تحميل رواية «تربية حواري» PDF
بقلم ولاء حامد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في حارة شعبية تتسم بالطيبه والأصالة، الكل يراعي بعضه. نشأت بطلتنا الصغيرة المتمردة، تربت وتراجعت بين أروقة الحارة حتى شبت. وكبرت كأنثى تخطف عين الرجال بجمال خلاب، ولكن تلفحت بلسان سليط يجلد كل من يقترب منها. فهي تربية الحارة التي لقبت بالقادرة لما تفعله بكل من يتجرأ عليها، وأصبحت الشرشحة هي وسيلتها الأولى. الساعة 8 الصبح في حارة المغربي، صوت صراخ وزعيق خلا الكل فتح شبابيكه يتفرج على الخناقة المعتادة كل يوم، والكل عارف إن آخرها محسوم. قامت هدى من النوم وهي بتبرطم: "يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم...
رواية تربية حواري الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ولاء حامد
جبل: هترجع ماما؟
همام: اللي اتكسر بيني وبين أمك مستحيل يتصلح تاني. أمك فسرت سكوتي على أنه ضعف، بس هو مكانش ضعف، هو كان احترام وتقدير. كنت بقول لنفسي معلش، ماهو انت سايبها طول النهار وفي شغلك وهي شقيانة ما بين شغل البيت وطلبات البيت وتربية العيال والمذاكرة وغيره وغيره. مع إن كنت طول عمري موفرلها كل سبل الراحة، يعني المدارس كنت بوديكم مدارس خاصة والباص يودي ويجيب عشان متتعبهاش، حتى طلبات البيت كنت جايب ليها عربية عشان متتبهدلش ومدرسين خصوصيين في البيت عشان متتعبش. ومع ذلك كنت بقدر تعبها اللي كنت بسعى بكل الطرق لراحتها. كان كل طلب أمر. كانت عينيها دايما تبص للي في إيد غيرها، وكانت دايما تطلب اللي الحاجة الغالية بس. كل شهر لازم طقم دهب غالي كان بياخد أكتر من نص مرتبى، وكنت مكنتش بحب أكسر خاطرها. وغيره وغيره وغيره. للأسف يا ابني، كل إنسان ليه في كل حاجة رصيد، وأنا رصيد أمك من الصبر عندي خلص.
جبل بوجع: زي ما رصيدي من الحب عند حور خلص.
وبص على الكيس اللي في إيده وبكى بحرقة.
همام بوجع أشد: للأسف يا ابني، انت مصبرتش وملحقتش تعمل رصيد يشفع ليك عندها، عشان يوم ما تزعلها تسحب من رصيدك ده.
جبل ولسه الدموع في عينيه: للأسف يا بابا، غلطة دمرتنا كلنا، دمرت حياتي، حياتك.
همام بهموم: للأسف يا ابني، دي مش غلطة، دي صخرة وكسرة يا ابني. كان لازم يوم تنهار، تتدمر كل اللي حواليها.
جبل: هانعمل إيه؟
وغمض عينيه بوجع بيشق صدره وبص للكيس بوجع.
همام: هناخده ندفنه جنب أي قبر من مقابر عائلتنا.
جبل: ماشي.
همام سكت شوية ودور العربية وساق بسرعه.
جبل: احنا رايحين فين كده؟ ده مش طريق المقابر.
همام بصمت.
***
عند حور، فضلت طول اليوم حابسة نفسها في مكتبها ودموعها موقفتش زي الشلال.
***
هدي كانت بتنضف البيت وسمعت خبط على باب البيت.
هدي: اصبر ياللي على الباب. يوه، هو أنا قاعدة ورا الباب؟
فتحت الباب بعد ما لبست طرحتها.
أم بعبده: العوافي يا أم حور.
هدي: الله يعافيكي يا حبيبتي، تعالي خشي. البيت بيتك.
أم عبدو قعدت على المصطبة اللي قدام الباب: لا تعالي اقعدي جاري، ده حتى الجو إنهاردة خريفي وهاوي.
قعدت هدي جارها: أيوه والله، الجو إنهاردة صابح بارد.
أم عبدو: الأ مدرتيش باللي جرا؟
هدي برفعة حاجب: خير يا أختي، إيه اللي جرا في الحتة؟
أم عبدو وهي بتلوي بوقها يمين وشمال: اسكتي اسكتي، يالهوي على اللي جرا. مش الجماعة اللي كانوا نسايبكم، الراجل طلق مراته بعد ما دق عضمها في لحمها. دق الدرة، والنبي ده ذنب البت حور، أصلها كانت ولية قوية ومستقوية.
هدي بشهقة وخبطة على صدرها: يا ندامتي، ليه يا أختي؟ هما صغيرين للطلاق ده؟ معاها عيلين كبار، الواد راجل ما شاء الله والبت عروسة على وش جواز.
أم عبدو: يا أختي، دي ولية قرشانه طهقت الراجل في عيشته. والله راجل زي ده خسارة فيها، ده كان مدلعها ومستنيها ومهنيها، غير الدهب اللي كان مصاغها بيه. دي مكانتش بتقدر تقيم قامتها من كتره، وهي اللي اتبطرت على النعمة، وهو كده البطران آخره قطرانه.
هدي بصدمة: بس بردو مش لدرجة طلاق يا أختي، ده خراب البيوت مش بالساهل.
أم عبدو: يا شيخة، حرمت عليها عيشتها. ولية مفترية وعايشة الدور أوي، على إيه؟ وهي وشها شبه قفاها. والنبي يا أختي، ارتاح من همها وحياتك يا أختي، كلها شهر ولا شهرين وتلاقيه متجوز صبية ترجعه شباب، أصل في سرك الراجل طول بعرض وحلاوة، الله وكيلك. طبعًا يا أختي، عايش في العز والفلوس عنده بالشوال.
هدي بضيق: ياستي ربنا يصلحلهم الحال، كل بيت فيه اللي مكفيه.
أم عبده برفعة حاجب: يا أختي، ده أنا قولت هاتشمتي فيهم وتبردي نارك على طلاق بنتهم.
هدي بشهقة: أعوذ بالله يا أختي، تفّي من بوقك. اللهم لا شماتة، لا في موت ولا مرض ولا خراب. إحنا ولايا وعندنا ولاية.
أم عبدو: والنبي يا أختي، ما جايبك ورا غير قلبك الأبيض ده. واحدة غيرك كانت رقعت زغروتين وفرقت شرباته.
هدي: اللي يشمت في الخراب يبقى ابن حرام وقليل الأصل، وأنا مانيش بنت حرام ولا واطية يا سهير.
أم عبدو: حاشا لله يا أختي، والنبي ما قصدي. يقطعني، أنا قولت بس أفرحك إن ربنا رد حقك. انتي واسم النبي حارسك، الست حور.
هدي: عارفة يا حبيبي، عارفة. انتي هاتقوليلي، بس بنتي وابنهم عيشهم ونصيبهم اتقطع مع بعض لحد كده.
أم عبدو بضيق واستغراب من موقف هدي: طيب يا حبيبي، يلا فوتك بعافية. أما أقوم بقى ألحق أجهز لقمة للراجل اللي زمانه على وصوله.
هدي: إذنك معاكي يا حبيبتي.
***
وصل همام وركن العربية ونزل.
جبل: جايبنا هنا ليه يا بابا؟
همام بص له بوجع وسابه واتحرك ورن الجرس. دقايق وفتح الباب وبص باستغراب.
عبد الفتاح: أهلاً وسهلاً يا حاج همام، اتفضل بيتك ومطرحك.
همام بوجع: اختك جوه يا حاج؟
عبد الفتاح: جوه يا حاج، خير؟
همام: اندهلها وتعالي عايزك، بس الأول في حد هنا؟
عبد الفتاح بهزة رأس: لا، محدش هنا غيري أنا وثريا.
همام: ماشي، اندهلها وتعالي احضرنا.
دخل همام وجبل وهموم الدنيا عليهم.
دقايق وجات ثريا تجري.
ثريا بلهفة: همام، كنت عارفة والله إنك مش هتهون عليا ولا تهون عليك عشرة السنين.
همام زق إيديها من عليه وبغضب: لا يا ثريا، هانت أوي كمان. أنا جاي عشان أقولك آخر مصايبك.
وطلع من جيبه الكيس اللي عطتوه له حور وحطه في إيديها.
عبد الفتاح: إيه ده يا حاج؟
جبل بدموع: ابني.
عبد الفتاح بصدمة: مش فاهم.
همام: حور سقطت نفسها، خافت من الفضيحة وقالت مش أنا اللي اتجوز للستر على ذنب معملتوش. وأدتنى ده، وقالت انتوا أولى بيه، ادفنوه بمعرفتكم.
جبل بإنهيار: فرحانة يا ماما؟ شمتانة؟ افرحي كمان. قلبي اتحرق مرتين، مرة لما حور سابتني، ومرة لما ابني مات قبل ما أفرح بيه.
همام ضم ابنه لحضنه: روحي يا ثريا، منك لله.
وبص لأخوه: بكرة يا حاج، هاعدي عليك ونروح للمأذون عشان أطلق أختك رسمي.
عبد الفتاح بكسرة: هاتعمل إيه في السقط ده يا حاج؟
همام بوجع: هاروح الترب بتاعتنا أد فنه جنب أي قبر. ده روح كانت بين إيدين اللي خلقها، وذنبها في رقبة أختك.
وسابهم ومشي هو وابنه وهما منهارين.
ركب جبل وهمام العربية وساق لحد المقابر ودخل بعد إلقاء السلام.
"السلام عليكم أهل قوم من المسلمين والمؤمنين، أنتم السابقون ونحن إن شاء الله بكم لاحقون. نسأل الله لنا ولكم العافية."
واتحرك لدالى ان وصل إلى مقابر عائلة همام أبو جبل. وقف وقرأ الفاتحة لأهله وذويه وموتى المسلمين أجمعين. وقعد على ركبتيه وحفر بجوار القبر حفره عميقة وصغيرة، وأخرج قطعة اللحم الصغيرة من الكيس ووضعها في الحفرة، وأعاد التراب عليها مرة أخرى.
جبل بدموع وبكاء حار لنفسه: سامحني. دي غلطتي، شيطاني غلبني وضعفت. ومقدرتش أقول لأ. ياريت كنت قلت لأ، كان زماني فرحان والدنيا مش شايعاني من فرحتي بيك. بس غلطتي، وانت اللي دفعت تمنها، انت وأمك. أنا آسف، حقك عليا.
همام بعيون بتلمع بالدموع أخد ابنه في حضنه: هدي نفسك، خلاص أمر الله ومكتوب، ممنوش مفر. يمكن ده يكون درس ليك إنك تتعلم من أخطائك وتصلح من نفسك.
جبل بإنهيار: قلبي بيتحرق، موجوع أوي.
وخبط على صدره من الوجع.
همام زاد من ضمه لابنه: هونها على نفسك وقول يا رب.
جبل بوجع عمال بيزيد مش بيقل: ياااارب. قلبي بيتحرق. يا رب. عارف إني غلطت، والله عارف. بس كفاية عليا عقاب. والله تعبت، تعبت يا رب.
همام اتمالك نفسه بسرعة قصاد انهيار ابنه: يلا خلينا نمشي، واللي فيه الخير ربنا هاييسرهولك.
جبل بحرقة: ياااارب. تعبت، والله تعبت.
همام شد ابنه واتمالك نفسه بسرعة وطلع من المقابر قبل ما ينهار على انهيار ابنه.
طلع همام وجبل من المقابر وركبوا عربيته وكل واحد منهم في ملكوت ربه.
همام في ملكوت همه وكسرته، ما بين مراته وابنه واللي عمله، وآخرها حفيده اللي راح قبل ما يشوف النور بسبب جبروت مراته وسكاته عليه، اللي خلاها تتمادى كل يوم في الشر عن اللي قبله.
وجبل اللي شرد في ملكوت ربه وبيحاسب نفسه، ولأول مرة يعترف بضعفه قدام أمه.
جبل لنفسه: ياااااااه، ده أنا عيل أوي. أصغر من إني أتشاف، أصغر من إني أتحس. طول عمري عايش تحت طوعها، طول عمري عامل زي عروسة الماريونيت اللي بتلعب بخيوطها بين إيديها. وأنا اللي عليا أقول طيب وحاضر وبس. حتى حياتي هي اللي كانت بترسمها وأنا أقول حاضر. ولما حبيت... آآآآآه يا جبل، آآآه من وجعك. بإيدك كسرت قلبك، كسرت حور وحوريتك. آآآآه يا وجع ما بعده وجع. محدش غلطان غيرك، محدش يتلام غيرك. كان لازم تقول لأ. لما كبرت، مكنش ينفع تفضل طول عمرك ابن أمك. يا هههه جبل، والله أنا أغرب حاجة في الدنيا، اسم على غير مسمى.
وغمض عينيه بوجع.
وصل أخير بعد دقايق من العذاب جبل وهمام البيت.
دخل جبل زي القطر على أوضته.
وهمام دخل البيت لقى بنته الصغيرة مستنياه.
همام: مالك يا جميلة؟
جميلة بحزن: مفيش يا بابا. أنا اللي عايزة أعرف في إيه، وماما فين؟ وكلكم سايبيني لوحدي في البيت ليه؟
همام بوجع وصعب عليه بنته الصغيرة اللي اتنسيت في زحام المشاكل: حقك عليا يا قلب أبوكي، معلش.
جميلة: يا بابا، أنا مش بقول لحضرتك كده عشان تقول معلش. أنا بقولك عشان حضرتك معودني من صغري إني اللي أحس بيه أو يزعلني أقولهولك مهما كان.
همام بتفهم: عارف يا بنت أبوكي، بس الوقت الحالي لا سنك ولا عقلك هايستوعب اللي حصل.
جميلة بفضول: ليه؟ حضرتك شايفني لسه طفلة؟ أنا بقيت في ثانوية عامة، كلها سنة وأدخل الجامعة.
همام بتنهيدة وجع: مش بالسن يا بنتي، ياما ناس شعر رأسها شاب وعقلها عقل عيال.
جميلة: يا بابا، فهمني من فضلك. أنا يمكن أبين تافهة، بس أنا فاهمة. كل واحد يا بابا، ياريت تراعي عقلي وتفهمني. أصل اللي هاتخبيه انهارده هاي بان بكرة، فخلي انهاردة للنهاردة وبكرة لبكرة.
همام بذهول من عقل بنته: انتي كبرتي كده إمتى يا جوجو؟
جميلة: كبرت من زمان يا بابا. من وقت ما لقيتش حد حواليا. جبل طول الوقت ملازم ماما زي ضمها وحضنها، وحضرتك طول الوقت في الشغل، ولما تيجي ماما تستلمك شكاوي، فحضرتك أما تدخل تعتزل في أوضتك أو تنزل تكمل بقيت اليوم بره. فكان لازم أكبر قبل أواني.
همام بتنهيدة طويلة شايلة فيها كل معاني الألم: حقك عليا يا بنتي، حقك عليا. أنا السبب في اللي انتوا فيه. أنا اللي اختارت غلط، وأنا اللي سيبت الجمل بما حمل ليها. وادي النتيجة، عيل خرع وبنت عجزة قبل الأوان. آآآآه يا وجعك يا همام، لحد إمتى.
جميلة بزعل: أنا آسفة يا بابا، والله مش قصدي. أنا باتكلم زي ما اتعودت طول عمري، اللي في قلبي على لساني.
همام بتفهم: أنا فاهم يا بنتي. أنا موجوع من تقصيري في حقك وحق أخوكي، وللأسف انتوا اللي دفعتوا التمن. اسمعي مني الكلمتين دول يا بنتي. أنا وأمك الحياة بينا بقت مستحيلة، وصلت لآخرها. أمك اتعودت على الأخد وبس، متعرفش تدي، متعرفش تعمل حاجة غير إنها تدمر. أمك دمرت أخوكي وبيته قبل ما يتبني. ومتسأليش، لأن مش كل حاجة تتقال وتتحكي. أمك كسرت الثقة اللي بينا، اللي هي كانت هشة. للأسف.
جميلة: انت وماما هاتطلقوا؟
همام بهزة رأس: أنا رميت عليها اليمين، وكمان كام يوم هانروح للمأذون وهايبقى رسمي.
جميلة بصدمة: وإحنا فين من قراراتكم دي؟ أنا وأخويا فين؟ ساقطين من حساباتكم؟
همام: يا بنتي، افهميني.
جميلة: أفهم إيه يا بابا؟ أفهم إن بعد ما كبرنا حضرتك افتكرت إن قرارك غلط؟ افتكرت إننا موجودين دلوقتي، جاي تصلح غلط بغلط أكبر؟ للأسف يا بابا، الوقت اتأخر أوي لتصليح الغلط. للأسف، إحنا عايشين في حارة والكلمة هنا بتسمع. ليه تخلينا على لسان كل الناس؟ تقدر حضرتك تصلح غلط بطريقة صح، غير كده.
همام بكرشة وش: قصدك إيه؟ إني أرجع والدتك؟
جميلة: ده اللي المفروض يحصل. مش إننا نعيش مشتتين ما بينك وبين ماما.
همام: اللي أمه بتموت بيتربي.
جميلة بمقاطعة: بس هي عايشة، مماتتش. عشان نحط فرض لو يا بابا.
همام: انتي متعرفيش أمك عملت إيه، ومش هاتتخيلي أصلاً مدى الشر اللي وصلت ليه. أمك اللي قاعدة تطلبي مني أرجعها لحياتي وحياتكم تاني.
جميلة بدموع: لأ، عارفه.
همام بصدمة: عارفة إيه بالظبط؟
جميلة بصوت مخنوق من الدموع: عارفة اللي ماما عملته في حور لما طلبت تيجي هنا وخلت أخويا جبل عمله فيها.
همام بصدمة وعدم استيعاب: عرفتي منين؟ ومين اللي قالك؟ هي اللي حكتلك؟
جميلة بهزة رأس: لأ، أنا يومها كان عندي درس، وأنا في الطريق افتكرت إني نسيت المذكرة ورجعت آخدها، وسمعت الحوار اللي دار بين ماما وأخويا. وقفت مصدومة لحد ما دخل الأوضة، وبعدها بشوية سمعت صوت صراخه وعياطه لحد ما حور مشيت.
همام قعد مكانه بصدمة وكأنه فقد النطق.
.......ياترى إيه آخرها والدنيا مخبية إيه لحور وجبل وحكايتهم خلصت لحد كده ولا لسه لحد منهم فرصة تانية، ولا القدر شايلهم إيه تاني....
رواية تربية حواري الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ولاء حامد
بعد ما قدر يتمالك نفسه شويه: ولما عرفتي ليه مجتيش وقولتيلي ليه سيبتيني على عمايا
بتوتر وخوف: مكنتش فاهمه ايه اللي حصل ولا عارفه يعني ايه الكلام اللي ماما كانت بتقوله لاخويا بس لما سألت وعرفت وفهمت كان جبل تعب ودخل المستشفي وبعدها كل حاجه جات ورا بعضها
وقامت من مكانها وقعدت قدام ابوها على الأرض ومسكت ايديه وكملت بدموع: ارجوك يابابا فكر فينا المره دي بلاش نتداس في الرجلين بينكم ارجوك رجع ماما وتقدر تعمل كل اللي عايزه بس جوه حيطان البيت داه مش براه ارجوك فكر فينا لمره واحده واخيره
وسابت ابوها وهموم الكون زااادت اوووي فوق كتافها
مرت الأيام وحور بدئت تتأقلم مع حياتها والندم والاستغفار بقى ملازمها واللي بقى ظاهر قدام أمها برغم انها بتحاول تدفنه جواها علشان محدش يتأذى ولا يتكلم عليها ولا على أمها
رجعت حور زي كل يوم من ورشتها واترمت على الكنبه بتعب
هدي وهي بصالها أوي ومركزه معاها
بتصنع المرح والضحكه مرسومه بألم: مالك يا هدهد الجناين بتبصيلي اوي كده ليه لو وحشتك كده عندك صوري مرشقه في البيت اهي
هدي وعنيها متحركتش مع على بنتها: ايه اللي صابك يا بنت بطني ضحكتك طالعه بوجع بتدبلي يوم عن يوم والهم بقى جبال فوق كتافك مش لسه هاعرفك من طله في عينك اعرف اللي جواكي بتداري عينك مني ليه مخبيه ايه يا بنت عامر
بتماسك شديد: مالي بس يا هدي في ايه على المسا بتقولي يا شر اشتر ليييه
هدي على نفس وضعها: الشر بقى ملازم عتبة بيتا يا بنت عامر من يوم ما طلبتي الطلاق واصريتي عليه وانا قولت آمين وانتي بقيتي زي الورده الدبلانه مالك إيه اللي صابك عرفيني عقلي هايشت مني
بهدوء وسكاكين بتقطع جواها: ولا حاجه مالي منا زي الفل الفرق بس اني مركزه في الشغل عندنا ضغط اليومين دول ايه اللي جد
هدي بعصبيه وصوت عالي: اللي جد ان اللي قدامي دي مش بنتي اللي اعرفها اللي قدامي دي واحده مكسوره ومطفيه فين بنتي اللي كانت بتمشي تدب على الأرض وتقول يا أرض اتهدي ما عليكي قدي فين حور القادره زي ما كانو مسميينها نسوان الحاره فين حور اللي كانت بتمشي صالبه طولها وفارده ضهرها وقلوعها زي ارجل راجل فين اللي قدامي دي واحده انا معرفهاش ماشيه محنيه ومكسوره مطفيه ودبلانه
حور بتنهيده وجع هزه رأسها وفضلت الصمت عن الكلام
هدي بنفس النبره والصوت العالي: مادام بتحبيه أطلقتي ليه مادام مقطعه روحك وكاسره نفسك وحانيه ضهرك أطلقتي ليه
حور بوجع: عشان مينفعش يا أما عشان انا حور القادره مينفعش حد يدوس عليا واسكت مينفعش اقول ضل راجل ولا ضل حيطه فهمتي يا أما الله يسترك سبيني خليني اقوم وارجع زي الأول خليني اجبر كسرتي بنفسي ومتقلقيش حور مش هاتطول وكسرتها هاتلم بسرعه وترجع تاني زي الأول وأحسن كمان
مر شهر بطوله وعرضه همام تحت ضغط عياله رجع ثريا بس رجعها لبيته من غير اي صفه غير أم العيال ونقل نفسه لشقه ابنه حتى الأكل مبقاش بيجمعهم
ثريا النار قادت فيها ومحمله حور كل الذنب
في يوم حور شغاله على عربيه دخل شخص غريب الورشه وسمعت صوت من وراها
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حور وهي على نفس وضعها وهي تحت العربيه: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
عربيتي عطلانه وقالولي ورشه الاسطى عامر هي اللي هاتجيب من الاخر
همام وهو نازل رايح شغله ثريا واقفه ورا الباب مستنياه
وأول ما سمعت صوته طلعت جري وقفت قدامه
ثريا بنفاذ صبر: لحد أمته يا همام هانفضل في الوضع داه
همام من غير حتى ما يبص ليها: لحد ما ربنا ياخد واحد منا اصل اللي اتكسر بينا مش طبق هايترمي ونقول فدانا واللي اتكسر يتصلح اصل اللي اتكسر هنا لا ينفع فيه تغيير ولا تصليح روحي ربنا يعينك على شر نفسك بس افتكري يا ثريا قبل أي كلمه تخرج من بوقك ولا اي تصرف شر منك يأذي حد تاني ويمين الله المره اللي جايه هاتطلعي ومش هاتدخلي البيت داه تاني
ثريا بعصبيه: انهي بيت داه البيت اللي رجعتني زي رجل الكنبه فيه لا بنشوفك ولا بنلمحك ولا حتي من باب جبر الخواطر البيت اللي رجعتي فيه بالهدمه اللي عليا بعد ما شيلت كل حاجتي
همام بسخريه: ااااه قولي كده قهرانه على الدهب اللي كنزتيه من الغربه وقشقشتيني فيه كمل بعد ما غمزلها بعينه قهرانه على الفلوس والدهب مش على بيتك اللي بقى زي الخرابه ولا أولادك اللي اتكسروا ولا حياتنا اللي باظت واتدمرت بسبب شرك وغلك
ثريا ببجاحه: بعد الشر عليا وعلى عيالي من الكسره ابني وراجل والراجل يعمل عملته ويلف عمته وبنتي تحت عيني مبتفارقهاش انما الرك بقى والدور والباقي على اللي هاتفضل فضيحتها ملازماها وتبقى توريني مين هايرضى بيها وهي مدام
همام بنظره شر: قولي ربنا يسترها على بنتك ويكفيها شرك وشر عملك دانا بدعي في كل ركعه ان ربنا مياخدهاش بذنب اللي عملتيه في بنات الناس واخفي من وشي الا ويمين الله ارمي عليكي اليمين والمره اللي جايه ما حد هايرجعك ولو عملتي قرد
رمي كلماته وسابها ومشي
بعد ما مشي همام النار زادت في قلب ثريا والكره والغل من نحيه حور زاد
حور طلعت من تحت العربيه اللي شغاله عليها واتلفت للي بيكلمها: اؤمر فيها ايه العربيه
الشخص بتأمل في ملامح حور: انا شوفتك قبل كده
حور بلا مبالاه: جايز الله اعلم الوشوش ياما بتقابل وياما بتشوف المهم فيها ايه العربيه
الشخص: انا يونس اللباد
حور: اهلا بردوا ايه مشكله العربيه
يونس: عايز الاسطى عامر هو اللي يشوفها بنفسه
حور بملل: ياريت والله ما كان يتعز
يونس: وايه المشكله خليه يشوفها واللي هايطلبه مش هانختلف فيه
حور بنفاذ صبر: الاسطى عامر تعيش انتا
يونس بتفهم: طيب ليه قالولي على ورشته مادام اتوفى
حور: علشان الورشه شغاله زي ما كان عايش واكتر اؤمر تحب نشوف العربيه ولا هاتتوكل على الله ورانا أشغال ومصالح ناس متعطله
يونس بذهول من طريقه حور وجرائتها في الكلام: وياترى مين بقى اللي هايشوفها ولا يومين وهاتعطل تاني
حور غمضت عنيها دقيقه ونفخت بنفاذ صبر: لو الشغل مكانش ماشي هنا زي الساعه مكنش فضل اسم الاسطى عامر الله يرحمه يتردد كأنه عايش مماتش ثانيا دي مش مجرد ورشه داه توكيل كامل وملحق بيه ورشه داه للتوضيح بس خلصت ولا عندك لوك لوك تاني
يونس بعيون هاتخرج من مكانها من أسلوب حور المستفز: لا معنديش بس يارب ميكونش سيط راكبه عفريت زي ابقى الميكانيكيه
حور بعصبيه وصوت عالي: سبااااارس
دقيقه وسبارس وصل: اؤمري يا أسطى
حور بعنين بتشع غضب بس ما اتحركتش من على يونس: شوف عربيه الباشا واديني تمام باللي فيها وكملت بتحدي ومحدش يدب مفك فيها انا اللي هنشتغل فيها بإيدي
يونس بسخريه: وهي في حريم بتفهم في الميكانيكا ولا تقدر عليها
حور بنفس سخريته: معلش يا أمور اصل مش كل الحريم بعيد عنك زي ما بردوا مش كل من اتكتبله دكر في البطاقه يبقى راجل وبصتله من فوق لتحت ونزلت تاني تكمل شغل في العربيه اللي كانت شغاله فيها قبل ما ييجي وتجاهلته كأنه مش موجود
يونس بذهول من كلمه حور كز على اسنانه:يابنت ال وسكت وبلع الكلمه في جوفه مره تانيه
فضل واقف منتظر ساعه كامله وسبارس بيفحص العربيه بتأني
وحور مصدره الطرشه وشغاله في العربيه اللي تحت ايديها ولا كأنه هوا قدامها
سبارس اخيرا خلص فحص العربيه
سبارس: خلصت يا أسطى
حور خلصت العربيه: تمام وانا كمان خلصت فيها إيه الحلوه الغاليه رمت كلمتها بسخريه وتهكم
يونس بعصبيه داخليه بس اتكلم بقناع جليدي: وياترى العيل داه بقى عرف العربيه فيها إيه
حور بمطه شفايف جعلت من وشها ايقونه إغراء: امممم عيل طيب اسمع يا شبح احنا هنا مبنشغلش عيال والعيل اللي قدامك داه راجل شايل شيله انتا لو شيلت نصها تنخ هاا ثانيا داه طالب في 3 هندسه قسم ميكانيكا اللي ليك عندنا عربيتك ترجع فبريكا غير كده تاخد الحلوه وتتوكل على الله تشوف طريقك وعلى قولتك الميكانيكا على قفا من يشيل
يونس بشخطه: انتي بتتكلمي معايا كده إزاي انتي عارف انا ابقى مين
حور بسخريه وتهكم: ابن بارم ديله
يونس: بني ادمه بارده
حور : طب خد بالك لتسقع هنا وانتا مصيف
يونس بكزه سنان: نسيبنا مش شغل التلقيح داه وخلينا في العربيه هاقدر اخدها أمته
حور بتهكم: ياريت عربيتك هتاخدها كمان اسبوع عروسه كأنها طالعه من الاجنص
يونس :هاتتكلف قد إيه
حور: لما اشوف قطع غيارها الاصليه وابقى أبلغك
يونس :الاصليه وعايزاني اقتنع انك هاتعرفي تجيبي قطع غيارها الاصليه مش صيني ولا مضروبه
حور بسخريه ورفعه حاجب: لما تستلمها تبقى تقدر توديها التوكيل او اي ميكانيكي تاني يشيكلك عليها وتتأكد إننا لا بنشتغل في المضروب ولا الصيني
ويلا بقى طريق وسكه ورانا مصالح متعطله مش هانقضيها طول اليوم في هري فاضى
وسابته يغلي مكانه وطلعت مكتبها فوق ببرود ولا مبالاه قاتله
يونس اخد بعضه ومشي لانه لو انتظر دقيقه هايولع في البنت اللي قدامه وفي المكان كله وفي سره وهو طالع :عيله مستفزه بنت **** قلبه بس مزه داه كفايه عيونها عامله زي السحر جمال متداري ورا وش ابلكاش
يونس هز رأسه وكأنه بينفض أفكاره منها: ايه الهبل اللي بقوله داه
عند ثريا فضلت طول اليوم تغل وتحقد وللأسف متعلمتش من أخطائها وحملت حور كل الذنب والغلط من وجهة نظرها: اااه يا ناري بقى بنت الكلب المدكره دي تعيش بعد كسرتها ضاربه الدنيا صرمه وانا اللي اشيل الليله وبيتي يتخرب وأولادي يبعدوا عني وجوزي في الطالعه النازله يبكتني ويسم بدني
وشرت دقايق مع نفسها
وفاقت: لا والله ابدا لهد المعبد على دماغك يا مشحمه يا أم فوطه
وفي لحظه شيطان لغت عقلها ومسكت التليفون وطلبت الرقم المطلوب وبعد ثواني جالها الرد
ثريا بشر: الو ازيك يا أم حور
هدي بإستغراب: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته مين معايا
ثريا بتهكم: يعني مش عارفه صوتي طيب يا ست انا أم جبله
هدي بهدوء: خير يا ست أم جبل إيه سبب الطله اللي لا على البال ولا على الخاطر دي
ثريا: والله يا اختي الطله دي ليها سبب طمنيني على المحروسه حور عامله ايه شا الله يارب تكون بخير
هدي: نحمد الله على كل حال بردوا خير بتسالي ليه اللي بينا وبينكم موال واتفض وكل واحد راح لحال سبيله بتسالي تاني ليه لا ليكم عندنا ولا لينا عندكم يبقى ايه السبب وهاتي من الاخر منيش عيله عشان تدخلي الدخله دي عليا اصلك لا عمرك حبيتي حور ولا طيقتيها عشان قلبك ياكلك اوي عليها وتتعبي نفسك وتغرميها حق مكالمه وتطمني عليها
ثريا بفرحه من حرقه دم هدي: اخص عليكي يا ام حور طيب والله وماليك عليا حلفان انا قولت اطمن عليها اصلي عارفه السقط بيعمل ايه في المرا وحور لسه صغيره وكملت بخبث وكنت عايزه اطمن عليها يا ولداه هاتعمل إيه في حياتها اللي وقفت وبقت زي البيت الوقف مهتعرفش تتجوز تاني اصل الناس ميعرفوش غير انها اتكتب كتابها ميعرفوش انها بقت مدام ولا مؤاخذه يلا يا حبيبتي ربنا يعينك هي خلفه البنات كده تجيب العار وخصوصا لو كانت عيارها فالت
هدي بزعيق: مين دي يا مرا يا مخبوله حور دي ستك وتاج راسك سِمك داه تخليه لروحك يأكشي يسمك ويخلص الناس من شرك
ثريا بفرحه رهيبه من عصبيه هدي: هدي حالك لايطقلك عرق وانتي عضمه كبيره تقدري يا اختي تتأكدي من بنتك ربن الصون والعفاف هي بنت هئهئهئهئه وكملت بضحكه رقيعه ولا مدام أومال ابني طلقها ليه عشان سهله وسايبه ملهاش حاكم ولا ليها كاسر يلا فوتك بعافيه وقفلت السكه في و هديه
دي قاعده وعنيها بتطلع نار وعقلها قرب على الجنان
هدي بهذيان: لالا بنتي عمري ما تعملها لا
سكتت فجاءه وافتكرت حاله حور من يوم ماراحت عند بيت ثريا وحالها اللي اتبدل من يومها والحزن اللي في عنيها وكسرتها اللي بتداريها وعيون بنتها اللي دايما بتتهرب من عنين أمها
هدي على نفس الهذيان: عملوا فيكي ايه يا ضنايا
وفي لحظه شيطان مسكت التليفون ورنت على بنتها:
ايوه يا حور
حور : ايوه يا أما نص ساعه وابقى عندك خلاص بقفل الورشه أهو
هدي بعصبيه وصوت عالي لأول مره: هو سؤال واحد ورد غطاه يابنت عامر تجاوبي عليه وإلا ورحمه ابوكي في تربته لو كدبتي تنسي ان ليكي أم طول الحياه ولسانك ميخاطب لساني ولو مت ما تقفي على غسلي
حور بقبضه قلب وبصوت طلع خافت من الخوف: سؤال إيه يا أما
هدي على نفس العصبيه: صحيح ان ابن ثريا لمسك وحبلتي منه يا بتحور
غمضت عنيها بعنف وكل وجع الدنيا حل على جسمها وشريط الأيام دي مر قدام عنيها تاني وسكتت
هدي بعصبيه: ردي عليا يابنت عامر الكلام داه صحيح
حور بوجع: نص ساعه وابقى عندك
هدي بزعيق: ردي مش هاستني لما تيجي وإلا ويمين الله ما هايحصلك طيب
حور بوجع: بنتك اتدبحت بدم بارد بنتك اتاخدت غدر بنتك اتخدرت عشان يكسروها بنتك كانت بتموت وخدت عنك وشالت الوجع لوحدها عشان متوجعكيش يا قلب حور سامحي بنتك بس المربوط لما يتدبح وهو عاجز معليهوش لوم
هدي بصدمه: خدروكي وكملت بجنون ويمين الله ما هافوتهالهم أولاد الكلب
حور :أما الله يخليكي انا جايه اوعي سامعه اوعي تعملي حاجه الا لما اجيلك ورحمه ابويا يا أما
هدي: اقفلي يا بنت ابوكي وانا رايحه اعرف كل كلب منهم وئمه ومقامه
ومستنتش تسمع كلمه من بنتها وقفلت السكه وطلعت جري على اوضتها ودخلت اوضتها جري خدت عبايه سوده ولفت الطرحه على شعرها بسرعه ولبست شبشبها وطلعت جري من البيت زي المجذوب
حور حاولت تتصل تاني على أمها بس للأسف هدي رمت التليفون في البيت وطلعت جري
حور من الخوف رمت المفاتيح لسبارس: اقفل الورشه وخلي المفاتيح معاك لبكره وركبت عربيتها وسابت بجنون وهي عارفه أمها اكيد راحت بيت همام وبتدعي بقلب موجوع إنها تلحق أمها
عند هدي وصلت بيت همام ولقيت المحل مقفول طلعت السلم وايد على الجرس والتاني بتخبط بيه على الباب
كان جبل قاعد على السفره هو واخته وأمه والصمت كان حليفهم أما همام كان في شقه جبل فوق معتزل بيها في حاله
قطع الصمت وتشتت البيت الجرس اللي قرب يتحرق والباب اللي الخبط عليه سمع كل مكان
جبل بخوف طلع جري يفتح وكانت الصدمه من نصيبه لما لقى هدي قدامه
جبل بإبتسامه: طنط هدي نورتينا
هدي وعنيها كلها شر بكل وجع جواها وكل الكسره اللي شافتها بعنين بنتها وكلمه خدروني عشان يكسروني بترن في ودنها خلت الألم رجع جبل كذا خطوه لورا
همام واقف مذهول وثريا اللي وشها اصفر متخيلتش هدي بالجراءه انها تيجي هنا وجميله اللي شهقت وحطت ايديها على بوقها.
