهت له:
- طبعًا حضرتك بتسأل...
حاول تمالك أعصابه والسيطرة على غضبه:
- إيه اللي حصل إمبارح؟
قصت له كل ما صار... تنفس بتثاقل عندما علم كم تألمت صغيرته مما رأت بالأمس.
أمسك مقدمة رأسه بيد واحدة عندما شعر بألم يفتك به:
- يعني عاصم هو اللي وصلها الفيديو..
دخل صهيب ونظر لكلاهما:
- فيه إيه يا جواد...
مسح وجهه براحتيه.. وقف مغادرًا.
"نهى" أردف بها صهيب بهدوء... رفعت نظرها إليه:
- عاملة إيه دلوقتي؟
ابتسمت بهدوء:
- الحمد لله شكرًا لحضرتك.
- أنا ما رضيتش أتكلم معاكي في حاجة.. مين اللي كان هنا.. وعايز منك إيه؟
وقف وتغضن جبينها بعبوس وأردفت متسائلة:
- ويا ترى ده لازم تعرفه حضرتك؟
اقترفت شفتاه بسمة عذبة وجلس بمقابلة وقوفها:
- ما اقصدش أبدًا اللي وصلك من تفكير... أنا قصدي حالتك ماكنتش طبيعية بعد ما مشي ونظراتك له...
قاطعته:
- فهمت حضرتك بتتكلم على إيه يا بشمهندس آسفة دي حياتي وما باحبش أشارك حد فيها مهما كان.. وحضرتك ما فيش أي صلة بينا مش كده ولا إيه؟
جحظت عيناه وذهل من ردها واحتقن وجهه بدماء الحرج:
- آسف.
أردف بها وخرج سريعًا عندما شعر إنه تمادى في الحديث... صعد إلى أعلى مبنى الشركة.. خطى بخطوات هزيلة ووقف وأخذ نفسًا عميقًا وطرده بهدوء عندما شعر باختناقه... نظر للسماء فاليوم أولى أيام شهر الخريف المتقلب التي أصبحت قلوب العاشقين المتألمة كورقة خريف ساقطة لا معنى للحياة لها.
نظر وذهب بذكرياته إلى معشوقته الراحلة.
وقف أمام منزلها... نزلت درجات السلالم تتهادى بخطواتها متوجهة إليه... نظر لطلتها الخاطفة لأنفاسه وصلت لعنده وقبلته على خديه:
- مساء الحب على زوجي المستقبلي.
ضمها لأحضانه ورفع ذقنها:
- مساء العشق على زوجتي الحاضرة والمستقبلية وجنتي في الدنيا والآخرة.
تقابلت عيونهما في تناغم موسيقي للعاشقين... وضع جبينه فوق جبينها متنسما أنفاسها الدافئة:
- باحبك قوي يا جنتي...
وضعت يديها على جانب وجهه:
- صهيب.
أردفت بها بهدوء محبب لقلبه.
نظر لداخل صفاء عيونها البنية:
- حياتي إنتِ يا جنتي...
حاولت التملص منه عندما اقترب لشفتيها:
- صهيب إحنا في الشارع مينفعش كده.
داعب أنفها بأنفه ثم أمسك.
ك يديها مقبلاً لها.
وتحرك باتجاه سيارته.
- تحبي تروحي فين؟ أي مكان تحت أمر جميلة الجميلات.
وضعت رأسها على كتفه وأردفت بحب:
أي مكان يا حبيبي معاك مش هتفرق.
ولكنها رفعت رأسها واضعة ذقنها على كتفه:
نفسي أروح إسكندرية وأركب يخت وألف البحر.
نزل لمستوى كرزيتها يتذوقها بلوعة حبيب، رفع رأسه ينظر لعيناها المغلقة.
لازم أمشي حالًا قبل ما أتمسك في وضع فاضح.
وضعت رأسها في حضنها تتمسح به:
حبيبي إمشي من فضلك وأنا كمان فاضلي تكة.
قهقه عليها بصوت مرتفع.
وأنا اللي كنت فاكرك مؤدبة.
لكمته في جنبه:
والله أنت رخم وفصيل، يخربيت فصلانك.
رفعت حاجبها:
من عاشر القوم يا قلبي، ده أنت ماشي تحبني على نفسك.
جذبها بقوة حتى أصبحت بأحضانه.
- بطلي كلام أصل وحياة الشيخ البسيوني آخدك وأطلع على شقتي في المهندسين وقابليني لو حد رحمك.
رفعت رأسها ونظرت داخل عيونه:
بحبك على فكرة وهفضل أقولها طول عمري، وهعلم ولادنا إزاي بيكون الحب، وهعرفهم قد إيه أبوهم علمني الحب لحد ما كبر وبقى عشق.
فتح زر قميصه بعدما فك رابطة عنقه.
- والله يا بنت بسيوني شكلك ما هتجيبيها لبر الليلة، استهدي بالله يا جنى باقي شهر على فرحنا، خليني مؤدب يا بنتي أنا بحاول أوريكي أدبي بلاش تشوفي التاني.
ضحكت عليه:
طيب يلا هنروح فين؟
- إسكندرية.
قالها وهو يرسل لها قُبلة في الهواء:
دلوقتي يا مجنون الساعة ستة؟
حبيبي يؤمر بس.
احتضنت ذراعه وألقت برأسها على كتفه بعدما قبلته على خده.
*****
قام الاتصال بجواد.
- جواد أنا هسافر إسكندرية وهبات هناك.
وقف كالملسوع.
- دلوقتي إسكندرية يا صهيب أنت مجنون يا ابني.
نظر لمتيمته.
- أيوه لازم أروح النهاردة، هقفل وأشوفك بكرة حبيبي باي باي.
رفعت نفسها:
حبيبي اللي مالي مركزه وهو بيدي قرارات.
رفع حاجبه متزامنًا مع شفتيه العلوية.
- عارف بتتريقي، كان لازم أعرفه علشان ميقلقش، جواد على قد ما فيش غير سنتين بينا لكن بحسه أبويا مش أخويا، يعني تقدري تقولي توأم روحي وتالتنا حازم بس حازم سافر فجأة في ظروف غامضة، لازم أبحث وأتناقش مع السادة المحامين ونعرف سبب هجره إيه، هيجي يوم أكيد وتتعرفي عليه.
نظرت له بحب وتحدثت:
- إن شاء الله يا حبيبي أكيد هيكون راجل زي حبيبي.
- لا كده كتير عليا والله.
قاطعهم اتصال جنى:
أيوه يا بوسي.
- لا يا قلبي صهيب واخدني إسكندرية تقولي إيه مجنون.
ضيقت عيناها وأردفت متسائلة:
- مالك يا بوسي صوتك متغير ليه؟
ما أعرفش لسه هنروح فين بس إحنا على الصحراوي بعد القاهرة بنصف ساعة، تمام هطمنك وقت ما نوصل.
توجهت بنظرها لصهيب.
- ما تشغلنا ميوزك يا حبيبي، استنى أشوف حاجة كده لعمرو دياب.
قامت بتشغيل الكاسيت:
بحبك وبحبك وبحبك لو قصادي ده وده هحبك، لو يعيد وعمري برضه أحبك وهحبك أضعاف.
ظلت تردد مع الأغنية وهي سعيدة وتنظر بسعادة للذي يجلس بجوارها، رفعت نظارته وأخذتها وظلت تدندن، فجأة.
قاطعت سيارة طريقهم بها بعض المسلحين، وقفت أمام السيارة في لحظة.
فتح هاتفه عندما علم هويتهم.
وأرسل فويس:
"جواد أنا محاصر على الصحراوي".
ثم أغلق الهاتف سريعًا.
نظر لجنى التي انكمشت وضمته برعب.
- حبيبتي ممكن تهدي ومهما يحصل إياكِ تخرجي من السيارة يا جنى سمعاني؟
نظر في ساعة يديه وهو محاصر والطرق فوق سيارته المفخخة الذي أمنه بها جواد بعد انتهاء القضية التي سقط بها الكثير من كبار رجال الأعمال، حاول يغير مسار السيارة ولكنه محاصر، استمع لرنين هاتفه بعد لحظات من إرساله الرسالة.
- خليك واقف ما تتحركش وإياك تفتح العربية وتنزل سامعني يا صهيب؟ إياك تغامر أنا وجاسر على الطريق قدامنا ربع ساعة ونكون عندك.
صرخت جنى عندما قاموا بإطلاق طلقات نارية عليهما، صرخ جواد في صهيب:
- صهيب ما تخرجش من العربية سامعني.
ظل يتحدث والوضع صار أخطر مما توقع حيث وقف رجل بقناع أمامه ووجه سلاحه لجنى، وتحدث:
لو ما خرجتش هموت الأمورة.
ارتجفت أوصاله وبدأ الرعب يتسلل لقلبه، ضمها لأحضانه.
- أنا هنزل أشوفهم عايزين إيه، إياكِ تخرجي سمعاني يا جنى؟ إياكِ حتى لو موتوني.
قبل جبهتها:
لازم أحميكِ.
جواد على الطريق.
جذبت يديه بقوة.
- لا يا صهيب علشان خاطري لو بتحبني ما تخرجش.
ظلوا يطرقوا بقوة فوق الباب الذي باتجاه جنى، أخرج الرجل سلاحه ووجه على جنى التي صرخت عندما كسر بعض الزجاج اتجاهها، دفعها صهيب وخرج لهم.
- أنتم مين وعايزين إيه؟
- روحك.
هذا ما أردف به الرجل:
لازم نخلص عليك علشان يكون أخوك عبرة لمن يعتبر.
رفع صهيب سلاحه اتجاه الرجل الذي أمسكه.
هتتحرك هموته.
أردف بها عندما وجده متجهًا لجنى.
رفع الرجل سلاحه اتجاه الذي يمسكه صهيب وأطلق عليه رصاصته، وقع قتيلًا في الحال، اقترب الرجل من صهيب ونظر بسخرية للذي يغرق بدمه:
الدور على مين؟ عليك ولا على الأمورة اللي عاملة فيها محامية وما أخدتش تهديدنا على محل الجد.
أمسكه صهيب من تلابيبه والشرر يتطاير من مقلتيه قائلًا:
- قرب منها وأنا أفعصك تحت رجلي.
قام أحدهما بضربة على ظهره عندما حاول التوجه لسيارته، صرخت جنى باسمه بعدما فتحوا السيارة.
بدأت تلكمه في ظهره وتسبه، وقف الرجل أمام صهيب:
وريني يا حضرة البشمهندس هتعمل إيه وإحنا بنستمتع بجمال الحلوة مراتك.
بدأ يهجم على الرجل كأسد مفترس، هجم الرجال يربحونه ضربًا حتى غرق بدمائه، صرخت جنى بأعلى صوتها عليه، صفعها الرجل بكل قوة وجردها من ملابسها أمام صهيب الذي يكاد يفتح عينيه، وقف يترنح متجهًا لها ولكن.
رفع الرجل سلاحه باتجاه وصوب رصاصته التي استقرت بصدره، ثم جذبها.
- بقى أنتِ يا حقيرة ترفعي قضية على أسيادك.
وصل جواد وجاسر وبعض القوة في ذلك الوقت وتبادل إطلاق النار، أسرع جواد اتجاه جنى التي لا يسترها سوى ملابسها الداخلية وقام بخلع قميصه ووضعه على أكتافها، وضمها:
جنى اهدي، فين صهيب؟
ظلت تصرخ وجسدها يرتجف.
موتوه يا جواد.
ثم أشارت خلف سيارته وجسدها يرتعش.
انتفض قلبه وصاعقة هوت عليها وشعر أن الأرض تميد به، نظر لها وعينيه تغشاها الدموع، نظر بتيه لها.
أخويا فين يا جنى ما شفته.
صرخ جاسر:
إلحق يا جواد صهيب.
أسرع بها اركبها السيارة بعدما ضم وجهها بين راحتيه:
خليكِ هنا هشوف صهيب، جاسر واخده لازم أطمن عليه.
رفعت رأسه عندما شهقت شهقة.
ورأى أحدهما يضع سلاحه على رأس جواد.
نزل سلاحك إحنا خلاص خلصنا مهمتنا ما كناش نعرف أسد الغابة هيجي، برافو يا ابن الألفي لا الصراحة مش عارف أشكر الظروف ولا أشكر بثينة هانم اللي وقعت لنا، الملك تحت رجلينا.
نظر جواد بتشتت ورأسه تعمل في كل الاتجاهات:
بثينة!
*****
وجه نظره لجنى التي ترتعش ولا يعرف ما الذي يجب فعله، في غضون ثواني استدار له وبعض رجال العصابة.
إحنا محاصرين يا محروس.
استدار للرجل أثناء ذلك انقض عليه جواد كالثور الهائج وقامت معركة دامية كانت الغلبة بها لرجال الشرطة النجباء.
خرج صهيب من ذكرياته على رنين هاتفه من حازم.
- أيوه يا حازم جيم تمام دقايق وهقابلك.
بعد نصف ساعة توجهت مليكة لمكتب حازم.
وقفت أمام السكرتيرة.
- البشمهندس عنده حد جوه؟
وقفت السكرتيرة ترحب بها باحترام.
- أهلًا بحضرتك يا بشمهندسة، ثم استرسلت حديثها: لا البشمهندس عنده اجتماع مع البشمهندس صهيب وحسين بيه مع الشركة الإيطالية.
- تمام هستناه في مكتبه، ممكن فنجان قهوة مظبوطة؟
- طبعًا حضرتك تؤمري.
خطت بهدوء للداخل، تنظر للمكتب بإعجاب فمكتبه راقي، منظم كعادته، تحركت متجهة لمكتبه وبعض أوراقه الموضوعة بجانب جهازه المحمول، أخذها الفضول لفتحه عندما تذكرت حديثه بالأمس: "أنا عملت تصميم مبدئي، عايزك بكرة تشوفيه في المكتب لما تفضي".
فتحت اللاب وإذا بصاعقة تضرب جسدها.
هوت جالسة على مقعده وهي تنظر لصورها الموجودة على اللاب ويكتب تحت كل صورة: "ومالعشق لسواكي غير الموت... وهناك الأخرى أحببتك وليت حبك يشفع لي".
والأخرى: "أكاد أذوب عشقًا لكِ، ثم أناجي ربي ليأخذ روحي ولا أرى أحد سواكي ينقش نبضات قلبي" وأخرى "يا فاتنتي لمتى أُجزى على بعدك وما لبعدك إلا هلاكي". خواطر حازم الألفي.
ارتجف قلبها وشعرت بنبضاته السريعة كأنها تحارب أعداء كثر، لامست صورته التي توضع على مكتبه وهوت دمعة من عينيها عندما تذكرت حديثها الأخير قبل سفره بيوم: "أنا ما يهمنيش تسافر ولا تقعد يا حازم، وجودك زي عدمه، أنتَ ولا حاجة في حياتي". ذهبت لذكرى أخرى.
خرجت للحديقة تصيح بأعلى صوتها: "زومي مبروك يا بشمهندس الأول على دفعتك، عقبالي ادعيلي أجيب مجموع الهندسة علشان أبقى زيك".
نصب عوده الفارغ متجهًا لها وينظر لها بنظرة العاشق.
- يا ترى حبيبي عايز يدخل هندسة ليه؟
نظرت للأرض وتوردت خدودها.
- خلاص بقى يا حازم، ما تبقاش غلس وترخم عليا.
رفع ذقنها ونظر لجمال عيونها السوداء التي تشبه عيون الغزال.
- أنا هكلم عمي النهاردة بما إني اتخرجت، ثم استكمل حديثه: مليكة أنتِ موافقة تكوني نصي التاني ومهجة قلبي ونبني عش صغير ليا وليك وتكوني مليكة الحازم؟
توجهت بنظرها إليه وابتسامة أنارت ثغرها كما أنارت يومه.
- أكيد مش هلاقي أحسن منك يا ابن عمي.
ضم يديها بين راحته ثم قبَّلها.
- ووعد مني يا بنت عمي لأخليكي ملكة قلبي وحياتي كلها.
حمحم جواد الذي دخل عليهما.
- إيه يا أخويا أنتَ وهي أجيب اثنين ليمون؟ ما تحترم نفسك أنتَ وهي، ده أنا لو تبع بوليس الآداب كان زمان معمولكوا ملفات تهذيب في القسم.
قهقه حازم عليه ثم رفع حاجبه متزامنًا مع شفتيه وتحدث قائلًا: "اللي غيران مننا يعمل زينا مش كده يا ملاكي؟" قالها ضامًا أكتافها برعاية.
رفع جواد حاجبه.
- ما تحترم نفسك يا بغل، أخوها الكبير واقف وأنتِ يا هبلة ده بيضحك عليكي، ما شوفتيش رسايل الحب والغرام من البنات.
لكمه حازم في بطنه.
- اسكت يالا، ملاكي دي هتفضل ملكي لوحدي وملكش حكم عليها.
خرجت من ذكرياتها عندما دخلت السكرتيرة بقهوتها.
تنهدت بحزن وآه خفيضة محملة بحزن ووجع وأردفت قائلة: "يا ترى يا حازم إيه الحكاية وإيه اللي سمعته ده؟ طيب لو صحيح ليه الصور دي موجودة؟"
وضعت رأسها بين أيديها عندما شعرت بصداع يفتك برأسها عندما لاحت ذكرياتها لعقلها.
أخذت فنجانها وجلست مكانه ورائحته العبقة بالمكان كأنه يحتضنها، أغمضت عينيها من صداعها الذي يداومها ومن رائحته التي بدأت تستنشقها باستمتاع.
فتح الباب وهو يضحك لصهيب ويناغشه كعادته، انتفض قلبه من مكانه وباتت دقاته في الارتفاع، ونيران عشقه الجارف لم تخمد بل تتزايد عندما رآها بهذه الطلة التي خطفته، مغلقة العينين مبتسمة وكأنها ملاك يسبح في ملكوت الله.
خطى للداخل بهدوء وهي لا تشعر، هي فعلت عالمًا لحالها تسبح بخيالها به مما جعلها لم تشعر به، جلس أمامها على مكتبه، يشبع قلبه قبل نظره من جمالها الذي يخطفه في كل وقت وحين.
- "مليكة". أردف بها بصوت هادئ رزين مبحوح بكم المشاعر التي بدأت في عصيانها لتخرج علنًا أمامها.
فتحت عينيها سريعًا.
شهقة خافتة انفلتت منها عندما وجدته بهيئته هذه أمامها وبقربه الذي لأول مرة يكون به عندما رجع.
- آسفة يا حازم استولت على مكتبك وقعدت مكانك.
حاول تمالك نفسه، رد عليها بلوم واستنكار.
- إيه اللي بتقوليه ده؟ المكتب وصاحب المكتب تحت أمرك طبعًا.
سكنت لثواني تتأمل قسمات وجهه التي لم تلاحظها منذ رجوعه فقد فقد بعض الوزن، لحيته النابتة التي أعطته جاذبية أكثر، عيونه التي تشبه عيون غزل كثيرًا ووالدته.
نظر لنظراتها المشتتة وأردف بهدوء مبعدًا ناظريه عنها.
- مالك بتبصيلي كده ليه، فيه حاجة ولا إيه؟
- أنتَ ليه ما اتجوزتش البنت اللي كنت واعدها يا حازم؟
ضيق عينيه ولا يعلم عن ماذا تتحدث، قاطعهم دخول صهيب.
- غزل دي هتموتني بسكتة قلبية، ماما لسه مكلماني وعاملة حريقة ومصرة تروح تقعد في بيتهم لوحدها.
ولكنه وقف عن الحديث عندما وجد صمتهم.
في فيلا يحيى.
دخل كالأسد الجائع، يحيى بدأ يصيح بها، خرج عاصم والشرر يتطاير من عينيه.
وقف جواد أمامه كأسد الغابة، ينظر له بمقت واشمئزاز، رفع سبابته.
- حذرتك كتير وأنتَ ما أخدتش تهديدي في الاعتبار، تلقى وعدك مني يالا أنا جبت آخري منك لكن لحد كده واكتفيت، توصل لمراتي يبقى حفرت قبرك بإيدك.
استشاط داخل عاصم من طريقته المستفزة لرجولته وأردف ببرود.
- هتعمل إيه يا ابن الألفي وريني آخرك؟ ده أنتَ مفضوح في القنوات وعلى السوشيال ميديا كلها.
استدار عاصم حوله وهو يستفزه: "يا ترى كنت بتعمل إيه مع عيلة طول السنين دي ويا ترى هي اللي لبت لرجولتك احتياجاتك علشان كده رافض الجواز... ما هو ما خفي كان أعظم ويمكن اتجوزتها علشان تداري فضيحة عملتها معها بس إيه جواز في السر أهو مسكينة محدش يعرف من جهة ومن جهة تانية أحقق رغباتي".
لم يكمل حديثه عندما انقض عليه جواد وقام بخنقه كاد أن يموت بيديه لولا دخول يحيى وأفراد أمنه عندما صرخ بجواد، هاج جواد عليه.
- ورحمة جاسر ما أنا سايبك، أقسم برب العزة يا عاصم أنتَ ويحيى لتكون آخرتكم سودة على إيدي.
ثم توجه ليحيى والشرر يخرج من مقلتيه ثم رفع سبابته.
- أقسم بربي لأطلع الجديد والقديم وما أكونش ابن الألفي اللي ما خليتك تترحم على عمره.
اقترب منه حتى لم يصبح بينهما سوى أنفاسهما الغاضبة وأردف بصوت مميت: "أنتَ وابنك حفرتوا قبركم، عند مراتي اللي هي بنت أخوك وأهد معبدك أنتَ والعتال وناجي والكل كليلة... آه قبل ما أنسى فيديوهاتك الوسخة كلها عندي".
ثم خرج كالعاصفة، وقف يحيى ينظر لخروجه بصدمة.
- الواد ده بيقول إيه يا بابا مش فاهم؟
- عاصم، الولد ده لازم يموت النهاردة قبل بكرة، كده تخطيطنا كله ضاع، كنا بنقول هنقتل غزل ونورثها بما ما فيش ورثة، لكن الواد ده طلع لحمه مر وطلع متجوزها، لازم نتخلص منه قبلها طول ما هو عايش مش هنوصلها.
وصل جواد بعد عدة ساعات.
قابلته والدته.
- بابا عامل إيه يا ماما النهاردة؟
- باباك سافر الفيوم يا حبيبي، قال قدامه أسبوع لما يخلصوا المستشفى اللي بنيناها على روح ماجد وجاسر.
مسح وجهه بعنف ولم يراعي جرحه.
- تمام يا ماما، غزل فوق؟
ولته ظهرها.
- هو صهيب ما كلمكش؟
ضيق عينيه مستفسرًا.
