تحميل رواية تمرد عاشق بقلم سيلا وليد pdf
بقلم سيلا وليد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
البارت الأول بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم. في قانون العشق يقولون... لا يوجد تعريف للحب، لكنك ستشعر به حين تراه. في إحدى محافظات مصر، محافظة الفيوم، حيث الطبيعة الخلابة من صوت السواقي والشلال، وتغريد العصافير، ورائحة الزهور، وخاصة بمنزل يشبه السرايا وهو منزل الحاج حسنين الألفي، وبجواره منزل منصور الحسيني. تجلس العائلتان في جو من الحب، هذه العائلتان لم تربطهما قرابة الدم، ولكن تربطهما قرابة الصداقة، فما أجمل الصداقة التي تبنى على الصدق...
رواية تمرد عاشق الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم سيلا وليد
البارت الواحد والثلاثون
الفصل الواحد والثلاثون
الجزء الأول
لا تتركني بهذا العالم المخيف..
أو اسحبني إليك..
فلا حياة لي من دونك.
سكن لثوانٍ يحاول تنظيم أنفاسه المضطربة من فرط خوفه عليها... شعر بألم ينخر عظامه إذا أصابها مكروه.. قاد سيارته بسرعة جنونية والألم يكاد يخنقه.. أمسك هاتفه وظل يعاود يهاتفها مرة بعد مرة، ولكن هاتفها كما هو.. ما زالت هذه الرسالة توصل لأذنيه يكاد يصاب بالصمم.
وصل في خلال دقائق معدودة... هرول سريعًا حتى أنه لم يغلق باب سيارته... اتجه للمكان المخصص لأمنها.. ولكن رأى هناك شيئًا يفزعه... صمتًا رهيبًا بالمكان ولا يوجد أثر لأي شيء... وقف وكأن الأرض تميد به وكأنه سيُغشى عليه من هول ما به.
دخل إلى الحرم الجامعي فورًا وطالب بكشف الكاميرات... ورغم أن الوقت سريعًا في بحثه، ولكن شعر أنه كالسيف ينحر عنقه بألم شديد من برودته.
وقف أمام الكاميرات وكانت وتيرة أنفاسه تتسابق في التسارع حتى شعر أنها ستتوقف نهائيًا.. جحظت عيناه وأغشت مقلتيه العبرات وهو يراها أمامه وتتحدث بهاتفها.. فجأة هوت فاقدة الوعي عندما اقتربت إحداهن وهي تمسك شيئًا ما بيديها على وجهها.
أسرع رجلان لحظات ولم يراها أمامه عندما حملها أحدهما ووضعها بالسيارة التي تركن بجانب الطريق.. أسرع يجاهد وقته ليرى أرقام السيارة ولكن لم يوجد بها أرقام.
ابتلع ريقه الجاف عندما قام هاتفه بالرنين.
- أيوة يا باسم..
صمت هنيهة وهو يستمع لباسم.
- عثمان لقيتهم في عربية وشكل حد حط لهم منوم يا جواد..
مسح على وجهه بعنف... لثوانٍ كان صمته مميتًا ثم بلع غصة وخزت جوفه بأشواك حادة وتحدث رغم ضعف كيانه.
- غزل اتخطفت يا باسم من نصف ساعة... اعمل اتصالاتك وأقفل مخارج القاهرة كلها..
نظر إلى الكاميرا وامتلكه اليأس حينها تسلل الرعب لقلبه من فكرة فقدانها.
- لازم ألاقيها يا باسم اتصرف أنا عاجز ومش قادر أفكر...
حاول باسم تهدئته ولكن كيف يهدأ وقلبه يُمزق إلى أشلاء.
اتجه مغادرًا الجامعة وركب سيارته منطلقًا إلى قسمه وقام باتصالات عدة... ولكن الوضع كما هو عليه.
دخل صهيب وحازم اللذان وصلا للتو بعد معرفتهم الأخبار... وجدوه جالسًا يضع رأسه بين راحتيه كالذي فقد أغلى ما يملك.
جواد..
أردف بها صهيب بهدوء... رفع نظره لأخيه ولم يتحدث.. كأنه جسد فقط لا يوجد به حياة.. اقترب حازم وجلس بجواره ربت على ظهره بهدوئه.
- هنلاقيها إن شاء الله... عدينا بأكتر من كده والحمد لله عدت...
أطرق رأسه للأسفل وهو يقاوم رغبة قوية في البكاء.
لماذا تضعه الحياة دائمًا باختبارات صعبة؟
كيف سيعثر عليها...؟
صرخة داخلية بآهة عالية خرجت من جوفه فجأة يتبعها أنين بمقلتيه وهو يناظرهم... أخيرًا خرج عن صمته.. أخيرًا وقف وبدأ عقله الذي شُل لساعات يعود ويشغله.
- أكيد حد قريب هو اللي خطفها... ما هو مش معقول بره البلد... لا دول شكلهم عاديين لو المافيا كانوا قتلوها علشان يكسروني...
هنا وقف اللسان عن التفوه عندما أنذره العقل بما سيحدث فيما بعد.
خطا بخطوات هزيلة للخارج.. أمسكه صهيب متسائلًا.
- أنت رايح فين وناوي تعمل إيه؟
- معرفش...
كلمة بسيطة مختنقة بحلقه أخرجها من فمه...
- معرفش.
كررها للمرة الثانية ثم ناظره بمقلتين تائهتين.
- أخوك عاجز ومش عارف يعمل إيه... مراته فين ما يعرفش... معرفش يا صهيب هعمل إيه.. غير إني عاجز.
جذبه صهيب لأحضانه.
- اهدأ يا جواد علشان نعرف نفكر... أكيد اللي خطفها له حاجة.. يعني شوية وهنعرف...
قاطعه عندما نظر له بزعر مما يحدث لها.. ازداد ارتجاف شفتيه ولم يقوَ على البوح مما يعتري داخله...
دخل باسم سريعًا وهو يبتسم.
- عرفنا مكانها يا جواد.
******
رعشة قوية ضربت جسده عندما رفع نظره لباسم...
- فين؟
كلمة تساءل بها.
- عثمان تتبع السلسال بتاعها زي ما قلت له هو في الأول ما كانش له أي إشارة كالعادة بس فجأة شفنا إشارة في مكان بضواحي الجيزة...
اتجه سريعًا للخارج وهو يردف.
- جهز القوة وألحقني ما فيش وقت...
وقف أمامه ونظر له.
- جواد اهدأ لازم نعمل دراسة ما نعرفش البيت ده تبع مين إحنا عرفنا المكان ومش متأكدين... وعثمان راح يشوف إيه الموضوع.
صرخ بوجهه وتحدث:
- ولا دقيقة يا باسم سمعتني... أنا ما أعرفش ممكن يعملوا إيه...
قاطعهم رنين هاتفه برقم غير مسجل.
- أهلًا يا ابن الألفي... إيه أخبارك يا باشا مصر؟
نصب عوده ووقف يستمع وينصت باهتمام عندما علم بهوية المتصل.
- شاهيناز!
أردف بها جواد بهدوء مميت.
رفع نظره لحازم وصهيب وتحدث.
- إيه اللي فكرك بيّا يا بت...
ضحكت بشماتة على كلامه واستنبطت بخوفه الذي يتوارى به خلف صياحه.
- غزل جواد الألفي... أوبا مرات حضرة الضابط اللي الكل بيعمل له مئة حساب...
قهقهت عليه وأردفت بصوت كفحيح أفعى:
- أنا شمتانة فيك يا جواد آه والله... عايز تعرف ليه يا عمري... هأريحك أصلك غالي عليّا أوي...
قالتها بتهكم...
- علشان هأخلّص منك القديم والجديد... حقي في جاسر.
أردفت بها بحزن...
- حقي في ضربك ليّ وإهانتي... حقي في موت أخويا في السجن على إيد مجرمين... حق عاصم اللي بين الحياة والموت... حق فلوسي من ماجد اللي استحملت قرف راجل عجوز سنين لمجرد إني أتجوز حبيب عمري.
اسودت عيناه وتحولت ملامح وجهه كمجرم بات يتربص لعدوه للفتك به... ناهيك عن نظراته الوحشية التي أجزم من يراها أنها لو أمامه لقتلها بنظراته.
- وماله يا شاهي خذي حقك ثالث ومثلث وأنا هآخذ حقي وحياة كل كلمة وجعتي قلبي بها لأحرق قلبك.. وأوعدك يا مدام شاهي هنتقابل قريب وقريب أوي... وغزل هتبات في حضني.
مسح على شعره بغضب وكاد أن يقتلعه... وبقوة ركل المنضدة ليتهشم كل ما عليها.
وصرخ كزئير أسد.
- أقسم بالله ما هأرحمها...
ظل يلكم الحائط حتى نزفت يديه.
حاول حازم وصهيب تهدئته ولكنه كان كالمجنون يطيح بكل شيء يقلبه.
ضرب على صدره وصرخ بهم.
- ما فيش حد حاسس بالنار اللي هنا... دي للمرة الكام وهم بـ يذبحوني بدون رحمة... ذنبها إيه؟
أردف بها وهو يشعر كأن روحه تنسحب منه.
جلس وظل يستغفر ربه.
جلس صهيب بجواره ممسدًا على ظهره.
- إن شاء الله هترجع يا حبيبي بس اهدأ.
رفع عينيه وتحدث بصوت مبحوح من اختناقه بالبكاء.
- ليه كده يا صهيب... ليه دائمًا بتتأذى من أقل حاجة... ليه الدنيا بتستكتر عليها السعادة...
انسدلت دمعة شريدة من مقلتيه.
- عرفوا يذبحوني بسكينة باردة أوي يا أخويا.. أنا بأموت.
جذبه لأحضانه وأبكاه على هيئة أخيه وعلى حالة غزل التي عليها الآن.
******
عند شاهيناز
صرخت عندما أغلق الهاتف... ظنت أنه سيركع لها لإنقاذها...
حينها ستأخذ حقها.
اتجهت إلى رجلها الضخم الذي يقف بجوارها.
- البنت صحيت ولا لسه؟
أجابها الرجل:
- هتصحى دلوقتي يا هانم.
اتجهت به وصوبت نظرات تحذيرية:
- إياك البنت دي يحصلها حاجة. خلي بالك وحاصر البيت كويس، مش عايزة ناموسة تعدي. البنت دي كنز ولازم أحافظ عليه.
بداخل غرفة مظلمة، استيقظت وهي تشعر بصداع يفتك بها. نظرت حولها بخوف وتذكرت ما صار لها.
- جواد.
قالتها بخوف. جلست ودموعها تساقطت عندما وجدت نفسها بهذا المكان المظلم البارد. احتضنت جسدها بيديها وظلت تناجي ربها أن يخرجها من الظلمات التي وضعت بها. انهمرت دموعها بقوة من مقلتيها وهي تتخيل جنون جواد عندما يعلم. أخرجت سلسالها وقبلته.
- حبيبي أنا كويسة ومستنية تيجي تاخدني من هنا.
فجأة ضيقت عيناها وتساءلت:
- يا ترى مين اللي خطفني؟ طيب عاصم في غيبوبة.
استمعت لصوت أذان الحي القيوم.
ظلت تدعي ربها وهي على يقين أن زوجها سينقذها.
ترتجف شفتاها بصمت تضرعت للحي القيوم بألا يصيب زوجها شيئًا.
استندت جالسة على الفراش وهي تضع رأسها على الحائط البارد بجوارها وتتذكر قبل يوم.
استيقظت باكرًا ووجدته يضمها لحضنه كعادته وهو يتململ بنومه. وعلى وجهه تظهر قطرات من العرق. مسحت وجهه بهدوء وتحدثت لإيقاظه.
نزلت بجسدها وهي تملس على شعره بحنان.
- جود حبيبي اصحى شكلك بتشوف كابوس.
ظلت تمسد مرة على وجهه وأخرى على شعره. رغم نومه الخفيف إلا إنه ما زال بأحلامه. انخفضت وقبلته وتحدثت مرة أخرى تهمس بجوار أذنيه.
- حبيبي اصحى.
فتح عيونه فجأة واعتدل سريعًا يضمها بقوة بحالة مزرية وهو يتمتم:
- الحمد لله حبيبتي إنك بخير. أحمدك وأشكر فضلك يا رب.
عصرها بأحضانه حتى شعرت بتفتيت عظامها. أخرجها من أحضانه وذهب بها لعالمه الخاص ليؤكد لحاله إنها بين يديه. ظلا فترة ليست بالقليل. ورغم شعورها بالتعب من جنونه إلا إنها راعت حالته التي كان عليها. بعد فترة ضمها لأحضانه.
وفجأة انسدلت دموعه بقوة واضعًا رأسه في عنقها حتى شعرت بها غزل. تركته يفعل ما يريده.
بعد فترة استدارت له واضعة رأسه بأحضانها وتحدثت بهدوء رغم ألمها.
- حبيبي دا كان كابوس. أنا كويسة وبين إيدك.
ثم رفعت وجهه وهمست أمام شفتيه بإغراء أنثى:
- وكنت بتعلمني فنون العشق المجنون بس ما كملتهاش ينفع كده؟ تعرفني نصها بس.
مسح على وجهها بحنان مقبلًا جبينها.
- ربنا يديمك في حياتي.
هو يعلم أنها تحاول أن تنسيه كابوسه.
ضم وجهها بين راحتيه مقبلًا شفتيها وتحدث:
- غزل لو حصلك حاجة أنا هموت صدقيني. العالم كله في حتة وأنتي لوحدك في حتة تانية خالص. شفتي الشريان اللي بيضخ الدم من القلب للجسم؟ هو أنتِ كده في حياتي. أنتِ كل حياتي. عايزك تاخدي بالك من نفسك كويس قوي. أنتِ مش مجرد مراتي بس لا.
ثم استرسل مفسرًا لها:
- أنتِ بنتي عارفة يعني إيه البنت بتكون لأبوها هي اللي بتسند أبوها وقت تعبه هي العطف والحنان.
ثم نظر بوجهها بالكامل وأكمل مسترسلًا:
- أنتِ مراتي حبيبتي عارفة يعني إيه الزوجة لجوزها يعني نصه الثاني، يعني حبه وحياته، يعني أسراره وقوته وقت ضعفه.
لمس وجهها بحنان:
- أنتِ أختي اللي وقت وجعي بتحسي بيا، بتراعيني بحنانها.
ثم تنهد ونظر بحنان لها وأكمل مستطردًا:
- أنتِ أمي اللي بتدعي لي في صلواتها وبتستناني لما أرجع علشان قلبها يرتاح.
ضمها لحضنه بقوة.
- أنتِ حبيبتي وقلبي وحياتي وكل ما أملك. يا رب ما يوجع قلبي عليكي حبيبتي.
ثم ابتسم لها بهدوء وناظرها بعيناه العاشقة:
- عايزة تتعلمي فنون العشق؟ كده أنا معلم فاشل اللي يخليني شهرين ولسه تلميذتي النجيبة فاشلة.
نظر لمقلتيها:
- آسف عارف أذيتك.
وضعت رأسها في حنايا عنقه تقبله.
- أنت حبيب عمري وصباي وشبابي. أنت النفس اللي بتنفسه وأنا بستنشقه بهدوء. أنت العاشق الولهان وأنا العاشقة المجنونة بحبك. أنت العاشق المتمرد ليا، وأنا غمرة عشقك.
لامس وجنتيها بظهر يديه وهو يناظرها بهدوء عاشق.
مستمتعًا بعشقه ثم أردف وما زالت نظراته تعانقها.
في قانون العشق حبيبتي يقولون...
خير لنا أن ندفن قلوبنا ونحن أحياء.
أفضل من أن نعطيه لمن لا يستحقه.
تنهد بوجع مردفًا:
- كنا ممكن نعيش إزاي لو القدر فضل معاندنا؟ وفضلت أتمرد على قلبي واتجوزت زي ما كنت مخطط.
جذبته بقوة من عنقه وهي تجلس أمامه:
- ما كنتش هاسمح بده أبدًا.
ارتعشت شفتاها وغمامة من العبرات بدأت تعلن عن تمردها في مقلتيها.
- ما تفكرنيش يا جواد بوجع قلبي، لاني كنت بموت.
حاوط جسدها واضعًا رأسه في حنايا عنقها.
- آسف.
قالها بحزن داخلي جعل جسده ينتفض من الألم كلما تذكر تلك الأيام وقلبه المتمرد.
انسدلت عبراتها رغمًا عنها.
- أكثر حاجة بتوجع قوي يا جواد لما تحب شخص وتشوفه ملك لغيرك. نظراته، همساته، لمساته لغيرك. ده فعلًا موت بطيء جدًا للقلب.
خرجت شهقة خافتة منها فجأة، واضعة يديها على فمها حتى تمنعها.
خرج سريعًا من أحضانها واختطفها في أحضانه مطوقًا خصرها بقوة. والألم ينخر جسده بالكامل لدموعها التي نزلت على قلبه لتكويه بدون رحمة.
أخرجها وهي تتماسك بقوة به لتخيلها أنه ملكًا لغيرها. ضم وجهها مقربًا إياها إلى شفتيه ناظرًا لأنحاء وجهها بالكامل، وتمركزه لداخل مقلتيها الخاطفة لقلبه.
- كل حاجة كنت بعملها علشان أحميكي. أنتِ ما تعرفيش أهميتك عندي إزاي؟ كنت خايف زي ما قلت لك.
لامس دموعها بشفتيه ملتقطًا إياها.
- صدقيني يا نبضي لو كنت بس أشك أنك ممكن تحبيني ربع الحب ده. والله لو هاهد الدنيا كلها. بس خفت أوهمك وتوهميني ونطلع خسرانين. انسي يا غزل علشان خاطري. كأن الفترة دي اتمسحت.
ضمها لأحضانه واعتصرها داخله.
- والله ما لمست أي ست تانية غيرك أنتِ. ولا عمري حسيت بأي مشاعر تانية غير لقلبك أنتِ.
لامس شفتيها.
- من وقت ما اعترفتي لي بحبك وأنا حرمت عليّ ستات العالم كلهم. حتى بعد ما اطلقنا وأهنتيني بجبروتك، حاولت أكرهك.
لامس شعرها وأرجع خصلاتها المتمردة خلف أذنها.
- وشمتي قلبي وحياتي كلها.
أكمل مسترسلًا:
- قلبي أعلن عصيانه عليّ ورفض حتى ينبض للحياة وأنتِ بعيدة عني. كنت عايش ميت.
اقتربت منه وظلت تقبله بشقاوتها وخرجت عن حالتها التي كانت عليها منذ قليل واضعة يديها على قلبه.
- علشان أنت ملكي يا جواد الألفي. كل حاجة فيك ملك غزل الحسيني.
ودا مش كلامي على فكرة. وضعت جبينها فوق جبينه.
- فاكر كلامك إن غزل أنت أحق بيها؟
لم ينتظر أكثر من ذلك، ظلت نظراته تضمها.
وفجأة جذبها مغردًا بها في عالمه الخاص ليكمل لها سيمفونية عشقه الأبدي الذي خطه بنبضاته.
خرجت من ذكرياتها مبتسمة، ولكن فجأة انتفضت عندما فتح الباب عليها ودخلت شاهيناز تتدلى بخيلاء أمامها.
طالعتها غزل وأردفت بهدوء:
"شاهيناز".
جلست واضعة ساقًا فوق الأخرى ونظرت بتهكم ثم ابتسمت بخبث وعيناها تلتمع بحقد داخلها اتجاه غزل التي لم تقترف ذنبًا لها ورغم ذلك وقعت تحت يدي هذه الشمطاء التي لا تعرف رحمة. ظلت غزل بمكانها وكأنها لم تكن.
أمسكت شهيناز هاتفها وناظراتها.
- غزل.. غزل...
ظلت تردد اسمها بسخرية.
نصبت عودها ووقفت أمامها.
- أكتر واحدة كرهتها في حياتي الأمورة غزل. الكل عايز يرضى الكونتيسة غزل. الكل اهتمامه لغزل. كان نفسي يضمني زي ما بيضمك، يطمن عليا لما يرجع. لا أول ما يدخل البيت يجري على أوضة الهانم. كله كوم وجواد الألفي كوم تاني. أنا أعرف واحدة حاولت معه أكتر من سبع سنين ترسم عليه، بس هو واحد متعجرف مغرور.
ابتسمت بسخرية:
- طلع عاشق طفلته اللي مربيها. وأنا اللي كنت بقول مستحيل يبص لعيلة. بس تعرفي طلعت غبية برضه. كان لازم أعرف إنه ما بيحبش ندى.
ضيقت عيناها:
هو كان بيحبها ولا كان بيمثل علينا علشان محدش يلاحظ حبه؟
ثم استطردت:
- أيوه أكيد عمل كدا وخطب ندى. بس يا عيني كانت بتعشقه وهو الصراحة يتحب.
نزلت بجسدها وأردفت:
تعرفي أنا طلبت منه نقضي ليلة مع بعض، ما هو دا برضه جواد الألفي على سن ورمح.
قهقهت بطريقة مجنونة:
- بس اللي صدمني بعد كدا إنه بيحبك فعلًا.
قالتها وهي تشير عليها بسخرية:
أنا جواد ما يهمنيش أصلًا. هو اللي كان حياتي وفجأة اتخطف مني. بس ماجد هو السبب في موته. هو اللي ضربه وطردته وخلاها يموت بحسرته.
ضيقت عيناها وتساءلت:
- أنتِ بتتكلمي عن مين؟ عن بابا؟
قهقهت عليها، ثم نزلت لمستواها وحاوطتها بذراعيها:
- من امتى وماجد بيهمني؟ أنا بقول على حبيبي جاسر.
جحظت عيناها من كلماتها.
أومأت برأسها بنعم:
- أيوه اتجوزت أبوكي علشان بحب أخوكي. بس حبيبك المحترم فرقنا من بعض وضربني كمان.
نظرت لها بشماتة:
- وأهو هرد له كل حاجة.
دفعتها كقطة شرسة. أخيرًا خرجت عن صمتها. هي كانت تعلم أنها فعلت أشياء مسيئة لوالدها ولكنها لم تعلم بما فعلته.
انتصبت ووقفت بمقابلتها. وأمسكت ذراعيها والشرر يتطاير من مقلتيها عندما علمت بانحطاط أخلاقها وأردفت بصوت مخيف لأول مرة:
- تفتكري اللي توطي راس أبويا ممكن أعمل فيها إيه؟
واللي تمرمط شرف أخويا المتوفي ممكن أرد عليها بإيه؟
واللي ما تحترمش سيرة جوزي أعمل فيها إيه؟
ثم أضافت بنبرة ذات مغزى:
- دا أنا تربية جواد الألفي يا حلوة. اللي ضربك قلم واحد رأفة بحالك.
أنهت كلماتها بنظرة مشمئزة، ثم دفعتها كأنها شيئًا قذرًا.
لقد فلت السهم من القوس عندما تخيلت حالة زوجها في اختطافها. خرجت روحها الثائرة بداخلها لتحطم هذه الحمقاء التي كانت تظن إنها ستركع لها بخوف.
نظرت لها باشمئزاز عندما ابتلعت غصة بحلقها عندما تذكرت أخيها الشهيد في أيامه الأخيرة وهنا تيقنت وأرجعت أسبابه لتلك الشمطاء.
رفعت سبابتها أمامها وتحدثت بفحيح:
- خرجيني من هنا. أصل ورحمة جاسر لأبكيكي بدل الدموع دم.
دفعتها بقوة من أمامها:
- أوعى تفكري إني هخاف منك يا حقيرة. لا فوقي واعرفي أنتِ واقفة قدام مين.
أشارت لنفسها بفخر:
- أنا غزل جواد الألفي.
ذهلت شاهيناز من قوتها. دارت حولها حتى تبث الرعب بقلبها رغم أن الغضب تمكن منها من تلك المتعجرفة كما وصفتها.
رفعت حاجبها وتحدثت:
- لا يا بت شاطرة. فعلًا تربية ابن الألفي. بس أحب أطمنك يا حلوة. هجيبه على وشه ومش بس كدا. هاخد حقي تالت ومتلت منه. حقي كله كله.
أردفت بها مغادرة ولكن وقفت أمام الباب وناظراتها:
- هشوف غلاوتك عند الباشا كام. باي يا حلوة لحد ما حضرة الضابط يجي.
خرجت مغلقة الباب خلفها بقوة.
دون حديث انهمرت الدموع فوق وجنتيها وهي تنظر لسرابها وقلبها على وشك الخروج من صدرها من شدة خوفها على زوجها الحبيب. لا تعلم بماذا تخطط تلك الشمطاء.
مسحت دموعها ووقفت وهي تمسك رأسها تحاول التفكير. ماذا ستفعل؟
في فيلا حازم الألفي.
تجلس بشرفتها وهي تنظر لمرور الناس في الشوارع تسرع هروبًا من قطرات المطر.
تذكرت قبل أسبوع.
دخل حازم مساءً مقبلًا جبينها:
"عاملة إيه حبيبتي؟"
ثم وضع يديه على بطنها:
والولاد الشقي دا عامل إيه؟
ابتسمت له بحب ثم وضعت يديها على يديه:
- ابنك كويس يا سيدي بس مامته اللي مش كويسة. باباه بيتاخر في الشغل كتير.
ضمها لأحضانه وتحدث أسفًا:
- آسف يا قلبي أنتِ عارفة صهيب الأيام دي ما بيروحش الشركة. وسيف لسه ما يعرفش نظام الشغل.
رفع ذقنها مقبلًا كرزيتها المنتفخة أمامه:
- بس وعد مني حبيبي هاخد إجازة علشان أفضي لك بس نهى ترجع لحالتها.
هنا تذكرت ما صار في تلك الليلة.
رجع من الفيوم. جلسوا سويًا بحديقة المنزل بعض الوقت.
- هطلع يا مليكة محتاجة حاجة حبيبتي؟ عايزة أنام الساعة داخلة على واحدة زمان صهيب في سابع نومة.
ضحكت مليكة عليها وتحدثت:
- ما أعتقدش صهيب نام وأنتِ بره. على العموم اطلعي حبيبتي وأنا شوية وهطلع مش قادرة أنام دلوقتي.
ثم اتجهت بنظرها لفيلا جواد:
- كان إيه لزوم جواد إنه يزين الفيلا كدا وهو عامل الفرح في الفيوم وكمان مش هيرجع قبل شهر؟
نظرت نهى للفيلا وأجابتها:
- عريس بقى وعايز يفرح ويفرح عروسته ربنا يسعدهم يا رب.
أومأت على دعائهم. قاطعهم وصول حازم. وضعت نهى يديها على بطنها وابتسمت:
- خلي بالك من حبيب خالتو دا. أشوفكم الصبح إن شاء الله. تصبحوا على خير.
سكنت لثواني ثم رفعت نظرها لحازم:
- تفتكر عاصم ممكن يأذي غزل بعد جوازها؟
مسح على شعرها بحنان وتحدث:
- أنا بتمنى نخلص منه. على طول إنسان مؤذي.
تنهدت وأجابته:
- فعلًا جاسر كان دايمًا يقول عليه كدا.
نسيت تمامًا أنها توجعه بحديثها.
ابتسمت لذكراه.
"تعرف في مرة استنى غزل قدام المدرسة؟"
مسكه كان هيموته يوميها... لولا وقفت بينهم. لمعت عيناها بالدموع.
"حبيبي ما استحملش يشوفه جنب أخته."
رغم إن جاسر كان قلبه طيب ورحيم، بس كان اللي يقرب مني ومن أخته ياكله.
كان دايمًا يقول لي: "أنتِ وغزل أغلى حاجة لقلبي."
***
كان يقف وينظر لها بصدمة... ضغط على يديه كأنه يخرج عصبيته في ضغطه... عيناه تصوب نظرات نارية اتجاهها... نار الغيرة أشعلت صدره ببنزين ملتهب بنيران الحقد الذي بدأت تظهر علنًا.
"كفاية!" صرخ بها فجأة.
انتفض قلبها من هيئته التي تراه بها لأول مرة. أغمضت عيناها عندما علمت أنها أوصلته لهذه الحالة... اتجهت تضع يديها على وجهه.
"حازم ما كانش قصدي..." وضع يديه أمامها.
"مش عايز أسمع ولا كلمة يا مدام... الحق عليا أنا اللي كنت مفكر نفسي إني الأول والوحيد في قلبك... كنت حاسس إن فيه حاجة غلط بس بكذب إحساسي."
رمقها بامتعاض وأكمل بلوم:
"وصلت بيكي البجاحة إنك توقفي قدام جوزك أبو ابنك اللي في بطنك وتتغزل في راجل تاني مهما كان وتنعيتيه بحبيبي!" أمسكها بعنف وتحولت عيناه للغضب وتحول من هدوئه لعاصفة كادت أن تلتهم كل شيء أمامه.
"حازم!" أردفت بها بارتجاف.
"حبيبي والله..." قاطعها بغضب عنيف:
"آخر صي يا ملكية مش عايز أسمع صوتك نهائي!" ثم خرج كأنه يطارد من عدوه.
انسدلت دموعها وهي تحاول أن تعتذر له مرة بعد أخرى، ولكن كيف له يسامحها على ما تفوهت به.
دلف للغرفة وجدها تجلس في الشرفة ودموعها تنسدل من مقلتيها على وجنتيها التي بهتت بعض الشيء... اتجه لها وتحدث:
بهدوء رغم حربه الداخلية في قلبه:
"عندي ميتينج مع الشركة الإسبانية... وهتغدى برة... حبيت أعرفك علشان ما تجيش توقفي قدامي وتقولي:
"أنت بترد لي وجع قلبي مع مارسيليا."
نظرت له وعيناها تغشاها الدموع.
"لسة مش عايز تسامحني يا حازم... خلاص أعلنت تكون جلادي بدون رحمة... ود لو يضمها داخل أحضانه حتى تتألم، ولكنه أقنع نفسه أن يأخذ موقف حتى لا تغلط مرة أخرى في رجولته."
سحب نفسًا ثقيلًا يملأ رئتيه المتألِّمتين من هجرانها له ووجع قلبيهما، ثم زفره على مهل وجلس بجوارها.
"مليكية." أردف بها بهدوء.
ناظرته ورموشها مبتلة بدموعها.
حاوط جسدها بذراعيه عندما ضعف أمام حالتها.
"أنا استحملت كتير ودوست على قلبي كتير في وجعه... بس أنتِ كل مرة بتدوسي أكتر عليه لحد ما بقاش مهتم للنبض ثاني."
نظر لها ومسح وجنتيها بأنامله الخشنة ونظر لعيناها بشوق جارف... ود لو يخطفها ويدلف بها على فراشهما ليخبرها كم عانى في جفاء البعد... ورغم ذلك تحدث بما يخالف قلبه وتمرد على قلبه.
وتحدث:
"عندما تموت قلوبنا ونحن أحياء لن نعد كما كنا حتى لو مر ألف عام."
"ولم نتخطى الألم."
"أو نتجاوزه أبدًا."
"فالموتى لا يرجعون إلى الحياة..."
رفع ذقنها مقبلًا جبينها...
"سيبي الوقت يحاول يلملم اللي أنتِ كسرته بدون رحمة."
ولكن قاطعه رنين هاتفه:
"أيوة يا صهيب..." هب واقفًا.
"امتى حصل ده؟"
"طيب خمس دقايق وأكون عندك... لازم نروح لجواد حالًا أكيد حالته صعبة."
وقفت أمامه وأردفت متسائلة:
"ماله جواد يا حازم؟ فيه إيه؟"
نظر لها بتيه وكأن القدر يصفعه ليفيق من غيرته ويوليه حق الأخوة الواجبة عليه.
صدمة سقطت عليه كصاعقة تصفعه بكل قوتها في يوم شديد البرودة.
"غزل اتخطفت من الجامعة."
هوت على مقعدها عندما شعرت بأن الأرض تميد بها وكأنها سيغشى عليها من الصدمة... انتبهت حواسه لما حدث لها.
***
جلس على عقبيه أمامها... ممسكًا بكفيها ومقبِّلها.
"هترجع ما تخافيش... جواد مستحيل يسيبها حتى لو هيموت..." نظرت له ودموعها تتساقط بشدة.
"روح لجواد يا حازم أكيد حالته صعبة... لا ده أكيد بيموت حبيبي."
مسح على وجهه.
"هترجع إن شاء الله..." أردف بها مغادرًا.
في غرفة صهيب.
تجلس والدتها بجانبها تطعمها بعض طعامها... مسدت على شعرها بحنان.
"عاملة إيه يا قلبي؟" ملست على وجهها.
"نهى حبيبتي حاولي تخرجي من اللي أنتِ فيه، جوزك هيموت عليكي يا بنتي."
وضعت رأسها على كتف والدتها وتذكرت تلك الليلة.
فلاش باك
باليوم التالي من زفاف جواد استيقظت مبكرًا عندما قضت ليلة مع زوجها من ليالي العشق الجميل بينهما... شعرت بألم أسفل بطنها... استيقظ صهيب على آلامها.
اعتدل سريعًا... وتساءل:
"مالك حبيبتي؟"
أجابته بابتسامة حتى لا تشعره بالذنب:
"ما فيش حبيبي شوية إرهاق وقلة نوم..." استيقظ وجلس بجوارها ضامًا إياها لأحضانه.
"هقوم أعمل لك حاجة دافية تهدي أعصابك وأعمل لك ساندوتش... ملاحظ أكلك بقى ضعيف قوي."
"صهيب أنا عايزة أنام بس وهرتاح ما ليش نفس حبيبي والله... يمكن السفر بتاع إمبارح ده اللي تعبني."
***
ضم وجهها بين راحتيه وتساءل:
"تعبك ده بسببي يا نهى مش كده؟" هزت رأسها سريعًا بلا.
"ليه بتقول كده؟ أي حاجة بتحصل بينا طبيعي... أنا بس شكلي أخدت برد ما تخافش هنام وأقوم كويسة..." قبل جبهتها ودثرها بالفراش.
"هعمل لك حاجة دافية وساندوتش بسيط علشان خاطر حبيبك تاكليهم تمام؟" أمأت برموشها الطويلة دون حديث.
بعد فترة دخل عليها بكوب من الحليب وبعض شطائر الجبن الرومي وجلس بجوارها كانت ما زالت تغوص بالنوم.
أيقظها مقبلًا شفتيها... فتحت عيناها واعتدلت بألم.
حاوط جسدها بيديه وأطعمها بعض الشطائر.. ولكنها رفضت شربها للحليب.
"صهيب ما ليش نفس له... أنا أكلت علشان خاطرك أهو كفاية لو سمحت حاسة هرجع اللي أكلته حبيبي بلاش."
مسد على شعرها مقبلًا إياه.
"نامي حبيبي عندي ميتينج مهم مع مارسيليا وحازم هيجي غصب عنه زي ما أنتِ عارفة لازم يكون موجود..."
ربنا يستر، ويعدي الاجتماع دا على خير.
قبلت يديه التي يضعها على وجنتيها.
- هيعدي إن شاء الله حبيبي.
خلي بالك من نفسك وإياك البت الصفرة دي تقرب من حازم.
اقترب وهمس أمام شفتيها:
- طيب تقرب من جوزك عادي؟
جذبته بقوة عليها ناظرة له شزرًا وتحدثت بغضب:
- يبقى سيبها تقرب كده وشوف هعمل إيه.
التقط شفتيه بقبلة شغوفة طويلة ثم تركها مغادرًا بعد تجهيز نفسه.
بعد فترة استيقظت على رنين هاتفها.
فتحت عيناها وأجابت:
- أيوة يا مليكة. حاضر يا حبيبتي شوية وهنزل.
اتجهت الاثنتان لفيلا جواد لوضع بعض الأشياء بها عندما أوصتهم غزل.
شعرت مليكة بالإرهاق. ربّتت على كتفها وأردفت:
- روحي أنتِ وأنا هكمل وأخلي الدادة تدخل الهدوم دي.
جذبتها مليكة من يديها:
- تعالي نتغدى الأول وبعد كده نكمل. معرفش بقيت مفجوعة قوي. موصية على سمك.
ضحكت الفتاتان وجلستا سويًا لتناول الغداء.
- أنا هروح آخد دوايا وأرجعلك. محدش يعرف إننا هنا وأعرف همت الشغالة علشان لو حازم جه.
ذهبت مليكة لمنزلها لأخذ دوائها واتجهت نهى لإكمال بعض الأشياء.
فجأة انقطعت الإضاءة عن المنزل. اتجهت لهاتفها حتى تشعله. اتجه الأمن ليعرفوا سبب انفصال الكهرباء. حاصر الأمن فيلا جواد عندما علموا بمن اقتحم الفيلا.
اتصل صهيب بها.
- أيوة حبيبتي بتعملي إيه؟ اتغديتي ولا لأ؟
- أنا في فيلا جواد من المغرب. بس الكهربا قطعت والأمن..
رد صهيب سريعًا:
- نهى لازم تخرجي من عندك، مين خلاكي تروحي هناك؟
لحظة توقفت عن الحديث عندما وجدت شخصًا ما يخرج من غرفة جواد. واستمعت لطلقات نارية بالخارج. ارتجف جسدها وهي تتحدث:
- صهيب فيه ناس غريبة في أوضة جواد.
صرخت فجأة عندما جذبها أحدهما من حجابها بقوة لا ترى وجهه. همس بجانب أذنيها:
- خليكي هادية وامشي قدامي أصلي هفرّغ المسدس ده في دماغك. أنتِ حلي الوحيد علشان أعرف أخرج بعد ما موتوا رجالاتي كلها.
ارتجفت أوصالها وشعرت بالخوف من همساته المخيفة. هزت رأسها وعيناها تنظر بخوف.
ضحك بقوة وأردف بشماتة:
- مرات ابن الألفي بترتعش. نفسي أصورك وأبعتك لجوزك المحترم. عاملين كمين يا ولاد (---).
صرخت بوجهه عندما لكمته تحت الحزام وأسرعت تختبئ منه. ظل يبحث عنها ويسبها بأبشع الشتائم.
***
دخل باسم وفريقه عندما علم بوجودها داخل المنزل.
وجد عاصم يجرها أمامه عندما عثر عليها خلف الستارة. انسدلت دموعها أمام باسم.
ارتعب من هيئتها. نظر بهدوء لعاصم:
- سيب نهى يا عاصم مالهاش ذنب.
قهقه عليه بسخرية:
- أسيب مين؟ دي نجاتي من هنا. هايه يا حضرة الضابط بقيت غبي ليه؟
ثم توجه بنظره للمنزل:
- فين ابن الألفي؟ أومال ليه الدعوات إن الفرح هنا؟
وضع سلاحه تحت ذقنه علامة للتفكير:
- أنا كده فهمت. ابن الألفي عملي كمين. أو ممكن كمين للمافيا اللي أكيد كده كده هيصفوه.
- سيب نهى يالا.
أردف بها باسم بقوة. حاصره عثمان من الجهة الأخرى.
ارتعبت نظرات عاصم عندما وجد نفسه محاصرًا من كل الجهات.
بلحظة لكم نهى بظهرها بقوة وعلى ساقيها حتى ركعت على ركبتيها تصرخ من الألم ووضع السلاح على رأسها.
- لو مخرجتوش وسبتوني هفرغه في راسها.
- نزل سلاحك يا حضرة الضابط أنتَ وهو لو عايزين مرات ابن الألفي تعيش.
- تمام تمام.
أردف بها باسم وهو ينظر لعثمان حتى يخرج عندما وجد حالة نهى المتأذية.
جذبها بقوة من حجابها وهو يبتسم بشماتة:
كانت تصرخ بقوة. ركلها بقدمه في بطنها عندما خرج باسم وفريق أمنه حتى يخرج ويتركها. أمسكت بطنها وصرخت جالسة غير قادرة على الحركة.
رجع باسم سريعًا له.
- مكانك وإلا هموتها. أنا كده كده ميت مش فارقة معايا.
دلف حازم في هذا الوقت وصعق من هيئة نهى ودمائها التي أسفل قدمها وهي تصرخ من شدة الألم.
صرخ به حازم:
- أنتَ متخلف يالا بتتشطر على واحدة ست؟
صرخت نهى بأعلى صوتها عندما اشتد الألم. بلحظة اختطف باسم سلاح حازم وأطلق على عاصم الذي كان يناظر نهى فاستقرت الرصاصة في صدره.
خرجت من ذكرياتها المؤلمة عندما تحدثت والدتها:
- صعبان عليا غزل يا قلبي. البنت دي دايما السعادة مسروقة منها.
نظرت بشرود لوالدتها:
- إن شاء الله هيلاقوها. جواد مستحيل يسكت. ده روحه فيها.
قاطعهم رنين هاتفها:
- أيوة يا صهيب فيه أخبار؟
مسح على وجهه بعنف وأردف حزينًا:
- لسه فيه مكان لسه بيشوفه ممكن تكون فيه. المهم أنتِ عاملة إيه يا حبيبتي؟
- أنا كويسة ما تقلقش عليا. المهم خليك مع جواد لازم ترجعوا بغزل يا صهيب.
- أخدتي دواكي يا نهى؟ اهتمي بصحتك يا حبيبتي واعذريني إني سبتك ومشيت.
أغمضت عيناها بألم عندما شعرت بوجعه.
- أنا كويسة قوي حبيبي وهنزل كمان عند ماما نجاة.
في قسم الشرطة.
تحرك باسم وجواد بعدما أخبرهم عثمان بوجود غزل بذلك المكان.
حمحم باسم وحاول يتحدث إليه:
- جواد هنرجعها ما تخافش حاول تهدى أنتَ كده بتفقدني أعصابي.
حاول تهدئة نفسه كلما تذكر إصابتها بمكروه تحترق خلاياه الداخلية لتصبح رمادًا.
وصلا للمكان وراقبوه من مسافة ليست بالبعيدة.
أمسك يديه وحاول تهدئته:
- جواد مراتك جوا. مع عصابة فاهم معنى ده إيه؟ أي تهور منك ممكن تتأذي.
وجدوا سيارة سيف أمامهم.
جحظت عين جواد عندما وجد سيف يدخل المبنى الذي توجد به غزل.
رواية تمرد عاشق الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم سيلا وليد
الفصل الثاني والثلاثون
ماذا تظنين الحياة بدونك؟
أتُعتقدين أن الحياة حياة؟
أقسم لكِ أن ليس لي حياة
وأنتِ بالبعد عني... يا من ملكتِ كل كياني
فإنني الحبيب الذي يغرق بعشقكِ من الوريد للوريد.
يجلس صهيب وحازم بسيارة خلف سيارات الشرطة، ينظر للطرقات بتيه وكل خلية تنتفض خوفًا عليها.
اتجه بنظره لحازم.
- لو غزل جرى لها حاجة، جواد ممكن يتجنن فيها ويخرج عن شعوره ويغلط، فهمتني؟
ربت حازم على ذراعه.
- إن شاء الله مش هيحصل حاجة، أنا متأكد. جواد ممكن يخرج عن السيطرة في بعض الحاجات، بس لما يكون حد مهدد بالخطر بيفكر مليون مرة.
قاطعهم اتصال مليكة.
- أيوة يا مليكة.
كانت تجلس بسيارتها تبكي، أردفت بصوت باكِ.
- حازم، شهيناز بعتت لي صور لغزل... غزل عندها، هي طلبت مني أروح أخدها لو خايفين عليها.
هنا انتفض جسده بالكامل وتحدث بغضب.
- إياكِ تتحركي من عندك... إحنا قدام بيتها وجواد دخل يجيبها. مليكة حبيبتي ما تعمليش حاجة متهورة.
بكت بصوت عالٍ اخترق صدره.
- بدل بإيدي حاجة أعملها لأخويا مش هتأخر.
جذب صهيب الهاتف.
- اسمعي كلام جوزك يا مليكة، جواد عندها دلوقتي... ما تهدديش اللي بيخطط له، ممكن يوجعوه بيكي... حبيبتي ما تنسيش إنك حامل وهي ممكن تأذيكِ... إحنا كلنا هنا... لو فعلًا عايزة تساعدي جواد، ما تتحركيش من مكانك.
خرجت من بين شفتيها آهة مؤلمة عندما شعرت بألم شديد.
- مليكة أنتِ فين دلوقتي؟ تساءل بها صهيب.
- أنا في ( ).
- طيب ارجعي حبيبتي على البيت وإحنا شوية وهنرجع لكِ.
زاد الألم عليها... ابتلعت آلامها وتهدجت نبرتها.
- حاضر يا صهيب.
تحدث حازم الذي لم يعجبه تصرفها وبهدوء ظاهري وبنبرة عميقة.
- ينفع اللي بتفكري فيه؟ يعني فين مخك وهي بتسحبك عندها علشان تذل جواد وتخليه يلف حوالين نفسه؟ ارجعي لما إحنا نقصر، يبقى فكري يا مليكة.
هنا صرخت من شدة آلامها وكأنها تشعر بانسحاب روحها... أوقفت السيارة جانبًا.
- حازم أنا تعبانة أوي، شكلي هسقط الولد...
نظر لصهيب الذي استمع لصرخات أخته وشعر أن قلبه على وشك الخروج من مكانه خوفًا عليها.
- مليكة حبيبتي خليكِ عندك حبيبي أنا عشر دقايق وأكون عندك.
- انزل يا صهيب بسرعة لازم أروحلها.
أشار بيديه وأردف:
- تمام تمام يا حازم اهدى إن شاء الله خير... اهدى وسوق على مهلك، أنا ما ينفعش أسيب جواد هنا وأروح معاك.
دفعه حازم بسرعة عندما فتح الباب.
- أنا هروحلها وسع، خليك أنت هنا.
بدون كلمات أخرى تحرك وقاد سيارته سالكًا طريقه بسرعة جنونية حتى يصل إليها عندما شعر بتوقف قلبه.
دلف سيف بهدوء إلى المنزل... حاوطت عيناه البيت بالكامل فكان يحاوطونه رجال ذات أجساد ضخمة البنية... فُتح الباب وهلت منه شهيناز بابتسامة خبيثة.
نظر لها نظرات قاتمة ووجهه عبارة عن لوحة فنية يغمره الغضب والاشمئزاز من تلك الشمطاء كما نعتها.
- فين غزل؟ تساءل بها سيف بهدوء مريب.
اقترب الرجل منه لكي يفتشه... أشارت له بيديها.
- لا دا سيفو أمور عيلة الألفي، ما لوش في الأسلحة، هو له بس في البنات الحلوة.
اقتربت منه ونظرت له بإعجاب فهي لم تراه منذ أكثر من خمس سنوات. رفعت يديها وأمسكت زر قميصه وتحدثت بغنج.
- بس كبرت وحلويت أوي يا سيفو... بقيت راجل بجد.
رفعت يديها تلمس وجهه... أمسك ذراعيها بقوة والشرر يخرج من مقلتيه.
- إيدك دي هكسرهالك يا مقرفة... فين غزل؟
اتسعت حدقتاها شيئًا فشيئًا وصدمة قوية على وجهها عندما وجدته بهذه القوة.
دفعها بقوة بعيدًا عنه ومسح يديه بطريقة مشمئزة من لمسها.
- مفكرة نفسك مين... فوقي واعرفي أنتِ بتلعبي مع مين...
دار حولها وهي ما زالت بصدمتها.
- على ما أظن عاشرتِ عيلة الألفي وتعرفي إن دمهم مُر... وأنتِ اللي هتشربيه... أصلك جبتيه لنفسك... إحنا كنا سابينك تلعبي بس براحتنا برضه...
ثم استطرد مكتملاً.
- إنك تتخطى حدودك... فعرفي إنك لعبتي بعداد عمرك.
صدمة تلو الأخرى جعلت جسدها يترنح لبعض الشيء فهي كانت تعتقده ما زال ذلك الشاب المستهتر... ولكن قوته أذهلتها.