همام: خير يا ست ام ام حور جايه في قلب بيتي وبتمدي ايدك على إبني داه فيها حق عرب
هدي وهي بتدخل وعنينا الشر ماليها: حق وانتوا تعرفوا الحق وابنك داه اللي فرحان بيه خلوفت العار كنت جبتلك كلب انضف منه على الأقل عمره سامع عمره مايعض الناس اللي امنوه بس هاقول إيه راجل دلدول ست وعيل تربيه مرا اتفو
وزقت جبل ودخلت لثريا وبعين قويه : بتقولي بنتي سايبه وخلفه البنات بتجيب العار بصت على جميله اللي واقفه مصدومه عندك بنت يا ثريا بكره تجيبهولك في الفوطه وتقول داه اوطه يعقدلك فيها صره حلبه لا تعت ولا تسوس متقلقيش جاي جاي وبكره اجي واتشفي فيكي زي ما عملتيهم
همام بصوت عالي لثريا: عملتي ايه تاني بشرك اللي مبيخلصش
ثريا بخوف :معملتش
هدي بعين قويه: يا وليه يا ناقصه اومال مين اللي كلمني وقالي ان بنتي بقت مدام وابنك طلقها عشان سهله وسايبه بقى يا مرا يا عايبه تخدري بنتي عشان النجس ابنك يعمل عملته وتقوليلي انها سايبه السايب هو بيتك اللي مفيهوش راجل مهو مش كل من خط شنبه في وشه بقى راجل مش بنتي بقت بيت وقف طيب اسمعي مني يا بنت الكلب يمين مرا ما يمين راجل لاخلي ابنك زي البيت الوقف وكل ما يروح لواحده لافضحكم فضيحة ولا فضيحه المطاهر والأيام بينا
همام: ياست هدي وكتاب الله انا ما كنت أعرف ولما عرفت حاولت ألم الحكايه وبنتك مرضيتش
هدي بفخر: عشان بنت راجل مش بنت مرا عشان تربيه عامر يا راجل يا عايب لما تبقى سايب أهل بيتك ينهشوا في الولايا متبقاش راجل الراجل يبقى حاكم بيته حتي لو في قبره
وصلت حور ودخلت واتجاهلت كل الوجع اللي حست بيه اول ما خطت عتبه البيت اللي اتدبحت فيه مره بدم بارد: أما
وشوش الكل اتلفتت ليها جبل بشوق وثريا بحقد وهمام بخزي وجميله بخوف وهدي بوجع
حور برأس مرفوعه: يلا يا أما مقامك أكبر من كده مش دول اللي تقلي من نفسك معاهم انتي اكبر من كده انتي أم حور مرات الاسطي عامر الله يرحمه كبير الحاره لما تيجي تعاتبي عاتبي الرجال مش الاندال اوعي سمعاني اوعي تقلي من قيمه نفسك مع اللي ميسووش عتاب الكلب السعران اجتنابه
هدي بفخر ببنتها: عندك حق يلا يا ضنايا
حور قبل ما تخرج بصت لهمام: عشان انتا راجل كبير ومش تربيه عامر اللي تقل من راجل كبير هاعتبرها الغلطه الاخيره وبعد كده متلمومش اللا نفسك وأهل بيتك عشان ورحمه عامر في قبره يوم ما احط عليك ما هاخليك تعرف تعيش هنا ولا حتى هايبقالك لقمه عيش هنا وهاخلي محلك اللي اتفتح وبيبيع بفضل الله ثم فضل العبده لله خراب وماهخلي جنس مخلوق يعتبه
رمت كلامها وخدت أمها وطلعت زي ما دخلت برأس مرفوعه
همام بفحيح اشبه بفحيح الافعي واسنان مطبوقه متفتحتش من الكره اللي جواه: هو سؤال عملتي إيه
ثريا بخوف:م م م م م
همام: مش هتمأمي كتير عملتي إيه
ثريا بوش شاحب شابه وجوه الموتي اتكلمت بكذب متقن :معملتش حاجه انا قولت اتصل بأمها وأحاول ارجع الميه لمجاريها وحكيتلها اللي حصل عشان تقنع بنتها انها ترجع لجبل بدل ما تعيش زي البيت الوقف وخصوصا ان محدش يعرف انها بقت مدام والكل فاكر انها اتكتب كتابها بس وأطلقت وهي بنت بنوت
همام بضحك بصوت عالي وصل لحد الجنون وقف على ايديه: ههههههههههههههه لا صدقتك لا بجد انتي كان ينفع تكوني مؤلفه ولا ممثله لسه الشر والكدب بيجري في دمك وبصوت عالي فزع كل اللي حواليه انتي إيه يا شيخه ايييييييه شيطان ابليس اييييه جنس ملتك اييييييييييييه مشبعتيش شر وخراب اييييه عايش مع مين وبص لجميله هي دي اللي قولتي اعيد حساباتي عشانها اعمل الصح وترجع عشانكم هي دي الأم هي دي اللي عايزاها في البيت
جميله سكتت ودموعها غرقت وشها
همام بجنون: ربنا يستر عليكي أمك شيلتك ذنب بريئه وبعين بجحه متصله بأمها عشان تشمت فيها وبتشمت في خلفه البنات ونسيت ان عندها بنات هي دي وبص لجبل هي دي اللي ماشي وراها زي ضلها هي دي أمك هي دي اللي سلمتها دماغك وقلبك وعقلك هي دي دي خربت حياتك زي الشيطان وخلتك دلدول وانا زيكم مشيت وراكم من هنا وجاي محدش منكم يتدخل بيني وبينها وبص لثريا انتي طالق طاااااااالق طااااااااااااااالق وعيالك اللي عايز يروح معاكي يغور الباب يفوت جمل
ثريا بدموع وطلت ومسكت في رجل همام: ابوس رجلك والله ماكان قصدي انا كان نيتي خير بلاش تخرب البيت بسببهم
همام نطر رجله منها: انتي ااااااييييييه مبتشبعيش كدب معجونه بإيه بيت مين يا أم بيت البيت داه انتي اللي خربتيه وشد طرحتها اللي كانت على الكنبه ورماها على رأسها وفتح العربيه ورماها فيها بدون ما يرفله جفن وساق وهو مش شايف قدامه ولا حاسس ولا سماع صوت ثريا اللي عماله تعيط وتتشحتف محسش إلا وهو واقف قدام بيت أهلها
ثريا بقت تهزر رأسها بجنون: ابوس ايدك يا همام بلاش عشان عيالنا
همام نزل وهو مش سامع اي حاجه وكأنه مغيب
ثريا بعياط: والله اخر غلطه
همام وقف وسكتت وبصلها ......؟
يا تري همام هايديها فرصه تانيه ويتراجع ولا خلاص كده نهايه الحياه بينهم
رواية تربية حواري الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ولاء حامد
همام وقف دقيقه وبص لثريا ومبقاش شايفها. شايفها في صورة شيطان، وشريط حياتهم مع بعض بيمر قدام عينيه، ومبقاش شايف إلا تخاذل وتنازل منه يوم بعد يوم لحد ما اتمحت صورتها قدامه.
ثريا بشحتفه: والله يا همام ماهتتكرر، بس ابوس ايدك وحق العشره اللي بينا افتكرلي حاجه حلوه بينا.
همام الكلمة رنت في ودانه، حاجة حلوة بينا. فضل يعصر عقله يمكن يفتكر لها موقف يشفع له، ملقاش غير جبروت ومشاكل زادت لحد ما خنقت حياتهم، واليمن كانوا أولاده كانوا الضحية.
همام فاق لنفسه، وفتح باب العربية وشدها.
ثريا: يا همام عيب، إحنا مبقيناش صغيرين.
همام بدون ما ينطق حرف، شدها ورن الجرس. ولسوء حظ ثريا، اللي فتح عاصم أخوها.
عاصم بصدمة من منظر ثريا اللي عينيها مورمة من العياط، وهمام اللي واقف ومكسور وحزين: خير يا جماعة، إيه اللي حصل جايبكم في أنصاص الليالي.
همام فاق من شروده: الحاج عبد الفتاح موجود.
عاصم: أيوه جوه، اتفضل يا أبو جبل بيتك ومطرحك.
دخل الجميع. عبد الفتاح أول ما بص لوشه أخته وجوزها عرف إنها عملت مصيبة جديدة، وقلبه وقع في رجليه.
عبد الفتاح بخوف: خير يا أبو جبل؟
همام: أختك عندك، واللي بينا خلص.
عبد الفتاح: إيه اللي حصل؟ مش اتراضيتوا؟
همام بسخرية وهم طالع من جوفه: آه اترضينا، بس أختك مرضيتش.
عاصم: هو فيه إيه؟ حد يفهمني.
همام بشرود: مش مهم، مبقاش حاجة مهمة. أختك أنا رميت عليها اليمين، واللي بينا خلصنا لحد كده، وعيالي معايا.
عاصم بزعيق: أنا مش فاهم حاجة، محد يفهمني، متسيبونيش زي الأطرش في الزفة.
عبد الفتاح: يا حاج فهمني، اقعد كده وفهمني الله لا يسيئك، عملت إيه تاني.
همام: قول معملتش إيه.
عاصم: هي عملت إيه أولاني؟
الكل سكت، وثريا هاتموت من الخوف لأنها عارفة طبع عاصم العصبي، ورفضه للظلم، ورفضه لطباعة أخته وتربية أمهم ليها.
عاصم بزعيق: محد ينطق، أنا هاشحت الكلام منكم شحاتة ولا إيه.
همام: اسأل أختك، أنا عشان الأصول جبتهالكم لحد باب بيتكم، وبكرة هابعتلها كل هدومها، ونروح للمأذون نخلص الطلاق، وكافة حقوقها هاتخدها على داير مليم.
عبد الفتاح: يا أبو جبل استهدا بالله، قول لا إله إلا الله، يا راجل وفهمني.
همام: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله.
عاصم: في إيه يا عبد الفتاح؟ أختك عملت إيه وداريت عليها أولاني فيه؟
عبد الفتاح: اللي عملته مكانش ينفع يطلع من جوفي، أنا حالف يمين.
عاصم بص لهمام: طيب هو حالف يمين، أنتا كمان حالف يمين، فهمني بدل ويمين الله ماهيحصل طيب.
همام بكسرة: أختك دمرت البيت ودمرت العيال ودمرتني، وخدت في الرجلين بنت يتيمه.
عاصم بعدم فهم: وضح كلامك يا حاج الله يسترك عشان أفهم، وواحدة واحدة كده، ولو ليك حق تاخده، ولو عليك حق تسده.
همام بزعيق: عايز تعرف؟ حاضر. أختك المحترمة خدرت مرات جبل لما كانوا كاتبين الكتاب، وفضلت تودود للواد لحد ما بقى زي المغيب، ودخل عليها قبل الفرح بنت يتيمه. كانت حاطاني في مقام أبوها، ابني كسرها بسبب اختك. عملت فيلم والبت آبيه ونفسها غالية وكرامتها فوق راسها، طلبت الطلاق، وفعلاً أطلقوا. وأنا معرفش إيه الحكاية. ويوم ما عرفت عرفت إنها حامل. ولما روحت أصلح اللي هببته اختك، كانت سقطت نفسها. قالتلي كلمتين بيرنوا في ودني لحد دلوقتي. قالتلي: "مش أنا اللي أتجوز للستر على ذنب معملتوش". والبت بقت زي الوردة الدبلانة. والعيال ضغطوا عليا ورجعتها عشانهم. قولت آخد وقتي لما أستوعب صدمتي في عشرة عمري وأم عيالي، وخيبتي في ابني البكري. وخدت بعضي وطلعت شقة جبل. بس إزاي اختك تسكت؟ إزاي الشيطان يتوب؟ حبت تكمل شر. اتصلت بأم البت الغلبانة، وقالتلها إن المحروس ابنها طلق بنتها عشان لقلها سهلة وسايبها، وإنها بقت مدام، تشوف مين هايرضى بيها، وإنها هتبقى زي البيت الواقف. اختك اتصلت تعرفها السر اللي بنتها دفنته. اختك فضحتها قدام أمها. اختك شمتت في كسرة وليه دي. جات قلب بيتي، ودعت على بنتي يتردلي فيها. ها؟ قولي أكمل معاها؟ قولي لو مكاني تعمل إيه؟ رد عليا. مش كانت عايز تعرف؟ اديك عرفت عمايل اختك. رد عليا.
عاصم مع كل كلمة كان بيحكيها همام، وعينيه بتبرق على ثريا، لحد ما خلص. وكانت عبارة عن جمرة من الغضب المكبوت جواه، وعروق وشه ورقبته غنية عن أي وصف لحالته.
عبد الفتاح بغضب: يا شيخة أنتِ إيه؟ حرام عليكي، متتعبيش، مبتتهديش؟ آآآآآآيييييييه!
عاصم قام بجنون: أنتِ لسه بتتكلم؟ عرض الولايا عندك رخيص! والقلم رماها على الأرض. وطي ماكنها وجابها من شعرها. بنات الناس لعبة، بتشمتي في شرك؟ بتعرفي تخططي؟ بتعرفي تكسري؟ بتعرفي تظلمي؟ ومع كل كلمة قلم لحد ما وشها ورم، ومحدش اتحرك من مكانه، لا عبد الفتاح ولا همام.
تعب عاصم وقعد على الأرض، وحط رأسه بين رجليه.
همام قام من مكانه: أنا كده عداني العيب. أنا حكيتلك موقف واحد من عمايل أختك. محكيتلكش اللي عملته طول السنين اللي فاتت، وصبرت.
عاصم رفع رأسه وعينيه مليانة غضب وشر: عداك العيب. اختنا وإحنا أولى بيها، وشرها داه أنا هعرف أكسره. مهو يا كسرته يا موتها.
همام: أختك مبقتش تلزمني، ولا تخصني. إنت أولى باللي ليك. وبص لعبد الفتاح: بكرة بعد صلاة العصر هاعدي عليك، نروح للمأذون نخلص كل حاجة رسمي، وأديك حقوقها وشنطة هدومها.
عبد الفتاح هز رأسه من سكات.
طلع همام وركب عربيته، وعيونه عصب. عنه نزلت دموعها، وخافت من الأيام اللي جايه، خافت على بنته من دعاء حور وأمها عليهم. واتحرك بعربيته مهموم حزين.
***
أما عند ثريا.
عاصم بغل: شايفة؟ شايفة جبروتك وصلك لفين؟ وبص لعبد الفتاح: من هنا وجاي أختك جاية معايا.
ثريا بخوف: أنا مش هاسيب بيت أبويا.
عاصم: ملكيش رأي.
عبد الفتاح: طيب سيبها هنا خلاص، ملهاش إلا بيت أبوها.
عاصم بسخرية: يا أبو قلب حنين، هاتداري عليها تاني؟ هاتحامي ليها تاني؟ هاتسيبها لأمته؟ مبقتش العيلة أم ضفاير اللي كنت بتشيلها على كتفك، بقت شيطان، والشيطان عايز اللي يكسره، والشر اللي جواها لازمه لجام، وأنتا قلبك حنين.
عبد الفتاح: بس هي...
عاصم بحسم: من غير بس، وإلا وربنا لكتاب الله هاتصل بإخواتك وأجيبهم هما وأعمامك، وأظن إنتا عارف هي عملت فيهم إيه في الكبير والصغير. ويطيقوا العما ولا يطيقوها، ومنك أنت وهي ليهم تصطفلوا.
عبد الفتاح: طيب فهمني، هاتعمل معاها إيه؟
عاصم بنظرة شر لأخته: هاربيها. محدش كبير على التربية. هاعرفها ربنا، وهاعرفها إن الله حق.
عبد الفتاح بخوف واستسلام، لأنه عارف وميقن تمام اليقين إن أخته شرها وشيطانها مسيطرين عليها: لله الأمر من قبل ومن بعد.
ثريا بصوت عالي: أنا مش لعبة في أيدكم، أنا هاسكن لوحدي، ولا إني أكون تحت رحمتكم.
قاطع كلامها قلم رماها على الأرض مرة تانية: أنتِ تخرسي وينقطع حسك، فاهمة؟ ومن هنا وجاي يا ثريا، يمين يحاسبني عليه ربي يوم اللقاء العظيم، ماليكي عندي إلا الضرب لحد ما جثتك تستوي، وتقولي إن الله حق. لحد ما تكسري شرك وتلجمي لسانك وشيطانك، وإلا ماليكي عندي إلا أعمامك يربوكي بمعرفتهم، وداه طبعاً بعد ما أحكيلهم مصايبك اللي بالكوم وبلاويكي اللي مبتخلصش.
ثريا بتهز رأسها بطريقة هستيرية بالرفض، وخايفة تنطق.
عبد الفتاح بقله حيلة ومحاولة أخيرة فاشلة: طيب سيبها هنا، واعمل اللي عايزه بين أربع حيطان، وبيت أبوها أولى بسترتها.
عاصم بسخرية: هنا؟ هنا فين يا أخويا يا كبير يا راجل يا اللي حافظ كتاب ربنا؟ عرفني هاتعمل إيه هنا؟ هااا؟ هاتعمل زي ما عملت المرة اللي فاتت وداريت عليها وعلينا، وقولت شاددة هي وجوزها، وجات تريح أعصابها يومين، وهي ناهشة عرض وليه يتيمة؟ يا راجل اختشي على دمك، دانتا عندك ولايا ترضاها على عيالك. آخر كلام، أختك هاتيجي معايا بيتي، وتحت عيني وعين مراتي وعيالي، وأنا وهي اللي هانربيها.
ثريا بذعر: لا بيتك أنت ومراتك؟ لا، عايزني خدامة ليها عشان تكسرني وتذلني؟ قول كده بقى، وبان على حقيقتك إنك طول السنين دي قلبك أنت ومراتك شايل السواد من ناحيتي.
عاصم بشر: وهو أنتِ اللي عملتيه فيها يتنسي؟ لا والله، داه لو عدى ألف عمر على العمر، وأهو فرصة تكفري عن ذنبك.
ثريا بجنون: قول حاجة يا عبد الفتاح، هاتسيبه يذل أختك؟ وكملت بإستعطاف: دانت ثريا بنتك البكرية، دانت اللي مربيني، قوله إنك الكبير، ومحدش ليه كلمة عليك، خليني في حمايتك زي ما طول عمرك كنت حمايتي وسندي بعد ربنا وأبويا وأمي الله يرحمهم.
عاصم بسخرية: وايه كمان؟ كملي كملي. وكمل بزعيق: كانت طمرت فيكي التربية؟ كانت طمر فيكي حمايته وخوفه عليكي؟ عملتي بيهم إيه؟ ردي أنا كلمة وقولتها، يا تيجي معايا، يا منك أنت وأخوكي لباقي إخواتك وأعمامك تصطفلي.
عبد الفتاح حط راسه في الأرض وسكت.
وثريا بصت لأخواتها، واحد تعب واستسلم، والتاني واقف ناره قايدة.
عاصم حسم الموقف، وشد ثريا من هدومها، وطلع بيها من بيت أبوها على بيته، وسط استنجادها بأخوها، وكسرة عبد الفتاح، وغضب عاصم.
***
عند حور.
وصلت بيت أبوها، وطول الطريق كان الصمت هو الرفيق الأول. لا حور قادرة تشرح، ولا هدي عندها الجرأة تسأل. بس قلب الأم، وقلب الأنثى مش قادر يصبر، هي حاسة بكل إحساس بنتها عاشته، مش قادرة تصدق إن سبب دبلان بنتها الكسرة اللي منها انجبرت. وأخيراً وصلوا البيت، بعد انتظار دام لوقت، بالرغم من قصر الوقت إلا إنه كان أطول من سنين. كل ثانية كانت بتمر سنة على حور اللي عارفة إن الجرح هايتفتح من جديد، وهدي اللي عارفة إن اللي هاتسمعه هايوجعها، وهايدبح بنتها مرة تانية.
وخلص عداد الوقت، ووصلوا أخيراً البيت.
نزلت هدي، واستنت حور لحد ما ركنت العربية وقفلته، ودخلوا مع بعض. هدي وعينيها مليانة ألم، ولسانها مش قادر ينطق.
حور قعدت، والوجع اتجدد تاني، وهزت رأسها: هاحكيلك كل اللي عايزة تعرفيه، ولسانك مش قادر ينطقه.
هدي غمضت عينيها أوي، وكأنها بتعصرهم.