- أنا كنت عنده من ساعتين كده، ليه فيه حاجة؟
فركت يديها وتحدثت سريعًا:
غزل نقلت بيتها، وحياتي عندك يا جواد ماتقسى عليها، أنا امبارح قسيت عليها وجرحتها ومن ساعتها وأنا زعلانة من نفسي يا ابني، علشان كده خليك حنين معها... هي هبلة ومكنتش تقصد تضرك بالنار ولا حتى تطلب الطلاق... باباك حكالي هي معذورة يا حبيبي.
قبل رأسها:
تمام يا ماما... أنا هروحلها.
تحرك مغادرًا. نادته:
جواد وحياتي يا ابني ماتقسى عليها.
تنهد بحزن:
خلاص يا ماما... عارف هعمل إيه.
كانت تجلس بمكانها المعتاد بغرفتها بوجه يكسوه الحزن وتبدو كأنها فاقدة لروحها كلما تذكرت حديثه عن زواجه بها... وإنه ذهب إليها وتركها. استمعت لخطوات بالخارج اعتقدت العمالة ولكنها تفاجأت به وهو يفتح الغرفة ويطل من خلف بابها كالقمر الذي ينير حياتها العتمة... ولكنها تشعر بعتمتها معه اليوم... جلس جوارها.
ملس على شعرها بحنان، ضامًا خصرها، واضعًا رأسه في عنقها:
أنا مش زعلان منك على فكرة... عايزك تعرفي اللي سمعتيه ده من زمان قوي، من قبل ما أعرف إني بحبك... كنت مفكر حبي وارتباطي بيكي ماهو إلا أخوة زيك زي مليكة... لحد ما جيتي وقلتي إنك بتحبي واحد... أنا اتجننت حسيت بنار في قلبي.
رفع رأسه ناظرًا لعيونها بعدما أدارها لوجهه:
مقدرتش أقاوم حبك... عشقت حتى نفسك، كنت بغرق في حبك وأنا مش حاسس.
وقفت عاقدة ذراعيها فوق بعضهما:
عارفة الكلام ده كله.
تنهد بحزن وحاول تمالك أعصابه حتى لا يغضبها:
جيتي هنا ليه ومن غير إذني... أنتِ عارفة الست اللي تخرج من بيت جوزها من غير إذنه بيعمل فيها إيه.
وقفت وصرخت بوجهه:
أنت مش جوزي سامعني وهطلق منك علشان أصحح غلطتي بجوازك وأعيش حرة من غير تحكماتك المقرفة دي.
كلماتها مازالت تصعقه كالكهرباء، مازالت تذبحه بدون رحمة.
زفر بغضب وحاول السيطرة على أعصابه:
كنتي عايزاني ليه يا غزل؟ موضوع إيه؟
نزلت بجسدها إليه وتحدثت ضاغطة عليه بكل جبروت حتى شقت قلبه لنصفين:
عايزة أتخلص منك يا جواد قربك مني بيموتني... بقيت أكره شفايفي اللي لمستها، أتمنيت أتجوز سامح ولا عاصم ولا أكون مراتك.
هنا فقد أعصابه بالكامل، جذبها بقوة من خصرها حتى أصبحت بأحضانه ونظر لها نظرة لم ترها قبل ذلك. ضم شعرها يستنشقه وهي تحاول التملص منه:
هخليكي إزاي تعرفي تجيبي سيرة راجل تاني.
عايزك تكرهي جسمك كله يا غزل لما ألمسه كله وريني هتعملي إيه.
انقض على ثغرها بقوة لأول مرة بكل غضب داخله... قلبه ينزف بشدة من كلماتها، ظل يقبلها بقوة مما تذوق دمائها... وبيد واحدة قام بتمزيق كنزتها الحريرية التي ترتديها ونزل بشفتيه يصك ملكيته بقوة تاركًا علاماته وهي تحاول أن تتملص من تحته... ولكنه لا يرى أمامه ولا يسمع غير صوتها "بكره كل حاجة لمستها" ظل على حالته وكأنه تحول لشيطان يتخلص من مؤمن يقضي يومه أذكار وليله صلاة.
رواية تمرد عاشق الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سيلا وليد
للقلب مشاعر يرفضها العقل، وللعقل شروط يكرهها القلب. ضعيف هو من قلبه غلب عقله، وجبار هو من عقله دهس قلبه. ما أشقى القلب حينما يتغلب عليه العقل؟! ما أضعف العقل حينما يتغلب عليه القلب؟! ويبقى الصراع بينهما أزليًا، ونبقى نحن في حيرة من أمرنا. الجميع يسأل: ماذا أفعل، هل نترك العقل يختار أم القلب؟ أم كليهما؟ والإجابة: اتبع قلبك لكن خذ عقلك معك.
وتعلمين كم أتمنى أن أحيا معكِ حياة أبدية لم يرها سوانا، حياة مغلقة على كلانا كالقلب الذي يغلق عليه الجسد، لنروي بعضنا البعض بالعشق الدفين.
كانت كلماتها كجمرات مشتعلة على قلبه، ظل يعاقبها بقبلاته العنيفة، ولكنه فجأة توقف عما يفعله عندما تحدثت بصوت باكٍ ممزق:
"جواد متخلنيش أكرهك، وحياتي عندك ما تكرهنيش فيك، جواد فوق أنا آسفة."
هب سريعًا، التفت بنظره على حالتها لتنخر عظامه ألمًا وصاعقة وتذلذل كيانه المبعثر وارتجافة شفتيه وجمود عينيه. هوى جالسًا على الأرض، انسدلت دمعة من عينيه وبدأ يمسح على وجهه بعنف يكاد يمزق جلده.
كان جسدها يرتجف، صوبت أنظارها له، ورغم ما تشعر به إلا أنها أصابها الهلع من حالته التي وصل إليها.
أشفقت عليه كثيرًا وأعطته كل الحق فيما فعله بها بعدما شعر بألم قلبه. وقفت بساقين مرتعشتين وجلست أمامه، بسطت يديها لتضعها على وجهه وهي ما تزال على وضعها بملابسها الممزقة ولكنه أدار بوجهه للجانب الآخر:
"ابعدي عني ما تلمسنيش."
"جواد." أردفت بها بتقطع.
أغمض عينيه وسحب نفسًا عميقًا وكأنه يملأ صدره ورئتيه بالهواء فهو يشعر بالاختناق. اهتزت نظراته أمامها، وتحدث بهدوء:
"هعملك اللي أنتِ عايزاه، عايزة تطلقي؟ حاضر هطلقك يا غزل. فيه حاجة كمان، أنا آسف، كنت حاسس إن دا اللي هيحصل."
ضرب على صدره بقوة:
"عرفتي ليه دلوقتي كنت بكدبك وبتمرد على قلبي، علشان اللحظة دي؟"
"علشان كدا كنت بكدبك وببعد وبضحك على نفسي. أيوه إحنا مينفعش نكون لبعض. شوفي أنتِ عملتي إيه من غير حتى ما تسأليني إيه اللي حصل."
نظر لها بعيون باكية:
"لا أنتِ تنفعيني ولا أنا أنفعك."
ثم استطرد حديثه:
"أنتِ جميلة أوي لازم تتجوزي اللي يقدر يفهمك وتفهميه وتكونوا بنفس المستوى."
تنهد بضيق:
"صدقيني أنا ما ضحكتش عليكي ولا غدرت. أنتِ صغيرة كتير عليا غير إني ما أستاهلكيش. أنا عصبي وممكن أأذيكي، شوفتي عملت إيه من شوية؟ أنا ما جوزتكيش علشان وصية جاسر أبدًا. أنا اتجوزتك علشان لما حسيت دا مش قادر على بعدك." أردف بها وهو يشير على قلبه.
اقتربت منه وجلست أمام ساقيه، ضمت وجهه بين راحتيها:
"أنا آسفة يا جواد بجد آسفة."
أزاح يديها بهدوء ناظرًا بعمق لعينيه:
"ما تتأسفيش أنتِ ما غلطتيش، الغلط عندي أنا اللي ضعفت ومشاعري اتحركتلك. أنا كبير ما فيه الكفاية يا غزل. أنتِ ما لكيش ذنب. أنا دلوقتي اتأكدت إني كنت صح في الأول. بكرة هتشوفي الأحسن مني، عايزك تفهمي أنا كنت مجرد محطة مبدئية في حياتك."
رفع ذقنها ناظرًا:
"بكرة هتلاقي الحب الحقيقي. أنتِ النهاردة أثبتيلي إنك ما تنفعنيش. أنا اللي آسف ما عرفتش أحتويكي صح. أنا لما اتجوزتك كنت مقرر إني أفضل مخبي مشاعري لحد ما أوصلك لبر الأمان، بس ما عرفش إيه اللي حصل وخلاني ضعيف بالشكل دا. أنا للأسف اتكسرت وقلبي اللي كسرني."
بكت بنشيج أمامه:
"ما تقولش كدا يا جود لو سمحت، عمرك ما هتتكسر حبيبي، أنا آسفة عيلة وغلطت."
"فعلًا عيلة وغلطت، لكن غلطها مش غلطة عادية. أنتِ مش عيلة أنتِ كبيرة وواعية ما فيه الكفاية."
ضمها لحضنه مملسًا على شعرها:
"للأسف يا غزل أنتِ كسرتيني وبالجامد أوي. رميتي ودانك لعاصم وجيتي بكل جبروت دوستي عليا. ما حاولتيش حتى تديني أعذار ورغم ذلك عذرتك."
هبت واقفة:
"أنا اللي غلطانة علشان كل مرة أسألك اتجوزتني بسرعة ليه تقولي علشان بحبك وأتفاجأ إنك اتجوزتني واجب علشان جاسر عارف إني بحبك، علشان مش عايز يكسر قلبي، لكن ما فكرش إنه كدا كسرني يا جواد، كسرني جدًا."
جذبها بعنف حتى أصبحت في أحضانه وتوهجت عيناه بالغضب:
"هو أنتِ ليه هتفضلي تشكي في حبي ليكي؟ تمام أنا ما بحبتكيش، وخليكي مريضة بأفكارك دي."
جحظت عيناها:
"أنا مريضة يا جواد؟ بعد ما كسرتني؟"
"اتكسرتي في إيه؟ ردي قولي إيه اللي كسرك؟ قولتلك بحبك وبموت فيكي. أنتِ عملتي إيه؟ رحتي دوستي واديتي الحق لشوية كلاب ينهشوا فيا."
"تعرفي عاصم قالي إيه؟ إني كنت بشبع رغباتي بيكي طول الوقت دا على أساس إنك عيلة. وتعرفي ندى عملت إيه؟ نزلت صورنا مع بعض وفضحتني بحجة إني كنت خاطبها علشان أداري علاقتي بيكي. ولا شهيناز اللي عاملة عقود عرفي بينها وبين جاسر بحجة إنه كان على علاقة بيها وأنا عارف ومسكتني علشان شافتني معاكي بوضع مخل وعاملين فيديوهات وحاطين صورنا وكاتبين تحت صوري: الضابط الذي راودته طفلة. عمال أحارب في كل الجهات وحضرتك جاية بكل بجاحة تقوليلي أنا بكره لمستك واتمنيت غيرك."
صرخ بصوته كالمجنون وبدأ يحطم الغرفة.
"كنت عايزاني أعمل إيه وأنا مضغوط عليا من كل الجهات؟ فكرتك عاقلة لا دوستي لحد ما بقيت ضايع تايه بضرب في كل الجهات."
نظر لها بغضب:
"هطلقك وحياة ربي لأطلقك خلاص من اللحظة دي هدوس على قلبي دا وأفعصه بجزمتي."
رفع سبابته:
"بس طلاق دلوقتي إنسي لحد ما تكملي تعليمك دا آخر كلام عندي. وزي ما أنتِ أقنعتي نفسك إني اتجوزتك علشان وصية، خليها دايما في دماغك. اتجوزتك علشان وصية سمعاني؟" أردف بها بقوة.
بكت بحرقة قلب موجوع ونظرت بعينين جامدتين:
"هتطلقني وتسبني يا جواد؟"
"لا." أردف بها بهدوء.
"علاقتنا هتفضل زي ما هي أنا أخوكي الكبير، وهفضل في ضهرك مهما يحصل ممنوع أخلي حد يقربلك. سمعاني وإياكي تقربي مني تاني إنسي كل كلمة قولتها كأنك فاقدة الذاكرة. روحي البسي حاجة بدل ما أنتِ واقفة كدا."
وقفت مذهولة من حديثه وجبروته. اتجهت إليه وبدأت تلكمه:
"أنا مراتك سامعني مش الجارية بتاعتك، تؤمر فيها، وغصب عنك."
"أنت مفكر نفسك مين علشان تقول كدا؟ البس حاجة قصدك استري نفسك، زي ما عريتني؟"
نزلت الكلمة عليه زلزلت كيانه:
"تستري نفسك مني يا غزل؟ أنا عريتك؟ دا أنا سترك، دا أنا أسترك برموشي."
لكمته بكل قوة لديها، شعرت بإنهيارها التام بعد حديثه:
"أومال مين اللي عمل كدا وكان عايز ينهش في لحمي؟"
طعنته بحديثها، شعر بوخزة بصدره، وجف حلقه.
وقف ليغادر، أسرعت إليه ودموعها تندسل كشلال. أمسكت يديه:
"جواد رايح فين؟"
استدار إليها بنظرة غاضبة:
"ماشي عايزة إيه؟ همشي بدل ما أرجع أنهش في لحمك تاني يا مراتى الحلوة. من اللحظة دي ما عدتيش تعنيني وعايزك كمان ترجعي لأربع شهور ورا وتمشي على أساسهم كأن الأربع شهور دول ممسوحين من الذاكرة. إحنا اتفقنا خلاص وإياكي تغلطي بعد كدا والحمد لله ما أعلناش جوازنا. بس لسه فيه حاجة، تروحي تقعدي عند حازم لحد ما خالتك ترجع مينفعش تقعدي لوحدك هنا سمعاني."
قاطع حديثهما رنين هاتفه، اتجهت ووقفت أمامه على باب الغرفة:
"مش هتمشي وتسبني كدا."
نظر لها ولم يجبها ثم فتح الهاتف:
"أيوه يا باسم."
"حفلة؟ حفلة إيه دي؟ تمام. غزل! لا مش هجبها. يقولوا اللي يقوله. مراتي مش هاخدها وأستعرضها قدام حد سامعني."
أمسكت يديه وهي تنظر له بوجع عندما استمعت لحديثه وهي بغبائها وطفولتها داست:
"جواد." أردفت بها ببكاء.
استوحشت نظرته لها:
"أنا اتجوزتك علشان الوصية بس أوعي تنسي دي. ما فيش جواد دي تاني يا بنت. اسمي آبيه جواد."
أشعلت نيران الغضب بداخلها، حاولت استرداد كرامتها التي داس عليها بجبروته:
"عندك حق، لازم أمسحك من حياتي، أنت ولا حاجة. فعلًا ما طلعتش فتى أحلامي. بكرة أقابله." ثم حركت حاجبها بطريقة طفولية لاستفزازه.
وبدأت ترفع يديها بالهواء:
- ليه أتجوز واحد قدي مرتين؟ أنا مجنونة؟
توجه لها بنظرات قاتمة ووجهه يغمره الغضب، مما جعله يضغط على يديه حتى ابيضت للتحكم في أعصابه.
- متخلنيش أفقد أعصابي عليكي وأكون الحيوان اللي بينهش بجد.
قال كلماته وأسرع للخارج كأنه يطارد عدوًا له.
خرج يلتقط أنفاسه بصعوبة، يضغط على صدره كأن روحه تذهب منه.
جلست في الغرفة كأن حياتها سُرقت منها بكل غباء، ظلت تصرخ وتكتم صرخاتها بيديها:
- ليه تعمل فيا كدا؟ ليه؟ ليه؟
ظلت ترددها كأنها فقدت عقلها بالكامل.
***
وصل لمنزله وهو يخطو للداخل كالضائع، قابله سيف على باب المنزل.
- جواد، أنت كويس؟ مالك؟
- كويس يا سيف، فيه حاجة ولا إيه؟
أمسكه سيف من ذراعه:
- شكلك بيقول غير كدا، فيه حاجة.
ملّس على كتف أخيه:
- أنا كويس حبيبي متخافش. أنت عامل إيه؟ بقولك غزل هتنزل الجامعة الأسبوع اللي جاي، عينك عليها أي حد يقرب منها سواء بنت أو ولد، تعرف آخره إيه. عايز أعتمد عليك في الموضوع دا.
ربت على كتفه.
- تمام يا حبيبي ماتخفش، مش هبعدها عن عيوني.
مسح وجهه بعنف ثم نظر له:
- الولد اللي اسمه هيثم بتاع الشلة دا، حاول تبعد عنه بأي طريقة، ممنوع الاحتكاك بيه يا سيف. أنا دماغي مليان مشاكل، مش عايز الولد دا يعني مش عايزه.
نظر سيف للبعيد كأنه تذكر شيئًا:
- النهاردة جالي وأنا قاعد في الكافيه وفضل يقول أي كلام علشان يقرب مني. أنا كنت قاعد مع صلاح ودا صاحبه جدًا. حسيت إنه بيقول كدا علشان يقرب مني. ولقيته عزمني على قهوة استغربته جدًا أول مرة يعملها.
أمسكه جواد من أكتافه:
- الولد دا مش كويس، تاريخه كله عندي. وحاقد وبتاع بنات، معرفش إزاي دخل هندسة. حرّص منه على قد ماتقدر، تمام حبيبي.
هز رأسه بمعنى تمام.
***
في الشركة.
دخلت نجوى السكرتيرة تتهادى بمشيتها وهي تدخل لصهيب.
- بشمهندس، عندنا اجتماع في مطعم (...) بعد ساعة.
نظر بساعته ثم اتجه بنظره لها.
- إدي البنود دي لنهى خليها تترجمها وابعتيها لأستاذ أمين.
- تمام يا بشمهندس، مطلوب مني حاجة تانية؟
صوّب لها نظرات، ثم نصب عوده الفارغ واقترب بخطوات بطيئة جعلتها تبتسم داخلها بخبث. وصل إليها ثم نزل بجسده وأردف هامسًا:
- لو شوفتك بالطريقة دي تاني هرميكي برة الشركة. تمام يا... آنسة نجوى. روحي خلصي شغلك واعملي حسابك هتحضري الاجتماع وعلى الله تغلطي تاني.
خرجت سريعًا وهي تتوعده بداخلها:
- ماشي يا صهيب، هشوف أنا ولا أنت.
دخلت عند نهى:
- البشمهندس بيقولك ترجمي البنود دي وفيه اجتماع بعد ساعة، جهزي نفسك.
التفت لها وضيقت عيناها:
- مالك؟ فيه إيه؟ شكلك غضبانة ليه؟
- مفيش، وبعدين أنت مالك خليكي في حالك.
هنا شعرت بالإحراج ثم تذكرت حديثها له وكيف جرحته بكلماتها. وقفت متجهة إليه. طرقت الباب. دخلت بعد السماح بالدلوف. شعرت بالحرج عندما وجدته يطالعها بصمت وهو يقف أمام النافذة. لثواني كان الصمت يعم المكان الذي يتنافى مع نظرات كلاهما.
- فيه حاجة ولا إيه؟
فركت يديها دلالة على ارتباكها، ثم رفعت عيناها المرتجفة إليه.
- ممكن أتكلم معاك شوية؟
نظر في ساعته، ثم تنهد بهدوء حتى لا تفهم كلماته بالخطأ.
- عندي اجتماع بعد نص ساعة لازم أجهز. لو حاجة مهمة ممكن بعد الاجتماع. أما لو حاجة مرتبطة بالشغل، فيكي تقولي بسرعة.
لماذا تشعر بدقات قلبها السريعة من دفء حديثه؟ رغم إنها أهانته ولكنه تحدث بهدوء. ابتسمت بهدوء.
- خلاص مش مشكلة، بعد إذنك.
أردفت بها ثم خرجت سريعًا.
تنفس بهدوء بعد خروجها.
- يا ترى ليه نظرة الحزن اللي في عيونك دي يا نهى؟
كانت تستمع للموسيقى بهدوء وهي مغمضة العينين. جلس بجوارها ينظر لها بحب. شعرت بجلوسه ورائحته التي ميزتها منذ ذلك اليوم. ارتبكت واعتدلت سريعًا بجلستها عندما وجدته ينظر لها بنظراته العاشقة.
- جيت إمتى محستش بيك.
رفع يديه وأرجع خصلاتها المتمردة من على عيونها.
- لسه واصل، جيت أشوف ملاكي الهادي بيعمل إيه.
تهدجت أنفاسها من اقترابه وشعرت بدقات قلبها السريعة التي ستؤدي بها إلى الهلاك. نظرت له بعيونها الرمادية:
- سيف، ابعد لو سمحت، لو حد شافنا يقول إيه؟ مينفعش كدا.
اقترب حتى لفحت أنفاسه وجهها.
- هيقولوا سيف عشقان هالصبية.
هبت واقفة عندما شعرت بالدموية تخرج من خدودها من قربه الذي جعلها غير قادرة على الجلوس بجواره. جذب يديها بقوة.
- أقعدي يا ميرنا، هبعد تمام بس ماتمشيش.
كان يقف في شرفة غرفته ينظر لهما وابتسامة شقت ثغره رغم وجع قلبه ثم تحدث:
- يا ترى يا سيف هتنجي بحبك ولا هتنضم لطابور عيلة الألفي الموجوع بالحب؟
اتجه ببصره عندما وجد جنيته تتجه لمنزلهم. دخل وأغلق الغرفة بعدما رآها.
صعدت غرفتها بروح زاهقة من جسدها. دخلت بهدوء جالسة على فراشها. لما تشعر الآن بالخطر يدق ناقوسها؟ ترنح جسدها وأحست إنها تشعر بالنوم. ألقت نفسها كما هي على فراشها. ظلت تحدق بسقف الغرفة وتراجع حديثه. فجأة هبت واقفة متجهة لغرفته. دفعت الباب بقوة تبحث عنه في أركان الغرفة. بدأت تتآكل من الغيظ وهي لم تراه اعتقادًا منها إنه خرج. ولكنها استمعت لصوت المياه داخل المرحاض. أصابتها فكرة مجنونة. ابتسمت بخبث. دخلت سريعًا لغرفة ملابسه ولكنها لم يسعها الوقت لتنفيذ مخططها عندما استشعرت بوقوفه خلفها.
زفر بحنق من مراوغتها المكشوفة عندما أمسك ملابسه التي بيديها. حدقها بنظرة تسلية:
- أهو كدا أنا مرتاح علشان رجعتي بهبلك وعقلك الطفولي تاني. هاتي يا قلبي وبلاش تلعبي زي الأطفال تاني.