ضحكت بصخب عليه عندما أتتها فكرتها الحقيرة لحتى تدفن رؤوسهم في الرمال.
- لا فعلاً ابن الألفي بجد يا سيفو... بس أحب أقولك أنا مش بالضعيفة أبدًا وعاملة حساب كل خطوة... فكر بس في نفسك هتعمل إيه لما أعملك فضيحة مع مرات أخوك حضرة الضابط.
صرخ بوجهها وصفعها جعلها تترنح من شدتها... اتجه إليه الرجل وكاد أن يضربه ولكن أوقفته بيديها.
- سيبه باموت أنا في ضرب الرجالة الحلوين دول... ما هو جاسر ياما ضربني وكنت بعشقه... وشكلك كدا هتكون محله يا سيفو.
- شهيناز، أردف بها بصراخ.
- قولتي تعالى وأنا همشي غزل... جيت، عايزة إيه تاني؟ خليها تروح.
جلست تضع ساقًا فوق الأخرى.
- أنت صدقت يا سيفو ولا إيه؟
وقفت ودارت حوله وتحدثت بسخرية.
- ينفع غزل تمشي قبل ما مليكة تيجي... الله هو أنا نسيت أقولك يا حبيبي مش مليكة جاية في الطريق... ما هو لازم أجركم كلكم يا أولاد الألفي... لسه صهيب.
- بس دا أجيبه إزاي إلا لما أبعت له فيديو صغنن كدا وأنت ومرات حضرة الضابط في حضن بعض ومن غير هدوم... أردفت بها وهي تطلق ضحكات صاخبة تصم الآذان.
نظرت للرجل ضخم البنية.
- دخله عندها وأعملوا المطلوب بسرعة.
جذبها من خصلاتها.
- وديني لأموتك يا حقيرة، أوعي تفكري إنك هتفلتي مني.
صرخت بالرجل.
- اديلهم الحقن باقولك وشوف شغلك.
جذب الرجل سيف الذي حاول بكل قوته ضربه ولكنه كان كالحائط. دفعه بقوة داخل الغرفة... أسرعت غزل إليه التي كانت تجلس تفكر بما ستفعل.
- سيف! أردفت بها بدهشة.
- أنتِ كويسة؟
أمأت برأسها بنعم.
مسح على وجهه بعنف وظل يركل الأرض ويصرخ.
- لازم تخرجي من هنا حالًا... بس إزاي بنت الكلب ضحكت عليا.
دلف الرجل الضخم وبيديه إبرة لحقنهم. ضيقت غزل عيناها ونظرت لسيف الذي أُذهل وشل عقله بماذا يفعل؟ عرف الآن خطأه الفادح أنه لم يخبر جواد.
نظر لذلك الرجل.
- عارف لو قربت منها هقتلك.
ظل ينظر له الرجل نظرات قاتمة ونادى على آخر.
- امسكوه خلينا نخلص قبل المدام ما تموتنا.
لحظات فقط مرت عليهم كحد السيف على رقابهم... كان ينظر لغزل التي لم تفهم بما تخطط تلك الشمطاء... اقترب الرجلان من سيف الذي بسرعة البرق خطف سلاحه وأطلقه على أحدهما. أسرعت غزل تتمسك بملابسه عندما اقتحم آخر الغرفة... ما هي إلا لحظات دخلت شهيناز عندما استمعت لطلقات نارية.
ذُهلت عندما وجدت غزل خلف سيف ورجل غارق بدمائه.
صرخت بالآخرين:
- اتصرفوا، الوقت بيعدي!
رفع سيف سلاحه أمامهم:
- لو حد قرّب، هقتلكم!
صرخ بها.
في تلك الأثناء، تسلل جواد وباسم بالقوة وحاصروا المنزل. شاهد جواد من فتحات النافذة غزل وهي تتحامى بسيف، وذلك الحائط البشري بيديه حقنة. أسرع للداخل وهو يشير لعثمان بأن يتبعه من هذه الجهة. أما باسم، اتخذ بعضًا من قواته الذين صعدوا بجانب المنزل لإحاطته.
وما هي إلا لحظات وكانت الغلبة لقوات الأمن عندما اقتحموا المنزل بأسلحة كاتمة للصوت. لم يتبق سوى شهيناز وذلك الرجلين بالداخل. اقترب الرجل ولم يبقَ بينه وبين سيف الذي اهتزت يديه بالسلاح حتى أسقطه الرجل من يديه. ضحكت شهيناز بصخب وجلست تضع ساقًا فوق الأخرى.
- هشوف دلوقتي أجمل عرض، وبعد كده الناس هتتبسط أكيد، ماهو مش أي حد.
صرخت غزل عندما علمت بما يدور بعقلها:
- أقسم بالله ماهتلاقي حد يرحمك، وجواد هيجي يا حقيرة، عارفة ومتأكدة خلال لحظات وهتشوفيه هنا، قلبي بيقولي.
صرخت بها بقهر عندما أمسك الرجل بسيف وظل يلكمه. وضعت غزل يديها على أذنيها وهي تصرخ باسم جواد الذي ركل الباب بقدمه، وما هي إلا طلقة استقرت برأس الرجل والأخرى بصدره.
لحظات فقط وانقلبت لعبة تلك الحمقاء.
أسرع لغزل يضمها عندما وجدها تجلس وتصرخ وهي تضع يديها على أذنيها. لم تره. جذبها لأحضانه وهو ينظر لسيف بغضب مما فعله. كانت تقف في إحدى أركان الغرفة وجسدها يرتعش خوفًا عندما وجدت قوات الأمن اقتحمت المنزل كاملًا.
تسللت رائحته، فتحت عيناها تنظر له، ألقت نفسها بداخل أحضانه وتطوق عنقه بقوة.
- كنت عارفة إنك هتيجي حبيبي.
عصرها بأحضانه ورعشة قوية أصابت جسده من هول ما رآه من ذعرها.
- اششش، اهدي حبيبي، أنا جيت خلاص. ولا يهمك يا قلبي.
حملها بين يديه وخرج من الغرفة، قابله صهيب وباسم بعدما أنهى مهمته بالكامل في القبض على كل من بالمنزل.
حضن صهيب أخيه عندما علم بما صار. تحرك الجميع لخارج المنزل خلف جواد الذي حمل غزل متجها لسيارته.
أجلسها بالسيارة دون كل أي حديث. أغمضت عيناها وأرجعت برأسها للخلف، لعلها تنسى ما صار لها.
***
اتجه جواد لباسم.
- سيبها يا باسم.
قطّب جبينه وتساءل:
- ناوي تعمل إيه يا جواد؟
اتجه بنظره لعثمان:
- خُد الكلبة دي وديها المكان اللي قلتلك عليه.
وقف باسم أمامه:
- جواد بلاش اللي بتفكر فيه.
تحرك وكأنه لم يسمع شيئا.
- عثمان، اعمل زي ما قلتلك. هحاسبك أنت لو منفذتش. فين حازم يا صهيب؟
"مليكة" الحقيرة شهيناز كانت بتستدرجها وتعبت في الطريق وحازم راح لعندها.
ضيق عيناه: تعبت إزاي وإنت إزاي تسيبه لوحده؟
اتجه سريعا لسيارته متجها لأخته.
- فينك يا ابني ومليكة مالها؟
أجابه على الطرف الآخر:
- كويسة ما تخافش. "غزل" عملت إيه؟
نظر للتي تجلس بجواره، جذبها لأحضانه مقبلًا جبهتها.
- كويسين الحمد لله. وسيف كان هنا، كلنا تمام. المهم طمني على مليكة.
- كويسة بقولك، وهتبقى خال لولد يا حمار.
- ربنا يكملها على خير حبيبي، إحنا راجعين على البيت وأنت إلحقنا المهم تكونوا كويسين.
تنهد حازم وتحدث:
- عايز أكلم غزل يا جواد.
وضع الهاتف على أذنها وهمس لها:
- طمني حازم حبيبي.
قالها بهدوء رغم لهيب قلبه المشتعل على حالتها ومظهرها الذي وجدها به.
- أنا كويسة يا حازم.
أردفت بها غزل دون حديث آخر.
ضمت ذراع جواد ووضعت رأسها وهي تستنشق رائحته لتتأكد أنها بأمان.
بعد فترة وصل إلى منزلهما.
كان ينتظر كل من والده ووالدته ووالدة نهى. أوقف السيارة واتجه إليها وقام بفتح باب السيارة. كان جسدها يرتعش ولم تقوَ على الحركة. اتجهت نهى سريعا إليهما.
- جواد، غزل عاملة إيه وليه شايلها كده؟
أومأ لها أنها بخير ثم حملها بين يديه واتجه بها لمنزلهما. أوقفهما والده.
- مراتك عاملة إيه حبيبي؟ وأخواتك فين سيف ومليكة؟
- الحمد لله يا بابا، كويسين، جايين بعد شوية.
صعد بها إلى غرفتهما. هو لا يشعر بشيء سوى أنه يريد النوم فقط.
***
اتجه بها للمرحاض وقام بخلع ملابسها بعدما امتلأ المغطس (البانيو) بالمياه، دثرها داخله بهدوء. انتفض جسدها عندما شعرت بالمياه. جلس على حافته وهمس لها:
- اهدي، أنا معاكي.
ظل يغسل جسدها بهدوء مع تدليكه الهادئ ليزيل بعض تعبها الجسدي والنفسي في ذلك الوقت.
أغمضت عيناها مستمتعة بلمساته الدافئة لقلبها، وقلبه الحنون المراعي لحالتها.
تعشقه بجنون، كما يعشقها، ودَّ لو يخفيها عن العالم أجمع، كل نظراته توحي لها بذلك.
نعم، شعرت بحبها الغارق حد النخاع، أن يتمنى بإخفائها عن الجميع.
وضعت رأسها على جبينه عندما أنزل بجسده ليجلب بعض العطور لها.
- جواد ساكت ليه؟ حالتك بتخوفني حبيبي.
لامس جانب وجهها وأردف وما زال يتصنع أمامها أنه بخير:
- أنا كويس حبيبي.
صار معها بعض الوقت حتى انتهى تماما من حمومها، أوقفها وساعدها بتجفيف شعرها وجسدها. ألبسها مأزرها (البورنس)، جذبها من خصرها للخارج. ثم جفف شعرها بالمجفف الكهربائي وأعد ملابسها. كل ذلك وهي تنظر له فقط لا تقوَ على الحديث، فرغم ما يفعله إلا أن نظراته تهرب بملاقاة عيناها. لم تعلم لماذا شعرت بآلام في فؤادها. هل من حالته؟ أم لأنها هي السبب بالوصول به لتلك الحالة؟
أمسكت يديه وهو يقوم بارتدائها للملابس.
نظر لعيناها التي يهرب من ملاحقتها له.
- أنا هلبس يا جواد، روح إنت خد شاور وأنا هكمل.
وضع لبس منزلي بجوارها عبارة عن ترنج شتوي ثقيل.
- هساعدك الأول وبعد كده هروح.
تمركزت عيناها على وجهه الذي يظهر عليه الوجع. أما هو فتمركزت عيناه على شفاها وهي تتحدث، تملك منه الشوق أن يتذوقها ويثبت لحاله أنها بين يديه. ولكن لم يقوَ على ذلك. استدار سريعا للمرحاض هروبا منها.
اتجهت للخزانة وضعت ما جلبه، وأخرجت منامة نوم باللون الأرجواني الداكن الذي ملمسه من الحرير الناعم ليظهر جمال بشرتها الطفولية بسخاء أمامه.
يصل قميصها إلى ما فوق الركبة مع خيوط كاملة بظهرها، ويفتح من الأمام حتى مقدمة الصدر. حقا ظهر جمال أنوثتها الطاغية، ناهيك عن رائحتها التي تُذهب العقل. اختارت أفضل العطور التي جلبها إليها.
***
قامت بإغلاق الإضاءة إلا من بعض الشموع ذات الرائحة الفواحة التي قامت بإشعالها. دقات قلبها بالارتفاع رغم ما زالت تحت صدمة ما كانت عليه، ولكن حالته التي رأتها به جعلتها تخرج عن صمتها.
خرج يلف نفسه بمنشفة كبيرة، وجدها تجلس على الفراش بهيئتها الجذابة.
رفع رأسه ينظر في عينيها، تقابلت نظراتهما بشوق جارف بكل ما تحمله قلبيهما من عشقهما الدفين.
تحرك متجها لغرفة الملابس سريعا.
ارتدى ملابس بيتية مريحة. جلس بجوارها عجز عن الكلام في حضرة جمالها.
استلقى بجسده على الفراش واضعًا ذراعيه حتى تنام عليه كما عودها. وضعت رأسها وملست على شعره بحنان.
ثم اتجهت بنظرها لعينيه الذي أغلقها متلذذًا بلمساتها. رفع يديه وقبّل يديها بهدوء.
وضعت رأسها في حنايا عنقه وهي تهمس له:
- وحشتني أوي حبيبي... غزالتك بين أحضانك وبتقولك هتفضل معاك لنهاية العمر.
رفعت نظرها له وتشابكت النظرات قبل الأجساد. أغمض عينيه وسحب نفسًا عميقًا وكأنه يملأ صدره من رائحتها.
نطق أخيرا بصوت متهدج ممزوج بمشاعره لها:
- تعرفي من ساعتين بس كنت بموت.
زفر بوجع واستطرد حديثه:
- أتمنيت إني ما قلبتكيش ولا حبيتك... حسيت بالعجز أوي وأنا مش عارف أفكر وأوصلك... كنت بموت يا غزل.
كل ذرة بمشاعرها تنتحب وحزينة على نظراته الحزينة الموجعة عليها.
وضعت أناملها على شفتيه واقتربت قبلته.
- بعد الشر عليك يا حبيب غزل. أنا ما خفتش لأني عارفة جوزي حبيبي هيجي وينقذني.
جذبها مقربًا إياها إليه حتى يشعر أنها بين يديه وليس حلمًا. أخذها لجنة الخلد التي يعيشون سويًا بها. ظل يذيقها كمًا من عشقه وأخذها في عدة جولات حتى أرهق كلاً منهما وذهب بنوم عميق حتى لا يتذكرا ما صار لهما.
***
بعد عدة ساعات استيقظ جواد. وجدها تدثر نفسها بأحضانه. تذكر جولات عشقه التي كان عليها منذ فترة قليلة.
قبّل رأسها. وظل يحمد ربه على وجودها بحياته. ظل ينظر لها كأنه يحفر معالم وجهها المحببة إليه.
رمشت بأهدابها عدة مرات ورفعت رموشها عندما شعرت بأنفاسه الحارة تلفح عنقها.
- صباح الخير يا حبيبي.
لمس وجنتيها المنتفخة بأنامله:
- صباح الحب يا عيون حبيبك... عاملة إيه يا روحي؟
ضمت نفسها لأحضانه:
- بردانة أوي الجو شكله برد أوي يا ريتني سمعت كلامك ولبست الترنج.
ضيق عينيه رافعًا جانب وجهه وتحدث بسخريه:
- ليه مفيش راجل معاكي على السرير؟
وضعت وجهها في صدره عندما علمت بأنها استفزته بكلماتها.
- بصيلي بتخبي نفسك ليه؟
رفعت نظرها إليه تاه برماديتها. نزل بوجهه وأردف بصوت مبحوح:
- ينفع كده تغلطي في حبيبك وتقولي إنك بردانة وأنت جوا حضنه؟
ظلت تنظر له بصمت وتهيم به عشقًا تتمنى أن تظل السعادة دائمًا لقلبيهما. رفعت أناملها إلى خصلاته:
- حبيبي أحسن راجل في الدنيا. وبحبه قد العالم ده كله.
قهقه عليها:
- بتهربي يا زوزو من حبيبك بحركاتك الطفولية؟
لكمته بيديها الصغيرة:
- أنت فصيل على فكرة ووسع كده علشان عايزة أقوم.
- الله وأنا ماسكك ما تقومي؟
- جواد! أردفت بها بصوت مرتفع غاضبًا.
رفع حاجبه:
- إيه؟ حد قالك ما بأسمعش؟ ما أنا قاعد جنبك أهو بتنادي على حد في الشارع!
دفعته حتى سقط على الفراش بظهره.
نفخت وجنتيها كالأطفال:
- هات لي قميصي يا بارد عايزة أروح الحمام.
وضع يديه تحت رأسه ونظر للسقف:
- هو أنا لابس قميصك يا بنتي؟ ما دوري عليه.
رفعت جسدها حتى التقطت قميصها من الأرض بجواره وهو يبتسم بخبث عليها.
أمسكت بأناملها شيئًا آخر ورفعته أمامها وفجأة وضعته تحت الغطاء.
سند على مرفقيه ورفع حاجبه بشقاوة:
- بتخبي إيه يا زوزو؟ أوعي يكون تيشيرتي.
- هزعل لأنك هتلبسيه يعني هتلبسيه يا قلبي.
توردت وجنتاها عندما رفع الغطاء وأمسك بأناملها الذي كانت تخفيه.
قهقه عليها بضحكات صاخبة وهو يرفعه بأصبعه:
- واو يا بت يا زوزو شكله تحفة.
- بأقولك ما تقومي كده تلبسيه.
وضعت يديها على وجهها:
- والله أنت بارد ومستفز يا جواد.
فجأة وجدت نفسها معلقة بالهواء عندما دلف بها للمرحاض.
- عايز نعوم شوية في البانيو اللي جوا ده... هو أنا كنت جايب المقاس ده كله علشان إيه؟
في غرفة صهيب:
بعد فترة من رجوعه. جلس في الشرفة يضع رأسه بين يديه.
دلفت الغرفة وجدته بهذه الحالة اتجهت له وجلست على ساقيه.
- حبيبي زعلان وبيفكر في إيه؟
أرجع بجسده للخلف وهو يضمها لصدره بقوة:
- عاملة إيه يا قلبي النهاردة؟
- كويسة أوي حبيبي... زعلان ليه وقاعد كده ليه؟ مش كل حاجة تمام؟
أرجع خصلاتها المتمردة خلف أذنيها:
- دلوقتي أنا أحسن راجل في الدنيا. بدل ضحكتك دي منورة دنيتي.
بعد فترة تسكن بأحضانه وهو يتلاعب بشعرها.
رفع ذقنها بأنامله:
- عاملة إيه دلوقتي يا نهى؟
وضعت رأسها على صدره وتنهدت بحزن:
- بقى لي شهرين بأحاول أتجاوز اللي مريت بيه. عارفة إنك تعبت مني.
رفعت رأسها تنظر له بحب:
- غصب عني حبيبي والله... ما تزعلش مني.
جذبها بقوة لأحضانه:
- عارف يا قلبي إنك مريتي بتجربة صعبة. نهى أنا معاكي لآخر العمر.
لمس وجهها بحنان:
- تعرفي إني حلمت إنك عايزة تتطلقي.
اعتدلت عندما وجدت نبرة الحزن بصوته:
- ليه بتقول كده؟ هو كنت مذنب في اللي حصل؟ ده نصيبنا والحمد لله على ابتلائه.
- أنا اللي تعبني صدمتي من اللي حصل. بس موضوع الحمل ده بأيد ربنا. يعني ربنا ما كانش رايد بيه. ممكن يكون كان فيه أذية لينا. على الرغم إنهم توأم بس بأحمد ربنا على كل حال. كفاية إنك معايا.
- وإننا بخير وكمان مفيش أذية من اللي حصل.
وضع وجهها بين راحتيه والتقط شفتيها ليغوص بعالمهما الخاص.
***
في فيلا حازم:
بعد رجوعهما من المستشفى.
أعد لها وجبة متكاملة للحفاظ على صحتها.
- حاسة بإيه دلوقتي حبيبتي؟ قالها وهو يملس على شعرها بحنان.
وضعت رأسها على كتفه فقد اشتاقت له حد الجنون. لمست عنقه:
- حازم وحشتني أوي.
لسه زعلان مني؟
ما كان عليه أن يلقي كل شيء أثار وجع قلبيهما، وأن يحملها بين ساعديه ليعلمها كم اشتاق لها.
نظر لعينها السوداء الجميلة.
- عايزة تعرفي وحشتيني قد إيه... وكمان علشان أسلم على جواد الصغير.
طوقت عنقه.
- بجد يا حازم هتسمي الولد جواد؟ دا عبَّت أنفها وتحدثت بحب.
- بجد يا روح حازم... على فكرة كنت هاسميه جاسر بس أخوكي حضرة الضابط رفض... قال جاسر دا تبعي.
أنا آسف يا حبيبتي عارف قسيت عليكي... بس غصب عني.
لمست وجهه بعشق بعينها.
- أنا بحبك أوي يا حازم ربنا يخليك ليا.
اتجه بها للفراش.
- طيب يا قلبي عايز أعرف الحب هيفضل كلام كدا نظري... طيب نعمل إيه بكلام الدكتورة المجنونة دي؟
قهقهت عليه بضحكاتها الأنثوية.
- معلش يا حبيبي أنا كمان اشتقتلك بس علشان جود الصغير يجي بالسلامة.
ضحكت فجأة:
- شوف ابنك بيسبح جوه أهو.
وضع يديه وجده يتحرك داخل أحشائها.
- شوفي بيرحب بينا إزاي... شكله هيكون شقي زي خاله.
قبل قليل، كان يجلس حسين بجانب نجاة في غرفة المعيشة.
تحدث حسين:
- أنا حزين أوي على الولا... كل ما يخرجوا من حاجة يدخلوا في حاجة تانية.
دخلت أمل ووالدتها التي تظهر عليها الشماتة.
- إيه اللي حصل دا يا حسين لسه عارفين دلوقتي إن غزل اتخطفت من مرات أبوها.
نظرت أمل لوالدتها وأردفت:
- دلوقتي جواد يا حبيبي محتار مش عارف يرجعها إزاي؟ وممكن مرات أبوها دي تعمل حاجات أستغفر الله العظيم... تخلي ماشي وراسه في الأرض.
ظلت تجلس تستمع إليهما حتى انتهوا من حديثهما.
وقفت وتحدثت بهدوء:
- واللي وصلكم الأخبار ما قالش إن جواد خلال ساعتين رجعها وبدون خدش حتى في ضوافرها.
في غرفة سيف بعد فترة، دلف والده إليه وجده يجلس على جهازه المحمول.
- بتعمل إيه يا حبيبي؟
وقف لوالده احترامًا.
- اتفضل يا بابا فيه حاجة؟
جلس حسين أمامه وأشار له ليجلس.
- ينفع اللي عملته دا يا سيف؟ أكمل مفسرًا: يعني لو قدر الله يا ابني أخوك ما وصلش في الوقت المناسب كان ممكن يحصل إيه؟
نزل برأسه للأسفل.
- أنا آسف يا بابا... أنا كل اللي فكرت فيه إني أنقذ غزل.
رفع نظره لوالده.
- أنت ما شفتش جواد كان عامل إزاي يا بابا... صعب عليا... روحت من غير ما أستخدم عقلي ما كنتش أعرف إنها بالقذارة دي.
ربت حسين على كتفه.
- ربنا ميزنا بالعقل يا حبيبي علشان نفكر في مشاكلنا وحلها... التهور دايمًا يا ابني بيكون خسارة.
تنهد بهدوء.
- الحمد لله على كل حال... المهم تاخد بالك بعد كدا... أنا وعمك هاشم اتفقنا على يوم الجمعة علشان كتب الكتاب.
حضن والده وشكره.
تحرك حسين مغادرًا الغرفة.
بعد شهر على مرور الأحداث، مساءً.
رجع من عمله بعد أن قرر يفاجئها بإجازة خارج البلد... وجد المنزل هادئًا من شقاوتها ولا يوجد عاملين بالمنزل... قطب جبينه مستغربًا الهدوء.
صعد لغرفتهما سريعًا.
دلف إلى الغرفة برقت عيناه مما رأى.
رواية تمرد عاشق الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم سيلا وليد
أخبروها
إنها الأمنية التي أغمض عيني
عليها في نهاية كل يوم
وأتمنى أن لا تنتهي أبدًا!
فأنت لست شيئًا عاديًا بحياتي،
لست إحساسًا عابرًا،
ولست ألمًا يمكن الشفاء منه.
أنت في عمري شيء لا أستطيع الاستغناء عنه...
رجع مساءً من عمله، دلف للمنزل فوجد الهدوء يعم المكان. أسرع لغرفته وفتح الباب بهدوء... جحظت عيناه مما رأى.
كيف هذا الملاك التي أصبحت في حبها ملاكًا لي... وأنا كنت المتمرد بل أصبحت القاسي لقلبي وقلبها... بل أصبحت الجلاد.
نظر إليها، كانت كحورية بحر بمفاتنها التي تذهب العقل لتجعلك كالسكران... تقف في منتصف الغرفة بطلتها البهية ورائحتها الخلابة.
ماذا تفعل بي طفلتي؟
هل رُميت بسهم العشق الذي لا يشبع مهما ارتوى؟
الآن أنا كالمدمن حبيبتي الذي اعتاد على جرعته من رحيقك واقترابك...
وكيف يداوي المدمن إلا بمصله؟ لما لا وأنت أصبحت مصلي لشفائي... أصبحت ثنايا الروح... أصبحت الحياة لحياتي.
في قانون العشق يقولون:
داخل كل امرأة
طفلة بريئة لا تكبر على اللعب
وعاشقة لا تكبر على الحب
وأنثى لا تكبر على الحنان
لهذا لا أشعر بوقتي مهما مر معك.
فركت يديها وهي تتلفت في جميع الاتجاهات. كانت
تضع منضدة متوسطة الحجم بجانب الشرفة... مع الموسيقى الهادئة والشموع الحمراء... حقًا كان مكانًا بمشاعر رومانسية.
خطا إليها بهدوئه المعتاد... كانت نظراتهما تحتضن كلاهما... اخترق قانون العشق المسافة بينهما... وعيونه تلاحقها... أقسم بربه لم يرَ في جمال عينيها... فهي كترانيم مقدسة لقلبه.
حاوط خصرها مستنشقًا عطرها بلذة عاشق حد النخاع...
أخذ شهيقًا عميقًا لتسري رائحتها وتتغلغل في ثنايا دواخله... ساد الصمت بينهما ورغم ذلك تتحدث النظرات بالكثير والكثير من الاشتياق الطاغي عليهما.
وضع رأسه بين خصلاتها وأردف محاولًا كبت رغبته بها في الحال:
"وحشتيني... رغم إنها بسيطة ولكن لواقعها الكثير والكثير في القلوب لتلحن معزوفاتها النابضة."
استمع لنبضاتها المرتفعة وصدرها الذي يعلو ويهبط أمامه بانتشاء. رفعها من خصرها... متوجهًا بها لداخل الغرفة... طوقت عنقه بمجرد حمله لها... رفعت نظرها لتفاحة آدم خاصته داعبتها بشفاها مما أثارت رجفة لذيذة في جسده.
جلس وأجلسها على ساقيه... مرر أنامله الخشنة على وجهها الطفولي... أغمضت عيناها من لمساته.
"جواد وحشتني."
أردفت بنبرتها الحنونة العاشقة له.
كم يعشق اسمه من شفتاها... رغم الكثيرات اللاتي كن أمامه... ولكنها هي سواهم... امرأة أذابت جليد قلبه من عشقها.
قربها منه حتى تلامست الشفاه بمزيج العشق... ححّم حتى يقوى على الحديث:
"روح وقلب جواد يا حبيبي."
نظر لداخل مقلتيها...
"ناوية تعملي فيا إيه تاني يا جنتي؟"
تلعثمت خجلًا وطافت عيناها يمينًا ويسارًا:
"حبيت أعملك غدا خاص في الأوضة..."
رفعت يديها ولامست زر قميصه...
وتحدثت بصوت رقيق:
"بيقولوا أقرب حاجة لقلب الراجل معدته... وأنت عمرك ما طلبت حاجة معينة مع إني عارفة كل أكلك... بس النهاردة خرجت عن وجبات جواد الألفي المألوفة وحبيت آكله على ذوقي."
ثم رفعت أهدابها وتفحصت تقسيمات وجهه التي تعشقها حد الجنون... رافعة أناملها تتحسس وجهه:
"لازم تاكل من عمايل إيدي النهاردة."
اقتربت وهمست بجانب أذنه:
"مراتك وقفت في المطبخ علشان تأكلك من إيديها."
ظل يقاوم نيرانه الملتهبة بها... ولكن فقد عجزه واقترب متناولًا ثغرها ليتلذذ بطعم شهدها ناهيك عن كلماته التي أصهرتها تحت يديه... ما هي إلا لحظات وضعت يديها على صدره لتوقفه عما انتواه:
"حبيبي قوم خد شاور علشان نتغدى وبعد كدا أنا معاك... أنت مهمل في أكلك خالص يا جواد."
وقف وما زالت بأحضانه متوجهًا لطاولة الطعام... ليتفحص ما بها.
رفع بعض أغطية الأطباق ليرى ما أعدته جنيته له.
"أشوف عظمة مراتي في الأكل الأول."
"إيه دا يا غزل...؟"
رفع ساقيه على المقعد وأجلسها عليها.
قاطب حاجبه مع ابتسامة شقت ثغره:
"حمام يا غزل..."
قهقه عليها مما جعلها تخجل وتضع رأسها في حنايا عنقه.
"أنا سألت ماما عن الأكل المفضل... فقالت لي على الحمام..."
اتجهت يده للطبق الآخر ورفعه.
جحظت عيناه وهو يضحك بصوته كله ويقربها لقلبه:
"مستحيل تكوني أنت اللي عملتي دي."
"طيب الحمام معروف يا قلبي... إنما دي عرفتيها إزاي؟"
لكمته في صدره.
"بس يا رخِم أنا معرفش البتاعة دي، ماما اللي عملتها وقالت لي أقدمهالك."
ارتسمت ابتسامة واسعة على محياه وهو يرتوي من عشقها له:
"تعرفي بحبك قد إيه؟"
ضيقت عيناها وأردفت بمشاكسة وهي تضع يديها بخصرها:
"لا لسه معرفش يا حبيبي."
ظل يقهقه عليها... ثنى ركبتيه وحملها متجهًا بها إلى الأريكة... قطب جبينه ونظر لها:
"أنت تخنتي يا حبي ولا إيه؟!"
"أنت اللي ما عدتش قادر تشيل يا حبيبي."
وقف مكانه جاحظًا عينيه بها:
"بتغلطي يا حبي ودا هيطلع عليكي."
رفعت يديها لذقنه:
"ما هو أنت اللي بتحسسني إني بغلة."
داعب وجهها بأنفه:
"لا يا حبي أنت أجمل سيدات العالم."
بسط جسدها على الأريكة ودقات قلبه وأنفاسه بالارتفاع وحاوطها بيديه وأردف مشاكسًا حتى يخرج من حالته:
"شايفة حبيبك مقصر معاكي فقولتِ أعمل له حاجة ترم عظمه..."
وضعت يديها على عينيها، أردف بها وعينيه تتأكل ملامحها الجميلة.
احمرت وجنتاها بحمرة الخجل وهربت بأنظارها منه من مغزى كلماته.
أنزل برأسه ليدفن أنفاسه بعنقها... مما أدى إلى تغلغل روحها... فرفعت يديها تلمس خصلاته الحريرية.
رفع نظره وابتسم بوجهها:
"أنت عارفة لو أكلت الحاجات دي دلوقتي ممكن تباتي في المستشفى مراتي الحلوة."
"جواد ما تبقاش رخِم... أنا بحثت وعرفت إن الرجالة بتحب تاكل الحاجات دي."
ظل يناظرها بهدوء:
"جوزك زي أي حد يا زوزو... مستني أكل علشان يقويه."
تمتمت بكلمات مستاءة من رد فعله وضحكاته.
قرص وجنتيها:
"بموت فيكِ يا حبي وأنت بتهتمي بجوزك حبيبك..."
قبل يديها بحب:
"تسلم إيدك يا حبيبي... ريحة الأكل تحفة بس أنا مش مسؤول عليكِ تمام."
اعتدل بقامته متجهًا للمرحاض:
"خمس دقايق وراجع علشان أتهم الكوارع بتاعتك دي، مع إني ما بحبهاش بس هاكلها يا حضرة الدكتورة نشوف فايدتها إيه..."
رفع حاجبه وأكمل بانتشاء:
"وما تسأليش عن نفسك بعد كدا."
ألقته بالوسادة... ظل يقهقه عليها:
"يا رب يصبرني عليكِ يا جنتي... شكلي هاجي آكلك بدل الكوارع والحمام."
***
في الفيوم
ظهرًا
تجلس أمام الشلال تنظر لجمال الطبيعة بهدوء يسكن روحها... تمدد بجسده ووضع رأسها على ساقيها متمتمًا:
"إيه رأيك في المنظر اللي يخطف العقل دا..."
لمست شعره بأنامها مبتسمة:
بقالنا أكتر من سنتين متجوزين، يعني بعد كتب كتابنا أول مرة تجيبني هنا.
أنا أسمع على جمال الفيوم وطبيعتها الخلابة، بس بصراحة أول مرة أجيها بعد ما اتجوزنا. ناظرته:
- جينا يوم فرح جواد بس... ومشينا على طول.
تمتم حزينًا:
- من يوم موت جاسر الله يرحمه وعمو ماجد... وإحنا ما جيناش غير كام مرة على السريع. اعتدل جالسًا:
- تعرفي كان كل سنة نيجي آخر أسبوع في رمضان ونعمل موائد الرحمن هنا. ابتسم بحزن لذكريات ما زالت عالقة في الروح.
آخر رمضان كنا هنا كلنا... وقت ما غزل وجواد دخلوا في معركة العشق الممنوع... المهم جاسر دا كان ملاك العيلة. انسدلت دموعه عنوة عنه وأرغم عن الذكريات المؤلمة.
- كنا لازم نروح نصلي العيد... وكنا نشيل غزل ونجري بيها.. وجواد يتجنن ويرفع غضبه علينا ويقول:
- بس يا حمار منك له... مسحت دموعه بحنان ووضعت رأسها في أحضانه.
- ربنا يرحمه حبيبي... تعيش وتفتكره دايمًا بالخير...
ناظرها بهدوء:
- جنى كمان أول ما جت الفيوم قالت عليها زيك... فيكوا شبه كبير قوي يا نهى.
ترقرقت عبراتها عبر وجنتيها بسرعة لا تعلم لماذا انشطر قلبها من فكرة إنه ما زال يحن لذكرياتها؟ فهدف سؤالها صميم قلبه... ليحول قلبه لشظايا الأسف على ما تفوه به.
صراع عنيف اندلع بداخلها ووخز قلبها بأشواكًا عندما تذكرت حبه لها.
شعرت بأنه سدد طعنة لقلبها قوية بنصل سكين بارد... رفعت وجهها وأردفت متسائلة:
- لسه بتفكر فيها بعد اللي صار دا كله؟
رد عليها بلوم واستنكار:
- ليه الدموع دي حبيبتي؟ لمس جانب وجهها بأصبعه.
- مش معنى إني ذكرتها يبقى لسه بفكر فيها... الكلام جاب بعضه، نهى دا مجرد كلام بس.
وضعت رأسها: متزعليش مني... هرمونات الحمل... وضع يديه على أحشائها.
- كنت عايزة تخبي عليا... لولا عرفت بالصدفة.
ابتسمت بوجع.. مطت شفاها بحزن ونظرت للأسفل وتحدثت بنبرة حزينة:
- ما حبيتش أعلقك بيه زيي وفي لحظة مش نلاقيه... إحنا المرة اللي فاتت ما كناش نعرف وتعبت جدًا بعدها.
تنهدت بحزن وأكملت:
- حقيقي ما اعرفش أنا كنت تعبانة من فقدانهم قبل ما أعرف بوجودهم ولا تعبانة من اللي شوفته.
قبل رأسها: "كل ما يصيبنا إلا ما كتبه الله لنا".
في منزل والده بالفيوم.
تجلس بأحضانه على عشب الحديقة.
ابتسم حازم لذكريات الطفولة:
- كنا بنلعب هنا لحد ما نتهد وننام على الأرض... ويجي عمو ماجد الله يرحمه ينام جنبنا ويحكي لنا حواديت.
أكمل استرسال ذكريات البراءة:
- مرة جواد ركب العجلة وراح الدرس وأنتِ فضلتي تعيطي علشان تروحي معه على العجلة... فعمو ماجد راح جاب لك عجلة مخصوص وعلمك عليها في الحديقة كلها.
استدار ورفع وجهه إليها:
- جاسر أخذك من إيدك ومسح دموعك وقتها ما اعرفش اضايقت ليه لما حطيتي راسك في حضنه... مع إننا كنا لسه ولاد.
أغمضت عيناها والذكرى تصفعها... حتى خيالها صوره بالكامل... ضحكاته... همساته لمساته... حتى قبلاته... فتحت عيناها فجأة وقد غزا الحزن ملامح وجهها... حجبت الدموع عنها رؤيتها لحازم وكل ما تراه جاسر فقط... طلعها حازم مرتقبًا رد فعلها...
واندلع لهيب الحزن بقلبه عندما وجد صراعها الداخلي أمامه... جذبها لأحضانِه متناولًا ثغرها ليخرجها من حالة التيه والارتياب التي غزت قلبها.
رغم نظرته التي أحس بقبضة قوية تعتصر قلبه لتخيله أنه لمسها قبله.. من قبلاته التي رآها ذات مرة أشعلت لهيب قلبه واعتصرته وجعلته كنيران متأججة ورغم ذلك أردف:
- جاسر كان غالي على الكل يا قلبي... أنا مش هضايق منك صدقيني لأني عارف ومتأكد حبي في قلبك... ابتسم بوجع.
كفاية إن أخته السبب في جمع شملنا.. يعني حتى بعد موته ذكراه جمعتنا.
تذكر ذلك اليوم.
صرخ بوجهها:
- امشي من هنا يا مليكة "أمي دبحتني وأنتِ دوستي عليا بكل جبروت".
أمسكها من ذراعيها بغضب وحدجها والشرر يتطاير من مقلتيه:
اللي بيحب بيثق في حبيبه بيوقف قدامه ويواجهه.. أنتِ عملتي إيه؟
قفلتِ على نفسك وما واجهتيش... وأول عريس اتقدم لك وافقتِ عليه كأنك ما حبتينيش وأنا دلوقتي بقول لك أنا كمان ما حبتكيش... ويلا روحي عايز أرتاح.
اهتزت نظراتها أمام ثورته فلم تسعفها الكلمات... فهو محق ولكن كيف تخبره بأنها أحبت غيره... جاسر كان كمرهم ليطيب جراحها... أنساها حزن قلبها.
بخطى متعثرة اندفعت خارجة تركض بضع خطوات بلا هدى قبل أن تشعر بصدمتها عندما وجدت غزل تقف على باب الغرفة ودموعها تنسدل بغزارة.
وزعت نظراتها بينهما ورجفة قوية اعتصرت فؤادها على ذكريات أخيها التي بدأت تتلاشى شيئًا فشيئًا:
- كنتوا بتحبوا بعض... يعني سبب سفرك السنوات دي كلها خطوبة جاسر لمليكة.
حاول أن يتحدث ولكنها مسحت دموعها.
خطت بخطوات هزيلة:
- ليه خبيت عليا... ارتجفت يديها وهي ترفعها على وجهه، وخزة أصابت قلبها:
- أنا بشوف فيك جاسر... أكتر واحد شوفته هو أنت، حتى واخد من ملامحه كتير... عصرت عيناها بدموعها الملتهبة لعيناها.
أسرعت له وألقت نفسها بأحضانه وهي تبكي بنشيج... لا تعلم سبب بكائها.
هل سبب محو جاسر تمامًا من حياة مليكة؟
أم إنها تبكي عندما علمت بعشق حازم لمليكة أي أنها لا تبتعد عنها وآخر غريب سيأخذها بدلًا عن جاسر.
اتجهت لها مليكة وأردفت بشفتين مرتعشتين:
- غزل اللي سمعتيه دا من زمان قوي من قبل حتى ما أحب جاسر.
صاعقة هزت جسده بالكامل من كلماتها.
ما زالت تؤلمه بدون رحمة... الآن تنسب حبها لشخص آخر أمامه.
أغمض عينيه يدعي ربه بالثبات أمام غزل حتى لا يؤلم روحها.
خرجت من أحضان حازم ونظرت له فهي تشعر بوجع قلبه لأنها عاشت أوجاعه.
كنت بتحب مليكة يا زومي... ابتسمت بوجع:
لا أنت ما كنتش بتحبها أنت ما زلت بتحبها والدليل الحزن اللي دايمًا بشوفه في عيونك... أمسكت وجهه بين راحتيها.
- قدرت تستحمل دا كله إزاي يا حبيبي.. انسدلت دموعها بغزارة:
أنا أكثر واحدة أحس بيك يا حبيبي.. بس الفرق بينا إن ربنا عوضك بحبك ورجعهولك... حافظ عليه يا حازم... مليكة طيبة ومعذورة والله.
استدارت لها:
- هي كمان بتحبك صدقيني..
مش كدا يا مليكة... اقتربت منها وهمست لها: "عيشي حياتك حبيبتي الحي أبقى من الميت وحازم زيه زي جاسر".
أمسكت يديها ووضعتها بأيدي حازم:
- عيشوا حياتكم الحياة قصيرة.. واللحظات السعيدة بقت قليلة جدًا.. رفعت نظرها لحازم.
الفرصة جت لحد عندك اغتنمها صح وما تخليش الماضي عدو لك..
احتوت كفه بين راحتيها وتحدثت بهدوء منافي للموقف وآلام قلبها ورغم ذلك اختارت كلمات منتقاة أصابت كليهما:
- الحب بيجي مرة واحدة حقيقي قدامنا.. يا نغتنم الفرصة دي ونحاول نحافظ على حبنا يا إما نيأس ونسيب اليأس عدو كالشيطان.. قدامكم أمل ترجعوا حبكم ربنا بعتهولكم... يا ريت تجي لي نص فرصتكم دي.
اتجهت خارجة ولكنها تسمرت بمكانها عندما وجدت جواد يقف يستند على الحائط ويضع يديه بجيب بنطاله.
خرج من شروده وذكرياته.
جذبها لأحضانه مقبلًا جبهتها:
جاسر هيفضل عايش في قلوبنا يا حبيبتي.
عند سيف وميرنا.
يجلس فوق الشجرة ويلقي لها بعض حبات التوت التي عالقة بالشجرة:
- والله هنزل بقول لك أهو بطلي ضحك.
قهقهت عليه بصوتها الرقيق وهي تنعته بالحرامي متسلق الأشجار:
- الله وأنا مالي...
مش حضرتك اللي عاملي سبع الليل، وقلت لازم أجيبهولك من الشجرة؟
جلس على غصن الشجرة وهو يناظرها بحب.
عارفة والله لأفكر بولادنا وأحكي لهم عن يوم كتب كتابنا إني سرقت توت لأمكم.
ظلت تقهقه عليه. سحرته بضحكاتها التي أنارت حياته.
- خلاص اتجوزنا وجبنا ولاد، وكمان بتحكي عن إنجازاتك في السرقة!
- أنت هبلة يا بت؟ كلها عشر ساعات وتكوني مراتي.
وضعت يديها على شفتيها.
- أيوه يا حبيبي، عارفة إن شاء الله هكون مرات حضرة البشمهندس العظيم سيف الألفي.
ظل يطالعها بحب حتى لم يلاحظ انكسار الغصن إلا عندما ارتطم جسده بالأرض.
ارتجف قلبها عندما وجدته يتألم من ركبته. أسرعت وجلست أمامه.
- إيه اللي حصل وإزاي وقعت كده؟
أصابها الهلع عندما أغمض عيناه من الألم. ابتلع آلامه ونظر لها.
- أنا كويس متقلقيش. صمد عن آلامه وحاول الوقوف. أمسكت يديه واستند على ذراعيها ووقف، ولكن وجد جرحًا بركبته.
أشفقت عليه كثيرًا:
- أنا آسفة والله يا سيف ما كانش قصدي أبدًا!
ابتسم لها. ولا يهمك يا قلبي. أنا كويس. الجرح سطحي بس البنطلون اتقطع، قالها بضحكات صاخبة.
قطبت جبينها.
- صعبان عليك البنطلون يا سيف؟ ثنى ركبتيه مستندًا عليها.
- مش موضوع بنطلون الموضوع. الموضوع إنك لما تسمعي كلام صهيب عن البرندات بتاعته تقولي الحاجات دي هتعيش العمر كله. ثم أشار لها على البنطال.
- وشوفي من وقعة حصل له إيه. جذبت يديه وهي تضحك على كلماته وعلى مظهره.
وصلا حيث جلوس مليكة وحازم. اتجهوا وجلسوا بجانبهما.
نظر حازم لبنطال سيف.
- إيه اللي قطع بنطلونك كده يا سيف؟ قهقه فجأة.
- دي جزاءة الحرامي. قطبت مليكة جبينها.
- سرقت إيه يا سيف المرادي؟ هو يا حبيبي كل ما نيجي الفيوم لازم تعمل لك مصيبة وأنا اللي بقول عليك عقلت.
ضيقت ميرنا عيناها.
- سيف كان بيعمل مصايب هنا؟ قالتها وهي تناظره بغضب. ابتسمت مليكة لها.
الصراحة مش هو بس يا ميرو، هو والبت غزل. بس غزل عقلت وهو زي ما أنتِ شايفة.
نظر لميرنا ورفع حاجبه بمعنى.
متسمعيش كلامها، بتضحك عليكِ.
ابتسمت بسخرية.
- أيوه فعلًا هي بتضحك عليا؟
أسبلت أهدابها متحاشية النظر إليه، وكلمات مليكة تصم أذنيها: هو وغزل.
ناظرته بغضب.
- ويا ترى كنت بتعمل إيه يا سيفو؟ قاطع حديثهما اتجاه ليلى لهما.
- صباح الخير على الحلوين. قاعدين في الشمس ولا إيه؟
- الجو فعلًا جميل. حبيت أشمس ابني ومامته. جلست بجواره مربتة على ظهره بحنان.
ربنا يكملها على خير يا حبيبي. نظرت لبطن مليكة التي بدأت في الظهور وأردفت متسائلة.
- لسه قدامك قد إيه يا حبيبتي؟
ملست على بطنها وابتسمت.
- باقي أقل من شهرين إن شاء الله ويشرف ولي عهد حازم الألفي. أردفت بها وهي تضع رأسها على كتفه.
نظرت ليلى حولهما.
- هي غزل لسه ما جتش من القاهرة؟ وصل صهيب ونهى وهما يتمازحان.
السلام عليكم يا أهل الكهف. أخيرًا صحيتم.
وزعت نظرها بينهما.
- انتوا كنتوا فين كده؟ جلست نهى بجوارها وهي تخطف حبات التوت من ميرنا. روحنا الشلال شوية لما لقينا الكل نايم.
- هو إيه التوت الأخضر ده يا ميرنا؟ هو التوت بيظهر في الشتا؟
ضحك سيف مردفًا.
- آه التوت الحرامي. ده توت جبلي بس معرفش الراجل ده جايبها وزرعها هنا ليه.
- هو فيه توت جبلي؟
تساءلت بها نهى.
ضحك عليها سيف: بيقولوا لما أدخل زراعة هاعرف.
هو جواد لسه ما وصلش؟ أردف بها صهيب بحيرة.
أجابه حازم:
- "لا" كلمته من شوية قالي لسه خارجين من القاهرة راحت عليهم نومة.
أومأ برأسه بمعنى تمام. تحرك متجهًا لمنزله. قابله والده.
- صهيب أنا كلمت المأذون وهيجي بعد صلاة العشا. والعمال بدأوا يجهزوا للحفلة.
دقق النظر إليه:
- مالك يا صهيب؟
ابتسم لوالده ابتسامة لم تظهر لعينيه.