حور خدت نفس طويل أوي وطلعته: لما اتصلت بيكي وقولتلك إن أم جبل طلبتني عشان نفض الخلافات اللي بينا، روحتلها. وهناك قعدت تجيب كله من شرق على كلمة من غرب، وجابتلي واجب ضيافة، ومن الذوق اكتفيت إني خدت بوقين عصير، وبعدها محسيتش بالدنيا إلا وأنا عريانة ومدبوحة، ودمي على فرشت اللي كان جوزي.
وهنا خانتها دموعها ونزلت زي الشلال، وعينيها شردت في الفراغ، وكأنها اتصلت عن الواقع. مش هانسى نظرة الشماتة في عينيها، وهي بتقولي إني بقيت مدام، وإني عرفت تجيبني تحت رجليها، وإني آخري هاخش البيت مدام مش آنسة. وسابتني مدبوحة وطلعت. لبست هدومي، بس أقسمت بحق كسرتي ما أشمتهم فيا. وطلعت وأنا قوية، وكأن اللي حصل مهزنيش. طلعتلهم وأنا جبروت. مسحت بيهم البلاط، وطلعت وأنا مش شايفة قدامي. ومكان ما رجليا خدتني، فضلت أصرخ وأعيط وأنا مكسورة. كنت بردانة أوي، حاسة إن جسمي تلج. كنت عايزة حضن أبويا أترمى فيه. وضمت نفسها بإيديها كأنها فعلاً بردانة.
هي لما شافت حالة بنتها كده، جريت وضمتها لحضنها أوي، كأنها بتخبيها من العالم.
حور بنفس الشرود: فضل على حالي، وأصرت أطلق، وحمدت ربنا لحد ما خلصت إجراءات الطلاق، وفضلت وجعي على وجعك. بس القدر كان ليا بالمرصاد. عدي شوية، ولقيته جايلي برجله. الورشة كنت عارفة إنه ماشي ورايا خطوة بخطوة، بس كنت عارفة إنه أجبل من إنه يهوب يميتي مرة تانية. لحد ما اتجرأ وجه الورشة. وقتها كل الوجع رجع تاني. محسيتش إلا وأنا في المستشفى، وهو قاعد على الكرسي، جاري وحاطط رأسه بين إيديه، ويطلب إننا نرجع ولازم نرجع. مكنتش فاهمة، بس اللي طلع من بوقه دبح الباقي من روحي، لما قالي إن جوايا حتة منه بتكبر. حسيت إن الشيطان عماني. كان معانا سبارس. طلبت يجيبلي تاكسي، ورجعت الورشة. وأنا كل اللي في دماغي الفضيحة، واسم أبويا اللي هايتمرمغ في الطين، وسمعتي اللي هتبقى على كل لسان، وشرفي اللي كل اللي يسوى وميسواش هايتكلم فيه. اتصلت بمدير، وأقسمتلها بأن بنت اغتصبت وحملت. وحياتها هاتتدمر. ساعتها قالتلي على برشام ينزل الحمل. وجبته. يوم ما جيت، وقعدت يومين في البيت. كان الحمل نزل. خدت نفسي وارتحت. أول ما رجعت الورشة، لقيته جاي هو وأبوه عشان يرجعني ليه. وأبوه قعد يحلف ويتحالف إنه مكانش يعرف اللي حصل. وأنا عرفت إنه صادق. بس خلاص الأمر كان اتحسم. طلب نرجع لحد ما أولد عشان العيل ده مش ابن حرام وليه أب. وحلف بشرفه إن بعد ما أولد لو عايزة أطلق هايطلقني. ساعتها مشوفتش غير عامر قدامي، حسيت إن اللي بيتكلم عامر. لقيتني بقوله إني سقطت نفسي، وإني مش أنا اللي أتزوج جوازة للستر على ذنب معملتوش. قالي: "حام عليكي، داه روح وذنبه في رقبتك". فضلت أدور وأسأل لحد ما عرفت إنه حرام اللي عملته. فضلت من يومها أجلد نفسي على ذنب عملته وأنا معرفوش.
هدي بدموع وكسرة: وبعدين هاتعيشي إزاي قدام أهل الحارة؟ أنتِ مطلقة وأنتِ بنت بنوت، محدش يعرف المستخبي ولا اللي جرا.
حور فاقت من شرودها: قصدك إيه؟
هدي بخوف من اللي هاتقوله، وخصوصاً حالة بنتها اللي منهارة وعلى مشارف الجنون قدامها: قصدي ترجعي وتعملي فرح، وتطلقي وإنتي رافعة راسك، محدش هايقبل ويرضى بيكي وأنتِ كده.
حور بهذيان وصراخ: هاتقبليها عليا يا أمي؟ هاتقبلي عليا الكسرة؟
هدي بخوف من صراخ بنتها: عشان مصلحتك، هاتترهبني وتعيشي عمرك وحيدة، لا في يوم هاتقدري تتجوزي ولا تعملي بيت وعيلة، واللسنة الناس زي الكرباج بيحش في الناس حش.
حور بصراخ وجنون: آآآآآآه يا أبويا، يا عامر، ارجع. أنا تعبت من غيرك، ارجع يا سندي، ارجع. آآآآآآهه.
هدي بقلب قرب يقف من الخوف: طيب اهدي، وحدي الله، اهدي.
حور على نفس الصراخ.
وفجأة الدنيا وقفت من حواليها، ومحستش إلا بدوامة سوداء بتسحبها فيها.
هدي بخوف: بنتي، قومي، قومي يا ضنايا، يقطعني، قومي، حقك عليا، قومي يا بت، دانا ماليش غيرك، دانتي عكازي، قوميه.
هدي حاولت تفوق حور، ولكن لا حياة لمن تنادي.
طلعت بسرعة تصرخ: ياناس الحقوني، غيتوني، بنتي هاتروح مني.
تجمع ناس كتير من أهل الحارة.
"خير يا ست هدي؟"
"كفا الله الشر"
هدي بإنهمار: بنتي، البت قاطعة النفس.
وتوسع عدد من الناس ودخلوا، لقيوا حور مرمية في الصالة، وقاطعة النفس.
"واحد من الموجودين: هم معايا يا ابني، خلينا نوديها المستشفى. البت جسمها زي التلجة."
هدي بصراخ: قومي يا ضنايا، متحرقيش قلبي عليكي، أبوس إيدك قومي، فتحي عينيكي، دانا أموت فيها يا بت، ادنتي اللي مصبراني على مرارة الدنيا.
أم عبدو: وحدي الله يا هدي، هاتقوم وتبقى زي الفل، والله هاتقوم وتناكف فيا. بس هي إيه اللي صابها؟ من إيه يعني؟
"روحيه: واحدة من الجيران زغدتها في جنيها: يا ولية داه وقته إيه؟ مش هاتبطلي الطبع المأندل بتاعك ده."
عم عوض سواق على عربية ميكروباص: حد يوقف توكتوك ولا يجيب عربية ناخدها على المستشفى.
محمد وداه نجار في الحارة: عربية الست حور بره، حد يدورها.
عم عوض: أنا هاسوقها، فين المفاتيح؟
هدي بنطرة سحبت المفاتيح من على التربيزة مكان مرمتها حور: أهي أهي.
شالها محمد، وطلعوا ركبوها، وكب معاها أمها وروحيه، وساق عم عوض ومعاه محمد جنبه، ووصلوا المستشفى.
اخدها منهم الدكتور ودخل الطوارئ بسرعة.
حور جوه بين أيادي المولى عز وجل، وبين أيادي الدكاترة.
وبره هدي في حضن روحيه، وروحها بتتسحب منها. كل اللي بينها وبين بنتها باب، وقلب أم بيموت في كل لحظة غايبة عن عينيها.
طلع الدكتور، وكانت أول واحدة تجري عليه هي هدي بلهفة قلب أم: "كنتي يا ابني؟ الله يرضى عليك."
الدكتور: "للأسف، دي داخلة في بوادر ذبحة صدرية. ومن ستر ربنا إنكم لحقتوها بدري، وإلا الوضع كان ممكن يتأزم عن كده."
هدي بخوف: "يعني إيه؟ كنتي يا ابني؟ الله يرضى عليك."
الدكتور بمراعاة لحالة الأم المكلومة قدامه وانهيارها الواضح: "اطمني يا حاجة، هي هاتفضل 24 ساعة في العناية المركزة تحت العناية، وإن شاء الله بكرة ننقلها أوضة عادية. بس ياريت تبعد عن الإجهاد الفترة دي، وأي شيء ممكن ينرفزها. وإن شاء الله خير."
هدي بدموع: "يارب، يارب. ماليش غيرك. اجبرني فيها يارب."
مر اليوم، وهدي قاعدة في المستشفى، متحركتش. وخبر تعبها انتشر في الحارة زي النار، والكل الفضول قاتله. إيه اللي حصل؟ ووصل حور القادرة لإنها ترقد في المستشفى بين الموت والحياة. ووصل الخبر لهمام، اللي زادت همومه ألف جبل فوق جباله على كتفه. وساب محله للعمال وطلع بيته.
همام بصوت عالي: جببببللللل! أنتا يا زفت!
طلع جبل من أوضته، وشه شاحب وكأنه تايه: "خير يا بابا؟"
همام بسخرية: "خير؟ وهو وأنت وأمك من وراكم خير؟ جيت أبشرك بآخر نتائج أمك، يا ابن أمك. حور."
جبل بقبضة قلب: "مالها؟ حصلها حاجة؟"
همام بتهكم: "ال الـ... الواد قلبه بيحس أوي. لا اطمن، وروح لأمك طمنها. البت اتنقطت اتجلطت من جرار عمايلك أنت وأمك، وراقده في المستشفى بين الموت والحياة. ربنا يبريني من ذنبها. ذنب البت دي في رقبتك أنت وأمك."
جبل اتهبد على الكنبة، والحسرة والندم بياكل في قلبه.
طلعت جميلة من أوضتها، لابسة دريس كشميري وطرحة كافيه غامق، ولابسة شنطة ظهر.
جميلة بصت لأبوها اللي العصبية ظاهرة على ملامح وشه، وبصت على جبل اللي قاعد مهموم: "خير يا بابا؟ في إيه؟ مالكم؟"
همام بتنهيدة وجع: "مفيش حاجة، متشغليش بالك أنتِ، وركزي في لبس بنته. أنتِ لابسة كده رايحة فين؟"
جميلة: "عندي درس، ويادوب ألحق أوصله."
همام بعصبية: "ومقولتليش ليه؟ مش قولت متخرجيش إلا معايا أو مع أخوكي؟ خروج لوحدك لا، فاهمة؟"
جميلة بعدم استيعاب: "ليه يا بابا؟ أنا عملت حاجة تخلي حضرتك تعمل معايا كده، أو تفقد ثقتك فيا؟"
همام سكت، وجواه ألف وجع. ولنفسه: "هاقولك إيه؟ هاقولك إني خايف عليكي من ذنب أمك وأخوكي. ربنا ياخدك بذنبهم في الرجلين."
قطع شروده جميلة: "بابا، حضرتك مش بترد عليا ليه؟"
همام: "مفيش. بعد كده متخطيش بره الباب إلا معايا أو مع أخوكي، سواء مدرسة، دروس، أي حاجة، فاهمة؟"
جميلة: "طيب فهمني من فضلك. أنا مبقتش صغيرة على التصرفات دي."
همام بنفذ صبر: "جميلة، أنا مفياش حيل للمناهضة. اسمعي الكلمة من سكات."
جميلة بذهول: "أسكت؟ لما أعمل حاجة غلط؟ حضرتك مفكرتش شكلي هايبقى إزاي بسن زمايلي، لما فجأة يلاقوني رايحة جاية معاكم؟ كل واحدة هاتألف ألف حكاية وحكاية عليا، والأكيد في نظر الكل إني عملت حاجة غلط، وإني هونت ثقتكم فيا. وبعد ما الكل كان بيشهد بأخلاقي، هايبقى الكل بيقطع فيا."
همام بتعب وهو متأكد من صدق كلمة بنته، بس للأسف قلب الأب والخوف مسيطر عليه: "اللي يقول يقول، مادام أنتِ واثقة في نفسك. سيبك من أي حاجة تانية، وارمي الباقي ورا ضهرك."
جميلة: "للأسف يا بابا، إحنا مش عايشين في الدنيا لوحدنا، وللأسف كلام الناس مبيرحموش حد. فللأسف حضرتك ياريت تعرفني أنا عملت إيه يخلي..."
يتبع
رواية تربية حواري الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ولاء حامد
همام بص لبنته بشرود ومرة واحدة قال بصوت شبه منهار:
مش قلة ثقة، مش عشان عملتي حاجة، عشان أنا أب، عشان خايف عليكي، خايف عقاب ربنا ييجي فيكي، خايف من دعوة مظلومة جات في قلبي محروقة ودعت بحرقة، فهمتي؟ خايف، خايف يا ناس، خايف من شر أمك وأخوكي تكوني انتي التمن فيه.
وقعد على الكرسي وحط رأسه بين إيديه وبصوت مخنوق:
خايف، مش من حقي أخاف، خايف من ذنب حور يا بنتي، خايف حور في المستشفى بين الموت والحياة، أمك دوست عليها أوي وكسرتها كسرة منها جبرها، متحملتش كسرة جديدة، البت اتجلطت، خايف من دعائها هي وأمها، عشان كده لازم تفضلي تحت عيني لحد ما ربنا يبعت نصيبك.
جميلة بخوف:
مالها حور يا بابا؟ كانت ماشية إمبارح كويسة.
همام بتهكم محمل بالوجع:
كويسة؟ آه كويسة. كانت طالعة رافعة راسها بس جواها مكسور، متشدد ألف حتة، متحملتش إن جرحها يتفتح تاني وينز ألم، فهمتي يا بنتي؟
جميلة بصت لجبل بوجع وهزت رأسها:
حاضر، طيب يلا عشان نلحق وقتنا، أنا كده هتأخر والمستر مش بيسكت للي بيتأخر.
همام:
يلا يا بنتي، يلا.
وحب بنته وطلع، وساب اللي قلبه بيتكوي على فراق روحه اللي كسرها في غفلة من عقله تحت سيطرة شيطان عقله وشر أمه.
***
هدي قاعدة، وجع بينهش في روحها.
والمستشفى اتملت ناس، الكل جاي يطمن على حور.
وخلانها جم يطمنوا عليها.
راشد:
يا هدي، روحي غيري الهدوم اللي عليكي وريحي ساعتين، واديني أنا وإخواتك قاعدين أهو، وإنتي سمعتي الدكتور بنفسه بيقولك إنها مش هتفوق إلا على المسا، إنتي من امبارح قاعدة القعدة دي.
هدي بهذيان:
بنتي يا ضنايا يا حور.
راشد:
يا هدي، وحدي الله، قومي روحي واتوضي وصلي ركعتين لله وادعيله يقومها بالسلامة، متخافيش عليها، بنتك قوية وجديدة، هاتقوم منها وهتبقى زي الفل والله، بس إنتي وحدي الله وقومي، هاتقعي من طولك لو فضلتِ على حالك ده. متقول حاجة يا قطب.
قطب بهدوء:
اسمعي الكلام يا هدي بقى، متخليش بنتك تتخض عليكي، منظرك يموت من الوجع، عينيكي اللي ماشفتش النوم من امبارح وبقت زي الدم من العياط، ولا رجليكي اللي مش شيلاكي من قلة الزاد والتعب، روحي يا ابني يرضى عليكي واحنا معاها، ريحي جسمك ساعتين وتعالي.
هدي بتعب:
مش رايحة في حتة إلا وبنتي في إيدي.
وبصت للكل بعينين زايغة:
لو راحت روحي هاتروح معاها، مبقاش ليا حد، أنا عايزة بنتي، آه يا قلبي يا ضنايا.
قطب شدها في حضنه وفضل يطبطب عليها وقرأ آيات من القرآن الكريم لحد ما هديت شوية.
جبل وصل المستشفى، واللي كانت مليانة ناس، وشاف وضع هدي استخبى ورا عمود واتدارى من العيون، وقلبه هايقف من الخوف والوجع.
مر الوقت وسيفه بيقتل الكل.
والكل واقف مترقب حال حور.
وأخيرا رحمة ربنا بيهم، الدكتور طلع وعلى وشه البشارة.
الدكتور بابتسامة أمل:
الحمد لله، المريضة فاقت ومؤشراتها الحيوية كويسة، وهاتتنقل أوضة عادية، أظن ملوش لازوم التجمع الرهيب ده.
هدي بصوت مبحوح:
طمني الله يطمن قلبك، بنتي بجد كويسة؟ احلف إنها كويسة.
الدكتور بمراعاة لحالتها:
والله العظيم يا ست الكل بقت كويسة، وكلها ساعة وتقدرِ تدخلي تطمني عليها بنفسك.
هدي خدت نفس:
أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله، الله يطمن بقلبك.
الدكتور هز دماغه بابتسامة وسابهم علشان يكمل شغله.
مر الوقت وهدي دخلت لبنتها بلهفة أم وموع سابقة على وشها:
يا ضنايا، ألف حمد وشكر ليك يا رب، ألف حمد وشكر ليك يا رب، ألف حمد وشكر ليك يا رب.
حور بابتسامة بسيطة:
خلاص يا هدهد الجناين، أنا زي الفل، أخوكي قاعد على قلبك ومربع.
هدي بدموع:
إن شاء الله دايماً تفضلي قاعدة على قلبي يا رب، أنا وإنتي، لأ يا ضنايا.
حور بلهفة:
بعد الشر عليكي يا أمي، في إيه مالك بس؟ منا زي الجن اهو، متخافيش على بنك، أنا زي القطط بسبع أرواح.
هدي بدموع:
خلعتي قلبي يا ضنايا، كده أهون عليكي توجعي قلبي عليكي.
حور بابتسامة لإطمئنان أمها:
أنا زي الفل، بالله عليكي مش عايزة أشوفك تعبانة كده، وغلاوتي عندك.
قطب بهزة راس:
قوليلها من الصبح ريقي نشف معاها تروح تغير وتريح جسمها شوية.
حور بعتاب:
ليه كده بس يا هدهد الجناين، يعني عايزاني أتعب ولا إيه؟ لأ، أنا كده أزعل وأجيب ناس تزعل بقى.
هدي بدموع:
قلبي مطاوعنيش يا بنت قلبي، قلبي وعقلي كانوا معاكي وإنتي راقدة تحت عفو الرحمن.
حور:
طيب، ورحمة أبويا وغلاوتي عندك، روحي غيري هدومك وريحي ساعتين.
هدي بهزة راس:
لا، مش هاطلع إلا ورجلي على رجلك.
حور خدت نفس طويل وطلعته بتعب:
خلاص، مادام مصرة، أنا هاطلع معاكي دلوقتي.
هدي بخوف:
يا بنتي، الله يرضى عليكي، إنتي تعبانة، بلاش مناهدة.
حور:
إنتي اللي بتناهدي، أنا شوية وهنام، يعني هاتفضلي متكتفة على كرسي من امبارح؟ بالله عليكي ريحيني.
هدي بتعب:
حاضر يا ضي عيني، حاضر، بس ريحي حالك إنتي.
ومر الوقت وخلص وقت الزيارة، ورجعت هدي بيتها، وصلها أخواتها بعد ما اطمنوا عليها.
ومرت الأيام وعدى أسبوع، وأخيرا حور طلعت انهارده من المستشفى.
حور أول ما دخلت البيت بقت تبص على كل ركن فيه وكأنها غايبة عنهم ألف سنة.
خدت نفس طويل محمل بريحة الحبايب اللي مالية البيت وغمضت عينيها بإستمتاع رهيب.
هدي بابتسامة:
يلا يا ضنايا، نورتي بيتك، كان ضلمة من غيرك، دانتي نور البيت يا نور عيوني.
حور بابتسامة صافية وصادقة:
والبيت كان واحشني أوي يا أمي.
هدي برفعة حاجب:
أخيرا حور هادية وبتقولي يا أمي.
حور برفعة حاجب هي كمان:
إيه يا هدهد الجناين، جر الشكل ده بقى؟
قريب وراشد من وراهم بضحكة:
عيال، اللهم منظر بت وأمها خالص، يلا يلا ندخل بدل وقفة المدخل دي، خلي البت تريح جثتها شوية، واعمليلها لقمة تتقوت بيها وتسند قلبها.
هدي بفرحة:
ده أنا عملالها جوز شامورت يردوا الروح، مرقهم سمنة بدل أكل المستشفى اللي يجيب المرض ده، يلا يا ضنايا ادخلي ريحي في فرشتك على ما أخلص.
حور بهزة رأس:
ماشي يا أمي.
وسابتهم ودخلت أوضتها تريح جسمها.
وأول ما رقدت على السرير افتكرت الشغل اللي نسيته الكام يوم اللي فاتوا، مسكت تليفونها.
حور:
أيوه يا سبارس، طمني الشغل عندك عامل إيه؟
سبارس:
حمد الله على السلامة يا أسطى، اطمني، الشغل كأنك موجودة وزيادة.
وبيفكر للحظات وسكت.
حور بقلب وش:
بس إيه؟ طمني.
سبارس:
مفيش يا أسطى، سلامتك.
حور بحسم:
سبارس، انحز، مفيش حيل للمناهدة، إيه اللي جرا في غيابي؟
سبارس بتردد:
أصل المعلم وائل جه كام مرة وطلع مكتبك، ورجله خدت على المكان وبيتعامل كأنه صاحب مكان أوي، وصاحب العربية إياها جه وسأل عليها، وأنا قلتله إن الأسطى حور طلبت إنها تشتغل فيها بإيديها بس هي بعافية وفي المستشفى، وأجلتها كام يوم.
حور:
ماشي يا سبارس، أنا هريح جثتي النهارده، وبكرة بمشيئة المولى ها أنزل وأخلي كل فار يلزم حجره، وجهلي كل طلبات العربية، وأنا بكرة هشتغل فيها، بس عايزك تفك العطل وسيب القطع جنبها. آمين.
سبارس:
آمين يا أسطى، من عنيا.
حور:
يلا سلام، وبكرة أشوفكم، بس متبلغش حد إني نازلة، خليني أشوف غراب البين ده عايز إيه في ليلته.
سبارس:
من عنيا يا أسطى.
قفلت حور التليفون:
وبعدين يا وائل يا كلب، مش ناوي تتعدل؟ مابتصدق الفرصة تجيلك، الكام سنة اللي فاتوا معلموكش؟ مفيش فايدة فيك بردوا؟ الطبع غالب. ماشي، الصبر.
قطع شرودها دخول هدي:
ها يا ضنايا، صاحية ولا هتنامي؟
حور بابتسامة:
لا صاحية يا ست الكل، كنت بس ببصل بالورشة أطمن على الشغل.
دخلت هدي وحطت الصينية على الكومودينو:
وقعدت شغل تاني يا حور؟ ونايبك إيه يابنتي من وجع القلب ده؟ محنا عندنا اللي مكفينا وزيادة.
حور بحسم:
ده أكل عيش ناس في رقبتي، وبيوت مفتوحة، واسم المعلم عامر اللي شقي وتعب فيه، متخافيش بنتك حمالة أسى.
هدي بعدم رضا وإستسلام:
طيب يلا بسم الله، كلي لقمة تسند قلبك وترمي عضمك.
حور بحب:
طيب، حطي الأكل على الطربيزة بره وأنا جايه، نفسي نتجمع تاني يلا، وأنا هاطس وشي بشوية ميه وجايه وراكي.
هدي:
ماشي يا حور، ربنا ما يحرمني من حسك حواليا، قادر يا كريم ويفرح قلبك ويجبر خاطرك ويعوضك عوض الصابرين.
حور بأمل:
اللهم آمين.
شالت هدي الصينية وطلعت بره ورصت الأكل على التربيزة اللي في الصالة.
ودقايق وطلعت حور وشاركت أمها اللقمة زي زمان.
حور بضحك:
اهدِ يا هدي، إنتي بتزغطي دكر بط لرمضان ولا إيه؟
هدي وهي بتفصص الفراخ وتحطها في بوق حور:
طيب كلي كلي، خليكي تتقوتي.
حور وبوقها مليان:
بأكل أكتر من كده هبقى بتعلف.
هدي:
يابت كلي وبطلي لماضة، دانتي خسيتي وبقيتي شبه البرص من رقدتك الكام يوم اللي فاتوا، الله لا يعيدها أيام.
حور بضحك:
عارفة يا أمي، الأكل ده محتاج مين؟
هدي بضحك:
مين يا بنت عامر؟
حور بضحكة عالية:
البنت شذى هاتقوم بيه هو والحلل.
هدي بضحك لحد ما عينيها دمعت:
الله يحفظك يا حور، مالها بس البونية؟ حاطة نقرك من نقرها ليه؟
حور بضحك:
لا والله يا أمي، بحب أشاكسها، بس بصراحة البنت بتاكل أكل يالهوووي، ولا اللي جاي من مجاعة، مشوفتهاش من أيام إعدادي إلا وبوقها بيلوك، مستحيل تشوفيها بوقها ساكت.
هدي بضحك:
بس والله ما باين عليها.
حور بضحك:
مهو ده اللي هايجنني، البنت عاملة زي الأبلكاش، مش باين لها وش من قفا.
هدي بضحك:
طيب كلي كلي يا أختي.
ومر الأكل بضحك صافية وفرحة طالعة من جوف الوجع.
مر اليوم بسلام، والصبح قامت حور من النجمة، اتوضت وصَلت فرضها ولبست وطالعة على طراطيف صوابعها عشان أمها متسمعهاش.
هدي من وراها:
بتتسحبي ورايحة فين؟
حور بخضة:
يالهوي يا أمي! وقفتي نومي، حد يخض حد كده والدنيا هس هس.
هدي بكشة وش:
مش عليا الوش ده يا بنت عامر، دانا عاجناكي وخبزاكي، رايحة فين؟
حور:
امممم، رايحة الورشة، هاطل طلة على الشغل، إيمه ساعة زمن وجاية.
هدي:
يا حور، إنتي طالعة من وقعه جامدة يا بنتي.
حور باطمئنان:
متخافيش، أنا عافية وفيه صحة تهد جبل.
هدي:
قولي ماشاء الله يا بت، ما يحسد المال إلا أصحابه.
حور:
ادعيلي يا أمي.
هدي بخوف:
طيب، متريحي جثتك النهارده، وبكرة يحلها الحلال.
حور:
يا أمي، ده أكل عيش، والمال السايب يعلم السرقة، واديكي شوفتي يوم تعب ووفاة أبويا، الكل بقى ينهش، لو موقفتش عليه هنتأكل ومحدش هايسمي عليا.
هدي باستسلام:
طيب يا ضنايا، بس ورحمة أبوكي متعوقي ولا تهلكي روحك، إنتي لسه جثتك مش طايبة.
حور باطمئنان وابتسامة مرسومة على وشها:
حاضر، طمني قلبك وبالك، يلا فوتك بعافية.
هدي بعينين ثابتة على بنتها وهي بتتحرك من قدامها:
الله يعافيكي ويكتبلك في كل خطوة سلامة، ويجعل قدامك أخضر ووراكي أخضر، يجعل رزقك قدح برسيم يا حور يا بنت هدي، قادر يا كريم.
ركبت حور العربية واتوكلت على الله، وبعد ربع ساعة وصلت الورشة وركنت العربية ونزلت.
أول واحد لمحها ديشا.
ديشا بصوت عالي وفرحة:
اسطى حور رجعت يا رجاله، المكان نور تاني يا اسطى، والله المكان من غيرك ضلمة.
حور بضحكة:
طيب الترجمة يا ديشا، أنا جالي حول في لساني.
ديشا بضحكة:
قلبي وربنا.
حور بضحكة:
والله إنت اللي حبيبي يا ديشا، تصدق ياض كان واحشني كلامك الكام يوم دول.
ديشا بضحك:
يا رافعة معنوياتي يا اسطى، والله إنتي اللي وحشتيني أوي.
حور:
طيب يلا ندخل نطمن على الشغل.
دخلت حور وجمبها ديشا:
صباح الفل يا رجالة.
الكل بفرحة:
حمد الله على السلامة يا اسطى.
حور بصدق:
الله يسلمكم.
سبارس:
منورة يا اسطى، أيوه كده ارجعي واملي مكانك.
حور بابتسامة:
متقلقش عليا، رجعت وكل فار هايرجع حجره تاني.
وبصت على المكتب فوق، اللي هو فيه.
سبارس:
فوق، وقافل عليه المكتب زي عادته.
حور بهزة رأس:
ماشي، يلا روح شوف شغلك، وأنا طالعة له، ونصايه ونازلة تكون جبت شغل الحلوة عشان نتوكل على الله نبدأ فيها.
سبارس شاور على عينيه:
من عنيا، تؤمر أمر.