لم تستمع لحديثه. نظراتها مصوبة على جسده وشعره الذي تتقاطر منه المياه.
قطب جبينه من سكوتها، وأعاده بتفكيرها بشيء آخر.
- اطلعي برة عايز ألبس ولا شكلي عجبك؟
طالعته بنظرات مرتبكة خجلة. ابتسمت بسخرية ورفعت عيناها إليه.
- ويا ترى إيه اللي هيعجبني؟ وحتى لو عجبني ماهو أنت بالنسبالي زيك زي صهيب.
كأن كلماتها جمرات مشتعلة في صدره. أعاد شعره المتناثر بالمياه للخلف وهو يجاهد نفسه ليمنع نفسه من ضمها، وتذوق شهدها الذي حرمه على نفسه كتفاحة آدم.
اقترب منها ناظرًا لعيناها بتسلية عندما وجد تنفسها السريع وعلو صدرها وهبوطه. حجزها بين يديه:
- قولتيلي أنا زي زي صهيب؟
قالها مقوسًا فمه.
دفعته بعيدًا وهي تصوب نظراتها النارية له وتسترد كرامتها الذي سلبها بجبروته.
- أنت عندك انفصام في الشخصية ولا إيه؟ متخليك على شخصية واحدة علشان أعرف أتعامل معاك. يا خربيت برودك.
قهقه عليها من قلبه. قطته الشرسة تراوده. نعم هو يعشقها ولكن لا يكفي العشق.
- طيب اطلعي برة، جاية ليه ودخلتي إزاي أوضتي من غير استئذان؟ هتفضلي كدا لحد إمتى؟ احترمي نفسك شوية.
- عايزة أطلق منك.
أظلمت عيناه ورد بعزم وإصرار:
- مش عايز جنان، سمعتي؟ أنا قولت كل اللي عندي. طلاق دلوقتي إنسي. لحد ما تكملي خمسة وعشرين سنة أنت تحت وصياتي.
وضعت يديها في خصرها:
- تمام يا عم الواصي عرفنا إنك الواصي. أنزل أوزعها في المسجد وأعرف الناس كلها ولا أقولك أطبعها في كتب المدرسة وأخليها منهج دراسي للعيال؟ أهو يعرفوا قد إيه إنك متطوع جبار.
جذبها بعنف إليه:
- أنت يا بت هتفضلي لحد إمتى كدا لسانك أطول منك؟ مش عايزة تحترمي نفسك ليه؟
طوقت عنقه محركة حاجبيها للأعلى والأسفل سريعًا بشقاوة قاصدة استفزازه.
- هو أنت نسيت إنك اللي مربيني يا حبيبي؟
أردفت بها متسلية لوضعه، غافلة عن عيونه التي تفترس كل إنش بها بحركتها التي جعلته كالنيران مشتعلة بجسده العاري أمامها وبحركاتها التي ستؤدي به إلى جنونه. جذبها من خصرها بوقاحة مفتعلة:
- عايزة مني إيه يا غزل؟ جاية أوضتي وبتلعبي ألعابك الطفولية ليه؟
نزل وهمس لها:
- إنسي، أنا مش عيل قدامك يا عيلة. إحنا خلاص مننفعش لبعض. وهطلقك إن شاء الله.
أردف بها وهو ينظر لداخل رماديتها، رغم إنه رفضها قال لها ذلك.
منحها نظرة صارمة:
- روحي عند خالتك وإياكي تدخلي أوضتي تاني.
نزل لمستوى وقوفها:
- مراتى بس اللي هتدخل هنا.
إلى هنا وقد طفح بها الكيل، بدأت تلكمه ونيران الغيرة تكوي قلبها.
دفـعته بقـوتها مهرولة لغرفتها وهي تسـبه وتلـعنه.
* * *
في شركة الألفي.
جلست بمقابلته تنظر له بهدوء وهو يعمل على حاسوبه كأنه يهـرب من نظـراتها التي تؤرق روحه.
وقفت فجأة أمامه.
"مردتش على جواب سؤالي ليه ياحازم؟"
قطب جبينه بعدم فهم.
"عن إيه يامليكة مش واخد بالي؟"
تحركت بخفة إلى أن وصلت أمامه.
"ليه متجـوزتش لحد دلوقتي البنت اللي كنت مواعدها؟ وسبت الدنيا كلها علشانها وبعت الغالي والرخيص؟"
ألقت سهـام حديثها الذي لا يعلم ماهو ماهيته.
كأن كلماتها أصبحت له لغوريتميات. وقف باتزان أمامها ورغم ذلك شعر بتخـبط في عقله وذاكرته.
عيـناها تراقب كل إنش بحركاته وكأنها ستسمع منه ما يؤرق بالها.
"مليكة."
خرج اسمها من بين شـفتيه كلحن موسيقي لقـلبها الذي تشوّش قليلًا.
"أنا مش فاهم قصدك إيه؟ مين اللي بتتكلمي عنها دي؟ أنا موعدتش حد غير......"
ولكنه بـتر كلمته وأولاها ظهـره.
"معرفش إنتِ بتتكلمي عن إيه."
"بتكلم عن إيه؟ بجد مش عارف بتكلم عن إيه؟ ولا بتقول كدا وخلاص؟"
اتجه لها وأمسـكها بهدوء.
"مليكة، فهميني متتعبيش أعـصابي."
انتـفض قلبها من مظـهره الظاهر لها.
"سيـب إيـدي ياحازم، هقولك لو صحيح بجد متعرفش."
جـذبها بهدوء، أجلـسها أمامه، وجلس على عقـبيه.
"فهميني إيه اللي بتقوليه دا؟ مين اللي قالك الكلام دا؟ حبيبة مين اللي بتقولي عليها؟"
ذرّفت دموع عيـناها وهي تتذكر حديث والدته.
تجلس أمام منزلها تنتظره حتى يعود. أتت والدته وجلست بجوارها.
"عاملة إيه يامليكة؟ وإيه أخبار الامتحانات؟"
ابتسمت لها.
"الحمد لله ياطنط، حضرتك عاملة إيه؟"
"كويسة حبيبتي."
نظرت في ساعة يـدها.
"معرفش حازم اتأخر ليه، قالي هيروح يشوف زميلته اللي بيحبها دي ومعرفش شكله نسي نفسه."
أردفت بها غير مراعية كـسر قلب تلك المسكينة، التي لم تتحمل كلماتها.
نظرت إليها مستفهمة عن حديثها الذي شعرت بإنـفطار قلبها.
"هي مين دي اللي رايح يقابلها ياطنط؟"
نظرت للبعيد ثم اتجهت بنظرها لمليكة.
"حبيبته، متعرفيش إن حازم بيجهز ورقه علشان هيسافر ياخد الدكتوراه مع حبيبته ويتجـوزوا هناك؟"
أنهت كلماتها ناظرة لها بشـماتة.
شعرت كأن سُـدّد لها طعـنة مسـمومة لقلبها جعلته ينـزف ليذهب بها إلى الجـحيم.
وقفت سريعًا متجهة لمنزلها ود.موعها تتساقط كالشلال.
"مليكة."
أردفت بها حسناء بهدوء ممـيت.
"أنا آسفة حبيبتي عارفة إن فيه مشاعر لحازم، هو كمان حزين مش عارف يعترفلك بإنه حابب واحدة تانية، إنتِ ناسية إنك بنت عمه؟ حتى قالي أنا مستعد أضـحي بسعادتي وأفضل جنب مليكة مش عايز أكـسر قلبها بس هقولها هروح أكمل تعليمي وأرجعلك."
ثم استطردت حديثها الذي أزهق روح هذه الملاك.
"أنا قولتله مليكة صغيرة وبكرة تحب واحد أحسن منك وهي أكيد مش بتحبك، مش كدا ولا إيه؟ دا مجرد إعجاب، هو إنتِ فعلًا بتحبي حازم يامليكة؟"
مسحت دموعها بقـوة وتحدثت بكبرياء أنثـى مجر.وحة.
"أنا محبتش ابنك خالص ياطنط، دا زيه زي جواد وصهيب عادي، أنا لسة صغيرة على الكلام دا ويوم ماأحب هحب واحد تاني أحس ناحيته بالحب الحقيقي مش مجرد انتماء، أنا بحب حازم كأخ منتمي ليا، شكلك إنتِ وهو فهمتوا الموضوع غلط."
أردفت بها بقـوة ثم تحركت سريعًا بخطى متعـثرة بلا هدى تشعر كأن أحدهم ذبـحها وأزهق ر.وحها بكل جبر.وت. دخلت غرفتها منهـارة، وبدأت تصـرخ بقـوة، حتى وصل جواد إليها سريعًا على صـراخها.
"مليكة مالك حبيبتي بتعيطي ليه؟"
ضـمته بكل مالديها بقـوة.
"عايزة أمـوت ياجواد، لا أنا مـوت خلاص آه."
ضـمها بحنان أخوي وقد هـوى قلبه بين أقد.امها. ظلت تصـرخ وتتشبث بقميصه.
"روحي بتنسـحب مني ياخويا أنا بمـوت ياجواد."
ربت عليها بحنان، حمـلها وجلـس بها على فراشها ضـامًا إياها لأحـضانه. رفع ذقـنها وهي تبكـي بكاء صـارخ لقلبه.
"حبيبتي ماتخوفنيش عليكي، فيه إيه ياملاكي؟"
"ضـمني ياجواد أنا تعبـانة وعايزة أنام."
ضـمها لأحـضانه وبدأ يمـسد على شعرها بحنان. دخل صهيب الذي عاد للتو.
"فيه إيه ياجواد؟ الدادة بتقول مليكة بتصـوت."
ظل يمـسد على شعرها بحنان، ثم تحدث بهدوء.
"ملاكي مالك ياقلبي؟ إيه اللي وصلك لكدا؟"
"عايزة أنام."
هذا ماأردفت به. نظر لصهيب لكي يخرج، ثم ضـمها وأر.جع بظـهره لفر.اشها.
"نامي حبيبتي وبعدين نتكلم."
وضعت رأ.سها على قـدم أخيها وبدأت تهمهم.
"طلع بيضحك عليا، بيضحك عليا."
ظلت ترددها إلى أن ذهبت في النوم.
خرجت من ذكرياتها ناظـرة له ود.موع عيناها تتقاطر على خـدودها.
"وبعدها بيومين جيت تقولي على سفرك، وحاجات أنا مفهمتهاش، علشان كدا قولتلك الكلام اللي سمعته مني."
وقف وكأن الأرض تـميد به. رعـشة قو.ية أصا.بت جـسده عندما استمع إلى حديثها فهطلت العبرات بغـزارة من مقلتيه وأخذت شـفتيه ترتـعش وهو يحاول النـطق عندما ربط أحداث سفره بكلام والدته. هو.ى بجـسده على المقعد عندما وجد سـاقيه لا تحملانه.
"معقول ماما عملت فيَّ كدا؟ معقول هي اللي السبب في فر.اقنا؟ معقول هي السبب في نز.يف قلبي؟ إزاي كانت كدا وهي شايفاني بمـوت من بعدك عني؟ إزاي قدرت تعمل معايا كدا وهي عارفة إني بعشـقك مش بحبك؟"
استدار بجـسده لها.
* * *
"وإنتِ إزاي كنتي ضـعيفة ومستسلمة؟ وقدرتي بكل جـبروت تمحي حبك؟"
وصل إليها وأمسـك اكتـافها بعـنف.
"إزاي قدرتي تصدقي إني ممكن أحب غيرك؟ إزاي قدرتي تحبي حد من بعدي؟"
أردف بها وهو يصيح ببـكاء.
"إنتِ أكبر قلم أخدته في حياتي يامليكة أنا مش مسامحك."
ضـرب قلبه بعـنف، عندما شعر بنيـران قلبه التي ستحـرقه.
اتسعت حدقـتيها شيئًا فشيئًا، وصـدمة قوية أصا.بت جسـدها وكأنها تلقت ضـربة عنـيفة.
"إنت قصدك إيه ياحازم مش فاهمة؟"
ابتسم بتهـكم، ثم رد عليها بلوم واستـنكار.
"قصدي إنك مكنتيش بتحبيني يابنت عمي، قصدي إني طلعت لعبة في إيد أمي، وخـاين في إيد حبيبتي."
ثم أضاف بنبرة بذات مغزى.
"أنا اتخـدعت في كل اللي حواليا بس إنتِ أكتر واحدة كسـرتيني يامليكة."
أنهى كلماته بحـدة شديدة ثم جمع أشياءه وخرج سريعًا من مكتبه.
في الفندق الذي سيقام به الاجتماع.
بعد الانتهاء، جلست نجوى بجـوار نهى تتحدث في أشياء عامة. وصل صهيب بعد توديعه للوفد.
"شكرًا يابنات."
أعطى نجوى ملف.
"دا تدرسيه كويس وأشوفه على مكتبي بعد ماتدونيه."
ثم رفع نـظره لنهى.
"كان بيقول إيه أنطونيس وخلاكي تتضايقي؟"
"مفيش بشكر في مصر وجمالها."
ثم رفعت نظـرها له ونظـرت داخل مقلتيه.
"وبنات مصر."
ابتسم صهيب بسخرية.
"خلاص ياخدلوا مية واحدة من هنا علشان يعرف النكد اللي على أصوله."
ضحكت على كلماته مما جعله ينـظر لها بصمت حينما شعر بتذ.بذب داخلي.
حمحم بعدما وجدها تنـظر في الأرض بخجل.
"تعالي عايزك في موضوع مهم بخصوص غزل."
ثم اتجه بنـظره لنجوى.
أنا مش رايحة لا جامعة ولاغيره، وبعدين هو دخلني كلية وأنا مش عايزاها، ليه مصرين إني أروح الجامعة؟"
وقفت واتجهت إلى المرحاض.
"أنا هدخل آخد شاور وأنام ياماما، لو سمحتي أنا مش خارجة ولا رايحة الكلية اللي ابن حضرتك حتى مسألنيش إنتِ عايزاها ولا لا."
تنهدت نجاة بحـزن على حالتها وحالة جواد الذي وصل به الحال أن يذهب مأموريات خارج المحافظة حتى لايفقـد أعصابه عليها.
وقفت واتجهت إلى باب الغرفة.
"خدي شاور ياحبيبتي وانزلي نتعشى مفيش غيري أنا ومليكة، صهيب عنده عشا عمل، وعمك حسين في الفيوم."
"ماليش نفس صدقيني، أنا عارفة إنك زعلانة بس لو ليا نفس هنزل آكل."
أمأت نجاة برأسها وهي حزينة على حالها، بينما اتجهت مليكة ووقفت مقابلتها.
"عايزة أتكلم معاكي ياغزل شوية ولازم تسمعيني."
جلست غزل بدون كلام.
أخذت مليكة نفـسًا عميقًا ثم أخرجته بهدوء واتجهت ناظرة لغزل.
"عايزة أقولك جواد معذور في اللي بيعمله، تعالي نفكر بعقل ناس عاقلين. واحد طول الوقت مفهم الناس كلها إنك بنته وفجأة اتفرض عليه الأمر إنك تكوني مراته. فاهمة معنى الكلمة دي؟ "بنته، مراته" كلمتين بمعناهم يخـضوا حبيبتي."
ثم أكملت استرسالًا لحديثها المقنع.
"واحد قاله في وشه راح تتجوز عيلة ياترى ليه؟ ياإما إنك طمعان في مالها، ياإما إنك راجل ولا مؤاخذة."
"تخيلي لما يسمع الكلمتين دول ومش أي حد، دا جواد. غير ندى طبعًا لما عرفت فضـحته في كل مكان تخيلي قالت عنه إيه "إنه كان خاطبها عشان يداري حبه قدام الناس ليكي". فدا يد.بحوا ر.جولة أي را.جل حبيبتي، وجواد خايف ليكون بيجـبرك على حياة مش مكتبالك فحاولي تعذريه، غير طبعًا اللي عملتيه وكل شوية عايزة أطـ."
لق وفي الآخر عايزة تخلعيه.
كانت تجلس صامتة لا تتحدث ولا تبدي أي ردة فعل، فقط نظراتها شاردة في نقطة ما.
أخرجتها مليكة من شرودها عندما أدارت وجهها إليها:
"مش عايزة تردي عليا ليه؟"
جواد ما يلزمنيش يا مليكة ولا زعلانة منه.
ضيقت مليكة عينيها مستفهمة:
بجد يا غزل معنتيش عايزاه؟ والحب اللي بينكم راح فين؟ أنت مصدقة إنه متجوزك علشان الوصية بس؟ تبقي عبيطة. ده حبه ظاهر للأعمى.
تنهدت بحزن ثم نظرت لها:
أنا وجواد ما ننفعش لبعض.
زفرت مليكة بحنق منها:
أوكيه.
طيب مالك زعلانة ليه ومبترديش عليه ليه؟ عايز يطمن عليكي.
تمسكت بثباتها وهي تجيبها:
لأني عايزة أتأقلم على حياتي من غيره. علشان مش أنا اللي أكون جا.برة حد يعيش معايا.
ثم وقفت واتجهت إلى المرحاض، وأغلقت الباب خلفها.
زفرت مليكة بضيق عليها، هي تعرف حبها لجواد، ولكنه لو علم بما تنويه ستكون آخرة حبهما.
***
بعد قليل رجع جواد من عمله الذي طال فيه لمدة شهر كامل. دخل منزله فوجد مليكة ونجاة يتناولون عشائهم.
لقد اشتاق لها حد الجنون، ولكنه ماذا يفعل لكي يطفئ لهيب اشتياقه إلا برؤيتها التي تطفئ نار قلبه.
نظر حولهما ولم يجدها. اتجهت والدته إليه وقامت بالسلام عليه، وفعلت مليكة مثلها. نظر إليهما وأردف متسائلًا:
"فين غزل؟" أردف بها قلبه قبل لسانه.
"فوق يا حبيبي، قالت عايزة أنام ماليش نفس."
تركهم وصعد إليها بسرعة البرق، لقد سبقه قلبه رغم تمرده عليه. نظر لوالدته مردفًا:
"جهزي العشا يا ماما هجيبها وأنزل، أنا ميت من الجوع."
نظرت نجاة خلف أثره واتجهت إلى مليكة وأردفت:
"أخوكي بيحب غزل قوي يا مليكة، لو عرف المصيبة اللي عملتها هيموت."
هوت الكلمة على رأس مليكة كصاعقة.
ورغم ذلك نظرت إليها:
"أنت بتقولي إيه يا ماما؟ صهيب كلمها وهددها وقالت هتتراجع."
"يارب يا بنتي تعقل وتعرف قد إيه بيحبها."
"شوفتي أول ما جه جري عليها إزاي؟"
"يا ماما ودي أول مرة؟ ما هو طول عمره كدا، بيجري على أوضتها."
تنهدت بعمق:
"أتمنى يا بنتي يكون عشق غزل له حقيقة مش مجرد أحلام طفولية، عشان على قد العلاقة المضطربة بينهم على قد ما هيكون داعم وسند ليها وهيكون أكتر واحد يحافظ عليها."
"يارب يا ماما، أنا متأكدة من حب غزل له أوي. أنا ما كنتش واخدة بالي لولا جاسر الله يرحمه."
شردت في حازم الذي قاطع الحديث معها نهائيًا ثم تنهدت بحزن عليه.
في غرفة غزل.
دخل الغرفة بهدوء، وجدها هادئة. تمنى أن تقابله بشقاوتها ويضمها حتى يحطم عظامها داخل أحضانه. سمع صوت المياه، عرف أنها بداخل الحمام. خرج إلى النافذة ليشعل سيجاره.
ولكن لفت انتباهه قطعة داخلية لها موضوعة على الفراش. خرج سريعًا إلى الشرفة عندما شعر بشيء جديد داخله. لماذا هذا الشعور الآن وهو الذي كان يشتري لها كل شيء بالسابق؟ أحقًا ستظل زوجته؟ أم سيكون للقدر رأيًا آخر؟
جلس على المقعد ورفع ساقيه على سور الشرفة وأغمض عينيه وتذكر.
فلاش باك.
ذهب إليها في إجازته عندما كانت في زيارة لجدها، فكان جدها يأخذها كل شهر لتبقى يومين أو ثلاثة بجانب أخيها.
دخل وجد جدتها تجلس وتسبح بمسبحتها.
قام بتقبيل يديها:
"عاملة إيه يا تيتا؟ وأخبار صحتك؟"
نظرت الجدة إليه بفرحة:
"جواد حمد الله على سلامتك يا حبيبي. أنا كويسة. أنت عامل إيه يا ولد؟ وحشتني طولت الغيبة المرة دي."
"آسف يا تيتا اتأخرت بس معلش عندنا تدريبات كتير. عارفة الشرطة وبلاويها."
"ربنا ينجحك يا ابني يارب وأشوفك في أعلى المناصب يا جواد يا ابن نجاة."
"آمين يا تيتا يا حلوة."
"هو جاسر فين؟"
"راح الدرس يا حبيبي من درس لدرس وعمال يشتم في الثانوية. بس اللي مريحه إنه عايز يدخل الشرطة زيك."
"لا شرطة إيه؟ أنا بقول يدخل هندسة مع صهيب ويروح يدرس طب نفسي كمان زي المجنون."
داعبته جدته:
"نسيت تسألني على عروستك يعني؟"
رفع حاجبيه مشاكسًا وأردف مبتسمًا:
"عروستي يا تيتا؟ عايزة تجوزيني واحدة بيني وبينها تلاتشر سنة؟"
"ليه يا أخويا؟ وكدا كتير. أنا وجدك بينا خمستاشر سنة واسأل والدتك كمان."
"هنشوف الموضوع دا بعدين يا سهير. قومي نادي لعروستي."
ثم ضحك بصوت عالٍ:
"قصدي نادي لبنتي."
حملقت به سهير:
"تعرف يا ولا يا جواد أنت هتتجوز البت غزل وبكرة تقول تيتا سهير قالت."
قهقه بضحكات متتالية منها:
"لا ما تخافيش مش هقول حاجة قومي بس."
وقفت:
"هروح أصحيها أصلها تعبانة شوية."
وقف مفزوعًا:
"مالها تعبانة إزاي وبقالك ساعة بترغي معايا ومش تقولي لي؟"
ربتت على كتفه:
"ما تخفش ده تعب عادي يا حبيبي هروح أصحيها."
"لا خليكي أنا هدخلها وأصحيها."
"ما ينفعش يا جواد." أردفت بها بصوت مرتفع.
استغرب ردة فعلها ورغم ذلك نظر إليها مستفهمًا:
"ليه يا تيتا؟ دي مش أول مرة أجيلها وأدخلها."
"هي كبرت يا حبيبي وبقت آنسة ما ينفعش تدخل عليها وهي نايمة حتى مليكة أختك كمان المفروض تستأذن."