- سلامتك يا حبيبي أنا كويس. هدخل آخد شاور العصر هيدن أهو.
ربت على كتفيه.
- متأكد إنك كويس يا حبيبي؟ رفع وجهه لوالده ووضع يديه أنا كويس حبيبي. بعد إذنك.
وصل لغرفته.
جلس فوق فراشه بظهر منحني وكتفين متهدلين أثقلهما الوجع لذكريات أليمة اليوم. لا يعلم عن أي ذكرى يحزن. مسح وجهه براحتيه وهو يتمتم. اللهم ألهمنا الصبر يا أرحم الراحمين.
رجع بجسده للخلف مستندًا على فراشه متذكرًا مقابلته ببثينة.
كان يجلس بالشركة يعمل على جهازه المحمول. يرتدي نظارته الطبية التي أعطته وقارًا. دلفت السكرتارية الخاصة به.
- حضرة الضابط جه يا فندم وبيقول لحضرتك منتظرك في مكتبه ضروري.
قطب ما بين حاجبيه وأردف متسائلًا.
- غريبة أوي جواد يجي النهاردة. المفروض يكون في إسكندرية النهاردة. رفع نظره إليها.
- تمام روحي أنتِ على شغلك. أغلق حاسوبه واتجه لمكتبه. دخل كعادته بمزاحاته.
- معقول العريس ساب إجازته وجايلي هنا، ولكنه فجأة قطع حديثه. عندما شعر كأن شل لسانه ولم يقو على خروج الحروف عندما وجدها تجلس أمام جواد.
سكن لثواني. شعر بصفعة قوية على وجهه وكأنه يجد جنى التي تجلس بمقابلته.
وقف جواد واتجه له عندما وجد حالته.
شعر باختناق صدره كأن الأكسجين انسحب من حوله. رفع نظره وطالع جواد.
نظراته تائهة، حائرة. أشار بيديه ولسانه ما زال لم يقو على الحديث.
سكن لثواني. ضمه جواد وهمس له.
- صهيب الماضي انتهى ومش هيرجع تاني. لازم تفوق من الماضي. لازم تدفنه ولازم تواجه مش هتفضل طول عمرك بتهرب منه.
رفع وجهه بين راحتيه.
- زمان طلبت مني إني أنسى وأسامح وأعفو، فاكر قولت إيه؟
- إحنا عبيد والحكم والرحمة لرب العبيد. ليه هتفضل تهرب؟ ليه هتفضل تدفن نفسك بالماضي؟ أنت لازم تفوق.
أشار بيديه.
- جاية هنا ليه؟ عايزة إيه مني تاني؟
اتجه بنظره لجواد.
- دي بعتتلي رسالة يوم فرحي يا جواد. عارفة بعتت إيه؟ عارف عملت فيَّ إيه؟
نظر لها جواد بحزن.
وضعت رأسها في الأرض ندمًا على ما فعلته.
ربت على كتفه.
- انسى يا صهيب هو أنا اللي هقولك. فين صهيب الدكتور النفسي اللي كان مجنن العيلة؟ لكمه لكمة خفيفة بصدره.
- ارجع اتشقى واعمل دكتور عليا يالا. علشان أحس إنك بجد دكتور.
اتجه بنظره لبثينة.
- أنا هسيبكم شوية مع بعض. اتجه لأخيه.
عايز أقولك الضغينة عندك مش أقل من اللي كانت عندي. أردف بها مغادرًا.
جلس بمقابلتها.
- عايزة إيه يا بثينة؟
- موتي فرحتنا، وجاية دلوقتي وبتخططي لإيه؟
اقتربت منه.
- عايزك تسامحني. والله أنا ما كنت أقصد ولا أعرف إن ده هيحصل. أنا كنت مفكرة إنه هيكون كلام بس.
وقف وصرخ بوجهها.
- الكلام ما عادش منه فايدة. النتيجة واحدة إن جنى اندفنت في التراب. لبست الأبيض بدري بس للأسف كان كفنها مش فستان فرحها.
زفر بغضب واتجه لها.
- أوعي تفكري إني سيبتك علشان صعبتي عليا أبدًا. أنا سيبتك علشانها. علشان دي اللي كانت بتربطنا ببعض.
علشان لما نتقابل ما تقوليش ليه عملت في أمي كدا.
ابتسم بسخرية واسترسل:
- ما هي أصلها طيبة كانت مفكراكي كل حياتها...
اقترب وتحدث بصوت كفحيح الثعبان:
- ما تعرفش إن أختها باعت حياتها علشان شوية فلوس...
ركل الكرسي وتحول لإنسان أول مرة تراه واستطرد:
- ما تعرفش إن أختها هي السبب في موتها، ما تعرفش إن أختها كانت بلا شرف ورمت نفسها للشيطان... وبدل ما تيجي ونداوي جروحنا، لا راحت أشعلت البنزين في الجروح...
رفع نظره وناظرها بغضب:
- ما تعرفش إن الشيطان يرفع لها القبعة والله وهي بترسم وتخطط إزاي تقتل روح بريئة... لا وكمان عايزة بنت في ربيع ظهورها، كانت عايزة حد يغتصبها.
جلس وهو يضع رأسه بين راحتيه، مع انسدال دموعه:
- ما تعرفش إنها حولت شخص من شخص مليء بالحيوية والنشاط لشخص ميت جسد بس ما فيهوش روح... شخص كان بيدعي كل ليلة إن ربنا يختاره علشان يوصلها...
رفع نظره مرة أخرى وأكمل مفسرًا:
- للأسف يا بثينة هانم، إنتِ موَّتي حاجات كتير حتى لو من غير دم.. وأول اللي موتيه، موَّتي أخلاقك ودينك... موَّتي تربية أبوكي وأمك فيكي... موَّتي أختك.. موَّتي جواد لما كان بيتحاسب على قضية اغتصاب...
ضحك بسخرية:
- بقى أخويا اللي بيتعامل بكل احترام من الكل تيجي واحدة زبالة عايزة تنسف تاريخه وشرفه بقضية عار... جاية وعايزة أسامحك على إيه... أنا لو هسامحك، هسامحك علشان حاجة واحدة بس "إنك بعدتي عني وارتحت منك".
تحرك مغادرًا ولكنه وقف على باب الغرفة وتحدث وهو مواليها ظهره:
- أنا بدأت حياة جديدة... ياريت تبعدي عن حياتي زي ما كنتي بعيدة... وشكرًا لدعوتك عليا...
قالها وغادر متحسرًا على نفسه من ماضٍ ما زال يصفعه بقوة.
قابلته نهى وهي تبتسم وحضنته:
- عندي مفاجأة حلوة... بس مش هنا ولا دلوقتي.. أنا هسبقك على البيت ما تتأخرش.
قالتها مُقبِّلة خديه ثم خرجت سريعًا... حمد الله كثيرًا إنها ذهبت ولم تراه بهذه الحالة.. من غضبه ووجع قلبه.
***
خرج من شروده عندما دخلت الغرفة:
- صهيب قاعد كدا ليه... قولت هتطلع تاخد شاور وتنزل، إيه اللي حصل؟
جذبها بقوة حتى سقطت بأحضانه. اقترب من شفتيها والتقطها لينسى بها همومه وأحزان قلبه التي تكويه.
قطع قُبلته وهو ينهج:
- مستني مراتي الحلوة ناخد شاورنا سوا... حتى ابننا يعوم معنا.
ملست على أحشائها بحب:
- أنا فرحانة قوي يا حبيبي.. ربنا يباركلنا فيه ويجي على الدنيا بكل خير وسلامة.
جذبها لأحضانه:
- ربنا يخليكي ليا يا حبيبة قلبي...
قرب وجهها منه:
- بحبك قوي يا نهى إوعي تزعلي مني يا حبيبي... عايز أقولك الماضي اتمسح من قلبي ما فيهوش غير ذكريات بس... مجرد ذكريات بس اللي هنا إنتِ وبس.
قالها مشيرًا لقلبه.
جلست على ساقيه وحاوطت عنقه:
- لو عندي شك في كدا صدقني كنت خرجت من حياتك حتى لو بموت فيك.
لمست جانب وجهه وقبَّلته بعشق:
- عارفة إن دي ذكريات واللي ما لوش ماضي ما لوش حاضر يا حبيبي...
استرسلت مفسرة:
- أنا ما ليش أحاسبك على الماضي يا صهيب.. أنا أحاسبك بعد ما عرفتني وارتبطنا...
نظر لها بأعين عاشقة:
- وحشتيني وما تقوليش علشان الولد.. وحشتيني يعني وحشتيني...
اقترب متناولًا ثغرها ليذهب بها لجنة خلودهما.
في القاهرة
استيقظ جواد قبيل الفجر.
فتح عيناه ببطء كان شعرها يغطي وجهه بالكامل... أزاحه بهدوء رافعًا رأسها من على صدره جاذبًا إياها لذراعيه... ابتسم عندما تذكر ليلته المجنونة مع عاشقة روحه.
اقترب من أنفاسها التي تمثل له نعيم الحياة.. ظل يملأ عينه من جمالها الخارق لقلبه... تسحره بكل ذرة بكيانه... نعم لقد فُزت بجنة الدنيا أيها الرجل... هذا ما أردف به لنفسه.
ابتسامة غزت محياه مما أشعرته بتضخم دقات قلبه داخل صدره لامتلاكه لها. التقط ثغرها المكتظ حتى يشعر بجمال صباحه.. فتحت عيناها ولكنها أطبقتهما مرة أخرى عندما شعرت بإرهاق جسدها... ذهبت لنومها مرة أخرى وهي تهمهم باسمه بين شفتيها.
مست كيانه وتغلغلت روحه بابتسامة مشرقة مجرد سماعه لاسمه من بين شفتيها.
دفن أنفاسه في عنقها وتحدث بصوت مبحوح، مفعم بالمشاعر:
- حبيب قلبي قومي وحشتيني...
رفع رأسه ليرى تفاصيل وجهها عندما تستيقظ.
صوَّرها بقلبه كلوحة فنان مبدع... رمشت بأهدابها تحاول فتح عينيها:
- جود الساعة كام؟
رجع لوضعيته مرة أخرى وأردف حتى لفحت أنفاسه الحارة عنقها، ويديه تتحرك بحرية على جسدها اللين تحت الغطاء الناعم:
- الساعة أربعة... لسه ساعة وشوية على الفجر...
"صوته... لمساته.. أنفاسه الحارة زلزلت كيانها مما جعلها تشعر بكهرباء تسري بعمودها الفقري... شعرت بلذة خفيفة بجسدها... جعلتها تفتح رماديتها بالكامل... رافعة أناملها بشعره الناعم الغزير.
- إيه دا إحنا ما نمناش غير ساعتين بس.
اعتدل برأسه حتى اختلطت أنفاسهما.. اقترب أكثر ملتقطًا شفتيها... وكانت أكثر من مرحبة بقبلته التي لم يفصلها سوى احتياجهما للهواء.
داعب وجهها بأنفه:
- شوفتي عملتي في جوزك إيه... قولتلك بلاش الأكل دا.
رفعت يديها على وجهه تتحسسه.. ثم أردفت بصوت هامس جعله متيمًا لعشقها الأبدي:
- جوزي مش محتاج أكلة ولا غيره...
لامست شفتيه وأكملت:
- حبيبي حبه اللي بيحركه...
ناظرته برماديتها:
- مش حبك ليا اللي بيحرك مشاعرنا...
قالتها وهي ما زالت تتلمس وجهه.
أغمض عينيه تحت يديها وهو يذوب كجليد في فصل الصيف... وتحدث وهو ما زال مغلق عينيه:
- حبيبك بيندم على كل لحظة بعد عنك فيها... حبيبك لأول مرة يتمنى يرجع للعشرينات عشان يقدر يستمتع بحبه أكتر وقت.
جذب خصرها مما اخترق قانون عشق المسافات بينهما.
فتح عينيه وناظرها:
- بحبك حب مش طبيعي... حب مخليني عايش في الجنة ولو وزعت فلوسي كلها علشان أحمده على النعمة دي مش هتكفي.
ألقت بنفسها عليه:
- وأنا بعشقك وبعشق كل لحظة قرَّبنا فيها من بعض وبكره كل لحظة بعدنا فيها عن بعض...
دفنت رأسها في عنقه... مما أشعلت جسديهما بالكامل ليشعر بأن جسديهما لم يتقابلا منذ أيام بل شهور وما هي إلا منذ ساعتين فقط... جذبها بقوة حتى أصبحت فوقه بالكامل... ليغوص بفن عشقهما للمرة التي لا يعلمون عددها كطائر النورس فوق البحار.
بعد فترة اتجه بها إلى حمام الغرفة وأنزلها بهدوء لبانيو الاستحمام عندما وجد علامات الإرهاق على جسدها بالكامل... دلف هو الآخر لداخل البانيو... جلس خلفها.
حتى ألقت ثقل جسدها بالكامل عليه لعدم قدرتها على الحركة.
بعد فترة كانت تجلس بجواره بعد انتهائهما من صلاتهما.
جلس يرتل بعض آيات الذكر الحكيم.. بينما هي كانت تقوم بالتسبيح على أنامله.
ثم اتجهت لقراءة أذكار الصباح مع بعض الدعوات... انتهت من أذكارها... ألقت برأسها على ساقيه.
تستمع لصوته العذب في تلاوته للقرآن لسورة البقرة... انتهى بعد قليل من تلاوته.
ولكنه رجع لسورة الفاتحة.. قرأها بتمهل.
قطبت ما بين جبينها واعتدلت جالسة بعد انتهائه:
- ليه قرأت الفاتحة مرتين؟
ابتسم لها ثم جذب رأسها لأحضانه:
- مش عيب تبقى كبيرة كدا وتسألي وما تعرفيش أهمية المثاني السبع.
ضيقت عيناها وتساءلت:
- المثاني السبع؟
أرجع بجسده للحائط جاذبًا جسدها معه:
- كان عندي اتناشر سنة وقت ما عرفت وتيقنت من أهميتها...
ناظرها وأردف متسائلًا:
- ليه قراءة الفاتحة شرط أساسي في الصلاة.. دا مش أساسي لا بدونها الصلاة باطلة.
وضعت رأسها على كتفه:
- مراتك زيرو في المعلومات الدينية آخرها تصلي، تصوم، تقول أذكار، دعوة حلوة وقت المطر.
ابتسم بوجهها.
- مراتِ أحسن واحدة في الدنيا، بس عايزة تقتحم عالمها الديني.
بصي يا ستي، الفاتحة سميت بالمثاني لأنها تُثنى في الصلاة... يعني لازم نقرأها في كل ركعة... حيث قال رسولنا الحبيب:
"من صلى صلاة لم يقرأ فيها أم الكتاب فصلاته ناقصة."
وخلي بالك دا حديث موثوق من أبو هريرة.
ثم اكتمل حديثه:
وسميت بالفاتحة وأم الكتاب
لأنها تبدأ في بداية المصاحف... ومن شرفها وعظمتها للمؤمن والمسلم
إنها بين ربنا وبين عبده.
رفعت رأسها وتساءلت:
- بمعنى؟
أجابها:
- لأنها قسمت بين العبد وبين ربه...
اتجه بجسده وأعدل جلستها... بصي يا زوزو:
- إيه اللي بين الإسلام وبين الأديان التانية؟
- الصلاة حبيبي... هم ممكن يكون لهم صلواتهم بس غيرنا طبعًا، يعني إحنا ربنا ميّزنا بالفاتحة أو السبع المثاني أو أم الكتاب، أي اسم يعجبك، إزاي بقى؟
- يعني وإحنا بنقرأ الفاتحة
"الحمد لله رب العالمين"
ربنا بيرد عليه ويقول: "حمدني عبدي..."
- نكمل "بالرحمن الرحيم"
قال الله عز وجل: "أثنى عليَّ عبدي"
إذا أكمل وقال:
- "مالك يوم الدين..."
قال الله عز وجل: "مجدَّني عبدي"
وإذا قال: "إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم"
يقول الله عز وجل: "هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل"
استطرد مفسرًا:
- يعني مُجمله إن ربنا يهدينا الصراط اللي هننجو من نار جهنم وبئس المصير... ربنا يعفو عنا وينجينا من نار جهنم يا رب العالمين.
وما تنسيش كمان إن الفاتحة دي فيها شفاءين
"شفاء القلوب، وشفاء الأبدان"
يعني لما بنقولها بيقين، لو عندك هم ربنا يزيحه ويشفي قلبك من الحزن، وكمان بتقرئيها للأموات بتكون دعاء لهم.
أما شفاء الأبدان
- زي الرقية الشرعية اللي بتنجينا من السحر والحسد... ربنا يبعد عن كل حاسد ومنافق يا قلبي.
ابتسمت بوجه تحمد ربها على نعمه وفضله عليها.
ناظرته بعيونها الجميلة وابتسامتها:
- تعرف من كتر ما حصل لي، كنت مفكرة أنا أتعس بنت في الدنيا... بس ربنا فعلًا رحمته واسعة أوي... إحنا ما نعرفش إن كل ابتلاء فيه خير... بس نقول إيه، ما عندناش صبر على الابتلاء.
قبَّل جبينها ودعا:
- ربنا يرزقنا الصبر على ابتلائه دائمًا... عايز إيمانك بربنا قوي... ما فيش حاجة تهز دينك.
حتى لو ابتلاكي بأكبر وأعظم حاجة بتحبيها.
ألقت نفسها بأحضانِه:
- ربنا رحيم بيا، وإن شاء الله ما فيش وجع لقلبي بعد كدا... إنت أكبر نعمة عندي بدعي ربنا ليل نهار يبارك لي فيك ويديمك طول العمر... جواد أنا قوية علشان إنت جنبي حبيبي.
بتمنى من ربنا تفضل السعادة لقلوبنا.
حملها بين يديه حتى وصل لفراشهما... ثم قام بخلع إسدالها:
- تعالي نكمل نومنا عندنا سفر... وكل "ما يصيبنا إلا ما كتبه الله لنا".
يعني ربك هو الحافظ وهو المدبر لأمره.
ألقت بنفسها في حضنه كأنها ستفتقده... همس لها وهي ما زالت بأحضانه:
- على فكرة، حضن كمان وهشيلك على البانيو وإنت عارفة إيه اللي هيحصل بعدها... إحنا لسه في الشتا يا قلبي وكتر الحُموم بيكسر العضم...
رغم أنه أردف بها كي يخرجها من حالتها، ولكنها تعلقت به أكثر... بسط جسدها بهدوء على الفراش وتمدد بجانبها... مطوقًا خصرها وهو يهمس لها بكلمات الاطمئنان.
***
هي كنزه الثمين الذي لا يرى شيئًا في الكون أثمن منه...
رفع شعرها على جنب وجذبها.
مُقبلًا شفتيها قُبلات سطحية حتى ذهب في سُبات عميق.
***
بعد عدة ساعات بالسيارة، تجلس تستند على كتفه تطوقه:
- ليه بابا أصر يكتب كتاب سيف في الفيوم؟
رفع حاجبه متزامنًا مع شفته العلوية:
- حسين دا عليه أفكار جهنمية... حاولت أفهم منه، كل اللي قاله:
"البلد وحشتني والأهل واحد ليه لأ؟"
حاولت ادعاء الثبات أمامه.
- فعلًا البلد وحشتنا كلنا... كان نفسي أقول لك يا ريت نرجع زي زمان.
بس دا مستحيل... جذب رأسها لأحضانه... وأردف مبتسمًا كي يخرجها من حالتها:
وحشتيني على فكرة... كل ما أفتكر الحمام والكوارع وأنا بحس إنها ما أخذتش حقها.
رفع ذقنها ووزع نظره بينها وبين الطريق أمامه... كنتِ مجنونة يا قلبي.
تورّدت وجنتيها بدماء الخجل وهي تطرق أنظارها أرضًا هاربة من مغزى كلماته... فقدت قدرتها على الكلام وارتبكت في جلستها وبدأت تنظر من النافذة... جذبها مرة أخرى عندما ابتعدت بعض الشيء.
ابتسم بهدوء وهو يرميها بعيونه الصقرية ليتفحص جمال وجهها وخجلها... قهقه عليها عندما تقابلت بنظراته... وضعت يديها على وجهها:
- بس بقى يا جواد بص قدامك بدل ما نعمل حادثة.
قبَّل رأسها:
- دا مكانك إياكي تبعدي مرة تانية...
وضعت رأسها على كتفه مرة أخرى وقامت بتشغيل الكاسيت:
"أنا بعشقك أنا... أنا كلي لك".
ظلت تدندن مع الأغنية.
دنا من أذنها:
- "أنا بعشقك أنا، أنا كلي لك".
رجفة لذيذة أصابت جسدها من أنفاسه التي ضربتها، أغمضت عيناها تستمتع بصوته وهو يغني لها.
اعتدلت تنظر له:
- وعدتني تغني لي قبل كدا فاكر؟
ابتسم ونظر لوجهها ذو اللوحة الفنية الخلابة التي تثير قلبه بل جسده بالكامل.
- أوعدك الليلة كلها هتكون بتاعتك... تحت أمرك... مش هغنيلك بس، هنسهر ونحاكي ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا مع بعض... وعامل لك مفاجأة هتعجبك أوي... قبل ما تبدأي في الماجستير.
تغلغلت روحها بابتسامة مغرمة به مجرد ما استمعت كلماته فأصبحت كفراشة جذابة الألوان تتحرك بخفة فوق الأزهار.
لمست جانب وجهه:
- ووعد مني هعمل لك مفاجأة هتطير عقلك... أنا كمان هشوف مين مفاجأته أحسن.
ضرب على المقود وهو يضحك بصوته الرجولي:
- وحياة ربنا موتي هيكون على إيدك يا جنتي.
نامت على كتفه:
- مش مهم، المهم هنموت مع بعض... لا إنت تعاني من بعدي... ولا أنا أعاني من بعد...
اعتدلت سريعًا:
- لا مش هتكون معاناة أد ما هيكون موت حقيقي بس بالروح.
مسح دموعها التي تساقطت فجأة:
- حبيبتي إحنا بنهزر... ليه قلبتيها حزن كدا؟
هزت رأسها وعادت لموضعها:
- أنا مش عايزة أتخيل يا جواد... بلاش وحياتي عندك، تهزر في الموت... كفاية وجع لحد كدا...
ضمت نفسها بالكامل لداخل أحضانه مما جعله فقد السيطرة على القيادة.
هدأ من سرعة السيارة ووقف بجانب الطريق.
استدار بجسده لها... تشبثت بقميصه ودموعها تسبق كلماتها... بكت بقهر يتيمة عندما تخيلت فكرة فقدانه.
بدأ الخوف يلتهم قلبه عليها كما تلتهم النار سنابل القمح المحترقة... شعر باحتراق صدره عندما وجد حالتها هكذا.
دموعها تكوي قلبه... نعم هو يخاف أكثر منها.
نزل من السيارة وطلب من زاهر قيادة سيارته عندما فقد السيطرة على نفسه من حالتها:
- سوق بينا يا زاهر وخلي حد من الأمن يركب عربيتك.
استدار وجذبها للخلف... جلس وأجلسها بأحضانه... شعور طفلة ضائعة مشتتة عندما فقدت والديها... هذا كل ما شعرت به عندما تحدث بكلماته المازحة.
نامت بأحضانه على موضع نبض قلبه وهو يتمتم لها ببعض الكلمات الهادئة:
- أوعدك عمري ما أسيبك يا قلبي...
دعب وجهها بأنفه:
- إنتِ ما تعرفيش إنتِ بالنسبالي إيه... إحنا بنهزر... وبعدين فين إيمانك بربنا يا زوزو... دا إيمانك بربنا...
أخيرًا هدأت وذهبت في سبات.
***
وصلا بعد قليل إلى الفيوم.
نصب عوده وهو يمد يده لها ليساعدها على النهوض من السيارة.
وضعت يديها بيديه ونزلت من السيارة.
اتجه سيف إليهما وهو يقوم بالتصفير:
"والله خايف على نفسي ليفكروكم العرسان..."
رفع حاجبه متحدثًا بسخرية:
"احنا أحسن من العرسان نفسهم يالا.."
وقفت بجانب سيف:
"ألف مبروك يا سيفو وعقبال الليلة الكبيرة."
جذبها من يديها:
"هتفضلي ترغي؟ تعالي ندخل نشوف بيعملوا إيه من غيرنا."
اتجه بنظره إلى سيف:
"كله تمام."
أومأ له برأسه بنعم. قبل يديها.
"حبيبتي ادخلي لماما وطنط حسناء عندي مشوار مهم لازم أعمله."
قطبت جبينها:
"مشوار إيه ده يا جواد؟"
ربت على كتفها مردفًا:
"لما أرجع هقولك."
قاطعهم دخول أمل ووالدتها اللذين وصلوا للتو.
"إزيك يا جواد."
قالتها أمل وهي تنظر له باشتاق. ارتدي نظارته الشمسية وحياها بهدوء.
"إزيك يا أمل. أنا كويس."
أعاد نظراته لغزل:
"ادخلي يالا عايز أمشي."
أومأت برأسها ودخلت. وقفت أشجان أمامه.
"فيه موضوع مهم يا جواد عايزين نتكلم فيه."
تحرك مغادرًا للسيارة.
"إن شاء الله."
وصل بعد قليل لمقبرة جاسر وأمجد.
وقف أمام المقبرة ينظر بشرود وأحداث الماضي كلها أمامه كشريط سينمائي.
أغمض عينيه بحزن وتحدث:
"عامل إيه يا صاحبي وحشتني."
تنهد بألم كاد أن يذبح صدره. كان يقف يبكي على مأساة الفراق من أعز الأصدقاء بل كان كالأخ. شعر بألم بقلب مفطور ملئ بالثقوب الحزينة كلما تذكره. اتجه وجلس أمام المقبرة وبدأ يحدث نفسه.
كيف نخبر الجميع أننا بخير وقلوبنا تشتهي ضم أشخاص فارقت الحياة.
لا يعلموا أن البقاء على قيد الحياة أشد ألمًا من الموت نفسه. يا له من فراق دائم يبعث للقلب الآلام وآهات صارخة. حتى لو أشعرنا بما حولنا أننا بخير.
تنهد بحزن من أعماق صدره:
"وحشتني أوي. الفراق آه لو تعرف فراقك عمل إيه؟"
أمسك حفنة من الأتربة بجوار المقبرة:
"شفت يا جاسر اتخلقنا منه وهنرجع له."
انسدلت دمعة شريدة من عينيه.
رغم السعادة اللي عايش فيها بس ناقصني أنت. أيوه يا صاحبي.
"فيها حاجة ناقصة رغم وجود صهيب وحازم بس أنت غيرهم."
آهة صارخة خرجت من جوفه:
"كان نفسي تشوف السعادة اللي أنا وغزل عايشينها."
استكمل حديثه المؤلم:
"كان عندك حق يا حبيبي. مفيش أجمل من أنك تنام مرتاح وحبيبك في حضنك."
تنهد وحاول أخذ نفس يملأ رئتيه بهدوء ثم طرده:
"خايف، تخيل. جواد خايف من بكرة. خايف السعادة دي تتسرق مني. خايف على غزل أوي. خايف على أخواتي. أول مرة أحس إني خايف أوي كدا. بقيت أنام زي الأسد مفتح عين ومغمض عين. بقينا نمشي أمن جوه وأمن بره."
زفر وأكمل مستطردًا:
"أنا مش خايف على نفسي قد ما أنا خايف على غزل لو حصلي حاجة. تعرف إننا مبنعرفش نتنفس بعيد عن بعض."
ابتسم بوجع:
"أختك بقت مجنونة أوي. ضحك، هي طول عمرها مجنونة الصراحة. بس بعشق جنانها كبرت أوي مش بالسن بس. كبرت بمواقفها بقت بتعرف تمتص غضبي. وكمان بقت بتعرف إزاي تكون حنينة وفي نفس الوقت قطة شرسة. تقول إيه بقى جنيتي تربيتي."
تذكر شهيناز.
وقف ولمس المقبرة:
"أخدت لك حقك وحق عمو ماجد يا حبيبي. عايزك تنام وترتاح مع إنها جت متأخر بس جت. لسه حق دمك مكملش. وقعتهم لسه واحد بس وحياتك عندي لأجيبه. بدل عرفت هو مين متخافش حتى لو فيها موتي خلال شهر هعلقه على حبل المشنقة زيه زي غيره."
"دفنت لك شهيناز بإيدي دي تحت الأرض."
"هخلص منها القديم كله."
هنا ذهب بذاكرته لذلك اليوم.
بعد رجوع غزل، باليوم التالي ذهب إليها حيث المكان الذي وضعها به عثمان.
وقف عثمان عندما وجده:
"زي ما طلبت حضرتك يا باشا. بس حضرة الضابط باسم رافض كل اللي بنعمله."
"ملكش دعوة بباسم أنا هتصرف معه. هي صاحية؟"
أومأ عثمان برأسه:
"كانت بتصرخ من شوية."
فتح جواد الباب ودخل إلى غرفة تحت الأرض.
دلف للداخل وجدها تجلس على الأرض وهي تبكي ومظهرها مزري للغاية.
جلس أمامها على المقعد:
"شاهي، شاهي. قولي يا ست الحسن والدلال أعمل فيكي إيه. اختاري موتة تليق."
وقفت واتجهت له:
"تعرف أكتر واحد كرهته في حياتي أنت."
قهقه بصوت مرتفع:
"القلوب عند بعضها يا مدام شاهي."
أخفض رأسه وتحدث:
"تعرفي لو ينفع أغنيها وأنزلها ألبوم ما أتأخرش."
فجأة جذبها من خصلاتها:
"الحق عليا. أنا اللي غلطت لما عرفت إنك قذرة ورغم كدا سبتك. كان المفروض أرميكي رمي الكلاب يوم ما سقطتي ابن ماجد. كان المفروض أحبسك يوم ما عرفت إنك بتغتلسي من الشركة. كان المفروض أموتك أو أدفنك بالحياة يوم ما عرفت إنك قذرة وبتجري ورا جاسر وبتحاولي تفرقي بينه وبين مليكة."
شهقت شهقة فارغة الوجع تحاول الثبات أمامه قدر المستطاع ولكنه.
رطم رأسها بالحائط وبدأ يتحدث بغضب وخرج عن السيطرة:
"كان المفروض ما أسيبكيش عايشة يوم واحد بعد ما رحتي واتفقتي مع بثينة بقتل أختي واغتصاب غزل."
دفعها بكل قوته.
انسال الدماء من أنفها وهي تبكي وتهز رأسها بلا.
همت أن ترد عليه لكنه استوقفها بسباته محذرًا:
"إياكي أسمع صوتك سمعتي."
اقترب بخطى سلحفية وأثنى بجسده.
"وياريت تتهدي بعد ده كله؟ لا رايحة تخطفي مرات جواد الألفي."
دار حولها حتى بث الرعب بها. وجف حلقها وارتعدت مفاصلها.
نظر لها بنظرات قاتمة ووجهه يغمره الغضب تمنى أن يخنقها ولكنه اتجه وجلس مرة أخرى على المقعد ووضع ساقًا فوق الأخرى.
"سمعيني كدا كنت عايزة تعملي إيه."
"أيوه أيوه افتكرت."
"عايزة تجيبي أخويا وتصوريه مع مراتي."
هنا وقف كالوحش المفترس وانقض عليها لم يرى أمامه سوى زوجته وهي تصرخ باسمه ورعبها مما خطط لهما.
دخل عثمان سريعًا عندما استمع لصرخاتها:
"جواد أنت بتعمل إيه؟ هتموت في إيدك."
ظل يركلها بكل جسدها لم يرى، لم يسمع شيئًا. دفعه عثمان بكل قوته:
"لو سمحت يا فندم فوق دي ما ماتت."
بصق عليها:
"الموت رحمة للي زيها. عايزها تشوف العذاب ألوان. افصلي كل الكهربا دي."
"أنا عايز الأوضة دي مقبرتها سمعتني ولا لا."
نزل بجسده جالسًا على عقبيه أمامها:
"احمدي ربنا إنك واحدة ست. أقسم بالله لأخليكي تتمني الموت ما تطولهوش."
وقفت تستند على الحائط من شدة آلامها:
"جواد وحياة رحمة جاسر تسامحني."
أمسكت بيديه:
"وحياة غزل عندك تسامحني وتسجني وديني السجن بلاش تسيبيني هنا."
دفعها بقوة حتى سقطت على الأرض.
"اسمي حضرة الظابط يا بنت متنسيش نفسك."
نظر لها باحتقار ثم تحرك مغادرًا وهو يصرخ بعثمان:
"البنت دي ممنوع تشوف نور ربنا لحد ما تموت."
استدار لها وتحدث:
"البقاء لله يا شهيناز. نسيت أقولك عاصم مات من يومين عقبالك."
********
خرج من شروده عندما شعر بأحدهما يضع يديه على كتفه.
"لما أنت جاي هنا ما قولتليش ليه."
جذبها وأجلسها بجواره مطوقًا خصرها:
"زاهر معاكي بره."
أومأت برأسها.
اتجهت للمقبرة:
"وحشتوني أوي."
ناظرت زوجها الذي يجلس بجانبها:
"شوف يا جسورة مين عندك."
"غزالتك وحبيبها. بس المرادي مش حبيبها بس لا جوزها وكل حياتها. ومش جاية تشتكي منه، أبدًا."
ابتسمت وهي تناظره بعشقها:
"جاية أفرحك حبيبي زي ما فرحتني."
جاية أقولك إنك أجمل وأحن أخ في الدنيا.
اتجهت بنظرها للمقبرة:
جاية أقولك لو فضلت أدعي ربنا ليل نهار على رحمته بيا... مش هتكفي... جاية أقولك حبيبي ضحيت بنفسك علشان أختك تعيش.
استكملت مسترسلة:
حبيت تدفن نفسك علشان تبسطني... حتى وإنت تحت التراب فكرت بأختك... أنا أسعد واحدة في العالم ده يا حبيبي... عايزك تطمن على أختك.
استدارت له مرة أخرى:
وكمان اطّمن على صاحبك وقدوتك في إيد أمينة.
ضحكت بصوت هادي:
أنا أخيرًا عرفت ليه جواد قدوتك... بجد أنتوا الاتنين أغلى ما أملك... إنت بذكرياتك وهديتك اللي مهما أعمل علشان أجازيك عليها مقدرش... وهو بحبه وسعادته ليا.
وضعت رأسها في حضنه:
وحشني أوي يا جواد نفسي أضمه وأشم ريحته... فعلًا الأخ ميتعوضش أبدًا... ومش أي أخ... ده جاسر.
قبّل جبهتها:
ربنا يرحمه حبيبتي.
ضيّق عيناه ليخرجها من حالتها:
إزاي صاحبه في إيد أمينة يا بت... ده أنا ضعت... فعلًا أنا كنت بقوله إني في إيد...
كنت لسه بقوله يا روحي... لكمته بجنبه:
وسع كده أنا مخصماك علشان مقولتليش إنك جاي هنا... على فكرة أنا جاية صدفة مع خالتو حسناء جت تزور عمو حسن فقولت هروح معاكي... هي هناك عند المقبرة.
وضع جبينه فوق جبينها:
بتهربي يا زوزو علشان معاقبكيش إنك خرجتي من غير ما أعرف.
وقف وجذبها معه:
بس هتتعاقبي يا قلبي... وقدام أخوكي وأبوكي أهو لازم جوزك يعاقبك.
ألقت نفسها بأحضانه وبكت لقد خلعت قناع الصمود:
ياريتهم يردوا عليك يا جواد... أنا موافقة إني أتعاقب منك... بس أسمع حد فيهم وهو بيقولك اكسرلها عضمها حتى... أنا موافقة تعملوا فيا اللي أنتوا عايزينه.
ضمها بكل قوة لديه:
عرفتي ليه ماردتش أقولك إني جاي هنا... علشان دموعك دي بتموتني... يرضيكي تموتيني يا زوزو.
مسحت دموعه مقبّلة خديه:
بعد الشر عليك يا روح غزل.
مساءً.
كان يجلس الجميع بالحديقة المزينة بالأنوار.
توضع منضدة متزينة بوسط الحديقة يجلس عليها كل من...
هاشم والد العروس... بجانبه حازم... وعلى الجانب الآخر يجلس حسين بجانبه سيف وجواد... ويوجد المأذون في المنتصف.
بعد فترة انتهى مراسم عقد القران.
اتجه حازم لأخته التي تجلس بجوار حسناء ونجاة:
ألف مبروك يا قلبي... يا رب دايمًا السعادة لقلبك وحياتك.
ثم قبّل جبهتها.
ثم اتجه بها حيث والده وسيف.
ضمها هاشم لحضنه:
ألف مبروك بنتي الحلوة... ربنا يسعدك حبيبتي.
قبّلها فوق جبينها.
اتجهت لحسين.
قبّل حسين رأسها:
ألف مبروك يا بنتي ربنا يسعدكم يا رب.
اتجه صهيب وجواد لسيف مهنئين بعقد قرانه... وقف سيف أمام والده الذي تظهر سعادته اليوم لا توصف فاليوم مسك الختام لأولاده فلذة كبده آخر العنقود والحبيب والأقرب إلى قلوبهم.
قبّل يد والده الذي قام بتقبيل جبهته:
ألف مبروك يا حبيبي ربنا يسعدك ودايمًا السعادة لحياتك.
تحرك أخيرًا لعروسه المنتظرة مباركتها.
وضع وجهها بين راحتيه مقبّلًا جبهتها:
مبروك يا أميرة قلبي.
وفجأة طوّق خصرها وظل يدور بها.
مع التصفيق والتصفير من الجميع الذين يحضرون.
بدأت الحفل بالموسيقى الهادئة ورقص العروسين.
وقف صهيب وبسط يديه لزوجته:
تسمحيلي بالرقصة دي يا أم عتريس.
وقفت وتشابكت الأيدي.
ظل يتراقص بها وسط جموع الحضور وبجانبهما أمل وصديق سيف وهي تنظر لجواد الذي يجلس بجانب غزل متشابكين الأيادي وينظرون لبعضهما بعشق ويتحدثون كأنهم يعيشون أيام المراهقة.
خرجت نهى من أحضان صهيب:
تعالى نقعد أنا تعبت.
جذبها:
تمام تعالي اقعدي هروح أجيبلك فواكه.
أومأت برأسها.
بعد قليل انتهت الرقصة مع دوران سيف بعروسه.
ضحك صهيب عليه:
وادي سيف اللي عامل لي عاقل أهو لسه مدخلش عش الزوجية واتجنن.
لكمته نهى التي جلست تأكل حبات من الفراولة:
زي ما إنت اتجننت كده يا حبيبي.
استند على المنضدة متشابك اليدين... مسلط عيناه على شفتيها وفمها الذي يلوك الفراولة باستمتاع... دنا منها:
بطلي تاكلي قدامي فراولة... أنا بنبه مرة واحدة.
رفعت حاجبها وتحدثت بسخرية:
ولو منبهتش يا روحي هتعمل إيه.
"هكتب كتابي" أردف بها بهدوء وهو يمازحها كالأطفال.
يا عيني عليك يا صهيب اتجننت يا حبيبي بدري بدري.
وقف فجأة:
معلش يا ماما نهى بطنها بتوجعها هتطلع ترتاح شوية وأنا هوصلها.
نظر له جواد نظرة أرعبته:
اقعد يالا هتسيب أخوك وتروح فين.
نظر لنهى وهي ترفع حاجبها بشقاوة.
ربتت على كتفه بسخرية:
اقعد يا حبيبي... أنا كويسة قال إيه بطني بتوجعني... جتك ضربة في بطنك يا صهيب... بتنق عليا.
ضحكت غزل عليهما ومصمّصت شفتاها وهي تنظر لصهيب بسخرية:
ألف سلامة يا صهيبوتي تعيش وتاخد غيرها.
لكزها جواد هامسًا:
احترمي نفسك حرمي المصون... بطلي ضحك، كفاية فستانك ده اللي مش طايقه عليكي.
رفعت أناملها وأغلقت زر قميصه:
وإنت لم نفسك يا حبي مش هفضل أقفل زراير قميصك كل شوية... إيه حد قال عضلاتك حلوة.
كان يتابعهما بجلسته وهو ينفث دخانًا من أذنيه ولكنه ابتسم:
جدعة يا بت يا زوزو بتعرفي تاخدي حقك... قوليله ليه فاتح زراير قميصه والجو برد يعني مش حر... يا ترى ليه.
استرسل استكمالًا لحديثه وجواد يناظره بغضب.
أمسك عنباية ووضعها بفمه وهو ينظر لجواد بشقاوة:
علشان الحفلة مليانة مزز شوفتي صحبات ميرنا بيرقصوا إزاي على واحدة ونص وعينهم على حضرة الضابط تقول إيش، مفيش غيره بالحفلة... أنا نفسي أقوم أطبلهم... أهو يمكن يحسوا بوجود حد تاني.
ضغط على شفتيه السفلية:
قوم يا حضرة الطبّال الهمام... وريني مواهبك... والله هبقشش عليك.
لم ترَ نظراتهم المتحدية.
توجهت بنظراتها إلى البنات اللاتي يتراقصن على الموسيقى الشعبية وأخيرًا جلسن ووقفت أمل بمنتصفهن.
وبدأت تتمايل بجسدها الأنثوي التي كانت تظهر معالمه بسخاء من فستانها الأخضر الذي يصل لركبتيها.
كانت أمل نظراتها تحاصره... استدارت غزل إليه وبدأت نيران الغيرة تتأكل دواخلها ولكن اطمأنت عندما وجدته يتحدث مع صهيب... فجأة جذب سيف... جواد وصهيب وحازم للاستيدج واشتعل الاستيدج بالأغاني الشعبية... مع رقصات البنات.
وقفت وهي تنظر له بغضب عندما وقفت أمل تتمايل بجسدها عليه... وهو ينظر لها بغموض هادئ... مطت شفتاها كالأطفال فجأة ابتسمت واتخذت قرارها.
خطت بكعبها العالي وفستانها السماوي الجذاب الذي يرسم جسدها رغم وسعه بعض الشيء إلى حيث وقوفهم جذبتها مليكة التي كانت تجلس بجوار نجاة تتابعهم... وقفت أمام غزل عندما وجدت نظراتها إليهما:
بت يا غزل ناوية على إيه... جواد بعيد عنها هي اللي بترمي نفسها... زوزو أنتِ دكتورة دلوقتي، حافظي على مركزك ومركز جوزك... إياكي تعملي اللي بتفكري فيه.
ضحكت بصوت وهمست لها:
دلوقتي هتشوفي وكمان حضرة الضابط الأمور...
رواية تمرد عاشق الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم سيلا وليد
في قانون العشق يقولون:
الاشتياق رواية حنين لا يمكن شرحها في سطور.
والانتظار حكاية وجع لا يمكن تلخيصها في كلمات.
ويبقى في القلب شعور فوق تفاصيل الكلام، ويبقى الاشتياق سرًّا في القلب لا يشعر به أحد.
جلس بجوارها مطوِّقًا ذراعيها، هامسًا لها:
"الحفلة خلصت، خذي المفتاح وروحي على العربية لما أقول لبابا حاجة."
أغمضت عينيها وسحبت نفسًا عميقًا، وكأنها تملأ رئتيها من رائحته، فكلما تذكرت ما صار منذ قليل، يصيبها الجنون.
كان يطالعها بهدوء، ودّ لو خُلق له جناحان حتى يستطيع أن يخطفها ويطير بها إلى عنان السماء، نعم فهي دون غيرها التي امتلكت كل ذرة بكيانه.
"غزل" همس بها بهدوء عاشق لا يشعر بما حوله.
ارتجف قلبها لدى همساته التي اقشعرّت لجسدها ولامست أوتار قلبها، رغم غضبها منه، ولكنه يمتلك قدرة في جذبها إليه بطريقته الساحرة، فتحت عينيها ببطء.
"هنروح فين؟ أنا مش عايزة أمشي، زعلانة منك."
بهدوء قالتها رغم دقات قلبها العنيفة.
نصب عوده الفارغ وأوقفها مطوّق خصرها.
"تمام تعالي، تعبت وعايز أرتاح بس هنرجع القاهرة مش هنبات هنا."
تحركت معه دون حديث، وقف أمام والده.
"حبيبي إحنا هنمشي وهرجع بعد يومين تلاتة كدا."
اتجه بنظره لغزل التي كانت تنظر للبعيد ويبدو عليها الحزن من معالم وجهها.
"مالك يا زوزو؟ عينيكي حزينة ليه يا حبيبتي؟"
رسمت ابتسامة على وجهها.
"سلامتك حبيبي، أنا بس تعبانة وعايزة أرتاح مش أكتر."
قبّل جبهتها.
"عايز ابتسامتك دايمًا تنور وشك يا حبيبتي، والولد دا لو زعّلك عرفيني وشوفي هعمل إيه."
شبك يديه بيديها رافعًا حاجبه بسخرية.
"ما تسوقش فيها يا حسين وحياة أبوك، الحكاية مش ناقصة، الموضوع على آخره."
قالها ثم تحرك مغادرًا.
فتح باب السيارة، أجلسها ثم اتجه لمكان القيادة.
قام بالاتصال بزاهر.
"زاهر خليك هنا مع أهلي، وزي ما اتفقنا تمام، أنا يومين وهرجع."
ثم قاد السيارة دون حديث.
ساد الصمت السيارة لبعض الوقت.
جلست تنظر من النافذة لقطرات المطر التي بدأت في الهطول.
"غزل ممكن تبصيلي."
التفتت إليه بحنق وصاحت به:
"نعمين، عايز إيه؟"
أوقف السيارة بجانب الطريق ثم جذبها ملتقطًا ثغرها في قبلة شغوفة أقرب للالتهام، أظهر بها كم يعشقها ولا يرى سواها، فصل قبلتهما وهما يكادان أن يلتقطا أنفاسهما.
رفع يديه على وجهها.
"حبيبتي مفيش غيرك في الدنيا، أنا أعمى عن حريم العالم كله، بعشقك بطريقة مجنونة."
طبع قبلة سطحية على شفتيها.
"بلاش أفعالك المجنونة دي، أنا مش زعلان منك على غيرتك."
جذبها بقوة حتى أصبحت بأحضانها.
"بالعكس بموت في غيرتك وببقى نفسي أحطك جوّا قلبي وأقفل عليكي، وأنا لو مكانك كنت عملت أكتر من كدا بس في حدود ربنا."
حاوطها بذراعيه وضمها بقوة لصدره.
"إنما تيجي وتغضبي ربنا وتترقصي قدام الكل دا اللي مستحيل أسامحك فيه."
رفع ذقنها وأردف أمام شفتيها.
"اغضبي، ثوري، لو هتضربيني معنديش مشكلة كمان بس بينا."
لامس جانب وجهها بإصبعه.
"هتضربيني يا زوزو؟"
قالها بملامسة الشفاه.
كانت كلماته تدغدغ مشاعرها وتلهب جميع حواسها، تود لو يظل يضمها ويقبلها فقط ورغم ذلك، ابتلعت غضبها منه وناظرته.
"ليه مصر تحرق أعصابي يا جواد؟ ليه ما بتعمليش حساب قدامهم؟"
جحظت عيناه من كلمتها، أشار لنفسه:
"أنا يا غزل بقل منك؟ ما بعملش حساب لوجودك؟"
قاطعته بصوت مرتجف رغم دقات نبضه تحت يديها.
"أيوه، لما توقف مع واحدة وتضحك معها قدام الكل لا وكمان عجبك رقصها."
لكمته بصدره.
هنا تذكرت.
دلفت للاستيج ولكن أوقفتها نجلاء، ابنة عمها.
"عاملة إيه يا غزل؟ أنا جاية وطالبة منك إنك تسامحيني."