حور:
الأمر لله، يلا أسيبك عشان الفار دخل المصيدة.
وسابته وطلعت المكتب.
وائل فوق عمال يدور في كل ركن في المكتب، ومرة واحدة شاف الباب بيتهبد في الحيطة.
حور بلوي بوق:
خير يا معلم، بتدور على إيه كده؟ كفا الله الشر، قالب المكتب فوقاني تحتاني زي اللي وقع منه إبرة في كوم قش.
وائل بقلب قرب يقف من الخوف:
اسطى حور، حمد الله على السلامة.
حور بتهكم:
الله يسلمك، بردوا مقلتليش بتدور على إيه؟
وائل بكذب:
على دفاتر الحسابات وفواتير القطع اللي دخلت الشهر ده.
حور بسخرية:
ياراجل قول والله العظيم يمكن أصدقك، يعني الدفاتر قدامك أهي.
وشاورت على الرفوف اللي عليها دفاتر الحسابات ودفاتر الفواتير والصادر والوارد.
وبتقلب في المكتب وبتحاول تفتح الخزنة وكملت بلؤم:
أقولك أنا بقى بتدور على إيه؟ بقالك 4 سنين بتنهر وتدفن زي القطة المسلوقة عشان الفيديوهات، وفاكر بغبائك إني هسيبها هنا؟ يا راجل يا عرة، ده أنا معايا منها بدل النسخة ألف، يعني نأبك طلع على شونة، يلا طريق وسكة ورجلك متخطيش هنا تاني، عشان ورحمة عامر لو اتكررت، هبعتهم للأصحاب العربيات وللحكومة، ويبقى عداني العيب، وازح ونزح بعيد عني، أنا حذرت مرة ودي التانية والتالتة ثابتة، وأنا نابي لزرق وقريتي والقبر، فخاف يا وائل بدل ما تندم، أصلي مش لقمة طرية هاتلوكها في بوقك وتبلعها، لا، فوق لنفسك، ده أنا عضمة ناشفة لا تقدر تدخلني حنكك، ولو دخلت متمضغش، ولو اتمضغبت متبلعش، أقف في زورك، مطلعش إلا بطلوع روحك، وأوعى عقلك يوزك وتقول إني رقدت فهسيبك تبرطع فيها، يبقى خيالك واسع، ارجع لعقلك واقف على الرض الواقع.
وائل بوش أصفر وعرقه غرق وشه من جبروت حور وحدتها في الكلام واللي شايلة تهديد واضح للأعمى:
يا بنتي، إنتي ليه مكذباني؟ ده أنا من سن أبوكي وفي مقامه.
حور:
عيب على شيبتك لما تبقى راجل شعر راسك شاب وكذاب، وأبويا إنت متجيش ضافر فيه، إيش تكون يا صعلوك بين الملوك؟ أبويا طول عمره ماشي عدل، عشان كده مفيش مخلوق يستجري يجيب سيرته بكلمة، لأن طول عمره راجل بمعني الكلمة.
وائل بخوف:
ماشي يا بنت عامر، هاعدي غلطك لأجل أبوكي الله يرحمه.
حور بزعيق:
لا، متعديهوش، ووريني أعلى ما في خيلك، بس خد بالك لتقع من عليه تتكسر رقبتك، ويلا طريقنا، خليني أشوف أكل عيشي.
مشي وائل وهو بيسب ويلعن في حور وفي الساعة اللي وقع تحت إيدها فيها.
طلع وائل، وحور رجعت كل حاجة مكانها وغيرت هدومها ولبست عفريتة الشغل ونزلت.
حور:
ها، جاهز؟
سبارس:
جاهز.
حور:
طيب، فيها إيه الأول؟
سبارس:
عندك الفلاتر عايزه تتنضف.
حور بدهشة:
كلها؟
سبارس:
أيوه، فلتر البنزين وفلتر الهواء، ويمكن ده السبب في إنها بتقطع، نقص الأكسجين اللي بيدخل عشان عملية حرق البنزين، وفلتر البنزين مليان رواسب، وده دخل شوائب في البخاخات.
حور:
تمام، فكيتهم.
سبارس:
أيوه يا أسطى.
حور:
ابعتهم لمنعم وقوله عايزاهم بكرة يكونوا نوفي بشوكتهم.
سبارس:
اعتبره حصل.
حور:
طيب، ده سبب التقطيع فيها إيه تاني؟
سبارس:
فيه ميه في البوجيهات، وفي خلل في وش السلندر، وبرومة في ترس من تروس الموتور.
حور بمطط شفايف:
اممم، ده شكله شاريها مستعملة. طيب، ابعتلي حد من فنيين الكهربا عشان يشوف البوجيهات عشان نحل مشكلة الكهربا دي، ويلا نبدأ الأول بالتروس اللي فيها برومة، وخلي السلندر في الآخر، لأن مادام فيه مشكلة في السلندر يبقى لازم نشوف عمود الكرنك ونشيك على شمع الحرق ونشوف ملف الإشعال، وبكرة نبقى نوصل الفلاتر ونشوف ضغط البنزين والمحرك عشان نعرف الضغط عليه ماشي إزاي.
سبارس:
تمام يا أسطى، وأنا فضيت التانك تمام.
حور:
الله ينور، يلا أنا هابدا، وإنت اعمل اللي قولته.
سبارس:
تمام، اعتبره حصل.
وبدأت حور تحل مشكلة البرومة اللي في التروس، ومر أكتر من ساعة وهي شغالة في العربية، كان سبارس فيها، خدت الفلاتر وبعتها تتنضف، وبعت ورا فني الكهرباء.
قطع شغلها التليفون اللي نازل رن، وقفت شغل ومسحت إيديها بالفوطة ومسكت التليفون، لقيتها أمها.
حور:
أيوه يا هدهد الجناين، إيه وحشتك صح؟
هدي بعصبية طفيفة:
وحش يلهفك، هو ده يا بت اللي ساعه زمن وجاية؟ يابت بتاكل بعقلي حلاوة يا بنت عامر.
حور بضحك:
وآهون عليكي يعني؟
هدي بتراجع:
يلا، متهونيش يا ضنايا، بس إنتي لسه قايمة من دور عيا، وسبحان من برد قلبي بشوفتك، وحكل عيني برؤيتك قدامي.
حور بابتسامة:
متخافيش عليا، والله الشغل متلتل، وإنتي عارف أنا مبحبش الشغل يطلع إلا على أبوه، ده اسم أبويا شقي عشان يعمله سنين.
هدي:
طيب كلي لقمة وخدي علاجك.
حور:
من عنيا، نصايه أخلص اللي في إيدي وأبعت أجيب غدا وأتغدى مع العمال في الورشة.
هدي بشهقة:
يالهوووي! لاهو إنتي بتشتغلي بإيدك؟ أخ يا ناري منك.
حور بضحك:
لاهو إنتي فاكرة إني هاسيب الشغل يطلع أي كلام؟ عيب عليكي يا أم الأسطى.
هدي:
ماشي يا بنت عامر، ماشي.
وقفت في وش حور السكة.
حور حطت التليفون على جنب وفضلت تضحك ورجعت تكمل شغل، وكان سبارس بيساعدها.
وهي شغالة سمعت صوت وراها.
ياترى كان صوت مين؟
رواية تربية حواري الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ولاء حامد
سمعت صوت وراها واتلفتت، وكان آخر شخص ممكن تتخيل تشوفه.
حور بصتله وهي بتكزه سنان: "خَيِّر، إيه الطَّلَّة اللي لا ع البال ولا ع الخاطر دي؟"
ياسر: "عندك حق يا حور، خصوصًا إن بقالنا سنين بعيد عن بعض. بس والله العظيم لما عرفت إنك تعبانة روحت المستشفى، اسألي أمك. ولما عرفت إنك نزلتي الورشة قولت أجي أطمن عليكي."
حور بنظرة غامضة وهي مركزة في عينيه: "ليه؟"
ياسر: "ليه إيه؟ انتي بنت عمي. عارف إني مكنتش ليكي سند وضهر زي ما كنتي تتمني."
حور: "جاي ليه يا ابن عابد؟"
ياسر بكسوف: "جاي أطمن عليكي وأقولك حقك عليا. ويشهد عليا ربي إني من يوم وجاي هكون ليكي الأخ والسند، وبكرة تشوفي بنفسك."
حور: "برضه ليه دلوقتي؟"
ياسر: "حسيت لما عرفت إنك وقعتي إن قلبي وجعني. تعرفي يا حور إني كنت بحب عمي عامر الله يرحمه أوي، كان صاحبي بجد. بس كان دايماً يخانقني عشان أصحابي."
حور بشرود: "كان بيعتبرك ابن، وكان بينصحك نصيحة أب لابنه. كان خايف عليكي، كان بيعتبرك سنده لما ربنا مرزقوش بصبيان."
ياسر بخجل من نفسه: "عارف وندمان والله العظيم ندمان. أنا روحتله الترب وجيت من عنده عليكي، ووعدته إني هاكون في ضهرك."
حور: "ومش خايف من أبوك وأمك؟"
ياسر: "لأ. انتي عارفة إن دماغي ناشفة زي عمي عامر ومحدش يقدر عليا."
حور: "وإيه المطلوب مني دلوقتي؟"
ياسر: "ولا حاجة. عايز أكون ليكي الأخ والسند. مش عايزك تتكسري. عز عليا إن يوم كتب كتابك كان خالك وكيلك بدل عمك، ولما اتطلقتي كان هما جارك مش إحنا."
حور: "ومين السبب ها؟ مين يا ابن عابد؟ مش إنتوا الطمع والجشع؟ إيه نسيت إنت وأبوك وأمك عملتوا فينا إيه بعد موت أبويا؟"
ياسر: "عارف. وإنتي كمان مسكتيش وخدتي حقك تالت ومتلت."
حور: "إنتوا اللي بدأتوا، والبادي أظلم. وأنا كل اللي عملته رد فعل عـلى عمايلكم. فمتجيش تقولي إنتي وإنتي."
ياسر: "معاكي حق. بس برحمة أبوكي يا شيخة، خليني في ضهرك. حاسة إنك موجوعة، عنيكي دبلانة وجواكي مكسورة. خليني في ضهرك منين ما تقولي يا أخ أكون أنا."
حور بوجع: "كنت فين وأنا في أشد الحاجة لسند وضهر؟ كنت فين وأنا بتوجع وأكتم وجعي جوايا عشان مليش ضهر؟ كنت فين واللي كانت حماتي كانت بتقولي إني مليش رجالة؟"
ياسر ميل رأسه في الأرض واتوجع من الكسرة والوجع اللي في صوتها: "قطع لسانها. إنتي لوحدك بمليون راجل، ورجالة عيلة النصرواي كلها في ضهرك. وحقك والله. عارف إنك موجوعة. إحنا ولاد انهارده ومش بالكلام. أيوه، ويشهد عليا ربي إنك هاتشوفي بالفعل بنفسك."
حور اكتفت بهزة رأسها وسكتت وكأنها بتفكر. قطع تفكيرها صوت من بره.
"حمد الله عـلى السلامة."
حور: "الله يسلمك."
يونس: "عرفت إنك تعبانة، كنت جاي عشان أقولهم حد يخلصها، لأني حرفياً متبهدل من غيرها."
حور: "ولا يهمك. أنا فعلاً بدأت شغل فيها، ويومين بالكتير وتستلمها عروسة."
يونس: "متأكدة؟"
حور: "عيب عليك يا باشا، دي شغلتي. كان فيها كام مشكلة. ونصيحة لوجه الله، لما تشتري عربية مستعملة، وديها لحد ثقة يشوفها قبل ما تتدبس فيها. وخلي الميكانيكي تبعك مش تبع البايع."
يونس بذهول: "وعرفتي منين بقى إنها مستعملة مش جديدة؟"
حور بتهكم: "شغلتي. ومن اللي شوفته من حال العربية يأكد إنها مستعملة مش جديدة."
يونس بصدمة: "ليه؟ كان فيها إيه لكل ده؟"
حور: "عندك وقت تسمع؟ طيب عد عندك الفلاتر مسدودة، والبخاخات مسدودة، والبوجيهات مليانة ميه، وده مأثر عـلى كهربة العربية. وعندك خلل في السلندر، وبرومة في ترس من تروس الموتور. وطبعاً ما دام وش السلندر فيه خلل، بيبقى مليون المية عمود الكرنك والملف وشمع الحرق فيه مشكلة كمان. آمين."
يونس بذهول: "إيه؟ حيلك حيلك. ليه؟ كانت جاية من خرابة؟"
حور بسخرية: "الله أعلم. إنت أدرى جايبها من أنهي مقلب زبالة."
ياسر مقدرش يكتم ضحكته: "الله يحظك يا حور. مالكيش حل. لما تحطي عـلى حد ربنا ما يوقع حد تحت إيده."
حور برفعة حاجب: "متأكد؟"
ياسر: "بصراحة.. لأ."
حور: "أيوه كده. جيب مرشح لي الأدب. فضلوه عـن قلة الأدب."
يونس بنظرة غضب: "والله إنتي..."
قاطعه صوت جاي من وراه قبل ما يكمل: "أنا جبتلك لقمة تتقوتي بيها، عارفة إنك مش هاتسمعي الكلام."
حور بذهول: "أما فيه إيه؟"
هدي بلهفة: "كل خير يا ضنايا. جبتلك الغداء عشان تاكلي وتاخدي دواكي."
حور: "والله يا أما، كنت هاخلص وأبعت أجيب أكل. وبعدين مينفعش أقعد آكل والعمال تتفرج."
هدي: "متقلقيش، أنا عملت حسابهم وجبت أكل بزيادة."
حور بابتسامة ميلت وباست إيدين أمها: "ربنا يديمك نعمة في حياتي."
يونس بنظرة جديدة لحور وعيون بتلمع.
حور: "سبارس، نادي عـلى كل الرجالة وقولهم اللي في إيده شغل يسيبه ويغسل إيده وييجي يأكل الأول."
سبارس: "من عنيا يا أسطى."
هدي بصت عـلى اللي واقفين ولمحت ياسر، وبصت بتحفز.
وبصت لحور مرة تانية: "إيه اللي جاب ابن عمك هنا؟"
حور بتوضيح: "دا تربية عامر يا أما. وتربية عامر لو ضل الطريق بيهتدي ويرجع تاني. أبويا الله يرحمه كان ليه نظرة في الناس عمرها ما تخيب، ومعدن ياسر أصيل مش خسيس."
هدي بخوف: "ربنا يستر."
ياسر: "متخافيش يا مرات عم. والله أنا جاي وما في في نيتي شر. دانتي مربياني وقعدت معاك أكتر من أمي."
هدي ببوادر اطمئنان: "ربنا يعينك عـلى شيطان نفسك ويكفيك شر شياطين الإنس والجن. طيب يلا هُمَّ معانا. ومد إيدك، بسم الله، عشان يبقى عيش وملح."
ياسر بضحكة: "دا أنا ياما أكلته يا مرات عم. تشكري."
هدي بزغرة من عينها: "إيه تشكري دي يا واد؟ فاكر نفسك هاتكبر عليا؟ أكمنك طولت حبة وصُبِحت فرع بردوا هاتفضل في نظري الواد ياسر اللي كنت بغيرله الكافولة. ليه فاكر نفسك اتولدت شحط كده ولا إيه؟ داه الكليم اللي في المدخل يشهد عليك. ياما شرب رشاحك."
يونس انفجر في الضحك وهو بيبص لياسر وبيتخيل كلام أم حور عنه.
ياسر كان بيتمنى الأرض تنشق وتبلعه. ماهو عارف لسانها. "خلاص يا مرات عم. هاكل، وكتاب الله هاكل. بس بلاش فضايح."
هدي بصت للي بيضحك بإستغراب: "إنت مين يا بني؟"
حور ردت بسرعة: "دا زبون يا أما. صاحب العربية اللي كنت شغالة عليها."
هدي: "أهلاً بيك يا ابني."
يونس بحرج: "طيب أستأذن أنا، وعلى ميعادنا كمان يومين إن شاء الله."
هدي بسرعة: "مد إيدك يا ابني، بسم الله. دانتا حماتك بتحبك. وعيب تمشي والأكل محطوط. ولا إنت بخيل ولا إيه؟"
يونس باعتذار: "شكراً والله مش جعان. وتسلمي عـلى العزومة."
هدي بشهقة: "يا ندامة! إنتا فاكرها عزومة مركبيه؟ لا والله متخافش، الأكل داه أنا عملته بإيدي. واللمة بتجوع. يلا يلا! إنت مش داخل عـلى بخيلة يا ابني."
يونس وعينيه بتبص عـلى كل اللي حواليه، شايف وشوش أصيلة تعبانة وشقيانة لأجل لقمة عيش حلال. الكل اتجمع، وهدي بدأت ترص الأكل عـلى مفرش عـلى الأرض هي وحور.
يونس بحرج: "طيب، بس ممكن أغسل إيدي."
حور وهي بتبص للأكل: "الكبَّانية عندك، آخر الطرق دي في الوش."
يونس بيبصلها كأنها بتقول طلاسم: "الـ إيه؟"
حور بصتله بسخرية: "الكبَّانية. متعرفوش؟ معندكوش واحد في البيت؟"
يونس بعدم فهم: "أيوه، إيه ده يعني؟"
هدي بضحك: "الله يحظك يا حور. الحمام يا ابني. بس هي حور بتحب ترخم."
سابها وهو ماشي بيحاول يستوعب الاسم الغريب اللي سمعه، ودخل غسل إيده وطلع مناديل من جيبه ونشف إيده وقعد عـلى الأرض يشاركهم اللقمة. وفعلاً اكتشف إن اللمة وسط الناس الطيبة بتجوع، واللقمة حتى لو جعان واتقسمت بتشبع. وفعلاً الكل أكل وشبع وحمد ربنا. ويونس اكتشف إنه كان جعان جداً وبقالو فترة طويلة مأكلش أكل بيت.
يونس اتحرج لما اكتشف إنه أكل كمية كبيرة جداً من الأكل بدون ما ياخد باله: "احم، الحمد لله. تسلمي ايدك يا طنط. فعلاً أكلة جميلة أوي. بقالي فترة طويلة مأكلتش أكل بالجمال ده."
هدي بحنان أمومي: "ألف هنا وشفا يا ابني. مطرح ما يسري يمري. صحة وعافية عـلى بدنك."
يونس بابتسامة بينت غمازاته خطفت عين حور: "تسلمي بجد. الأكل جميل أوي."
هدي بفخر: "طبعاً. هو في زي طبيخ البيت ولا أكل البيت؟ وأنا كل اللي أكل من إيدي يشهد بطعامته."
ياسر بضحك: "وأنا أشهد. ولا أجدع شيف."
يونس بابتسامة: "وأنا كمان أشهد."
حور: "وهو فيه زي يا هدهدي؟"
هدي: "إيه؟"
حور بتنحنح: "يا أما."
هدي: "أيوه كده."
الكل انسحب ورجع شغله، وحور انسحبت تاخد علاجها.
يونس: "طيب، أستأذن أنا."
ياسر: "وأنا كمان."
هدي بهزة رأس: "يلا، طريق السلامة يا ابني. ربنا ييسرلكم كل أمر عسير."
رجعت حور بعد دقايق كانت خدت علاجها: "إيه يا أما؟ فين الناس؟"
هدي: "كل واحد راح يشوف مشاوغه يا ضنايا. وأنا كمان لميت المواعين بقى وأروح."
حور: "طيب استني أجيب المفاتيح وأروحك."
هدي بهزة رأس: "لأ، خليكي. وأنا هاخد توكتوك. داه المشوار فركة كعب مش طويل، يعني عشان تسوقي رايح راجع."
حور: "طيب، ما العربية موجودة أهي، وهي دقايق يعني مش إشكال."
هدي: "لو روحت هاندخل، مش هاترجعي."
حور: "اممم. بتلبسيني يعني؟ طيب تمام. استني أوقفلك توكتوك."
وطلعت حور ووقفت توكتوك لأمها، ودخلت تكمل شغل. ومر اليوم بخير وسلامة. ومر يومين. ويونس استلم عربيته، وكان تحدي بينه وبين حور، وطلع بيها على توكيل كبير في القاهرة. واللي أكدله إن كل القطع اللي فيها قطع سليمة وأصلية. وداه اللي خلى يونس يستغرب. وعرف فعلاً كل أعطال العربية اللي بلغته بيها حور.
ومرت الأيام وعلاقة ياسر ببيت عمه اتحسنت كتير. وداه طبعاً ضايق عابد ونعمة.
نعمة بزعيق: "بقى بنت هدي بلفتك وحطتك تحت باطها؟ يا ابن عابد الله في سماه! لا يحصل ولا يكون، مش بعد اللي عملتيه فيا وفيك وفي أبوك؟ دي سرقت شقي عمري ونور عيني، ونصبت عـلى أبوك وحبستنا أنا وانت وأبوك. ولسه بتقول بنت عمي؟ يا أخي كتها عمى الدبب."
ياسر ببرود: "أظن اللي عملته حور مكنش من فراغ. الإسبوع اللي قعدناه هناك، إنتي طلعتي ميتين أبوهم ومسبتيش حد في حاله. دانتي خدتي أوضة عمي ومراته نمتي عـلى فرشتها. وبص لابوه. وإنت يا أبا، كنت سند للولايا؟ كنت حضن تلم بنت أخوك فيه؟ عملت إيه؟ أقولك أنا؟ دورت عـلى الفلوس وهددت بفضحهم في شرفهم وسمعتهم. قولي كده يا حاج. عمي الله يرحمه طلع من الدنيا دي بإيه؟"
عابد بص له بصدمة وسكت.
يكمل ياسر بوجع: "أقولك أنا؟ بكفنه بحتة قماشة بـ 150 جنيه بس. مات وساب سيرة حلوة. الكل لما يتقال اسمه يترحم عليهم. مات وخد من الدنيا عمله الطيب. مات وهو برغم ظلمك ليه، كان بيسعى يصالحك ويصل رحمك."
اترمى عـلى الكرسي والدموع بدأت تلمع في عينيه. "كان ليا الأب في الوقت اللي إنت كنت مشغول تكوش عـلى الدنيا وتلم فلوس. تعرف إن أول مرة أصلي هو اللي خدني الجامع معاه؟ تعرف إنه كان بيخاف عليا من الهوا الطاير؟ تعرف إن لما كنت بتسافر تخلص بضاعة المحل، كانت أمي بترمني عند عمي ومراته؟ كانوا أحن عليا منكم. كانت أم بجد، وكان أب بجد. كان بياخدني في حضنه. فوق يا أبا، فوق. عشان لما الوشوش تتقابل، تقدر تحط عينك في عين أخوك وتقوله: صنت عرضك وحجيت عليه بدرعاتي. فوق، بدل ما الدنيا تفوقك في الأصعب."
بلع ريقه بصعوبة وكمل بدموع بدأت تنزل: "عارف يا أبا؟ خايف تفوق لما تشيلني في نعشي زي أخوك."
عابد اتهز من الكلمة.
نعمة بزعيق: "سحرتلك هدي وبنتها! لاء، ويمن الله داه مهو كلامك. داه كلام المخسوف عمك."
ياسر بزعيق وصوت مفزع وعينين من الدموع والغضب أشبه بجمرتين ملتهبتين: "بلاش كلام في حقهم. عمر سيرتك ما جات إلا بالخير. برغم كرهك وغلك اللي معرفلوش سبب لحد دلوقتي، إلا إنهم عمر ما حد جاب سيرتك إلا بكل خير."
نعمة بصوات: "يالهوووي! يا خراااابي! يا مرااااري! وبصت لجوزها. هو داه ابنك؟ هو داه راجلك يا عابد؟ رد عليا ساكت ليه؟"
عابد باصص قدامه بشرود. وشريط حياته بيمر قدام عينيه. طفولته، صباه، وشبابه. وعامر الأخ الجدع اللي كان دايماً واقف في ضهره. سؤال ياما سأله لنفسه. ليه كره أخوه؟ ليه بعد عنه؟ ليه الشيطان فرق بينهم؟ ليه طمع في أخوه حي وميت؟ ليه سرق ورث أخوه؟
والإجابة واحدة. إن عامر كان دايماً أحسن منه. كان دايماً جدع. لما كانوا بيمشوا في طريق، كان الكل بيشاور عـلى عامر وعابد جنبه صفر عـلى الشمال. ونعمة جات كملت عـلى النار اللي جواه وكبت عليها بنزين. ورجع بدماغه لزمن فات.
فلاش باك.
نعمة بتوسوسة زي الشيطان اللي بيزن عـلى ودن إنسان: "يا عابد، اسمع كلامي. واهو عامر يا أخويا ربنا فتحها عليه من وسع وبقى عنده بيت ملك وورشة، واديه جاب عربية. ومحيلتوش إلا حتة البت. وفي الآخر اللي عنده راجع لينا. فاسمع كلامي وإنت تكسب."
عابد بتوهان: "يا وليه يا مخلولة! اسمع إيه؟ أسرق أبويا؟ عيني عينك والراجل حي عـلى وش الدنيا."
نعمة بصبر: "يا أبو ياسر، لو أزمت أبقى جوز البت لابنك. واهو يبقى زيتنا في دقيقنا. والخير كله يبقى لينا ولعيالنا."
عابد بعدم تركيز: "يا وليه، وأبويا لما يعرف داه هايخرب الدنيا. وهاتقوم حريقة مهتنطفيش."
نعمة: "وأبوك إيش دراه؟ محدش هياخد خبر إلا بعد عمر طويل. وهانكفي عـلى الخبر ماجور لحد ما يحين أوانه."
عابد ببوادر اقتناع: "طيب، وعامر هانعمل معاه إيه؟"
نعمة بسخرية: "عامر عايش فيها درويش والمال ميفرقش معاه. وفرضاً يا سيدي، لو اتكلم. إنت معاك ورق متسجل في المحكمة. يبقى يطلع المرحوم من تربته ويسأله؟ ولا إيه؟"
عابد: "طيب، ودي هانعملها إزاي دي؟ ممكن نروح فيها ورا الشمس وسين وجيم."
نعمة بنفخة: "يا أبو ياسر، اسمع مني. ولا سين ولا جيم. كل الحوار إن أبوك بياخد برشام من الليل لليل لجل ما ينام. عـلى ما ينام، أنا جهزت العقودات أهي، وادي بصامة وخد قطنة بشوية زيت بعد ما تبصمه. والشهود مقدور عليهم. وأنا سألت واطقست عـلى محامي سقع، وهو اللي كتب العقودات دي. هياخدهم ويرفع بيهم صحة توقيع. بس في بلد تانية وعنوان غير عنوان بيت أبوك. ولما أبوك ميروحش جلستين، في الجلسة التالتة بيتسجل الملك باسمك."
عابد باقتناع: "يخربيت مطنك! دانتي دماغك دي شيطان."
نعمة بفخر: "كله عشان مصلحتك يا عُبد."
عابد: "عفارم عليكي. وأنا من بكرة هانفذ."
وفعلاً تاني يوم نفذ عابد المطلوب منه. وتممت نعمة باقي الإجراءات. ولكن كان للقدر رأي آخر. فلم يمر سوى شهرين، وكان الحاج ناصر انتقل إلى الرفيق الأعلى. ولكن كانت المفاجأة حين لم يسأل عامر عن أي شيء بخصوص الورث.
عابد بحيرة: "وبعدين يا نعمة؟ عامر من يوم موت أبويا وهو ولا حس ولا خبر؟ ولا حتى جاب سيرة الورث ولا سأل؟"
نعمة: "يا أخويا تلاقيه بيرقدلك، ولا قالك استنى كام يوم عشان الناس متأكلش وشه؟ وابقى قول نعمة قالت إن مجاش وقالك حقي ومستحقي."
ومرت أيام وشهرين، وعامر لا حس ولا خبر في موضوع الورث.
عابد بخوف: "وبعدين يا أم ياسر؟ داه له شهرين ولا حس ولا خبر."
نعمة بقلق: "والله عندك حق. الموضوع يوغوش فعلاً. واللي كان عند أبوك شيء وشويات."
عابد: "طيب، والعمل؟"
نعمة بتفكير لبعض الوقت: "تاهت ولقيناها."
عابد بإنصات شديد: "فطميني. في دماغك إيه؟ حكم؟ أنا عارف دماغك دي سم مصفى."
نعمة بخبث: "إنتا ابعت له ورسيه عـلى الدور. وإنك مكنتش تعرف. واعمل نفسك مصدوم."
عابد بشرود: "وتفتكري هاتتخيل عـلى عامر؟"
نعمة برفعة حاجب: "خالت ولا مخالتش. أعلى ما في خيله يركبه. واللي في قلعه من يمتنا ينفضه. إنت ومعاك ورق متسجل في المحكمة. وهو معاه إيه؟ آخره يجعجع شوية وهيسكت."