ضحك على جدته:
"العفريتة كبرت وبقت آنسة من شهر يا تيتا؟ طيب ممكن تناديلي الآنسة اللي كبرت من ورايا عايزة أشوف طولها كام؟"
دخلت إليها وهي تحدثه:
"مش بالطول يا ابن الألفي يا خوفي لتكون عبيط وما فهمتش كلامي."
ثم اتجهت بأنظارها له:
"ولا بتعمل عليا عبيط يا ولا؟"
ضيق عينيه ولا يعرف ماذا تقصد. أيقظتها جدتها:
"غزل قومي حبيبتي جواد جه برة."
اعتدلت سريعًا ولكنها متألمة:
"صحيح يا تيتا ولا بتضحكي عليا عشان أقوم؟"
ابتسمت الجدة لكلماتها:
"لا يا حبيبتي هو برة لسه نازل إجازة حالًا حتى جاي بهدوم الشغل وقال هيقضيه معانا هنا ومش هينزل القاهرة. بس بأقولك يا زوزو أوعي تقوليله مالك، يعني لو سألك قوليله تعبانة وخلاص."
أومأت برأسها لجدتها وخرجوا إليه.
كان يقف مواليًا ظهره ويتحدث في الهاتف لوالدته.
"خلاص بقى يا ماما ما هو أنا مش هعرف آجي وغزل مش موجودة. الإجازة اللي جاية حبيبتي إن شاء الله."
"جود."
أردفت بها بصوت متعب.
اتجه بأنظاره إليها بعدما أغلق الهاتف مع والدته. ثم سار بخطوات بطيئة حتى وقف أمامها وظل ينظر إليها باشتياق. ثم سحبها إلى أحضانه يضمها بكل قوة.
"وحشتيني أوي يا غزالتي، أربعين يوم ما شوفتكيش فيهم حسيتهم دهر بحاله."
لفت يديها حول خصره:
"وأنت كمان وحشتني أوي يا آبيه."
نظر إليها مبتسمًا:
"كأني من شوية سمعت جود."
وضعت رأسها في أحضانه وأردفت متأسفة:
"آسفة بأحاول أتأقلم على كلمة آبيه بتاعتكم دي."
ضحك عليها بقوة:
"بلاها آبيه يا قلبي أنت تقولي اللي عايزاه، بس تعالي هنا وشك ماله مصفر كدا؟"
ثم ضم وجهها بين يديه:
"أنت تعبانة يا غزالتي؟"
***
أومأت برأسها بنعم.
"مالك تعالي أوديكي للدكتور."
أتت هنا جدتها وأردفت قائلة:
"لا يا حبيبي ما لوش لزوم هي تعبانة وكمان شوية هتخف."
"إيه اللي بتقوليه دا يا سهير؟ دي شكلها تعبان."
رفع ذقنها وسألها:
"مالك يا حبيبتي؟ إيه اللي بيوجعك؟"
"بطني بتوجعني أوي يا جود."
"أنت واكلة حاجة مش كويسة؟ ولا إيه بالظبط تعالي نروح ونطمن."
"خلاص يا جواد قولنا لك ما فيهاش حاجة. يعني كل البنات بتتعب كدا."
أخيرًا فهم محتوى كلام جدتها بمعنى أنها أصبحت آنسة. نظر إليها بحب:
"حبيبتي اللي كبرت يا ناس."
"أخيرًا فهمت يا ابن الألفي."
ضحك جواد عليها بقوة:
"بلاش كسوف بقى للبت يا سهير."
عودة للحاضر.
أخرجه من شروده عندما فتحت باب الحمام وخرجت منه وهي ترتدي اللبس الخاص بالحمام، وهو عبارة عن بورنص قصير أظهر ساقيها الحليبية بعناية. فتحة صدره الظاهرة للأعمى قبل البصير لعدم إغلاقه بإحكام جيدًا.
وشعرها الندي الذي تتساقط منه بعض القطرات الخفيفة التي تسقط على عنقها. كانت صورة جذابة حقًا تريد الالتهام.
أحس بارتفاع حرارة جسده، يتمنى لو يصل إليها ويتذوق كل إنش بها.
وقف على باب الشرفة ينظر إلى جمالها الذي أدى به رغما عنه لتحريك مشاعره.
شاعرة ورغم إنه ضابط، كان يجب عليه التحكم أكثر من ذلك... ولكن إذا تحكم العقل فكيف للقلب أن يتحكم؟
استنشقت رائحته التي تميزها عن غيرها حتى لو بعد قرون.. نظرت حولها ولكنها صعقت عندما وجدته يقف ويستند بظهره إلى الحائط وينظر إليها.
"جواد" قالتها بشفتين مرتجفتين عندما لاحظت اقترابه منها.
وقف مسلوب الإرادة أمام مها مباشرة وظل ينظر لجمالها الخفي عنه لأعوام، ربما ذلك... أو ربما تعمد إخفاء مشاعره.. اقترب منها حتى أصبحت المسافة معدومة.
نظرت لوقفتهما فهي أصبحت قريبة منه للحد غير المسموح مما جعل ساقيها كالهلام.. وشعرت بتذبذب في كيانها... ضعيفة هشة أمام قلبها رغم إنها رفعت قضية الخلع عليه وتريد الطلاق، ولكنها تتمنى قربه... تتمنى أن يطمئنها ويحكي عن عشقه الأبدي لها.
ضمها من خصرها حتى جعلها بأحضانه.
وضع رأسه في عنقها يستنشق شذى عبيرها الذي غاب عنه لسنوات... لقد فقد عقله ونسي أو تناسى وعده... لقد تحكمت مشاعره به ورمى كل شيء في الأرض.
"جواد" أردفت بها بصوت مبحوح من كثرة مشاعرها التي تشعر بها وهي بأحضانه بهذه الطريقة... ولكن عندما اصطدمت بوجهه القريب ونظراته التي خدرتها بالكامل مما جعلها تشعر بقشعريرة لذيذة بعمودها الفقري.
اختلطت أنفاسه بأنفاسها حتى هوت أقدامها وأصبحت هلام لولا إحكامه بها وخاصة عندما قال لها:
"روح وقلب جواد أنتِ!"
ثم رفع ذقنها والتقط شفتيها في قبلة طويلة شغوفة أقرب إلى الالتهام أراد بها أن يعوض حرمانه الذي فقده خلال الأيام الماضية...
كيف ابتعدت عنه كل هذا الوقت؟ كيف لا تعرف مشاعره اتجاهها؟ كيف وكيف فعلت به كل هذا؟
كيف لها أن تطعنه بكل جبروت؟
بعد فترة وضع جبينه فوق جبينها مغمض العينين منتشياً بلحظته وتمنى لو يختفي العالم من حولهما لا يظل غيرهما... تمنى لو يفقدا الذاكرة ويأخذها بعيدًا في عالم مغلف بهما.. ولكن ليست الأماني بالتمني.. وضعت يديها على جانب وجهه.. وأردفت بعشق:
- وحشتني أوي حبيبي.
إلى هنا توقف وكأن عقله رجع يصفعه بقوة.
فجأة تذكر حديثها بالطلاق والخداع والخيانة وحديث عاصم وزوجة ماجد فقام بدفعها قليلًا عنه ثم أولاها ظهره محاولًا قدر الإمكان أن يحافظ على ثباته أمامها ويعود ليعاملها مثل الفترة الأخيرة.
نظرت إليه بتخبط واستغراب وتساءلت بقلب مفطور:
ممكن أعرف إيه اللي حصل ده من شوية؟ ومين إداك الحق تلمسني؟ ومين اللي إداك الحق تدخل أوضتي من غير استئذان و..
قاطع حديثها وتحدث إليها بكلماته التي جعلت آلام قلبها تنخر بشدة لدرجة التمزق في أعماق الوريد وتئن روحها بأنين:
"آسف" معرفش إزاي تخيلتك.. ثم صمت وكأن قلبه يعانده وعقله يتحكم به أردف بهدوء مميت حتى يقضي على أحلام كل منهم:
مش أنتِ! اللي تحركي مشاعري.
طفلة نقول إيه! كلمة طلاق عندها زي اللبن للأطفال.
أتقن رسم الجمود أمامها.
ورغم إنه شعر بمدى حماقته وفداحة تصرفه إلا أنه أكمل استرسالًا للذي قصم ظهر البعير:
مش أنا اللي عيلة تتحكم في مشاعري!!
أنا اتجوزتك علشان الوصية بس.
نزلت كلماته المفاجئة فوق عنقها كسكين بارد أراد ذبحها على مهل.
سكنت لثوانٍ مذهولة من حديثه.. ورغم ذلك حاولت تنظيم أنفاسها وسحبت نفسًا عميقًا تعبأ به رئتيها المتألمة.. ثم أجابته بهدوء ينافي ضجيج قلبها الدامي الذي أسقطها وأودى بها إلى الهاوية:
آسف.. بالبساطة دي.. فعلًا عندك حق.. هو حضرتك عملت حاجة مفيش داعي للأسف.
طيب أنا طفلة... عقدت ذراعيها.
"طلقني" ودلوقتي حالًا.
استدار إليها مذهولًا وأردف مستاءً:
أنتِ مجنونة طلاق إيه أنتِ مبتزهقيش؟ هو كلام عيال.
- لو راجل طلقني بقولك.
نزلت كلماتها عليه كسكين ينخر في العظام مما أدى إلى صفعها بقوة.
- ما عادش غير كده يا غزل... إيه مش شايفاني راجل.. طيب اسمعي وده آخر كلام.
الورقة اللي بيني وبينك زي شهادة الميلاد كده... متعرفيش تعملي حاجة إلا بيها طول ما مفيش بطاقة شخصية... إنما الحلوة عندها شهادة ميلاد.. وضع يديه على ذقنه كعلامة تفكير.
- أنا شهادة ميلادك يا غزل... وأنا برضه شهادة وفاتك ووريني هتطلقي إزاي.
نظرت إليه بعيون متحجرة بالدموع.. هل هو صفعها بالفعل؟
هل استطاع ذبحها بكلماته؟
حاولت أن تهدئ من روعها وآلام قلبها الدامية.
اطلع بره لو سمحت.
استدار إليها بعدما وجد اهتزازًا بصوتها.
عرف إنه ضغط عليها.. سب داخله.
- اطلع بررررررررة.. أردفت بها مقهورة منه ومن نفسها وقلبها.
: مش همشي إلا لما نتكلم، فيه كلام لازم تسمعيه.
- لو ما طلعتش بره يا حضرة الضابط أوعدك أنا اللي هطلع حالًا وبهدومي دي وعلى الشارع أوعدك أنفذ كلامي.
نظر إليها بصدمة:
- اتجننتي أنتِ واعية بتقولي إيه؟
- اطلع بره مش عايزة أشوف وشك... ووعد مني لأخلص منك.. اطلع! قالتها بصوت مرتفع مما أفزع صهيب.
أسرع صهيب الذي أتى للتو إلى غرفتها.. ثم فتح الباب... نظر إليه جواد بغضب ودفعه للخارج:
أنت اتجننت إزاي تدخل كده يا متخلف أنت نسيت نفسك؟
- دفعه صهيب:
سيبني أشوفها كانت بتصرخ ليه؟ عملت فيها إيه؟
نظر إليه مستفهمًا:
- قصدك إيه؟ أنت خايف على غزل مني يا صهيب.. أنت متعرفش هي إيه بالنسبالي؟
- لا معرفش يا جواد- أنت بقيت عامل زي العاصفة بتدوس كل اللي يقابلك.
أردف بها بصوت مرتفع.
واتجه لباب الغرفة وقام بفتحه.
لكَمه جواد في وجهه ثم أردف مستاءً منه:
إزاي تدخل عليها كده يا متخلف؟
نظر إليه مستفهمًا:
- مش فاهم قصدك؟
أنت كنت جوه من شوية يعني عادي أكيد مش قالعة هدومها!!
"لا قالعة هدومها" أردف بها جواد فجأة.
نظر صهيب بصدمة له:
يعني إيه؟
وأنت كنت جوه إزاي؟
رمقه بامتياض شديد من أسلوبه المستفز:
أنت نسيت إنها مراتي.
كل هذا وهي تقف كالصنم مكانها ولم تتحدث أو تبدِ أي ردة فعل.. ولكن عندما أردف بكلمته الأخيرة.
اتجهت لباب الغرفة وقامت بإغلاقه بالمفتاح.. نظر كل من صهيب وجواد لباب الغرفة الذي أغلق.. أغمض جواد عينيه بألم فالآن علم أنه خسرها للأبد..
زفر بضيق من نفسه.. وعاتب نفسه وبدأ يحدث حاله:
كيف لك أن تذبحها بهذه الطريقة؟
اتجه صهيب إليه بنظرة.
جواد أنت عملت فيها إيه؟ تركه واتجه لغرفته وبدأ يركل كل شيء يقابله.
سمعه صهيب ومليكة ووالدتهم التي أتت على صوت تحطيم الأشياء.
نظرت نجاة:
ماله أخوك يا صهيب؟ هو قال هروح أجيب غزل وننزل نتعشى؟ اتخانقوا ولا إيه؟
زفر بضيق:
- معرفش أنا رجعت سمعت غزل بتصرخ وبتقوله بره.
حزنت نجاة على ولدها وشعرت بوجعه.. هو يحبها ولكن صعب عليه أن يتأقلم على هذا الشعور... نظرت لصهيب:
إدخله يا ابني وحاول تتكلم معه وبلاش تستفزه؟ وأنا هدخل أشوف غزل.
طرقت نجاة الباب:
غزل افتحي يا حبيبتي الباب عايزة أتكلم معاكي.
: ممكن تسيبيني يا ماما شوية؟ عايزة أقعد مع نفسي لو سمحتي.
ظلت طول الليل تجلس وتفكر في استرداد كرامتها التي دعسها بدون رحمة... اتصلت بالمحامية التي عرفتها عن طريق نهى:
- أيوة أستاذة هناء؟
- تمام هيوصله إمتى الإعلان.. الصبح.
برافو أستاذة متشكرة لحضرتك جدًا.. ابتسمت بسخرية:
"عايزة أشوف وشك يا حضرة الضابط".
في صباح اليوم التالي... استيقظ جواد الذي لا ينام طيلة الليل.. لقد قرر إنهاء حالة الحرب.. قرر أن يتخلى عن كبريائه ويأخذها في جولة من عشقه مرة أخرى.. قرر أن يكسب قلبه ويرمي عقله ولكن هناك شيئًا لا بد أن يفعله توا... وقام بروتينه اليومي سريعًا... ثم خرج من جناحه متجهًا لحجرتها أولًا.
طرق على باب غرفتها ولكن لا يوجد رد.
فتح الباب وبحث عنها بأرجاء الغرفة ولكنها غير موجودة... شعر بقبضة تأن قلبه.
هبط سريعًا إلى الأسفل.
وجد الجميع يجلسون لتناول إفطارهم... نظر إليها عندما ألقى تحية الصباح.
ردت والدته:
صباح الورد يا حبيبي اقعد أنا عملا لك الفطار اللي بتحبه... نظر لها وهي تقلب بطعامها ولكن هدوئها وابتسامتها غريبة.
جعل عقله غير مستوعب، اعتقد إنها ستبكي وتهاجمه. نظر لوالدته:
"ماليش نفس يا ماما، بس خلي زهرة تعملي فنجان قهوة وتجيبه في الجنينة، قدامي نص ساعة يا دوب ألحق الطيارة."
رفعت نظرها إليه عندما أردف بسفره. نظر إليها بأسف على أحداث الليلة الماضية. قطع نظراتهما صهيب:
"جواد، إنت مسافر؟ مش المفروض إنك لسه جاي؟"
"أيوه، جاتلي سفرية تانية، مش مشكلة واهو ترتاحوا مني شوية." تحدث بها وهو ينظر لغزل.
سار للخارج ولكن أوقفته غزل.
"أبيه جواد!" قالتها بهدوء ينذر بعاصفة مرتقبة. "أنا عايزة أطلق منك علشان هسافر مع خالتو، ما عدتش عايزة أقعد في مصر تاني. وكمان يا ريت تسحب ورقي، أنا كلية الطب مش هدخلها حتى لو مفيش غيرها."
توهجت عيونه بالغضب ولكنها لم تُهمل الفرصة له لكي يرفض، وتمسكت بثباتها.
"عايزة إيه هو إنتِ ما بتزهقيش يا بت؟"
جملة تساءل بها بجبين مقطب، ثم اقترب منها وهمس بجانب أذنها:
"مش لما نتجوز يا غزالتي؟ دا حتى عيب في حق جوزك."
ابتسمت بهدوء مخيف على وجهها عندما وجدت المحضر يدخل عليهما.
"آسفة، حبيت أردلك آسفك بتاع امبارح."
قالتها بهدوء مستفز، ثم اقتربت منه:
"أنا عارفة إن الجواز دا شكلي، ومالوش أي لازمة، بس أنا عايزة أكون حرة من كله. مش عايزة اسمي يكون مرتبط بحد وخصوصًا إنت. شوف الراجل دا."
اقترب منه الرجل: "مين جواد الألفي؟"
أشارت له بابتسامة بلهاء.
نظر جواد للمحضر: "أنا ليه؟"
"إمضي هنا حضرتك، دا محضر خلع من مدامك غزل ماجد الحسيني."
ابتلع غصة ورسم ابتسامة سمجة على محياه، ثم نظر إليها بحنق وضيق عيناه.
"الراجل دا بيقول إيه يا غزل؟ معلش أصلي مش بسمع كويس."
اقتربت وطوقت عنقه وهمست أمام شفتيه: "هخلعك يا حبيبي."
"قولي كدا أصلي ما سمعتش؟"
أردف بها بصوت صاخب جعلها تُصاب بالهلع من صوته.
طعنته بشدة بواسطة خنجر بارد دخل إلى قلبه ليشقّه نصفين حتى أدمى وعجز عن العيش.
رواية تمرد عاشق الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سيلا وليد
ملست وجهها بحب.
- حبيبي اللي دايما بيديني دفعة لحياتنا قدام..
دخلت المنزل بهدوء وإذا فجأة وجدت الجميع بالمنزل ويغنون لها:
هابي بيرز داي.
نظرت لجواد وترقرقت عيناه بالدموع.
- هحبك أكتر من كدا...
وصل حازم لها:
- كل سنة وانتِ طيبة يازوزو كبرتي يابت سنة كمان...
أما صهيب أمسك بالونة وقام بنفخها وضربها في رأسها.
- والله إنت رخم وبارد كمان.
رفع حاجبه وانزله بطريقة طفولية.
- عمرك ماهتكبري هي سنين بتعدي الجسم بيكبر لكن العقل عقل بيبي.. مش كدا ياجود.
لكمته بكتفه.
- أنا طفلة ياآبيه ماشي.. بكرة أردهالك..
نظر صهيب لجواد.
- أنا بقول تتجوز وتجيب بنوتة صغيرة وتربيهم هما الأتنين مع بعض.. دي عايزة تتربى مش عايزة تتجوز..
اتجهت مليكة إليها.
- بس ياصهيب إسكت دي زوزو ست البنات..
بينما نهى التي دعاها جواد.
- كل سنة وإنتِ طيبة ياحبيبتي وعقبال سنين كتير حلوة..
بعد الاحتفال غادر الجميع.. ولم يبق غيرهما جالسين بالحديقة.
جلست مستندة بظهرها على الشجرة.
- المنظر يخطف العقل حقيقي ياجود... بفكر نيجي نقعد هنا كل أسبوع يوم..
فرد جسده نائما على ساقيها.
- اللي إنتِ عايزاه حبيبتي.. وكمان لو عايزة تقعدي فيه أيام الجامعة علشان الهدوء والتركيز معنديش مانع...
ملست على شعره.
- جواد هتفضل تحبني على طول ولا تقول دي عيلة زي ماصهيب بيقول..
اعتدل جالسا أمامها.
- إيه اللي بتقوليه دا ياغزل.. إنتِ مش طفلة إنتِ ناضجة مافيه الكفاية.. بس متهورة ومندفعة وساعات بتتسرعي.. عايزك تحكمي عقلك قبل الرد.. إنتِ مش غبية لا ماشاء الله ذكية وذكية جدا كمان والدليل على كدا جننتي أمي وخلتيني مهووس بيكي..
اقترب وعينيه تتفحص كل إنش بها.
أغمضت عيناه مستمتعا بأنفاسها القريبة منها.. همس أمام شفتيها.
- هو إحنا ممكن نتجوز على فكرة قبل ماتخلصي الكلية عادي.. ماهو أنا مش هصبر دا كله.. دا لسة سبع سنين.. هكون كدا تحت التراب...
فتحت عيونها فجأة ووضعت يديها على شفتيه.
- بعد الشر عليك متقولش كدا.. دا إنت الهوا اللي بتنفسه...
اقترب واقترب حتى أرتشف من عشقها ماهو ألذ لقلبه الذي ألتهب بنيرانه بقربها.
ذبذبات بجسدها من قوة مشاعرها التي فُرضت عليها في حضرته...
"جواد" نطقتها بهدوء ذلذل كيانه.. ملَس على وجهها وقام بخلع حجابها ثم فرد جسده وجذبها على صدره ويده في خصلات شعرها.
- غزل عايزك تهتمي بنفسك شوية..
رفعت رأسها وشعرها يغطي عيناها.
- مش فاهمة تقصد إيه ياجود..
رفع يديه يرفع خصلاتها ونظر لجمال عيناها.
- لون عيونك بيخطفني ياحبي..
ظلت يديه تسبح في خصلاتها بحرية.
- عايزك تهتمي بدينك أكتر صلاتك ياغزل دي دينك حبيبتي مهما يكون إنشغالك اوعي تفرطي فيها.. أنا عارف إنك بتصلي.. بس فيه أوقات بتأخريها وتفضلي نايمة للضهر لولا جاسر الله يرحمه... عايز أقولك الصلاة أهم ركن في الإسلام.. يعني لو ضيعتيها.. ضيعتي إسلامك... وكمان أول مايسأل عليه العبد يوم القيامة الصلاة... فهماني ياقلبي.
وكمان مش عايز مكياج مهما كان بسيط.. لبسك تغيريه.. الحجاب مش كفاية.. لازم تستري نفسك باللبس الواسع.. فيه لبس للمحجبات كويس جدا... عايزك تلتزمي بيه.