قطبت جبينها.
"إنتِ ما لكيش دخل يا نجلاء باللي عمله عاصم وعمو، هزعل منك ليه؟"
انسدلت دموعها.
"كنت بكرهك جدًا."
نظرت لجواد الذي يقف يتحدث مع أمل.
"بس دلوقتي رضيت بنصيبي وعرفت كل واحد بياخد نصيبه."
نظر إلى ما تنظر له.
"قصدك كنتي بتحبي جواد يا نجلاء؟"
ولكنها تركتها عندما وجدت أمل تسحب جواد من يديه في مكان هادئ.
ربتت على كتفها.
"حبيبتي أنا مسامحاكي تمام، بعد إذنك."
اتجهت سريعًا لوقفهما.
"أنا عايزة أطلق يا جواد زي ما جوزتني طلقني."
تصنعت الحزن.
"جواد دي كانت غلطة والله، أنا عمري ما حبيت غيرك، ليه مش عايز تسامحني؟"
قالتها وهي تتلاعب بزر قميصه.
أنزل يديها.
"أمل هو إنتِ إمتى هتحترمي نفسك؟ وتحفظي كرامتك؟ أنا مستحيل أبص ورايا، غير إني بعشق مراتي، أما طلاقك وجوازك أنا ماليش دخل بيه، عندك خالك."
"ابعدي عني وعن مراتي، أنا لسه باقي على قرابتنا."
اقترب أكثر.
"رمش غزل اللي بيوقع من عينها لما بتعيّط عندي يساوي الدنيا وما فيها، بلاش تخرجي الوحش اللي فيا، وبلاش أسلوبك الرخيص دا."
زفر بغضب عندما حاوطت خصره.
"اتجننتي يا بت؟ شيلي إيدك لأكسرهالك."
"أنت حقي أنا يا جواد، أنا أول حب في حياتك، أنا حب الطفولة، وعايزة أعرف صحيح مش هأثر فيك ولا لأ؟"
"اديني فرصة أخيرة مستعدة أكون زوجة تانية، راضية تيجيلي ليلة واحدة، أنا راضية بأي حاجة."
دفعها بقوة حتى اصطدمت بالشجرة خلفها.
أشار بسبابته.
"والله لو آخر ست في الدنيا."
صرخت بوجهه مقتربة من وجهه وجذبته من قميصه تحاول تقبيله، رأت غزل متقدمة إليهما.
"إلحقني يا جواد أنا دايخة."
وفجأة ألقت نفسها بأحضانه.
وصلت غزل في ذلك الوقت.
"والله حلو الأحضان دي."
تفاجأ بوجودها أمامه، ما عرفش مالها فجأة قالت.
وجدها تذهب جذب أمل من خصرها حتى أصبحت بأحضانه بالكامل متجهًا بها لمنزلهما، أوقفته عندما رجعت.
وبكوب كبير ألقته بوجهها قفزت أمل.
"إنتِ مجنونة يا بت؟"
قالتها أمل بغضب.
رفعت حاجبها.
"كنت بفوقك يا روحي أصل جوزي حبيبي قالي إنك تعبانة ومغمى عليكي."
كانت تمسك قميص جواد وتلقي نفسها بأحضانه.
خرج من شروده عندما نظرت إليه بغضب.
فجأة أمسكت أزرار قميصه وفتحتها بالكامل وقامت بخلعه وإلقائه بقوة من النافذة، واضعة رأسها على كتفه.
"اقفل الشباك وامشي يالا."
صمت هنيهة يحاول تمالك نفسه حتى لا يضحك على شراستها، نزل بذقنه على حجابها.
"كدا إنتِ مرتاحة يعني وأنا مفيش غير الحملات دي؟"
لكمته وهي ما زالت بوضعها.
"امشي ما تخلينيش أتغابى عليك، وقت ما نوصل هنقعك في البانيو علشان ريحتك دي، مش خايفة على جوزك حبيبك ياخد برد؟"
"أوف خلاص."
استدارت تخطف جاكيته الشتوي.
"امسك إلبسه وأول ما نوصل ترمي هدومك ترميها في الزبالة."
ابتسم بحب لها.
قام بفك حجابها يستنشق شعرها وهو يشاكسها.
"غيرتي ريحة البرفيوم بتاعك إمتى يا روحي؟"
اعتدلت سريعًا ونظرت له شرزًا.
"والله كمان نسيت ريحتي."
ظلت تلكمه بغضبها ونيران قلبها المشتعلة.
ظل يقهقه عليها، مطوّقها بقوة.
وضع وجهها بين راحتيه.
"بموت فيكي يا هبلة."
لامس جانب وجهها.
"دي كانت بتقولي عايزة أطلقها من الولد اللي جوزتهولها."
اعتدلت مضيقة عينيها.
"يا ترى حضرتك مالك بطلاقها وجوازها يكونش حضرتك مأذون؟"
قاد السيارة بدون حديث، ظلت تتأكل في أصابع يديها من غيظها وبروده.
قام بتشغيل كاسيت السيارة، وبدأ يدندن مع الأغنية، استشاط داخلها من بروده واستفزازه لها.
نظر لها نظرة جانبية.
ملامحها الجميلة البريئة التي تؤثر قلبه وهي عابسة، جعله يبتسم محبًا للوحتها الرائعة التي رسمها، نظراته كانت تتفحص وجهها.
صوبت له نظرات نارية.
"مالك يا حضرة الضابط منكشح أوي كدا ليه؟ ما تفرحني معاك."
قطب جبينه بعدم فهم.
"تقصدي إيه يا زوزو؟ علشان فرحان وبغني؟"
"ما أنا لازم أغني إنتِ مش معايا إيه اللي يخليني متضايق."
تحركت أنامله بخفة على ملامح وجهها الذي يعشقها، خرجت تنهيدة من جوفه أحرقت بحرارتها بشرتها الناعمة.
"لو ما فرحتش وأنا مالك السعادة دي كلها يبقى أنا إنسان جاحد لنعم ربنا."
تبادلت النظرات بينهما وتحاكت العيون بالكثير والكثير.
لم أحلم يومًا بامتلاك العالم، حلمت فقط بامتلاك قلبك.
اليوم امتلكت العالم لأني امتلكتك.
اقتربت منه ووضعت رأسها على كتفه، حاضنة ذراعه، متشابكة الأيدي.
"حبيبي."
أنت تمثل لي الشطر الأروع من هذا العالم، إن لم تكن العالم بما فيه.
همس في أذنيها.
"وحشتيني، ونفسي أوصل في خلال دقايق علشان آخدك في حضني."
ارتجف جسدها من شدة ما كانت كلماته تدغدغ مشاعرها، رفعت رأسها تطالعه بنظراتها العاشقة، كان قريبًا من وجهها حتى تلامست شفاهها بذقنه.
"بحبك أوي."
خفق قلبه بشدة، نظر لها وتمنى أشياء كثيرة، جذبها مطوقًا جسدها بقوة.
"نامي مكانك لحد ما نوصل المطار."
اعتدلت تناظره.
"إحنا هنرجع بالطيارة؟ إنت عارف ما باحبش ركوب الطيارة والمسافة مش بعيدة."
جذبها مرة أخرى.
"إحنا مش هنروح القاهرة، رايحين مكان تاني، ومش عايز أسئلة نامي علشان شوشو بيقول لي على حاجات أستغفر الله العظيم، ما اسمعش صوتك إلا لما نوصل."
"مش مهم رايحين فين المهم إننا مع بعض."
همست بها لنفسها ورغم همسها الخفيض إلا أنه سمعها.
نزل بأنفه يستنشق رائحتها العبقة، ناظرًا للطريق مرة وإلى ملامحها وهي تضمه مرة أخرى.
بعد فترة، وصلا إلى المطار.
ركبا الطائرة التي أقلعت بهما إلى شرم الشيخ.
في الفيوم، بعد انتهاء الحفلة، أمسكها من يديها متجهًا بها لمنزل والده. كانت تتهادى بخطواتها بسبب ثقل حملها.
حاوط جسدها متجهًا لغرفتهما. ضحكت فجأة. ناظرها:
- مالك ياحبي؟
جلست على الأريكة ترفع ساقيها على المنضدة وما زالت تضحك:
- كل ما أفتكر غزل واللي عملته في أمل وأنا بموت ضحك.
قطب جبينه متسائلًا:
- غزل وأمل؟ ليه عملت إيه؟
جلس بجوارها:
- أمل فضلت تعاندها ورقصت قدام جواد. وفجأة عملت نفسها إنها دايخة، وسندت بجسمها كله عليه وهو واقف.
راحت غزل المجنونة بكوباية مية ودلقتها فوقيها، خلتها تنط وتصرخ.
قهقه حازم عليها:
- جدعة والله! مع إن أمل بنت عمتي، بس الصراحة عيارها فالت ماحبتهاش.
قاطعهما اتصال هاتفه.
- مين بيتصل دلوقتي ياحبيبي؟ معقول جواد؟
رفع حاجبه بمعنى "لا".
- أيوة يا مرسيليا. فيه حاجة متصلة بيا دلوقتي ليه؟
- حازم أشعر بألم في بطني، يكاد يطيح بي. أريد طبيبًا، ممكن أن تحضر لي طبيبًا؟
ضم مليكة لحضنه ولف ذراعه حول جسدها:
- آسف مرسيليا، أنا لست بالقاهرة. هتصل بطبيب يذهب إليكي. ابعتي اللوكيشن.
وقفت وبدأت تصيح بوجهه:
- إنني أقول لك أتألم، ويكون إجابتك لي كهذا؟ عفوًا سيد حازم، أشكرك على اهتمامك!
- أنا عملت اللي أقدر أقدمهولك. أنا برة مصر، حتى ولو موجود مستحيل أجيلك دلوقتي. عايزة دكتور أبعتهولك. مش عايزة، براحتك.
أغلقت بوجهه وبدأت تطيح بكل ما تطاله يديها. صرخت بقوة:
- سأجعلك تندم أيها المغرور!
كان يجلس بجوارها يشرب شرابهما المفضل وهو ما يعرف بالخمر.
- قولت لكي ابعدي عن هذا الحازم. لكنك غبية مارسيلى، ضيعنا وقتنا. لماذا لا تشعرين بي، إنني أحترق بلهيب عشقك؟
صرخت أمامه:
- جاك، ماذا تعتقد؟ إنني أترك حبيبي لمجرد أنك معجب بي؟ لن أكون مارسيل إذا ما جعلته يأتيني حبًا.
عند حازم:
بعد إغلاقه للهاتف، سند جبهته فوق جبهتها. وتحدث مغمضًا عينيه وبدون سيطرة على مشاعره. ضمها بقوة إليه:
- طبعًا أنتِ عارفة من زمان موضوع مارسيل. أنا رفضت الشراكة معايا، وخليت صهيب يلتزم بكل حاجة. ماحبتش أظلمهم بمكسب شراكة مع شركات والدها.
أنتِ عندي أهم من أي مكسب. صدقيني لو كنتي رفضتي، كنت قطعت العلاقة تمامًا. بس أنتِ أصريتي على الشراكة.
مسد على خصلاتها واضعًا رأسها عليه:
- أنتِ حياتي وما فيها ياروحي.
هدأت روحها الثائرة بداخلها ما إن استمعت لحديثه ليطيب خاطرها. رفعت وجهها إليه ونظرت له بعيون عاشقة:
- ليه أرفض مكسب زي دا بدل أنا واثقة فيك ياحبيب قلبي؟ ربنا يخليك ليا يا أجمل زوج في الدنيا.
عند صهيب:
دخل الغرفة ينتظرها. كانت تجلس مع والدته وحسناء بعد انتهاء الحفلة.
ظل يدور في الغرفة. يجلس مرة، ويقف مرة، يمسح على وجهه بعنف من برودها واستفزازها له.
بعد فترة دخلت وجدته على حالته.
قطبت جبينها:
- قاعد كدا ليه ياصهيب؟ ماغيرتش هدومك ليه حبيبي؟
جذبها بقوة ناظرًا لها شرزًا:
- كنتي فين بقالك أكتر من ساعة؟
استغربت من هجومه عليها.
جاوبته بسخرية مقيتة من أسلوبه:
- كنت بتفسح على الكورنيش.
جلست واضعة ساقًا فوق الأخرى.
صدم من رد فعلها. اقترب منها وحاول الثبات قدر المستطاع حتى لا يغضبها:
- نهى، أنا طلعت من ساعة، أنتِ ماطلعتيش ليه بعدي حبيبتي؟
حركت حاجبيها بطريقة طفولية قاصدة استفزازه:
- ليه ياقلبي؟ كنت مستني الرضعة ولا إيه؟
ضربت يدًا بالأخرى:
- كنت قاعدة مع ماما نجاة وطنط حسناء، وهم بيعايدوا غزل. قولت أكلمها بالمرة. ماهو نسيت أقولك:
- جواد أخد غزل شرم الشيخ يحتفل بعيد ميلادها الأربعة وعشرين. شوفت الحب؟
مسح وجهه براحته يتمتم:
- يارب صبرني ما أفقدش أعصابي عليها الليلة.
ضغط على قبضة يديه بعنف وحاول يتنفس بهدوء ناظرًا لها:
- عارف إنهم في شرم، جواد قالي. دول لسه متجوزين بقالهم ست شهور يعني عرسان ياقلبي.
رفعت حاجبها بسخرية:
- أيوة فعلًا وإحنا متجوزين بقالنا ستين سنة. المهم علشان ما تقولش بنق عليهم، ربنا يسعدهم. أنت كنت عايز إيه؟
اتسعت حدقتيه شيئًا فشيئًا:
- متعرفيش عايزك ليه يانهى؟ المفروض كان عندك حقنة من نص ساعة.
ضيقت عينيها وأردفت:
- نعم ياحبيبي؟ حقنة؟ هو إيه الموضوع بالضبط؟ من فترة بطنك بتوجعك، ودلوقتي حقنة؟ والله ياصهيب ما أنا سيباك ولا هنولك اللي في بالك.
قهقه عليها بضحكات صاخبة. أخيرًا أخرجها من برودها المتصنع.
جذبها لأحضانه:
- والله العظيم أنتِ مجنونة. والله عندك حقنة أنا ما رضيتش أقولك عليها. بس حقيقي لازم تاخدي حقنة حبيبتي علشان التثبيت.
خرجت من أحضانه تسرع إلى المرحاض عندما نفذت رائحته إلى رئتيها.
ذهب خلفها وجدها تستفرغ ما في معدتها بطريقة مؤلمة. حاول أن يساعدها ولكنها وضعت يديها أمامه:
- أنا كويسه. أبعد ريحة برفانك قلبت معدتي.
صدمة زلزلته. حبيبته تشمئز من رائحته.
في شرم الشيخ:
دخل إلى القرية السياحية التي مقرر أن يقضون بها بعض الوقت.
- جواد، ليه جايبنا شرم في الشتا؟ الجو بيكون ساقعة أوي هنا.
جذبها من يديها متجهًا للشاليه:
- إحنا في آخر الشتا. الجو مش ساقعة أوي. غير إن الشتا شرم بتكون هادية وأنتِ بتحبي المناظر الطبيعية. فقولت نقضي يومين هنا ويومين في سيناء.
دخل الشاليه. المكان مجهز لاستقبال عروسين ولكن كتب عليه بالقلوب الحمراء والفراشات الرقيقة:
Happy birthday Ghazel
كانت إضاءته خافتة وتزيينه من اسمها بجميع اللغات. ناهيك عن رائحته الخلابة، والطعام الموضوع بأحد الأركان.
قامت برفع فستانها وتحركت لداخله.
دارت حول المكان بابتسامة حالمة. اتجهت له وقبلته من خديه:
- أنت عامل حسابك بقى على كل حاجة.
كان يقف ساندًا على جدار الحائط يضع يديه بجيب بنطاله ينظر لانبهارها بالمكان.
صعدت إلى الأعلى.
كان عبارة عن غرفة فقط بحمامها.
وضع على الفراش فستان سندريلا باللون الأبيض، وتاجًا خاصًا به وبجواره ملابس خاصة بالنوم.
أمسكت الفستان ونظرت له. أغمضت عينيها عندما تخيلت كيف ستكون ليلتهما سويًا. خرجت ونزلت للأسفل. وجدته يقوم بإشعال الشموع وإغلاق جميع الإضاءة.
حضنته من الخلف واضعة رأسها على ظهره:
- إيه المفاجأة الحلوة دي؟
استدار إليها:
- حلوة المفاجأة؟ حبيت نحتفل زي كل سنة لوحدنا. أنا جبتلك أكل على ذوقي بس مش حمام ولا كوارع. عارفك بتحبي السي فود كتير. علشان كدا طلبت منك ما تاكليش هناك.
اقترب جاذبًا خصرها:
- ما تخافيش أعرف فايدته كمان.
ابتسمت ناظرة للأسفل. سيطر الخجل عليها كليًا وشعرت بدقات قلبها العنيفة في صدرها ودت لو خرجت من ضلوعها.
رفع ذقنها. وثار قلبه على براءتها وخجلها الذي جعل خديها كحبة فراولة آن وقت جنيها. بعشقه اقترب ملتقطًا ثغرها ليتذوق شهد عسلها الطاغي بنبضاتها له. نعم أصبحت له ترياق الحياة، كما أصبح لها نبض الوريد.
وضعت رأسها في حنايا عنقه، تتمسح به كقطة أليفة:
- جود حبيبي، هحبك أكتر من كدا إيه؟
أخرجها من حضنه يناظرها بعشق:
- وجود مش عايز غير إنك تحبيه وبس. نفسه يحطك جوا قلبه ويقفل عليكي علشان محدش يشوفك غيره.
- تعالي شوفي التورتاية بتاعتك دي مفاجأة.
نظرت إليها بجانب النافذة متسائلة:
- مالها دي؟
- جبتلك نوع الشوكولاتة اللي بتحبيه.
قبلته بخديه. رفع حاجبه وأردف مستاءً:
- حاليًا مقبولة. تعالي.
- تعالي ناكل الأول وبعد كدا هنقعد للصبح. وأغنيلك وأعملك اللي أنتِ عايزاه. أتمني بس النهاردة، وأنا تحت أمرك.
جلس وأجلسها بجواره. بدأ يطعمان مع كلماتهم عن أنواع الأسماك التي يتناولونها.
بعد فترة، انتهيا من الطعام، متوجهين لغرفة المعيشة:
- دلوقتي هنقعد أفتحلك قلبي من أول ما حسيت إني بتنفسك.
وضعت وجهه بين يديها:
- معقول أنت جواد اللي وجعني السنين دي كلها؟ معقول تبقى بتحبني كدا وتسيبنا نتوجع؟
اشتبكت عيناه بعينيها التي سحرته منذ صغرها.
جلس على المقعد وأجلسها على ساقيه، جامعًا خصلاتها على جانب واحد من كتفها:
- روحي البسي فستانك وأنا منتظرك.
بعد فترة اتجهت للأسفل.
نزلت بكعبها العالي وفستانها الأبيض القصير الذي يشبه الأميرات.
وصلت لعنده كان ينظر لخطواتها وكأنها تخطو فوق نبضات قلبه.
وقفت أمامه مبتسمة. حملها ودار بها:
- أميرتي كبرت سنة كمان. تعرفي كل سنة اليوم دا أجمل أيام حياتي.
تلمست ذقنه النابتة:
- النهاردة هعرف كل خبايا حبيبي.
دعب وجهها بأنفه:
- حبيبك ما عندوش خبايا ياقلبي.
ظلت تلامس ذقنه مع نظراتها العاشقة له.
أثارت جنون عشقه ونيران لهيب قلبه.
قبل يديها المرفوعة على وجهه:
- تحبي أحكيلك من إمتى؟ من يوم الولد بتاع إعدادي؟ ولا من يوم ما تيتا قالتلي إن غزالتك بقت آنسة؟
جحظت عيناها من كلماته:
- تقصد إيه؟
سؤال راودها بدون فهمها لكلامه.
فرد جسده على الصوفة ضامًا إياها لصدره:
- لما رجعت من الجامعة. أنا وباسم اليوم دا عمري ما أنساه.
كان عندك خمستشر سنة وكان مقرر عيد ميلادك. نزلت أنا وباسم علشان نشتريلك هدية. اليوم دا باسم كان هيضربني. مفيش حاجة عجبتني خالص.
ضحك عندما تذكر:
- فاكرة جبتلك هدية إيه؟
أرجعت برأسها على كتفه وهي تلمس صدره بحب:
- أيوة جبتلي التابلت اللي كنت طلبته من جاسر. وكمان دب كبير أوي اللي قطعته لما رحت خطبت النسناس بتاعك.
قالتها ثم لكمته بصدره.
اقتطف قبلة عندما وجدها عبثت كالأطفال بغيرتها المحببة لقلبه:
- بالضبط حبيبتي هو اللي قولت عليه.
لامس خديها:
- مش كل مرة هقولك.
- ماكنتش أعرف شعوري ياغزل. كنت مفكر شعور أخ لأخته.
استدارت وجلست بمقابلته:
- عرفت إنك بتحبني قبل خطوبة ندى ولا بعدها؟
أعاد شعرها المتناثر عن عينيها للخلف. مرر يديه على شفتيها. ثم رفع نظره:
- هتفرق ياغزل؟
إحنا اتجوزنا خلاص، وأنتِ في حضني دلوقتي ومش بس كدا، أغلى عندي من الدنيا كلها.
نظرت له بنظرات تقطر عشقًا واقتربت وقبلته على شفتيه قبلة خاطفة.
- لو سمحت يا جواد احكيلي كل حاجة... مش عايزة أي حاجة حتى لو بسيطة معرفهاش.
تمركزت عيناه على شفاها التي قبلته. وقف فجأة وأحضر قطعة من كيك عيد الميلاد، وبدأ يطعمها.
- عارف إنك بتعشقيها.
قامت بمضغها بهدوء وهو ينظر لها ويحدث نفسه:
- كيف لك يا رجل تتمتع بكل هذه السعادة دون أن تشكر ربك عليه؟ لقد وعدت ربك وأخلفت وعده. أين وعودك وعهدك للواحد القهار؟
قاطع حديثه مع نفسه عندما بسطت يديها بالشوكة لتطعمه مثلما أطعمها.
- اقترب والتقط شفاها التي تلونت بالشوكولاتة، متذوقًا طعمها باستمتاع.
- اممم، أجمل كيك أكلته بطعم الفراولة.
ضيقت عيناها.
- فراولة؟
لمس شفاها.
- بقى عندي أطعم شوكولاتة وأروح آكل من الشوكة؟
وضعت رأسها على صدره عندما شعرت برجفة تسري بعمودها الفقري.
- اليوم دا رجعنا البيت كنتي بترقصي مع سيف، والكل عمال يسقف لك. اتضايقت جدًا معرفش ليه. ممكن علشان تأخيري مفرقش معاكي؟ ولا علشان رقصك مع سيف اللي كنتوا قريبين أوي من بعض، وكان مترشح بقوة لجوازك؟ ولا علشان أنتِ صغيرة أوي على دقات قلبي؟ الوقت دا علاقتي اتقطعت بأمل خالص وبدأت أربط حاجات مكنتش واخد بالي منها.
تنهد بألم لبعض ذكرياته الحزينة. رفع ذقنها ونظر لمقلتيها وأكمل استرسال حديثه:
- أصعب حاجة على القلب، إنك تفضلي تعانديه وتتمردي على نبضاته. كنتي بتكبري قدامي وكل سنة في عيد ميلادك أخاف من اللي قبله. طاقتي بدأت تتلاشى، لحد ما جيتي لسن السبعتاشر، وغزل كبرت والعرسان بدأت تدق الأبواب.
كان في اجتماع لجميع ممولين الشركة والكل لازم يحضر. حضر الجميع قبل طبعًا ما نشتري الأسهم كلها. واحد قعد جنب والدك الله يرحمه وقاله كدا.
- إحنا عايزين نقوي العلاقات يا ماجد. إيه رأيك في النسب؟ أسامة شاف بنتك وعجبته.
وضع يديه على صدره عندما تذكر ذلك الحوار، وبدأ صدره يتأجج بالنيران. ولا يوم ما شاهيناز قالت سامح هيخطب غزل. ولا يوم ما عاصم وأبوه جم.
بدأ يحرك يديه على صدره كي يهدئ من نيرانه الداخلية. نظر إليها:
- ده كله كان بيحصل قدامي وأنا عاجز مش قادر أتكلم. مش عارف أقول إيه. خوفت يبصولي بطريقة مش كويسة. وأنا أصلًا مش متأكد إن شعوري دا صح ولا لأ. كل اللي حسيت بيه، أي حد يقرب منك هقتله.
رفعت يديها من على صدره، وبدأت تدلكه بهدوء مع عبراتها التي انسدلت. قبل دموعها واضعًا جبينه على خاصتيها.
- في الوقت دا اتعرفت على ندى في فرح باسم. كانت قريبة إيمان مراته. واخدت رقمي منها، واتكلمنا مرة ومرة عزمتني على مشاهدة حلقة لايف في البرنامج بتاعها. ورغم كدا كنت كل ما أرجع البيت أنسى كل اللي حصل معايا طول اليوم، ومش عايز غير إني أضمك لحضني وأطمن عليكي.
زفر بحزن، وأكمل استرسالًا:
- لو حسيت بدقات قلبي وأنتي قريبة كنت بعنف حالي على كدا. مرة في مرة اتأقلمت على الوجع ورضيت قلبي إن دا العشق الحرام.
قطبت جبينها وتساءلت:
- عشق حرام؟ إنك تحب حد بيموت فيك بيكون عشق حرام؟
ارتجفت شفتاها من كلماته التي صدمتها.
- أنا كنت عشق حرام؟
جذب رأسها لصدره وتنهد بحزن، يهرب من آلام قلبه وقلبها في ذلك الوقت. حاوط جسدها بيديه.
- كنتي بتقولي يا بابا يا غزل. عارفة يعني إيه؟ فضلتي تقوليلي يا بابا لحد خمس سنين وبعد كدا أبيه. إزاي أتقبل دقات قلبي؟
أكمل معقبًا:
- مكنش ينفع أبدًا... أنا كنت عامل زي الغرقان ومفيش حد ينقذه... دخلت لي ندى. وبدأت تقرب مني وأنا حسيتها منقذي. البنت كانت كويسة. شوفت فيها حاجات حلوة. أقنعت نفسي بحبها وكل مرة أقول لقلبي دي حبيبتك.
صرخت بوجهه واضعة يديها على أذنيها.
- كفاية يا جواد لو سمحت.
ضم وجهها بين راحتيه.
- لازم تسمعيني وتعرفي أد إيه اتعذبت واتكويت... وفي الآخر اتهمتيني إني اتجوزتك علشان وصية.
وضعت يديها على شفتيه.
- انسى أي حاجة... خلاص أنا نسيت.
- دخلت في مرة عندك فضلت أخبط على الباب... كنتي تعبانة وقاعدة في الحمام وماسكة بطنك وبترجعي وحالتك صعبة. قلبي وجعني من شكلك... شلتك وماما جت على صوتي... كان جسمك كله عرقان... كنت رايح أجيب لك دكتور. ماما قالت لي خلاص يا جواد هي هتنام وترتاح... صرخت في وشها.
- دي بتموت يا ماما... مستحيل أسيبها كدا... مشيت خطوتين... وقفت ومعرفتش أرد.
- لما قالت لي دي حاجات بنات يا حبيبي روح أنت على أوضتك وأنا هعملها حاجة سخنة.
وضعت رأسها في عنقه خجلًا. ابتسم على خجلها رغم آلامه من ذكرياته.
- تعرفي حسيت بإيه؟ وقفت وكأن في حد ضربني بعصاية غليظة على ظهري علشان أحس بالوجع أوي وأفوق وأرجع أعرف إنك خلاص معدش يربطني بيكي حاجة.
أكمل مسترسلًا وهو يمسد على شعرها.
- تاني يوم روحت لندى وطلبت منها الجواز، وشرط عليها لحد ما تخلصي.
ضحك بخفة:
- كان معظم كلامي معاها عليكي.
ابتسم بسخرية.
- روحت خطبتها علشان أنساكي... مكنش فيه لقاء بينا يخلو عنك.
لامس خديها مقبلًا.
- كل دا حاجة وحضرتك لما جيتي وقفتي قدامي وقولتي إنك بتحبي واحد تاني.
أشار لقلبه.
- دا كأنك حطيتي فيه بنزين وولعتي فيه بدون رحمة... هنا بس عرفت إني بحبك وبجنون... كان نفسي أموتك وأموت نفسي.
أغمض عينيه ورجع بجسده للخلف ساندًا رأسه على الوسادة.
- وقتها عرفت إنك العشق الممنوع لآخر العمر... كملت خطوبتي... كان لازم أكملها... مكفكيش اللي قولتيه... جيتي وفضلتي تترقصي لي في الخطوبة... بقيت عامل زي الغبي مش عارف أنتي للدرجة دي مبسوطة من وجعي... لا ورايحة تترقصي بكل جبروت وتوري جسمك للناس...
ضغط بيديه التي كانت تحتضن خصرها عليها بالقوة حتى شعرت بآلامها.
- مستنية أسقف لك على عرضك...
صرخت من ضغطته على خصرها. جذبها حتى نامت على صدره مقبلًا رأسها.
- آسف حبيبي... وجعتك صح؟
هزت رأسها بلا.
- كمل سامعاك.
أخذ شهيقًا ليملأ رئتيه ثم طرده بهدوء.
- رجعت البيت وقتها ومفيش حاجة قدامي غير إني أخدك بحضني وبس بعد مشيتي مع حازم... كنت بعد بالدقيقة حتى ينهي الحفلة اللي من يومها واتأكدت إن قلبي هيفضل يعاني العمر كله. رجعت ولقيت كلام شاهيناز عن سامح أخوها وأنتي عارفة الباقي.
- علشان كدا سهرت معايا طول الليل على العجل؟
وضع رأسها بين يديه.
- كنت عايز أثبت لنفسي إنك ملكي أنا وبس... بس كالعادة أأنب نفسي وأصحيها من كابوسها.
- بس اللي إداني أمل اعترافك بحبي... ونظراتك ليا بعد ما خطبت ندى... غير بعدك عني...
أمسك يديها واضعًا إياها على نبض قلبه.
- اتوجعت كتير أوي حبيبي... واللي وجعني أكتر لما قرأت مذكراتك بدموعك. بس كان خلاص كل حاجة بقت تمام.
- صهيب كان يعرف بحبك؟
مسد على خصلاتها مبتسمًا:
- أهو دا الوحيد اللي قفشني وحس بيا.
تذكر ذلك اليوم.
- وقف أمامه: أنت بتحب غزل...
أشار بسبابته:
- ومتقولش زي مليكة لأنك مهما تهرب مش هتقدر تواجه كتير.
لكزه في صدره.
- القلوب ما عليهاش سلطان يا جواد والحب مش عيب ولا حرام... عارف الظروف صعبة... بس مند فنس نفسنا لمجرد أوهام... ونريح نظرات الناس.
قبضة قوية اعتصرت قلبه... صمت هنيهة يحاول أن يلتقط أنفاسه.
- أنت اتجننت يا صهيب إيه اللي بتقوله دا؟
تحرك صهيب ووقف أمامه ينظر لمقلتيه.
- بتضحك على مين يا جواد؟ أنت مكنتش شايف نفسك النهارده بتعمل إيه؟ دا شوية وكنت هتموت البت في إيدك... إيه يعني لما تحب واحد؟
احترق قلبه ولسانه عاجز عن الرد... دار صهيب حوله.
- إحنا نشوف الولد لو كان كويس يبقى على خيرة الله.
- اخرس يا صهيب متكملش سمعتني؟ إياك أسمع صوتك تاني.
قالها عندما فقد عقله، وألم اجتاح كيانه. لم يعد يشعر بنفسه إلا وهو يثور كالأسد المفترس الذي خرج من عرينه يبحث عن طعامه بلهفة.
- محدش له الحق فيها أدي... أنا وبس سمعتني؟ أنا اللي أقول دا آه ودا لأ.
جلس صهيب ووضع ساقًا فوق الأخرى.
- تمام يا حضرة الضابط حفظت شعرك النبيل... وبكرة الصبح هخلي البيت كله يسمعه بس يا ترى... بعد أشعارك الحلوة دي إيه العمل بقى؟ هتفضل تقنع نفسك وتقنعني بكدا؟ أنت بتظلم تلاتة.
- غزل، ندى، أنت... خطوبتك بكرة يا جواد، أنت لسه في الأول.
لا زال متسلحًا ببروده... ضحك عليه.
- شكلك اتجننت يا حضرة الدكتور.
تركه وغادر. خرج من شروده.
- دا اللي صهيب قاله... لحد ما جاسر استشهد. والباقي طبعًا اللي عملتيه أنتِ وهو.
أخرجها من أحضانه.
- كنتوا متفقين عليا يا بت؟
ضحكت عليه عندما تذكرت ذلك اليوم الذي اعتبرته من أجمل أيامها. اقتربت وجلست على ساقيه، مداعبة خديه.
- عايزة أقولك كنت بارد ومستفز بطريقة لا تطاق.
رفع حاجبه متحدثًا بتهكم.
- يعني علشان كدا رايحة تلعبي مع صهيب يا بت؟ قولي... سامعك.
نامت على صدره متذكرة حديث صهيب. دخل صهيب وجدها تبكي بأحضان مليكة.
- هقولك على حاجة وأتأكدي إن دا لمصلحتك أنتي وجواد. اتأكدي إن جواد بيحبك ومش بيحبك بس، لا بيموت فيكي... وأظن أنتِ مش عبيطة وتعرفي تميزي كويس بين حب الحبيب وبين الحب الأخوي.
ضيقت عيناها.
- أنت بتقول إيه؟ جواد؟
وقفت أمامه وتساقطت دموعها.
- أنت ليه بتضحك عليا؟ أنا راضية بحياتي وأتمنى له السعادة من قلبي، والله.
ثم أكملت مفسرة:
- شكلك نسيت إن كتب كتابه بعد كام يوم؟
صرخ بوجهها.
- بيضحك عليكي يا هبلة جواد.
أمسك يديها.
- زوزو أنتِ بتثقي فيا؟
أومأت برأسها.
- أكيد... بس أنا مش رخيصة علشان أرمي نفسي عليه.
- بس يا بت مين قالك إنك رخيصة؟ بقولك بيحبك وبجنون كمان... بس خايف من كلام الناس... اسمعي مني بس.
نظرت مليكة إليها.
- اسمعي كلام صهيب حبيبتي ومش هتندمي... جاسر قالي إنه بيحبك... جواد اعترف له بكدا والله.
انتهت ورفعت رأسها له.
- بعدها دخلت والشرار في عيونك الحلوة دي وجاي تخوفني بيها.
استندت بيديها على صدره تطالعه كالقطة الشرسة.
- فاكر قولت إيه وقتها؟
ضمها لحضنه وهو يضحك بصوته الرجولي.
- يا بنتي من وقت ما شلتك وأنتِ عندك شهر وقولت البت دي تخصني...
لكَمته بصدره.
- شوف مين اللي بيقول... ده إحنا سوقنا عليك ذباب وناموس المنطقة.
ظل يضحك عليها ويهمس لها:
- لو فضلتي شوية بس تغلطي عليا بهبلك صدقيني كنت عملت حاجات تانية.
وقفت سريعًا بقدميها الحافية ووضعت يديها بخصرها.
- كنت هتعمل إيه قولي... عايزة أسمع حضرة البارد.
جذبها بقوة حتى سقطت بحضنه.
- كنت خدتك كده في حضني.
ظل يقبلها حتى أصبحت تبادله قُبلاته بكل لهفة وعشق. حملها متَّجهًا بغرفتهما.
وضعها على مخدعهما (الفراش).
- هجيب العود من تحت وراجعلك.
وقفت متَّجهة للمرحاض وقامت بتغيير ملابسها. وارتدت منامة (قميصًا) أحمر يُظهر بشرتها الحليبية الناعمة، وسيقانها كان ما قبل ركبتيها مفتوحًا بالكامل من الصدر والظهر.
صعد للأعلى ولم يجدها، استمع لصوت المياه علم أنها بداخل المرحاض.
خرجت حافية القدمين تتحركان ببطء نحوه بتناغم بحركاتها الهادئة. اتسعت عيناه من مظهرها الخلاب.
جلست بجواره على الفراش. أمسك العود وحاول أن يلتقط أنفاسه وينظمها.
بدأ يدندن لها:
- لو أقولك إني بحبك الحب شوية عليك.
وضعت رأسها على كتفه وبدأت تغني معه مرة وتضع يديها بخصُلاته مرة، مع قبلاته لها.
انتهى من أغنيته ووقف وأمسكها وبدأ يتراقص معها على الموسيقى الهادئة المنبعثة من هاتفه. ضمها من خصرها بقوة واضعًا رأسه بخصُلاتها مستنشقًا رائحتها.
رفعها من خصرها وبدأ يدور بها، وهي تضحك بسعادة من ذلك العاشق المتمرد.
ثنت ساقيها وطوقت عنقه تناظره بابتسامتها الخلابة لقلبه.
أنزلها بهدوء ومازال يضمها.
- كل سنة وأنتِ دايمًا في حضني ومبسوطة.
ردت بصوت كادت أن تهمس به من كثرة مشاعرها.
- كل سنة وأنت حبيبي ومحاوطني بحنانك. كل سنة وأنت معايا وبتفاجأني.
بهدوء ظاهري وبنبرة عميقة ومشاعر مسيطرة اقتربت من شفتيه.
- والسنة الجاية ابننا يكون معانا.
وضعت رأسها على صدره.
- جواد نفسي أجيب أولاد منك أوي... نفسي أحس بحاجة منك جوايا.
ظل يتراقص بصمت، يتمنى أكثر منها. ولكن كيف لها بذلك الوقت من إجهادها ومحاصرته من جميع الجهات.
خرجت من أحضانه.
- حبيبي مبتردش ليه... عايزة نجيب أولاد.
أطلق تنهيدة.
- اصبري السنة دي كمان، إن شاء الله تخلصي بس الماجستير.
مسح على شعرها الناعم.
- أنا عايز أكتر منك... بس أهم حاجة راحتك وبعد كده كله يهون.
رفعت نفسها وقبلته على خديه.
- كتير عليا السعادة دي حبيبي... كل حاجة اتمناها عايشها.
جذبها متَّجهًا لفراشهما.
- تعالي نكمل كلامنا.
وقفت وهي تضع يديها بخصرها.
- لأ أكيد بتهزر، هنفضل نتكلم طول الليل.
قهقه عليها بصوت مرتفع، ضمها لحضنه ومازال يضحك.
- جواد متستفزنيش بطل ضحك.
نظر إليها وعينيه أدمعت من كثرة ضحكاته.
- طيب نعمل إيه؟
لكمته في جنبه متجهة للفراش، وتوردت خدودها من تلميحاته.
- عايزة أنام وإياك أسمع صوتك تاني.
وجدت نفسها فجأة في الهواء عندما حملها.
- بعشقك يا بت يا زوزو على براءتك وعفويتك دي... ده عب وجهها بأنفه. تنامي قبل ما نحتفل ينفع تضحكي عليا بالقميص اللي منور في عينيا ده... ده حتى لونه أحمر وليلتنا حمرا إن شاء الله.
- جواد نزلني بقولك أهو... وحياة ربنا أصوت وألم عليك الناس يا بارد أنت.
- والله لو عملتِ إيه بقالي ساعتين بشرح نظري وأهيئ، وفي الآخر تنامي قبل ما أدخل العملي. ده أنتِ أكتر واحدة تعرفي العملي أساس النجاح يا حبي... وحشتيني أوي يا زوز... أوي... إزاي يجيلك قلب تنامي... وتنسي معزوفات حبيبك... ينفع تنامي قبل ما تكتبي بأنفاسك نبضات قلبه.
وضعت رأسها في حضنه حبست أنفاسها داخل صدره.
- جواد كفاية.
وضع يديه على شفتيها.
- مش عايز أسمع غير إني وحشتك وبس.
وضع يديه يتلمس بشرتها الحريرية بطول ذراعيها، أثارت نعومة بشرتها حواسه. لف خصرها بذراعيه مطبق الجفنين وصدره يعلو ويهبط بأنفاس تتثاقل شيئًا فشيئًا. حملها وضمها لصدره لتسمع نبضاته العازفة بقصة عشقه وثغره لم يفصل ثغرها بقبلاته الملتهبة مع كلماته ولمساته التي بعثرت كلا منهما.
بدأ يرويها عشقه الدفين لسنوات. عشق بخلاياه النابضة، يخصها وحدها دون غيرها. أعاد روحها الغائبة، تخللت أناملها الرقيقة بخصُلاته تبعثرها متلذذة بعشقه المجنون. ظلا على هذه الحالة فترة ليست بالقليلة إلى أن ذهب في نومًا عميقًا.
في الفيوم:
في مكان هادئ بين الفلتين بالحديقة، أقام مخيمًا بسيطًا مع حفلة رومانسية بسيطة حضورها هو وهي فقط. كانا يتمايلان مع التناغم الموسيقي الأجنبي الهادئ.
- ألف مبروك حبيبتي... النهاردة أنا أسعد واحد.
وضعت رأسها بحضنه.
- الله يبارك فيك ويحفظك ليا العمر كله.
- ميرنا أنا بحبك بجنون من أول ما عيني وقعت عليكي... وحياتي كلها اتغيرت للأحسن... أتمنى حياتنا كلها حب وسعادة وثقة.
وزع نظراته على وجهها.
- أنا مبسوط أوي بحجابك... مفاجآتك حلوة يا قلبي.
لامست جانب وجهه.
- أنا بحبك أوي يا سيف صدقني ونفسي أسعدك.
قام بفك حجابها لينفرد أمواج شعرها البني الناعم على ظهرها بصورة خلابة.
- المفروض تكوني لابساه ومقتنعة بيه... مش علشان تسعديني حبيبتي.
خلع كاب فستانها فأصبح بحمالات رفيعة أمامه، ليظهر جمال ذراعيها وبشرتها الناعمة.
وضع رأسها بعنقها يستنشق رائحتها لأول مرة بهذه الطريقة. أغمضت عيناها... ورجفة أصابت عمودها الفقري مما جعلها غير قادرة على الوقوف.
ضمها من خصرها بقوة عندما شعر بحالتها، ملتقطًا ثغرها في قُبلة شغوفة أقرب للالتهام.
فصل قبلته وتعمق في النظر إليها.
أسبلت أهدابها متحاشية النظر إليه، توردت خدودها بحمرة الخجل، ودقات قلبها تنبض بعنف، لأول مرة تشعر بتذبذب بكيانها.
بعد شهرين بمدينة الإسكندرية تحديدًا:
بأحد الشواطئ الشهيرة تجلس بجواره على يخت لأحد رجال الأعمال المشهورين.
نظرت حولها تستمتع بنسمات العليل. ابتسمت نغم لها.
- إسكندرية منورة دكتورة غزل.
رمقتها بابتسامة هادئة.
- منورة بأهلها وناسها... جواد كلمني كتير عليكوا.
اتجهت بأنظارها لمتيم قلبها.
- قصدك عن ريان؟
قالتها بحالمية عاشقة.
أومأت لها بهدوء.
- بيشكر فيه ومعجب بنشاطه جدًا.
قاطعهم وصول جواد وريان.
ألقى جواد تحيته عليهما، جالسًا بجوار زوجته.
- عاملة إيه؟
- الجو هنا حلو أوي يا جواد.
قاطعهم ريان.
- فعلًا إسكندرية عروس البحر المتوسط... أنا أنا مقدرش أعيش في مكان غيرها... أكتر محافظة بحبها في مصر.
- لأ طبعًا أحترم رأيك يا باشمهندس... بس أعترض عليه في بعض النقاط... أنا أعتبر زرت محافظات مصر كلها... كل محافظة وفيها ما يميزها... بس أكتر حاجة عجبتني الغردقة وشرم... وجنوب سينا.
طبعًا وافقته نغم الرأي.
- فعلًا يا ريان الغردقة رائعة كفاية البحر الأحمر والشواطئ هناك تحفة.
- طيب نكمل كلامنا وإحنا بنتغدى يا حبيبتي.
جلسوا حول مائدة الطعام يتناولون غدائهم الذي كان متنوعًا من أنواع الأسماك.
رفع ريان نظره لجواد.
- ما تقولش عن أسماكنا حاجة بقى... هنا أحلى وأطعم سمك تاكله.
ضحكت نغم على زوجها.
- ريان منتمي أوي للإسكندرية بكل ما فيها.
ابتسمت غزل برقتها.
- على فكرة إسكندرية بحبها جدًا ومن زمان أوي كنا بنصيّف فيها.
توجهت بنظرها لجواد.
- بس طبعًا جواد اتنقل فترة لجنوب سينا فده خلانا ننقل على الغردقة وشرم.
- عجبتك المستشفى يا دكتورة؟
أردف بها ريان متسائلًا.
- جدًا... ربنا يجعله في ميزان حسناتكم... حلو الأعمال الخيرية أوي... شكرًا يا جواد على كل حاجة.
- على فكرة فيه شريك تالت معانا بس عنده ظروف ومسافر دلوقتي.
ارتشفت من كأسها متذكرة.
- أيوة افتكرته الباشمهندس إلياس.
- هو أنتِ بتشتغلي يا غزل... تسمحيلي أقولك غزل من غير ألقاب؟
- آه طبعًا... تقولي اللي يعجبك وبعدين شكلنا هنكون صحاب.
ضحك جواد على زوجته.
- ليه أنتِ مفكرة الإسكندرية جنب القاهرة حبيبتي ولا إيه؟
- مش بعيدة برضه يا حضرة الضابط... إحنا على طول بننزل القاهرة وعندنا بيت هناك. الباشمهندس صهيب وحازم زارونا مرة هناك حتى قالوا إنك في شهر عسل.
- فاكر حاجة زي كده... هو الباشمهندس عمر فين كنت مفكره موجود؟
- عمر بره مصر.
أومأ برأسه متفهمًا.
كانت تستمتع بنسمات الريح وهي تتناول طعامها بصمت، قاطعهم وصول الأولاد.
اتجه عمر الذي يبلغ من العمر عشر سنوات في ذلك الوقت... وبيجاد سبع سنوات ومالك ذات الخمس سنوات مع مربيتهم.
أشار ريان لعمر:
- تعالى يا عموري... سلم على عمو جواد.
اتجه ينظر له ويرحب بأدب به، أما بيجاد وقف.
- مين عمو جواد ده يا بابا أول مرة نسمع عنه؟
بسط جواد يديه.
- ما هو لو جيت سلمت كنا اتعرفنا.
- أنت اسمك إيه؟
- هو أنا لازم أقول لحضرتك اسمي من غير ما نتعرف؟
- ولد يا بيجاد اتكلم بأدب.
نظر لوالده.
- هو أنا قولت حاجة؟
مسد جواد على رأسه مقبلًا.
- ابنك ده يدخل الشرطة هيكون ظابط ممتاز.
ألقى بيجاد نفسه بأحضان جواد.
- تصدق حبيتك يا عمو جواد أول ما شفتك... بس أنا عايز أكون طيار.
نظر لوالده.
- شوف الناس اللي بتفهم.
اتجه بنظره لجواد.
- فيه ناس هنا فاهمين الشرطة غلط.
اتكأ بذراعه الصغير على كتف جواد وهو جالس.
- تعرف أنا نفسي أكون ظابط بس حسيتهم باردين وتنكين كده... بيقولوا الظباط وحشين وبيموتوا الناس.
أطلقت غزل ضحكاتها على ذلك الطفل البريء. رفع جواد حاجبه وأردف بسخرية من صوت ضحكاتها... وريان الذي مسح على وجهه خجلًا من جواد... أما نغم وضعت رأسها في الطبق تتناول طعامها بدون حديث.