عابد باقتناع: "عندك حق."
وفعلاً بعت لأخوه خبر. وبعد صلاة العشاء اتجمع الأخوة في بيت أبوهم اللي شهد كل ذكرياتهم وحياتهم.
عامر وهو بيبص لحيطان البيت بشرود وكل ذكرياتهم بتمشي قدامه زي شريط السينما.
قطع ذكرياته صوت عابد.
عامر بإنتباه: "بتقول إيه يا عابد؟"
عابد أخد نفس طويل وطلعه مرة واحدة: "بقولك أبوك الله يرحمه كان كاتب كل حاجة باسمي بيع وشرا."
عامر بعدم رد فعل ولا كأن الموضوع يعنيه.
عابد بإستغراب من وضع عامر: "سكتت ليه؟"
عامر: "هاقولك إيه. بص يا ابن أبويا، المال ولا يفرق معايا. خد اللي عايزه، بس اوعي تظلم أبوك وهو في قبره، ذنب معملهوش."
عابد بخوف دراه ورا صوته العالي: "قصدك إيه؟ ها؟ قصدك إني سرقتك وسرقت أبوك؟"
عامر بهدوء: "أنا مقولتش. إنت اللي قولت. وأنا أعرف أبوك كويس أوي. عمره ما كان ظالم. خد اللي يكفيك. أنا الله الغني يا ابني. افتكر يا ابن أبويا. اجمع من الدنيا ما شئت، سترحل من الدنيا كما جئت. لا إذن منك ومبارك عليك المال والملك."
وسابه قاعد في ذهول من رد عامر الغير متوقع.
طلع عابد وهو عـلى ذهوله.
نعمة بلهفة: "ها، طمني عمل إيه؟ ها ها؟ أكيد جعر وجحش؟ أكيد هايعمل قعدة ومشاكل صح؟"
عابد بهزة رأس: "قالي مبارك عليك المالك والملك. بس اوعي تظلم أبوك في قبره."
نعمة بإستغراب: "أحسن. وكده ولا كده ميقدرش يثبت حاجة، ولا يعرف يعمل حاجة من الأساسه."
ومرت أيام وبقت شهور وسنين. والدنيا لهت عابد. والطمع والجشع أتمكن منه. وبقى عايز يكوش عـلى كل اللي قدر عليه وزيادة. وقاطع أخوه تماماً. وعامر اكتفى بشغله اللي ربنا باركله فيه. وكان من وقت للتاني يسأل عـلى عابد من باب صلة الرحم. لحد ما سمع خبر وفاة عامر.
نهاية الفلاش باك.
عابد بدموع بتلمع في عينيه بص لابنه بوجع وصوت مبحوح: "عشان كان أحسن مني، كان أجدع مني، كان أطيب مني." ودموعه غلبته ونزلت. "تفتكر هيسامح وهو في قبره؟"
ياسر بوجع: "سامحك وهو حي. والله سامحك. حاجي عـلى بيت أخوك وبنت أخوك."
رمى كلامه وسابهم وطلع. وكل وجع الدنيا جواه.
رواية تربية حواري الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم ولاء حامد
طلع ياسر وهو موجوع، موجوع من نفسه، موجوع من أبوه وأمه، ومن سبب الكره الغريب لعمه الله يرحمه ومراته وبنته، ولأي حد لمجرد إنه من طرف عامر.
عند حور، مرت الأيام عليها مفيهاش جديد. شغالة شغل من نار، ولسه ماسكة الورشة بإيد من حديد.
وجبل لسه كل يوم بيراقب حور وبيتحسر عليها وعلى ضياعها من إيديه بعد ما قلبه عشقها.
أما عند ثريا، فعاصم ومراته حرفيًا مبهدلينها.
ثريا وهي قاعدة في أوضة صغيرة، كل اللي فيها سرير ودولاب صغير، وواخداهم بالعافية، قاعدة تتحسر وتبكي بدل الدموع دم.
ولنفسها: "يااااه، دي آخرتها بقى؟ أنا ثريا اللي كانت كلمتي أمر، وكان المال يتكب في حجري بالشوال والدهب أخطي عليه من كتره. دي آخرتها أوضة زي الحوق؟ ومرمطون عند بنت نفسية؟ ليه عملت إيه لداه كله؟ ليه يا دنيا؟ خدتيني على مشني؟ وعلى خوانه؟ غلطت، عارفة إني غلطت، بس أستاهل اللي بيجرالي داه كله؟ داه زي ما يكون الكل ما صدق خلص مني. ليه يا دنيا كده؟ دانا غلبانة ومفييش إلا لسان. جيتي عليا أوي يا دنيا. ياااه يا همام، هونت عليك وهانت عليك عشرة السنين. ياترى يا جبل عامل إيه؟ يا قلبي، وحشتني انت واختك أوي. قطعتوا بيا وقطعتوا قلبي. عارفة إنكم زعلانين مني."
ومر الوقت وثريا عمالة تندب حالها.
ومرت أيام وأيام، وياسر مداوم على زيارة بيت عمه، والعلاقة بينهم بقت كويسة أوي.
وفي يوم، حور روحت الورشة ولقيت يونس منتظرها ومعاه عربية تانية غير اللي صلحتها.
يونس بلمعة عين جديدة عليه: "إزيك يا آنسة حور؟"
حور بهدوء: "أهلاً يا بشمهندس."
يونس بحمحمة: "العربية دي تبع واحد صاحبي وبقالها فترة مجنناه. أنا قولت مفيش غير ورشة الأسطى عامر وأنا مجرب بنفسي."
حور بفخر: "داه شرف ليا. ادخلها الورشة ونشوف اللي فيها."
يونس دخل العربية، وحور نادت على سبارس.
سبارس: "اؤمري يا أسطى."
حور: "شيك عليها واديني تمام باللي فيها."
سبارس وهو بيشاور على عينيه: "من عنيا فوريرة."
حور: "اتفضل في المكتب فوق على ما يخلص. وقبل ما يطلع، ديشا، طلعي اتنين قهوة على مكتبي فوق. وبصت ليونس: قهوتك إيه يا بشمهندس؟"
يونس: "بن تقيل سكر مظبوط."
حور بصتله بذهول وسكتت ثواني وكملت: "2 قهوة بن تقيل سكر مظبوط."
ابتسامة بسيطة شقت طريقها على وش يونس، إنه في حاجة مشتركة بينهم حتى لو كانت حاجة صغيرة.
وطلع حور ويونس المكتب، وبعدها بدقايق طلع ديشا القهوة، وبدأوا يشربوها. وقبل ما تكمل، جالها اتصال.
حور: "عن إذنك ثواني وراجعة. المكان مكانك يا بشمهندس."
وطلعت حور. وكمل يونس القهوة. وجه يرجع الفنجان مكانه، وقع على شنطة حور. طلع مناديل بسرعة وبدأ يمسحها. ولفت نظره نوت خشب لونها غريب وشكلها أغرب. فضوله دفعه إنه يشوفه. وفعلاً مسكه وفتحه، لقاه مذكرات حور مكتوبة بشكل غريب. مسك النوت، وفي لحظة جنون، حطها في شنطته اللي دايماً ملازماه، فيها اللاب توب بتاعه وأوراق شغله المهمة.
دقايق ورجعت حور.
حور باعتذار: "آسفة على التأخير، مكالمة مهمة."
يونس بارتباك ولكن قدر يتماسك نفسه: "ولا يهمك. أنا مضطر أستأذن علشان متأخر، وهاعدي عليكي آخر اليوم نشوف العربية فيها إيه ونتفق."
حور: "تمام، بمشيئة المولى عز وجل."
يونس: "تمام، إن شاء الله. وشكراً على القهوة."
حور: "العفو، على إيه. حاجة بسيطة."
يونس: "سلام عليكم."
حور: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."
ومشي يونس. وفضوله قاتله يعرف فيها إيه. وللحظة فكر لو حور اكتشفت إن النوت مش موجودة، هاتعمل إيه. وطلع على أول مكتبة قابلته وصور كل النوت، وخدها ورجع النوت مكانها شنطته، واتحرك على شغله.
ومر الوقت، وسبارس وحور بدأوا شغل على العربية.
ويونس آخر اليوم عدي على حور.
حور: "ها، العربية أخبارها إيه؟"
حور بعملية: "لأ، حاجة بسيطة إن شاء الله. تقدر بكرة أو بعده بالكتير تيجي تستلمها."
يونس بإرهاق بداء يضغط على دماغه.
حور لاحظت تعبه: "حضرتك كويس يا بشمهندس؟"
يونس بهزة رأس: "اممم تمام، متشغليش بالك."
حور: "حضرتك شكلك تعبان."
يونس: "لأ، أنا تمام. أنا مصدع بس من ضغط الشغل مع الإرهاق."
حور بتفهم: "طيب، اتفضل اطلع المكتب وأنا هابعت أجيب مسكن."
يونس بتفكير للحظات: "شكراً، ولو إني هاتعبك معايا."
وطلع يونس. وحور سابته ونزلت تجيب مسكن. ويونس استغل الموقف ورجع النوت مكانها تاني.
ودقايق وطلعت حور معاها إزازة ميه معدنية ومسكن. ومدت إيديها بيهم: "اتفضل، بالشفا."
أخدهم يونس بالسكوت، ومد إيده واخد المسكن وشرب الميه واستأذن حور.
يونس بإرهاق: "استأذن بقى، عن إذنك."
حور بهزة رأس: "إذنك معاك."
ومشي يونس. وحور بعدها بوقت قفلت الورشة ورجعت بيتها.
ويونس روح بيته ودخل، والفصول قاتله يقرأ مذكرات حور. وبدأ في أول صفحة.
((هناك وقت تدرك فيه أن أقصى أمانيك هي أن تشعر بالأمان والسكينة والسلام، ولكن كل ذلك يبقى أحلام، لأن في واقع الحياة تدور معركة البقاء للأقوى، وتفقد فيها الكثير من الاحتياجات فقط لتبقى صامدة صلدا.))
((كلما تضيق الدنيا بك وتضيق، لا تستسلم لها، وبها تهيم وتترك نفسك حتى تختنق أنفاسك في صدرك وتضيق. بل ارسم لنفسك على كل جدار ألف طريق وطريق، حتى تجد لنفسك مخرج من كل ضيق وتجد سبل النجاة في دوامة الحياة.))
((ما أصعب الخيانة، تشعر وكأن قلبك يختنق بين قلوب جبانة لا تعرف إلا الغدر والمهانة، فتشعر وكأن روحك هالكة في جحيم الندم ودوامة الخيانة.))
((إذا ما نظرت إلى القمر شعرت أنه قريب المنال، ولكنه في الحقيقة أبعد من الخيال، فتلك هي الحياة، كلما شعرت إنك إمتلكتها وجدتها سراب.))
((الصداقة كالهواء، لا يمكن أن يحيى بدونها أي كائن مهما كان، ولكن من المستحيل أن يحتفظ بها إنسان لا يراها ولا يملكها، ولكن يشعر بها أينما وجدها.))
((ألف شكر لكل الظروف اللي خلتني أقدر أشوف كل الوشوش. ناس غريبة، ناس عجيبة، ناس مبقاش عاجبها حاجة، ناس عايشة في دنيا غابة، ناس عايشة زي الذيابة. مبقاش حد فارق فيه حاجة إلا لذه ليه وحاجة لما تخلص يقول داه عادي. وكل بيعدي وماشي، والكل بيقول آمين، ولا أكننا فيها عايشين. الكل بقى عايش فيها حر، والعيشة بقت زي المر. وهو داه بقى طبع الحياة، الكل بقى فيها عادي.))
((بحر الهموم وأنا فيه بعوم، مش عارف أوصل فيه لبر. كل يوم بيزيد هموم، ولا لاقي حد يحس بيا. بقيت بعيش في الدنيا دي حمال قسية. الدنيا جاية كتير عليا. ولا يوم فكرت أقول لحد. الدنيا عدت وياما ادت كتير ليا. مرة حلو ومرة مُر، والأكتر فيها كان قسية. قولت لحالي رحال، وداري أولى بيا من هموم فيها بقوم وأتمسى وأصبح على القسية. قريب وغريب قابلني في طريق، ولا حتى حد حس بيا. من دنيا غدر جراح وهجر، متعود فيها على القسية.))
((أنا ابنة أبي الشقية، من أنت لتجعلني محنية؟ فقد خلقني الله قوية وأبيه، فكيف لك أن تجعلني مكسورة الظهر ومحنية؟ ولدت في جوف الألم وله خلقت، وهو لي خلق. لا تغتر ببرائتي، فخلفها شراستي، إذا ما اقتربت افترستك بدون رحمة أو شفقة في رمشت جفن.))
((أفعى اللسان على صورة إنسان، تسعى ما بين هنا وهناك تلدغ، ولكن بسم الكلمات، فهناك كلمات تفتح قبور، وكلمات تكون كالسيف المسنون، وكلمات تبعث الأمل والنور. فسبحان الخلاق، أوجد للسان حارسان، فاستحسنوا الكلام.))
((كم أشتاق ليوم أجتمع فيه مع رفقاتي وأحبائي، ليوم أنسى فيه من أكون، ليوم أعود فيه لضحكتي لفرحتي، كفراشة في فصل الربيع تنطلق بين الأزهار. أشتاق ليوم أقضيه بين أروقة الجامعة وأجتمع فيه مع صحبتي ونعيش يوم من أيام الصبا.))
مر وقت طويل ويونس بينتقل من ورقة لورقة، ومحسش بالوقت إلا والمؤذن بينادي لصلاة الفجر.
يونس فاق من شروده: "يااااه، الوقت سرقني إزي كده؟ دانتي شكلك حكاية يا حور، بس ياترى إيه الألغاز اللي كتباها دي؟ ليه مش بتكتبي زي الناس؟ المواقف؟ حاسس إن كل صفحة ليها حكاية."
وحط الورق بعناية في دولابه وسط حاجاته المهمة، وقام اتوضى وصلى الفجر حاضر ونام وهو كل تفكيره منصب في شيء واحد، وهو حور.
وبسومر يومين، وحور مشغولة في الورشة.
ويونس عقله مشغول بحور.
وياسر مساند حور.
وعابد بقى شارد في ملكوت ربه من آخر خناقة مع ابنه، وكأنه عطاله قلم فوقه، بس متأخر.
ونعمة بتسعى بكل جهدها للشغل.
وجبل لسه بيراقب حور من بعيد، وخايف يقرب، وبيتحسر كل يوم أكتر من اللي قبله.
وهمام لسه عامل حصار على جميلة وخايف عليها.
وثريا متبهدلة، وكل يوم بالليل تقعد تندب حالها وحظها واللي جرالها.
وهدى، بالرغم من إنها بتضحك في وش بنتها، إلا إنها بتموت كل يوم على اللي حصل لبنتها، وياترى مصيرها هايبقى إيه؟ وهاتقدر في يوم تعيش زي أي بنت وتتجوز وتفتح بيت؟ وربنا يبعتلها اللي يعوض صبرها خير ويكون سند ليها، ويقدر يقبلها بظروفها اللي هي فيها؟ ولا القدر مخبيلها إيه؟
مرت الأيام بحلوها ومرها. ويونس استلم عربية صاحبه، وهو كل ثقة إن حور هاتصلحها صح. بس الجديد هنا، اللمعة اللي بقت بتظهر في عين يونس كل ما يلمح حور، وكأن حور تعويذة بتشد أي حد يقرب منها.
وفي صباح يوم جديد، حور صحيت على أغرب خبر كان ممكن تتوقعه، وهو دعوة وصلتها من جروب الجامعة كدعوة لقضاء يوم ترفيهي في الجامعة لدفعتها كلها، مش كلية التجارة بس، لأ، كل الكليات الموجودة داخل نطاق الحرم الجامعي. وداه كان أكتر حاجة فرحت حور، وما صدقتش برغم من إنها استلمت الدعوة على إيميلها الشخصي اللي كانت بتتواصل مع كل دفعتها عليه، وكانت بتخلص كل أوراق الجامعة من خلاله.
وفي لحظة، سحبت الموبايل واتصلت بكل أصحابها.
حور بفرحة: "صباحو فل يا هندسة."
شذا بإستغراب: "صباحو فل يا أسطى، خير على وش الصبح كده؟"
حور بضحك: "وصلك الدعوة ولا جتلي غلط؟"
شذا بفهم: "آآآآآه، الدعوة اه يا ستي وصلتني من الجامعة فعلاً، وكنت هاشوف البنات انهارده."
حور بفرحة زي طفل صغير فرحان بلبس العيد: "اشطا، هانتجمع تاني. بقولك، أنا هاتصل بالبت هدير وادخلها دمج، وانتي اتصلي بهالة ودخليها دمج."
شذا بخضة: "يالهوي، انت عايز تجمعيهم على التليفون؟ وعلى الصبح؟"
حور: "اه، يلا يا بت اخلصي، بطلي لكاعة."
وفعلاً، دقايق وكأن انضم هدير وهالة في المكالمة.
حور بفرحة: "يا أهلاً بالحبايب."
الكل بضحك: "مفيش فايدة فيكي، عيلة مهما كبرتي."
هالة: "تصدقوا يا عيال، المكالمة ناقصة مين؟"
حور وشذا وهدير في صوت واحد: "هويدا."
هالة بضحك: "اه والله، وحشتني بنت اللذينة. بقولكم، اتصل وادخلها."
الكل: "اشطا."
وفعلاً، أصبحت المكالمة مجنونة بعد ما انضمت هويدا ليها.
محور بفرحة وضحكة مجلجلة: "والله زمان يا شياطين، شكل أيام الشقاوة هاترجع تاني يا بنات."
هويدا: "طيب والله كنت بفكر من فترة إننا نتجمع في يوم في الجامعة."
حور: "واهي جت من عند الله، والدعوة عامة من الجامعة."
هويدا بإستغراب: "بس مش غريبة؟ دي أول مرة تحصل إن يتم إرسال دعوة لدفعات اتخرجت من كذا سنة."
حور: "هو فعلاً غريب، بس مش غريب قد ما هي فرحة بجد. المهم، عايزين نخربها بقى، اشطا. يوم جه على الطبطاب، مش هايتكرر ولا يتعوض."
هالة: "استر يا رب، شكلك ناوية على نية يا حور، ربنا يستر."
شذا بضحك: "شكل حور ناوية تعملنا أكل زي زمان. آآآآه، ليت الزمان يعود يوماً. الواحد كان بياكل أكل يرم العضم بصراحة."
الكل ضحك من قلبه.
هدير: "طفسة، طفسة يعني من يومك، مفيش كلام. يابت اتهدي بقى، طول عمرك همك على بطنك. البت بتقولك عايزين نخربها، مش نحش، ها؟ افصلي يا حاجة."
شذا بلوية وش: "وهو مينفعش نخربها في الأكل؟"
حور: "من عنيا، أحلى سندوتشات من نعمة تلوثها."
هالة بضحك: "أبو صراصير. اشطا، بالهنا يا شذا."
هدير: "هاعمل حسابي وأجيب العدة لغسيل المعدة."
هويدا بضحك: "يالهوووي، مش قادرة عليكم، هاموت. خدتوا البت فحت ورد."
شذا: "ايوه يا اختي، مهي شذا الجحش القصير بتاعكم."
محور بضحك: "الله أكبر، ظهر الحق. هي اللي قالت جحش عشان طول عمري بقول شذا بتحش حش الحمير في النجيل."
لحظات مسروقة من الدنيا، الكل ضحك فيها من قلبه، والفرحة انقسمت على الكل. واتفق الشياطين على اللي هايعملوه في اليوم ده، واللي كان بعد يومين.
حور قفلت معاهم وطلعت وهي مبسوطة، والضحكة مرسومة على وشها.
هدى بإستغراب من ضحكة حور: "يصباح الفل على عيونك يا قلب أمك. إيه الضحكة اللي شاقه الوش من الودن للودن؟"
حور بضحك: "إيه يا هدهد الجناين، مالك زعلانة إني بضحك؟"
هدى: "لأ، دانا أفرح، بس مستغربة. بس مش أكتر."
حور بهزة رأس: "ولا حاجة. أنا والبنات جالنا دعوة من الجامعة نقضي يوم ترفيهي يوم الخميس."
هدى بتفهم: "آآآه، عشان كده هاتتلمي انتي والمتاعيس مع بعض."
حور بكسة وش شبه الأطفال: "متاعيس؟ طيب والله داحنا قمرات."
هدى بابتسامة: "لأ يا قلبي، ربنا يحميكم. دانا بنكشك يا بتحور."
حور بفرحة: "ربنا يباركلي فيكي يا ست الكل، دانا عايشة بدعاكي."
مر اليومين، وحور بتعد الساعات ومتحمسة للقاء استنته كتير أوي، وياما حلمت بيه إنها تتجمع بيهم تاني ويتجننوا زي زمان.
***
عند يونس، متابع كل أخبار حور. وبحث على صفحتها على الفيس بوك. وكل يوم يستنى تنزل أي حاجة. وكل اللي بتنزله بخصوص العربيات.
يونس بشرود: "تركيبة غريبة يابنت الأيه، ميكس. موردش عليا جمالك، يشد العين. قوتك غريبة، بس عينيكي حزينة. واه والف آه من عينيكي. مهووسة بشغلك؟ لسانك بوريه منه؟ أوووف، فوق يا يونس، شكلك اتجننت ولا إيه؟"
قطع شروده انتيمُه مازن: "هووو يا ابني، فينك؟"
يونس فاق من شروده: "إيه؟ بتقول إيه؟"
مازن بعيون قربت تخرج من مكانها: "يالهوي عليا، بقول إيه بقالي ساعة بكلمك. إيه اللي واخد عقلك يا ابني؟ مالك؟"
يونس: "ولا حاجة. كنت بتقول إيه؟"
مازن خطف الفون من إيده وبص عليه وباستغراب: "من امتى وانت مهووس أوي كده بالعربيات؟ دانتا آخر معرفتك بيهم إنك تسوقها. دي لو عطلت بيك بتركنها وتاخد تاكسي."
يونس بملل: "أووف يا الله منك يا مازن، مش هاخلص من زنك. خير."
مازن: "لأ بجد، مالك؟ بقالك كام يوم متغير، وأغلب الوقت سرحان. فيك إيه؟ فضفض، شكلك مش تمام. مالك بس؟ قول، وسرك في بير. طول عمرنا واحد."
يونس بص له بتردد، ولكن حسم أمره.
يونس بإرهاق: "مش عارف، صدقني مش عارف. يا ريتني أعرف وأرتاح. متلخبط ومش على بعضي."
مازن: "من إيه داه كله؟"
يونس بص له لوقت طويل بتردد، واخد نفس طويل وطلعه مرة واحدة محمل بكل التشتت اللي جواه.
مازن بص له وركز أوي في عينيه: "الموضوع داه فيه واحدة ست."
يونس بشرود هز رأسه.
مازن بإنصات: "هي مين؟ وعرفتها امتى؟ وهي تعرف إنك معجب بيها؟ ومشاعرها من ناحيتك إيه؟ ومشاعرك دي من امتى؟"
يونس بذهول: "إيه يا بني، حيلك حيلك. كل داه ورا بعضه؟ دانا معرفش أعيد كل الشريط اللي انتا قولته داه كله."
مازن بفضول قاتل: "اخلص بقى وقول."
يونس: "يا ابني افهمني، أنا نفسي مش عارف أحدد مشاعري إيه. وكمل بسرحان وشرود كعادته الأيام اللي فاتت. اللي أعرفه إني دايماً عايز أشوفها. عايز أعرف عنها كل حاجة. ميكس غريب، تركيبة كده تشدك. كل حاجة فيها مميزة. عارف لما تبقى بتدور طول عمرك على حاجة مميزة وتلاقيها فجأة في وقت إنتا مش عامل حسابك فيه؟ تحس إنك متلخبط ومش عارف تعمل إيه؟ بتحس إنك رجعت عيل صغير تاني."
مازن: "أوبااااا، البوص وقع ومحدش سمى عليه. وبعد داه كله تقولي مش عارف تحدد مشاعرك إيه؟ مشاعرك عشق، مش بس حب."
يونس: "مش بالسهولة دي. هي لغز مبهم بالنسبة ليا. إحنا الاثنين مختلفين زي الليل والنهار."
مازن: "ليه يعني؟ الحب مالهوش قوانين ولا ليه وقت ولا يعرف أسباب؟ بييجي زي القضا؟"
يونس: "عارف، بس هي غيري تماماً. أنا بطبعي هادي، عقلاني، بحكم عقلي، وأحيي مشاعري على جنب. هي عصبية، نرفوزة، لسانها طويل. ممكن بحكم شغلها مخبية نفسها ودافنة جمالها في شغلها، ولابسة توب مش توبها."
مازن: "ليه بتشتغل إيه لداه كله؟"
يونس بمط شفايف: "ميكانيكي."
مازن برفعة حواجبه: "نااااعم. بتهزر؟ قولي إنك بتهزر."
يونس بهزة رأس: "لأ مش بهزر. هي صاحبة الورشة، ورثتها بعد أبوها الله يرحمه."
مازن: "طيب، وانتا ناوي على إيه؟"
يونس: "مش عارف. هي عاملة زي اللغز. مش عارف أي حاجة عن حياتها. ولما سألت كذا حد معرفه في منطقتهم، قالي إنها كان مكتوب كتابها، وقبل فرحها بشهر أو شهرين اتطلقت."
مازن: "كمان؟ لأ، داه الموضوع داه وراه حكاية وحكاية كبيرة كمان."
يونس: "فعلاً، مش بقولك عامله زي اللغز."
مازن بفضول قاتل: "طيب، وناوي على إيه؟"
يونس: "مش عارف. عايز أسألها وخايف من رد فعلها. وفي الوقت نفسه عايز أعرفها هي كشخص، عايز أتعامل مع حور مش الأسطى حور."
مازن بترديد الاسم بتلذذ: "حووور... ح... و... ر. امممم، اسم رومانسي."
يونس بعصبية: "مازن، اظبط كده."
مازن بترقصه حواجب: "بتغير يا بيضة؟ ربنا يستر. طيب، والست حور بقى تستاهل كل اللي انتا فيه داه ولا إيه؟"
يونس: "هي اسم على مسمى فعلاً."
مازن: "شوقتني أشوفها بجدي."
يونس: "ليه يعني؟"
مازن: "أشوف التركيبة اللي خطفت قلبك كده. واهو يمكن أبقى زبون عندها بدل بهدلة الميكانيكية اللي مطلعين عيني."
يونس: "لأ، منتا بقيت زبون خلاص."
مازن بإستغراب: "إزاي؟ انتا هاتتبلى عليا؟ دانا أول مرة أعرفها منك كان من دقايق."
يونس: "احم، مهي هي اللي صلحت عربيتك."
مازن بخبث: "ااااه، قولتلي. علشان كده أصرت إنك انت اللي تصلح العربية، وأنا أقول إيه، كرم أخلاقك العالي داه. أثاريك واخدني أنا والعربية كوبري. بس تصدق بالله، تسلم إيديها. من يوم ما صلحتها وهي ماشية زي الساعة. طيب، متوديلها عربيتك اللي دفعت قد تمنها مرتين تصليح."
يونس بضحك بينت غمزاته: "احم احم، مهي هي اللي صلحتها علشان كده من يومها معطلتش تاني."
مازن: "الله! كمان يا ابن الأيه. والله انت ماليك كتالوج."
يونس بإبتسامة: "عارف إنه كان تحدي بيني وبينها. وبعد ما خدت العربية، طلعت على التوكيل في القاهرة، وأكد لي كل عطل قالته. والاغرب إنه أكد إن كل قطعة غيار ركبت كانت القطعة الأصلية مش تقليد."
مازن: "شكلها شاطرة في شغلها." وكمل بفضول: "وعي، ورشتها على قدها ولا ورشة كبيرة؟"
يونس بفخر: "دي ورشة كبيرة أوي، وكمان ملحق بيها توكيل لقطع الغيار. دورين، وظن كمان إنه فيهم مخزن، لأن القطع بتوفر بسرعة وسهولة."
مازن بإنبهار: "وااااو، بجد شابو. إن ست أو بنت تقدر تدير مكان بالحجم اللي بتوصفه داه."
يونس بفخر: "فعلاً، عي ماسكة الشغل بإيد من حديد. والاغرب إنها بتقدر تتعامل مع كل اللي شغالين معاها بمودة وجدعنة، مش غريبة عليها."
مازن: "طيب، ناوي على إيه؟"
يونس: "........."
رواية تربية حواري الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ولاء حامد
يونس: ناوي أقرب منها أشوف الدخلة الصح وأدخلها، ناوي أخوض التجربة والمغامرة مهما كانت النتائج ومهما كان المجهود.