حبيبي البنت زي الجوهرة.. شوفتي الجوهرة بتكون مغلفة إزاي.. وبتكون غالية.. البنت غالية أوي يازوزو بحفاظها على قيمها وأخلاقها... يعني فيه حاجات لازم تتلاشيها زي ضحكاتك في وجود حد كمان بلاش تلموس بينك وبين صهيب وسيف نهائي حتى بابا بلاش لبس نص الكوم والترنجات الضيقة في البيت... عندك أوضتك اعملي اللي تحبيه ووقت ماتنزلي تحت إسدلاك عليكي... دي مش غيرة علشان تبقي عارفة.. دا اللي ربنا أمر الست بيه.. عارف حازم أخوكي في الرضاعة بس ميدكيش الحق تقعدي معه بشعرك.
داعب أنفها بأنفها.
- بغير منه على فكرة على رغم عارف أنكم أخوات.
لَمَست جانب وجهه.
- أنا كنت بقعد معاك بنفس اللبس وبشعري ليه مقولتش قبل كدا.
قبّل يديها التي تضعها على وجهه وتعمق بنظراته داخل عيونها.
- أولا علشان كنتي صغيرة وكنتي بمثابة بنتي الحلوة اللي بموت فيها... وثانيا دلوقتي أنا جوزك.... بخاف عليكي ونفسي ننجى من الدنيا دي وإحنا فايزين بالجنة.. ناخد بإيد بعض.
أقتربت منه وبنوتك كمان بتغير عليك.
فاق من ذكرياته التي تشطر قلبه وجعلته يتلظى بنار الشوق إليها... ارتجف قلبه وتمنى أن يراها أمامه حتى يطفي بركانه الذي اشتعل.
اتجه بنظره لعثمان.
- عايز تنزل القاهرة ياعثمان.
- قول والله يعني خلاص هننزل ياباشا.
صوب نظراته لارتطام موج البحر وغرق بنظره للطبيعة ثم تنهد ب.
- ايوة جهز نفسك هننزل بكرة إن شاء الله.
باليوم التالي استيقظت على صوت الحي القيوم.. الذي لا يغفل ولا ينام.. على صوت صلاة الفجر... "الصلاة خير من النوم".
ولما لا وركتا الفجر خيرا من الدنيا ومافيها كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم.
فتحت عينها ونظرت حولها وجدت الظلام يسود الغرفة إلا من إضاءة النافذة من نور القمر الذي يسطع بالسماء.. مازالت في غرفته من ليلة أمس... فكلما تأتي تشتكي منه إليه تذهب بنومها العميق.
مسحت على وجهها.. وبدأت تدعي دعوات الاستيقاظ "الحمد لله الذي أحيانا بعد ماأماتنا" وظلت تستغفر لكي يبعد عنها الشيطان... ثم إتجهت إلى المرحاض لكي تؤدي فرضها وهو صلاة الفجر التي تنجينا من عذاب الدنيا والآخرة.
أدت فرضها وجلست تسبح على يديها بعض الوقت وقرأت وردها التي جعلته كالصلاة يوميا.. نظرت لساعتها وجدت مازال الوقت مبكرا.
اتجهت لخزانته لَمَست ملابسه بإشتياق.. فتحت بعض الأدراج وجدت عطره ومسبحته وفرشاة شعره.. لَمَستْهم بإشتياق وانسدلت دمعاتها.. كيف فعل بها ذلك وهو يعلم أن حياتها تتمحور حوله فقط.؟ هي الآن اصبحت لاشئ بدونه.. ثم آتجهت لغرفتها سريعا وهي تلملم جرحها على حبيب روحها المهدورة.
في تمام العاشرة تجهزت ونزلت بالأسفل.
- صباح الخير ياماما نجاة.
- صباح الورد حبيبتي عاملة إيه... عندك محاضرات كتيرة النهارده.
- لا عندي سكشن واحد وهرجع على طول.. هم كلهم مشيوا ولا إيه.
- ايوة صهيب مشي مع مليكة وحازم جه سأل عليكي إمبارح وكان طالعلك بس أنا قولتله إنك نايمة...
مسدت على ظهرها.
- كنتي نايمة في أوضة جواد مش كدا.. ماهو إنتِ مابتجيش هنا غير لما تباتي في أوضته.. حبيبتي حاولي تنسّيه وتعيشي حياتك.. جواد خلاص مسحك من حياته.
كانت تنظر لها بقلبها المفطور كل ذرة بملامعها تنتحب حب لبعده وجفاه. ورغم ذلك إجابتها بابتسامة باهتة.
- جواد دلوقتي بقى ماضي ياماما متخفيش عليه مني.. أنا بس اشتقتله زيو زي صهيب...
قالتها وغادرت وآهات قلبها تصرخ بداخلها ليصبح شذى.
بعد عدة ساعات دخل جواد بهدوء وجد والدته تجلس تردد أذكارها بعد الصلاة.
- أزيك ياست الكل..
هبت واقفة وهي تبتسم إبتسامة أم سعيدة برجوع ولدها من غربته التي طالت لسنوات هذا ما شعرته.
تنهد باستسلام لدموع والدته.
- ايه ياست ماما أنا كنت هنا من شهر يعني مش غايب بقالي سنين...
وضعت وجهه بين راحتيها.
- كدا ياجواد هونت عليك شهر كامل يابني دا إنت كنت بتغيب إسبوع وكنت بموت عليك...
مسح دموعها.
- ماما حبيبتي دا شغلي لازم تعذريني.. وبعدين أنا قدامك أهو كويس الحمدلله.
- حمدالله على سلامتك ياحبيبي..
إلتفت حوله.
- فين مليكة وصهيب.
امسكته متجهة للأريكة وجلست وأجلسته بجوارها وهي تربت على ظهرها بحنان أموي.
- راحوا الشغل من شوية... وغزل راحت الجامعة.
قالتها وهي تنظر بعمق لعيناه.
- تمام أنا هطلع أخد شاور وأرتاح لحد ماصهيب وحازم يرجعوا اشوفهم علشان هرجع بعد ست ساعات.
صاحت به بقوة.
- هو فيه يابني؟ إنت من إمتى وإنت كدا؟ حرام عليك يابني فين حقي عليك... ذنبي أنا وابوك ايه تحرمنا من وجودك جنبنا.. وغزل يابني البنت بتموت وعرفت غلطها دي كانت لسة عيلة... مش كفاية عقاب بقى.
صعد لغرفته.
- ماما مش عايز اتكلم في الموضوع دا تاني...
وجد رائحتها تعم بالغرفة بأكملها... معقول بتنام هنا... رفع وسادته ليستنشقها.. أغمض عيناه منتشيا رائحتها التي ملئت صدره.. ولكنه فجأة دفعها بعيدا عنه وهو يمسح وجهه بعنف ثم إتجه لحمامه هروبا من رائحتها التي تطارده في كل مكان.
في المساء وصل كلا من صهيب ومليكة وجلسوا جميعا لتناول وجبة العشاء ووالدهم الذي إنضم لهم.
- هتنقل إمتى ياجواد...
هذا ما أردف به حسين... زفر جواد بضيق.
- بابا وبعدين...
قاطعهم دخول حازم.
- غزل لسة مرجعتش لحد دلوقتي.
على رغم قلقه إلا أنه تظاهر بعدم الاهتمام قاطعهم رنين هاتفه.
- جواد جالي معلومة عاصم بيجهز ليخطف غزل.. خلي بالك وشدد الحراسة... وأنا مراقب من بعيد حتى أوصل لحاجة توصلنا له كل مانوصله يهرب.
هب واقفا.
- تمام متقلقش...
نظر لحازم حتى لا يشعروهم بالقلق.
- شوفها ممكن تكون بتتمشى هنا ولا هنا ولا اتصل بزاهر.
- إتصلت وقالي وصلها لحد باب البيت بس مش موجوده أنا مش عارف اعمل إيه؟ تليفونها مقفول.
نظر في هاتفه متجها لسيارته سريعا وجد إشارة سلسالها في بيت المزرعة... تنهد قليلا..
وتذكر بعد خطفها وضياع سلسالها دلف غرفتها ذات مساء.
- زوزو جايبلك هدية حبيبي مكان اللي ضاعت.
قطبت جبينها بمعنى.
- هدية ايه دي ياجواد وإيه اللي ضاعت.
أخرج سلسال من الفضة يتوسطه فراشة ذهبية.
ضحكت عليه.
- إيه موضوع الفراشة والسلاسل معاك.
رفع شعرها وألبسها إياها مقبلا جبينتها.
- دي مهما يحصل إياكي تخلعيها..
همس أمام شفتيها: روحي في السلسال دا
يوم ماتضيعها اعرفي إنك ضيعتيني
طوقت عنقه.
- غلطان يا حبيبي... روحك عندي هنا،
قالتها وهي تشير لقلبها... تنهد بحزن.
- معرفش إيه اللي حصل بعد الحب دا كله يا غزل.. إزاي قدرتي تكسريني كدا.
شعر بنيران صدره من ذكرياته التي تزيد آلامه في اشتياقها.
قاطعه رنين هاتفه.
- جواد لقيت غزل...
- لسة يا حازم بشوفها اهو... اتصل بباسم خليه يشوف تليفونها فين.
قبل قليل اتصل عصام.
- عاصم باشا البنت لوحدها في بيت ريفي في منطقة بعيدة عن القاهرة
أنا راقبتها لحد ما وصلت بقالها أكتر من ساعتين
كنت مفكرها جاية تزور حد بس إتضح البيت تبعهم...
وقف عاصم وأردف سعيدا.
- خليك مكانك يا عاصم أنا جاي إنت معاك فريقك.
- ايوة يا باشا بعد ما عرفت اتصلت بيهم للاحتياط... تمام ابعتلي اللوكيشن.
وصل لباب المزرعة..
ركن سيارته ناظرا حوله مستكشف المكان حوله..
شعر بحركة غريبة في الحديقة التي تجاوره..
سيارات مركونة على جانب الطريق...
نظر في زجاج نظارته كأنه يقوم بتنظيفها حتى لا يشكوا بأمره...
وجوههم مقنعة...
هنا علم أنها بخطر،
دلف إلى الداخل بهدوء وحذر...
أرسل رسالة إلى باسم:
باسم ..أنا محاصر من مرتزقة في بيت المزرعة وشكل غزل جوا.
رفع بصره لغرفتها وجدها مضاءة..
اتجه سريعا للداخل بعدما وجد دلوفهم إلى الحديقة.
قبل قليل
تجلس تراجع دروسها استمعت لرنين هاتفها.
نهى:
عاملة إيه يا قلبي..
- غزل جواد راجع بكرة لسة مكلم صهيب ..اجهزي يا جميل لحبيب القلب.
ارتفع نبض قلبها، وتلألأت عيناها بالدموع ..
فنهضت متمتمة.
- أنا في بيت المزرعة هرجع حالا.
صُدمت نهى من حديثها.
- بتعملي إيه لحد دلوقتي في بيت المزرعة يا غزل، الساعة ١٢.
نظرت بساعتها ثم ضربت على جبينها.
- ازاي محستش بالوقت..خلاص هنزل حالا..
قاطعتها نهى.
- انزلي لزاهر بسرعة، بلاش مشاكل مع صهيب، ما صدقت أنه رضي عنك.
- أنا هتصل بزاهر حالا، أنا جاية لوحدي، انفصل الخط..
نظرت لهاتفها وجدته نفذت بطاريته.
زفرت بضيق، محدثة نفسها،
دلوقتي حازم هيسمعني محاضرة في الأخلاق
خلصت من جواد وصهيب نطلي حازم.
أرجعت خصلاتها للخلف بغضب،
ثم اتجهت تضعه على الشاحن،
واتجهت لمرحاضها لتنعش نفسها بحمام بارد.
وصل جواد لغرفتها يبحث عنها بعينيه ولكنها غير موجودة..
وجد كتبها وهاتفها الذي يوضع على شاحنه...
هوى قلبه من فكرة وجودها بالأسفل ..
استمع لصوت المياه، هدأ قلبه قليلا،
نظر من خلف الستارة بعدما أغلق الأضاءة،
وجد تسللهم بحذر وخبرة للداخل، وعددهم كثير،
هرول للداخل سريعا..
اقتحم المرحاض عليها.
كانت تجفف خصلاتها ..
ولكنها صرخت بخفوت تنظر إليه بذهول تردد اسمه بعدما سقطت المنشفة من يديها.
"جواد"
رواية تمرد عاشق الفصل العشرون 20 - بقلم سيلا وليد
أسرع جواد يتسلق درجات السلم أمامه ساعيًا للوصول لغرفة غزل قبل هؤلاء المجرمين. وجد ضوء غرفتها مضاءً عندما فتح الباب ودخل يبحث عنها في كل اتجاه. استمع إلى صوت المياه داخل حمام الغرفة فأدرك أنها بداخله، وذلك يعني أنها عارية. لف بعينيه في الغرفة فلمح إِسدالها على طرف السرير، فأمسكه بيده وأغلق الضوء متجهًا نحو الحمام.
وصرخت عندما اقتحم الباب. هوت المنشفة من يديها ولم تكن إلا بملابسها الداخلية. استدار بجسده.
نظرت برعب إليه:
"جواد!"
- إشش، إهدي، أمسكي البسي إسدالك بسرعة، لازم نخرج حالًا.
أمسكته بأيدٍ مرتعشة وأرتدته سريعًا.
هل يوجد أمامها أم خُيّل لها؟
هل هو بالفعل؟
جحظت عيناها عندما وجدته يقترب منها ونظراته لا تفارق عينيها. بدأ جسدها يرتعش وشعرت بأن الأرض تميد بها. دنت بخطوات منه.
"جواد!" أردفت بها مع ارتجاف شفتيها.
أسرع إليها بدون حديث، فكمم فمها.
- ما أسمع صوتك.
وقفت كالعاجزة، صدمتها لم تعِ ما يحدث لها. كأن أعضاءها شُلّت ورُبط اللسان. تنظر له فقط وهو يُلبسها حجابها ثم سحبها سريعًا للخارج بحذر.
جسدها يرتعش فقط، ودموعها تنساب، لا تعلم ما بها. هو أمامها، تخيلته حلمًا، ولكنه حقيقة الآن.
آلمه قلبه لحالتها هذه، وحزنها الواضح في عينيها الجميلتين. فاقت على حالها عندما أمسك يديها للخروج.
- عندك يا حضرة الضابط.
اتجهت لحقيبتها، ولكنه لم يعطها فرصة أكثر من ذلك، فقد أغلق جميع إضاءة المنزل ليعم الظلام عليه.
تحدثت بشفاه مرتعشة:
- هو فيه إيه؟
رمقها بنظرة جانبية.
- ما تتكلميش خالص.
دفعته متجهة للإضاءة. كمم فمها جاذبًا إياها في حضنه هامسًا لها:
- فيه ناس تحت يا غزل، وما عرفش مين. إهدي لو سمحتي علشان نعرف نخرج من هنا.
عيناها تراقب كل إنش به، تتمنى أن يضمها ويروي اشتياق روحها المفقودة.
على الرغم من وجعها منه، إلا أن كل خلية في جسدها تتمنى قربه. تركها ناظرًا لها من خلال الظلام.
- امشي وحاولي ما تعمليش أي حركة أو صوت.
قالها بهمس أمام وجهها.
"جواد!"
- أنا خايفة.
تنهد بهدوء ثم اتجه لها.
- خايفة من إيه؟
حاول أن يتنفس بهدوء، فقربها منه ورائحتها جعلته غير قادر على السيطرة على مشاعره. نيران عشقه الجارف لها لم تخمد ولن تهدأ إلا بسحقها في أحضانه، وارتواء روحه من شهدها الذي افتقده لسنوات.
رفع ذقنها وتحدث قائلًا:
- ما تخافيش، أنتِ مش صغيرة.
سحبها واتجه من الباب الخلفي. أرسل لباسِم:
- أنت فين يا ابني؟
- قدامي ربع ساعة بالكتير، بس زاهر داخل عليك هو وأمنه.
- كتير يا باسم ربع ساعة، حاول أكتر من كدا. ده جيش تحت. أنا هدخل غزل عندك في البيت وهستناك بسرعة، وكلم زاهر ما يتهورش يا باسم، ما يعملش حاجة من دماغه، عارفه مجنون.
- تمام.
هذا ما أردف به باسم.
كانت تنظر له وهو يحادث باسم من خلال رسائله. ممسكًا بيديها أغمضت عيناها منتشية برائحته الرجولية التي تعشقها. مطت شفتيها بحزن ونظرت للأسفل عندما وجدته غير مبالٍ لها.
رفع يديه وجمع شعرها الذي يخرج من حجابها.
- إحنا هنخرج من الباب ده، هتروحي في بيت باسم بس إياكِ تطلعي منه ولا تشغلي أي إضاءة، ماشي يا غزل؟
نظرت من حيث ينظر، وجدت أشخاصًا مقنعة كثيرة يقتحمون منزلها.
- مين دول يا جود؟ عايزين إيه؟
أغمض عيناه من همساتها التي حتمًا ستؤدي به إلى الجنون وأخذها بعيدًا ليُريها كيف كان مشتاقًا لها. احتوى راحتيها مجيبًا:
- دول ناس ما أعرفهمش مين وجايين ليه. وعلشان أعرف لازم تسمعي الكلام، ماشي؟
وصل لمنزل باسم ودخل بهدوء.
- خليكِ هنا، إوعي تشغلي أي نور ومهما يحصل برة ممنوع تخرجي، إياكِ، سمعاني؟
تشبثت بقميصه ودموعها تسبق كلماتها. بكت بقهر زوجة أو حبيبة ستفقد حبيبها.
- لا بلاش تروح. أنا عارفة مهما أقولك وحياتي ما هتسمع مني، لأني عارفة إني ما بقاش ليا لازمة. بس علشان خاطر والدتك يا جواد، علشان خاطر اللي بتحبهم والنبي بلاش تروح وتقهر قلبي.
أنهت كلماتها وهي تنظر لعينيها وترجوه بألا يفعل شيئًا يؤلم روحها.
آهة خفيضة تحررت من بين شفتيه. نظر لها وأجابها مستطردًا حديثه:
- ما هو علشان كل اللي بحبهم وبيحبوني لازم أخلص من دول.
تركها متجهًا لمنزلها ولكنها أسرعت عليه وضمته وظلت تبكي.
- ما تسيبنيش يا جواد علشان خاطري. أنا آسفة والله ما هعمل حاجة تزعلك تاني.
رعشة قوية ضربت جسده عندما استمع إلى كلماتها. ضمها بكل ما لديه من قوة، واستطرد حديثه بهدوء:
- غزل أنا ضابط يعني ده شغلي، لازم أمسك المجرمين دول وأعرف هم جايين ليه.
ضمت وجهه بين راحتيها. رمقته بنظرات هائمة.
- أوعدني إنك هترجع لي بالسلامة يا جواد.
صمت هنيهة وحاول أن يتمالك الضبط على مشاعره، فهو ما زال يعاني من ألم روحه التي أهدرتها بغبائها.
أنزل يديها بهدوء من على وجهه.
- أوعدك أعمل كل اللي أقدر عليه علشان أرجع.
قاطعهم رنين هاتفه الذي بفعل الصامت.
- أيوه يا زاهر تمام.
جحظت عيناه.
- بتقول مين جه؟
ابتسم بسخرية:
- يا مرحب بالغالي جه لقدره.
رفع نظره لغزل:
- لو فعلًا لسه عندك ليا مشاعر يا غزل ما تخرجيش من البيت ده.
ثم تركها وغادر، ولم يعلم بكم نيران قلبها التي تحترق خوفًا عليه.
أمام منزلها، نزل عاصم من سيارته وهو يلتفت حوله. اتجه عصام له.
- حضرة الضابط جه من شوية وطلع فوق.
قطب جبينه وأردف متسائلًا:
- وده جه إمتى؟ هو ما كانش في سينا؟ وبعدهالك يا ابن الألفي هتفضل تنط لي زي عفريت العلبة. فيه حد معاه؟
- لا يا باشا هو لوحده.
ابتسم بخبث وتحدث قائلًا:
- حلو يعني هنترحم على حضرة الضابط الليلة.
ثم ضحك بصخب:
- ولا جيت لقدرك يا حضرة الضابط.
رمق عاصم عصام بنظرات تحذيرية.
- غزل اللي يلمسها هد فنه.
حذرهم:
- ممنوع يقتربوا منها ولا يلمسوها، أما حضرة الضابط عايزه حي علشان أنا اللي استمتع بموته بإيدي.
أردف بها متجهًا للمنزل، ولكنه توقف فجأة عندما وجد عدة سيارات متجهة جهة المنزل. رجع لسيارته سريعًا.
- ابن الكلب شكله عرف إننا جايين. مش عايز حد حي يا عصام.
في المنزل عند غزل.
جلست ترتعش كلما تستمع إلى أصوات الطلقات النارية التي تعم المكان. وضعت يديها على أذنيها وبدأت تبكي.
- يا رب رجعه لي بالسلامة. يا رب.
اتجهت تنظر من النافذة، الظلام يعم المكان إلا من ضوء القمر. حاولت تبحث بعينيها لعلها تراه ويرتاح قلبها. نظرت للسماء وبدأت تدعو الواحد القهار.
- يا رب ماليش غيرك يا رب. يا رب رجعه لي سالم يا رب.
ظلت ترددها مع ذكرها لبعض الأدعية:
- اللهم إني استودعك إياه.
بعد أقل من ساعة، هدئ المكان من طلقات الرصاص التي كانت تحوم المكان منذ قليل، ورغم ذلك هناك الكثير من سيارات الشرطة. ظلت كما هي، مثلما هي تجلس في مكانها مثلما وعدته، لا تتحرك ولكن قلبها يتلظى بنيران الخوف عليه.
وقف بجانب باسم.
- ابن الكلب جايب مرتزقة علشان يخطف بنت عمه.
قاطعه باسم قائلًا:
- ويقتلك.
ضيق عيناه متسائلًا:
- يقتلني؟
حمحم باسم:
- أيوه للأسف، صفى الراجل بتاعنا بعد ما كشف هويته.
مسح على وجهه بغضب:
- أُف يا باسم أُف. إزاي حاجة زي دي تعدي عليك؟ إزاي ما تاخدش بالك إنه ممكن يتكشف؟ وإزاي تسيبه بعد ما عرفت مكانه؟
- خلاص يا جواد إهدى، وإن شاء الله يتمسك.
صوب له نظراته وتحدث ساخرًا:
- يتمسك؟ ده كان قدامنا يا حضرة الضابط وما عرفناش نمسكه، لا وجايب مرتزقة. نفسي أعرف جايب لهم فلوس منين.
- المهم يا جواد دلوقتي غزل في خطر. الموضوع مش سهل زي ما كنا فاكرين. يعني زاهر هيكون معه فريق أوكيه.
بس دا مش كافي.
تنهد بألم، هو يعرف ما يريده باسم، ولكن هل سيستطيع على ذلك؟
- تمام يا باسم، أنا هروح لغزل زمانها مرعوبة دلوقتي.