جذبه جواد وأجلسه أمامه.
- ليه الظباط باردين يا بيجاد مين فهمك الكلمتين دول حبيبي؟
أشار على نفسه.
- أنا فهمت دي مش محتاجة ذكاء... هاتلي ظابط كده تعرف تتكلم معه كلمتين وهو يحترمك ويسمعك... دول على طول: اسمع يا متهم... بتقول إيه يا ولد!
حمحم ريان:
- جاد حبيبي اسكت عيب تتكلم كده... دلوقتي عمو يقول إيه ما عرفش يربي أولاده.
قاطعهم عمر الذي يجلس بجوار والدته.
- هو عنده حق يا بابا... أنا قولتلك قبل كده الولد بيجاد أكتر واحد بيفهم في عيلتنا... صح يا جاد؟
نظر ريان سريعًا لنغم التي أغمضت عينيها من استفزاز أولادها.
أمسكت قطعة من الجمبري ووضعتها بفمه.
- كل يا حبيبي... ده حتى الأطفال عارفين أنتوا إيه.
قالتها بسخرية.
- آسف يا جواد... أرجو ما تاخدش في بالك.
ابتسم ونظر لغزل.
- لا أبدًا دول ولاد... عندنا طفلة صغيرة ما فيش على لسانها غير باردين برضه.
قطب جبينه متسائلًا:
- أنتوا عندكم أطفال؟ على ما أظن أن الباشمهندس حازم مراته لسه والدة من أسبوعين وصهيب لسه.
قهقه عندما وجد غزل تنظر له شرز.
- لا دي بنت الجنايني.
ضغطت على قدمه واقتربت هامسة:
- احترم نفسك زوجي المصون... هعرفك بنت الجنايني هتعمل إيه.
- هو أنتِ حامل يا غزل؟
تساءلت بها نغم.
نظر لجواد وحزنت.
- لا لسه مأجلة لحد ما أخلص الماجستير... هو أنتِ لسه ما خلصتيش؟
- أنا لسه مخلصة من شهر وبحضر ماجستير.
ربتت على يديها:
- بالتوفيق حبيبتي ربنا يوفقك.
أومأت برأسها دون حديث آخر وظلت تنظر لزوجها بجانبها وهو يتحدث مع ريان على المجمع الخيري الذي قام بإنشائه مع ريان وإلياس.
بعد عدة أشهر:
وقفت تعد له كيك الشيكولاتة... فاليوم عيد زواجهما الأول... ومعها هدية ربنا التي انتظرتها كثيرًا ورغم أخذها لمانع الحمل إلا أن ربنا أنعمها بها.
انتهت وصعدت لتجهيز نفسها فاليوم سيكون مميزًا لكلاهما.
ارتدت أجمل شيء يعجبه... مع لمستها البسيطة من التجميل... قصعت شعرها للأعلى... حتى ظهر جمال عنقها... ناهيك عن رائحتها العطرية الممزوجة برائحة الياسمين.
قامت بتجهيز حفلتهما البسيطة.
دلف إلى المنزل... وجدها تنتظره بغرفة المعيشة بأجمل طلة... اقترب منها.
قبل جبينها:
- وحشتيني يا أجمل ما في حياتي.
ضمت خصره مستمتعة برائحته الرجولية التي تخللت لأنفها.. وضعت رأسها في حضنه.
- وحشتني قوي يا جود.. بقيت بتوحشني حتى وأنت معايا.
رفعها حتى أصبحت بمقابلته.
ملتقطًا ثغرها بقبلة سطحية... ناظرًا لترانيمه الخاصة:
- مش أكتر مني يا روحي.
نظر حوله:
- إيه الأكل ده... أوعي تقولي فيه كوارع.
أنزلت يديه وسحبته:
- أنت مش ناسي حاجة النهاردة؟
ضيق عينيه متسائلًا:
- هو فيه مناسبة ولا إيه؟
عبست بوجهها فكيف له ينسى أهم مناسبة...
- انسى ما فيش حاجة... حبيت بس أغير الروتين مش أكتر.
اتجهت لتجلس على الأريكة... وجدت نفسها معلقة بالهواء... صاعدًا بها لغرفتهما.
- تفتكري أجمل يوم في حياتي ممكن أنساه؟
صعد بها ليذكرها كيف كانت أجمل ليلة بعمرهما.
أنزلها بهدوء:
- فاكرة أول ليلة في جوازنا؟
وضعت رأسها في عنقه تقبله وهمست له ممسكة بيديه على أحشائها:
- فاكرة كل لحظة ودقيقة وأنت معايا... فاكرة كل كلمة وكل لمسة.. إزاي أنسى أجمل هدية.. بحبكم أكتر من حياتي يا أغلى من عمري.
قالتها وهي تمسد بيديه على بطنها.
رفع نظره لها:
- غزل أنتِ...
لامست شفتيه:
- هتكون أحن أب يا حبيبي... بحبك قوي.
ضحك بصوتٍ مرتفع وحملها ودار بها وهو يشعر بسعادة العالم يمتلكها.
- أنا اللي بعشقك يا روح جواد.
ظل يدور بها وهو يضمها بقوة لصدره... ذاهبًا بها لجنة الخلد التي يستمتعون بها كلاهما.
بعد شهرين يجلس الجميع على المائدة:
- ماما نفسي آكل فسيخ قوي مع إن ريحته مش طيقاها.
ابتسمت لها نجاة:
- لازم تاكليه يا حبيبتي... علشان ما يطلعش في وش الولد.
اتجهت بنظرها لجواد:
- يبقى هات لمَرَاْتَك فسيخ يا حبيبي... أو لو ما عرفتش تجيبه أخلي عبده يجيبهولنا.
ضحك سيف بصوتٍ مرتفع وهو يمسك بأيدي ميرنا:
- ولا جه الوقت اللي أشوف فيه حضرة الضابط بيشتري فسيخ...
رفع حاجبه بسخرية:
- والله بكرة نشوفك يا حبيبي.
ضم غزل من أكتافها:
- حبيبي يطلب بس وأنا تحت أمره.
قهقه صهيب بصوتٍ مرتفع كلما تذكر نهى.
- جبته وحياتك وفصصتهولها... ويا سلام وهي بتاكله بالبصل.
جحظت عيناه متخيلًا غزل وهي تجلس تأكله وهو يضعه أمامها ورائحته... رمقها سريعًا:
- هو لازم يا حبيبي الفسيخ... ما ينفعش البيض المسلوق أهو زفر برضه؟
شاكسته:
- لا يا حبيبي لازم فسيخ... مش كدا يا ماما؟
- طبعًا يا حبيبتي.
اقتربت وهمست له:
- وبالبصل كمان.
قالتها وهي ترفع حاجبها كالأطفال.
اقترب هو كذلك:
- ما تخلينيش أشتمك أنت وابن الكلب اللي في بطنك.
فجأة قهقهت حتى التفت إليها الجميع.
- إيه يا زوزو هو الحمل جاي معاكي بالقهقهة؟
أردف بها صهيب بتهكم.
- روح شوف نهى فوق بتنادي عليك يا صهيبتي ابنك صحي يا حبيبي وعايزك.
أردفت بها غزل وهي تلوك طعامها بهدوء.
دخلت مليكة وهي تحمل ابنها جواد ذات السبعة أشهر:
- صباح الخير... جود جاي يصبح على تيتا وبيقولها ماما هتنزل الشغل مع بابا النهاردة يا تيتا ممكن تستحمليني.
حملته وظلت تقبله:
- حبيب تيتا أنت يا عمري... طبعًا تيتا تقعد مخصوص بجود باشا.
وقفت غزل متجهة له... حملته وظلت تقبله بخديه:
- نفسي آكل خدودك الحلوين دول يا ولد يا جواد.
اتجه لها هامسًا:
- والله هو يتمنى تيجي.
رفعت نظرها بتهكم له:
- لا يا حبيبي قصدي على الولد.
- الله ما هو أنا ولد برضه... جواد.
- نعم.
أردف بها صهيب الذي اقترب منهما:
- هاتي يا أختي الولد لتاكله أنتِ وهي.
جذبه صهيب:
- صباح الخير يا جود باشا.. تطلع تلعب مع ابن خالك فوق ولو عيط اضربه بالقلم على طول.
- أنت بتقول إيه يا أهبل... ابنك لسه يا دوب شهر يا حمار.
بعد فترة:
كان يجلس أمام مكتب الطبيبة التي تقوم بالكشف على زوجته.
- مبروك يا دكتورة... جاي لك توأم.
وقف سريعًا متجهًا إليها:
- بتقولي حامل في توأم؟
ابتسمت له عندما وجدت معالم الفرحة على وجهه.
- أيوه تحبوا تسمعوا نبضات قلبهم؟
أومأ برأسه ينظر للجهاز مرة ويراقب دموع زوجته.
يا الله ما هذا الشعور.
ارتجف قلبه لدى سماعه لصوت النبض لأطفاله... شعر بانتزاع قلبه من محله.
اقترب واضعًا قبلة عميقة فوق جبينها:
- ألف مبروك يا حبيبة قلبي.. ربنا يكملك على خير ويجوا بالسلامة.
- جواد أنا مش قادرة أقوم... اعدلني.
ساعدها في الاعتدال.. مع اعتدال ملابسها.
وقفت يساندها وأجلسها أمام الطبيبة لتستمع لنصائحها... استمع باهتمام لها.
من الاحتياطات اللازمة من غذاء وأدوية وراحة تامة.
- دكتورة غزل عايزة أقول لك حمل التوأم يختلف تمامًا عن جنين واحد... ده حالة خاصة لازم تهتمي واحذري في نفس الوقت... إحنا هنعمل بعض التحاليل اللازمة.
- الوضع تمام حاليًا... المخاطر في التوأم كل ما بتدخلي في الشهور.
- تمام يا دكتورة متشكرين بحضرتك.
جذبها متجهًا للخارج... ولكنه وقف فجأة بداخل العيادة... عندما وجد إطلاق طلقات نارية كثيرة بالخارج.
ضغط على قبضة يديه بغضب.
ارتجف جسدها عندما رأت الكثير من أمنه يتساقطون أمام عينيه.
خرج بها من المخرج الخلفي متصلًا بحازم وصهيب... متجهًا للخارج.. في نفس الوقت الذي أوصل باسم بدعم له من الشرطة عندما اتصل به زاهر.
قبل جبينها وضمها مختفيًا في مكان آمن بها.
- صهيب خمس دقايق ويكون هنا عايزك تروحي معه... وأنا شوية وهحصلكم يا زوزو.
طوقت خصره:
- مستحيل أسيبك هنا وأمشي... عددهم كتير.
أخرجها مردفًا بهدوء:
- زوزو حبيبي هيدخلوا يموتوا الدكاترة اللي جوه لازم أدخل.
رفع ذقنها:
- مش أنتِ بتثقي في حبيبك؟
نظر حوله مقبلًا ثغرها فجأة رغم مفاجأته لها بهذه القبلة... ولكنها بادلته بكل لهفة كأنها ستحرم منه.
قاطعهم اتصال صهيب الذي يقف بعيدًا عن المكان المحاصر.
ضمها من خصرها وتوجه لأخيه... أركبها بجواره:
- صهيب روح بيها عند ريان بإسكندرية... دلوقتي أمن مكان ما حدش يقدر يوصلها هناك... هم دلوقتي عرفوا نقطة ضعفي.
- هنوديها لواحد غريب يا جواد؟
صرخ به:
- ما فيش وقت اتحرك دلوقتي... هو عارف هيتصرف إزاي وأنت اتصل بشركة أمن تانية وأمن البيت كويس.
ضمه وهمس له:
- مش هوصيكم على نفسكوا... لو حصلي حاجة... غزل أمانتك حبيبي.
قالها مغادرًا سريعًا مع تساقط دموعه فاليوم الذي انتظره... ضاعت فرحته من بين يديه.
بعد عدة ساعات:
تجلس بجوار نغم التي تحاول تهدئتها:
- حبيبتي أكيد هو كويس.
صرخت:
- مستحيل الوقت ده كله يعدي وما أسمعش حاجة عنه.
نظرت لريان الذي وقف ينظر لها بقلبٍ مفطور... قاطعهم دخول حازم.
"غزل" أسرعت له:
- فين جواد يا حازم... جوزي فين؟
- آسف يا باشمهندس... أنا لازم آخد غزل... إحنا استأجرنا بيت هنا... لحد ما يرجع جواد.
أمسكه ريان من ذراعه:
- إيه الأخبار اللي مالية السوشيال دي؟
- جواد مات فعلًا يا حازم؟
استمعوا بصوت ارتطام شيء بالأرض.
رواية تمرد عاشق الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم سيلا وليد
اقترب صهيب وضمها لأحضانِه.
- غزل، أنتِ مؤمنة بقضاء ربنا... "وكل ما يصيبنا إلا ما كتب الله لنا".
خرجت سريعًا من أحضانه، تناظره بعينين تغشاهما الدموع.
- ما تكملش يا صهيب... أنا جوزي هييجي هو وعدني وأنا باثق في وعده.
سحبها حازم ليدخلها الغرفة، ولكنها وجدت سيف بآخر الممر الذي تقف به، ابتسمت له عندما اقترب.
- غزل، جواد عايش.
أسرعت له وأمسكت بيديه.
- كنت عارفة يا سيف... هو وعدني... تعالى وديني عنده.
- أنت اتجننت يا حمار... إيه اللي بتقوله دا؟
ناظره سيف.
- أنا ما اتجننتش، جواد عايش... ما لقوش جثته في العربية... الطب الشرعي قال دا واحد تاني... باسم قالي كدا.
صفعه على خديه بقوة.
- فوق يا سيف واتقبل أخوك مات... دار حولهم، لازم تتقبلوا الحقيقة أخوك مات.
وضعت يديها بآذنيها وصرخت.
- باااااس، محدش يتكلم... مش عايزة أسمع صوت حد فيكم... أنا جوزي عايش.
جذبها صهيب بقوة ونظر لها بغضب.
- لا لازم تسمعي، جواد مات... الشرطة أكدت لنا الخبر ودا من إمبارح... عربيته انفجرت ووقعت في البحر... وهو كان فيها يا غزل... لازم تقنعي نفسك بكدا... وفوقي علشان ولادك اللي في بطنك.
دفعه ريان بقوة.
- إيه اللي بتقوله دا؟
ضمتها نغم لأحضانها.
- غزل لازم تهدي علشان اللي في بطنك.
ارتجف جسدها بالكامل مع كلمات صهيب.
- هو اللي مجنون... جواد عايش أنا متأكدة... جوزي عايش... حبيبي عايش... "جواد" همست بها وسقطت ذاهبة لعالم لا يوجد به غيرها... تلقاها حازم بين يديه.
وبدأ يتحدث بغضب مع صهيب، ود لو يخنقِه بيديه مما صفعه بها.
أسرع سيف لإحضار الطبيبة.
جلس يمسح بعنف على وجهه... الدنيا أصبحت تخنقه بما سيواجه ويتحمله... اليوم سيكون بديلًا لأخيه ولكن كيف يتحمل ما يراه وما يسمعه!
جلس ريان بجواره، ممسدًا على ظهره.
- ما اعرفش أقول لك إيه... غير أنا مش مصدق الأخبار دي الصراحة.
لفت له يتمنى ما يشعر به حقيقة... يتمنى أن يكون كابوسًا ويفيق منه... قاطعه اتصال مليكة.
سمع لصوت بكائها.
- أنتم فين يا صهيب وليه روحنا الفيوم... وإيه الأخبار اللي شوفتها دي... معقول جواد... أبوك ممكن يروح فيها يا صهيب.
وقف يحاول التنفس لا يعلم ماذا يفعل.
أمانته التي تصارع آلامها وعدم تصديقها... ولا والده الذي لو علم... سيسقط وربما يموت من أحزانه.
حاول يملأ رئتيه بالأكسجين... لا يشعر بشيء غير الاختناق، أخيرًا خرج صوته.
- فين بابا يا مليكة... حاولي ما تخليهوش يشوف أي أخبار هو كدا كدا مسافر بكرة العمرة هو وماما... ودا كويس.
صاحت بوجهه.
- فين جواد يا صهيب أوعى تقولي إنه مات فعلًا... أخوك فين حبيبي... طمني قلبي... وليه حازم ما بيردش على تليفوناتي؟
استمعت لصوت ضوضاء بالخارج... نظرت من النافذة... وجدت كم من الصحفيين الذين يتجهون لمنزلهم... والأمن يحاول منعهم.
- صهيب، فيه صحفيين كتير قدام البيت.
مسح على وجهه بعنف وأردف.
- هبعت لك حازم وسيف حالًا... وأنتِ حاولي تتعاملي بحذر... إحنا لسة حبيبتي ما نعرفش جواد فين...
قالها وتمنى أن تكون كلماته حقيقية.
- صحيح يا صهيب يعني جواد ما ماتش صح... أيوه هو أكيد خاطف غزل كعادته ويومين وهيرجع... ما هي غزل برضه مش موجودة من إمبارح دا مطمني شوية.
أغمض عينيه قهرًا وألمًا على ما يسمعه.
نظر لحازم وسيف اللذين يقفان على باب الغرفة بصمت.
- حبيبتي لازم أقفل وحازم وسيف هيجوا لكم.
خرج الطبيب... وقف متجهًا له.
- إيه أخبارها يا دكتور؟
- هي كويسة أنا اديت لها مهدئ مش هتصحى قبل أربع ساعات... الصدمة غلط على اللي في بطنها ما ننساش إنها في شهورها الأولى وكمان توأم.
- تمام شكرًا لحضرتك... قالها حازم بهدوء.
اتجه لريان.
- بنشكرك يا باشمهندس أنت معنا من إمبارح فيك تروح ترتاح.
- ما فيش تعب ولا حاجة... أنا هوصل الشركة عندي اجتماع... ونغم هتكون معها... ويا ريت لو ترجع لعندي في البيت... جواد آخر كلامه تفضل عندي علشان يطمن عليها.
قاطعه سيف.
- هو قصده تقعد في مكان يخصك مش عند حضرتك أبدًا وتكون تحت حمايتك...
أومأ حازم على صدق حديث سيف.
- خلاص إحنا اتأجرنا بيت هنا وهروح أجيب مراتي تقعد معها.
- لا ما فيش حد هييجي... وزي ما الباشمهندس قال... هي هتفضل عنده... هو هيتصرف.
- لازم نبعد فترة علشان الأنظار علينا... ما تنسوش إن عم غزل هربان من السجن ومش هيسكت إلا لما يوصلها... وإحنا اللي ممكن نعرفه مكانها... غياب جواد جه في مصلحته.
ربت ريان على كتفه.
- أنا تحت أمركم طبعًا وزي ما قلت لك جواد موصيني... وحاضر هشوف لها مكان قريب خاص بيا ونغم هتلازمها... لحد ما نتأكد من الخبر ولا جواد يظهر...
قاطعه اتصال هاتفه.
تحرك مغادرًا يعتذر.
- سلام لازم أتحرك.
- أيوه...
جحظت عيناه مما استمع لصوت المتصل... وقف يستمع باهتمام.
- لا أبدًا الحمد لله... تمام ما تقلقش... ما هي إلا دقيقتين فقط... ارتاح قليلًا واتجه لعمله.
بعد أسبوع الحال كما هو.
خرجت غزل من المستشفى إلى منزل خاص بريان مع مكوث نهى بجوارها... وحسين الذي ذهب بصحبة زوجته إلى الأراضي المقدسة ولا يعلم ما صار... ظنًا أن ابنه في مكانٍ ما هو وزوجته.
جلست تستنشق بعض الهواء النقي عله يهدئ من نيران اشتياقها له، كان الجو يشبه الصقيع اصطدم وجهها بالبرد القاسي الذي لفح وجهها من الشرفة المطلة على البحر.
فاليوم إحدى ليالي الشتاء من شهر يناير.
أغمضت عينيها وتمنت بدخوله إليها حتى يدفئها بقبلاته الساخنة على بشرتها الباردة.
فتحت عينيها عندما اتجهت نهى إليها بطعامها.
- صباح الخير يا جميل... عاملة إيه وحبايب خالتو المحنّين عاملين إيه؟
- فين صهيب؟
فركت يديها وهربت من أنظارها... طالعتها بهدوء.
- الجواب صعب أوي كدا ما تعرفيش جوزك فين؟
أجابتها بحزن.
- نزل القاهرة علشان يعملوا عزا جواد... عمو حسين عرف وتعبان في المستشفى.
وقفت كأنها تلقت صاعقة على رأسها.
- إيه الهبل دا... عزا إيه ونعي إيه... أنا جوزي عايش...
اتجهت للخزانة... وأخرجت ملابسها وارتدتهم سريعًا.
وقفت تنظر لها بصدمة.
- غزل رايحة فين؟
أجابتها بضيق.
- مش شغلك يا نهى...
تنهدت بضيق فهي في حالة لا تسمع للنقاش.
استدارت لها عندما وجدت حزنها.
- رايحة أشوف جوزك ليه متعمد يعصبني يا نهى...
طرق الباب وظهرت العاملة.
- أستاذة نغم تحت منتظرة حضرتك.
أومأت لها بهدوء.
- تمام روحي قدمي لها حاجة وأنا نازلة...
اتجهت لنهى بنظرها.
- أنتِ مش سامعة صوت ابنك... روحي شوفي بيعيط ليه.
اقتربت لها تضمها لأحضانها.
- غزل حبيبتي فوقي يا قلبي... أنا عارفة صدمتك كبيرة بس دي إرادة ربنا.
ابتسمت لها.
- أنا كويسة حبيبتي وكويسة أوي...
وضعت يديها على أحشائها.
- ولادي هيجوا وأبوهم هو اللي هيشيلهم ويسميهم.
هزت رأسها بوجع من حالتها... اتجهت ووقفت أمامها.
- غزل بقالنا أسبوع وأنتِ على حالتك دي... حبيبتي...
قاطعتها.
- نهى نغم تحت عايزة أشوفها علشان ننزل القاهرة... لمي حاجة الولد علشان ترجعي معايا... ما لوش لازمة قعدتك هنا.
تنهدت نهى بحزن عليها لا تعلم ماذا تفعل لكي تخرجها من حالتها.
- عمك يحيى هرب من السجن يا غزل... أنتِ عارفة معنى دا إيه... دا ممكن يوصلك وينتقم لموت ابنه.
ربتت على كتفها.
- ما تخافيش... زاهر معايا وجواد هيرجع يوقفه عند حده... وأنا مش ضعيفة يا نهى.
وقفت أمام نغم.
- حبيبتي ليه بتتعبي نفسك أنا كويسة ونهى عندي.
طالعتها نغم بحزن فقد فقدت كثيرًا من وزنها مع ذبول بشرتها وبهتانها.
اقتربت وجذبتها لتجلسها بجوارها.
- عايزة أقول لك أنا مؤمنة بكلامك ويقينك برجوع جوزك... بس دا ما يمنعش إننا نحافظ على أمانته لحد ما يرجع.
- أنا لازم أنزل القاهرة يا نغم... عايزة أطمن على بابا حسين.
بعد فترة اتجهت لمسكنهم بالقاهرة... دلفت للمنزل بهدوء وجدت نجاة التي تجلس تنظر في شرودها الحزين ولبسها الأسود... خطت إلى أن وصلت إليها.
- عاملة إيه يا ماما؟
ارتجف قلبها عندما استمعت لصوتها... رفعت نظرها إليها... فجأة تساقطت دموعها.
- غزل حبيبتي يا بنتي.
ضمتها بقوة أم فقدت وليدها لفترة الآن وجدته.
خرجت من أحضانها تنظر بأعين تغشاها الدموع... أحست بوخزة مؤلمة لقلبها... قبلت رأسها.
- عاملة إيه حبيبتي وقاعدة كدا ليه... وإيه كل الأمن اللي بره دول؟
ظلت تناظر إليها كغريق وجد ضالته فيها... حيث رأت ابنها الفقيد فيها... رفعت يديها تحاوط وجهها.
- حبيبي كان بيحبك وبيموت فيكي... كأني شايفاه قدامي...
جذبتها وأجلستها بجوارها تضمها لأحضانها وكأنها تستنشق رائحة ابنها بها.
تناست بما يدور حولها... فقط تضمها لأحضانها... وتتساقط دموعها.
خرجت من أحضانها.
- ماما حبيبتي بتعيطي ليه... أنتم ليه مش مصدقين إن جواد عايش...
وصل صهيب للتو عندما أخبرته نهى بقدومهما.
- إيه اللي جابك من إسكندرية يا غزل؟
لم تتجه له وكأنه لم يكن موجودًا... ظلت تنظر إلى نجاة.
اتجه إليها ووقف أمامها.
- ما بترديش عليا أنا مش بكلمك... ليه جيتي من إسكندرية من غير ما تعرفيني؟
اهتزت نظراتها للحظات أمام غضبه الذي صورته بالهمجية.
- ليه آخد إذنك... مفكر نفسك مين؟
جذبها بقوة حتى أوقفها.
- غزل أنتِ شايفة حالة الكل إزاي... بلاش تتسرعي حاولي تخرجي من صدمتك دي جوزك مات...
وصل الجميع على صرخات صهيب.
فقدت قدرتها على الحركة أو الكلام... هزت رأسها وأردفت بصوتٍ مرتعش.
- أنت مجنون أكيد... كلكم مجانين... أنا جوزي عايش.
جذبتها مليكة لأحضانها وظلت تبكي.
كل ذرة بمشاعرها تنتحب من حالتها أمامها.
نظرت لمليكة وأشارت لها.
- مليكة أنتِ مصدقة إن جواد...
ارتجفت شفتاها... وزعت نظراتها بين الجميع.
- كلكم مصدقين؟
اتجه صهيب لسيف.
- خدها مع زاهر وصلها إسكندرية ويا رب ما يكونش حد لاحظ وجودها هنا.
اقتربت ووقفت أمامه بصدمة.
- نعم أنت مين علشان تقول لي أروح فين وآجي منين... لتكونش تفكر إني مصدقة تخاريفكم إن جواد مش هيرجع... ولا تكون مفكر إنك جوزي؟
- اعتبريها من النهاردة كدا.
جحظت عيناها من كلماته... دفعته بكل قوتها...
وصفتْه بقوتها. برقت عيناه وتنافرت عروقه من فعلتها، اقترب كثور هائج.
- كنت عارف يا غزل صعب التعامل معاكي، بس بحذرك دلوقتي مفيش كلام هيتراجع بعد كلامي. ودلوقتي هترجعي إسكندرية بالطيارة كمان وهتفضلي هناك لحد ما تولدي.
اقترب أكثر حتى أصبح بمواجهتها، ينظر إليها والشرر يتطاير من مقلتيه، وأردف ما يكسر ظهر البعير:
- أنا دلوقتي مكان جواد سمعتيني؟ وغصب عنك.
اتجهت نهى لهما لكي تهدئه عندما ساءت الأحوال بينهما.
- صهيب اهدى حبيبي مينفعش.
صرخ بوجهها:
- محدش يقولي اهدى! أنا مش مجنون. أنا قولت اللي عندي.
نظرت نهى له بصدمة ثم اتجهت بنظرها لغزل.
ولكن غزل أصبحت كالمهر الجريح.
- اخرس أنت مفكر نفسك مين؟ أنا متجوزة من جواد الألفي اللي هيفضل اسمه مرتبطني بآخر يوم من عمري. فوق يا حضرة الدكتور، متعملش عليا كبير، أنا مش ضعيفة.
اقتربت وهمست له بصوت كاد أن يكون متزنًا رغم شراسة نظراتها له:
- أنا غزل جواد الألفي تربيته قبل ما أكون مراته. ومتفكرش إني هقبل لمجرد هزار حتى. أنا رافضة كل اللي بتعملوه دا. أنا جوزي عايش وهيرجع وقريب أوي. وطول ما أنا مدفنتوش بأيدي يبقى عايش يا حضرة المهندس الذكي. وهيرجع وهعلمك وأعملك الأدب.
نظرت حولها في أرجاء المنزل ووضعت يديها على أحشائها.
- حتى هو قريب مني أقرب من اللي في بطني.
أشارت لقلبها:
- طول ما دا بينبض جواد عايش. بدل ما واقف تتشرط عليا روح شيل نعي أخوك اللي مالى السوشيال ميديا. وياريت ما أشوفش وشك قدامي، لأني هزهقك بجد.
قالتها ثم تحركت مغادرة.
جلس صهيب واضعًا رأسه بين راحتيه.
- روح وراها يا سيف، أو كلم حازم يهديها.
ربتت نهى على أكتافه.
- ليه بتكلمها كدا يا صهيب؟ كنت قاسي معها.
مسح على وجهه بعنف.
- لازم تخرج من صدمتها، لازم أقسى عليها. دي رافضة الحقيقة، خايف عليها بعد كدا.
- ما تخليهاش تمشي يا صهيب. هاتلي غزل في حضني يا ابني كفاية جواد وأبوك.
جلس على عقبيه أمامها.
- ماما حبيبتي لازم غزل تبعد عننا الفترة دي، علشان نقدر نحافظ عليها وعلى اللي في بطنها. أنا لوحدي، باتخبط من الكل.
شهقت والدته شهقات متتالية بصوت مرتفع.
- أنا كمان حاسة إن جواد عايش، حاسة إنه قريب مننا يا ابني.
- أنت هتعملي زيها يا ماما؟
- خدني لأبوك يا صهيب عايزة أروح أشوفه يا ابني.
بعد أكثر من ساعتين وصلت إسكندرية وهي تشعر بآلام في أسفل بطنها. أسرعت للأريكة الموجودة بغرفة المعيشة، ظلت تبكي بوجع قلبها والآلام داخل أحشائها، صرخت من شدة آلامها. أتتها العاملة.
- دكتور أنت تعبانة، أتصلك بنغم هانم؟
أشارت بنعم.
بعد قليل وصلت نغم بالطبيب.
حذرها الطبيب من حركتها ومن سفرها، ولكن لم تأخذ بكلماته. أعطاها بعض الأدوية الخاصة بتثبيت الحمل، مع تحذيراته المستمرة. كان يظهر عليها الألم والحزن في آن واحد.
دخلت نغم إليها بنوع من الشوربة المفيدة لحملها ولتدفئتها في هذا الجو القاسي بالإسكندرية. وضعت الطعام بجوارها، ربتت على ذراعيها.
- لازم تاكلي أي حاجة يا حبيبتي. أنت إزاي تعملي حاجة زي كدا؟ لسه في شهورك الأولى وتسافري المسافة دي كلها وترجعي في نفس اليوم.
مسدت على شعرها عندما وجدت دموعها تنسدل كشلال على وجنتيها.
- عايزة أنام لو سمحتي يا نغم، روحي لأولادك. حازم كلمني وجاي هو ومليكة في الطريق.
قاطعها صوت هاتفها.
- أيوة حبيبي... لا...
بعدت عنها بعض الخطوات وأردفت:
- تعبانة أوي يا ريان والدكتور ما طمننيش لوجع بطنها وظهرها بيقول ممكن تفقدهم في أي وقت.
كان يقف بجواره، شعر بأن الأرض تميد به وأصبح قاب قوسين أو أدنى من فقدان وعيه عندما شعر بآلامها. جلس يضع رأسه بين يديه عاجزًا لا يعي ماذا يدور حوله، شعور بضعف الدنيا يحتل كيانه ورغبته في ضمها واطمئنانها.
انتهى ريان من مكالمة زوجته واتجه جالسًا بجواره.
- هتعمل إيه؟ الدكتور مش مطمن للحمل، وكمان هي لسه مصرة إنك عايش.
ابتسم عندما تخيل حالتها وهي تناطح الجميع. فجأة استمع لرنين هاتف ريان.
- خد دي مكالمة فيديو نغم هتصورها زي ما طلبت منها.
أمسك الهاتف ويديه ترتجف. وقف ينظر بهاتف ريان الذي تركه وغادر للخارج.
تتسطح على الفراش تمسك بصورته وتضمها لقلبها وتنسدل دموعها بصمت. تتحدث إلى الصورة بقلب مفطور.
- ليه محدش مصدقني إنك عايش؟
لامست صورته بأناملها الرقيقة.
- كدا ينفع يا جود؟ أنا زعلانة منك ومخصماك. قدرت تبعد عني شهر كامل حبيبي؟ طيب أنا ما وحشتكش؟
وضعت يديها على أحشائها.
- ولادك دول ذنبهم إيه؟
أزالت دموعها وأردفت:
- طيب تعالى علشان أنت وحشتني أوي، تعالى أشبع منك ومن ريحتك وبعدين اختفي تاني.
ضمت الصور لصدرها كادت أن تعتصرها. وآهة خرجت من أعماقها.
- آه يا وجع قلبي عليك يا حبيبي وأنا معرفش إيه اللي حصل معاك... آه... يا رب... الصبر من عندك يا رب.
كان يستمع إليها تكاد مقلتيها تخرج من محجريها وقلبه أوشك على التوقف من فرط ألمه عليها، انسدلت دموعه، أسرع للخارج، قابله ريان.
- رايح فين يا جواد؟
- رايحلها مستحيل أسيبها دقيقة واحدة وهي كدا.
أمسكه من ذراعيه.
- بس دي مخاطر، ما تنساش أهلك في أمان دلوقتي علشان فكروا إنك مت، ولسه ما مسكوش عمها. وسفرها للقاهرة دا ممكن يكون فيه خطر، يعني حد راقبها. شوف أنا مقتنع من اللي قاله حضرة الضابط باسم، يمسكوا بس الناس اللي بدأوا يكبروا في البلد، ويبيعوا ويشتروا في البلد بفلوسهم القذرة.
وأكمل مفسرًا:
- يعني دلوقتي أنت ميت في نظرهم، هيبدأوا يخرجوا من صمتهم ويلعبوا. في نفس الوقت أهلك بأمان. أما عن عمها مستحيل يعرف يوصلها، وإحنا مأمنينها كويس. اقعد وأنا عندي فكرة حلوة هتريحك.
نظر له عندما وصله ما يفكر به.
- لا بلاش، أنا مصر أروحلها، ويحصل اللي يحصل، أهم حاجة أروحلها حالًا.
توقف.
- زاهر قال مفيش حد شافهم هي ما قعدتش غير دقايق هناك، غير عربيات الأمن محاصرة المكان. أنا لازم أروح أطمن عليها.
أوقفه ريان.
- حازم ومدام مليكة في الطريق.
وقف يطالعه.
- أنا لازم أشوفها وأطمنها.
زفر ريان بوجع على حالته.
- عارف أن الموضوع صعب، بس خلينا متفقين إن كدا أأمنلها، وأحسن حاجة إنها معتقدة إنك عايش.
جلس عاجزًا يتمنى لو يصل إليها ويأخذها بأحضانه، يستمتع برائحتها، حقًا لقد اشتاق لها حد الموت.
عند غزل:
أمسكت نغم حقيبة يديها مقبلة رأسها.
- وأنا نص ساعة كدا هشوف الولاد وأجيلك.
ربتت على يد نغم.
- أنا كويسه، ما تشغليش بالك وزي ما قولت حازم ومليكة على وصول.
خرجت نغم وتركتها بمفردها، أمسكت الهاتف تنظر لصورهما، وجدت صورهما التي كانت بشرم الشيخ.
تذكرت باليوم التالي.
فلاش باك:
فتحت عيناها، وجدته يجلس يناظرها بنظراته العاشقة. اقترب من شفاها مقتطفًا قبلته الصباحية.
- صباح الحب يا قلبي.
رفعت أناملها على وجهه.
- صباح العشق يا حبيبي.
نزل بجسده محاوطًا خصرها.
- دا كله نوم؟ ينفع كدا تسيبيني الوقت دا كله مشتاقلك؟
وضعت يديها بخصيلاته.
- آسفة حبيبي نمت وما حسيتش بنفسي.
جذبها بقوة لأحضانه، تمنى أن يدخلها بقلبه.
بعد فترة من قبلاته الصباحية، اتجه بها للمرحاض ليتنعما بحمامهما الدافئ.
عصرًا توجها لمطعم مشهور بهذه القرية التي يستقرون بها، كان المكان هادئًا على غير عادته في فصل الصيف. تناول غدائهما، ثم اتجه وأركبها الناقة، وظل يسير لمخيم بعيدًا بمسافة قليلة.
أنزلها بهدوء محاوطًا خصرها.
- حلو ركوب الجمل؟
- جدًا يا حبيبي، تحس إنك شوية وتمسك السحاب.
قهقه عليها:
- حبيبي أنت كنتي راكبة جمل مش باراشوت.
ضحكت مثله.
- ما هو عامل زي الباراشوت برضه.
رجع مساءً بعدما زارا بعضًا من الأماكن السياحية الموجودة بالقرب منهما. قام بإشعال المدفأة، وأحضر الطعام الذي جلبوه من الخارج كان عبارة عن أنواع البيتزا التي يحبونها سويًا. أشعل الإضاءة الخافتة مع الموسيقى الهادئة.
جلس ينتظرها حتى تنهي حمامها.
بالأعلى أخرجت بدلة الرقص التي ابتاعتها اليوم من إحدى المحلات التي شاهدتها، استغلت انشغاله بالهاتف، وقامت بشرائها. ارتدتها مع لمساتها التجميلية، برسم عينيها بالكحل العربي، وأحمر شفاه ذات اللون الداكن، مع خلخالها، تاركة خصلاتها للعنان، مع رائحتها الخلابة، فقد استخدمت أفضل العطور إليها. نظرت برضا لنفسها بالمرآة، ثم اتجهت للأسفل حافية القدمين.
كان يجلس يواليها ظهره، والتفت عندما استمع لصوت خلخالها. اتسعت بؤبؤته شيئًا فشيئًا عندما رآها بتلك الطلة. بدلة رقص يقال عليها لا يوجد بها أقمشة من قطعة واحدة ومعظمها من الخيوط، تبرز جسدها الرشيق ومنحنياتها الخطرة وبياض بشرتها بسخاء تام أمام عينيه، ناهيك عن لمساتها التجميلية ورائحتها التي نفذت لرئتيه.
خطى إليها بتمهل، كانت تهبط درجات السلم الخشبي بدلالها الأنثوي، كأنها تخطو فوق قلبه الذي أصبحت نبضاته الهادرة تتخبط بين ضلوعه وكأنها تعلن ثورتها في عشقه لها، تطلبه بالكثير في ذلك الوقت.
وصلت أخيرًا إليه، ينظر إليها فقط. بدأ يدندن لها:
- *-*-*
تقابلت العيون التي أوقدت نيران العشق بقلبهما. جذبها بقوة حتى أصبحت بأحضانه. رفع أنامله يتلمس وجهها بعشق، بدأ يدندن لها:
- حبيبتي ترقص حافية القدمين.
لفحت أنفاسه الساخنة صفحة وجهها الناعم، بل شعرت بحرارته المنبعثة من جسده، عندما حاوطها بذراعيه دافنًا أنفاسه بعنقها.
- ناوية على إيه يا حبيبة جود؟
رفعت نفسها وطوقت عنقه متحدثة بدلال:
- ناوية أعيش جوزي حبيبي في سعادة محدش عاشها قبله في حياته.
اقتربت تنظر لشفتيه مرة ولعيناه مرة، رافعة يديها متحصسة ذقنه النابتة.
- ناوية أخليه ما يشوفش غير غزل بس. ناوية أخليه يمشي ووجهه ينور بسعادة الدنيا.
همست أمام شفتيه بشفاه المطلية بالأحمر الناري:
- عايزة جوزي حبيبي أسعد راجل في الدنيا دي كلها.
قالتها وخطت لهاتفه تغلق الموسيقى الهادئة وتبدلها بأغنية شعبية للرقص.
خلع شاله الملتحف به حول عنقه، وتقدم بخطواته إليها، ممسكًا هاتفه من يديها، وقام بتشغيله لأغنية الرقص. وقف أمامها رافعًا شاله مقربًا إياها إليه عندما صدحت الأغنية بالأجواء.
حاوط خـ صرها وعاقد شاله حولها واردف وهو مازال مطوق خـ صرها
- عايز أشوف إبداع مر اتي حبيبتي... ضحكت بدلال أمامه... وقامت تتحرك بخـ جل في البداية... جلس أمامها ونظـ راته تفـ ترسها
- كان جـ سدها يتما يل بر قة مع الموسيقى... مبدعة بحركاتها الأنثوية... رغم انه رأى رقـ صـاتها قبل ذلك ولكن اليوم مختلف... بحركات الاغـ راء لديها... قد مها الحافيتين تتحركان ببطئ مع صوت خلخالها بتنا غم حركاتها... تتما يل برقة أمامه.. كأنه تتما يل و تتلاعب بقلبه... بات مذهولا من حركاتها عندما نست خجلها منه وذهبت بعالم رقصها مع الموسيقى...
جنيته صغيرته تكاد تفقده عقله مثلما فقدته قلبه... جـ سدها يظـ هر أمامه بطريقتها المغـ رية مما أهلكت رو حه وخلاياه بالكامل... وقف متجها إليها عندما فقد قدرت تحمله... كانت نظراتهما متشابكتين ببعضها... ضغط على هاتفه... وقام بحملها دون أي حديث متجها بها للأريكة التي توضع بغرفة المعيشة... ابتسمت خـ جلا عندما ناظرها بنظراته الرا غبة بها... عندما خفـ ق قلبه بشده وشـ عر بجـ مرات تحـ رقه داخليا... سيّطر الخـ جل عليها وشعـ رت بقلبها كاد ان يخرج من ضلوعها من همـ ساته لها بكلمات عشقه.. وضعها على الاريكة بهدوء كأنها أغلى الجواهر لديه وضع يـ ديه على بشرتها التي تظهر أمامه بوضوح... استنشق را ئحتها التي اذا بته واشعـ لت نيـ رانه أكثر فأكثر... وضعت يـ ديها على عينيها عندما قام بتمز يق تلك التي لا تعتبر شيئا
أزاح يـ ديها ناثرا قُبـ لاته فوق عنـ قها وجـ سدها بالكامل... ليذهب بها لعالمه الخاص الذي يمتلكه وحده وليس لأحدا غيره
خرجت من ذكرياتها
وازدادت دمو عها عندما شعـ رت باشتياقها المتعب لقلبها...
❈-❈-❈
بعد شهرين ومازال الوضع كما هو
اتت نغم لتأخذها هي ومليكة لمتابعتها الشهرية..
كان يجلس بغرفة ملازمة لغرفة الكشف.. وبابها مفتوحا حتى يسمع مايقال
تسطـ حت على فراش الكشف
وقفت نغم تنظر للذي يقف بداخل الغرفة يكاد قلبه يخرج من بين ضلو عه
- الأوضاع مش تمام أوي يادكتور... فيه جنين فيهم ضعيف جدا.. أنا المرة اللي فاتت حذرتك
- بحاول أكل والله بس مش قادرة... كل حاجه برجعها يادكتورة
وقفت تنظر لها
- شكلك مش عايزة الحمل دا يادكتورة
ارتجـ ف قلبهاواضعة يـ ديها عليهما
- الحمل دا أغلى من حياتي يادكتورة
انشـ طر قلبه لصوتها الحز ين
زفرت الدكتورة من حالتها الميؤسة
- احنا دخلنا الشهر الخامس..دلوقتى لو عايزة تعرفي نوعهم ايه..
قاطعتها- لا مش عايزة أعرف...المرة الجايةأبوهم هيكون معايا إن شاءالله وقتها يبقى قولي...قالتها مع انسدال عبراتها...ضـ متها مليكة لأحـ ضانها
- اهدي يازوزو حبيبتي...احنا قولنا الزعل مش حلو وبيرفع الضغط... ساندتها مليكه وساعدتها في اعتدال ملابسها ... متجهة للمقعد... أنا تعبانة عايزة أروّح يامليكة
ضـ متها مليكة وخرجت لحازم الذي ينتظرهما بالخارج... جلست نغم أمام الطبيبة ودخل حازم بعد خروجها
- ايه يادكتورة اخبار الحمل..؟. هنا خرج جواد من الغرفة.. جحظت عيناه عندما رآه
- "جواد "أردف بها بذهول... اقترب جواد يضـ مه ويربت على ظـ هره
دفـ عه حازم بقوة
- إنت ازاي...!! اومال دفـ نا مين مكانك... وقفت الطبيبة أنا هلف على المرضى بتوعي
خرجت الطبيبة وتابعتها نغم الذي نظرت لهما
- أنا هلحق غزل ومليكة... اومأ جواد لها
- شكراً يامدام نغم
كان يقف مذهولا مما يحدث حوله... يشـ عر بصا عقة على رأ سه... لا يعي مايدار
- معقول إنت عايش... يعني تلات شهور عايشين في حزن ووجع وإنت عايش... نظـ ر للباب الذي خرجت منه غزل
- ذنبها إيه تعيش الحزن دا كله... ذنبها إيه كل ليلة تنام ودمو عها على خـ دها... لدرجة دي محدش فرق معاك... توقف عن الحديث
- صهيب كان يعرف... أشار بيـ ديه
- لا اكيد... معقول لا... ظل يرددها كالمجنون
جـ ذبه جواد وأجلسه بجواره
- اقعد ياغبي واحكيلك كل حاجه... محدش، يعرف غير ريان
- إنت اللي كنت في الشقة من اسبوعين... إنت اللي غزل شافتك وفضلت تنادي عليك وأنا فكرتها إتجننت
- ياحازم كان لازم أعمل كدا... في مهمة صعبة ولازم نعملها بدون خسارة حد فينا... باسم ابنه اتقـ تل قدامه عارف دا معناه إيه
معناه ممكن أمو ت لو حد فيكم حصله حاجة... أنا لازم احميكم لحد مانقبض، عليهم...
قطب جبينه:
- وغزل ياجواد ذنبها إيه تعيش الو جع دا وهي حامل...
دي بتمو ت قدامي كل يوم وأنا عا جز... ولا صهيب اللي عمّال يخنـ قها بتحكمه ومفكرها اتجننت علشان يفوقها من صـ دمتها... تعرف قالها إيه
ضيق عيـ ناه متسائلا
- عمل إيه صهيب... وقف حازم ونظر لخارج النافذة
- قالها هتجو زك... هـ زة عنيـ فة أصابت جـ سده مما جعلته فقد قدرته على الحركة والنطق
- صهيب قالها كدا... مـ سح حازم على وجهه بعنـ ف... الدنيا وا لعة فوق ماتتصور بينهم
هو مفكرها تحت صـ دمتها وعايز يخرجها بصدمة أكبر... وهي كر هته ومش مستحمله تشوفه قدامها
أومأ برأسه بفهم
- دلوقتي خد مليكة وأرجع القاهرة ومش هحذرك ياحازم ممنوع حد يعرف حاليا... حتى مليكة أنا هنا اسبوع وبعد كدا ريان هيكلمك ترجع هنا
-إفهم من كدا إنك هتشوف غزل...
تنهـ د بحزن يعلم أن المواجهة ستكون قا سية
❈-❈-❈
مساءا كانت تتسطح على فرا شها... وهي تبتسم من حركات أولادها دخلت العاملة بكوبا من العصير الطازج... مع بعض الفواكه
- البشمهندس حازم وصاني لازم حضرتك تاكلي الحاجات دي كلها..
اومأت برأسهاوتحدثت
- تمام يانهلة فيكي تروحي ترتاحي أنا هشرب العصير واخد شاور وأنام
ابتسمت لها العاملة
- تحبي أجهزلك الحمام..ابتسمت غزل
- متشكرة اوي...
قطبت جبينها وتسائلت
- غريبة نغم ماجتش النهارده...
أجابتها العاملة بإبتسامتها
- اتصلت من شوية أطمنت عليكي وسألت إن مليكة هانم مشيت ولالا
- تمام روحي إنتِ... بعد قليل تحركت للمرحاض بعد ماالعاملة خرجت...