مازن: شكلك نويت وقررت، ومن لمعة عينيك كده بتقول إنك بدأت.
يونس بمكر: فعلاً تقدر تقول كده.
مازن: عملت إيه يا بوص، فرحني بقى.
يونس رجع بذاكرته لأسبوع فات.
فلاش باك.
يونس بعد ما انتهى من قراءة مذكرات حور، وعرف إن نفسها إنها تتجمع مع أصحابها وتقضي يوم من أيام الجامعة، ودي الحاجة الوحيدة اللي كانت حور كتباها وقدر يونس إنه يفهمها بسهولة.
مسك موبايله واتصل بصديق ليه شغال في الجامعة.
يونس: إزيك يا دكتور؟
ياسين: أوبا، الباشمهندس يونس اللباد بجلالة قدره بيتصل، ده التليفون زاد نوره، ياراجل.
يونس: مفيش فايدة فيك، زي ما أنت مش هتتغير، نطتي كبير من يومك.
ياسين بضحك: من بعض ما عندكم، عامل إيه يا بوص؟
يونس: يخربيت الكلمة اللي لسه لازقة في لسانكم دي، يا بني بوص مين بس، أنا العبد الفقير إلى الله.
ياسين: تباً لتواضعك يا شيخ، طول عمرك مالئ مركزك.
يونس بضحكة عالية: هههههههه، يا ربّنا، مفيش فايدة فيك بردوا، المهم ليا عندك خدمة.
ياسين بإنصات: آمر، ولو في إيدي اعتبرها مقضية.
يونس: في دفعة اتخرجت كده من حوالي 4 سنين، كنت عايز يتعمل لهم إنفتيشن من الجامعة، تقضية يوم جوه الجامعة كيوم ترفيهي.
ياسين: الموضوع مش بالسهولة دي، ده محتاج طلب لرئيس الجامعة، خصوصاً إنه مش كلية واحدة، أنت بتقول دفعة يعني أكتر من كلية.
يونس: فعلاً.
ياسين: تمام، هاشوف، وأظن كمان كام يوم فيه المعسكر الترفيهي السنوي لكلية خدمة اجتماعية، ممكن نضم اليوم ده في قلب ده ويبقى حدث جديد في الجامعة.
يونس: يعني هينفع؟
ياسين: قول إن شاء الله، وأنا هقدم الطلب وأروح لرئيس الجامعة بنفسي وأشوف الدنيا، ونظبط مع شؤون الطلبة واتحاد الطلبة، وإن شاء الله يمشي الحال.
يونس بارتياح: تمام، أنا معتمد على الله ثم عليك.
ياسين: متقلقش يا بوص، كام يوم وتسمع خبر يرضيك، بس إيه الفولة؟ حاسس إن الموضوع وراه أنا.
يونس بلؤم: ولا أنا ولا نونا، اخلص.
ياسين: مفيش فايدة فيك بردوا، محدش يعرف ياخد حق ولا باطل.
يونس: طيب يلا روح شوف الطلبة، زمانك اتأخرت عليهم.
ياسين: هاعمل نفسي مقتنع، سلام.
يونس بضحك: سلام.
ومرت الأيام وقدر ياسين إنه ياخد الموافقة من رئيس الجامعة، وبالفعل تم إرسال الدعوات لجميع الدفعات.
عودة من الفلاش باك.
مازن بصدمة: يانهار أبيض، خططت لكل ده وعملت كل ده، يخربيت عقلك وتقولي مش عارف أحدد مشاعري، ده أنت مشاعرك مفضوحة لوحدها.
يونس بهزة رأس: تصدق أنا غلطان إني بحكيلك.
مازن: حيلك حيلك، وأنت كنت ناوي تخبي عليا ولا إيه؟
يونس بهزة رأس: مش القصد، بس لسه بحاول أرتب دماغي وخطواتي، الطريق ليها مش سهل.
مازن بإستفسار: طيب وناوي على إيه؟
يونس: ناوي أروح أحضر اليوم الترفيهي، بس من بعيد لبعيد.
مازن بفضول: هو إمتى؟
يونس: بكرة.
مازن بفرحة: خدني معاك والنبي.
يونس بقلبه وش: آخدك فين؟ هو فرح خالتك؟
مازن: نقضي يوم زي زمان، إشمعنى هما؟
يونس: يلا افهم، أنا رايح أشوف حور مش أشوف أصحابي، ما إحنا في وش بعض على طول زي النسناسين التوأم.
مازن بملل: عيل رخيم.
يونس بترقص حواجب: عارف، يلا بقى، هوّنِني، خليني أخلص الشغل اللي في إيدي عشان بكرة إجازة.
مازن: أيوه يا عم، منتا صاحب الشغل.
يونس وهو بيرميه بالملف: بتقر عليا عينك عينك كده، وقدامي، غور يلا من وشي يلا.
مازن بضحك: يحقلك يا روميو.
طلع يونس قضى باقي اليوم في شغله، وروح هلكان بس مرتاح البال، ولكن راحة مشوبة بقلق، لأن حور غامضة ومش عارف عنها أي تفاصيل ولا عن حياتها.
***
يوم الخميس، صحيت حور بفرحة طفل مستني يوم العيد.
وصحيت، أخدت دوش، وغيرت هدومها، لبست بنطلون جينز أزرق وتونيك أسود طويل، وطرحة وبندانه سود، ولبست شنطة كروس بيبي بلو بحزام معدن وكوتشي بنفس لون الشنطة.
وحطت ملمع شفايف لونه بني فاتح جداً، عطاها مظهر جذاب جداً.
وطلعت وهي فرحانة.
هدي بفرحة وهي بتسمي وتصلي: بسم الله ما شاء الله، ربنا يحميكي ويحرسك من العين، حصوة في عين اللي يشوفك ولا يصلي على النبي.
حور بإبتسامة: اللهم صلي وسلم وبارك عليه، كل ده عشان رايحة الجامعة؟
هدي: لأ، عشان وشك منور وطلتك تاخد العين، ربنا يخزي العين عنك، كل اللي تبصلك بأسافة يوعدها بحية لهافة، تترد العين بالعين، إن كانت طيبة لصاحبها، وإن كانت ردية عليها، استني يا بت لما أبخرك، متطلعيش كده، لا تتنأفي.
حور بضحك: بخور على وش الصبح يا هدهد الجناين؟ لأ والله، أنتِ مكبرة الموضوع أوي، هي أول مرة يعني؟ اللبس كويس، صحيح لبس الشغل غير، بس ميمنعش إني كول عمري شيك ومحتشمة في لبسي.
هدي بحنان أمومي: خايفة عليكي من العين يا ضنايا.
حور ميلت باست رأس أمها: متخافيش، سلميها لله، والله فيها لله مبتعرفش. طيب يلا بقى، أسيبك وألحق أعدي أجيب البنات.
هدي بهزة رأس: ربنا يوفقك ويكتب لك في كل خطوة سلامة.
طبعت حور وركبت عربيتها، وكالعادة جبل متابعها من بعيد، ولما شافها بشكلها ده، عرف إنها أكيد رايحة مكان غير الورشة، لأن ده مش اللبس اللي بتروح بيه الورشة.
ركبت عربيتها واتحركت، وجبل أخد عربيته واتحرك وراها من بعيد.
عدت على أصحابها، أخدت هالة ونرمين، ووراهم هدير وشذا وهويدا في عربية شذا.
ونزلوا قدام الجامعة وركنوا العربيات، وحور نزلت بفرحة طفلة.
حور بفرحة ظاهرة: والله زمان يا عيال، يلا يلا خلينا ندخل نلحق اليوم من أوله.
شذا بهزة رأس: مفيش فايدة، الناس ما بتصدق تخلص جامعة، وحور نفسها ترجع الجامعة تاني.
حور بتوضيح: عشان اللمة الحلوة، عشان كنا لسه مش شايلين للدنيا هم.
هدير: طيب يلا بدل وقفتنا في الشارع كده.
وفعلاً دخل الست بنات مع بعض، بعد ما قدموا البطايق لحرس الجامعة.
حور وعينيها بتتلفت في كل ركن في الجامعة، وكل ذكرياته بترجع قدام عينيها تاني.
وصل جبل وركن عربيته ودخل وراهم بعد ما قدم بطاقته.
حور: بقولكم إيه، تيجوا نروح كافتيريا زراعة نفطر وناخد قهوة الأول.
هدير: لا، نروح كافتيريا هندسة زراعة، دلوقتي هتلاقيها زحمة.
حور بفرحة: إشطا، يلا بينا.
وفعلاً اتحرك البنات وراحوا فطروا وأخدوا قهوتهم.
شذا: يا لهوي عليكي يا حور، لحد دلوقتي قهوتك زي ما هي، بن تقيل سكر مظبوط.
حور بهزة رأس: القهوة دي مزاج، وأنا مزاجي مبيتغيرش.
هويدا: طيب هانعمل إيه؟
حور: هانلف في الجامعة شوية ونشوف هانعمل إيه، يلا.
وفعلاً اتحرك البنات، وبقى ينقلوا من كلية لكلية ومن مكان لمكان، ولقوا مجموعة بنات بتلعب لعبة الصراحة، بيلفوا زجاجة، واللي ييجي وش الزجاجة يتسأل من اللي عنده ضهرها.
نرمين: إيه رأيكم تيجوا ننضم ليه؟
الباقيين في صوت واحد: يلا، والله وحشتنا.
انضموا الست بنات للجروب، البنات اللي قاعدين بيلعبوا، ووقفوا الزجاجة، وجاه هدير تسأل شذا.
هدير: صراحة ولا جراءة؟
شذا: صراحة.
هدير: إيه اللي نفسك تعمليه وبتسعي بكل جهدك لتحقيقه؟
شذا: إني أرتبط، بس مش مجرد ارتباط، ارتبط بالإنسان الصح اللي يكملني، اللي يكون قوة ليا في عز ضعفي، يكون سند وعكاز ليا لما أتعب، اللي يكون أبويا وأخويا قبل ما يكون زوجي، اللي يكون حبيب قبل ما يكون زوج.
نرمين: وااااو يا شذا، يا جامدة.
شذا بضحك وهي بتعدل ياقته: مبحبش أتكلم عن نفسي كتير.
ولفت الزجاجة تاني، وكان دور هالة تسأل حور.
هالة: صراحة ولا جراءة؟
حور: أي حاجة عادي، اللي ييجي في بالك اسأليه.
هالة: ليه اتطلقتي من غير سبب، مع إنه كان واضح حب جبل ليكي أوي؟ وليه الحزن اللي جوه عينيكي، برغم إنه بتضحكي، إلا إن عينيكِ حزينة وواضحة للأعمى؟
في الوقت ده، كان جبل قريب منهم، وسامع السؤال، وقلبه بيتوجع على حوريته، وإنه السبب في الحزن ده. ويونس بردوا كان قريب ومترقب إجابة السؤال بلهفة.
حور بوجع: عشان أحياناً بنختار غلط، بس الغلط الأكبر إنك لما تكتشفي إنك اخترتي غلط تكملي عشان ترضي الناس على حساب نفسك. أنا اخترت نفسي على حساب أي حاجة مهما كانت، المهم أنا وأنا وبس. الناس محدش بيعيش في عيشة حد، وبردوا محدش بيسيب حد في حاله.
هويدا كملت: وليه عينيكِ حزينة؟ كنتي بتحبيه طيب؟ لو كنتي بتحبيه ليه سبتيه؟ الحب مشفعلوش عندك؟
حور: حتة بحبه أو لأ مش هاقدر أجزم بيها، لأني معرفتي بيه سطحية ومن فترة صغيرة. الحب مواقف وأزمات بتبين معادن الناس. أصل لقمه العسل ألف مين يمد إيده ويقومك، إنما لقمه المر مش هتلاقي إلا الأصيل اللي يبلع معاك الغلط. ومواقف جبل معايا كلها كانت بتثبت إنه محبتنيش. ممكن أكون شخصية استفزته، ممكن يكون نوع جديد عليه، ممكن يكون أي حاجة، إلا إنه يكون حب. أصل اللي بيحب مبيأذيش، وجبل مكانش بيعمل حاجة إلا إنه بيأذيني. وأه الحب مش بيشفع في كل الغلط. أما إني عينيا حزينة ليه؟ لأني في طريقي مع جبل فقدت شيء مهم في حياتي، وجعني أوي، حتى لو الفقدان ده كان غصب عني أو بالاجبار.
هدير بقلق: قصدك إيه؟ كلامك ليه ألف معنى ومعنى.
حور بتهرب: مش قصدي حاجة، بس الأكيد إن جبل محبتنيش، لأن زي ما سبق وقولت اللي بيحب مبيأذيش.
نرمين وهي بتبص ورا حور: مظنش، عارفة ليه؟ لأن جبل وراكي، ومعنى كده إنه ممكن يكون ندمان إنه طلقك وبيمنى فرصة تانية يعوضك.
حور من غير ما تبص: مش فارقة، صدقني، مينفعش، وميبقاش ينفع يكون فيه بينا أي طريق أو فرصة لطريق نتقابل فيه. بقولكم إيه، خلينا نقوم، أنا قفلت من اللعبة دي.
البنات قاموا بعد ما شكروا البنات اللي كانوا بيلعبوا معاهم، واتحركوا، وكل واحد شارد في ملكوت، أو بالمعنى الأصح، حور شاردة في ملكوتها. وإيه سبب وجود جبل في الجامعة؟
وصلوا عند حلقة شعر، وحور وقفت تسمع ليهم بإنصات، لأنها من عشاق الشعر، وكانت عبارة عن مبارزة بين شباب وبنات في الشعر، كل واحد بيكتب مقطوعة ويقولها.
هويدا بتشجيع: يلا يا حور، ادخلي، طول عمرك بتحبي تكتبي شعر.
حور برفض: لا، مفيش دماغ.
شذا: لا والله أبداً يا حور، سمعينا حاجة بقى بالله عليكي.
نرمين بتأكيد: يلا بقى.
هدير وهالة انضموا للباقين.
حور على مضض وافقت وانضمت لجروب البنات.
وكان في اللحظة دي جبل متداري ورا شجرة، ويونس كمان على بعد مسافة صغيرة منها، بحيث إنه يكون سامعها ومركز معاها أوي.
حور وهي شايفة جبل قريب منهم ومتداري من عيونها ورا شجرة، بصت قدامهم بشرود، وكأن الكلام طالع من قلبها وعقلها، والاثنين اجتمعوا مع بعض يطلعوا حتى لو جزء بسيط من الوجع اللي مدفون جواها:
يا ولدي لا تعاتب على العايب وهو في الأخلاق لابس توب دايب
بأصل الكلام حرام مع الخسيس والخايب
جهد وجع قلب مع معدوم القلب والحجر فيه اللين عنها
وعي العتاب مع الأندال يسمع من اليمين ويطلع من الشمال
أصل اللي بينهم في الدماغ ميعرفش غير البطال
لما تعاتب عاتب اللي عنده ضمير حي يحس بوجع الناس
وأبعد في الملامة عن صاحب الخسة والندال
أصلهم فيه طبع والطبع في ابن آدم غالب
ما يطلع إلا بطلوع الروح يوم ما تقابل الخلق صاحب الخلايق
أصل الكلام مع تربية الحريم قلة قيمة للي يفهم معنى القيمة والكرامة
ومنين يعرف الكرامة معدوم النخوة والأصالة
ما يعرف من الرجولة إلا الذكورة وافتكر إنه بيها شب الحيل وبقى راجل
نسي في طريق الوساخة إن الرجولة مواقف وكرامة وشرف
ومنين يعرفهم وهو بين الحريم هايم وقايم نايم
فهمت الكلام ولا نعيد من الأول؟
يمكن البعيد نسي الفهم مع توب رجولته الدايب ونسي إن فيه ألف رقعة ورقعة بقله رجولته والجهل في توبه باين للأعمى قبل البصيرة.
وليكي يا صبية، وجعتي قلوبنا يا بنيه، لمتى دار الزمن عليا، يا حجر الرحايا الداير، ماليك يوم وتتردردك، دار على الولايا وصديا، حجر الرحايا الداير، آخرك تتلطخ.
جيت على بابي وخبطت، بوجع الدنيا وهموم الجبال على الكتاف اتحطت، لسه في الدايرة دوارة عليا بمراراه والحكم اتحط، لا منه صد ولا منه رد، والمكتوب فيه ممنوش ولا ليه مهرب ولا باب يتسد.
خلصت حور وحست إن في حجر طابق على صدرها، وغمضت عينيها بوجع تكتم دموعها قبل ما تخون عهدها وتنزل.
الخمس بنات بقى يبصوا لبعض على وجع الكلام اللي طالع من حور زي السكين التلمة بتدبح بس بتعذب قبل الدبح.
جبل عينيه دمعت من كلام حور اللي واثق إنها تقصده بكل كلمة قالتها.
يونس سمع كلامها وحاول يربط الخيوط ببعض وتاه واحتار فوق حيرته ألف حيرة وحيرة في لغز حور اللي ملوش حل، بس كان فضوله أكبر إنه يشوف جبل ده شكله إيه، وفعلاً فضل يدور بعينيه حوالين حور لحد ما خد باله من شخص واقف على مسافة منها، عينيه مش مفارقها، والقهره جوه عينيه، ومن إن ده ممكن يكون جبل اللي بيتكلموا عليه.
أما حور، فالوجع اتجدد من تاني، مع إنها ياما حلمت واتمنت تقضي يوم مع أصحابها، إلا إنها دلوقتي بتتمنى اليوم ده يخلص في رمشة عين.
مر الوقت وكل واحد شارد في ملكوته.
جبل شارد في حور وحزنها وكسرتها اللي هو كان سببها.
ويونس شارد في جبل اللي مراقب حور ولغز طلاقهم ولغز حور ككل.
أما حور، فشارده في كل وجع مرت بيه، وسؤال واحد يطرح نفسه: لحد امتى؟ وإيه اللي جاي تاني ومخبي إيه ليها؟
قطع شرودها صوت شذا.
حور بإستيعاب: ها؟ في إيه يا بنتي؟ بتجعري كده ليه؟
شذا بقلبه وش: بجعر عليكي مصطلحات يا حور، دور.
حور بإبتسامة باهتة: يا بنتي مسمعتش صوتك، عامل زي صوت موتور عربية خربان.
هدير بتريقة: أوبا، حور قلبت على الأسطى.
حور بمكة شفايف: امممم، اتحطيت بينكم زي الساندوتش، كل واحدة هتقطم فيه شوية، ماااشي، خير بقى، في إيه؟
شذا: بقالي ساعة بقولك تيجي نطلع نتغدى.
حور: ماشي، يلا، بس محددين مكان ولا نقضيها في أي مكان؟
هالة: لا، محددين بصراحة، عايزين نعيد الأمجاد ونروح أبو الأمجاد اللي كان مفلس جيوب أبونا.
حور فهمت: امممم، يعني ضمنها نفس توكلنا عليك يارب، يلا يا أختي منك ليها.
نرمين بعدم فهم: مين ده؟ هانروح فين؟
هويدا: مفيش غيره، اتشكن كرسبي.
حور: يلا يلا، خلينا نلحق ناكل لقمة قبل ما نفلسع من هنا.
واتحركوا لبره الجامعة، وكل واحدة استلمت بطاقتها، وطلعوا على المطعم وقعدوا، وكل واحدة طلبت اللي نفسها فيه.
وفجأة هويدا بصت لنرمين وضحكت لما شرقت وعنيها دمعت.
نرمين وهي بتبص لهويدا بعدم فهم: في إيه يا حاجة؟ قلبت أرجوز يعني ولا إيه؟ مرة واحدة فشكت عامت عليكي؟ ولا يمكن الكرسي فيه متر زغازيغ؟
هويدا وهي بتحاول تاخد نفسها وتتمالك أعصابها شوية: أصلي افتكرت لما كان عندنا امتحان العملي، وإنتي كنتي جاية مواصلات، ولما وصلتي هدومك كانت مليانة خ*ر*ا* بط، ورحنا شقة البت ضحى، كان منظرك عره أوي وريحتك ملهاش حل، كأنك طالعة من بالوعة.
الكل ضحك من قلبه.
حور: فاكرة يا بت يوم محاضرة التقييم، جات وريحتها صنان.
هالة بضحك: يا لهوي، كان يوم مهبب، كنتي كوارث يا نرمين والله، ماليش حل، وكل مصيبة تنقح من اللي قبله.
نرمين بقلبه وش: والله يعني، هو كان بمزاجي؟ كل مرة تقولي الموقف مستنيني؟ مرة واحدة بنت ستين في سبعين راكبة جمبي ومعاها قفص طيور، والتانية واحدة راكبة قصادي وابنها بنطلونه مقطوع، ومحسيتش إلا وعين ما تشوف إلا النور، حنفية في وشي، والولية ببرود تقولي: يوه، لامؤاخذة يا أبلة، الواد عملها عليكي. شوفي إزاي يعني، البنطلون المقطوع ده كانت إيدك هاتتكسر لو خيطتيه؟ يابنت الـ...
الكل حرفياً فطس من الضحك.
حور: لالالا يا نرمين، ده لو عدى عمر وعمر، محدش هايقدر ينسى.
مر باقي اليوم بسلام، وحور قدرت تتأقلم وتعدي الباقي بسلام.
وفي آخر اليوم، ركبوا واتحركوا ورجعوا، ووصلت حور كل واحدة من البنات لحد بيتها، وساقت لحد بيتها، بس طول الطريق شاردة في طيف جبل اللي ملاحقها.
ياترى يا ابن ثريا، عايز مني إيه تاني؟ قولت متكسرتش وجبرت روحي بدري بدري، أجي أكمل عليها؟ ولا جرابك فيه إيه؟ وكملت بسخرية: أصل حتى الحب دي مش موجودة في قاموس حياتك. ياترى بتلف ورايا زي الخيال الملازم صاحبه؟ ليه عامل زي القضا؟ منين ما أروح ألقاك ورايا؟ عايز توصل لإيه تاني؟ جرابك لسه فيه من ناحيتي إيه؟ وال بيقولوا بيحبك؟ آآآه لو يعرفوا الكسرة والوجع اللي نابني منك. لحد امتى هافضل كده؟ على رأي المثل: حزينة؟ قالوا من يومي. وزع الهموم وكان الكبير كومي. آآآه يا دنيا، لحد امتى هاتفضلي تدقي على راسي؟ لحد امتى هافضل في متاهة؟ مش عارفة راسي من رجلي فيها. مش كفاية عليا كده؟ ولا لسه مشبعتيش يا دنيا؟ بقيت زي البيت الواقف، لا هاقدر أتجوز، ولا هاقدر أكدب، ولا حتى يجيني الجراءة أحكي اللي صابني. لحد آآآه يارب، ضاقت أوي، يارب افرجها وحلها من عندك.
فضلت طول الطريق تحكي مع روحها لحد ما وصلت البيت.
وهناك لقيت مفاجأة متخطرش على بال حد.
ياترى حور لقيت إيه تاني؟
رواية تربية حواري الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ولاء حامد
وصلت حور البيت وهناك لقيت مفاجأة لا على البال ولا على الخاطر.
حور وعنيها بتتلفت في كل الوشوش اللي قدامها وبتحاول تستوعب الصدمة.
هدي: ادخلي يا ضنايا محدش غريب.
حور هزت رأسها وقعدت ببرود مميت: خير متجمعين عند النبي.
الكل في صوت واحد: عليه الصلاة والسلام.
هدي بحنان أمومي: محدش جاي في شر يا ضنايا والضفر عمره ما يطلع من اللحم ولا الدم يبقى ميه.
حور ببرود جليدي مميت: لزومه إيه الكلام ده كله؟ بردوا هاقول تاني خير؟ إيه سبب الطلة اللي لا على البال ولا على الخاطر؟
ياسر بتوضيح: جايين نصفي النفوس اللي شايلة من زمن.
حور بصت لعمها بغموض ورفعت رأسها بكبرياء: خير يا أبو ياسر؟
عابد بكسوف وحرج من نفسه ووجع من كلمة "أبو ياسر" اللي دايماً تقولها، عمرها ما اعتبرته عمها بس قدر وتمالك نفسه، بس ملامح الألم اترسمت على وشه بوضوح باين للأعمى: جايين نصفي النفوس، جاي أرتاح وأريح الغالي في تربته، حقك عليا يا بنت الغالي، عارف إني كنت وحش ومكنتش الراجل اللي يحميكي بعد أبوكي، الدنيا لهتني والسكينة كانت سرقاني والطمع كان عامي عنيا، بس فوقت ورحمة عامر فوقت.
وكمل بندم حقيقي ودموع بتلمع في عينه: والله ندمت وجيت أحق نفسي ليكي، لو عامر مات فعابد من يوم وجاي مكانه، عارف إن اللي عملته شين وميتنسيش، بس إنتي تربية عامر وبنت عامر، تربية الراجل الزين.
حور ساكتة ومركزه في عينين عمها أوي وكأنها بتخترق روحه من عينيه علشان تكشف نواياه وتقرأ اللي بيخبيه بينه وبين نفسه، بس للأسف اللي واضح للأعمى إنه فعلاً ندمان وكلامه صادق وطالع من قلبه لأنه دخل قلبها ومس روحها ولمسها جداً وتمكن منه.
الكل عينه ثابتة على حور ومترقبين رد فعلها على اللي اتقال، والكل خايف إن حور تتهور وتغلط أو عصبيتها تحكمها.
بس حور خالفت كل التوقعات، فضلت ثابتة زي التمثال جامدة، مدتش أي رد فعل غير إنها مثبتة عينيها في عينين عابد.
ياسر بخوف من سكات حور: قولتي إيه يا بنت عمي؟ قولتي إيه؟
حور ببرود: في إيه؟
هدي: في اللي قاله عمك يا ضنايا.
حور: الكلام حلو ومتزوق، وفي السوق الكلام ببلاش، بس الفعل بفلوس، ولا إيه يا أبو ياسر؟
عابد بكسرة: يحقلك، والله العظيم يحقلك وأكتر من كده كمان، وبالفعل مش بالكلام، خليني أرتاح، مش قادر أرتاح، موجوع أوي ودموعه غلبته ونزلت من سجنها زي شلال ميه جاري، محستش بفراق عامر إلا من قريب أوي، محستش بالوحدة إلا دلوقتي، أنا موجوع يا بنتي.
حور بوجع: والمطلوب مني إيه؟ أترمي في حضنك ونقعد نسح ونح في حضن بعض وأقولك عفى الله عما سلف واللي فات مات واحنا أولاد النهارده؟
عابد بص لها بوجع وميل رأسه في الأرض وسكت.
ياسر حس الجو اتكهرب: لا يا حور مش كده، عايزين نبدأ صفحة جديدة، وإنتي بنفسك هاتشوفي وتتأكدي إنه مش كلام بس، بالفعل والله أبويا ندمان، اديله فرصة يكفر عن ذنبه في حقك.
حور بتردد ولكن كلامها طلع صارم وحاسم: ليه ومن إيه؟ أصل عايزني أصدق إن أبوك فاق بين يوم وليلة عن ظلم سنين وقطيعة سنين من أيام أبويا الله يرحمه؟ يبقى الموضوع فيه إيه؟ أصل بكلامك ده لو صدقته يبقى أصدق لما يقولوا النيل اندار مقبل، ولا إيه؟
ياسر بتنهيدة: مش بين يوم وليلة، والله أبويا ليه فترة حاسس بالذنب.
حور: يعني مش عشان الايصالات والفيلم الحمضان ده كله معمول عشان يبقالي مسكة؟
عابد بتعب وكسرة: والله العظيم أبداً، ولو عايزة بدل الدفتر عشرة هاتيهم وأنا أمضي وأبصم وأنا راضي، وكمل بهم فوق كتفه وطابق على صدره بيخنق روحه: أنا تعبت، تعبت من الحمل اللي على كتافي اللي اكتشفت في الآخر إنه شوية ورق، ورق يا بنتي ملهومش عازة، بس ورق ملون بيزغلل العين، بيلعب بقلوب وعقول الناس، وللأسف أنا كنت منهم، الشيطان يا بنتي، ربنا يكفيكي شيطان الإنس قبل شيطان الجن، وسوسته أوفر بيفضل ينخر في عقلك زي السوس لحد ما يأكله من غير ما تحسي.
حور بغموض: كلام حلو ومتزوق، لا ومرصوص رصة، ولا رصة الجاتوه، بس مكفينيش، وزي ما إنت قولت، أنا تربية عامر، يعني تربية السوق، يعني عشت في الشارع والورشة أكتر ما عشت بين حيطان البيت، يغني حور أسفلت الطريق كل من جلدها وعمرها رقت رقت.