وقف أمامه:
- صحيح نسيت أسألك... إنت لقيت غزل نايمة ولا إيه؟ إزاي محستش بيك وإنت داخل؟
هنا تذكر حوريته عندما دخل المرحاض عليها.
تحرك مغادرًا وتحدث بهدوء رغم حربه الداخلية التي ذكره بها باسم:
- أيوة لقيتها نايمة.
وصل إلى منزل باسم، وجدها تنهي صلاتها.
جلس بالخارج حتى تنتهي تمامًا.
خرجت سريعًا عندما شعرت بوجوده.
أسرعت له ولكنها وقفت عندما وجدته جالسًا ينظر إلى السماء بهدوء ولا يعتني بها.
- "جواد!"
اتجه بنظره لها وما زال على وضعيته. تحركت ببطء متجهة له، وقفت أمامه:
- إنت كويس؟
نظرت لأنحاء جسده ثم اقتربت تملس على جسده بحرص تبحث عن إصابات. رجع للخلف:
- أنا كويس مفيش حاجة... إزاي تيجي لوحدك هنا؟ هتفضلي طول عمرك كدا مستهترة.
تحدث بها، ونظرات مستعيرة بنيران الغضب عليها.
جلست بهدوء واضعة رأسها بين راحتيها:
- خلصت وصلة الغضب بتاعتك يا حضرة الضابط؟
تقدم منها بخطوات ثابتة كنمر يوشك الانقضاض على فريسته:
- كالعادة إنسانة مستهترة... ما بتفكرش غير بطفولية...
ابتسم بسخرية:
- أنا بتكلم مع مين أصلاً... المفروض أتكلم مع واحدة عاقلة... مش واحدة ما بتفكرش غير إزاي ترضي غرورها.
ألقى سهام حديثه وعيناه تقطر قهرًا منها ومن نفسه، ما زال جرحه يئن وجعًا منها... ما زالت بقايا روحه تنزف.
نظرت له لم تجد فيه حبيبها، هذا شخص لا تعرفه... أين نظرة الحب؟
لم تجد في عينيه غير جفاء... بماذا ينعتها؟
هل هي بالفعل تلك؟
نظرت بعمق لعيناه التي تهرب في جميع الاتجاهات لعلها تجد بهما رصاصة الرحمة لقلبها المسكين.
- من أنت؟ أين حبيب روحي الذي أضعته؟ ألهذه الدرجة حولتك من حبيب لعدو؟
تلاقت النظرات بينهما للحظات معدودة... نظر للبعيد وتحدث قاطعًا صمتهم:
- امشي قدامي، الكل قلقان على البرنسيسة عديمة المسؤولية.
وقفت باتزان عجيب وتحركت بهدوء ولم تعلق على حديثه الذي حولها لبقايا أشلاء.
ركبت بجواره بدون حديث... اتجهت للنافذة ووضعت رأسها عليها تنظر بشرود وكأنها لم تعي بما يدور حولها.
ابتسمت ساخرة لنفسها:
- هذا الذي كنت تعدين الثواني للقائه.
حركت يديها بهدوء على صدرها لعل وخزة قلبها الذي شقه لنصفين تتعافى.
توجه بنظره إليها يتمنى أن يضمها ويروي اشتياق روحه لها... ولكن كيف وهي التي دعست على كرامته ورجولته بكل جبروت.
ضربات قلبه تتزايد من قربها عندما أراحت برأسها على كتفه في غفوة سيطرت عليها.
مسد على كتفها بحنان:
- غزل، إنت نمتي؟
همهمت بغفوتها... ابتسم بعفوية على طفولتها التي ما زالت بها.
نزل بذقنه على رأسها ينتشي برائحة عبيرها الذي حرم منها لأعوام فرضها القدر عليهما... ملس على وجهها بحنان... ولكنه رفع يديه سريعًا عندما تذكر إنها حرمت عليه... أغمض عيناه بقهر... كيف لها أن تحرم عليه الآن وهي الروح لحياته.
وصلا أخيرًا إلى المنزل... الجميع بانتظارهما بعدما علموا ما حدث.
اتجه حازم إلى السيارة سريعًا.
أسندها جواد على المقعد وبدأ بإفاقتها:
- غزل قومي إحنا وصلنا.
فتحت عيونها الرمادية الجميلة مبتسمة وكأنها تحلم به.
- "جود وحشتني".
أردفت بها بهدوء ذلذل كيانه... قاطعهم حازم عندما فتح باب السيارة:
- زوزو حبيبتي إنت كويسة؟
هنا فاقت ورجعت أرض الواقع... اعتدلت وتحدثت له متلاشية النظر لجواد:
- أيوه حبيبي أنا كويسة.
اتجه لجواد:
- عرفت إزاي إنها هناك؟
- باسم قالي!
أردف بها متحركًا بلا أهمية لها.
أوقفها حازم مستندًا لها عندما شعر بارتعاش جسدها من وجع قلبها الذي جنته.
ضمها من خصرها متجهًا لمنزله... التفت جواد له.
- "حازم".
ولكنه قطع جملته عندما وجدها بأحضانه بالكامل... ضغط على قبضته حتى ابيضت وعيناه تحولت للاحمرار من شدة غضبه.
- هذه ملكه وحده ولا أحد له حق الاقتراب منها.
خطى لحازم عندما ناداه:
- فيه حاجة يا جواد؟
نظر لها جواد نظرات نارية وهي تلتف بيديها على خصر حازم... يكاد يلتهب بنيران الغيرة:
- خلي بالك منها كويس، أنا مش فاضي للعب العيال كل شوية أجيبها من مكان.
نزلت كلماته عليها كبنزين مشتعل داخل صدرها... آهة خرجت من جوفها عندما شعرت بسحابة سوداء تلتحفها.
- "حازم".
هذا ما أردفت بها عندما سقطت فاقدة الوعي... تلقفها حازم بيديه.
رآها ذلك الذي يقف وهي تستغيث بحازم في وجوده وكأن قلبه الذي سقط جذبها من يد حازم بقوة وصرح به:
- إبعد عنها.
أخيرًا فلت القوس من السهم ونطق القلب مالا يحكمه العقل.
حملها ضامًا إياها لصدره متجهًا بها إلى منزله... كان يقف في الشرفة يراقب ابنه.
اتجه إلى مقعده وبدأ يفكر كيف عليه أن يجمعهما حتى لو كلفه الأمر بغصبهما... يعرف ابنه وكذلك يعرف براءة وساذجة غزل.
بعد قليل يجلس بالخارج وكأن الذي يجلس بهدوئه الآن هو الذي كان سيغشى عليه منذ قليل من خوفه عليها.
تحركت مليكة جالسة بجواره هو وحازم:
- الحمد لله أخيرًا فاقت.
قالتها مليكة بهدوء:
- هي عاملة إيه يا مليكة؟
- كويسة يا حازم.
أردفت بها وهي تنظر لأخيها الذي تباهى بأنه منشغل بهاتفه.
ولا يعلم أحد بكم نيران قلبه.
وقف متجهًا لغرفته:
- تصبحوا على خير.
هب حازم أمامه:
- إنت هتنام دلوقتي؟
ابتسم جواد ساخرًا:
- الساعة اتنين الصبح، إيه ناوي تقعد للصبح؟
- أيوه.
أردف بها حازم ناظرًا له بقوة ثم استطرد حديثه:
- تعالى لازم نتكلم يا جواد.
- أنا تعبان وعايز أرتاح... بكرة نتكلم.
تحدث بها مغادرًا لغرفته:
- أنا هطلع أجيب غزل يا جواد وهاخدها معايا.
- مينفعش يا حازم.
قالها حسين بهدوء.
وقف جواد يناظر والده الذي هو ينظر له بنفس نظرته:
- الأول جوزها ما كانش موجود، بس دلوقتي جوزها جه والمفروض تكون موجودة في بيت جوزها... مش كدا ولا إيه يا حضرة الضابط؟
ضيق عينيه متسائلًا:
- إنت بتتكلم عن مين؟
- غزل يا جواد هتكلم على مين... أنا صبرت ما فيه الكفاية... بكرة هترجع مراتك لعصمتك ودا آخر كلام عندي.
ماذا يقول والده؟ كيف له أن ينسى إهانتها لرجولته؟ اتجه بخطاه له:
- عادي كدا يا بابا... عايزني أتجوز من اللي كسرتني... دا مستحيل.
- معاش اللي يكسرك يا حبيبي، هي كانت عيلة ما تعرفش وما تقصدش...
ثم أضاف عندما وجد هدوئه:
- ما تنساش إن دي غزل هترتاح وهي بعيدة.
- أيوه أنا مرتاح وهي بعيدة عني.
تنهد حسين بحزن ناظرًا لحازم:
- روح إنت وسيبها يا ابني، وزي ما قلتلك هي في بيت جوزها...
تحرك جواد لغرفته عندما شعر إنه سيفقد عقله.
باليوم التالي... يجلس الجميع على مائدة الفطار سوى جواد وغزل... نزل جواد الذي مستعدًا لسفره... وقف والده أمامه بغضب عندما علم بنقله مرة أخرى بعدما رجع القاهرة:
- إنت بتعاند يا جواد... خلاص كبرت على أبوك... ليه طلبت نقلك تاني؟ قولي ليه يا ابني عايز تموتني؟
- بابا لو سمحت أنا مرتاح هناك.
- بس أنا مش مرتاحة.
هذا ما أردفت به غزل وهي تنزل الدرج.
اتجهت ووقفت أمامه ونظرت وعيناها تنسدل منها الدموع:
- أنا مش مرتاحة وتعبانة يا جواد... كفاية عقاب لحد كدا، هتفضل تعاقب نفسك وتعاقبني لحد إمتى؟
ربت حسين على كتفه وتحدث مقنعًا إياه:
- حبيبي اسمع كلام مراتك...
نظرت بغمامة دموعها وهي تنظر لعمها وجسدها يرتجف من كلمة مراتك... مدت يديها تحتضن يد.
- علشان خاطري كفاية لحد كده أنا آسفة والله لو أعرف كده مكنتش عملتها.
كأنها هوى لم يستمع لحديثها، اتجه لوالده:
- أنا مش متجوز يا بابا علشان تقولي مراتك، غلطت وعرفت غلطي وصححته، بلاش تخليني أكره نفسي أكتر من كده.
التفت إليه بوجع عندما ألقى حديثه، ابتسمت بسخرية وأجابته بهدوء مفتعل رغم ضجيج قلبها:
- أعمل اللي يريحك يا حضرة الضابط، أنا اللي آسفة إني رخصت نفسي، لكن ملحوقة.
ثم رفعت عيناها تنظر في مقلتيه بكل ما تحمل بداخل قلبها من وجع:
- وأنا من النهاردة حرة في أفعالي، ما لكش حكم عليا، حتى لو شوفتهم بيصفوا دمي ما تعملش حامي الحمى.
قالتها ثم خرجت مهرولة لمنزل حازم.
في اليوم التالي على مائدة الطعام:
- عمتكم جاية بعد يومين.
اتجه بنظره لنجاة:
- جهزي الدور اللي فوق يا نوجة علشان هتقعد كام يوم.
ملّست على يديه:
- اعتبره حصل.
توجه جواد نظره لوالدته التي تعامل والده بكل حب واحترام رغم زواجهما المعقد.
- "حازم" حبيبي هعدي على رغدة النهاردة في بحث عملي لازم نعمله.
- تمام حبيبتي، خدي بالك من نفسك، وخلي زاهر معاكي دايمًا.
وقفت متجهة لجمع أشيائها:
- تمام.
نظرت لحسين:
- محتاج مني حاجة يا عمو؟
أشار بيديه وتحدث مبتسم:
- تعالي يا حبيبة عمو عايز أقولك حاجة.
قطبت جبينها:
- فيه حاجة ولا إيه؟
أخرج مفتاح سيارة ووقف ضامًا إياها بأبوية:
- كل سنة وأنت طيبة يا زوزو، النهاردة عيد ميلادك.
انسدلت دموعها التي كانت عالقة بين أهدابها:
- أنا كنت ناسيه أصلاً، ربنا يخليك ليا يا حبيبي.
اتجهت مليكة وضمتها:
- كل سنة والجميل بيكبر وبيحلو بينا، العمر كله يا حبيبتي.
وأخرجت لها من جيب حازم عقد به فصوص من الزمرد:
- ده بقى يا حبيبتي هديتي أنا وحازم.
أما صهيب أخرج من جيبه ساعة فضية اللون ولكنها جذابة الشكل يوجد بجوارها أنسيال يوجد في منتصفه فراشة، ابتسم لها وأردف:
- كان نفسي أجيبها لون عيونك الحلوة بس ما لقيتش، ملحوقة.
ابتسمت بوجهه وأردفت ممنونة بشكر:
- شكرًا يا آبيه، ربنا يخليك ليا.
أما الذي يقف بجوارها نظر لها وغص قلبه من عقابه القاسي الذي أنساه عيد ميلادها.
أسرع سيف وهو يضحك:
- دكتورتنا الحلوة أنا ما جبتش هدية بس ممكن أعزمك على عشا رومانسي.
أردف بها وهو يغمز بعينيه.
ابتسمت وتحدثت:
- كفاية معايدتك ليا، تسلم لي يا سيفو.
سحبها من يديها:
- والله أبدًا لازم أعزمك على فشار.
وقفت وهي تضحك بدموع السعادة:
- حبيبي يا سيف والله ما محتاجة فشارك، أصله غالي قوي ومش عايزة أخسرك.
ضحك الجميع في روح دعابية من سيف.
اتجهت نجاة مقبلة جبهتها:
- كل سنة وأنتِ طيبة يا حبيبة قلبي ودايمًا السعادة منورة وجهك.
ثم همست لها:
- هديتي الواد اللي واقف مصدوم هناك إن شاء الله يرجع لك ويكون من نصيبك.
رفعت عيناها اللامعة بالدموع وارتمت بأحضانها:
- أنتِ أحسن أم في الدنيا.
ملست نجاة على ظهرها بحنان:
- مش هيستحمل صدقيني، بيحبك وبيموت فيكي يا قلبي بس اصبري عليه.
- أنتم بتقولوا إيه؟
هذا ما أردف به صهيب.
مسحت نجاة دموعها بحنان أموي:
- غزل عايزة تسافر لخلتها ليلى وحسناء فأنا كنت بأقول لها هاقنع عمك، إيه رأيك يا حسين؟
- مستحيل.
هذا ما أردف بها جواد بقوة.
همست نجاة لها:
- مش قلت لك كلام بس شوفي قلبه بيغلي، ونفسه ياخدك في حضنه بس كرامته ناقحة عليه.
ضحكت غزل عليها مقبلة جبهتها:
- تسلمي لي يا نوجة.
رفعت نظرها متجاهلة نظرات جواد:
- إيه رأيك يا عمو عايزة أسافر تركيا وأكمل تعليمي هناك ما عدتش عايزة أقعد هنا تاني.
أسرع إليها جاذبًا يديها:
- تعالي معايا.
ابتسمت نجاة بغرور متجهة لزوجها:
- كله تمام يا حبيبي.
اتجه صهيب إليها:
- مش عيب يا نوجة تلعبي من ورايا؟
في الحديقة صرخ بوجهها:
- عايزة إيه تسافري؟ ماشي اتفضلي، مع السلامة، بس قبل ما تسافري اعرفي إنك كسرتِ ده.
مشيراً لقلبه:
- وخلتيني أكره نفسي.
بأنفاس مقطوعة خرج صوتها وهي تجاهد دموعها.
دارت حوله وأغمضت عيناها وأردفت:
- ياااه لدرجة دي يا حضرة الضابط مش طايقني، كرهت نفسك.
جلس بهدوء مفتعل ولم ينظر لها ولكنه استطرد حديثه بهدوء رغم حربه الداخلية.
*******
- عايزة إيه؟ عايزة تعرفي إني مش عايزك وكرهتك؟ آه مش عايزك وكرهت نفسي بسببك، عملتِ إيه يثبت حبك ليا أقولك:
ثورتي وهجتي وما عملتيش حساب لجوزك اللي بيحارب في كل الجهات، لا رحتي رميتي ودنك لكلب عارفة ومتأكدة إنه عايز يتخلص مني.
ثم استرسل حديثه قائلاً:
- لا ومش بس كده، جيتي وقفتي قدام جوزك اللي هو نفس الرجل اللي كان مستعد يضحي بحياته علشانك.
نظر لداخل عيناها:
- كان مستعد يبيع الدنيا بحالها علشان ابتسامة من عيونك.
أكمل مسترسلاً بعتاب:
- جئتِ بكل فجر وقلتِ أتمنيت غيرك.
رفع نظره للسماء وكأنه يناجي ربه بألا يضعفه أمامها ثم توجه لها:
- يا ترى تسكتي على كده؟ أبدًا لا لازم أدوس بالجامد قوي لازم أذبحه بسكينة باردة علشان أتمتع بذبحه وأشوفه وهو بيفرّفر قدامي وأكون مستمتعة بعذابه.
وأكمل معاتبًا لروحها قبله:
- رحتي بكل وقاحة وخلعتيني.
ههه، بدأ يدور حولها ونظراته المستحقرة:
- وجاية بكل بساطة توقفي قدامي: لا لا مش معقول كده، أنت كده كويس يا حبيبي، ده كنت باهزر معاك، لا معلش أنا آسفة أصلي صغيرة وما كنتش أعرف إن الموضوع يكسرك كده، أنا آسفة يا جود بليز ما تزعلش، مش ده كلامك حضرة الدكتورة المحترمة.
- جواد لو سمحت اسمعني.
- اخرسي يا غزل مش عايز أسمع صوتك ولا عايز أشوفك، عايز أنسى كل حاجة مرتبطة بيكي، عايز أفوق من الوهم اللي حطته لنفسي، كل شوية تقولي لي أنت أغلى حاجة في الدنيا، أنا باحبك، ما أقدرش أعيش من غيرك.
استطرد حديثه ملام:
- فين إثباتك لده؟ فين الثقة اللي المفروض الحب ثقة؟
أمسكها من أكتافها بعنف:
- أقولك فين؟ ما فيش، أيوه بح... ليه يا حضرة الدكتورة علشان أنتِ ما حبتنيش أنتِ خدتيني كشخصية اتمحورت لحياتك وبس.
وقفت أمامه تنظر داخل مقلتيه:
- أنا باحبك أكتر من روحي، مستعدة أبيع الدنيا دي كلها علشان حضن من أحضانك، جواد أنا كنت صغيرة مش فاهمة حاجة.
دفعها بعيد عنه عندما وضعت يديها على خديه:
- ابعدي عني، كفاية أسطوانتك للكل دي إنك صغيرة، لا أنتِ مش صغيرة، أنتِ كبيرة وواعية ما فيه الكفاية، ده أنتِ دكتورة يا حضرة الدكتورة، هو فيه واحدة صغيرة برضه تفكر في قضية خلع؟
نزل بجسده لمستواها:
- دي واحدة عايزة تموت وتذل اللي قدامها مستمتعة بعذابه.
تعرف أنها خذلته ولكنها لم تيأس.
- جواد لو سمحت ما تعملش كده، أنا تعبانة من غيرك، حبيبي لو سمحت اديني فرصة.
على الرغم من قوة مشاعره لها ورغبة ملحة عليه بأن يضمها، إلا إنه نظر للبعيد:
- اخرسي مش عايز أسمع أسطوانة حبك دي.
ثم تحدث بما يقسم ظهر البعير:
- أنا رميتك من حياتي، وأنتِ ارميني من حياتك، وحافظي على كرامتك اللي ذبحتيني علشانها.
قالها ثم أسرع مغادرًا من أمامها عندما شعر بضعف كونه وكينونته أمامها.
نزلت بركبتها على الأرض وظلت تبكي لبعض الوقت ثم وقفت فجأة ومسحت دموعها بعنف.
نظرت لسرابه وكأنها فاقدة للنطق:
- طلعت قاسي قوي، وحياة حبي لك يا جواد لأرجعك وأنت بتتمنى لي الرضا وزي ما عشت من غيرك أربع سنين وأنت بعيد هاعيش وأنا قدامك وأقهرك كمان.
وصلت مليكة إليها بعدما وجدت حالة أخيها.
ضمتها لصدرها:
- ما تزعليش يا حبيبتي، معلش هو لسه زعلان منك، الموضوع مش سهل يا زوزو.
- خلاص يا مليكة، هو اللي اختار وأنا برضو ليا اختياراتي.
أردفت بها ثم تحركت خارجة.
***
في شركة الألفي، دخلت نجوى إلى نهى.
- البشمهندس عنده اجتماع بعد ربع ساعة، بيقول لحضرتك جهزي نفسك.
استدارت إليها.
- إزاي أنا معرفش الاجتماع دا؟ تبع إيه؟
مطت نجوى شفتيها:
- اللي أعرفه دي شركة أسبانية، وحضرة الضابط هيكون موجود كمان علشان البشمهندس صهيب خلاني أكلمه.
نقرت بقلمها على المكتب وهي تحاول تفكر بماذا يفكر صهيب؟ رفعت نظرها لنجوى وتحدثت:
- تمام، روحي أنتِ على شغلك يا نجوى.
بعد أكثر من ربع ساعة، جلست نهى بجوار صهيب في غرفة الاجتماعات. دلفت فتاة ممشوقة القوام، ذات عيون زرقاء وشعر أصفر قصير.
دخلت وألقت التحية على الموجودين: صهيب، نهى، وبعض الأعضاء المسؤولين من الجانب الإداري.
بدأت تتكلم مع صهيب بلغتها الإسبانية وبعض العربي المكسر:
- أريد أعرف لماذا لم يحضر حازم هذا الاجتماع؟ توقعت إنه سيكون موجود.
رد صهيب بلباقة:
- عذرًا، فهو اليوم لم يكن موجودًا بالقاهرة، وأكيد سيكون موجودًا في المرات القادمة.
بدأت تتحدث عن العمل الذي سيجنيه كلاهما من هذا المشروع، وهو عبارة عن منتجع سياحي بإحدى القرى السياحية.
بعد أكثر من ساعتين، ودعها صهيب ونهى. تنهد صهيب بعد خروجها.
- معرفش حازم رافض التعامل معها ليه، مع إنه بيقول الشراكة معها كويسة للشركة.
ضيقت عينيها مستفهمة:
- طيب ليه رافض؟ ممكن يكون فيه حوار منعرفوش؟
ابتسمت له وأردفت بيقين:
- شكلها معجبة بحازم، أنا لاحظت لهفتها في السؤال عليه.
مسح على وجهه بعنف.
- فعلًا حازم قالي حاجة زي كدا، هو شايف إنها هتكسب شركتنا، بس هو رافض التعامل معها نهائي علشان مليكة.