بعد فترة تجلس أمام المرآة تحاول أن تجـ فف شـ عرها... ولكن جـ سدها متعبا للغاية... اتجهت للخزانة أخرجت تي شيرت يخصه مريحا لأعـ صا بها وجـ سدها... ارتدت إسدالها...جلست تؤدي فرضها من صلاة العشاء ثم اتجهت لفراشها... تمددت وأمـ سكت هاتفها مع تناولها بعض الفواكه... كانت تشاهد لبعض عمليات إستئصال الأورام... شعـ رت بحركة داخل أحشائها
- مالكم ياحبايبي النهاردة... ابتسمت وهي تملـ س على بطـ نها... شكلكم فرحانين بالشور زي مامي... ولا تكونوا بترحبوا بريحة بابي في تي شرتيه... نظرت للبعيد ثم
وضعت يـ ديها على بطـ نها
- شوفتوا بابي عمل فينا إيه... طيب أنا مشتقاله ونفسي أشوفه حالا أعمل ايه... سمعت طرقات على باب الغرفة
- قطبت جبينها وتسائلت
- معقولة نهلة لسة صاحية؟
أدخل... قالتها بصوتا متعبا... دلف بحركات بطيئة ليرى ردة فعلها... في نفس الوقت سمعت رنين هاتفها فكان المتصل نهى
أمـ سكت هاتفها تجيب نهى... ولكن سقـ ط الهاتف من يـ ديها عندما تسـ ربت رائحته لأنـ فها رفعت عيناها... تنظر لذلك الذي يقف أمامها كطفل منتظر العقاب...
اتسعت حد قتيها شيئا فشيئا.. وصدمة قوية زلـ ز لت كيـ انها... شعـ رت بر جفة شديدة بجـ سدها عندما أقـ ترب منها
ورغم ماشـ عرت به إلا أنها وقفت سريعا... أسرع إليها عندما وجدها تريد الاعتدال... جـ ثى على ركـ بتيه أمامها
ممـ سكا بوجهها حتى يتمالك من نفسه لقوة اشتياقه لها... سكنت لثواني تتأمل قسمات وجهه الجميل
رفعت أناملها تتحـ سـ س وجهه
- حبيبي إنت قدامي صح أنا مبحلمش...
ضـ مته بقوة وظلت تبكـ ي بشهـ قات مرتفعة شقـ ت قلبه لنصفين... ظلت تبكـ ي وتبكـ ي إلى أن أختفى صوت بكا ئها...وبدأت تتمـ سح به كقطة أليفة ولا تنطق سوى أحمدك وأشكر فضلك يارب
آهة وآهة من فراق حبيب ظن البعض إنه د فن ولم يعود
ولكن كيف لقلب العا شق يصدق مايُقال ومازالت نبضاته تنبض بالحياة
وضعت يـ. ديها على فـ مها لتمنع شـ هقات بكائها.. فقط تريد أن تستـ مـ تع بأحـ ضانه
فقط تريد أن تصدق إنه واقعي وليس بأحلامها الورديه
أقترب يطبع قـ بلة عميقة فوق جـ بينها المغطى بخـ صلاتها النا عمة التي تنسدل بعشوائية على وجهها... لامـ ست وجهه.. واغمضت عيناها تستـ مـ تع بشـ فتاه على جبـ ينها... حركت يـ ديها على وجهه بالكامل
كنت متأكدة إنك عايش... فكروني مجنـ ونة
هو أنا فعلا مجنـ ونة...مجنـ ونة بحبك
أقترب مقـ بلا شـ فتيها بقبـ لة عميقة.. ليبرد نـ ار اشتياقه لها... ظل يقـ بلها لوقت طويل... طو قت عنـ قه... وبادلته جنو نها القا سي في عشقها. له بدأت تعاقبه بشر اسة بقُبـ لتها له..
ثم دفـ عته بعيدا عنها عندما أستعادت وعيها من إشتياقها
شهـ قات خا فتة انفلتت منها عندما وجدت نفسها ابتعدت عنه... جلس بجوارها ضـ امما إياها لجـ سده... وضع ذ قنه على رأ سها
كان مايؤ رق رو حه أكثر مواجهتها بعد غيابه... رغم اشتيا قه الجارف لها ولكن قلبه يأن أحتر اقا لرؤيته لها بهذا الحال
- حبيبي وحشتيني فوق إحتمال قوة البشر... عارف إنك زعلانة مني...تنـ هد بحزن
- ليكي حق ياقلبي... ولو عايزة تضر بيني وتطـ رديني مش هقولك لا... رفع ذ قنها ناظرا لتر انيمها المقدسة لقلبه
- صدقيني غصب عني... كان لازم أعمل كدا
مطت شـ فتاها بحزن ونظرت للأسفل وتحدثت بصوتا حزينا
- أنا كنت بمو ت كل يوم... وحضرتك عا يش ومش قادر تطمن رو حي... كل يوم أصبّر نفسي وأقول هيجي النهاردة... وأستناك
رفعت عيناها وتلا قت بعيناه
- كنت قا سي أوي ياجواد... كنت قا سي كعادتك معايا... انسـ دلت عبر اتها تحـ رق وجنـ تيها
- عندك حق تعمل أكتر من كدا... ماإنت سبتني قبل كدا أكتر من أربع سنين... ايه يعني لما أعملها تاني كام شهر وأو جع قلبها تاني..
انتفـ ض قلبه وجعا وألما من كلاماتها وبدأت دقاته في التفا ني عندما حكمت عليه.. ورغم ماشـ عر بها إلا أن دمو عها تكـ وي قلبه
- "غزل " خرج اسمها من بين شـ فتيه بنبرة مثـ يرة مستمـ تع بنطقها... رفع وجهها بين را حتيه ينظر لعيناها مقـ بّلا خـ ديها... مقتربا من شفـ تيها
- أنا كنت بتعـ ذ ب أكتر منك حبيبي... كنت بتمنى اسمع إسمي بس منهم... قالها وهو يلمـ س شفـ اها... اقترب أكثر
- وحشتيني لدرجة خايف عليكي مني... قالها مغمضا عينيه وهو يد فن أنفا سه بعنـ قها مقـ بله بهدوء طا غي لرو حها
كانت تر تجف بين أحـ ضانه... حب، ست أنفا سها وأرتفعت دقات قلبها التي كادت تشق صـ درها... أغمضت عيناها تحمد ربها على وجوده بجانبها أولا... تستـ مـ تع بلمـ ساته وهمـ ساته بعشقه لها...
ورغم اشتياقها الجارف له وتمنيها سحق نفسها بداخل أحضانه، إلا أنها استدارت ووضعت رأسها على الوسادة أخيرًا وهي تبكي من السعادة وتبتسم من وجوده، وأقسمت لتعاقبه عقابًا شديدًا.
ضمها لأحضانه يهمس بجانب أذنيها:
"إنسي ياروحي اللي بتفكري فيه... مستحيل تبعدي ولا لحظة عني..."
اقشعر جسدها من أنفاسه الحارة التي ضربت بشرة عنقها عندما رفع خصلاتها دافنًا وجهه يرويها بوابل قبلاته العاشقة.
التفتت له عندما جذبها لوجهه، نظرت بعينين تقطر دموعًا ووجعًا من غيابه.
زفرة خافتة خرجت من جوفه:
"بعد ما سبتك اتحاصرنا، في الوقت اللي بنحاول نقبض عليهم هم حاصرونا... كان فيه منهم قدام حضانة حمزة ابن باسم... خطفوه ليومين وفي الآخر رجعوه لأبوه مقتول."
وضعت يديها على فمها من الصدمة.
"باسم اتصل قبل ما نروح للدكتورة... وعرفت إن حمزة مات والناس دي ميتلعبش معها... عارف إننا جهاز كبير بس إنتِ متعرفيش بتحاربي مين بالضبط..."
استنشق بعض الهواء يملأ رئتيه.
"شكل الولد وهو غرقان بدمه وجعني أوي، ذنبه إيه... لو تشوفي حالة باسم وقتها..."
انسدلت دموعه على وجنتيه.
"لما اتحاصرنا وإنت بين أيدي مافكرتش في غير حاجة واحدة، أكيد إنهم هيروحوا لأهلي... ويموتوكي..."
جذبها يضمها بقوة كأنها أصابها شيء.
أخرجها من أحضانه.
"وبالفعل كان فيه عربية عند الفيلا... وحصل هجوم بين الفريقين والشرطة ادخلت والحمد لله عرفوا يسيطروا... وخليت سيف ياخد بابا وماما ومليكة ونهى للفيوم... مفيش قدامي غير صهيب وحازم اللي بقالي فترة بعلمهم إزاي يأمنوا نفسهم كويس ويتدربوا... غير الحراسة."
"عمك قطع شريانه ونقلوه للمستشفى وهرب من هناك... خارج علشان ينتقم وياخد حقه..."
لمس وجنتيها وتحدث:
"عمك كان شغال مع مهربين آثار وتجار أسلحة وغسيل أموال... ساعدوه وعرف يهرب واللي كنت خايف منه حصل... راقبنا وعرف مكانا وبعت اللي يقدر يحاصرنا... اتصلت بريان ماكنش قدامي حد بعيد عن عمك مايعرفوش... وإحنا حاولنا نخرج من الحرب اللي كانت بين المافيا وبين الشرطة."
"باسم قالي اركب العربية وادخل من طريق النيل... وكانت دي خطة إنهم يضربوا عربيتي أو يفجروها في الوقت اللي قبل طريق النيل في الإشارة... لقيت عربيتي اتفتحت وواحد من ضباط المخابرات خرجني وركب واحد تاني وخرجنا في إشارة مرور... ده ما اخدش غير دقيقة بالضبط... كان فيه أكتر من ثلاث عربيات محاصريني... يعني كنا مخططين لكل حاجة... وفعلاً ضربوا العربية واتفجرت ووقعت في النيل."
"والباقي إنتِ تعرفيه."
"ليه ما اتصلتش يا جواد بيا... أربع شهور ولا مرة قدرت... ولا بابا حسين ما صعبش عليك؟"
مسك وجهها بين يديه:
"ماكنش ينفع تليفوناتكوا ماكناش نعرف مترقابة ولا لأ... أخدنا احتياطاتنا... بعد شهر من الحادثة... فعلاً خرجوا وبدأوا يشتغلوا تاني."
"مسكنا الكتير منهم بس لسه اتنين وعمك... دول قربنا نوصلهم يعني خلاص."
"المخابرات مش ساكتة وإحنا كمان."
"وإشاعة موتك فادتهم بإيه؟"
ابتسم يملس على شعرها:
"رجعت سينا يا قلبي علشان ده مكان الخطر كله... فكان لازم أصطادهم واحد واحد وهم مفكريني إني مِت وبدأوا يشتغلوا براحتهم."
"بس ماكنش بيعدي يوم واحد من غير ما أشوفك وأسمع صوتك..."
اقترب وقبلها بقبلاته العاشقة.
"لسه زعلانة يا أم عيالي؟"
فجأة ضحكت بصوت مرتفع مفزوعة من مكانها.
أمسكت يديه ووضعتها على بطنها:
"شوف العيال دول بيعملوا إيه... من ساعة ما رجعت من عند الدكتور ما سكتوش."
ابتسم عندما شعر بحركاتهما تحت يديه:
"عاملين إيه يا حبايب بابي... مين فيكم الوحش الضعيف اللي ما بياكلش كويس؟"
برقت عيناها من كلماته.
"كنت هناك..."
رفع تي شيرته الخاص الذي ترتديه وقبل بطنها.
"كل كشف بكون هناك... وأنا اللي بحجزلك..."
رفعت أناملها أخيرًا على وجهه.
واقتربت تقبله برقة... تولى قبلتها وهو يلتهب بنيران اشتياقه الجارف لها... ليأخذها مرحبًا بجنان الخلد الخاصة بهما وحدهما.
بعد فترة، كانت تجلس بأحضانه يطعمها الفواكه وهو يضمها بقوة لأحضانه.
"إيه موضوعك إنتِ وصهيب ده؟"
توقفت عن الطعام.
"ولا حاجة... صهيب وإنت عارف هزاره التقيل... بس وربي لأعلمه الأدب... ده مفكرني اتجننت..."
ولكنها توقفت فجأة.
"هو كان يعرف إنك عايش... ده عاملي كبير عيلة."
وضع الموز بفمها:
"لسه حازم قايلي النهاردة... ما تزعليش منه هو كان خايف عليكي لتكوني اتجننتي فعلاً يا حبي..."
نظر إليها ودقات قلبه بالارتفاع.
"بحبك بجنون وحبيتك أكتر لما عرفت اللي عملتيه في صهيب."
وضع جبينه فوق جبينها.
"لدرجة دي ثقتك إني عايش؟"
لامست وجهه وقبلت خديه:
"العشق بنبض القلوب يا حبيبي... وطول ما قلبي بينبض بإسمك إنت عايش ومحاوطني بأمانك."
"إيه الجمال ده... التي شيرت مخليكي قمر."
ضحكت عليه بأصوات مرتفعة.
"لا والله يعني هو حلو وأنا لا!"
اعتدلت على ركبتيها الذي يصل آخر لبسها فأظهرت سيقانها أمامه واضعة يديها بخصرها.
"هو فعلاً اللي حلو علشان بتاعك وفيه ريحتك اللي بتريح أعصابي."
"غزل اسكتي مش هسألك تاني على حاجة... عايز ولادي يجوا بالسلامة."
تحركت أناملها بخفة على ملامح وجهه التي تعشقها ثم رفعت وجهه مضيقة عيناها.
"مش فاهمة تقصد إيه؟"
ظل ينظر إليها بنيران اشتياقه لها، تمركزت عيناه على شفاها وهي تتحدث تمنى لو يسحقها... تمنى أن يقضي ليلته معها للصباح كما كان يفعل.
اقترب ولمس كرزيتها المغرية لقلبه.
"قصدي إنك وحشاني لدرجة مخلياني خايف على الولاد..."
نامت على كتفه عندما فهمت ما يشير إليه... ممسكة بيديه التي وضعتها على أحشائها.
"إنتوا بترحبوا ببابي يا حبايب قلبي!"
تلاقت عيناه بعيناها وارتجفت شفتيه ونطق:
"بابي"... رغم إنها من أربعة حروف خفيفة إلا أن واقعها على القلب أشد وأشد.
حملها وهو يطلق ضحكاته بصخب من فرحته.
"وحياة بابي يا حلوين لأخلي بابي يحميكم إنتوا ومامي..."
أطلقت ضحكاتها التي أنارت وجهها وتحدثت بدلال:
"ده بابي بيتلكك علشان عايز يعوم مع مامي... بس ما تخافش البانيو هنا واسع أوي يعني هياخدنا إحنا الأربعة."
وقف ونظر لها:
"نعم يا أختي أربعة مين... هم المفاعيص دول هيدخلوا البانيو معانا... دي وهما جوا علشان بس أدلل مامي حبيبة قلبي."
"جودي حبيبي... ولادي هيستحموا كل مرة معايا في البانيو واللي عجبه يا مرحبتين واللي مش عجبه..."
رفع حاجبه:
"يعمل إيه يا مامي؟"
"يعمل عريس زي زمان."
"وحياتك بابي بيندم ونفسه في ليلة من بتوع زمان والقمصان اللي كانت بتنزل في الأرض زي الرز."
ضمها لصدره وهو يبتسم بوجهها.
"تسلملي روحي وضحكتها اللي نورت وجهها."
"بقولك ما فيش رقصة من بتوع زمان؟"
طوقت عنقه واقتربت ترفع حاجبها كالأطفال:
"كان عندنا وخلص يا حبيبي."
"لا يا حبي طول ما إنتِ موجودة عمره ما يخلص... اصبري بس لما تجيبي الحلوين حبايب مامي دول... وبعد كده نشوف غيرهم."
ظلت تناظره بحب وترسم ملامح وجهه بقلبها... هذا الرجل يعني لها أكسيد الحياة.
كيف ستعيش إذا أصابه مكروه... هنا أغمضت عيناها بألم... مجرد تخيلها...
أنزلها ومازال محاصر خصرها وهي تطالع ملامحه القريبة لها... كان منشغلاً بوضع سائل الاستحمام وتشغيل المياه... اتجه بنظره وجدها تطالعه.
ابتسم وأردف مشاكسًا:
"عارف نفسي حلو أوي."
وضعت رأسها في صدره وتنهدت تتمنى ألا تخرج من أحضانه.
"أوي يا جواد... إنت أحسن راجل شافته عينيا حبيبي..."
خرجت من أحضانه:
"ربنا ما يحرمني منك أبدًا..."
لمست وجهه بحب:
"أنا مش محتاجة من الدنيا دي غير حضنك ليا وأمانك اللي محوطني..."
انسدلت دمعة من عيناها وطالعته:
"اوعدني هتخاف على نفسك علشاني يا جواد... أوعدني قبل ما تعمل حاجة فيها خطر على حياتك..."
"تفتكر حبيبتك هتقدرش تتنفس من غيرك؟"
ظل ينظر لها بصمت... ملامحها الحزينة تصفعه بقوة... اليوم فقط كره عمله الذي يعشقه... اليوم فقط تمنى أنه لم يعمل بهذا المجال... اليوم فقط تمنى أن ينفصل عن كل شيء سواها هي.
ضم وجهها بين راحتيه وأردف بصوت مبحوح بالمشاعر:
"أنا عايش وبتنفس علشانك إنتِ وبس... حياتي كلها قبل ما أتجوزك ماكنتش حياة... اعتبري أنا اتولدت من يوم ما اتكتبتي على اسمي... من يوم ما جيتي وقولتي إنك بتحبيني... وقتها بس بقيت أعد كل دقيقة في عمري... وقتها وأنا حسيت إن كل دقيقة معاكي تساوي عمر وأنا بعيد عنك... عمري ما عرفت معنى الخوف إلا لما بقى ده بينبضلك... بقيت أخاف إن ساعة واحدة تعدي بعيد عنك... بقيت أحسب اليوم بالثواني قبل الساعات وأندم عن أيام وإنتِ بعيدة عني."
ضم وجهها مقبلاً خديها مردفًا:
"علشان غزالتي مستعد أضحي بعمري علشان أسعدها."
أردفت بصوت باكٍ كلما تذكرت أيامها بدونه:
"وإزاي غزالتك تعيش وتلاقي السعادة وإنت بعيد عنها؟"
"إزاي هتكون غزالتك وإنت بتضحي بعمرك... هيكون فايدتها إيه وإنت واخد روحها معاك؟"
في فيلا المنشاوي:
تجلس بأحضانه وهي تضحك بصوت صاخب على كلماته:
"والله يا ريان هتفضل منحرف طول عمرك."
رفع حاجبه بتهكم:
"والانحراف وحش يا روحي..."
اقترب وهمس أمام شفتيها:
"نسيتي دروسي يا حبي... اللي كنتي بتستنيها وبتعدي الوقت علشان تاخديها؟"
دفعته حتى سقط على الفراش:
"تصدق والله إنت رخم... وكنت مدرس فاشل."
قهقه عليها بصوته الرجولي:
"أيوة عارف يا حبي مدرس فاشل... بدليل الرقص والقمصان المتقطعة..."
جذبها بشدة من خصرها.
"يا قلبي ده إنتِ عندك ثلاث ولاد والرابع جاي في السكة... لما أنا فاشل الناجح إيه؟"
جلست على ركبتيها أمامه:
"عارف إمتى هتكون ناجح يا حبيبي... لما أخلف بنت... غير كده إنت فاشل."
دفعها على الفراش حتى سقطت على ظهرها وظلت تضحك... نظر لها وعيناه كلها رغبة بها.
"بقالي يومين يا نغومتي بتباتي بعيد عني وده مش كويس لصحتي."
قطع حديثه طرقات على باب الغرفة.
اعتدل ناظرًا لغزل حتى ترتدي ملابسها.
حمحم ثم أردف بصوت متزن:
"ادخل."
دخل بيجاد وهو ينظر بالأرض:
"بابا لو سمحت عايز أتكلم معاك في موضوع..."
ارتدت نغم مأزرها الطويل... واتجهت له:
"مالك يا بيجو... زعلان ليه؟"
"سيبنا لوحدنا يا نغم... روحي شوفي حمزة."
ناظرته ثم اتجهت لبيجاد وتحدثت:
"بس هو..."
نظر لها نظرات فهمتها وخرجت متجهة لولدها الآخر.
اتجه بيجاد عندما أشار والده بالجلوس.
"قول يا حبيبي... سامعك."
"أنا النهارده عملت مشكلة في الكلاس يا داد."
"ليه يا بيجاد؟" أردف بها بهدوء.
نظر بأسفًا في الأرض:
"حضرتك يا بابا علمتنا..."
آية المنافق: إذا حدّث كذَب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتُمن خان، وإذا خاصم فجر.
رفع نظره لوالده وبدأ يقص عليه:
"النهاردة زميلي عمل حاجة غلط في زميله اللي مخاصمه... وطلب مني أعمل زيه لأنه ما بيحبوش."
استمع لولده باهتمام:
"كمل حبيبي."
"الميس جت وعملت بانش للكلاس كله. أنا وقفت وقلت على اللي حصل. لكن زميلي كذّبني وقال أنا كذاب... وبدأ يقول كلام باد عليا يا بابي... فأنا اتضايقت وضربته."
ضمه ريان بأحضانه:
"أولًا إنت ما غلطتش إنك قولت الحق... لكن يا حبيبي غلط لما ضربته... هو إحنا بلطجية يا بيجو؟ يرضيك يجي التيتشر بتاعك يقول باباه ما عرفش يربيه؟"
نظر للأرض بحزن:
"آسف بابي... هو استفزني وكان عايزني أكذب وأخاصم زميلي وأعمل فيه حاجات باد."
ضم وجهه بين راحتيه:
"إنت قولت للميس اللي هو طلبه؟"
هز رأسه بلا:
"ما ينفعش بابي أقوله حاجة، دي نميمة... مامي قالت ما ينفعش ننقل كلام مش كويس على صحابنا... أنا بس قلت ما حصلش لما قال للميس إن بيجاد شاف."
"برافو عليك حبيبي... وأي حاجة تحصل بعد كده تيجي وتقولي، وأنا هاكلم الميس وأعرف الموضوع."
نظر لوالده وتحدث:
"لو سمحت يا بابا أنا مش صغير علشان تيجي وتشكي للميس... أنا بس حبيت أعرف حضرتك المشكلة وإزاي أنا اتعاملت معها.. وعلى العموم أنا اعتذرت لصديقي.. بس ما عدتش هصاحبه تاني لأنه طلع مش كويس."
ابتسم لولده واضعًا يديه بخصلاته الغزيرة:
"يعني كبرت يا أستاذ ومش عايز بابا يساعدك، تمام."
في غرفة صهيب بالقاهرة، يجلس بالشرفة يتناول قهوته والحزن يخيم على وجهه. أتت وجلست بجواره تربت على ظهره:
"هتفضل لحد إمتى كده يا صهيب؟"
تنهد بوجع وحزن آن واحد متوجهًا لها:
"أنا حاسس إني بقيت يتيم يا نهى... ظهري اتكسر بدري أوي... الزمن غدر بيا بوجع مش هقدر أشفى منه."
جلست على عقبيها أمامه ممسكة بوجهه:
"ليه بتقول كده يا حبيبي... أنا عارفة مصيبتنا كبيرة... بس ربنا ما فيش أحن منه."
صمتت هنيهة وأردفت:
"صهيب هو إنتوا دفنتوا جواد فعلًا... يعني شوفته؟"
مسح على وجهه مرجعًا خصلاته للخلف:
"ما حدش رضي نكشف وشه... وكمان..."
وقف فجأة وبدأ يدور حول نفسه:
"أنا إزاي حاجة زي دي تفوتني... أيوه صح... مستحيل يكون هو."
وقف وقام بتغيير ملابسه سريعًا. اتجهت له نهى وتساءلت:
"رايح فين يا حبيبي دلوقتي؟"
"رايح إسكندرية ضروري... غزل عندها سر اختفاء جواد."
قطبت جبينها وتساءلت:
"سر اختفاء جواد... صهيب إنت خرفت؟ هو جواد..."
قاطعها:
"فيه حاجة غلط ودي لتكون عند غزل يا إما عند باسم اللي ما حدش يعرف عنه حاجة هو كمان."
"يعني هتروح إسكندرية الساعة اثنا عشر يا صهيب؟"
"نهى لازم أمشي... لو اللي بأفكر فيه صح... صدقيني عمري ما هاسامحه... لو عرفت إنه عايش وسايبني كده."
أمسكت يديه:
"حبيبي ما تنساش خناقتك مع غزل... وكمان عمها اللي ما حدش يعرف عنه حاجة... اهدأ وبلاش تتهور."
تحرك مغادرًا:
"لازم أروح... وبعدين ما تخافيش هاخد بالي كويس."
أوقفته:
"صهيب غزل مش عايزة تشوفك بلاش تسبب في أزمة نفسية وهي حامل."
ملس خدها:
"حبيبتي ما تخافيش أنا هأعرف أتصرف وأشوفها برضه عاملة إزاي بعد ما بقت بطيخة."
أمام فيلا الألفي ببعض الكيلومترات تقف سيارة موازية لمدخل الفيلا. رآها صهيب ورغم ذلك تحرك مغادرًا إلى المطار.
في فيلا حازم:
"حازم ليه سبنا غزل في الظروف دي لوحدها؟"
أجابها وهو ينظر لجهازه المحمول:
"عندي اجتماع مهم الأسبوع دا ومدام نغم عايزة تاخدها عندها أهو تغير جو... بتقول ولادها بيحبوها وهي ارتبطت بيهم."
في غرفة حسين، جلس يقرأ آيات الذكر الحكيم. رن هاتفه برسالة عبر الإنترنت:
"بابا حبيبي عامل إيه... بطلك بخير."
ابتسم باشتياق لولده البكري. دعا له:
"ربنا يحميك يا ابني إنت وكل اللي زيك... وما يحرمنيش منك... يا رب هو اللي يدفني مش أنا اللي أدفنه. ربي عبدك ضعيف على ابتلائه فهونه عليه."
في شقة غزل، تنام بأحضانه بعمق. يطوقها بذراعيه ممسًا على وجهها وينظر لها ويحترق داخليًا كلما تذكر حديث صهيب لها:
"يا ترى ليه قولت كده يا صهيب لغزل."
حاول التنفس عندما شعر بالاختناق لمجرد الفكرة نفسها. تألمت بنومها. علم إنها لم تستطع النوم بهدوء بسبب حملها. جلس متكئًا بظهره للتخت جاذبًا إياها لساقيه لتنام بعمق على جنبها اليمين مربتًا على خصلاتها حتى تتعمق بهدوء نومها. ولكن كيف لها أن تنام وبداخلها معركة محببة لقلبها. فتحت عينيها عندما تحركا الطفلان بداخلها. وضعت يديها على بطنها حتى يهدأ من حركاتهما. رفع يديها مقبلًا:
"تعبينك حبيبتي مش قادرة تنامي؟"
"أوي يا جواد كل ما أنام على جنب يتحركوا... نفسي أنام بنعيم زي زمان... ما أعرفش مالهم النهارده أول مرة يتحركوا كده."
وضع يديه فوق يديها على أحشائها:
"طبيعي يا حبيبي كل ما يكبروا عايزين يتحركوا والمكان ضيق... هانت أهو باقي أربع شهور."
أغمضت عيناها وتحدثت وهي ما بين النوم واليقظة:
"لسه هاستنى ده كله؟"
ضحك عليها ثم أنزل بجسده ملتقطًا شفاها:
"هيعدوا سريعًا ما تخافيش... وأنا مش هأسيبك بعد كده... أسبوع واحد بس وهرجعلك."
حاولت الاعتدال ولكنها لم تقو. ساعدها حتى اعتدلت وجلست بجواره:
"أسبوع كتير أوي يا حبيبي... أنا محتاجاك."
ضمها لصدره:
"حاولي تستحمليني الأسبوع ده كمان."
ناظرها بحزن لتعب حملها:
"تعبانة أوي حبيبي."
هزت رأسها بلا. وضعت رأسها على كتفه:
"حمل التوأم كده... هو مقرف... بس بعد كده لما تشوفهم قد
رواية تمرد عاشق الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم سيلا وليد
في فيلا عمر المصري
تجلس مرام مع ابنتيها سيلا وماسة، سيلا التي تبلغ من العمر سبع سنوات وماسة أربعة. كانت تقوم بتعليمهما الرسم.
سيلا: مامي شوفي الرسمة كدا صح... أنا عايزة الميس تكون مبسوطة مني.
قبّلت مرام خديها.
مرام: الله عليكي يا سيلو، جميلة يا روح مامي... بس هتكون أروع لو حاولنا ننظم الألوان شوية. حبيبة مامي هتلاقي الجمال والرونق أجمل... تمام يا حبيبتي.
سيلا: حاضر مامي فهمت قصدك. مينفعش أحط الدارك (غامق) مع اللايت (خفيف).. حضرتك تقصدي كدا.
أجلستها مرام بجوارها.
مرام: بالضبط حبيبتي بس فيه ساعات رسومات لازم نضيف عليها الاتنين... بس هنا إحنا مش محتاجين ألوان كتير.
سيلا: يعني البحر... كفاية لون المية بلو (أزرق).
مرام: ليه نحط أزرق غامق يا حبي مع أزرق فاتح. الميه لونها بيكون واحد بس. برضه الشمس... ليه مدخلة الأحمر مع الأصفر ممكن نحط لون أصفر كفاية.
قبّلت سيلا خديها.
سيلا: فهمتك مامي أكيد هعمل كدا.
توجهت سيلا لماسة التي قامت بتقطيع ورقات الرسم.
ماسة: أوف مامي أنا محبش رسم... أنا أحب أرقص باليه.
دخل عمر في هذه الأثناء وهو يضحك عليها. قبّل رأس مرام، متجهًا لبناته وقبّل خديهما.
عمر: زعلانة ليه يا ماستي.
أسرعت ماسة تجلس على ساقيه.
ماسة: بابي فين الشيكولاتة بتاعة ماسة حبيبة بابي.
في فيلا الألفي
دلفت المرحاض وهي تقوم باستفراغ ما في معدتها فهي منذ يومين لا تستطيع قبول الطعام. جلست بأرضية المرحاض وقطرات العرق تغزو وجهها. سمعت بكاء طفلها ولكنها لم تقوَ على الوقوف. أمسكت الهاتف الخاص بالحمام.
نهى: مليكة... تعاليلي أنا تعبانة.
كانت تنام تنعم بأحضان حازم فمنذ فترة طويلة والحزن خيم على قلوبهم. اليوم فقط استطاع كبت حزنه بعدما رآه أمامه. فجواد يمثل له الأخ والصديق والحبيب وكل ما يملك بعد والده.
وقفت مليكة ترتدي ملابسها سريعًا. نظر لها حازم مردفًا.
حازم: فيه حاجة... ماما نجاة كويسة؟
ارتدت مليكة حجابها بعشوائية.
مليكة: نهى تعبانة أوي وصهيب مش هنا.
قطب حازم جبينه وتساءل.
حازم: راح فين صهيب الساعة ثلاثة دلوقتي؟ معقول لسة بره؟
وقفت مليكة على باب الغرفة.
مليكة: راح إسكندرية.
هبّ حازم من نومه وتساءل مفزعًا.
حازم: راح فين... وليه معرفتنيش؟
استغربت مليكة رد فعله ورغم ذلك أجبته.
مليكة: راح يصالح غزل يا حازم... مالك فيه إيه؟
حازم: مفيش حبيبتي... روحي شوفي نهى لو احتاجت دكتور عرفيني.
وقف حازم سريعًا متجهًا لمرحاضه. بعد قليل خرج وأمسك هاتفه.
في الإسكندرية
جلس مطوقًا جسدها بين ذراعيه حتى أصبحت بأحضانه كأنها طفلة يحملها والدها. ممسدًا على خصلاتها الحريرية. يحفر ملامحها كرسام يبدع بفنه برسمها كطلة مبهرة للعيون. لمس شفتيها التي مهما ارتوى منهما لكنه يشعر بالظمأ. أغمض عيناه عندما تذكر أول قُبلاته لها. فكان شعوره كشعور أم حُرمت من نعمة الأطفال لسنوات عديدة... ولكن لحكمة ربها ورحمته بها أنعمها بطفلها بين يديها. تعلمون كيف كان الشعور حينئذ.
ابتسم لذكرياته مع جنيته في أول لقاء حميمي بينهما... وكيف كانت طفلة خجلة... امرأة عاشقة بين يديه. ظل يتراجع بذكرياته السعيدة التي اعتبرها ميلاده. تألمت مرة أخرى بنومها. تمنى أن يخطف آلامها ليشعرها بنعيم راحتها فقط. قام بإعتدالها للجانب الآخر عندما علم أنها غير هنيئة بنومها. استمع لرنين هاتفها بجواره.
صوت من الهاتف: صهيب جه تحت وبيسأل على حازم.
قطب جواد جبينه وتساءل.
جواد: جي دلوقتي ليه خير... زفر بضيق. تمام خليه يطلع أتأكد مفيش حد وراه.
أجابه زاهر على الجانب الآخر.
زاهر: تمام متخافش... واخد بالي هو ركب كذا وسيلة عمل حسابه يعني محدش وراه.
استمع لطرقات الباب.
جواد: حبيبتي هشوف حاجة بره وجايلك متخافيش.
هزت رأسها وما زالت بين اليقظة والنوم.
جواد: زوزو حبيبتي صهيب جه بره هشوفه وارجعلك... مقدرش أبعد عنك.
اقترب وهمس بخفوت لتعيد لنومها.
جواد: جود حبيبك مستحيل يبعد عن غزالته، نامي دلوقتي يا حبي.
قبّل جبينها. ثم خرج للباب عندما قامت العاملة بفتح الباب وتفاجأت بوجود صهيب. أشار جواد لها بدخوله. فتح الباب الذي ظهر منه صهيب.
صهيب: معلش يا نهلة صحيتك... حازم نايم ولا...
ولكن قطع حديثه عندما وجد جواد يقف أمامه يضع يديه بجيب بنطاله. رعشة عنيفة أصابت جسده بالكامل... بل هزة جعلته غير قادر على الحركة أو النطق. ظل ينظر له لبعض اللحظات كأنه يحاول استيعاب ما يرى ويتأكد إنه حقيقة أم خُيل له. قاطع نظراتهما لبعض رنين هاتف غزل.
جواد: نهلة.
أردف بها جواد.
جواد: هاتي فون الدكتورة.
هنا فاق صهيب وعلم ما يراه حقيقة. هنا كأنه تلقى صفعة بقوة على وجهه. اقترب بخطى سلحفية وهو ينظر لجواد الذي كان يناظره بهدوء.
صهيب: أنت فعلاً... أيوة أنا مبتوهمش.
اقترب حتى وقف أمامه لم يفصل بينهما إنشًا واحدًا. رفع يديه... يلمس أكتافه حتى يتأكد بما سمعه ورآه. جذبه جواد بقوة إلى صدره يربت عليه.
جواد: صهيب أنا جواد.
لحظات من الذهول بصدمة جعلته غير مدرك ما يدور حوله. جواد عايش؟ كيف؟ هو يقف أمامه؟ تراجع للخلف وعيناه تحاصر أخيه يردد.
صهيب: عايش؟ أنت عايش؟
قالها باكيًا ولم يعد لديه قوة لتحمله... لقد عاش الفقدان ثلاث مرات... تمنى أنه لا يفقد مرة أخرى. ضمه جواد بقوة عندما شعر بما يشعر.
جواد: بس يلا أنت بتعيط زي الستات ليه كدا.
خرج صهيب يمسح دموعه. تراجع للخلف مبتعدًا عنه لا يعلم كيف ينظر له.
هل نظرة اشتياقًا...!! أم نظرة عتابًا!!
عقله يعمل بكل الاتجاهات حتى شعر إنه سيسحب للهاوية. رفع أنظاره له أخيرًا بعيون معاتبة وتحدث:
صهيب: ليه؟!! ليه تعمل فيا كدا؟ ليه تكون عايش وتموت كل اللي حواليك؟
توقف لحظة.
صهيب: يعني غزل تعرف إنك عايش؟
هز جواد رأسه وتحدث بيقين.
جواد: أيوه هي تعرف.
قاطعه جواد.
جواد: محدش كان يعرف غير ريان.. وحازم لسة عارف النهارده هو وبابا.
ألجمته الصدمة حتى فقد النطق، توقف بروح شاحبة، وردد بينه وبين نفسه.
صهيب: حازم وبابا عارفين.
اقترب منه جواد، ولكنه دفعه بقوة يلكُمه بصدره. رغم تدرب جواد إلا أن لكمته أرجعته بعض الخطوات.
رمقه صهيب شزرًا وابتسم بتهكم.
صهيب: ليك عين تتكلم.
رفع سبابته عندما حاول جواد الحديث.
صهيب: اخرس يا جواد... مش عايز أسمع صوتك.
وضع يديه يمسح وجهه يحاول استيعاب ما يحدث ناظره بعتاب.
صهيب: أنا كنت بموت كل دقيقة... وأنت عايش... خلتني أشعر باليُتم وأنت عايش... أنت تعرف حسيت بإيه... حسيت إن ضهري اتكسر وبقى مكشوف للي عايز يدبحني... حسيت إني وحيد في الدنيا... حسيت إن حد بيخنق فيا ومش قادر أتنفس. ليه؟ ليه تعمل كدا؟
أردف بها بصياح. دار حول نفسه كالمجنون.
صهيب: أنا كنت مفكر مراتك اللي اتجننت وأنا اللي طلعت مجنون... أنا قولتلها هتجوزك علشان أمانة أخويا.
مسح على وجهه بعنف كأنه يقتلع جلده من وجهه... وصرخ بصوت مرتفع.
صهيب: ليه يا جواد كنت بتموت أخوك وأنت عايش... ده أنا اللي موت معاك... أنا اللي موت... أنا اللي دايمًا أخسر حبايبي... يا ريتني كنت موت بجد ولا حسيت بشعور فقدانك... شعور مُميت للروح... شعور بيخليك عايز تموت علشان ترتاح من قوة الألم.
جذبه جواد لأحضانه عندما رأى انهياره بهذا الشكل... لم يكن يعلم وصوله لهذه الحالة وظل يربت على ظهره.
جواد: أنا آسف مكنش قصدي أزعل ولا أحزن حد... كنت عايز أحميكم.
قطب صهيب ما بين حاجبيه.
صهيب: آسف!! تحمينا!! من إيه؟ وإيه الحماية وأنت مش في وسطينا؟
ركل المنضدة بأقدامه وصرخ كالمجنون.
صهيب: يا أخي بقولك أنا قولت لمراتك هتجوزك... بتقولي حماية... فين الحماية دي ومراتك في حتة وأبوك في حتة وأنا تايه بين الكل. فين الحماية دي وسيف ماشي ضايع حاسس إنه مش عايش... حاسس إنه وحيد... فين الحماية ومراتك كل ليلة نايمة بتتألم لوحدها مبتلاقيش اللي بيساعدها حتى تدخل الحمام... فين حمايتك يا حضرة الضابط؟
ضرب على صدره.
صهيب: فين حمايتك وأنا قلبي نار بتحرق فيه كل ما أفتكر إني معدتش هشوفك ولا أسمع صوتك.
اقترب ووقف ينظر بداخل مقلتيه.
صهيب: فين حمايتك وأمك بتقول لمراتك أنا بشوف فيكي ابني...
تساقطت دموعه بغزارة.
صهيب: فين حمايتك وأمي بتقولي متخليش مراته تمشي علشان أشم ريحته حواليا. أنا كنت بدفن واحد غريب وجسمي كله بيوجع عليه ومعرفش إن أخويا عايش وسايبنا كلنا نتعذب... كنت بروح أقعد على قبرك.. ابتسم باستخفاف قصدي قبر اللي دفنته وأبكي... كنت مستعد أدفع عمري وأشوفك قدامي بس وتقولي بتعيط ليه يلا. فين حمايتك دي وأنا كل يوم أرجع البيت وأبص على بيتك كأني شايفك في البلكون وأنت بتشرب قهوتك وبتقولي عامل إيه يا حضرة الدكتور. فين حمايتك وإحنا كل يوم الصبح نقعد نبص على كرسيك أنت ومراتك ودموعنا تنزل بصمت ونحاول نضحك علشان ما نوجعش قلب أمك وأبوك. أنت فاهم معنى الحماية غلط يا حضرة الضابط...
اقترب ووضع يديه على أكتفه.
صهيب: الحماية إني أشعر بالأمان وكل اللي حواليا موجود... الحماية هي السعادة بذات نفسها، وأنت بين أحبابك... عشت الحزن والفقدان لحد ما بقتش حاسس يعني إيه حياة أصلاً ودلوقتي جاي بعد أكتر من ثلاث شهور وتوقف وتقول أنا عايش.
تقلصت المسافة بينهما.
جواد: صهيب أنا مقدر وجعك وشعورك.
قاطعه صهيب كالمجنون.
صهيب: اسككككككت.
صرخ بها وهو يضع يديه على أذنيه.
صهيب: مش عايز أسمع حاجة...
لكمه بصدره بقوة.
صهيب: لما تحس بيا يبقى تعالى أقف قدامي وشوف إحساس فقدان عزيز عليك إيه...
ظل يلكمه كأنه لم يشعر بما يفعله.
صهيب: ده أنت أبويا يلا مش أخويا.
دموعه تساقطت بغزارة وأردف بصوت باكي.
صهيب: أنت قوتي في الدنيا دي. أنت ضهري اللي بقدر أمشي وأنا مش خايف لا أقع وأتكسر.
ضمه جواد بقوة لصدره.
صهيب: أنت أماني اللي حسيت إني خسرته وأنت مش موجود.
ضم بعضهما البعض بقوة... وظل يبكيان بصوت مرتفع. آهة ملتاعة بنبرة حزينة خرجت من جوفها وهي تقف على باب غرفة المعيشة... جعلتها لم تقوَ على الوقوف لتجلس أرضًا لذكريات حزينة دُثرت بالتراب لأغلى الأحباب... لفقيد الشباب... هنا مشهدهما... أيقظ وجع فؤادها... كيف لكِ صغيرتي التحمل على هذا المشهد الذي يبكي حجرًا صماء. استمع جواد لشهقاتها... استدار سريعًا... لقد ارتجف قلبه لسماع صياحها وشهقاتها.
أشعلت لهيب قلبه لآلامها، أسرع إليها، جلس أمامها على ركبتيه.
- زوزو حبيبي مالك يا قلبي؟
ضمها لصدره وقوة تحمله على آلامه فاقت آلامها. كيف لعاشق أن يصمد أمام أحزان من يحب؟ أمسك وجهها وأزال عبراتها التي تكوي قلبه بلهيب الاحتراق.
خطى صهيب إليهما بعدما استعاد قوته وتحمله مما رأى، جلس بجوارها ممسدًا على حجابها.
- اهدي يا زوزو، اهدي ما تنسيش إنك حامل.
رفعت نظرها له ودموعها تنسدل بغزارة كشلال.
- حسيت بالوجع، عرفت أد إيه فقدان قوتك بيعمل إيه؟ عرفت يعني إيه سندك وأمانك في الدنيا مش موجود.
أمسكت يديه ونظرت لمقلتيه.
- شفت أد إيه الأخ ما ينفعش يتعوض.
مسح جواد دموعها وبدأ يعلم بما صار لها. أوقفها وهو ينظر لصهيب.
- ارتاح دلوقتي وهنتكلم بعدين.
ضمته بقوة كأنها ستفقده هو الآخر، ضمت حبيبها بل كيانها وذكريات جاسر تداهما. ألقت نفسها بالكامل عليه، تلاقاها بقلبه قبل يديه، نعم لقد شعر بما تمر به. حملها وهو يضمها لصدره ليسمعها نبضاته الهادرة في ضلوعه كي تهدأ. وضعها على فراشها بهدوء وقام بخلع إسبالها واضعًا قبلة عميقة دافئة على جبينها.
- اهدي حبيبة جود، ما توجعيش قلبي يا قلبي.
رفعت أناملها على وجنتيه.
- أنا بحبك أوي يا جود، أوي أكتر من أي حاجة في الدنيا دي، شوف وقت ما كان جاسر موجود كنت بحبه أغلى حاجة بس هو حب من نوع تاني، حب بلا مقابل، ما هو أكيد الحب الأخوي بلا مقابل.
***
إنما أنت لا، ما كنتش حب أخوي، حتى وقتها كنت باقتنع بكلامهم بحب أخوي بس كنت بانتظر منك غيره، كنت بانتظر إني أكون أغلى حاجة، كنت بانتظر كلمة بحبك أكتر من روحي، كنت بانتظر تضمني علشان أحس بنبض قلبك ليا. كان فيه فرق كبير أوي بينكم، أوي يا جود حتى لما قالوا إنك مت، ما صدقتش لأني حاسة بروحك حوالي في كل مكان.
انزرفت دموعها بقوة.
- إنما هو لما قلتوا مات عرفت سندي وأماني والحنان الأخوي والأبوي، حسيت باليتم مع إني عيشته قبله، لكن هو ما حسسنيش بيه ولا أنت كمان. إنما أنت لا، لو كنت بقيت زيه، صدقني كان نفسي اتقطع مني، كنت فقدت كل حاجة، النهاردة وأنا باسمع صهيب قلبي وجعني عليه أوي، عذرت كل اللي عمله. إحساس اليتم والوحدة صعب أوي، مع إنك ما حرمتنيش من حاجة، بس غصب عني كنت بأروح لذكريات الإخوة الجميلة، أنت عوضتني، هو صعب الإحساس اللي عاشه حتى لو سيف وحازم معه، بس كل واحد معزته غير الثاني.
- ربنا ما يحرمني منك يا حبيبي.
ظلت تكررها عدة مرات. جذبها بقوة لأحضانها واعتصرها يكاد يدخلها لضلوعه حتى يزيل آلام جراحها. شعر بروحه تئن بأنين كوتر مقطوع، تنهد بحزن عليها، مسد على شعرها بحب مقبلاً خديها.
- طيب مش أنا عوضك بتعيطي ليه دلوقتي يا قلبي؟
شهقت شهقات مرتفعة تحاول تسيطر على أحزانها، لم تستطع تمالك نفسها من الحزن، عندما تذكرته فكأنه اليوم. نخر الألم عظامه نخرًا حتى شعر بتشحذ جسده بسكين بارد ليشعر بقوة آلامه. ضمها لقلبه يتمنى أخذ آلامها وأحزانها.
- زوزو ينفع كدا؟ يعني كنت مت أحسن وأهو كانت دموعك بفايدة.
رفعت رأسها ووضعت يديها على شفتيه مقبّلة بكل عشق وشوق ونظرت بعينيها المنتفخة من كثرة البكاء.
- بعد الشر عليك من الموت يا حبيب قلبي، ليه بتقول كدا يا جود حرام عليك.
دخلت أحضانه تتمسح به كقطة أليفة.
- لو مت خدني معاك لأني بعدك ميتة.
- أش أش، اهدي أنت في حضني أهو، ومش هسيبك.
رفعت رأسها.
- أوعدني.
لمس خديها مقبلاً دموعها.
- وحياة غزالتي عندي.
ألقت نفسها بأحضانها وهي تبكي بنشيج مرير.
- لو سمحتي حبيبي بطلي عياط، أنا عاجز مش عارف أعملك إيه، ينفع كدا تزعلي جاسر؟ بكرة يقولي مامي كانت كل شوية بتعيط.
اعتدلت سريعًا تنظر له.
- "جاسر" همست بها بحنين.
لامس خديها.
- أيوه إن شاء الله هاسميه جاسر لو جه ولد.