طيب بعقلك إنت أقنعني إن اللي جه طمعان في مال أخوه، وكملت بصوت عالي هز كل الموجودين: وفي لحم أخوه، سواء بنته ولا حتى مراته، جه فجأة يقولي نفتح صفحة جديدة، أصدقها إزاي وبأي عقل؟
هدي اتكلمت بتعب من فتح صفحة الماضي: بعقل إن النفس يا بنتي ممكن تكون أمارة بالسوء، وربنا بيهدي في لحظة، زي ما العمر بيخلص في لحظة، ربنا بيغير حال من حال في رمشة عين يا بنتي.
حور: معاكي حق، بس مش على واحد، لا مؤاخذة يا أبو ياسر، جه طمعان في مال وعرض، ولا يا جاه هنا في الحتة دي اللي لو حيطانها بتنطق هاتقولك ده، قالي أخرنا شوية رجالة تطلع وتنزل ونسوان شمال يطلعوا علينا سمعة، فهموني بأي عقل أصدق؟ جيبولي ألف عقل على عقلي عشان أصدق.
هدي بتروي: تصدقي يا بنتي إن الدم عمره ما يبقى ميه، الإنسان ممكن يتوه في الدنيا، بس بييجي وقت ويفوق ويرجع في طريقه للصح، ربنا بيهدي يا بنتي وبيسامح، إحنا يا بني آدمين مش هنسامح.
حور بوجع: بنسامح يا أما، بنسامح، بس بالعقل، مش جهجهوني، بالفعل مش بالقول وطق الحنك في الكلام.
عابد: والله العظيم بالفعل، وهاتشوفي بنفسك، بس واربي الباب متقفليهوش في وشي للآخر.
ياسر بمحايلة: اديه فرصة أخيرة، لو عمي الله يرحمه كان عايش وأبويا جاله كان اداله بدل الفرصة ألف، كان فتح دراعته وخد أخوه في حضنه وخدوا تحت باطه في جناحه وحاجي عليه.
حور بغموض: أبويا كان أخ لأخوه، واللي بينهم دم وعصب واحد وبطن واحدة، إنما أنا فتحت عيني على قسوة أبوك وجحوده، مشفتش منه اللي يشفع له عندي، أبويا الله يرحمه كان رصيد التربية اللي بينهم وحق العشرة والأخوة يسامح، أنا أسامح بأي حق وبأي عقل؟
ياسر بهدوء وتعقل لأنه عارف دماغ حور وعنادها: بنفس الحق اللي كان لأبوكي، إنه نفس الدم اللي كان شايله عمي الله يرحمه، شايله أبويا، سيبي الأيام تثبت وتأكد لك بنفسها إنه مش كلام وطق حنك.
حور بصت لأمها اللي شاورت لها بعينيها توافق.
حور بإجهاد غير طبيعي: زي ما قولت، الأيام بتثبت، نسيب الأيام تثبت، وداه آخر ما عندي.
عابد ببوادر أمل: وأنا والله ما هسيب الفرصة دي إلا لما تسامحي من قلبك وتقولي كان عندي حق، اديلك فرصة يا عمي، هستنى يا بنتي تقولي عمي مش أبو ياسر.
حور بهزة راس اكتفت بالسكوت.
دقايق والكل استأذن وفضي البيت على حور وهدي.
هدي بتروي: مالك يا ضنايا؟ حساكي مهمومة من قبل شوفة عمك.
حور بتنهيدة وجع: سلامتك يا قلب حور، بس اليوم كان متعب، وكملت بمجيهم اللي جه زي القضا المستعجل على غفلة، لا كان على البال ولا على الخاطر، كنت عاملة وسطيهم زي العيل اللي تاه في مولد.
هدي وهي بتطبطب على كتف بنتها: سلميها لله يا ضنايا، واللي فيها لله مبتغرقش.
حور: ونعم بالله، اللي فيه الخير يقدمه ربنا يا أما، يلا أسيبك وأدخل أريح جثتي شوية.
هدي: طيب متسهري معايا شوية، ده النهارده جاي فيلم ابن حميدو بتاع إسماعيل يس، والفيلم ده إنتي بتموتي فيه، وكده ولا كده بكرة الورشة مش شغالة.
حور بتعب وإرهاق: حاضر يا أما، أريح جثتي شوية، وقبل ما يبدأ صحيني، إلا حاسة بصداع بيشق راسي.
هدي بخضة: بسم الله عليكي، تلقيكي اتحسدتي، قولتلك الصبح أرقيكي يا بت، طلتك الصبح الله أكبر كانت زي البدر في تمامه، تخطف العين خطف.
حور بابتسامة بسيطة: الله يهديكي يا هدى، اللي فيكي فيكي، مش هاتتغيري.
هدي بقلق: طيب طمنيني يا ضنايا، مالك؟ إيه اللي صابك؟
حور: مفيش والله، صداع كأن شواكيش بتدق في نافوخي، هاريح راسي شوية وأقوم فايقة ونسهر للصبح يا أم حورة.
هدي برضا: أشطا يا أسطى.
حور: يلا سلام بقى، ألحق أخطف ساعتين.
وسابتها ودخلت أوضتها، وأول ما حطت رأسها على مخدتها كل الوجع اتفتح من تاني، وأحداث اليوم بتمر زي الشريط قدام عينيها.
حور لنفسها بتعب: عايز مني إيه يا ابن ثريا؟ أصل خلاص طرقنا اتفرقت ومعادش بينا رجوع، بتحوم حواليا زي غراب البين الشؤم، منين ما أروح ليه؟ فاضل إيه عايز تكسره في روحي؟
وسكتت شوية وكلمت لروحها: اجمدي يابنت عامر، مش ده اللي يكسرك ولا ده اللي يحنيكي، خليكي قوية، شوكة في حلق اللي ييجي عليكي.
فضلت وقت لحد ما سحبها سلطان النوم، ومر 4 ساعات وهدي دخلت صحتها.
هدي بحنان أمومي: قومي يا ضنايا، قومي يا حورية.
حور بنوم: اممممم.
وشدت الغطا عليها لحد راسها.
هدي بتعب: فزي بقى يا بت، قطعتي نفسي، إيه بصحي قتيلة.
حور بتعب: اممم يا أما، سبيني أنام، نافوخي فيه وجع بفخر نخره.
هدي: الفيلم هايبدأ، يلا بقى عشان خاطري.
حور قامت من على السرير ونص عينها مقفول وهزت رأسها بهدوء وتعب: خاطرك غالي يا غالية، فوريرة وجاية وراكيه.
هدي بابتسامة: ربنا يريح بالك.
طلعت هدي وبدأت ترص التسالي لزوم السهرة قدام التلفزيون، ودقايق وانضمت ليها حور.
حور وهي بتفرك في عينيها زي العيال الصغيرة فتحت نص عين حتة صغيرة وبصت على الأرض: يالهوي، إيه ده كله يا وليه.
هدي بشهقة: هاااااا؟ وليه؟ ولولو عليكي ساعة ورفضوا يا بنت الرفدي؟ اترزي يلا، الفيلم هايبدأ.
حور بصدمة وعين مبرقة: بنت الرفدي؟ عامر بجلالة قدره رفدي؟
هدي بشرشحة: فشرررر؟ عامر ده سيد الرجالة، حاجة كده خرطها الخراط واتمدد مات، لا جاب الزمن زيه ولا اتوصف في الرجال بعده، مجابتوش ولاده اللي يلبس توب عامر.
حور برفعة حاجب ومنزلة التاني: أومال مين الرفدي؟
هدي بهزة رأس عشان تفرسها: إنتي رفدي وعملي الردي، إنما عامر مصمصت شفايفها ده زين الرجالة.
حور بلوي بوق: خلاص يا أما الله يسترك، قلبتي القعدة شعر، كنت بسأل ورثاه من مين، طلع منك، يلا يا هدي الله يسترك، الفيلم بدأ.
قعدت هدي وجمبها حور وهما مركزين مع الفيلم اللي بيتعرض للمرة المليون، ولكن ليه غلاوة في قلب المصريين، وكل مرة كأنه أول مرة، وكل موقف الضحكة بتطلع من القلب وكأنه لسه أول مرة يشوفوه.
*****************
طاع عامر من البيت شارد في ملكوت ربه، دموعه غالبة عقله، قلبه بيغلي، روحه بتتسحب بعذاب وضميره بيجلده بحسرة بدون رحمة.
ياسر بخوف من حاله أبوه: مالك يا أبا؟ من وقت وما خرجنا وإنت شارد بيك، إيه وإيه اللي صابك؟ ليك كام يوم وإنت مش دريان بالدنيا وطول الوقت قاعد في أوضة سيدي الله يرحمه وزاهد الدنيا، حتى اللقمة بقيت بتاكل اللي يا دوب يصلب طولك. إيه اللي واجعك؟ قولي وريحني، متسبنيش كده.
عابد بص لابنه بعيون مليانة وجع وغلالة دموع بتلمع فيها: روحي، روحي وجعاني أوي يا ابني، مفيش أوجع من وجع الروح.
وسرح بعقله لأسبوع.
فلاش باك:
رجع عابد البيت في غير ميعاده عشان ياخد فلوس من الخزنة عشان يدفع حساب التجار. فتح الباب ودخل وهو رايح للاوضة اللي مقفولة وفيها الخزنة، سمع صوت مراته بتتكلم مع حد. راح ناحية أوضة الجلوس وقبل ما يفتح الباب فضلت إيده متعلقة على الأوكرة.
سحر اخت نعمة: وبعدهالك بقى يا نعمة؟ إيه؟ خلاص اللي كنت بتجري وراه طول السنين مات وشبع موت، متهدتيش لسه، باجري ورا إيه؟ هاتروحيله وهو عضم في تربة؟
نعمة بشر: مش هاهدي ولا يهدالي بال إلا لما أمحى اسم هدي وعيلتها، مكنش لازم يشوفها، أنا حبيته قبلها، أنا عشقته، حاولت بكل الطرق أخليه يشوفني ويحبني، بس هو طول عمره قافل على روحه، أنا وافقت على عابد عشان أبقى قريبة منه عشان أنا أولى بيه، هي محبتوش قدي.
وكمّلت بغل: يوم ما اتجوزها كنت بموت، اتقهرت والقهره مسكت في جسمي زي النار، فضلت سنين وسنين مانعاهم من الخلفه لحد ما خدها وطلع بره البيت، كنت بموت، بس لا، كان لازم يخسر كل حاجة، قلبت أبوه عليه وعلى هدي، وقلبت عابد على أبوه وأخوه، خليته يحرمه من الورث، وبردوا محس بيا ولا شافني.
روحتله وقولتله إني عشقاه، قالي: حد الله بيني وبينك، إنتي عرض أخويا، يعني عرضي، يعني أختي، وتحرمي عليا بحرمة الدم ليوم اللقا العظيم، مرضيش.
فضلت طول السنين دي أكره عابد في أخوه وبنت أخوه.
كملت بحسرة ودموع: يوم ما مات، حزنت الحزن اللي محزنتهوش على أبويا، قلبي مات، دفنها قلبي، فضلت ورا عابد لحد ما روحنا بيته، كنت بنام على فرشته وأخد مخدته في حضني، كنت حاسة إن عامر هو اللي في حضني، ريحته كانت مصبراني، بس بنت هدي كرشتني من البيت وحرمتني حتى من اللي باقي منه، حتى ريحته وفرشته حرمتني منهم، عشان كده مش هارتاح إلا لما أشوف هدي وبنتها في قبرهم، مش عايزة ألمحهم في الدنيا، لسه هما يعيشوا وعامر يموت؟ ليه عابد يعيش زي العمل الردي وعامر يموت؟ عارفة يا سحر، كنت بتحجج لما أنقل وأوديله ياسر عشان بس اللمحة وأكحل عيني بشوفته قدامي، مفيش بعد عامر في عيني رجالة.
سحر: يا نعمة، الله لا يسيئك، الكلام ده بيطير فيه رقاب وفيه خراب بيوت، جوزك مهواش وحش، ده بيستمنالك الرضا، ترضي؟ بيقولك قومي وأنا أشوفك، واقعدي وأنا أنضرك، يبقى ليه ده اللي بتطلبيه بيجيبهولك؟ طيب أنا أقولك إيه؟ بيتهيأ لي إنك لو طلبتي لبن العصفور هايجيبهولك.
نعمة بزعيق وصوت عالي: مش عايزة! مش عايزة الرضا ولا عايزة لبن العصفور ولا عايزة عابد! أنا كنت عايزة بس أشوف نظرة حب في عينين عامر وأنا كنت هاعيش طول عمري عليها وأنا راضية.
سحر: إنتي مفيش فايدة في الكلام معاكي، الكلام زيه زي قلته، قولت زي ما قولتش، مهترتاحيش إلا لما تخربي بيتك وترجعي تعضي الأرض من الندم.
ترميت إيد عابد جنبه من الصدمة وطلع من مكان ما جه ومحدش حس حتى بوجوده، طلع بعقل شرد منه وقلب هايقف من الوجع، طلع تايه، فضل ماشي مكان ما رجله تاخده ومحسش إلا وهو واقف قدام قبر أخوه وأبوه، فضل يبص على الرخامة بتاع القبر ودموعه تنزل زي عيل صغير تاه من أهله، فضل لحد ما تعب ونام قدام باب القبر.
نهاية الفلاش باك.
ياسر بهزة في كتف أبوه: يا أبا، يا أبا.
عابد بعيون مبرقة: ها؟ في إيه؟
ياسر: مالك؟ كنت بتتكلم ومرة واحدة شردت وكأنك غبت عن الدنيا.
عابد بوجع: مش هابقى أحسن من اللي غابوا.
ياسر بخوف: مالك يا أبا؟ متوجعش قلبي عليك.
عابد: طمن قلبك، محدش بياخد أكتر من نصيبه.
ياسر: طيب خلينا نروح لدكتور نطمن عليك.
عابد بهزة رأس رفضه: أنا كويس، متخافش، هاخدلي كام يوم وأفوق، أبوك عصب يااض وعضم شديد.
ياسر بابتسامة: ربنا يديمك سند يا حا.
عابد: إن شاء الله، ناوي والنيه لله، اطلعها السنة دي.
ياسر بفرحة: بجد؟ والنبي؟ طيب والله ده أحسن خبر، ياريت ينفع أطلعها معاك أنا وأمي.
عابد قلب وشه لما سمع اسم مراته: طيب يلا عشان أروح عايز أرتاح وأريح جثتي شوية.
ياسر: ماشي، يلا.
وركب عربيته وطلع على البيت.
ياترى يا حور اللي جاي إيه؟
رواية تربية حواري الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ولاء حامد
مر الوقت ومع كل موقف مضحك أو كلمة لإسماعيل يس، تضحك هدي من قلبها. حور عينيها تدمع. مر وقت الفيلم بسرعة وكأنه لحظة مرت في ثانية.
خلص الفيلم.
هدي وهي بتحط إيدها على قلبها: ههههههه يالهوي عليه إسماعيل يس. مفيش زيه. طيب والنبي يابت يا حور، محد بيعرف يضحكني زيه. عارفة عامل كده زي إيه؟
حور بتركيز شديد: زي إيه يا هدهد؟
هدي: زي يا بت، بؤ الميه البارد اللي جايله في نهار بؤسه من الحر، يرطب جوفك ويطري على قلبك.
حور بضحكة مكتومة: طب وكتاب الله، انتي ماليكي حل. عليكي شوية كلام لووووز، لوز مقشر. كتالوج في الـمثلة الشعبية.
هدي بزغدة في جنبها: بتتمألتي عليا يا بنت بطني؟
حور بتوجعه بسيطة وبتدلك جنبها: إيه يا حاجة، جمبي هاتسقطي الكلوه اللي حيلتي.
هدي: لسه، وانتي مفكيش إلا كلوه واحدة. أنا أسمع إنهم اتنين.
حور: بصي، يلا نخش ننام والصباح رباح. نشوف هما واحد ولا اتنين.
هدي: انتي نعستي؟
حور بتتاوّب: يا أما الله يستر، الساعة 3 ونص.
هدي: طيب، بقولك إيه. باقي نص ساعة على الفجر. نصليه حاضر بالمرة، وبعدين ننام. وكده ولا كده، انتي بكرة معندكيش شغل.
حور بإقتناع: عندك حق. اللي سهرنا للفيلم لبعد نص الليل، يسهرنا نصلي فرض ربنا.
هدي بإبتسامة أمومية: ربنا يرضى عليكي يا ضنايا.
حطت حور رأسها على رجل أمها وسرحت.
هدي سحبت التوكة من شعرها وبدأت تعدي إيديها في رأسها.
حور: لا كده، أنا هنام منك. مش واخده على الحنان ده. فين أبو وردة ولا البنص البلاستيك؟
هدي بضحكة: موجود، بس وقت اللزوم. عارفة يا حور.
حور بهمهمة: امممم.
هدي: يوم ما حملت فيكي، كنت بدعي ربنا تبقي صبي عشان تكوني سند ليا ولابوكي. بس أبوكي كان نفسه في بنت. وكأن كان أبواب السما مفتوحة وقتها. يوم ما جيتي، كانت ولادة ولا أسهل. لدرجة محستش بيكي وإنتي بتتولدي، ولا وإنتي بتنزلي مني. أبوكي شالك وكأنك كنز، خايف حد ياخد منك.
حور: محستيش إزاي يعني؟ أنا أسمع عن الصوات والعض، واللي بتقعد تدعي على جوزها بشلاشيل عينيها. انتي إيه بقى؟ طبطبتي على بطنك وقولتيلي انزلي يا بت؟ نزلت يعني ولا إيه؟ أصل بصراحة مش فاهماها ولا مستوعباها.
هدي بشرود: والله زي ما بقولك كده. يومها فكراه زي ما يكون انهارده. كانت الدنيا عفرا والسما صفرا زي الكركم، والجو تراب. قلب البيوت قلب، وعلى ما الدنيا هديت، كان البيت عامل زي الترب. منين ما تحطي رجلك تلاقي التراب طبع، كأنه مهجور. قوم اعمل إيه؟
حور بتركيز وكأنها بتسمع حدوتة قبل النوم: إيه؟
هدي: مسكت الفرشة وهاتك يا تنفيض، لحد ما خليت الغبرة دي ملهاش ريحة. ومسكت البيت وكنسته، ونزلت على الحيطان بالميه والخرطوم، لما نزلت كل العفرة والتراب من عليها، هي والشبابيك والأبواب. ومسكت البيت بقى وهاتك يا دعيك ومسيح. منا مش هيهدالي جته إلا لما أشوف البيت بيشف ويرف كده وبيبرق.
حور بـلوية بؤ: منا عارفة ومجربة. انتي هاتقوليلي؟ شوفت بعيني يا أختي. محدش قلي. حشيتي وسطى حش. ما علينا، كملي.
هدي: مسحت الأوض كلها، وكل أوضة أدخلها مطلعش منها إلا وهي فلة من مجاميعها. كنس ومسح وتنظيف وتنفيض وفرش. المهم يا بت، جيت في الصالة في الحتة الحية الموجودة دي. وشاورت على منطقة قدامها. والدنيا كانت غرقانة ميه بصابون متربة. وهوب، حسيت بحاجة بتفلت مني. بركت على الأرض وعلى صراخة واحدة: الحقني يا عامر! أنا ولدت. أبوكي، رحمه الله عليه، فكرني بهرج. طلع من المدخل وهو بيضحك وبيقولي وهو لسه على العتبة بره: ياترى بقى، جبتي واد ولا بت. دخل لقيني ساندة على العمود اللي ورايا وصوتك طالع زي اللي بينازع. دخل جري، وأول ما شال طرف العباية ولمحك، شد الطرحة من على راسي وربط بيها وسطي. قالي: زي ما انتي عشان الخلاص مينزلش، يفطس العيل. وطلع جري. بعت أم عبده جابت أم نجاح الداية، والكل بقى يضرب كف بكف على ولادتك. أبوكي فضل واقف فوق روس الكل لحد ما خدك، وكأنه لقي لقيه. فضل متبت فيكي. وأول ما طلع في وشك، قالي: دي حوريتي في الدنيا. جمالك من جمال الحور. وسماكي حور. حتى لما جيت أرضعك، كان واقف فوق راسي زي الديدبان. لحد ما خدك من إيدي في حضنه. ومن يومها، وانتي بنت أبوكي، ومكنتيش بتفارقيه ولا بتسكتي إلا في حضنه. كنت بكره روحي الكام ساعة اللي بيغيبهم في الشغل من جعورتك. مكنتش تتسدي إلا لما ييجي. تقوليش يا بت، كنت بلهفك، ولا أكونش مرات أبوكي.
حور بضحك: يااااه، طول عمري ملاكة.
هدي بضحكة سخرية: أيوه يا أختي، اسم على مسمى. هادية ونادية زي البلسم. تتحطي على الجرح يولع.
قطع وصلة الردح اللي هتبدأ، صوت المؤذن بينادي بالآذان لصلاة الفجر.
قامت هدي وحور من سكات. اتوضوا وصلوا الفجر حاضر جماعة، وكان حور الإمام بمحاذاة أمها. خلصت الصلاة، وراحت كل واحدة منهم لأوضتها. وبرغم التعب والإجهاد النفسي والبدني اللي فيه حور، إلا إنها نسيت كل الوجع بسهرة في حضن أمها، وضحكة صافية طالعة من القلب، ومسروقة من الدنيا.
مر الليل على الجميع، فيهم قرير العين، وفيهم الندمان، وفيهم الحالم، وفيهم الموجوع من خبايا الماضي، وفيهم المكسور.
صبح الصباح. يا فتاح يا عليم، يا رزاق يا كريم. اكفينا شر النهار وما يأتي فيه.
جملة قالتها هدي وهي لسه بتقوم من فرشتها. بصت على صورة حبيب قلبها وروحها اللي فارقتها. عامر. صبحت عليه وقامت تصحي بنتها.
مرت دقائق وقامت حور.
حور بعينين نص مفتوحة ونص مقفولة من النعس: أما كوباية قهوة، وصاية الله يسترك. إلا مش قادرة أفتح عينيا.
هدي بقرف من منظر حور: فزي يابت، لمي كدشك اللي عامل زي الزعافة ده، وطسي وشك بشوية ميه يشيلوا العماص اللي قافلة يا معدولة.
حور فتحت عينيها في ثانية بـبريقة صدمة: عماص؟ أنا معمصة يا هدي؟ ماشي يا أختي، مهو لو أنا معمصة، تبقى إنتي أم المعمصة. وإيه؟
هدي برفعة حاجب: وإيه يا معدولة؟
حور ببرود: وإكفي القدرة على فمها، تطلع البت لأمها. وقالتها وطلعت جري قبل ما أمها تلمس الشبشب، سلاح الأم المصرية الأصيلة.
هدي: أنا معمصة يا بن الـ... عامر كان سيد الرجالة. أنا معمصة يا مبقعة يا مشحمة يا مزيتة يا تربية عرة! لا تربية إيه يا اللي مشوفتيش بـريزة؟ ربايه!
حور من بره ماسكة بطنها من الضحك: هي دي هدي؟ طلعي الشرشوحة اللي جواكي، أبهريني يا هدهد الجناين. الله عليكي يا حبيب والديكي.
هدي بهزة راس: تكفير ذنوب، راضية بابتلائك يارب. راضية. اللهم لا اعتراض.
حور دخلت الأوضة وغسلت وشها وفاقت وطلعت. كانت أمها عملت القهوة.
حور خدت القهوة وقعدت على الكنبة في الصالة: كوباية قهوة في الجون.
هدي: طيب، يلا شهلي عشان تروحي تجيبي العيش من الفرن وتجيبي الفول والطعمية. بس هاتي عجينة، متجيبيهاش مقلية. هتلاقي الزيت مهبب.
حور: امممم. يعني كوباية القهوة مش لله وللوطن؟ تؤمري أمر يا كبيرة. لأجل بس كوباية القهوة دي.
خلصت القهوة ودخلت لبست عباية سودا ولفت طرحة وطلعت. وهي لسه بتعدي الحارة، وصل لودانها آخر صوت تتمنى في يوم تسمعه. برغم خفوت الصوت، إلا إنه وصلها وخرم ودنها. غمضت عينيها وكزت على أسنانها وكأنها هاتكسرهم من العصبية، ولفت في ثانية وراها بنظرة شر وكره وغضب أعمى ونار مكتومة في عينيها. لو طلعت هتحولهم لرماد.
جبل بتلجلج: حـ... حو... حور... ااا... ان... ان... أنا آسف... أنا مش عارف أعيش من غيرك.
حور على نفس وضعها: شكلك مبلبع حبوب الشجاعة على الصبح عشان تصلب طولك وتقف قدامي. طيب اسمع بقى يا ابن ثريا، البوقين دول علشان يمين مرا ما يمين راجل. لو لمحت طيفك تاني قدامي، لخليك تقعد من يومها ليوم القيامة تدور على قطع غيار لكرامتك ومش هتلاقي. وبعون الله، كفء أوريك تربية الحواري على أصولها إزاي. كلمة آسف دي تروح تقولها لأمك لما تسقط في الامتحان، مش لواحدة دبحتها بدم بارد. لأ، مش كل من اتكتبله في البطاقة دكر يبقى راجل. أصل الرجولة اللي إنت متعرفش عنها حاجة، أفعالها. ها؟ مش هااا. واسمع، دكر الكلام وآخره. الطريق اللي أمشي منه ملمحش طيفك فيه. فاهم؟
جبل بوجع: اديني فرصة أخيرة. فرصة واحدة. أنا ندمت، والله العظيم ندمان. أنا بحبك يا حور. لأ، بعشقك. والله العظيم عارف إني غلطت لما مشيت ورا شيطاني، بس ندمت. ربنا بيقبل التوبة.
حور بسخرية: والمفروض دلوقتي بقى أترمي في حضنك وأقولك إنك بابا وإنت ماما وإنت كل حاجة؟ ونجيب علبتين مناديل ونقعد نسح ونبربر فيهم؟ ولا أعمل إيه يعني؟ بص ياض، عشان أنا كيلي فاض وطافح. ربنا بيقبل التوبة علشان إله عز وجل. أنا بشر، ما بين البر والشر. حتى بتحب وتكره، ماليش فيها. وأوعى، سامع، أوعى شيطانك يوزك ويقولك ياض دي سكتت. أنا سكت علشان اسم المعلم عامر اللي مش على آخر الزمن كلب زيك إنت وأمك يجوا يلطخوه. الاسم اللي منين ما يتنطق يقولوا الله يرحمه. حياتي اللي فاتت ماتت، وإنت كنت في اللي فات. فالله يرحمك، أو يجحمك من حياتي. الله أعلم بقى باللي في النفوس. أما اللي جاي ده يخصني، ويخصني أنا وبس، ومحدش تاني ليه دخل بيه. ودلوقتي، وريني عرض أكتافك. وحذاري تهل بطلعة أمك البهية عليا تاني.
جبل وعينيه ثابتة على حور، وكأن كل الشتيمة اللي اتوجهتله لا تعنيه بشيء.
حور بكز أسنان ونفاذ صبر: زقته من قدامها: غور ياض بقي، كتك لهوه، وإن تنح شبه اللي خلفتك.
جبل وهو واقف متحركش ملي. وقبل ما ينطق، فوجئ باللي بيشده من ياقته.
"إنت مين يا جدع، وبترخم عليها ليه؟"
جبل: "أنا جوزها."
ياسر بسخرية: "قصدك طليقها. أنا ياسر عابد ابن عمها. خير يا شبح الحتة؟ مش كنا وكان وكان يا مكان اللي بينكم خلص موال واتفضى؟ موقف بنات الناس في نص الشوارع ليه؟"
جبل: "والله حاجة تخصني أنا وحور."
حور بكز أسنان: "ولا إنا صبري بدأ ينفذ وربنا يكفيك شر قلبتي. لسه عينك ملمحتهاش. أحسن لك تخفى من وشي."
ياسر بقلق: "في إيه يا حور؟ الحوار ده فيه إيه؟"
حور بقلق من طريقة تسرعه في الكلام: "ولا حاجة. زي ما قلت، كنا وكان وكان يا مكان. حوار وخلص. بس فيه ناس مبتفهمش ومش عايزة تقتنع."
وسابتهم ومشيت وكأن شيئ لم يكن.
أما جبل، فضل عينيه متابعة حور طول ما هي بتتحرك. والألم احتل قلبه وعقله. فضل واقف مكانه لحد ما غابت عن عينيه ومشي وهو شارد وتايه، وخطواته مش متزنة. فضل ماشي ومش عارف هو رايح فين، ولا رجليه واخداه لفين. ومر وقت طويل وهو مش حاسس بنفسه. وكلام حور بيجلده بكرباج بيقطع جسمه. لحد ما فوجئ بإيد بتشده قبل ما يعدي الطريق من غير ما يحصل بالعربيات اللي رايحة وجاية.
جبل بشرود بص لأخره.