- أمم... بس يا حبيبي كدا مش كويس.
ابتسم بسخرية وأردف قائلًا:
- عارف، هنشوف كدا مليكة وبعدين نتكلم.
اتجهت وجلست أمامه على المكتب، حمحمت وأمسكت بالكرافت.
- بقولك يا حبيبي، جواد جه ولا لسة؟
ضيق عيناه مستفهمًا:
- بتسألي عن جواد ليه يا نهى؟
ضمت شفتاها للأمام:
- عايزة أعرف يا صهيب ومتقوليش مالكيش دعوة، غزل صعبانة عليا أوي.
جذبها بقوة حتى اصطدمت بصدره العريض.
- أنا قولتلك ميت مرة يا حبي، بلاش ندخل في حياتهم هما حرين.
ملست على وجهه بحنان مستخدمة أسلحة الأنثى في إقناعه:
- صهيوبتي، لازم نرجعهم لبعض مش كدا ولا إيه؟
اقترب من شفتيها متذوقًا شهدها ثم أردف بهدوء:
- جواد رافض خالص، كلنا حاولنا معه يا نهى، وبعدين متنسيش غزل اللي كتبت النهاية بإيدها.
تنهدت بحزن ونظرت بعينين لامعة بدمعاتها.
- لازم أساعد غزل يا صهيب إنها ترجع لجواد، متنساش إنها السبب في إننا نكون مع بعض.
أغمضت عيناها متذكرة حديثه.
- جنى دي كانت أكبر وأعظم حب ليا، ساكن جوا قلبي، لأنها زي الملاك مستحيل أنساها، دي غير خالد خالص.
قطبت جبهتها.
- ممكن أسألك، ماتت إزاي؟ أنا فاكرة غزل قالتلي ماتت في حادثة.
نظر حوله وترقرقت عيناه بالدمع لذكرى حبيبة الروح، رفع رأسه وآلمه قلبه وبدأ يتحدث.
- كانت مع جاسر بعد ما جواد أخدني المستشفى، حالتها كانت صعبة دخلت في صدمة عصبية من اللي شافته. جواد ركب الإسعاف معايا وقال لجاسر يلحقه بيها.
تنهد بحزن وأكمل استرسالًا لحديثه.
- طبعًا القوة مشيت بالمجرمين للمركز.
وجاسر لوحده متجه للمستشفى بعد ما قبضوا على المجرمين وأخدهم باسم والدنيا كانت أمان. لحد ما جم قبل المستشفى بكام كيلو قطعوا الطريق على جاسر، استغلوا إنه لوحده.
***
كانوا عايزين يكسروا جواد بأي طريقة، وطبعًا مش هيلاقوا أحسن من مرات أخوه اللي استغلوا أختها وعرفوا حركة سيرنا.
ثم استطرد مفسرًا.
حاوطوا جاسر طبعًا وضربوه وكان هيموت فيها، فضل في غيبوبة حوالي شهرين.
نظرت له وأردفت بارتجاف شفتيها:
- وجنى عملوا فيها إيه؟
آه خفيضة خرجت من صدره مشتعلة بلهيب الحسرة وذكريات الماضي تؤلم روحه، انسدلت دموعه فجأة كأنها رفضت عصيانها له.
- اغتصبوها وموتوها ورموا جثتها في عربية جواد قدام الفيلا بتاعتنا.
آه خافضة ثم وضعت يديها على شفتيها من الصدمة.
بكت بنشيج على كم الآلام الذي يعتري صدره وعلى عروس الجنة.
ظلت دموعه تتساقط وهو ينظر في جميع الاتجاهات.
حتى لا يشعر بالشفقة في حضرتها.
بسطت يديها وربتت على يديه بحنان.
- ادعيلها يا بشمهندس، ربنا يرحمها.
مسح دموعه بقوة.
- ربنا يرحمها، إحنا قلبناها نكد كدا ليه؟ تيجي نتمشى شوية على النيل؟
فركت يديها ونظرت للأسفل.
- آسفة أنا اتأخرت ويادوب أروح علشان بابا ميقلقش.
- تمام تعالي علشان أوصلك.
خرجت من ذكرياتها عندما ملس صهيب على وجهها.
- مالك يا نهى؟
هزت رأسها ثم تحدثت قائلة:
- مفيش حاجة، أنا عايزة أعدي على غزل قبل ما أروح.
زفر بضيق.
- على فكرة الدنيا شايطة من إمبارح، في هجوم كان في البيت اللي كانت فيه ولولا جواد كان زمانهم خطفوها.
قطبت حاجبيها:
- هو جواد جه؟ مش المفروض يجي النهاردة؟
- جمع أشياؤه، تعالي نروح وأحكيلك في الطريق.
في بيروت، مدينة الجمال والدلال، في منزل يشبه القصور، تجلس بثينة أمام ناجي وهي تضع ساقًا فوق الأخرى، تنظر له بمقت، لوت شفتيها متذمرة من أسلوبه المخادع لها.
- هنفضل هنا كتير يا ناجي؟ بقالنا أربع سنين عايزة أرجع مصر.
مط شفتيه للأمام وتحدث بغلاظة:
- وترجعي مصر ليه يا بوسي؟ علشان ابن الألفي يقبض علينا؟ نسيتي عمل فيكي إيه آخر مرة؟
ذهب هيثم الذي يجلس بجوارهم بذاكراته لأحداث تلك الليلة.
***
فلاش باك
جلس هيثم بجوار سيف الذي ينشغل بالحديث مع صديقه. اتجه هيثم لقسم المشروبات واضعًا له مسحوق الهيروين في فنجان قهوته، ثم تحرك سريعًا عندما حملها النادل متجهًا له. دلف جواد لذلك الكافيه وهو يبحث عن أخيه عندما علم بهوية هيثم، اتجه له وجلس بجانبه.
- حلو الكافيه دا، بتيجوا هنا على طول؟
أومأ ياسين صديق سيف.
- بقالنا سنين وتحس العاملين فيه أصحابنا.
- أمم.
نطق بها جواد وهو يتفحص المكان بعينيه. رفع نظره لكوبان القهوة الموضوعان أمامهما، وأمسك بكوب أخيه.
- قوم هاتلك واحد وأنا هشرب دا، إحنا قهوتنا واحدة.
تحرك سيف بالفعل لجلب قهوته. شرب منها جواد شرفة وبدأ يتذوق طعمها وفجأة هب سريعًا متجهًا لأخيه، وتحدث بغموض أمام الجميع.
- حلوة القهوة دي، مين عملها؟
نظر له شاب في أواخر العشرينات.
- أنا اللي عملتها حضرتك، فيها حاجة؟
ظل ينظر للشاب بهدوء لكي يرى انفعالاته ولكن الشاب هادئ الطباع. اتجه للمسؤول.
- عايز أشوف تسجيل الكاميرات.
ثم بسط يديه بكرنيه الشرطة. خرج من ذاكراته.
عندما تحدثت بوسي:
- عملت إيه يا هيثم في الشحنة الأخيرة، كله تمام؟
- كله تمام يا مدام، والتسليم كان آمن يعني متخافيش.
ضحكت عليه وأردفت بسعادة:
- كنت عارفة إن دماغك دي ألماظ يا هيثم، تسلم لي.
ثم غمـزت له بعينيها بعيدًا عن زوجها الذي يتابع هاتفه باهتمام.
وقف سريعًا وأردف:
- شوفتي اللي حصل؟ المركب غرقت بالبضاعة اللي رايحة على مصر.
في فيلا حازم مساءً:
جلس حازم وغزل يتناولان عشائهما بعد سفر ميرنا وليلى المضطر بسبب حادث زواج ليلى.
تنفّس حازم بهدوء كي لا يظهر تعصّبه من غزل عندما تركت منزله قاصدة الجلوس بمفردها في منزلها. نظر لها ثم أردف متسائلًا:
- ناويه تعملي إيه يا غزل؟ ينفع اللي عملتيه ده؟ إنتِ مفكرة جواد هيسكت ولا أنا هسيبك؟
أجابته بنبرة لا تقبل المجادلة:
- ما عادش فيه جواد يا حازم. وبعدين لازم أعتمد على نفسي. بكرة إنت تتجوز ولازم يكون لك حياتك الخاصة.
وقف واقترب منها وأردف مطمئنًا إياها:
- حبيبتي إنتِ زيك زي ميرنا، مستحيل أزهق منكم. مينفعش أسيبك لوحدك يا غزل. إنتِ شايفة عاصم عايزك بأي طريقة.
ابتسمت ساخرة وأردفت:
- سبحان الله، شوف عاصم عايزني وغيره رافضني. أنا قررت يا حازم لو سمحت سيبني على راحتي، وبعدين ده البيت في وش البيت متخافش عليا حبيبي.
قطع حديثهم صهيب عندما دخل عليهما.
وقفت مستأذنة. صعدت لغرفتها وبعد قليل نزلت تجر حقيبتها خلفها. كان يجلس الثلاثة يتناقشون في المشروع الذي جلبته الشركة الإسبانية.
اتجه يبحث بعينيه عليها. حزن من نفسه عندما أقسى عليها اليوم، هو يعرف حينها إنها لا تعي ما فعلته ورغم ذلك لم يتقبل منها جرحها. ظل طيلة اليوم وهو يؤرق روحه ويتذكر حديثها عن عشقها الجارف المتيّم له. لم تعلم إنه يئن ويحترق مثلها بل نيران عشقه لها لم تخمد بل تزايدت واشتعلت في اقترابها.
***
رآها تسحب حقيبتها وتنادي على حازم:
- زومي أنا ماشية حبيبي ولو فيه حاجة هكلمك.
لا تعلم إنه بالداخل ظنت إنه صهيب لأنها لم تراه عندما دلف للمنزل.
وقف سريعًا متجهًا إليها، وجدها تحمل كتبها بيد وتسحب حقيبتها باليد الأخرى:
- رايحة فين؟
هذا ما أردف به جواد.
تفاجأت بوجوده ورغم ذلك تماسكت ونظرت له بهدوء:
- رايحة بيت أبويا هستقر هناك!
حاول تمالك أعصابه والسيطرة على غضبه قدر المستطاع. زفر بحنق:
- اطلعي فوق ومتخلنيش أفقد أعصابي.
لم تتحمل أوامره التي عاد بها لزمنه. ورغم ذلك سيطرت على نفسها:
- مينفعش يا أبيه.
قالتها وهي تنظر في مقلتيه واسترسلت مقنعة إياه:
- لازم أستقل بنفسي. عمتك هتيجي وإنت عارف أنا وأمل مش هنرتاح مع بعض.
تحرك حازم وصهيب إليهما:
- فيه إيه يا غزل؟ إنتِ رايحة عندنا ولا إيه؟
اتجهت بنظرها لصهيب:
- لا يا أبيه رايحة بيت أبويا وأخويا. هو مينفعش أعيش فيه ولا إيه؟ عايزة أرجع أحس بالدفء تاني. والدفء ده مش هلاقيه غير في مكانهم.
أنهت كلماتها بنظرة يملؤها الحزن مصوبة له لينزف قلبه.
شعر بأنها سددت لقلبه طعنة قوية. ورغم ذلك تحدث بهدوء:
- ارجعي أوضتك يا غزل. مينفعش تكوني لوحدك وبيوتنا مفتوحة. متنسيش إنك وصية عندي. أمل متقدرش تقرب منك.
هنا تذكرت الوصية التي دمرت حياتها رغم المفروض تكون سعادتها.
جلست ووضعت رأسها بين راحتيها:
- انتوا ليه مش عايزين تفهموا إني مينفعش أقعد عند حد، لازم أكون حياة خاصة بيا.
اتجه صهيب لها وجر حقيبتها وأمسك بيديها:
- تعالي يا زوزو أوديكي البيت عندنا هترتاحي، عارف.
- "لا" أردفت بها بقوة حاولت تهدأ من غضبها واستطردت حديثها:
- أنا هروح بيت أبويا وياريت تحترموا رغبتي.
ظل ينظر لها وهناك دافع يحركه أن يتجه لها ويضمها وهناك دافع آخر يحكي له:
- هذه التي كسرتك. لا تشفق عليها.
ماذا يفعل لكي يخرج من حربه الداخلية بين العقل والقلب؟ خرج من صراعه مع نفسه:
- تمام عايزة تروحي روحي بس مليكة هتقعدي معاكي ومفيش خروج غير لما تقولينا.
- حاضر.
تحدثت بها ثم تحركت مغادرة.
***
جلس يمسح على وجهه بعنف فهو يشعر بالعجز لا يعلم ماذا يفعل.
اتجه للحديقة راحت ذاكرته لجاسر.
قبل موته بيومين جلب قهوتهما وجلس.
نظر جاسر للنجوم متحدثًا:
- بيقولوا الضباط معندهمش مشاعر ولا أحاسيس يا أخي بينعتونا بالحيوانات معرفش ليه. يعني مستحيل نقول كلمة حب.
قهقه عليه جواد وأردف ضاحكًا:
- من اللي بيعملوه فينا المجرمين.
رفع جاسر حاجبه:
- هو فعلًا إنت هتقولي ده؟ أنا أكتر واحد عارفك. ده المجرمين بيترعبوا من القسم بتاعك يا أخي.
لكمه في كتفه وتحدث:
- بس يالا عايزني أطبطب على المجرمين.
ضيق جاسر عينيه:
- يا ابني فيه حاجة اسمها الرحمة. يا عيني عليكي يا غزل دي مش هتاخد في إيدك خناقة هتعلم على وشك زي ما علمت على الكل والبركة فيك.
قطب ما بين حاجبيه:
- وغزل مالها يا ابني؟
ما زال ينظر للسماء:
- مالهاش يا جواد، مش يمكن تكون مراتك.
قهقه عليه:
- ده إنت شكلك مبرشم حاجة يالا.
ثم اكتمل حديثه:
- قول متخافش.
سند جاسر ذراعه على الأعشاب ونظر داخل مقلتيه:
- هتستحمل تشوفها في حضن حد تاني يا جواد؟
أحس بوخزة مؤلمة في صدره. جلس صامتًا كأن الحروف خرجت من شفتيه.
فرد جاسر جسده على العشب ونظر للنجوم المتلألئة مرة أخرى:
- الموضوع صعب مش كدا؟ عارف إنه صعب ومميت.
ثم رفع نظره وأردف مطمئنًا:
- بس بإيدك إن تخليه أسهل ما يكون.
- إنت عارف بتقول إيه يا جاسر؟
أردف بها جواد متسائلًا.
- أنا أعرف حاجة واحدة بس إنك بتحبها وهي بتحبك يبقى نروح للممكن ونبعد عن المستحيل يا حضرة الضابط. أعرف أختي متهورة بس ده علشان سنها الصغير. بكرة تعقل وتكبر ساندها بس يا جواد. وريها الصح من الغلط. هي بتثق فيك أكتر ما بتثق فيا.
- اسكت يا جاسر وإياك تفتح معايا الموضوع ده تاني.
وقف جاسر:
- غزل متعلمتش من الدنيا غير على إيدك وللأسف علمتها القوة في الرد قبل ما تديها الاحتواء يا صاحبي. وده اللي خلاها متسبش حقها مع حد. بقت عاملة زي القطة الشرسة بتجيب حقها بالعنف.
وأكمل مسترسلًا:
- خايف ترجع تشتكي في وقت من الأوقات. بس الغلط عندي من الأول. كان أنا أولى بيها إني أعلمها إزاي تاخد حقها.
خرج من ذكرياته وبدأ يربط الأحداث التي أوصلت بهما لتلك النقطة. وما زال سؤال جاسر يراوده: "هتستحمل حد غيرك يضمها؟"
هبّ واقفًا وتوجه لمنزلها. استدعى العاملون بالمنزل وبدأ يعطيهم الأوامر المشددة للحفاظ على أمنها وسلامتها.
صعد لغرفتها قام بالطرق عليها.
دلف بعدما أذنت له. كانت تعتقد العاملة تجلب لها قهوتها. وجدها تجلس بهدوء وتدرس بعض محاضراتها:
- ممكن أدخل؟
نظرت حولها وأردفت بهدوء:
- لحظة.
أسرعت تضع حجابها على شعرها. هنا نغزه قلبه هذه التي كانت ملكه أصبحت غريبة ومحرمة عليه. تحدثت:
- اتفضل.
دلف ينظر باشتياق لغرفتها ذات الطابع الأنثوي الطفولي.
- عاملة إيه في مذاكرتك؟ حبيت نرجع زي زمان وننسى المشاكل شوية.
أطبقت جفنيها:
- أكيد طبعًا إنت هتفضل مهما كان جواد.
ثم نظرت للأسفل ولم تنظر له:
- الحمد لله ماشي الحال. المواد تمام. بس فيه بعض التحفظات على العملي. تحسه تقيل.
لحظات ونسيت ما صدر منه. وبدأت تتحدث معه في كل شيء يخص كليتها.
كان يجلس يضع يديه على خديه ويستمع لحديثها. حدث حاله:
- أيعقل الذي تجلس أمامه هذه غزل؟ أين الطفلة الطائشة التي كانت مليئة بالحيوية؟
كبرت ونضجت وأصبحت أكثر خبرة وتعقل. أنهت حديثها وهي تبتسم اتجهت بنظرها له وقفت عن الحديث عندما وجدته على هذا الحال.
حمحم عندما وجدها توقفت:
- مليكة هتيجي بعد شوية. إنتِ لسه تحت الوصاية لازم تاخدي بالك مش عايز غلط ماشي.
أردف بها متحركًا للخارج هروبًا من مشاعره.
جلست مذهولة من ردوده التي أصبحت لا تطاق كما خيل لها.
كزّت على أسنانها منه وتحدثت بغيظ:
- مستفز وبارد يا جواد.
ثم ابتسمت:
- بس بحبك أوي. ونظرتك اللي بتحاول تخبيها عن الكل مستحيل تخبيها عني.
رحماك بي حبيبي.
*****
في صباح اليوم التالي، اتجهت للفيلا الخاصة بهم هي ومليكة لتناول الفطار.
كان حسين يترأس المائدة وبجواره جواد من جهة وزوجته من الجهة الأخرى. اتجهت الفتاتان بعد إلقاء تحية الصباح وجلستا لتناول الفطار. وكالعادة تجلس بجوار مُتيم روحها، وفي المقابل تجلس مليكة بجوار حازم الذي انضم هو كذلك بأمرٍ من حسين، أما صهيب فيجلس في مقابل والده. ابتسم وتحدث:
- بس إيه الكرم دا يا سحس مديني مكانة أعلى مني آه والله.
ضحك عليه الجميع على دعابته. نظر حسين وتحدث قائلًا:
- حدد ميعاد فرحك يا صهيب كفاية كدا، هتفضل تأجل لحد إمتى؟ اتفق مع حازم وشوفوا يوم ونجوزكوا بقى نفسي أفرح.
صوّب صهيب نظراته لجواد الذي يأكل بهدوء ولم يهتم بحديثهم. كل ما يؤرق روحه هذا الملاك التي تجلس بجواره ولم تتحدث، تتناول طعامها في صمت.
- إيه رأيك يا جواد؟
هذا ما أردف به حسين.
- رأيي في إيه يا بابا؟
- إنت شكلك مش معانا خالص.
دخلت أمل ووالدتها التي تدعى أشجان. وقف الجميع لتحيتهما. أسرعت أمل تحتضن خالها.
- اشتقتلك كتير خالو. شو هالغيبة اللي غبناها عنك؟
ضمها حسين بحضن أبوي:
- وإنتِ كمان وحشتيني يا بنتي. عاملة إيه كبرتي وحلوتي أهو.
بعد قليل جلس الجميع لتناول القهوة. جلست بجوار جواد وتحدثت بابتسامة واسعة:
- وحشتني يا جود أخبارك إيه؟
نظر لغزل التي تنشغل بهاتفها وتبتسم كأنها تتحدث مع أحدٍ، أجابها بابتسامة متكلفة:
- كويس يا أمل إنتِ عاملة إيه؟
- الحمد لله وحشتيني أوي يا جواد معقول تفضل لحد دلوقتي من غير جواز علشاني؟
هب واقفًا:
- عندي شغل لازم أمشي.
وقفت أمامه وأمسكت يديه أمام الجميع:
- لسه زعلان مني يا جواد؟
صوّبت غزل نظرها له بعيون لامعة. اتجه سريعًا ينظر لها:
- مفيش بينا حاجة علشان أسامحك ولا لأ.
ثم تحرك مغادرًا سريعًا.
*****
مساءً، يجلس الجميع في جو من المتعة.
توجهت أمل لمنزل غزل، دخلت تتدلى بمشيتها فهي عرفت من والدتها بزواجها من جواد. انتظرتها حتى عادت من جامعتها حتى تضايقها.
كانت تجلس غزل تقرأ وردها اليومي. دخلت وهي تبتسم بخبث:
- عاملة إيه يا زوزو؟ كلية الطب صعبة مش كدا؟
أغلقت مصحفها ونظرت لها وأجابتها بهدوء:
- هي مش صعبة أوي للمتفوق.
وقفت واتجهت لها:
- تعالي واقفة ليه؟
ثم تحدثت:
- تشربي إيه يا أبلة أمل؟ مش أبلة برضه؟
ردها جعلها تستشاط غضبًا، ولكنها تحدثت بخبث:
- لا مستنية جود لما يجي بدنا نتعشى سوا. أكيد فاكرة إننا ما فينا نعرف ناكل من غير بعض.
جلست غزل واضعة قدماً فوق الأخرى:
- أيوة طبعًا فاكرة. وفاكرة كمان حركاتك كلها علشان تجذبيه.
مطت أمل شفتيها وتقدمت وجلست بجوارها:
- لا معلوماتك ناقصة قصدك كنا بنحب بعض.
قطع حديثهما صهيب عندما دخل:
- عاملين إيه يا صبايا؟ يالا عشان نتعشى جواد جه.
أسرعت أمل للخارج:
- أنا كتير جوعانة ونفسي كتير مفتوحة.
جلس صهيب بعد خروج أمل:
- عاملة إيه يا غزل؟
تنهدت بحزن وتحدثت قائلة:
- الحمد لله يا آبيه ماشي الحال.
اقترب وجلس بجوارها مربتًا على ظهرها:
- عارف أنا قسيت عليكي الفترة اللي فاتت. ونفسي نرجع زي زمان.
ابتسمت ابتسامة لم تصل لعيناها:
- قول للزمان ارجع يا زمان يا آبيه، كنت رجعت أنا وجواد لبعض.
زفر بضيق من أسلوبها الذي بدأت تستخدمه معه في الفترة الأخيرة:
- طيب تعالي نتفق ونرجعه تاني.
استدارت بجسدها وأردفت له:
- آبيه صهيب أنا تعبانة وعايزة أنام.