ابتسم لها.
- تعرفي حلمت يوم خطبتي على ندى بإيه؟
مسحت دموعها بعنف.
- نعم يا خويا؟ أنا باعَيِّط وأنت بتقولي ندى؟ قوم من جنبي والله أنت فعلًا مستفز وبارد.
قهقه عليها جاذبها بحضنه وهو يحاوطها بذراعيه.
- يا بنتي استني لما أقولك الحلم.
جلست على ركبتيها أمامه وودت لو تصفعه على وجهه ولكن كيف وهو نبض الحياة. رفع حاجبه يحاول يستشف ما تفكر فيه.
- بتفكري في إيه غزالتي؟ أوعي تكوني ناوية تعملي مقلب، أشار بعينه على بطنها. ما تنسيش البطيخة اللي في بطنك.
ضيقت عيناها واضعة يديها بخصرها.
- هاقولك هاعمل إيه بناءً على اللي تحكيه، قول يا ابن الألفي يا جميل يا بتاع الستات.
مط شفتيه للأمام وارتفع جانب وجهه وتحدث بتهكم:
- دلوقتي ابن الألفي وبتاع البنات ومن شوية أموت لو حصلك حاجة، ماشي يا بنت السيوفي، من شوية كنت الهوا والميه.
لكمته بذراعيها.
- ما تدورش وتحرّق دمي، قولي حلمت بإيه؟
لمعت عيناه عندما وجد بريق عيناها الغيورة عليه. نصب عوده متجهًا للشرفة، وقفت متجهة له وتصيح عليه.
- لدرجة دي الحلم صعب تحكيه؟
اتجه بنظره لها وقد راقه غيرتها اللذيذة له.
***
- هاشرب سيجارة واحكيلك.
- نعمين يا خويا؟ تشرب إيه؟ والله يا جواد هاضربك أنا باقولك أهو، من إمتى وأنت رجعت تدخن تاني؟
توقفت عن الحديث تطالعه بخبث.
- تصدق يا حبيبي نفسي كمان أشرب سيجارة.
رفعت نفسها تضع يديها على كتفه.
- تقول إيه ابنك الطفس الجعان طالع لأبوه وعايز يشرب سيجارة.
- نعمين يا أختي؟ قلتي إيه؟
تبادلت النظرات بينهما باستخفاف.
- بطلي هبل وتعالي أقولك يا مجنونة حلمت إيه.
"طعمة، لذيذة، حبيبتي عايزة تتاكل دلوقتي".
جلست تمط شفتيها كالأطفال وتهز ساقيها بعنف.
- قولي يا جوااااد. صرخت بها.
ضمها وظل يضحك عليها، قبلها قبلة سريعة.
- عايز أقولك الحلم دا ما ينفعش يتقال.
دفعته بقوة عندما تلاشت قواها وهو ينظر لها بهدوء.
- يا قليل الأدب، أنا قلت والله إنك قليل الأدب، هاتكون حلمت بإيه يا محترم، اللي ما شفتش يوم تربية.
قالتها وهي تكز على أسنانها. جلس محاوطًا أكتافها وما زال يضحك عليها.
- يا هبلة اسمعيني، الحلم دا كان بيكي أنت.
جحظت عيناها وارتعشت شفتاها وأشارت لنفسها "بيا". نظر لخصُلاتها المتمردة بفعل عصبيتها، تمنى أن يجول بها بجولاته تارة ورغم ذلك تمالك حاله. رفع أنامله يرفع خصلاتها.
- آه والله، كنت باحلم وعايزه حقيقة دلوقتي.
ترقرقت عيناها بالدموع تناظره.
- قول وهاعملك اللي أنت عايزه.
جذبها بأحضانها مقبلاً جبينها.
- أنت عملتي كل حاجة حبيبي وأكتر من اللي تمنيته.
مسد على خصلاتها رافعًا المتمردة منها.
- حلمت إن جاسر داخل بيصحيني وأنت في حضني وبيقولك جعان يا مامي.
- "جاسر".
أردفت بها بتمهل وصوت متقطع.
- عندنا جاسر، يعني اليوم اللي كنت رايح تخطب واحدة غيري، حلمت إنك جايب ولاد مني، وكمان جاسر ورغم كدا روحت وخطبت وقهرتيني.
تنهد بوجع وحزنًا بآن واحد.
- حبيبي ما تكلمناش في الموضوع دا كتير ليه بتفتحيه تاني وتوجعي قلبي، أنا نفسي أنسى المدة دي كلها، صدقيني عايز أفقد الذاكرة مش عايزة حاجة تفكرني إنك كنتي بعيد وبنتعذب.
تسطحت على الأريكة متخذة ساقيه وسادتها وممسكة بها.
- آسفة يا جواد بجد آسفة افتكرت بس وجع اليوم دا.
نزل بجسده يطالعها بعينين عاشقة.
- افتكري دايمًا إنك هزيتي عرشي يا غزالتي ما فيش قبلك ولا حتى بعدك.
ابتسمت بحب جاذبة رأسه وما زالت متسطحة.
- باعشقك يا نبض غزالتك.
ثم أغمضت عيناها ذاهبة بسبات عميق لفرحة قلبها من زوجها الحبيب.
باليوم التالي استيقظ على صوت هاتفها كان ما زال جالسًا وهي تغفو على ساقيه. أمسك الهاتف وجده حازم، علم من الأمس إنه يريد يخبره بقدوم صهيب، انسحب بهدوء من الغرفة حتى لا يزعج نومها واتجه لغرفة أخيه. دلف الغرفة بهدوء وجده مستلقيًا على الفراش بملابسه يبدو أنه للتو غافيًا، تحرك بهدوء وجلس بجواره مقبلاً جبينه، حامدًا الله على وجوده بين عائلته. زفر محاولًا استنشاق بعض الأكسجين لرئتيه محاولًا لملمة شتات نفسه.
فتح صهيب عينيه عندما شعر بوجوده، اعتدل يمسح على وجهه.
- فيه حاجة؟ غزل تعبانة؟
ربت على أكتافه.
- لا يا حبيبي كويسة الحمد لله، بس حازم بيتصل من إمبارح، كلمه وطمنه وبلاش تذكر اسمي في المكالمة، باقي أسبوع عايز أرجع لحياتي الطبيعية.
نظر بساعته.
- الساعة سبعة دلوقتي، هو صاحي علشان أكلمه.
أومأ برأسه.
- أيوه لسه كان بيرن على تليفون غزل.
نظر صهيب لهاتفه وجد كمًا من الاتصالات من.
- هو متصل بيا بس التليفون كان سايلنت.
حدقه بنظرات ثاقبة.
- صهيب ليه قلت لغزل تتجوزها؟
قهقه عليه صهيب وهو يلطم يديه ببعضهما.
- تعرف أنا طول الليل وبأسأل نفسي إزاي جواد تغاضى عن الموضوع دا؟
لكزه بجنبه.
- يعني لو مت يلا حقيقي كنت هاتتجوز مرواتي؟
ضمه لأحضانها.
- بعد الشر عليك يا حبيبي، أنا كنت مفكرها اتجننت فقلت أفوقها من الصدمة بصدمة أكبر، أتاري أنا اللي كنت مجنون.
ضيق عينيه.
- هي البت زوزو كانت تعرف ولا مقرطسانا؟
دفعه حتى سقط على الفراش.
- بت في عينك يا حمار، تقول على مرات جواد الألفي بت يلا؟ لا ومين الدكتورة غزل؟
وضع يديه على وجهه من كثرة ضحكاته.
- والله هي في نظري بت وهاتفضل بت، يا خربيتها دي طلعت مفترية.
جذبه من يديه معتدلًا.
- قبل ما أكون مرات جواد الألفي أنا تربيته. شوف البت اللي كنت باشيلها وبنلعب وبنعمل مقالب.
ثم جحظت عيناه وهو يقهقه.
- تعرف تربيتك عملت إيه؟ ضربتني بالقلم.
وضع يديه على خديه.
- أي بنت الايه إيديها ملسوعة.
- تصدق تستاهل يلا.
ضحك الاثنان بصوت مرتفع، اتجهت إليهما على صوت ضحكاتهما، طرقت باب الغرفة، اعتدل الاثنان عندما فُتح الباب وطلت عليهما تلك الجميلة.
- صباح الخير، تدوم السعادة.
وقف سريعًا متجهًا لها عندما وجدها تقف بمأزرها الذي ضايقه كثيرًا.
جذب يديها:
"ينفع تخرجي كدا يا غزل؟"
نظرت لنفسها وأمسكت حجابها:
"ماله يا جواد؟ ما أنا لابسة أهو."
رفع حاجبه بتهكم ناظرًا:
"ورُوبك اللي لازق على جسمك دا ينفع يا غزل؟ رجلك باينة يا حبيبتي."
ابتسمت له مطوقة عنقه أمام الغرفة:
"حبيبي غيران ولا إيه؟"
زفر بغضب عندما شعر بأن أحدًا يراها بهذا المظهر... جميلة حد الفتنة... غيرته مجنونة ورغم ذلك حاوط خصرها بذراعيه... متجهًا لغرفتهما:
"دي مش غيرة أد ما هو حلال وحرام يا حبي... ما ينفعش حد يشوف حاجة تخصك غير جوزك."
توقفت عن الحركة:
"دا صهيب يا جواد... عارف يعني إيه؟ دا أخويا وصاحبي وكل حاجة... ما يغركش شوية الخناقات بتاعتنا بس مهما كان دا صهيب عمر مكانته ما تهتز في قلبي."
"غزل!" أردف بها بصياح عندما شعر بنيران الغيرة تلهب قلبه بل جسده بالكامل... تركها متجهًا لغرفتهما حتى لا يحزن قلبها... عندما وصلت غيرته للصياح بوجهها.
دلفت بعده وهي حزينة من ردة فعله... جلس على الأريكة يرجع خصلاته للخلف يكاد يقتلعها من جذورها.
فكت حصار تشابك يديه، واضعة نفسها بأحضانها...
"نسيت تصبح عليا على فكرة... صبحت عليا بس بطريقة تانية يا حبيبي."
حاوط جسدها ليثبت لنفسه أنها تخصه وحده.
"قبل غيرتي فيه حاجات المفروض تتعمل وحاجات لا... فيه حاجة اسمها حلال وحرام حبيبتي... صهيب دا يجوز لك شرعًا... يعني مش محرم عليكي سمعتيني؟ أول وآخر مرة تستفزيني بكلامك دا... إنك تتكلمي على راجل تاني مش هسامحك حتى لو كان أبويا نفسه... مش صهيب بس."
رفعت أناملها لشعره تملس عليها بهدوء:
"أول مرة أشوفك كدا... إيه اللي حصل لدا كله؟ أنت عارف إننا كلنا أخوات مع بعض يا جواد... وبعدين نسيت أنا وهو كنا إيه؟"
رفع نظره لها:
"يا ريت أنسى يا غزل... بجد أتمنى إني أنسى."
ضيقت عيناها وتساءلت:
"مالك يا جواد؟ أنت بتغير من صهيب؟"
"صباح الحب يا قلبي."
رفعت حاجبها بتهكم:
"أنت اتجننت يا جواد؟"
وضع رأسه بعنقها:
"إنسي... بس خلي بالك من لبسك قدام أي حد حتى حازم نفسه."
شعرت بما يدور بخالده... لقد علم بما قاله صهيب جعل قلبه ينصهر من غيرته.
رفعت نظرها له مملسة على خديه مقتربة تهمس له:
"مش عايز تصبح على ولادك؟"
جحظت عيناه من تقلباتها وظل يقهقه عليها... نصب عوده وحملها متجهًا للمرحاض:
"لا ولادي عايزين شاور مع بابي وبعد كدا أصبح وأمسي."
بعد أربع شهور:
يجلس أمام اللواء نشأت... يزفر بغضب.. يقبض على يديه حتى نفرت عروق عنقه:
"وبعدين يا فندم... كل ما نحاول نمسكهم يكونوا واخدين حذرهم."
طرق اللواء نشأت على سطح مكتبه:
"بقول لكم المرادي ما حدش يعرف بموعد العملية."
استمع الاثنان إليه باهتمام... قاطعهم رنين هاتفه:
"أيوة يا ريان."
هب واقفًا:
"تمام خمس دقايق وأكون عندكوا في المستشفى."
وقف باسم أمامه وأردف متسائلًا:
"فيه إيه يا جواد؟"
"غزل بتولد وما فيش حد معها... مليكة سافرت القاهرة إمبارح، لازم أروح لها."
"مينفعش يا جواد... أنت عارف أنها اتعرفت بعد ذهاب والدتك عندها."
"أنا ما يهمنيش حاجة دلوقتي غير عايز أطمن على مراتي وبس."
وقف باسم أمامه:
"جواد أنت بتعرضها وبتعرض عيالك للخطر."
دفع باسم متجهًا للباب:
"والله لو دخلوا أوضة العمليات نفسها مستحيل أسيبها... حتى لو موتوني فعلًا."
أردف بها مغادرًا وكاد قلبه يتوقف من الخوف عليها.
دلف سريعًا إلى المستشفى مع حذره التام... فرغم ما قاله إلا أنه يخاف بجنون عليهما.
وجد الممرضات تقوم بتجهيزها.
ارتجفت أوصاله من خوفه عليها من مظهرها الموجع للقلب... انسدلت دموعاتها عندما رأته أمامها.
نزلت دموعها فوق صدره كقطع زجاج تمزق خلايا جسده... شهقت عندما زاد الألم بها شهقاتها اخترقت جدار روحه... أسرع إليها وأمال بجسده عليها... مقبلًا جبهتها:
"زوزو حبيبتي هانت كلها دقايق يا قلبي وترتاحي.. خلي إيمانك بربنا كبير."
أعدل البونيه الخاص برأسها:
"عايزك تعرفي إنك أجمل ست شافتها عينيا."
قالها مقبلًا رأسها... ثم استكمل:
"هستناكي هنا أنتِ وأولادنا... اجمدي يا زوزو.. اذكري ربنا حبيبي وإن شاء الله هتخرجي بسرعة."
أمسكت يديه وترجته بعيناها وصوتها المتعب:
"أدخل معايا يا جواد... عايزة أحس بالأمان حبيبي."
نظر للدكتورة التي دخلت:
"إيه يا دكتورة جاهزة؟"
أومأت برأسها وهي تنظر له:
"عايز أدخل معها لو سمحتي يا دكتورة."
وزعت أنظارها إليهما ثم اتجهت ليديهما المتشابكتين... ابتسمت لهما:
"ممكن يا حضرة الضابط... اتفضل خلي النيرس تجهز حضرتك."
اتجه ينظر لزوجته ويقبل يديها:
"مش هسيبك يا حبي... "
وضع جبينه على جبينها:
"زوزو أنا بعشقك."
حاولت ترفع يديها على وجهه.. أمسك يديها ووضعها على خديه... ثم قبلها:
"هجهز وأجيلك."
بعد فترة داخل غرفة العمليات:
كان يجلس بجوارها ممسكًا يديها والطبيبة تقوم بالعملية القيصرية لتوليدها... ظل يربت على رأسها بحنو مع ذكره للواحد القهار... أخيرًا استمع لصوت بكاء البيبي.
رفع نظره إلى الطبيبة التي ناولته إلى النيرس لتجهيزه... ابتسم عندما وجده أمام نظريه.. أمال برأسه يهمس لها:
"جاسر شرف يا غزالتي... لسه البت الشقية اللي زي أمها."
ضغطت على يديه كأنها تسمعه.
وما إلا دقيقتين وخرجت طفلته الثانية لنور الحياة... هنا ابتسم بدموع الفرحة تنسدل على خديه.. قبل يديها:
"غزل البنت."
أنزل برأسه مبتسمًا مقبلًا رأسها:
"ألف مبروك يا عمري... مبروك يا أم العيال."
هنا ذهبت بعالم الأحلام.
"هي نامت ليه يا دكتورة... مش المفروض البنج دا نصفي؟"
ابتسمت الدكتورة:
"ما تخافش يا حضرة الضابط.. دا أحسن علشان الألم بعد كدا... هو مخدر كامل."
ملس على خديها بحب:
"ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي يا رب."
بعد قليل اتجهت لغرفتها وما زال ممسكًا بيديها... وجد نغم وريان بالخارج.
"مبروك يا حضرة الضابط."
ابتسم لهما ورد تهنئتهما.
اتجهت نغم تدثرها جيدًا بالغطاء... أما هو جلس بجوارها حتى تستيقظ.
"ممكن تطلع بره مع ريان وأنا هفضل معها ما تخافش."
"لا، شكرًا يا مدام نغم بس أنا عايز أفضل جنبها لحد ما تفوق."
دلفت الممرضة بالطفلين ووضعتهما بمهدهما كما طلب منها.
نظرت لها نغم:
"أنتِ جايباهم هنا ليه مش المفروض يكونوا في غرفة الأطفال؟"
قاطعها جواد:
"أنا اللي طلبت كدا... خليهم قدامنا أحسن.. أنت عارفة الخطر اللي محوطنا."
أومأت متفهمة:
"ممكن تروحي أنتِ ترتاحي أنا جنبها وكمان ريان مش عايز أعطله."
"لا ما فيش عطلة وحاجة... أنا هروح أخليه يجيب الولاد من الشوفير تحت ويروح وأنا هفضل معها."
ظل جنبها إلى أن فتحت عيناها:
"جواد."
رفع يديها مقبلًا:
"أنا هنا يا روح جواد... حاسة بإيه؟"
أغمضت عيناها بين النوم واليقظة:
"أنا كويسة عايزة أشوف الولاد."
اتجه أخيرًا لأولاده... حمل الولد متجهًا به لها:
"سمي الله حبيبتي."
نظرت له وضعه على صدرها... قبلت رأسه:
"عايزة أشوفه يا جواد أعدلني."
"استني شوية يا زوزو أنتِ لسه تحت المخدر حبيبي... أنا سميته جاسر."
نظرت له مبتسمة:
"ربنا يخليك لينا يا أبو جاسر."
نظر لها مبتسمًا يردد الكلمة... ما أجمل شعورها... ربي أعطِ كل مشتاق.
اللهم ازرع في كل رحم مشتاق جنينًا.
رددها بعدما شعر بلذة ومعنى هذه الكلمة.
تركه بأحضانها متجهًا لأميرته كما لقبها:
"شوفي أميرة بابي بقى دي هتكون روحه وحبيبه."
رفعت نظرها لها:
"من أولها كدا خطفتك مني؟"
قبل جبهتها قبلة عميقة.. حنونة يبث بها امتنانه لها:
"أنت عمري وروحي وحياتي... أنتِ الحب والحياة لوجودي."
رفعت يديها على خديه:
"أنت عوض ربنا الأكبر ليا."
أخذ منها طفلهما الأول واضعًا ابنته:
"دي 'غنى'... غنى الحب والحرب والحياة اللي بينا حبيبي."
"جواد عايزاك تبوسني دلوقتي."
قهقه عليها:
"البنج وعمايله يا حبي هيطلع عليا."
"بوسني بقى ما تبقاش بارد."
ضحك بصوت مرتفع:
"كنت هشك فيكي يا حبي... بس بلاش أصلي ما أعرفش الصراحة بعد البوسة دي إيه اللي هيحصل."
قاطعهم دخول نغم:
"عاملة إيه كله تمام؟"
أومأ برأسه بنعم.
"جواد والله أنت بارد ومستفز.. ومش هدخل البانيو تاني معاك."
كز على شفتيه تمنى لو الأرض تنشق وتبتلعه مما تقوله هذه المجنونة.
ابتسمت نغم حرجًا من نظرات جواد المخزية لغزل... ما زالت تهمهم ببعض الكلمات بينهما.
خرجت نغم معتذرة حتى تترك لهما مساحة مع بعضهما.
نزل لمستوى نومها وهمس بأذنها:
"ينفع كدا تفضحيني يا غزالتي؟ الأغراب عرفوا خط سير الحب كله."
قالها وارتفع صوته بالضحكات عندما ظلت تهمهم بكلمات بحبه وعشقه.
"غزل اسكتي يا بت فضحتيني الله يخربيت عقلك."
ظلت لبعض الوقت حتى صمتت.
دخلت الطبيبة:
نظر إليها:
"إيه أخبارها؟"
فحصتها:
"كله تمام... حمد لله على سلامتها."
في هذه الأثناء فتحت عيناها:
"حمد لله على السلامة يا دكتورة."
"الله يسلمك." قالتها بصوت متعب.
نظر لجواد الذي يقف بجوار الطبيبة يتحدث إليها فترة... ثم اتجهت لها.
أعطتها بعض المسكنات ونظرت لجواد:
"هي هتفضل تنام علشان بس حضرتك ما تقلقش." قالتها مبتسمة.
"متشكر جدًا يا دكتورة."
ضغطت على يديها حتى شعرت بالألم.. شهقة من الألم أخرجت من فمها.
اتجه سريعًا إليها بعدما وضع طفلته بمهدها.
وجدها ذهبت بالنوم والطبيبة تقوم بالكشف عليها للاطمئنان.
بعد قليل دخلت نغم:
"هروح أصلي خليكي معها معلش هتعبك شوية... ماما ومليكة في الطريق."
أومأت له:
"تمام."
"ما تخافش عليها أنا جنبها."
اتجه ينظر لأطفاله ثم خرج مغادرًا.
بعد قليل:
فتحت عيناها وهي تردد اسمه:
"جواد ولادي..."
اقتربت نغم:
"حمد لله على السلامة يا جميل... إيه يا أختي العسلات والقمرات دول."
ابتسمت غزل بتعب:
"عايزة أشوفهم... دارت بعينها: فين جواد؟"
حملت الولد وتوجهت به إليها:
"جواد راح يصلي المغرب... وإحنا مع البسكويت دا."
أعدلتها بهدوء:
"ميرسي أوي يا نغم." أردفت بها بتعب.
مسدت نغم على خصلاتها:
"ما تقوليش إحنا أخوات يا حبيبتي."
كان يقف بجوار مهد الصغيرة ينظر إليها بهدوء.
بكت الصغيرة، فاتجهت إليها نغم. وجدت بيجاد يقوم بحملها.
- حبيبي مينفعش تشيلها دي لسه صغيرة.
وضع أنامله على خصلاتها الناعمة.
- حلوة أوي طنط غزل هتسموها إيه؟
ابتسمت غزل له.
- غنى يا حبيبي، باباها سماها غنى.
ردد الاسم بين شفتيه.
- "غنى" حلو أوي.
دخل جواد بعد طرقه لباب الغرفة. ذهبت أنظاره لبيجاد الذي يجلس وبأحضانه ابنته، ويبتسم لها كأنها تفهمه. هنا تذكر نفسه وهو طفل عندما كان يحمل غزل. اتجه وجلس بجانبها مقبلًا رأسها وعيناه على بيجاد.
- حمد لله على سلامتك حبيبتي.
أومأت بعينيها.
- كنت فين؟
- كنت بصلي.
نظر لنغم التي تقوم بإرضاع طفله.
- مدام نغم تعبت معنا النهاردة.
ابتسمت له.
- أبداً والله أنا بحب الأطفال، وبعدين أنا وغزل بقينا صحاب جداً.
ابتسمت غزل لها.
- جداً يا جواد. نغم زي مليكة ونهى بالضبط.
اتجه بنظره لبيجاد الذي ما زال يحمل طفلته ويبتسم لها.
- حلوة يا بيحو؟
لم ينظر له ولم يترك نظراته لهذا الملاك.
- جداً يا عمو جواد، ناعمة ورقيقة. حبيتها أوي. هو ينفع ناخدها يا مامي؟
قهقه جواد عليه.
- لا ده باين إنك ذكي يا ابن ريان. دي أميرة عيلة الألفي حبيبي، يعني مهرها تقيل.
أخيراً رفع نظره لجواد، مضيقًا عينيه.
- يعني إيه يا عمو؟
ضحكت نغم لابنها واتجهت تمسد على رأسه.
- ما هو إحنا عندنا أمير برضه يا حضرة الضابط.
أومأ جواد برأسه.
- وأحسن أمير ربنا يبارك لك فيهم يا رب. روحي أنتِ يا نغم ما تنسيش إنك حامل حبيبتي أنتِ كمان.
قاطعهم دخول مليكة ونجاة. أسرعت مليكة لأخيها.
- الله الله على حضرة الضابط! بقى أب وأنا عمتو!
ضمها لأحضانه ودار بها وهي تبتسم.
- مبروك يا أبو العيال.
قهقه عليها.
- يا بنت أنتِ عمتو من زمان، نسيتي عز بن صهيب؟
ضحكت.
- أيوه فعلاً عزو حبيب عمتو، بس برضه ولاد جواد دول في مكان تاني. دول شقيقة غزل.
ابتسمت غزل لها.
- الله يبارك فيكِ يا ملوكة.
اتجهت تنظر لهما.
- فين مرات ابني؟ إياكوا أهو أنا بحجز قبل عز.
- انسي أنتِ وجوزك الأهبل. بنتي عريسها حجزها خلاص.
ضيقت عيناها في هذه الأثناء. اتجهت والدته له تحمل الطفلة التي كان يحملها بيجاد.
- بسم الله ما شاء الله. ربنا يبارك لك يا حبيبي. مين دي؟ كأني شايفة غزل.
نظرت لغزل التي نسيتها. اتجهت لها مقبلة جبينها.
- حمد لله على سلامتك يا حبيبة ماما.
أومأت بعينيها.
- وحشتيني يا ماما.
ملست خديها بحنان أمومي.
- حمد لله على سلامتك بنتي الحلوة، وأنتِ كمان وحشتيني يا روحي. كان اللي بيصبرني فيديوهاتنا مع بعض. شوفي يا مليكة. شوفي الجمال. لا ده جواد هيدفع عمره علشان ياخد الجمال ده.
اتجه بيجاد لنجاة.
- لو سمحتي يا تيزا، حضرتك أخدتي البيبي من غير ما تستأذني.
توسعت عيناها من هذا الطفل. اتجهت بنظرها لجواد.
- مين العريس ده؟ هي بنتك مولودة بعريسها؟
رفع حاجبه لوالدته.
- شوفتي حد كده؟ دي بنت جواد الألفي، لازم تنزل من بطن أمها عريسها يكون مستنيها بره.
ضحك جميع من بالغرفة. لكزته مليكة.
- لا عريسها جواد الصغير، عايز تجيب لبنتك واحد من بره؟
اتجه بيجاد لنجاة.
- دي بتعتي وهاخدها وأنا ماشي.
ضحكت نغم لولدها. أشار جواد لبيجاد.
- ده ابن المهندس ريان اللي حكيت لك عنه، واللي قاعد بيلعب على التليفون هناك ده الكبير بس مالهوش في الكلام. ودي مدام نغم مراته، أكيد اتعرفتي عليها يوم ما جيتي لغزل.
سلمت عليها نجاة وجلست ممسكة بيد بيجاد.
- أنت عايز تاخد أميرتنا يا أنت اسمك إيه؟
- هاتي غنى وأنا أقول لك.
ضيقت عيناها.
- مين غنى يا حبيبي؟
رفع حاجبه بتهكم وأردف ويحمل الطفلة عندما وضعها جواد له بيديه وهو يجلس بجواره مربتاً على ظهره.
- مش عارفة اسمها وجاية تاخدها مني!
قالها بيجاد بسخرية الأطفال.
- عيب يا بيجو ينفع نكلم الكبار كده؟
كان ينظر للطفلة التي بدأت تفتح عيناها. كيف لطفل بعمره تجذبه طفلة بهذا الجمال! نظر لها وأمسك يديها. ضمت إصبع يديه بكفها الرقيق.
- أنتِ جميلة أوي يا غنى أوي. تعرفي أنا هخلي ماما تزوركوا كل يوم ونلعب مع بعض.
قبل جبينها ملمساً خديها بإصبعه الطفولي. كان يراقبه، وجد نفسه به.
- عجبتك يا بيجاد؟
- أوي يا عمو، لو ينفع أخدها هاخدها معايا.
رفع نظره يترجاه.
- هناخدها معنا وأخلي ماما تأكلها زي ما أكلت جاسر. أرجوك عمو جواد.
قبل رأسه كأنه يرى نفسه بهذا الطفل الذي يبلغ من العمر سبع سنوات.
- لو ينفع عمري ما أحرمك من نظرة عيونك الحلوين دول لها حبيبي.
- ياله يا بيجاد.
أردفت بها نغم بعدما جلست مع مليكة ونجاة بعض الوقت. رفع نظره لوالدته.
- خلينا شوية كمان يا مامي.
أمسكت يديه.
- أدي غزل لعمو جواد بابا جه تحت حبيبي. هنيجي عندهم بكرة.
قبل الطفلة على خديها. حملها جواد ووضعها بالقرب من قلبه كأنه يشعر بشعور سيء لها. نظر بيجاد له.
- هاجي بكرة أشوفها خلي بالك منها.
ماذا يقول هذا الصبي؟ ماذا يفعل ليشعر بدقات قلبه تعلن عصيانه على كلماته؟ كأنه سيخطفها منه ورغم ذلك أومأ برأسه.
بعد شهرين
تغط في نومها وهي جالسة على فراشها وتقوم باهتزاز مهد أطفالها. دلف للغرفة بهدوء. ابتسم عندما وجدها بهذه الحالة. سحب تخت الأطفال إلى الغرفة الجانبية بهدوء، وعاد إليها. قام بخلع مئزرها وأعدل جسدها على الفراش. مقبلًا شفتيها المغرية أمامه قبلة عميقة. لقد اشتاق لها حد الجنون. فتحت عيناها وما زالت تحت تأثير النوم. طوقت عنقه.
- وحشتني حبيبي.
ارتفعت دقات قلبه بين ضلوعه تمنى لو يسحقها بأحضانه، ورغم ذلك مسد على خصلاتها الناعمة وهمس بجانب أذنها.
- أنا معاكي حبيبي نامي وارتاحي أنا هاخد بالي من الولاد.
- بحبك.
أردفت بها بصوت نائم. ذهبت بنوم مستغرق. جلس يطالعها بعض من الوقت، ممسدًا مرة على خديها وأخرى على شعرها. قطع تأمله بها صوت أطفاله. اتجه سريعًا إليهما. وقف أمام مهدهما، ينظر لصرخات طفلته العنيدة التي لا تستطيع البعد عن والدتها، فكل مرة يأتي بهما لغرفتها تبكي. حملها، ينظر لعينها الرمادية التي تشبه والدتها كثيراً.
- وبعدها لكِ يا أميرة بابي كده أنا هزعل. لازم نكون لوذاذ مع بعض علشان أحبك أكتر من مامي، بس إياكِ تقوليلها.
كانت تضع إصبع يديها بفمها. قبلها على خديها.
- حبيبتي أنتِ جعانة؟ طيب ياله ننزل بهدوء ننزل تحت نعمل أكل لنونة بابي من غير همس.
نظر لجاسر الذي غفى مرة أخرى، واتجه بنظره لغنى.
- هو أنتِ مفجوعة يا غنى ولا أنا اللي مش واخد بالي يا أميرتي؟
اتجه للمطبخ يعد رضعتها وهو يدندن لها بصوته العذب. جلس بالمطبخ وهو يملس على خديها.
- تعرفي بابي هو اللي ربى مامي وكانت جميلة زيك كده. ياما قعدنا في المطبخ ده أيام مع بعض. ذكرياتنا جميلة فيه. علشان كده بابا ادهولي علشان ذكرياتي مع مامي هنا أكبر من أي حاجة، وأغلى حتى من عمري.
كان يضع الببرونة بفمها وكأن التاريخ يعيد نفسه، مثلما فعلها منذ خمسة وعشرين عامًا. انتهت الرضعة. ظل ينظر لسكونها وفجأة تساقطت دموعه ولا يعلم لماذا. هل عوداً لذكرياته الماضية أم لسوء شعوره أنه سيفقدها؟ رفعها موضع قلبه وكاد أن يخفيها بين ضلوعه.
- تعرفي بعشق ريحتك، لأنها بتفكرني بأجمل أيام حياتي. أنا بعشق جاسر برضه، بس أنتِ شبه مامي أوي كأنها هي اللي قدامي.
كانت تقف على باب المطبخ وتنظر لهما بحب وهو يضمها لصدره ويحاكيها، ويمسد على شعرها الناعم. اتجهت إليهما، ضمته من الخلف.
- أنا بعشقها بقى علشان حتة منك، ولو خيروني بين إني أتنازل عن كل حاجة لمجرد ضمة من حضنك، هتَنَازَل على كل حاجة لأنك أغلى مما أتوقع.
نصب عوده واستدار لها عندما شعر برعشة بجسده من كلماتها وقبلاتها على عنقه. جذبها بذراعيه التالي، متجهاً لغرفة المعيشة.
- صحيتي ليه؟
- جاسر صحي رضعته ونام، قولت أكيد كعادتك بتبعد عني ورايح لحبيبتك الجديدة.
جلس وأجلسها على ساقيه عندما وضع الطفلة بجواره. ضمها لأحضانه، بل سحق جسدها بالكامل بأحضانه، واضعاً وجهه في خصلاتها، يستنشق رائحتها العبقة. كانت ترتدي منامة تصل لركبتيها من اللون البني الغامق، تبرز جمال بشرتها أمامه.
- أنتِ حبيبة عمري وعشقي، هي حتة منك.
- وحشتني يا حبيبي.
لم تنتظر لكلماته، نظراتها فقط كانت تعبر عما تحتاجه من عاشق الروح. حمل طفلته جاذباً إياها من خصرها صاعداً بها إلى غرفتهما ليرويها من رحيق عشقهما المتفادي لحد الجنون.
في فيلا صهيب
كانت تنام بأحضانه بعمق، استيقظت على آلام الولادة، صرخت بصوت مرتفع. هب واقفاً.
- إيه يا نهى؟ هتولدي ولا إيه؟
- الحقني يا صهيب بموت!
إيه! صاحت بها لم تعد تتحمل شدة الألم. اتجه سريعاً لهاتفه ليتصل بجواد الذي كان غارقاً بالنوم بعد ليلة قضاها بنعيم الجنة. استيقظت من فترة كانت تنام على صدره وترسم دوائر وهمية وتكتب بقلبها قبل يديها.
في دين العشق كلهم نوافل، إلا أنتِ فرض.
ثم بعد... أعدك... أن لن أقرأ إلا هتاف أحرفك، ولن أشتاق إلا لعطرك، ولن يكون ملهمي إلا أنتِ.
فتح عيناه وتقابلت نظرات العيون. أغمض عيناه يتلذذ بصوتها الهامس ببعض كلماتها العاشقة. قطع نظراتهما العاشقة رنين هاتفه.
- نظر لساعته. الساعة تلاتة.
- صهيب بيتصل ليه؟
اعتدلت سريعاً.
- رد بسرعة ممكن نهى تكون بتولد.
فتح الرد.
- جواد الحقني نهى شكلها بتولد هنا هتموت. خلي غزل تيجي تتصرف.
- طيب اهدى حبيبي حاضر خمس دقايق وغزل هتيجي.
بعد ساعة تقريباً كانت أنجبت طفلها الثاني فارس.
- مبروك يا أبو عز، دلوقتي أبو عز وفارس.
ابتسم بعرفان لها.
- شكراً يا غزل.
مش عارف أشكرك إزاي لولاكي.
ايه يا صهيب هو أنا كنت عملت إيه؟
أو إديني اتعلمت في مراتك النسا، خرجت عن تخصصي. بس لازم الدكتورة تيجي برضو. أنا عملت اللي أقدر عليه.
اقترب مقبلًا رأسها:
ربنا يسعدك ويفرح قلبك حبيبتي.
بعد فترة كان يجلس مع حازم في الحديقة:
يعني هتسافر يا حازم تركيا؟
أومأ حازم له مردفًا:
ما ينفعش أسيبه لوحده مهما كان ده جوز ماما.
ربت على كتفه بأخوة:
تمام يا حبيبي تروح وترجع بالسلامة. مليكة هتسافر معاك ولا إيه؟
أكيد أنا معرفش هقعد قد إيه، لازم أطمن عليه.
مبروك يا حضرة الضابط على الترقية. صورك مالية السوشيال إنت وباسم. قدرتوا تمسكوا أكبر شبكة تهريب.
ابتسم له:
هو أنا قليل يلا ولا إيه؟
ضحك عليه بصوت مرتفع:
الصراحة لأ يا ابن عمي.
المهم يحيى السيوفي عمل إيه لما اتمسك؟
هنا تذكر كلمات يحيى عم غزل:
وحياة رحمة ابني اللي قتلتوه لأخليكم تتحسروا على ما أغلى مالكم.
خرج من شروده عندما اتجهت مليكة لهما:
شوفوا الجمال ده. حبيب عمتو جاي يتشمس.
حمله جواد وقبله:
صباح الخير على أجمل جسور في العالم.
رفع نظره لمليكة:
غزل نايمة؟
أومأت بنعم.
رفع يديه يمسد على خصلاته الكثيفة:
الواد ده نسخة منك يا جود. لما بشوفه كأنك إنت.
قبله على رأسه مبتسمًا:
واخد برضه من غزل حاجات كتير. بس أهم حاجة مش واخد شعنونتها كفاية عليا المجنونة أخته.
أيوه بنتك دي صعبة أوي. ماما شايلاها ورايحة جاية بيها ودي عمالة تصرخ.
زفر بغضب من غزل:
قلت أجيب لك بيبي سيتر هي رافضة وتقولي محدش هيربيهم غيري وأهي مشغلة العيلة كلها غير إنها خست واسمرار عيونها.
ربت حازم على ساقيه:
فرحانة بيهم يا جواد سيبها براحتها. وبعدين بكرة هتيجي تطلب منك اسألني أنا.
ضحكت مليكة:
الصراحة آه يا جواد.
مساءً عاد لمنزله ولكن وجد المنزل هادئًا على غير عادته.
اتجه لغرفته يبحث بعينيه عليهما، ولكن جحظت عيناه مما رأى.
رواية تمرد عاشق الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم سيلا وليد
الخاتمة
-*-
وقف يحاول أن يأخذ شهيقًا ويزفره بهدوء. ماذا تفعل به هذه الطفلة الصغيرة؟
احترقت جدران قلبه وأصبح كالراهب الذي يقيم محراب الحب لعاشقة الروح والكيان، ولا يحق لغيرها أن تسكنه.
استدارت لتضع بعض الأشياء، ولكنها تسمرت عندما استمعت لأنفاسه السريعة.
تقابلت النظرات في حوار عشق متكامل بينهما بنبضات القلوب.
ماذا تفعلين بي صغيرتي؟!
ألم أقل لكِ إنكِ النبض للحياة.
يقولون للعشق قانون، ولا يعلمون أنكِ قانون العشق نفسه.
اقتربت وما زالت نظراتها تحتضنه.
لو تعلم أن حياتي تُحسب بوجودك فقط جانبي، وعندما تبعد عني لم تكن هناك حياة.
وصلت أمامه ولم يفصلهم إنش واحد، حاوطت خصره بيديها واضعة رأسها على صدره موضع نبضه.
النهاردة عيد الحب، وعيد ميلاد الحب. حبيت أعمل حفلة خاصة لحبيبي.
رفع ذقنها ناظرًا لعيناها ليغرق بعشقها ويغوص بجمالها.
أنتِ شايفة إننا محتاجين عيد علشان نحتفل بالحب؟
ابتسمت بدلال.
عارفة إننا مش محتاجين، بس حبيت يكون يوم مميز لتاريخ مميز، وخصوصًا النهارده عيد ميلادك، وكمان إحنا بعيد عن بعض بقالنا فترة.
رفعها من خصرها حتى أصبحت بمستواه، ود لو يرتوي قلبه من عشقها بهذه القبلة.
بعد فترة ليست بالقليلة وضع رأسه بعنقها يستنشق رائحتها.
وحشتيني أوي.
فتحت عيناها وتمادت النظرات لترفع أناملها تتحسس ذقنه النابتة.
وإنت كمان وحشتني أوي حبيبي.
رفعت نفسها لتصل لمستواه واقتطفت قبلة سريعة، ثم رجعت للخلف عدة خطوات.
أنا محضرة الحمام، ادخل خد شاور لما أكمل تجهيز الغدا. أنا جعانة أوي على فكرة.
اقترب جاذبًا إياها لصدره.
هاخد شاور لوحدي، وبعدين أنا جعان أكتر منك.
أردف بها وهو يملس على خديها الناعم.
اشتعالت وجنتاها خجلًا من نظراته الخارقة، حاولت الإفلات من بين يديه.
جود حبيبي، ادخل ياله خد شاور، بقولك جعانة، مضيعش الوقت. وإياك تكون أكلت بره.
ابتسم لها عندما علم أنها تهرب منه، قبل جبينها متجها للمرحاض، ولكنه توقف.
فين الولاد؟ مش في غرفتهم؟
ماما نجاة أخَدتهم عندها الليلة، قالت جدهم عايز ينام معهم النهارده. محبتش أزعلها.
وأكملت مستطردة حديثها.
حسيت أنهم زعلانين أننا ما عدناش بنروح نفطر معهم.
تجمد مكانه من كلماتها.
لا يا حبيبي مين قال كده؟ الولاد صغيرين ومينفعش يباتوا هناك، هيتعبوهم.
وقفت أمامه وتحدثت.
إحنا لازم نخصص يوم نفطر مع بعض كلنا، غير كل واحد يروح يفطر يوم معهم مننا.
كانت عيناه تناظرها بالحب والعشق الدفين الخاص بها، ورغم شعوره أنه يود اقتحام شفتيها المغرية أمامه، لكنه أومأ برأسه ثم غادر للمرحاض.
بعد دقائق خرج وهو يرتدي بورنس الحمام.
جلس على المائدة ينتظر قدومها.
دخلت محملة بعض المشروبات والفواكه وكذلك كعكة عيد الميلاد.
اتجه يأخذ منها بعض الأشياء.
فين نهلة؟ ليه خليتيها تمشي بدري؟
وضعت الأشياء.
حبيت أعمل كل حاجة لـ جوزي بإيدي النهارده، وفرصة تنزل تشوف أهلها، ما نزلتش من زمان.
-*-
دققت النظر له.
ما لبستش هدومك ليه؟
بيقولوا في عيد الحب ما بيلبسوش حاجة.
أمسك قميصها.
حتى ده مالوش لازمة يتلبس كمان.
وضعت رأسها في عنقه تلكمه على ظهره.
جواد سيب القميص، عيب كده.
دعب وجهها بأنامله.
لازم تكوني حلوة كده.
خرجت من أحضانه ونظرت لعينيه التي خطفتها من صغرها.
وينفع إنت تخطفني من صغري كده؟ وتخليني ما أشوفش غيرك في الدنيا؟
لامس خديها بأصبعه.
مين اللي خطف مين؟
دي أول ما فتحت نورها للدنيا، كأن بريقها اخترق قلبي وتربعتي على عرشه.
وضعت رأسها مرة أخرى في حضنه.
تعرف لما بقعد مع نفسي، بقول معقول اللي أنا فيه ده حقيقة؟ خايفة أكون بحلم وأفوق من الحلم، بس لما تاخدني في حضنك وأشم ريحتك وألمسك بتأكد إنك حقيقة.
مسد على شعرها بحنان.
ربنا يخليكي ليا حبيبي.
وقفت وتحدثت.
طيب إيه؟ مش هناكل؟
نظر للطعام ورفع نظره لها.
برضه حمام.
وضعت سبابتها على شفتيه.
ما تتكلمش كتير، أكلي هتاكله كله وإنت ساكت، عندك مانع؟ ولا نروح نتعشى مع بابا حسين ونبات هناك وأخلع القميص اللي مضيقني ده، وحاسة إني مش لابسة أصلًا.
وعلى إيه يا حبي؟ ده أنا ما صدقت، بقالي شهر يا مفترية. أنا خلاص هاكل الحمام اللي ريحته تجنن ده.
نظر لداخل مقلتيها.
الطبق اللي هناك ده فيه إيه؟ أوعي تقولي كوارع.
طوقت عنقه وابتسمت.
لا ريان بعتلنا شوية سي فود، ماما أخدتهم عملتهم عندها وبعتتلي شوية وصهيب شوية. أنا جبته لو حبيت تاكل منه، عارفة إنك من عشاق الجمبري.
قهقه عليها مقبلًا إياها.
أنا من عشاق غزل الألفي بس.
لمست خده بحب.
أنا انشغلت عنك الفترة اللي فاتت دي بسبب الولاد، عارفة إني غلطت لما رفضت البيبي سيتر، بس وعد مني يا حبيبي عمري ما أقصر تاني معاك.
وضع رأسه في عنقها يستنشق رائحتها بتلذذ وأردف مغرمًا بصوت مبحوح.
كنتي وحشاني أوي يا زوزو، بس شوفتك تعبانة ما حبيتش أضغط عليكي، بقيت أشتاقلك أكتر من الأول ما أعرفش ده ليه.
وضعت وجهه بين راحتيها.
مش عايز تشتاقلي يا جواد؟ ما استهلش؟
قاطعها بقبلة أقرب للالتهام، تجاوبت معه حتى كادت أنفاسهما تتلاشى.
أخيرًا فصل قبلته واضعًا جبهته فوق جبهتها.
مهما أقولك مش هيوصلك إحساسي وأنتِ بعيدة عني، حاسس كأني بقالي سنة بعيد عنك.
وأنا كمان يا جود صدقني حبيبي.
قاطع حديثها عندما وقف وحملها متجهًا بها لفراشهما.
عايز أشوف مين فينا مشتاق للتاني أكتر.
يا مجنون الأكل هيبرد.
يبرد يا قلبي بدل ما أنا أنفجر.
دفثت رأسها بصدره، ودقات قلبها بالارتفاع.
بعد فترة ليست بالقليلة كان يجلس على مائدة الطعام، يجلسها بأحضانه بين ساقيه ويطعمها.
لازم تتغذي كويس ما تنسيش إن الولاد كل ما يكبروا عايزين غذا أكتر، مش عايزك تقصري في صحتك حبيبي.
مسد على خصلاتها.
صحتك أهم عندي من أي حاجة.
وضع بعض فصوص الجمبري أمامها.
الأسماك مفيدة جدًا، وكمان العصائر الحلوة دي.
وضعت رأسها على كتفه.
كفاية أنا شبعت وحاسة بعد الأكل ده كله هتخن.
ضمها بحب.
اتخني ومالكيش دعوة بس.
ضحكت بصوت مرتفع.
وترجع ما تقدرش تشيل.
توقف عن الأكل.
نعمين يا أختي؟ إنتِ بتشكي في قدرات جوزك؟
اعتدلت تنظر له.
تنكر إنك بتقعد تقولي تخنتي ولا لا؟
ارتفعت ضحكاته.
على فكرة بموت فيكي وإنتِ متعصبة بتكوني لذيذة، بس بس الرفيعين برضه.
لمست خده بحب.
رفيعة وعيناها رمادية وشعرها بني.
وضع إصبعه على شفتيها.
اسمها غزل جواد الألفي.
تناول قطعة كيك الشوكولاتة ووضعها بفمها، ابتسمت وهي تلوكها بفمها بهدوء.
بحبها جدًا، فاكرة من صغري وكل مرة تجيبها لي في أي مشوار تكون فيه.
اقتطف الشوكولاتة من شفتيها، متلذذًا بطعمها.
تعرفي لو أعرف بعدها هاكلها من الشفايف الحلوة دي، كنت جبتلك دستات يا قلبي.
وقف ثم حملها متجهًا للمرحاض.
هاتي باكيت الشوكولاتة ده نكمله في البانيو.
صباحًا
تبتسم بحب عندما تذكرت ليلتهم بالأمس.
اقتربت من وجهه وبدأت تملس على وجهه كأنها تنحت ملامحه الجميلة لديها، استندت بيديها على صدره واضعة يديها تحت خدها.