ياسر فضل واقف مكانه وعينيه على جبل اللي عينيه متشلتش من على حور. وحس إن الحوار كبير أوي ووراه حكاية كبيرة. استنى لما جبل مشي وطلع بيت عمه، وخبط.
هدي من جوه بصوت عالي: "إيه يا حور؟ لحقتي يا بت تجيبي الأكل؟"
فتحت الباب بسرعة، فوجئت بياسر قدامها.
ابتسمت تلقائي بحنان أمومي: "ياسر، هل هلالك. إيه يا واد، رجلك خدت على البيت زي زمان؟ كنت هنا عشية وصبحية. خير."
ياسر بقلق: "عايزك في حوار يا مرات عم. مينفعش من على الباب."
هدي ببوادر قلق: "خير يا ضنايا؟ إيه اللي حصل وغوشتني؟ طيب ادخل، ادخل. البيت بيتك."
دخل ياسر وقعد على الكنبة في الصالة، وهدي على الكنبة اللي قصاده.
ياسر بهدوء: "من غير لف ودوران. طليق حور كان موقفها في الشارع، وبنتك أدته الطريحة التمام. إيه اللي حصل بينهم عشان يطلقوا؟ واللي باين للأعمى إن الواد بيعشقها."
هدي بخوف: "مش هايجيبها لبر. ابن ثريا، مش هايسكت. وحور مش هاترجعله." وعنيها دمعت من الخوف: "استرها معانا يارب."
ياسر بقلق: "مرات عم، إيه الحوار. رسيني. لو الواد ده بيضايقها، أنا أعرف. أعرفه إن الله حق، وأخليه حتى يخاف يلمح طيفها في طريقه."
هدي بسرعة: "لأ يا ابني، الله يستر، بلاش. ربنا المنتقم الجبار."
ياسر: "من إمتة وإنتي بتخافي؟ ومن إمتة وحور بتخاف؟ دي وقفت في وش رجالة بشنبات يتهدوا لأجدع جدع منهم. السوق. الحوار ده فيه إيه يا أم حور؟"
هدي بدموع: "فيه جورسه، فيه فضايح يا ابني. ربنا يكفيك الشر."
ياسر بعينين مبرقة: "قصدك إيه؟"
هدي قامت وجابت المصحف: "حط إيدك عليه، واحلف إن اللي هأقوله ما يطلع براك، حتى لأبوك. لأني عايزة منك خدمة، وأعيش بيها طوق مطوق رقبتي العمر كله. أنا عارفة إنك جاي من الصلاة، يعني طاهر ومتوضي."
ياسر حط إيده على المصحف: "وحق كتاب الله، ما فيه كلمة هاتطلع برايا، ولا كأني سمعت حاجة. قولي بقى وريحيني."
هدي بدموع نزلت زي الشلال، وكسرة حاولت تداريها: "من يوم اللي جرا، وشرّدت وهي بتتكلم. حور يوم عرفت جبل، عرفته في خناقة مع أمه. وبعدها الواد فضل يتحنجل ودخل عليها بالحنجل والمنجل، لحد ما ما قلبها مال. بس حور، أبيه وكرامتها غالية. شايفة نفسها غالية. جات وقالتلي. قولتلها اللي عايزك، باب البيت مفتوح. غير كده، يفتح الله. وفعلاً، في أسبوعها، كان جاب أبوه وأمه واتقدموا. يومها حور قالتلي إن قلبها مقبوض. كنت فاكرة إنها محسودة. الكل حاسدها على الجوازة اللي الكل يتمناها. وفضلت فوق راسها لحد ما تم كتب الكتاب، وحور زي ما هي بتتعامل معاه بحدود. وكنا بدأنا نجهز للفرح ونجيب الجهاز والذي منه، لحد قبل الفرح بقيمة شهرين تلاتة كده، فوجئت بيها تتصل بيا وتقولي إن حماتها بتكلمها وعايزاها تروح لها عشان تصفي النفوس بينهم، وإن جبل في شغله وأبوه مسافر. أنا الله وكيلك، قلبي اتوغوش. لحد ما اتصلت بالواد وعرفت إنه فعلا في شغله، وقلت لها تروح. وكملت بنحيب: واااه، ياريت كان لساني اتقطع قبل ما أقولها تروح. غابت ييجي 3 ساعات أو أكتر، وقلبي كان هايقف. لحد ما جات، بس جات مكسورة. معرفش اللي صابها، بس طلبت الطلاق. واللي قالته إنه أمه ذلتها وقالتلها إنها خدامة، ومش هاتدخل البيت إلا عشان تبقى خدامة ليهم. ولو عامر عايش، مكانش قبل ذل بنته. وفضل، وأصرت على الطلاق. وبعدها الواد دخل المستشفى. ولما طلع، خالها راح مع الواد وأبوه وطلقوها. وبعتلهم كافة شيئ. وفضلت تتدبل كل يوم. لحد من فترة، أمه اتصلت وقالت المستخبي إن ابنها خد غرضه من حور. عرفت بعدها إنهم خدروها عشان يدبحوها. اترجيت حور ترجعله، عشان كلام الناس، ولو عايزة تطلق بعد كده، تتطلق، وراسها مرفوعة. يومها حور فضلت تصوت تصرخ، وإنها مغلطتش. إنها اتدبحت وهي متكتفة، ومش هي اللي تتجوز. الستر على ذنب هي معملتوش. لحد ما طبت ساكتة، وراحت المستشفى بين الموت والحياة. وسبحان من طلعها من جوف الموت. حلفت ميت يمين، ما فتح معاها الكلام تاني."
مع كل كلمة، ياسر عروق وشه بتنفر من الغضب، ودمه بيغلي زي البركان: "ليه؟ سكتي ليه؟ مطلعتوش روحه ليه؟ ابن الكلب السعران! ليه ملهاش رجالة؟ وحور إزاي تسكت؟ إزاي؟ أنا هاتجنن!"
هدي بوجع: "إحنا في حارة، وكلام الناس مبيرحمش يا ابني. كلام الناس زي السم، بيموت بالبطيء."
ياسر بغضب وصوت عالي: "ملعون أبو الناس! ألف لعنة! محدش بيشيل هم حد، ولا بيعيش في عيشة حده."
هدي: "بس مبيسيبش حد في حاله. أنا طالبة منك طلب، كرامة لعمك في قبره. اتجوزها، حتى لو سنة. سنة واحدة بس، وطلقها عشان تعرف تعيش وترفع راسها وسط الناس. الحارة عارفة إنها اتطلقت وهي بنت بنوتي."
ياسر: "دي لحمي ودمي، وقبلهم عرضي. أنا أولى بيها من الغريب. واللي حصلها ميعيبهاش. اللي جرا جرا وهي متجوزة. يعني لا في الحرام، ولا زنت، ولا غلطت. دي كانت متجوزة وعلى ذمة دكر. يعني لا هي هامِلة ولا سايبة. دي بألف راجل. والكلام اتدفن هنا بين الحيطان، وجوه البطون."
مهدي: "لحور وأنا هافتح أبويا، وتيجي نطلبها رسمي."
هدي بفرحة وسط الوجع ودموعها: "والنبي بجد بتتكلم جد يا ياسر؟"
ياسر بوجع: "والله العظيم جد. الجد كمان يا أم حور."
هدي بدموع: "أوعى تكسرها ياياسر. أوعى يا ابني. الله لا يسئك. حور ما تتحملش، وواخدة الدنيا على كرامتها أوي."
ياسر بحزن من ترجي مرات عمه ليه: "من غير ما تقولي. دي بنت الغالي. لازما تعيش مرفوعة الراس. وهو في قبره، لازم يتذكر اسمه بالخير والطيب. حي وميت."
هدي بإطمئنان: "روح الله يريح بالك ويطمن قلبك."
مشي ياسر وهو مهموم، وساب هدي وهي موجوعة.
رواية تربية حواري الفصل الثلاثون 30 - بقلم ولاء حامد
جبل فضل ماشي تايه. فجأة حس بإيد بتشده. بص بذهول للي بيسحبه، وكان رامي.
رامي بذهول من وضع جبل: مالك يا ابني؟ ماشي تايه كده ليه؟ إيه اللي حصل؟ بقالك فترة طويلة واخد إجازة ورافض ترد على تليفونك ومش عارف أوصلك. ويوم ما أقابلك ألاقيك بالمنظر ده. إيه اللي حصلك؟
جبل، وكأنه ما صدق لقي حد يحس بيه، اترمي في حضن رامي وبكى بطريقة صعبة لفتت انتباه الناس اللي حواليه، لدرجة إن رامي حرفياً بقى شبه قاعد على الأرض.
رامي بقلق: مالك يا ابني؟ اصلب طولك كده وتعالى معايا، أنا راكن عربيتي هنا قريب. يلا يلا قوم كده.
سنده رامي لحد ما وصل للعربية وركبه، وركب هو واتحرك بيهم. طول الطريق الدموع شاقة طريقها على وش جبل، ومن وقت للتاني رامي يتلفت لجبل اللي شارد وعيونه مقفلتش، وقلبه قلقان وبيتقطع من منظره.
وصل أخيراً لمكان هادي على البركة (بحيرة قارون). وقف العربية وبص لجبل: هنا مكان هادي ومفيش حد حوالينا. فهمني في إيه؟ من يوم تقفيل السنة المالية وانت حالك اتبدل بين يوم وليلة. في إيه؟
جبل بص له ولسه في حالة الانهيار.
رامي بشدة وحزم: بطل عياط زي العيال وفهمني إيه اللي حصل. طلقت مراتك ليه ووصلت للحالة دي ليه؟
جبل بصوت مبحوح: ضعت وضيعت نفسي وضيعتها معايا.
رامي كشّر وبين حواجبه: قصدك إيه؟ فهمني واحدة واحدة كده، وإن شاء الله كل حاجة ليها حل.
جبل بوجع وحسرة: إلا اللي أنا فيه ملهوش حل. لو عرفته هتستحقرني أوي. أنا أصلاً مستحقر نفسي.
رامي ببوادر فهم، شده من ياقة التيشيرت: قصدك إيه؟ اخلص. أنا مليون شيطان بيصوروا ألف حاجة وحاجة في دماغي. اخلص.
جبل حكاله كل حاجة وسط انهياره ودموعه اللي موقفتش.
رامي بذهول وصدمة: عملت كل ده وجاي تقولي تسامحك؟ طب إزاي؟ فهمني بأي عقل؟ أنا قولتلك يوم كتب كتابك مراتك نفسها عزيزة وواضح إنها شخصية قوية وليها كلمة مسموعة. انت مشوفتش كمية الناس اللي جاية تجاملها يومها وكمية المعلمين اللي بيرموا تحت رجليها عشرات الآلاف علشان بس اسم أبوها. جاي تدبحها بدم بارد علشان إيه؟
جبل: مكنتش أعرف. أنا عملت كده علشان أمير.
رامي: ياشيخ ملعون أبو... وسكت قبل ما يكمل الكلمة. للأسف يا جبل، هي رمتك بره حياتها وهي في أشد لحظات ضعفها. لا خافت من فضيحة ولا اتكسرت. للأسف انت عشت طول عمرك مجرد ضل لأمك. كلمة أمك أمر واجب النفاذ. انت فين؟ فين شخصيتك؟ فين حياتك؟ في لحظة وبكلمة دمرت نفسك وحياتك ومراتك. دمرت نفسك ودمرت بيتك. وللأسف بيت أبوك معاك. الوضع اللي انت فيه ملهوش حل غير إنك تسيبها في حالها وتدعي ربنا يعوضها برجال يصلح اللي كسرته ويقبلها بذنبك اللي ارتكبته في حقها. انساها وشوف حياتك بعيد عنها. علشان اللي زي دي بقت أبعد من نجوم السما ليك. بقى طريقها عامل زي الألغام، لو خطيته هاتموت. انساها. دي نصيحتي ليك. متحاولش تاني. لأن كل محاولة ليك هاتقل منك كل مرة لحد ما توصل إنها تأذيك. دي واحدة اتربت تربية صعبة. واحدة واقفة وسط 100 راجل ومحدش يقدر يقرب منها. واحدة ممشية شغل بكلمة. ليها هيبة وكلمة مسموعة وسط معلمين الواحد منهم لسه له شنة ورنة. للأسف ملكش أي فرصة معاها. سيبها في حالها وبلاش تأذيها. مراقبتك ليها هاتأذيك وتأذيها. إنك توقفها كل يوم والتاني مش هايحل. انت كده هاتطلع عليها سمعة وحشة.
جبل بوجع: بحبها ومش قادر أنساها. هاموت لو بعدت.
رامي شده من هدومه وبقى يهزه جامد: لازم تنساها. كنت فكرت في كل ده قبل ما تغلى عقلك وتفكر في شهوتك. كنت فكرت في كسرتها قبل ما تخطي في طريق رايح فيه ملهوش رجعة. فاهم؟ فوق بقى فوق قبل ما تندم في وقت الندم مش هايفيد حد. زي ما انت عامل في روحك كده بتندم على اللي راح ومستحيل يرجع بعد فوات الأوان.
جبل: مش قادر. صدقني صعب. صعب أوي. روحي بتروح مني. محدش حاسس بيا. أنا عارف إني في نظركم وسخ ووحش، بس أنا موجوع لوجعها اللي كان بإيدي. فراقها كسرني. عامل زي التايه في الدنيا. مش عارف أرسي على بر. مش عارف راسي من رجلي.
رامي بتفهم، لكن طلع كلامه صارم وحاسم: إحساسك مش مجبر الكل يعيشه. لأن للأسف هنا إحساسك مش خاص بيك. ده خاص بطرف تاني من المستحيل إنه يغفر أو يسامح. ارجع لربنا يا جبل. صلي وادعيله. ربنا بيحب العبد اللحوح. ادعيله بجد. ادعيله من قلبك. عيط لربنا وانت ترتاح. ارجع شغلك وادفن نفسك فيه وتناسى. ومع الوقت هاتنسى.
جبل بتعب هز رأسه بصمت.
رامي اتحرك راجع بيهم. طول الطريق وجبل تايه. الكل شايفه غلطان وهو مقتنع بغلطه، بس ندم. وهل الندمان ملهوش فرصة حتى يكفر عن ذنبه؟
***
هدي واقفة قدام صورة عامر اللي في الصالة بدموع مغرقة وشها: حقك عليا. معرفتش أحميها. عارفة إنك زعلان إني فتشت سرها، بس كان لازم أعمل كده. ياسر ده تربية إيدك وهيصونها من كلام الناس اللي مبيرحمش. بس بنتك طلعالك يا عامر. مش عارفة أعمل إيه عشان أقنعها. دبرني زي ما طول عمرك كنت سندي وحمايتي، حي وميت. دبرني يا عامر. أعمل إيه؟ اللي عملته صح ولا غلط؟ أنا مبقتش عارفة.
فضلت وقت طويل تتكلم مع صورة جوزها. محسيتش بالوقت إلا وحور داخلة وفي إيدها الطلبات.
حور باستغراب: في إيه يا هدهد؟ الجناين مالك واقفة قدام صورة أبويا ليه؟
هدي مسحت دموعها بسرعة قبل ما تلف لبنتها: ولا حاجة. سرحت في زمان.
حور أول ما بصت على عيون أمها عرفت إنها كانت بتعيط: مالك يا أما؟ في إيه؟ عنيكي عاملة زي ما شخبط بالدم؟ إيه اللي جرا؟ وانا بره؟
هدي بهزة رأس: ولا حاجة. افتكرت أبوكي الله يرحمه.
حور بعدم اقتناع: الله يرحمه. إيه اللي جرا خليكي عايزة وعنيكي زي كاسات الدم؟
هدي بحسم عشان تنهي الكلام، إنها عارفة طبع حور مش هاتسكت إلا لما تعرف كل حاجة: يووه! قولتلك يا بت افتكرت أبوكي. إيه كفرت ولا كفرت؟ لما نزلت دمعتين يفكوا من على صدري؟ يا اختي داه إيه داه! هاتي يا اختي هاتي خليني أعمل اللقمة دي. عيال آخر زمن.
وأخدت الأكياس من إيدها ودخلت بسرعة.
حور فضلت واقفة متسمرة مكانها ومستغربة رد فعل أمها. وحست إن في حاجة حصلت في غيابها.
***
ياسر طلع من بيت عمه وهو مكسور. لكسرة وذل مرات عمه قدامه. واللي كسره وكسر رجولته اللي حصل لبنت عمه في غيابهم. محسش إلا وهو واقف قدام قبر عمه. رفع عينه ودموعه نازلة وبصوت كله كسرة وحزن: حقك عليا. الدنيا لهتني ومعرفتش أحميها. الطمع غما عنيا ونسيتها. اتكسرت ودارت عشان تفضل واقفة على رجليها. بس وغلاوتك عندي هاجبر كسرتها وأصونها. والله العظيم هاصونها وأحميها. عارف إن صعب ترضى بيا وصعب الطريق ليها. بس وغلاوتك في قلبي ما هسيبها إلا وهي مرفوعة الراس. ولا همل ولا هيأس.
فضل ياسر وقت طويل محسش بيه وهو قاعد قدام قبر عمه بيشكيله ويطمنه في الوقت نفسه. مفيش حل. صعبة أصعب من إحساس الشيء ونقيضه. وداه اللي بيعيشه كل عائلة حور. مر الوقت وياسر قام ونفض هدومه من التراب. وبص نظرة أخيرة على باب القبر قبل ما يتحرك. ومشي من سكات وهو محدد وجهته. وكأن حاله اتبدل ولبسته شياطين الأرض. ومشي بسرعة لطريقه.
***
مر بعض الوقت تجاوز النص ساعة. وحطت هدى الأكل وقعدت هي وحور. وكل شوية تبصلها ومترددة تفتح الكلام وتبلع ريقها وتسكت. وكأن الكلام معاند لسانها. وحور خدت بالها كذا مرة وهي بتقفش نظرات أمها ليها. وكل ما عنيها تيجي في عينين أمها تنزل عينها في الكبد بسرعة. وكأنها بتهرب من شبح.
حور بهدوء: قولي اللي في جوفك وواقف على لسانك ومصدر يا أما.
هدى بقلق: وهو إيه اللي في جوفي؟
حور قلبت شفايفها ورفعت كتافها: اللي مدارياه ومخليكي زي اللي قاعد على تل.
هدى بشخطه عالية طبقت مبدأ "خدوهم بالصوت ليغلبوكم": هو إيه اللي قاعد على تل دي؟ ومين قالك إني هأقول حاجة؟ في إيه؟
حور: بتهوري.
هدى: على وشك يبان يا نداغ اللبان. وانتي باين على وشك ومفكوكة أوي. أطرشي اللي في جوفك.
هدى بزعيق: إيه يا بت كبرتي يا بنت عامر وبتعدلي عليا؟
حور بسخرية ومطت شفايفها: امممم. كده فعلاً. في حاجة وحاجة كبيرة. على العموم يا مرات عامر لما تحبي تقولي أنا مستنية. على أقل أقل من مهلي وبراحتك. أوووي.
وسابت الأكل وقامت دخلت أوضتها.
هدى بره بحيرة لنفسها: يارب! أعمل إيه طيب؟ أقولها وتوكالي عليك؟ ولا أستنى أشوف ياسر هايعمل إيه الأول؟ وغمضت عينيها بوجع. وكملت كلامها مع نفسها: آآآه يارب. خليك معانا. داحنا غلابة وانت مع المنكسرين جابر. يارب انت عالم إن اللي حصلها لا كان بإيدها ولا بخاطرها.
حور في أوضتها: ياترى يا أما مخبية إيه؟ عارفة القلعة دي وراها مصيبة. استرها يارب. أنا تعبت من كتر ضرب الدنيا فيا. اللهم لا اعتراض على حكمك ولا قضائك. راضية يارب وصابرة. اجعل الغيب خير يارب.
***
مر الوقت ووصل رامي قدام بيت جبل. وساعده ينزل من العربية وسنده لحد باب البيت ورن الجرس.
فتح همام الباب بص لابنه بصدمة: مالك يا جبل؟ في إيه اللي عمل فيك كده؟ ومالك مبهدل؟
رامي بتعقل: ولا حاجة يا حاج. هو بس ضغطه واطي شوية. ياكل بس لقمة وينام وهايبقى زي الفل.
همام بعدم تصديق: ضغطه واطي؟ وهز رأسه تمام. طيب ايدك معايا يا ابني ندخله أوضته.
رامي بطاعة: حاضر يا حاج. وفعلاً سنده أبوه وصاحبه لحد أوضته ورقده على سريره. وساب صحبه معاه ودخل المطبخ وغاب دقايق ورجع معاه طبق فيه كام ساندويتش وكوباية عصير.
همام: كل لقمة تسند قلبك علشان تعرف تصلب طولك بدل ما انت واقع من طولك كده.
رامي أخد الساندويتشات من إيد همام وبحزم وصوت صارم: كل وبلاش دلع. شد حيلك وأنا من بكرة هابدأ في إجراءات انتهاء الإجازة علشان ترجع شغلك وتفوق لنفسك.
جبل بص له بتعب: اصبر شوية بس وأنا هارجع.
رامي: مفيش صبر خلاص. كفاية كده. ومد إيده بالأكل: يلا كل عشان تشرب العصير وتدخل تاخد دش يفوقك وترمي التعب من عليك وترتاح. علشان معاك بكرة هأخلص إجراءات رجوعك الشغل. وبعد بكرة هاعدي عليك أخده. يلا.
جبل بتعب هز رأسه. وبعد وقت كان خلص أكله بصعوبة وسط ترقب همام اللي متابع كل اللي بيحصل حواليه وبيحاول يفهم إيه اللي حصل بس ساكت. وفي نفس الوقت بيتمنى يكون ابنه زي رامي شخص صارم وجاد وعملي وشخصية مستقلة: آآآه. سبحان الله. اللي نفسي يكون في ابني في صاحبه. والواد اللي حيلتي ضعيف ومهزوز. ربنا ينتقم منك يا ثريا على اللي عملتيه في ابنك. وغمض عينيه بوجع. ولكن لحظات وصوت هبد على باب البيت بطريقة فزعت كل اللي فيه. طلع همام بسرعة ووراه رامي وجبل سند نفسه وراهم. وجميلة طلعت من أوضتها.
همام فتح الباب بسرعة وخوف من طريقة الخبط: انت مين؟ وفي حد عاقل يخبط كده؟
ياسر بشر: مش أنا خبطت يبقى فيه. ابنك فين؟
همام بخوف من الشر اللي في عين الشخص اللي قدامه: انت مين وعايز جبل في إيه؟
ياسر على نفس وضعه ونظرته: ابنك فين؟ بدل ما أعلى صوتي وأخلي سيرتكم على كل لسان.
همام: انت مين برضه؟ مردتش عليا.
جبل من جوه بصوت ضعيف: مين يا بابا اللي بيخبط كده؟
ياسر مستناش ودخل زي الإعصار. ولكنه في وشه بكل القهر اللي جواه. وكررها تاني بكل لحظة وجع حسها وشافها في صوت مرات عمه وهي مكسورة وموجوعة. بكل كلمة بتحكيها وهي بتبكي.
رامي شده وفصل بينهم وزق ياسر بقوة: إيه يا بني آدم انت؟ داخل زريبة؟ اللي عملته ده ممكن أسجنك فيه.
ياسر بشر وسخرية: وماله؟ واخد عليه. ده بيتي التاني.
وبص لجبل: أقسم بديني لو لمحتك. سامع؟ لمحتك كده بس من بعيد عينك بترفع في حور. لوديك مطرح ما الشمس تغيب ولأحسر أبوك عليك.
همام بقلق: حور؟ وكمل بصوت خافت: وانت إيه علاقتك بحور؟
ياسر برفعة راس وفخر: أنا ابن عمها وخطيبها.
جبل بوجع: انت كداب. مستحيل تكون خطيبها.
ياسر: ليه يا روح أمك؟ فاكر إنها هاتترهبن عليك؟ ياض. دانت العُشرة من عينتك بيترمي في الزبالة ببلاش.
رامي بص لهم بصدمة ولسانه اتعقد. وبص لهمام اللي الصدمة لجمته وخلته واقف مش عارف يتصرف. بس رامي قدر يتمالك أعصابه بسرعة: يا أستاذ ياسر اللي كان بين جبل والآنسة حور انتهى. وربنا يسعدكم.
جبل زق رامي: لا. مخلص. وأهو انت كداب. عشان حور مينفعش تتجوز حد غيري. عشان...
قبل ما يكمل كان رامي حط إيده على بوقه وصوت أشبه بالفحيح: اكتم خالص. فاهم؟ اكتم.
همام: حقك يا ابني. بس أكيد الموضوع فيه سوء تفاهم.
ياسر: ولا سوء ولا مسوق شي. أنا حذرت وخلصنا.
جبل شد نفسه من رامي: مخلصناش. وحور مش ليك. عشان كانت ليا قبليك. كانت في حضني. يعني انت واخدها مدام مش آنسة. ياترى الناس هاتقول عليك وعليها إيه؟ لما يعرفوا المستخبي.
ياسر زق كل اللي قدامه وهجم على جبل ونزل فيه ضرب: أقولك يا روح أمك؟ هايقولوا كلب سعران جه الحتة وخدر مراته عشان يغتصبها. هايقولوا بنت بنت راجل تربية راجل مش ضل مرا رمتك زي الكلب ومتكسرتش. أقسم بالله أنا على أتم استعداد أقطع لسانك وأعيشك من غيره. فوق ياض. دانا ياسر عابد النصراوي. يعني الشيطان يتعلم مني ويضربني تعظيم سلام. يعني يوم ما أسيب الشر لعقلي. إبليس يعلق صورتي في بيته يتصبح ويتمسى بيها. واللي عملته في بنت النصراوية. ورحمة عمي في تربته. اللي كلب ابن كلب زيك ما يعرف قيمته ولا مقامه بين الخلق. لعرفت إن الله حق. عليا وهخليهالك مفاجأة يا روح أمك.
ياسر كان بيقول كلامك وهو موقفش ضرب للحظة فيه.
وبصعوبة قدر همام ورامي يبعدوه عن جبل اللي بقى شبه الجثة تحت منه. بعدوه عنه.
ياسر عينه جت على جميلة. بص لها ورجع بص لهمام وجبل: متخافش يا روح أمك. عندك اللي يترد فيها. جرب تجيب سيرة حور. وأنا هاخليكي أختك. لا تنفع طبله ولا تار ولا حتى رقص. فهمت يا ضنا؟
همام بفزع ورعب على بنته: والله ما هاينطق. هو بيقول كده من حرقته عليها لأنه بيحبها.
ياسر بصوت عالي: ميخصنيش. اللي عندي قولته وعايز أشوف غيره يحصل.
وتف على جبل ومشي من البيت زي الإعصار.
همام اترمى على الأرض جنب جبل. ووجع الكون اترسم على ملامحه في اللحظة دي: عاجبك اهو؟ حط اختك في دماغه. عارف عمها وابن عمها دول الشر ماشى على رجلين. منك لله يا جبل. انت وأمك. منك لله.
رامي بغضب: انت متخلف يا بني آدم؟ بعد عملتك السودة بتتباهى بيها قدام أهلها؟ الكلام عليك رخيص وبتهدد. متخلف. انت بتهدد بفضيحة بنت وانت عندك اخت؟ بتهدد تكسرها؟ فاكر إنها هاتسكتلك؟ هي ولا أهلها؟
همام بتأييد: آخر كلام. سيرة حور متجيش على لسانك ولا حتى بينك وبين نفسك. وأنا بنفسي هاشوفلك عروسة وتتجنن وترحمني من مصايبك.
جميلة واقفة منكمشة على روحها في الزاوية.
همام بخوف: ادخلي أوضتك يا جميلة. يلا.
رامي رفع عينه ولأول مرة يشوف ملامحها. جمالها هادي والبراءة مرسومة على وشها. عيون واسعة عسلي فاتح مخلوطة بالأخضر ووش مدور وملامح أنثى طفولية. ولكن الجسد مكتمل الأنوثة. غض بصره بسرعة وفي سره: استغفر الله العظيم وأتوب إليه. إيه اللي أنا بهببه ده؟ فوق يا رامي. البيوت ليها حرمة. وداه صحبك. ميصحش عينك تترفع في حريم بيته.
دخلت جميلة أوضتها. وسند همام ورامي جبل اللي حرفياً كان وشه ورم. وكله دم من كتر الضرب. ودخلوه أوضته على سريره. وسابوه.
***
طلع ياسر وبعد عن البيت. وفضل واقف لوحده على الطريق لحد ما قدر يتمالك أعصابه ويهدى تماماً. وبعدها اتمشى لحد ما وصل بيته ودخل وهو حاسم أمره إنه يكون سند لحور ويصلح اللي حصلها.