وقف ونظر بحزن لها:
- تمام يا غزل زي ما تحبي.
*****
بعد ساعتين، وقف حسين أمام جواد.
"جواد" أردف بها حسين بقوة. اتجه بنظره لوالده.
- هو لدرجادي محدش قدرك؟
زفر بضيق متجهًا لوالده:
- بابا أنا تعبان أرجوك بلاش تضغط عليا. خلاص اللي حصل حصل. هتفضل كدا لحد إمتى؟
قطب جبينه بعدم فهم:
- هو فيا حاجة؟ ما أنا كويس.
- كويس.
تمتم بها حسين:
- طيب اسمعني علشان مش هكرر كلامي تاني. اعمل حسابك كتب كتابك على أمل بنت عمتك يوم الجمعة اللي جاية.
وقف باتزان وخطى حتى وصل لحازم:
- هو أنا صاحي ولا بحلم؟
أمسك بيد حازم:
- لا والله دا حقيقة.
وفجأة ظل يضحك ضحكات صاخبة، ناظرًا لصهيب:
- أنتوا سموني بعد كدا الجمعية التعاونية للزواج.
ثم صعد غرفته وهو يقهقه كالمجنون.
اتجهت لحسين بعد صعود جواد، ونيران قلبها بالاشتعال:
- هو مين اللي عايزة يتجوز؟ معلش أصل سمعي تقيل.
رفع صهيب حاجبه بتسلية:
- "الجمعية التعاونية للزواج" يا بت وبعدين وإنتِ مالك؟ ابننا وعايزين نستره.
أسرعت إليه ممسكة بشعره الناعم:
- إلهي يسترك عزرائيل يا صهيب الكلب.
فاقت من حلمها وهي تكاد تتنفس بصعوبة من هذا الكابوس. مسحت على وجهها وبدأت تستغفر ربها. يتجوز؟ لا مستحيل.
في صباح اليوم التالي، بعد ما أدت فرضها وقرأت وردها، اتجهت لفيلا الألفي. وجدتهم يجلسون يتناولون طعام الإفطار.
*****
كانت أمل تجلس بجوار جواد وهي تتحدث معه بسعادة ولكنه غير مبالي. أغمضت عيناها بحزن عندما وجدتها تجلس مكانها. اتجهت وجلست بجوار صهيب بعدما ألقت تحية الصباح. اتجهت أشجان تردف بخبث:
- ليه يا حبيبتي نقلتي؟ أنا كنت عارفة إنك قاعدة هنا. أوعي تكوني زعلانة من أمل علشان أخدت أوضتك اللي جنب أوضة جواد.
شعرت بغصة بحلقها ولكنها رفعت نظرها وتحدثت بهدوء:
- أنا ليا بيت كنت قاعدة هنا لظروف معينة بس دلوقتي مينفعش أقعد هنا. وبعدين دي مش أوضتي. دا كان جناح لجواد. بس حضرتك عارفة جواد مكنش بيرضى يخليني أبعد عنه، تقولي إيه طفلة بقى.
ثم استطردت حديثها مفسرة:
- أنا مسبتوش علشان أمل ولا حاجة أبدًا. أنا حبيت أشعر بكياني في بيت بابا وماما. هنا كان بيتنا كلنا لما بابا كان عايش. بس بابا مش موجود يبقى أولى بيا بيت بابايا. مش كدا يا عمو؟
أجابها حسين الذي لم يعجبه الحال:
- لا مش كدا يا غزل. دا بيتك قبل أي حاجة. من إمتى وإحنا بنفرق بينا؟
ثم استرسل حديثه:
- بيت أبوكي الله يرحمه مفتوحلك يا بنتي في أي وقت. بس الأصل هنا في بيت جوزك.
وقفت أمل مردفة بخبث:
- إيه دا؟ هي غزل اتجوزت تاني ولا إيه؟ ويا ترى مين من ولادك يا خالو المرة دي؟ بعد ما جواد مستحملهاش.
هب جواد واقفًا وصاح بوجهها:
- يا ريت تخليكي في حالك يا أمل. اللي بيني وبين غزل مش عقد جواز بس. بينا عمر يا بنت عمتي.
أردف بها بسخرية.
وقفت وجمعت أشيائها وأردفت وهي تنظر له:
- عندي سكشن ساعتين ممكن تجي لي على الكلية فيه موضوع مهم لازم نتكلم فيه.
أردفت بها وهي تتلاشى النظر له:
- تمام هشوف شغلي لو عرفت آجي هاجي.
- اسمها هاجي إن شاء الله يا آبيه.
أغمض عيناه بوجع- الأمس كنت الحبيب واليوم الأخ. نظر لملابسها بتقييم فقد تغيرت كثيرًا بلبسها الواسع وحجابها الذي أعطاها هالة من الجمال.
أسرعت أمل تمسك بيديه:
- خدني في طريقك يا جود عندي مشوار للمهندسين.
وقفت غزل وهي تنظر له بوجع. "أمل" تذكرت هذه الفتاة التي كانت تعشقه في الماضي ولكن تركته وسافرت في غموض وحتى هو يكن لها مشاعر وهذا السبب جعله يمنع زواجه واليوم رجعت لتلهب مشاعره مرة أخرى.
وقف متجهًا لها ولكن لاحظ شرودها:
- يالا علشان أوصلك في طريقي.
- لا متشكرة أنا هروح مع زاهر.
وتحركت سريعًا بينما هو خرج مغادرًا لسيارته هو وأمل.
- براحتك أنا عزمت وإنتِ رفضتي.
قالها وهو يسير خلفها.
وقفت واتجهت له.
- شكرًا يا حضرة الضابط... الله الغني على مساعدة معاليك... روح شوف ست الحسن بس يا ريت ما تتأخرش.
أطبق جفنيه ود لو يضمها في هذه اللحظة، جميلة تخطف العقل والقلب معًا... ولكن ماذا عليه أن يفعل؟
بعد ساعتين وقف أمام كليتها ينتظرها بالخارج ولكنها تأخرت عن موعدها... دخل القلق لقلبه.
نزل من السيارة متجهًا إلى المدرج التي تقام به محاضرتها.
وصل ووقف أمام الباب... ثم قام بالطرق على الباب المنشود.
دخل بهيئته الرجولية... نظر لدكتورها.
ثم بحث عنها في المدرج... وجدها تجلس بجوار صديقتها الجديدة رغدة.
اتجه محيي الدكتور الذي على علاقة به منذ دخولها الجامعة... لمعرفة أخبارها.
- حضرة الضابط حمد الله على السلامة.
- إزيك حضرتك يا دكتور يحيى... آسف إني قطعت محاضرة حضرتك... بس قلقت على غزل...
وقفت ابنة الدكتور التي تدعى مايا متجهة إليهما.
- أهلًا بحضرتك يا حضرة الضابط...
حياها برأسه... ثم أردف بمجاملة.
- أهلًا دكتورة مايا...
اتجه بنظره لجنيته الصغيرة...
- آسف ممكن آخذ غزل...
اتجهت مايا لغزل تنظر لها من تحتها لوقفها... ثم تحدثت إليه مبتسمة.
- إيه يا بابا مش حضرتك ناوي تعزم حضرة الضابط على قهوة ولا إيه؟
ابتسم جواد بمجاملة.
- لا والله آسف مشغول جدًا... لازم آخذ غزل ونمشي... مرة تانية إن شاء الله.
اتجه لغزل التي تجلس بهدوئها غير الطبيعي... وهي ترمقه بنظرات نارية.
- يالّا يا غزل بعد إذن حضرتك طبعًا يا دكتور...
مطت مايا شفتيها وهي تكاد تحترق بنيران الغيرة من هذه الغزل...
وصلت غزل أمامه ولم تتحدث... جذبها من يديها متجهًا للخارج.
ركبت بجواره ولم تتحدث... مرت الدقائق عليها كالسيف... رغم النيران التي تشتعل بصدرها من تلك المايا... إلا أنها التزمت الهدوء والصمت.
رمقها بنظراته الهادئة كعادته منذ رجوعه.
- جئت لك أهو زي ما طلبتي... ممكن أعرف هنروح فين؟
- على الفيوم...
قالتها بهدوء مميت لقلبه وهي لم تنظر له.
مسح على وجهه بغضب من برودها التام... اتجه بجسده ينظر لها.
- ممكن أعرف حضرة الدكتورة عايزة إيه مني بالضبط... كلمتيني وقلتِ تعالى بعد ساعتين على الجامعة عايزك... ودلوقتي بتقولي وديني الفيوم... حد قال لك إني الشوفير بتاع الهانم؟
اهتزت نظراتها أمام ثورته... ورغم ذلك تمسكت بثباتها ورمقته بنظرات تعسفية لحديثه.
- أنا لسه ما وصلتش لسن الخمسة والعشرين... على ما أعتقد فهمت معنى كلامي يا حضرة الواصي... ضربت في دماغي أنزل الفيوم دلوقتي مين هيوديني غيرك... ولا عايزني ألجأ للغريب زي ما حضرتك لجأت له؟
ابتسم بسخرية وهو يجيبها بسخط من أسلوبها المستفز.
- لا يا حضرة المتوصي عليها... وآسف عطلنا حضرتك عن وقتك الثمين... بس يا ترى ما فكرتيش إن وقتي أنا كمان ثمين... وعندي ما هو أهم من الطفولة الساذجة دي.
كانت كلماته جمرات مشتعلة دلفت لثنايا روحها لتكوي قلبها من نار جفائه المتعمد.
رفعت نظارتها مرتدية إياها...
- أوكيه هتصل بزاهر يوصلني مكان ما أنا عايزة... وشكرًا لتعب حضرتك....
اتجهت تفتح باب السيارة... أمسكها بعنف.
- أنتِ مفكرة نفسك مين علشان تتأمرّي... فوقي يا غزل بدل وحياة ربي لأخليكِ تندمي إنك قابلتي واحد اسمه جواد في يوم من الأيام...
أظلمت عيناه بشكل مخيف... ثم أشار بسبابته.
- لآخر مرة هحذرك تتجنبي شري...
قالها ثم قاد السيارة بسرعة جنونية متجهًا للفيوم.
في منزل نهى عادل.
دلف والدها إليها.
- عاملة إيه يا حبيبة أبوكي... وأخبار صهيب إيه؟
ابتسمت بحب لوالدها الحنون.
- الحمد لله يا حبيبي... صهيب كويس.
ملس على شعرها بحنان قائلًا.
- إيه يا حبيبتي مش ناويين تتجوزوا بقالكم كتير يا بنتي مخطوبين.
تحدثت مشاكسة.
- إيه يا سي بابا زهقت مني ولا إيه؟
تنهد والدها بحزن...
- مش موضوع إني زهقت يا بنتي موضوع نفسي أفرح بيكِ.
حضنته.
- ربنا يبارك لنا فيك يا بابا يا رب.
ابتسم بحب لها... دخلت منيرة والدتها إليهما.
- إيه شغل العشق الممنوع دا يا نهنيهو؟
ضحكت بصخب على والدتها وأردفت مبتسمة.
- شوف موني بتغير عليك يا سي بابا.
ربتت والدتها على ظهرها.
- ربنا يسعدك ويفرح قلبك حبيبتي يا رب... شكل صهيب راجل قوي وبيحبك كمان.
هنا تذكرت أول لقاءات الحب بينهم.
فلاش باك.
جلست أمامه.
- تشربي إيه؟
نظرت له وتحدثت.
- أي عصير فريش.
اتجه بنظره للنادل.
- واحد عصير فريش فراولة...
أردف بها وهو ينظر لها.
ابتسمت وتحدثت.
- ماشي فراولة... فراولة.
ثم اتجه مرة أخرى للنادل.
- وهات لي اسبريسو من فضلك.
- ما قلتِش موضوع إيه اللي كنتِ عايزاني فيه... من الواضح كدا مش مرتبط بالشغل.
آهة خرجت من جوفها ثم توجهت بنظرها له.
- آسفة ما كانش قصدي أضايق حضرتك.
وصل النادل بطلباتهم.
أمسك قهوته ورفعها مرتشفًا بعضًا منها... ثم رفع نظره لها.
- عادي من حقك طبعًا... أنا اللي آسف كان المفروض ما كنتش متطفل.
نظرت للبعيد ثم تحدثت بحزن ووجع قلبها.
- كان بينا قصة حب أو ممكن افتكرت إنها حب... لحد ما جاء في يوم واتصدمت في شخص كنت بأعتبره الحياة... وفجأة تكتشف نفس الشخص هو اللي موتك بالحياة.
ارتشف من قهوته بمهل واستمع باهتمام مع نظراته المحللة لحركات وجهها الحزينة.
توجهت له وشعرت بغصة كبيرة تمنع تنفسها.
- باعني في أول محطة... جرى وراء مستقبله...
زفرت بألم.
- خطب بنت دكتور في الجامعة هو كان معيد وقتها بس تقول إيه طمع المناصب... أو ممكن تقول إنه ما يستحقش الحب دا.
مط شفتيه للأمام ونظر لكوبه مستمتعًا بقهوته ثم نظر لمقلتيها.
- واضح إنه ما يستاهلش حتى نظرة الوجع اللي شايفها في عينك دي...
ابتسم ابتسامة لم تصل لعينيه لم يعلم سببها.
- إمتى نبكي على شخص يستاهل دموعنا... لما الشخص دا فعلًا يستاهل... لما تحسي إنه ممكن يبيع الدنيا علشان يشوف ابتسامة من عيونك... اللي زي ما يستاهلش حتى تحزني منه... لا بالعكس دا أنتِ تفرحي إنك بعدتِ عنه... ما هو اللي يبيع في الأول بيبيع في الآخر.
شرد حوله في الوجوه.
- شوفي كل اللي حوالينا دول... ممكن قاعدين مع بعض عادي بس فيهم اللي قاعد لمصلحة... وفيهم اللي قاعد لوجع بيحكيه علشان ما يحسش بوجعه لوحده... وفيه اللي قاعد مع حبيبه... بس في الآخر بيحسوا ببعض حتى لو ظاهريًا.
- اللي عايز أقوله إن الناس كلها فيها عيوب... بس فيه عيوب تتلاشى وعيوب مستحيل نمحيها فهماني.
بعد مرور ساعات.
وصل جواد للفيوم... الهدوء يعم السيارة.
صوب نظره لها وجدها تنظر من النافذة وعيونها لامعة بدمعاتها... فتح باب سيارته.
- انزلي وصلنا يا برنسيسة.
- عايزة أروح المقابر.
هزة عنيفة ضربت جسده... نظر إليها بوجع.
- جاية هنا علشان تروحي المقابر؟
- أيوه... هتوديني ولا أنزل وأروح لوحدي؟
لوهلة صدمه ردها البسيط.
قاد السيارة ولم يتحدث... ولكن شعوره بآلام حديثها شقه لنصفين.
شعر بوخزة بصدره وبدأ يلوم نفسه... ويتذكر جميع وعوده لها وحديث جاسر.
قاطع شروده وصولهم للمقابر.
نزلت بهدوء متجهة للمقبرة ولم تتحدث ولا تنظر إليه.
شعر حينها بأنين روحه والألم ينخر قلبه... لم يتمالك أعصابه... تحرك سريعًا متجهًا لها.
جذب يديها...
- غزل استني أنتِ جاية هنا ليه؟
وقفت أمامه واقتربت بخطوات بطيئة منه.
- جاية أحلك من الوصية التقيلة على قلبك يا حضرة الضابط...
تحدثت بها ثم تحركت مغادرة.
وقف وكأنه تلقى ضربة مؤلمة على رأسه.
وصل وجدها جالسة أمام المقبرة وتتحدث.
- وحشتوني يا ريتني كنت معاكم سبتوني ليه؟!
تحدثت بها بوجع...
- جاسر حبيبي اللي مهما تبعد هتفضل حبيبي الغالي اللي مستحيل أنساك شفت غزالتك الدنيا جاءت عليها بالقوي.
وتخيل من مين؟ من صاحب عمرك اللي فكرته في يوم إنه هيسد مكانك.
ابتسمت بمرارة واسترسلت حديثها:
- اللي كنت بقوله إنه أغلى حاجة عندي في الدنيا، بص يا بابا وصيتك عملت فيّا إيه إنت وجاسر... اتكسرت... أيوه اتكسرت... أيوه كسرني أغلى شخص في حياتي.
توجهت بنظرها لجواد:
- كنت عيلة عايزة احتواء، عايزة حنان، بس هو من أول غلطة ليّا رماني ومشي بعد ما كان محوّل لي الدنيا جنة... كان كله كلام يا جاسر. جواد طلع بتاع كلام بس مش أفعال. آه غلطت عارفة... بس اعتذرت كتير، قلت له يسامحني... ده ربنا بيسامح... بس للأسف هو قسى عليّا... ودلوقتي أنا جيت وجبته علشان أقول له قدامكم تسامحوه في حق الوصية... أنا كبرت ما فيه الكفاية، ما بقتش عايزة الواصي عليّا.
توقفت بجانبه وأمسكت يديه ووضعتها على قبر أخيها قائلة وهي تنظر في مقلتيه:
- جاسر دلوقتي حَلُّك من وصيتك يا حضرة الظابط... وشكرًا لحضرتك على كل اللي عملته... وأنا لحد كدا وبقولك شكر الله سعيكم.
هنا توقفت عقارب الساعة وكأن الأرض تسحب من تحت قدميه، وهو ينظر في مقلتيها بعيونها الحافظة، وكأن هناك صاعقة صعقته دون رحمة، ليتوقف لسانه عن التفوه كالذي أصيب بشلل.
جذبها لأحضانه:
- ليه بتقولي كدا؟ عايزة تعاندي وخلاص... أنا عمري ما هتخلى عنك سامعاني.
خرجت من أحضانه بهدوء:
- عايزة أروح وبكرة هبدأ أحضر ورق نقلي للكلية في تركيا... أنا مش زعلانة منك بالعكس إنت من حقك تعمل اللي إنت عايزه فيّها... أنا بجد آسفة.
ثم رسمت ابتسامة عندما وجدت حزن عينيه:
- هترتاح من المجنونة... اللي كسرتك.
ترقرقت الدموع في عينيها:
- بس خليك متأكد عمري ما فكرت أكسرك وزي ما عمي قال قبل كدا ولا عاش اللي يكسرك.
أردفت بها متجهة للسيارة.
وقف وكأن هناك صخرة ضخمة على قلبه جعلت قلبه يئن من الوجع.
وصل بعد قليل وجد والده جالس ومعه صهيب وحازم والمأذون... قطب جواد ما بين حاجبيه:
- مين هيتجوز؟ طيب حازم وصهيب مكتوب كتابهم وسيف سافر... يبقى مين هيتجوز؟
نهض والده ووقف أمامه:
- إنت يا حضرة الضابط.
نظرت غزل لجواد وكأن صاعقة هوت فوق رأسها وشعرت بأن الأرض تميد من تحت قدميها وسيغشى عليها... ارتجفت شفتاها وهي تتحدث:
- مبروك يا حضرة الضابط...
ثم اقتربت منه بهدوء وأردفت ناظرة بعمق داخل مقلتيه:
- ربنا يسعدك وأكون كنت حياتك هوى.
شعر بتزلزل بكيانه، ماذا تقول هذه المعتوهة؟ هل تفكر إنه ممكن يملك غيرها؟ أو يتركها لغيره؟ أمسك يديها بعنف:
- إنتِ اتجننتي... أنا ما اعرفش إيه اللي بيحصل هنا.
تحرك ووقف أمام والده:
- أنا مش فاهم حاجة... مين هيتجوز يا بابا ما تجننيش.
"إنت وغزل."
أردف بها حسين بقوة ناظرًا لولده:
- وعد مني يا جواد لو ما كتبتش على غزل تاني ودلوقتي... لأسفّرها تركيا لخالاتها وأمنعك العمر كله عنها وأنا بوعدك وما تعرفش أبوك لما بيوعد لازم يفي بوعده.
جف حلقه وارتعدت مفاصله من فكرة إنها تبعد عنه... نعم هو أبعد عنها لفترة طويلة، لكن كانت أمامه يراها من غير ما تشعر به... وقتما يشعر بالاشتياق يذهب لها.
اتجهت غزل لحسين:
- ومين قالك يا عمو إني موافقة... دي اسمها مهزلة... مستحيل أوافق.
تعمق حسين بالنظر لها ونظر للجميع:
- سيبوني مع غزل شوية.
جلس بجوارها:
- أنا يا بنتي مش مرتاح وما بنامش... لو بتحبيني يا بنتي فعلًا ريّحي قلبي... والله جواد بيحبك أكثر ما تتخيلي...
قبل رأسها:
- علشان خاطري ما تضيّعيش سعادتك... لو ليّا معزة عندك.
- ابنك رافضني عايزني أتجوزه تحت تهديدك له.
ابتسم لها:
- ده قدامك يا هبلة تعالي شوفي كدا.
"جواد" صاح بها حسين... اتجه له جواد ونظر لغموض والده:
- أنا موافق يا بابا مش علشان إنت غصبتني لا... علشان أنا عايز كدا... علشان ما اخونش الأمانة.
انسدلت دمعة من عيون غزل... ربّت حسين على يديها:
- ده هوا صدقيني ده هيموت من ساعة ما عرف بسفرك...
اتجهوا للمأذون الذي ينتظرهم بالخارج... وتم كتب الكتاب بدون علم الجميع سوى من صهيب وحازم.
باليوم التالي رجع من عمله... نظر حوله يبحث عنها بعينيه فهو لم يراها منذ الأمس بعدما رجعت في سيارة حسين... كان الجميع يجلس بالحديقة.
اتجهت أمل إليه وقبلته فجأة من خديه.
دفعها بعنف يبحث بعينيه عليها يكاد يموت خوفًا إنها تكون رأته... همس والده له:
- اللي بتدور عليها مش هنا يالا.
رفع حاجبه ونظر لوالده بغيظ:
- ويا ترى إيه اللي بتدور عليه يا سحس... أنا ما بادورش على حد.
قهقه حسين عليه:
- هتصيع على بابا يا لّلا.
وقف ينفخ بضيق من والده.
اتجه للداخل ظل أكثر من ساعتين ويكاد الشوق يحرقه... بعد فترة جالسًا بغرفته وهو يحاول تجاهل الأمر ولكن كفى.
اتجه لمنزلها دلف للداخل... دلف وجدها تنام بعمق وجهها الملائكي المحبب لقلبه مغطى بشعرها الحريري. ترتدي منامة سوداء اللون تصل ما فوق الركبة... مفتوحة الظهر وصدرها ذو قصة مثلثة الشكل.
ملاكه حلاله أمامه الآن بهيئة تخطفه.
مسح على وجهه:
- أنا إيه اللي جابني هنا ودي