ناظرة لنومه شبهته بملاكها، اقتربت من أنفاسه تهمس له.
اللي يشوفك وإنت نايم ما يقولش إن ده اللي كنت بين أحضانه إمبارح، هادي وجميل في نومه، أفلاطون في حبه، متهور في يقظته.
ثم لمست وجهه بأنفها تستنشق رائحته التي تسكرها وتجعلها كفراشة بجناحين تطير بين الزهور بمرح، فتح عينيه وجدها قريبة منه، كانت جميلة حد الفتنة بشعرها المتطاير بعشوائية على وجهها وخديها ذو الاحمرار من نومها، نظر لها بعشق.
صباح الحب يا قلبي.
وضعت رأسها في عنقه.
صباح الجمال على عيون حبيبي.
شاكسها برفع حاجبه.
ده إيه الرضا ده كله؟
وضع يديه على جبهتها.
حبيبي سخن ولا إيه؟
رفعت حاجبها بسخرية ولكمته في صدره.
تصدق إنت رخم وما تستاهلش الدلع، راجل نكدي.
قهقه عليها بصوت مرتفع ثم جذبها إلى أحضانه.
والله اتجننت بسببك خلاص، راحت الهيبة.
وهو كان فيه هيبة يا حبيبي بينا؟
في دي عندك حق، من صغرك وإنتِ الوحيدة اللي بتدوسي على كل حاجة.
بقولك فين الفتانين؟ مش باينين ليه؟
ما جوش من عند بابا.
لا جم بس جواد ابن حازم وعز نادوا لهم.
نزلتهم مع المربية لما عيطوا.
قطب ما بين جبينه متسائلًا.
هو جواد جه إمتى؟
ما اعرفش ما اتكلمتش معه، حضرتك مانعني أخرج بره بلبس البيت.
أحسن يا قلبي مش عايز نكد على الصبح.
المهم الفتانين مش هنا.
تعالي عايزك في موضوع مهم.
ضيقت عيناها.
موضوع إيه؟
رفعها بين يديه متجهًا بها إلى المرحاض.
هنكمل ضياع الهيبة، ونغطس في البانيو وحشني.
لكزته وتحدثت غاضبة منه كعادتها منذ أيامهما الأخيرة عندما تذكرت اقتراب تلك الأمل منه.
هو إنت مولود في البحر؟ كل شوية تغطس.
وضعها على تختهما، وهو يقهقه عليها.
حبيبي اللي مسحوب من لسانه.
طيب على ما أعتقد كان فيه حفلة إمبارح لجوزك اللي مضايقك ده.
مطت شفتيها.
لا إحنا النهاردة، انسى إمبارح.
حاوط جسدها بين ذراعيه يتمتم.
هنرجع نتخانق ونبعد عن بعض يا زوزو تاني؟
ما هو إنت اللي بقيت مستفز يا حبيبي، وبلاش تكلمي ده وتضحكي مع ده.
ثم استكملت بسخرية.
كنت عايز تضرب مريض عندي يا جواد.
إنت السبب، كان لازم تكوني حلوة كده وتخليني أحبك كده.
لكزته بصدره.
إمشي ياله مهما تعمل مش هكون الهبلة بتاعة إمبارح، أنا حبيت أكون ست مصرية أصيلة وأحتفل بعيد ميلادك.
قهقه عليها.
من جهة ست مصرية، فأنتِ يا حبي ست أصيلة في الشعننة والنكد.
نظر إلى عيناها وأردف.
طيب مش هترقصيلي بمناسبة عيد ميلادي على فكرة؟ ضحكتي عليا.
وأكلتيني الحمام، وشكلك حطيتي منوم، ماعرفش ليه نمت على طول.
برقت عيناها من كلماته:
- أهو دا الراجل الأربعيني اللي بسمع عنه.
رفع حاجبه بسخرية لها:
- قصدك إيه يا حبي، وضحي علشان أعرف أتعامل.
مطت شفـتيها وأردفت بخبث:
- بيقولوا إنه بينام على نفسه وهو بياكل.
- نعم يا أختي! أنتِ هتضيعي هيبتي يا بت؟ أومال مين اللي سهران للصبح وأنتِ في حضنه كنتِ؟
قاطعته عندما وضعت يديها على شفتيه:
- بااااس هتفضحنا... أنا برد عليك يا حبيبي وأنت بتقول حطتلك منوم.
ضيق عينيه:
- مالك يا بت على الصبح؟ إيه "هتفضحنا" دي؟ أنتِ مراتي وعلى سريري.
ابتسم لخجلها عندما وضعت يديها على وجهها، ونزل لمستواها:
- وجوة حضني...
أزالت يديها:
- وسع يا جواد، قالتها بغلاظة.
- حبيبي زعلان أوي مني... وشايل كتير أوي... عايز أصالحه وأفهمه قد إيه هو غلطان وحاكم على جوزه بالباطل.
رفعت حاجبها بسخرية:
- والله حاكم على جوزه... يا حرام... اللي يسمعك يقول الراجل ملاك برجلين.
اقترب منها:
- يا رب أعدم جوزك لو شايف غيرك...
وضعت يديها على شفتيه:
- أنت اتجننت! إيه اللي بتقوله دا؟ بعد الشر عنك طبعًا.
ظل يناظرها:
- بدل حبيبي هيفضل زعلان مني..
- جود مينفعش، غنى ممكن تيجي فجأة.
قهقه عليها:
- هقولها زي كل مرة... بنجيبلك أخت.
دفعته بعيدًا عنها:
- لا يا حبيبي، لازم تصالحني الأول... وإياك ثم إياك تضحك عليا.
نصب عوده معتدلًا عنها، رفع حاجبيه:
- ماشي يا غزل... أنا موافق.
ضيقت عيناها وتساءلت:
- موافق على إيه يا جواد؟
نزل بجسده مرة أخرى وحاوطها بذراعيه:
- موافق أصالحه، مش اللي أنتِ عايزاه.
رفعت يديها تطوق عنقه:
- إيه يا حبيبي كنت بتحلم بكدا... هو أنا قلت إني زعلانة... لا يا حبي، غزالتك ما بتزعلش... غزالتك بتعرف تاخد حقها من اللي يزعلها.
مط شفتيه عندما علم بمراوغتها:
- بت هتجنني أبويا، يا خراب بيتك، بقيت أم ودكتورة ولسة هبلة وعنيدة...
اتجه للمرحاض:
- اجهزي وجهزي الولاد هننزل إسكندرية... ريان عازمنا على عيد ميلاد بيجاد... بيقول لازم نحضر.
وقفت تتجه له بدلال، مطوقة عنقه:
- نغم كلمتني ودعتني... بتقولي بيجاد عايز يشوف غنى... أهو بيجاد دا بيفكرني بواحد حبيبي.
رفعها لمستواه:
- غلطانة يا حبيبي... حبيبك مستحيل يجي منه نسختين... وبعدين دا عيل لسة يفهم إيه.
رفعت حاجبها بسخرية:
- شوف إزاي... وأنا اللي كنت بقول إني اتحبيت من صغري...
حملها واتجه سريعًا إلى المرحاض:
- هقولك إزاي اتحبيتي وأنتِ عيلة يا قلبي.
في فيلا صهيب:
يغفو على الأريكة وينام بحضنه ولده الذي يبلغ من العمر أربع سنوات. استيقظ الطفل من نومه، يملس على وجنة والده ويضحك بضحكات الأطفال البريئة. فتح عيناه مقبله:
صباح الخير يا عزو بابابي.
تلفت حوله وجد نفسه ما زال نائمًا على الأريكة. اعتدل ضامًا ولده إلى حضنه:
- تعالى نخرج برة علشان ما نصحيش مامي وفارس.
كان يتحدث مع ابنه:
بابا دودو وتيزا.
توقف أمامه:
- عايز تروح لجدو وتيتا؟
أومأ الطفل برأسه.
نزل بالأسفل وجد العاملة تقوم بترتيب أثاث المنزل.
توجهت له وأردفت:
- صباح الخير يا بشمهندس... أحضر لحضرتك الفطار؟
أومأ برأسه بلا:
- لا إحنا هنروح لتيتا نفطر معها... خدي عز خلي منى تجهزه لما أعمل رياضتي.
أومأت برأسها وأمسكت بيد عز واتجهت لمربيته.
في منزل حسين الألفي:
يجلس في شرفة منزله بعد تدريباته الرياضية يتناول قهوته يتحدث بهاتفه.
- وهو بقى تمام دلوقتي؟
أجابته على الطرف الآخر:
- أيوه أحسن الحمد لله... حازم ما سابوش خالص...
تنهد سيف باشتياق:
- ميرنا إحنا هنفضل كتير كدا... بقالنا كتير من كتر السنين مش قادر أعد... كل ما نحدد الفرح تحصل مصيبة... إيه رأيك بدل اطمنا على باباكي نعمل الفرح بعد العيد على طول... أنا خايف حبيبي يحصل حاجة تانية.
ضحكت بصوت أنثوي ناعم تصوب لقلبه ليحرقه بلهيب نيران الاشتياق:
- حبيبي المستعجل... لسة بدري.
- اتلمي يا ميرنا أصل والله أحجز وأجيلك دلوقتي...
ظلت تقهقه عليه حتى كاد أن يصاب بجنون العشق.
بعد قليل:
اتجه للأسفل وجد والدته ووالده يجلسون بجانب غنى وجاسر اللذان يبلغان من العمر سنتين وشهرين.
حمل غنى التي ما إن رأته رفعت يديها إليه وتهمهم بكلمات الأطفال في ذلك السن.
قبلها على خديها ويدغدغها وهي تضحك بصوت صاخب:
- حبيبة عمو يا ناس... صباح الورد والياسمين على أميرة عيلة الألفي اللي كلهم ولاد...
- قول بسم الله يا حبيبي... ما شاء الله... قالتها نجاة.
قهقه عليها حسين الذي يحضتن جاسر:
- أمك بتشيل العين يا حبيبي...
جحظت عيناه وأشار لنفسه:
- إيه يا نوجة أنا هحسد إخواتي؟
ربتت على كتفه بحنان أموي:
- الواحد بيحسد نفسه يا حبيبي.
قاطعهم دخول صهيب بولده:
- صباح الخير يا جدو... صباح الورد يا تيتا.
حملته نجاة مقبّلة على وجنتيه:
- صباح الفل يا حبيب تيتا...
تلقى صهيب غنى من سيف ورفعها بالهواء وهي تضحك بصوت مرتفع، وتردف: "بابا".
- صباح الورد والياسمين لأحلى بابا في الدنيا وعلى حبيبة مرات ابني الغالي.
ضحك سيف بصوته الرجولي الجذاب:
- ابن مين يا حبيبي... ابنك دا تشوفله واحدة بتبيع طماطم.
لكزه بجنبه:
- بس يلا... طماطم في عينك... بكرة تشوفوا هتهيم به عشقًا.
لمست وجنة صهيب النابتة وهمهمت:
- بابا صهيب...
ظلت ترددها بضحكاتها، ضمهًا لصدره:
- البنت دي أنا بعشقها بطريقة غير عادية خطفت عقلي وقلبي...
دار بنظره حوله:
- الحمد لله أبوها مش هنا.. دا عامل عليها كردون ممنوع الاقتراب منها... يخربيت ثقل دمه بيحسسني ما حدش جاب بنات إلا هو...
رفع سيف حاجبه بسخرية:
- بذمتك دي زي أي بنوتة... دي غنى الألفي يا ابني بنت غزل كفاية الاسم لوحده.
ارتفعت ضحكاتهما وهو يرفع يديه:
- عندك حق... دي بنت الشعنونة محدش بيجيب عيال زيها...
حمل جاسر مقبل وجنتيه:
- تعالى أنت يا غلبان محدش بيبص في وشك... الولد دا طالع غلبان لمين ما عرفش.
محدش يقولي أبوه... دا أشر واحد في العيلة...
رفع حسين نظره لصهيب:
- دا كبير العيلة يا صهيب من بعدي... والكبير ما بيكونش شرير.
- إيه يا حج أنت قلبتها دراما ليه... بذمتك ابنك دا حتى هدوءه غير غزل... يخرب بيته كل ما أفتكر عمل فينا إيه بطني بتوجعني.
قاطعتهم العاملة:
- الفطار جاهز يا ست نجاة...
أومأت نجاة برأسها:
- هنفطر ولا نستنى جواد؟
قهقه صهيب حتى ادمعت عيناه:
- جواد مين يا ماما دي إجازته...
توقف فجأة وتحدث:
- إيه دا عياله جم إزاي لوحدهم صحيح؟
وقفت نجاة وهي تحمل عز ابنه:
- بايتين معنا من إمبارح...
جحظت عين صهيب:
- لا ما تقوليش جواد وغزل سابوا عيالهم يباتوا برة.
اتجه حسين لمائدة الطعام وهو يتحدث:
- ليه يا ابني مش من حقنا نفرح بولادكم شوية... أنا طلبت وهم ما رفضوش، وبعدين غزل صعبانة عليا... ولدين صعبين أوي... وأديك جربت مع عز وفارس لما جه.
اهتزت نظراته لوالده:
- ما اقصدش يا بابا إننا نحرمكم منهما... بس دول صغيرين ومحتاجين رعاية...
جلس حسين وما زال ينظر له باستفهام:
- إحنا ممكن نكون كبرنا في العمر يا صهيب... بس أكيد ما كبرناش على إننا نهتم بأحفادنا.
حمحم سيف عندما وجد النقاش أخذ منحنى آخر:
- صهيب خانه التعبير يا بابا... قصده إن سنهم بيكون محتاج والدتهم أكتر... وأكيد شوفت طول الليل غنى وجاسر عملوا إيه.
- دا أنا ما عرفتش أنام، تنكر يا حج؟
أومأ بعينيه لولده:
- أنا فاهم قصده يا حبيبي... بس أنا ووالدتك بنكون مبسوطين أوي وهم في حضننا... أكيد مش هيتعبونا حتى لو تعبونا يا سيدي على قلبنا زي العسل.
تناول سيف فطاره وتحدث:
- أنا عندي محاضرة يا صهيب وبعد كدا هعدي على الشركة... لو فيه حاجة مهمة أجلها لحد ما أجيلك.
كان شاردًا في حديث والده... كيف له التغاضي عن والده وتركه وحيدًا عدة الشهور السابقة.
رفع حسين نظره له وعلم بصراعه:
- حبيبي أنا ما بقولش كدا علشان أفهمك إنك مقصر أبدًا... أنا بقول إننا بنكون مبسوطين وولادكم في حضننا، مش بيقولوا أعز الولد ولد الولد يا صهيب.
وقف صهيب لوالده مقبلًا رأسه:
- أنا آسف يا بابا، صدقني... ما كنتش أعرف الموضوع فارق أوي كدا.
اتجه حسين بحديثه لسيف:
- حدد ميعاد فرحك يا ابني كفاية كدا... إيه هتفضل خاطب طول حياتك؟
زفر سيف بحزن وأردف مفسرًا:
- نعمل إيه يا بابا بس حضرتك شايف كل حاجة جت ورا بعضها.. موضوع جواد... وبعدين ولادة غزل ودلوقتي تعب باباها، بس الحمد لله ريسنا أهو يا رب تعدي على خير.
بعد عدة أشهر:
بالإسكندرية في مزرعة ريان:
كان يقف بجوار شجرة الموز وهو يحملها، لقد بلغت من العمر ثلاث سنوات.
تذكر أول عيد ميلاد لها عندما ابتاع لها فستانًا مع والدته.
- أنطي غزل ممكن تاخدي دا لغنى؟
وبالفعل ارتدته وكان باللون الأبيض... قبلها وتحدث أمام والده:
- شوف يا داد غنى دي هتكون بتاعتي.
ابتسم ريان له:
- دي مش لعبة حبيبي...
جذب الصغيرة من والدتها وصار بها.
كان يحملها طيلة الحفل والجميع يضحك عليه سوى جواد... الذي اعترف بينه وبين نفسه أن هذا الطفل سيكون عاشقًا لابنته.
تنهد بوجع عندما تذكر مطبات حياته عندما وصل إلى عاشقة الروح... تمنى أن لا يكون بمثله في يوم من الأيام.
خرج من شروده عندما تمتمت بصوت طفولي بـ "بيدو".
ابتسم لها وتحدث:
- تعرفي أنا جايبك هنا ليه يا غنى؟
نظرت له الطفلة:
- شوفي الحصان اللي هناك دا... لما تكبري شوية أنا هدهولك هدية عيد ميلادك... بس أكيد مش عيد ميلادك دا... هيكون عيد ميلادك العشرين... وخليكي فاكرة كلامي دا...
كانت تنظر له ولا تعلم بماذا يقول.
رفعها حتى جلست على الحصان وهي تضحك... اتجه جواد سريعًا عندما رآه يجلسها فوق الحصان رغم حصار يديه حولها ولكن لا يعلم شعوره.
- لا يا بيجاد تقع منك حبيبي.
قطب ما بين جبينه:
- ليه يا عمو جواد بتكلم عيل؟ اسأل بابا كدا دا أنا أحسن واحد يركب خيل.
أخذ البنت منه:
- ما حدش قال حاجة يا حبيبي بس هي لسة صغيرة يا دوب ثلاث سنين... ممكن توقع.
أتى ريان عندما وجد نقاش ابنه الحاد وهو يحاول أن يجذب غنى التي بكت من غضب والدها على بيجاد.
غزل أردف بها جواد بصوت مرتفع:
- خدي البنت وخلي بالك منها...
رغم أنه طفل لم يبلغ من العمر سوى إحدى عشر سنة ولكن كلمات جواد أحزنته، وركب حصانه وخرج.
أشار ريان للمسؤول عن الأحصنة:
- خليك وراه، سيبه براحته.
ثم رفع نظره حزينًا من معاملة جواد له. مسح جواد على وجهه بغضب:
- ما كانش قصدي أضايقه، بس أنت شفت مصمم إزاي ياخدها معه.
ربت ريان على كتفه:
- خلاص حصل خير... عايز أفهمك حاجة... بيجاد غير عمر خالص، بيحب يعتمد على حاله ومبييأسش أبدًا بدل ما هو مقتنع بوجهة نظر... شوف مع إنه صغير بس دماغه تجنن.
ربت جواد عليه:
- ربنا يخليهولك يا رب.
في غرفة حازم ومليكة، تنام بعمق وتنسدل خصلاتها الحريرية على وسادتها... ظل يطالعها بنظراته العاشقة. اسمها على مسمى، فهي ملاكه... حياته... حب الطفولة وعشق الصبا والشباب... رفع أنامله على خديها يتلمسها بحب:
- بحبك بجنون عاشق، متوشم قلبه بعشقك الأبدي.
فتحت عيناها السوداء التي تشبه عيون الغزال بصفائها. قبلت يديه التي يضعها على وجنتيها:
- صباح الحب يا حبيبي.
أغمض عيناه يتلذذ بصوتها الهامس الناعم الذي اخترق روحه. وضعت أناملها في خصلاته الغزيرة:
- وحشتني أوي يا زومي...
تنهد بحب مردفًا:
- وأنتِ يا قلب زومي، عايز نجيب أخ ولا أخت لجواد؟
لمست خده بحب وأجابته:
- أنا كمان نفسي أجيب ولاد كمان...
ما كان عليه إلا أن يأخذها لعالمها الوردي الذي تتخلله زهورها الندية العالقة بعشقهما.
بعد أسبوعين، اتجه الجميع لقضاء أول يوم برمضان في الفيوم. حاول حسين جمع شتات العيلة مرة أخرى، علهم يرجعون يقومون لطقوسهم القديمة مثلما كان يفعل هو وماجد.
قبيل آذان المغرب، تجلس في حديقة منزل والدها وهي تلعب مع أطفالها. اتجهت لها نجلاء ابنة عمها ووالدتها منال. وقفت منال تنظر لأولادها والحقد يملأ قلبها:
- إزيك يا غزل عاملة...
ثم اتجهت بنظرها لأطفالها:
- حلوين ولادك، ألف مبروك... يا ترى بعد ما خلفتي عرفتي غلاوة الابن؟
ضمت أولادها بجلستها:
- أنا كويسة يا طنط منال... أيوه طبعًا ما فيش أغلى من غلاوة الولد.
اقتربت منها وهي تنظر لابنها:
- طيب ليه قتلته؟
قاطعتها نجلاء:
- ماما أنتِ قلتي عايزة تسلمي عليها.
رفعت نظرها لابنتها:
- ما هو أنا بسلم عليها...
كان يجلس بشرفته يتذكر الماضي. اتجه بنظره للحديقة عندما وجد صهيب متجها سريعًا لحديقة منزل ماجد. توسعت عيناه ونزل سريعًا متجهًا لهما. وقف صهيب أمام منال:
- أهلًا منال هانم، فيه حاجة؟
رفعت نظرها إليه بكبرياء:
- أهلًا يا بشمهندس... كنت بسلم على غزل الحسيني، ما تنساش إنها بنتنا.
- من إمتى؟
رغم ارتجاف أوصالها من صوته، إلا أنها حاولت الهدوء ولملمت شتات نفسها. استدارت له:
- أهلًا يا حضرة الضابط... كنت معدية شفت الفيلا مفتوحة وهي في الجنينة فقلت أسلم عليها... إيه غلطت؟
تخشى نظراته الباردة، حقًا إنه إنسان غامض. أمسكت يد ابنتها وخرجت:
- حمد لله على السلامة.
قالتها مغادرة. كانت تجلس تضم أولادها وجسدها يرتجف ولا تعلم لماذا. نظر لصهيب الذي شك بأمر منال خاصة نظراتها الحادة الحاقدة. جلس جواد بجوارها ضامًا إياها لأحضانه:
- ما تخافيش أنا معاكِ حبيبتي... مستحيل حد يقرب لك.
وضعت رأسها بحضنه:
- قلبي اتقبض لما شفتها...
لا يعلم ماذا يقول لها، ولكن شعوره المميت بالخوف يكاد يزهق روحه، ورغم ذلك قبل رأسها وأردف بكلمات مطمئنة لها.
بعد قليل على مائدة الطعام كانوا بانتظار أذان المغرب. كان يجلس ينظر لدرجات السلم ويتذكر منذ سبع سنوات، عندما كانوا ينتظرون أذان المغرب آخر رمضان لهما هنا. كانت تهبط درجات السلالم وهي تكاد تقف من نومها الدائم وجلوسها ومشاكستها لصهيب وسيف.
اتجه بنظره لها. كانت تجلس تطعم أطفالها وهي تبتسم بحب وحنان لهما. رفعت نظرها له فوجدته ينظر بتوهان إليها. علمت بحالته فهي تشعر بما يشعر، لكن حاولت الخروج من الماضي حتى لا تحزن روحه.
على الجانب الآخر من المائدة، يجلس صهيب ويتذكر ضحكاته كأنه بالأمس كان يوجد هنا. نظر لمقعده بجانب مليكة وهو يهمس لها. انسدلت دموعه رغما عنه، أزالها سريعًا. ذهب بذكرياته الجميلة المؤلمة الحزينة التي مروا بها جميعًا. اتجه بنظره لغزل التي كانت تبدو أمام الجميع إنها بخير ولكن نظراتها ولمعة عينيها المنطفية علم بوجود جرح عميقًا داخلها.
رفع الأذان بالمساجد، وفي إذاعة القرآن الكريم. نظر حسين لهما جميعًا وتحدث بصوت حزين عندما تذكر صاحب عمره:
- ادعوا دعواتكم بالستر والصحة والعافية... ودايما متجمعين مع بعض... وربنا ما يفرقكم أبدًا...
هنا أبت دموعها الصمود وتذكرت حديثه لها منذ آخر رمضان هنا، ومشاكسة جواد وجاسر ونفس حديث حسين وباباها:
- اقعدي وادعي ربنا إنك تنجحي وتطلعي من الأوائل، أصل وربي ما هرحمك يا غزل.
ضمها جاسر لحضنه:
- بس يا جواد، غزالتي شاطرة وهتجيب مجموع وهتدخل الكلية اللي بتحلم بيها.
رفع حاجبه بسخرية:
- أيوه يا أخويا دلع فيها... بكره أشوف غزالتك هتعمل إيه يوم النتيجة.
رفع نظره لها:
- مش بقولك يا بت ادعي، بتبصيلي كدا ليه؟
شاكسته بنفخ وجنتيها كالأطفال:
- بقولك يا أبيه أنت عايز تتخانق وأنا ماليش نفس... إفطر يا حبيبي وروح صلي.
جحظت عيناه من ردها المستفز. وقف متجهًا لها كالنمر المتربص. حاجز جاسر أخته بذراعيه:
- جواد هتعمل عقلك بعقلها... ومهما كان دي زوزو برضه مش أي حد.
كان يجلس يشرب التمر:
- اسكت يا جاسر، خليه يربيها أصل البت قذفته بقذيفة آر بي جي.
التفت لصهيب وصوب نظرات نارية:
- بتتريق يا صهيب؟
وقف صهيب جاذبًا غزل لأحضانه:
- بقولك يا جواد يا حبيبي أنت عايز تفطر علينا كلنا، هي البنت قالت إيه؟
مسد على كتفه بغرور:
- ياله يا حبيبي أقاموا الصلاة وعمو ماجد وبابا زمانهم راجعين وأنت هنا هتاكلنا كلنا.
لطمت يديها ببعضهما وهي تضحك:
- حبيبي أنت يا صهيوبتي... بموت فيك.
- طيب والله ما أنا سايبك يا غزل الكلب.
أسرعت للأعلى وهي تضحك كالأطفال.
- يا ماما أبو رجل مسلوخة هياكلني...
ضحك الجميع على مشاكساتهما، جذبه جاسر وهو يضحك على أخته المجنونة:
- أنت الغلطان. هي كانت ساكتة وحضرتك كالعادة...
أنزل برأسه له:
- اشرب حبيبي دي تربيتك...
قاطع ذكرياته عندما تحدث والده:
- ياله يا ولاد فكوا صيامكم وتعالوا نروح نصلي في المسجد... البلد وحشتني أوي.
وقف صهيب وسيف وحازم متجهين للخارج. أما الذي يجلس بجوارها وهي تتهرب بنظراتها منه، أمال وهمس بأذنيها:
- كل سنة وأنتِ معايا ومنورة حياتي... عايز أفطر عليكي النهارده.
كأن كلماته البسيطة وقعت على قلبها كالثلج ليبرد نار قلبها المشتعل بنيران الحزن. رفعت نظرها له:
- وأنت طيب يا حبيبي.
تحرك عندما وجد سكونها الهادئ سكن روحه.
بعد قليل رجع الجميع من المسجد وجلسوا يتناولون طعامهم في جو من الحب والفرحة بدخول الشهر الكريم رغم أحزان القلوب الداخلية:
- فين جواد يا مليكة وكمان عز؟
ابتسمت لأخيها:
- بيلعبوا فوق يا حبيبي في أوضة غزل بألعابها.
أومأ برأسه متفهمًا. حمل غنى مقبل خديها:
- حبيب بابي القلبوظ ساكت ليه؟
وضع يديه على جبهتها:
- البنت سخنة كدا ليه يا غزل؟
أخذتها منه وتحدثت مفسرة:
- بتطلع الناب حبيبي والحرارة عادية ما تخافش...
أكدت والدته على حديثها عندما وجدت لهفته وخوفه عليها:
- ما تخافش حبيبي الأطفال في السن دا بيكونوا تعبانين.
رفعها بين يديه يقبلها بحنان أبوي:
- بكره هتكمل تلات سنين... عايز أعملهم عيد ميلاد يا بابا بعد الفطار... وهعزم ريان كمان.
- طبعًا يا بابا اعمل اللي أنت عايزه... وكمان نتعرف على ريان كويس.
اتجهت لجواد بنظرها:
- نغم زعلانة أوي علشان خلفت ولد، كان نفسها في بنت... وأنا زعلانة علشانها كمان.
ضيق جواد عيناه:
- بس دا بإيد ربنا ما لناش تدخل فيه...
- فعلًا يا ابني المفروض نحمد ربنا...
- لا يا عمي نغم حد جميل مش جاحد أبدًا... بس نفسها يعني مش معنى كدا معترضة.
وقف جواد وحمل طفلته الساكنة بأحضانه على غير عادتها:
- هاخد غنى الدكتور يشوفها مش عجباني... إزاي هي تعبانة وجاسر لا؟
- حبيبي غنى ما فيهاش حاجة دا الضروس والناب وهي متأخرة كمان فيهم... جاسر طلعهم كلهم ورا بعض...
دخل صهيب وحازم:
- مليكة اعملي قوة حبيبتي عايز أروح أصلي القيام وشكلي هنام وأنا واقف...
قبل غنى وباباها يحملها:
- عاملة إيه يا عروسة ابني!!
رفع جواد حاجبه بسخرية:
- ابعد إيدك يالا... وإياك حد يبوسها تاني، قال عروسة ابنك! دي أميرة أبوها يا حبيبي... ما فيش إلا ابنك المعفن دا يتجوزها.
مط صهيب شفتيه وأردف بغلاظة:
- أهو جينا للغرور... بكره نشوف، بس يا ريت تلم بنتك اللي كل شوية تجري ورا ولادنا علشان يبوسوها.
دفعه بيديه حتى وقع على المقعد خلفه:
- أنت بالذات ما اسمعش صوتك... وابنك الفاشل اللي كل شوية يضربها ويقولها إياكِ تروحي لجواد... ابنك مسميني الوحش.
قهقه صهيب عليه وهو يتحدث:
- والله الولا بيفهم.
ابتسمت نجاة وحسين ودعت بداخلها:
- يا رب دايما السعادة والحب بينهم.
قاطعهم حسين:
- أنا ووالدتكم هنسافر بكره يا ولاد علشان نعمل عمرة رمضان... ومش هنرجع إلا يوم العيد إيه رأيكم؟
- طبعًا يا حبيبي ربنا يتقبل منكم.
هذا ما قاله جواد. نظر سيف لوالده:
- يا حاج أنا عايز أتجوز... لموني الله يستركم داخل على عشرين سنة خطوبة.
ضحكت مليكة عليه:
- ينفع تتجوز في رمضان يا حبيبي... استنى لما رمضان يخلص وبعد كدا نعمل أحسن فرح لأحسن شاب في عيلة الألفي.
أما صهيب الذي بحث عن زوجته:
- فين نهى مش باينة ليه؟
أجابته والدته:
- راحت مع ميرنا يشوفوا حاجة وراجعين حبيبي...
- طيب يا ست الكل خذي عز لما أروح أنام شوية حاسس هقع من طولي...
توجهت غزل له بطبق من الحلويات:
- شوف يا صهيوبتي عملتلك إيه... فاكر الكنافة؟
دقق النظر بها:
- فاكر كل حاجة يا زوزو... فاكر قد إيه الحياة دي صعبة وكلها مطبات والشاطر اللي يضحك عليها ويعدي...
أومأت برأسها عندما علمت بما يرمي به:
- ما تيجي نلعب شوية في الجنينة يا غزالتي؟
- لعب في عينك يا أهبل أنت... مش عايز تكبر ليه مفكرها لسه بضفاير؟
ترقرقت دموعاتها عندما تذكرت كل شيء أمامها. وصل أمامها وقبل رأسها:
- كل سنة وأنتِ طيبة حبيبتي... تعيشي وتفتكري...
قالها وانصرف من أمامها سريعًا. كان يجلس يراقب ما يحدث. فجأة سحبها من يديها:
- ادي جاسر لماما وتعالي عايزك...
بعد قليل كان ينام بغرفتها على ساقيها وبأحضان طفلته.
- تعرفي كل سنة بابا يجي ويقولي ننزل نقعد كام يوم في رمضان هنا وأنا أرفض.
رفع نظره لها.
- علشان مشفش نظرة الحزن والوجع دي.
رفع أنامله يتلمس بشرتها الناعمة، جاذبها إليه. رفعت أناملها تتخلل خصلاته بحب.
- ربنا يخليك ليا يا حبيبي.
نظرت لغنى التي غفت بعمق بأحضانه.
- هتحبها أكتر مني يا جواد، بحسك بتحبها أكتر من جاسر باهتمامك.
وضع ابنته بجواره.
- بحبها علشان حتة منك، بحبها علشان شبهك بكل حاجة، بخاف عليها بجنون زي ما بخاف عليكي كده، بس برضه جاسر ده قطعة من قلبي، جاسر هو روحي وحياتي، مبفرقش بينهم حبيبي.
أكمل مفسرًا:
- تعلقي بغنى لأنها بنوتة بريئة وبلاقي نفسك فيها من خمسة وعشرين سنة.
تمددت بجواره واضعة رأسها بحضنه.
- وأنا بحبك أكتر من أي حاجة.
قالتها ثم ذهبت في نوم عميق.
بعد شهر، وهو اليوم المقرر لحفل زفاف سيف.
تجمع الجميع حول العروس وهم يهللون بالأغاني الشعبية والرقص. كانت تقف بجواره متشابكة الأيدي، واضعة رأسها على كتفه وابتسامة تشق ثغرها من فرحتها وهي تنظر لأولادها الذين يحملهما سيف ويرفعهما ليقهقه الطفلان من الأنوار والأصوات الصاخبة.
نزل بجسده وهمس لها:
- هاتي الولاد وديهم عند ماما، جاسر شكله عايز ينام.
أومأت برأسها واتجهت لأولادها.
حملت جاسر وأخذت مليكة غنى متجهة لوالدتهما التي تجلس بجوار زوجها وهاشم وليلى وحسناء، في جو من الحب.
كانت تجلس تنظر له وفجأة أردفت بصوت هامس:
- حسين سامحتني؟
رفع نظره لها وتحدث بيقين:
- أنا مسامحك من زمان يا حسناء، مفيش حاجة بينا علشان أزعل، الماضي أصبح ماضي.
رفعت نجاة نظرها لهمسهما وحزن داخلها، فدائمًا قلوبنا تشعر بالغيرة خاصة عندما ترتبط بحبيب.
ورغم ذلك ابتسمت لزوجها الذي ربّت على يديها بحب.
أتت الفقرة الختامية برقصة العروسين الأخيرة.
جذب صهيب نهى لساحة الرقص، وأخذا يتمايلان على الموسيقى الهادئة.
نظر لمقلتيها.
- تعرفي نفسي في إيه الليلة؟
وضعت رأسها في حضنه.
- نفسك تخطفني في مركب ونهرب في البحر.
ضمها بقوة لأحضانه.
- نفسي جدًا، إيه رأيك نسيب الولاد مع مامتك وباباكي ونهرب يومين؟
رفعت نظرها تنظر له بعشق طاغي.
- تعرف أنا نفسي في إيه؟
انتظر جوابها.
- نفسي السعادة دائمًا تدوم عيلتنا، نفسي دائمًا نكون ملمومين مع بعض، بحب جو العيلة بتاعتنا أوي حبيبي، ربنا ما يفرقنا أبدًا.
قبل جبينها قبلة دافئة عميقة.
- أنا بحمد ربنا إنك مراتي، ربنا يبارك لي فيكي يا حبيبي.
على الجانب الآخر.
كانت تتمايل معه على أنغام الموسيقى ينظر لعيناها التي تشبه عينان الغزالة.
- الفرح حلو والسعادة أجمل شعور المفروض نحمد ربنا عليه.
ابتسمت له وأكدت حديثه.
- السعادة في حاجتين حبيبي.
الزوج الصالح وكرم ربنا ورحمته بعبده. اقترب واضعًا جبينه فوق جبينها.
- بحبك يا ملاكي، بحبك أوي.
"حازم"
أردفت بها بهدوء:
- مبروك حبيبي هيجيلك ولد تاني.
جحظت عيناه وضحك فجأة وهو يحملها ويدور بها والكل يرى سعادتهم.
عند العروسين.
كان يطوق خصرها بشدة ويتراقص على الموسيقى. اقترب وهمس أمام شفتيها.
- أخيرًا هتباتي في حضني.
توردت خدودها من كلماته التي أشعرتها بالخجل.
- سيف بس بقى أنا هيغمى عليّ أصلًا.
اقترب أكثر وأكثر حتى كادت الشفاه أن تتلامس.
- بحبك يا عيون سيف، حرام بقى لي خمس سنين خاطب يا ناس.
وفجأة رفعها من خصرها وهو يلف بها ويردف بسعادة:
- بحببببببك.
صفق الجميع لهذا الحب الصافي الذي تحمله القلوب.
أما عند التمرد العاشقي.
يجلس على المقعد بجوار والده وهو يحمل ولده، يشاهد إخوانه والسعادة تمتلئ وجوههم، هنا شعر بسكون الروح.
رفع نظره لزوجته التي تتأكل بنيران الغيرة عندما وجدته يقف بجوار أمل ويتحدث معها. هو كان ينصحها لعل تتغير وتجد الحب الحقيقي ولكن كيف؟
بعد انتهاء الزفاف.
طوق خصرها متجهًا لمنزلهما بسيارته وبالخلف تجلس مربية أولاده.
جذبها لتنام على كتفه كعادتها، حاولت أن تبعد ولكن كيف لها وهو يحسب الثواني حتى يختلي بها؟ جمالها في حفل الزفاف جعل قلبه يشعل بالغيرة عندما كانت ضحكاتها ترنو بصوتها الرقيق، خاصة عندما اقترب بعض أصدقاء سيف منها.
وصلا أخيرًا إلى منزلهما. نظر لنهلة المربية.
- هتباتي مع الولاد يا نهلة الليلة وإياكي تتحركي من جنبهم.
- تمام يا فندم.
هي غنى بس اللي بتصحى وبتقعد تعيد عايزة مامتها. وجد والدته متجهة لهما، كانت غزل تغط في نوم عميق على كتفه.
اتجهت له وتحدثت:
- ما تخلي الولاد يجوا يباتوا معايا يا جواد النهاردة.
تنهد بارتياح نظر لوالدته بعرفان.
- تمام يا ماما وخدي نهلة معاكي علشان غنى ما تمتعكيش الليلة.
حملتها وهي تتحدث:
- لا مش هتتعبني ولا حاجة، هاتي يا نهلة جاسر وتعالي، أنا عارفة جواد مش هيعرف يشيل الولد وأمه.
قهقه جواد على كلمات والدته.
قام باعتدالها في حضنه وهو يتنهد بعشقها.
فتحت عينها ورفعت أناملها تتخلل وجنتيه ذات اللحية النابتة.
- حبيبي إحنا وصلنا؟
استدار بسيارته متجهًا لبيت المزرعة الخاص بها.
- لا إحنا هنروح مشوار.
رجعت لحضنه ونامت مرة أخرى. وصل لمنزل المزرعة.
أنزلها بهدوء وتكاد نبضات قلبه تخرج من صدره من لمستها الحنون.
جلست على الفراش تنظر حولها:
- إحنا فين والولاد؟ فين الولاد يا جواد؟
اتجه للشرفة لإغلاقها حتى أصبحت الغرفة مظلمة إلا من ضوء القمر ونور الشمعة الذي أشعلها بجانبها.
قام بفك حجابها، مما أدى إلى انسدال خصلاتها بالكامل، وخلع كاب فستانها.
بسط يديه إليها حتى تقف وترقص معه عندما قام بفتح هاتفه على موسيقى أجنبية هادئة.
ضمها بقوة لحضنه ظلت تتمايل معه على لحن الحب، ودقات القلوب وأنفاسهما المرتفعة كأن هذا لقائهما الأول، فقط ينظر لعيناها وتذكره عندما حملها بين يديه لأول مرة وهي تبلغ من العمر شهر، حينها سُرق قلبه عندما ناظرته برماديتها الصافية ليعلن من ذاك الحين إنها ملكه وحده.
كانت يداه تضغط على خصرها حتى يقربها إليه، يريد أن يثبت لنفسه أن تلك الساحرة ملكه بين يديه، حتى يثبت أنها حقيقة وليست حلمًا. أنزل برأسه يستنشق عبيرها الذي أطاح بقوته الواهية طيلة الزفاف.
رفع نظره لها وتحدثت النظرات بل القلوب بالكثير والكثير.
- بحبك يا غزالة الجواد.
ناظرته بعيون لامعة ترقرق بالدمع من السعادة.
ابتعدت عنه تدريجيًا فانسدلت عبراتها، أخذ يكفكفهم بأنامله، جاذبها كالفراشة الرقيقة لصدره عندما شعر بما تعانيه.
- دائمًا هتلاقي حضني هو أمانك أوعي أشوف دموعك طول ما أنا عايش.
عانقته بقوة كأنه سيتركها، ضمها من خصرها رافعًا إياها حتى أصبحت بمستواه.
شعر بأنين الحب من نظراتها له، طوقها بيد واحدة رافعًا أنامله يلمس خديها.
- تعرفي إنت الوحيدة اللي قدرتي تخترقي كياني وحبك بقى يجري في شرياني، عايز أكد لك أنا بيكي اكتفيت من سعادة الدنيا يا قلبي.
أنزلها بهدوء عندما ابتسمت له.
- تعرف لو ما كناش اتجوزنا كان ممكن يحصل لي إيه يا جواد؟
ظل يلمس خديها بإصبعه.
- محدش كان هيقدر يقرب لك يا روح جواد، حتى لو هسيبك طول العمر من غير جواز.
ابتسمت بسخرية.
- لا والله، ومين كان هيوافق؟
ضغط على خصرها بقوة عندما شعر بخنجر مسموم من الفكرة نفسها.
- "أنا" كان بس شوفي هعمل إيه.
وضعت يديها على صدره.
- وأعرف إزاي دلوقتي وإنت ملكتني؟
ما زال يتمايل معها على لحن الحب.
- إيه يا زوزو نفسك تشوفيني مسجون ولا إيه؟
ارتفع صوت ضحكاتها.
- كان نفسي أشوفك مجرم يا حبيبي.
رفع حاجبه بسخرية.
- وحد قالك إني مش مجرم ولا إيه؟
قهقهت بصوتها الأنثوي مما جعلت نيران عشقه تزيد بأوردته.
- طيب علشان صوت الكروان ده، لازم أوريكي نوع من الإجرام ودلوقتي.
اتجه بها إلى فراشهما حتى يذيقها نعيم جنته بل إجرامه العشقي كما قال.
بعد عدة أيام.
كان الجميع يقف أمام إحدى المباني العملاقة التي يوجد بها أحدث الأجهزة الطبية الحديثة، توجد عدة لافتات على كل طابق، وبالجانب يوجد مبنى على أعلى مستوى من التجهيزات يكتب عليه:
"الجاسر لعلاج جميع الأمراض بالمجان"
تحت رعاية الدكتور غزل ماجد الحسيني.
تقف بجانبه متشابكة الأيدي وبجوارهما من الناحية الأخرى صهيب وزوجته، وعلى الجانب الآخر يقف سيف بجوار زوجته، وبالمقابل يقف حازم بجواره زوجته، وفي المنتصف يقف حسين الألفي بجواره زوجته نجاة الألفي وعلى الجانب الآخر يقف ريان بجوار إلياس السيوفي.
نظر ريان لجواد ليبدأ الافتتاح، ولكنه رفع نظره لوالده الذي قام بقص شريط افتتاح المجمع الخيري لعلاج الأورام.
بعد قليل اتجه لسيارته جاذبًا زوجته متجهًا بها إلى الفيوم.
كعادتها تضع رأسها على كتفه وتضم ذراعه.
- رايحين فين يا جواد؟ أنا عايزة أنام، تعبت جدًا النهاردة.
لف ذراعه وحاوط جسدها.
- لسه فيه مكان لازم نروح له النهاردة وبكده.
انتهت رحلتنا الشاقة حبيبي.
رفعت رأسها وأردفت متسائلة:
- رحلتنا الشاقة؟ إنت شايف إن حبنا لبعض رحلة شاقة؟
- جدًا يا غزل فوق ما تتخيلي، ونامي لحد ما نوصل وهفهمك معنى كلامي.
بعد فترة وصلوا إلى مدينة الفيوم منها إلى المقابر، كانت تغط في نوم عميق لحملها الجديد.
وضع يديه على وجهها يتحسسها.
- زوزو حبيبي قومي وصلنا.
فتحت عيناها تنظر حولها، ثم اتجهت بنظرها له.
- جواد جايبنا المقابر ليه؟ إحنا جايين نزور جاسر وبابا.
لم يدعها تستكمل حديثها ونزل متجهًا لها ثم فتح باب السيارة وأنزلها، جذبها من أكتافها دالفًا بها حتى وصل للمقبرة، توقف أمام المقبرة بعد سلامه على المؤمنين.
"السلام عليكم أيها المؤمنون المتوفون أنتم السابقون ونحن بكم اللاحقون."
ظل ينظر للمقبرة لعدة لحظات، اتجهت غزل وجلست وأمسكت دلو من المياه، وأروت بعض الأشجار التي زرعها جواد بجوار المقبرة منذ استشهاده.
أمسكت جدار المقبرة.
- عامل إيه حبيبي؟ وحشتني أوي، النهاردة جواد جابني فجأة ومعرفش ليه، بس كويس إنه جابني، لأنك كنت واحشني أوي، بقى لي كتير ما جيتش هنا.
جلس بجوار غزل.
- النهاردة خلصت العمل اللي كنا نفسنا نعمله مع بعض يا جاسر، جيت أقول لك ارتاح يا حبيبي خدت بطارك وبطارنا كلنا.
كنت عايز أجيب لك جاسر ابننا الصغير.
أكمل حديثه:
- واخد منك كتير أوي.
أهم حاجة واخدها الطيبة.
رفع بعض الرمال بجوار المقبرة.
- لو فضلت أشكرك عمري كله مش هوفيك حقك يا جاسر... كنت دايماً قوتي في الحياة وحتى بعد موتك اديتني السعادة كلها... فاكر آخر جملة بينا؟
- اتجوزها يا جواد وابعد عن قلبك المتمرد.
تنهد بحزن لذكراه لجملته.
- ده مكنش تمرد عادي حبيبي... ده كان تمرد عاشق... يا ريتك كنت معايا يا جاسر، وشفت أجمل هدية ربنا ادهالي.
وقفت أمامه وانسدلت دموعها.
- بس أحسن تمرد عاشق في الدنيا... رفعت يديها وقبلته ثم اتجهت بها على أحشائها ووضعتها... وبقوله هنا قدام أغلى شخص عندي... السعادة والحب كلها معاك أنت.
أنت يعني الحب.
أنت يعني العشق.
مبروك يا حبيبي هتبقى أب للمرة التالتة والرابعة...
تمركزت عيناها عليه.
- أنا حامل في توأم تاني يا جواد وبقالي شهرين...
هزة عنيفة أصابت جسده بالكامل من فرحته التي غمرته بالكامل... لم يكن ذلك المراهق أبداً... ولكن إلى هنا لم يقوَ على الهدوء.
حملها فجأة وبدأ يدور بها وهو يصيح بأعلى ضحكاته التي سمعها أهل الدنيا وأهل القبور.
"الله الله الله!"
كم أنت رحيم بعبدك الضعيف يا رب العالمين... اتجه بنظره للمقبرة.
قولي يا جاسر هطلب أكتر من كده إيه؟
انتهى من فرحته التي دامت واستقرت بالقلوب... ضم وجهها بين راحتيه وأردف:
أحبك يا نبض قلبي حب لا معالم له ولا حدود، لا بداية له ولا نهاية، بل حب مطلق لا ينتهي ولا يجف، ولا يتوقف عن العطاء، ولا يهدأ منه العشق والاشتياق والحنين. أحبك حب خلود، لا يموت، حب معمّر في قلبي وقلبك نتنفس منه جمال الحياة، ولكن الفرق أني أتنفس منك، أكثر فكنتِ لي كل الحياة، أميرتي أنتِ محياي وهذا يكفيني لأشعر بالأمان أن حياتي بين يدك. أحبك يا نبض قلبي، أحبك...!