تحميل رواية «تربية حواري» PDF
بقلم ولاء حامد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في حارة شعبية تتسم بالطيبه والأصالة، الكل يراعي بعضه. نشأت بطلتنا الصغيرة المتمردة، تربت وتراجعت بين أروقة الحارة حتى شبت. وكبرت كأنثى تخطف عين الرجال بجمال خلاب، ولكن تلفحت بلسان سليط يجلد كل من يقترب منها. فهي تربية الحارة التي لقبت بالقادرة لما تفعله بكل من يتجرأ عليها، وأصبحت الشرشحة هي وسيلتها الأولى. الساعة 8 الصبح في حارة المغربي، صوت صراخ وزعيق خلا الكل فتح شبابيكه يتفرج على الخناقة المعتادة كل يوم، والكل عارف إن آخرها محسوم. قامت هدى من النوم وهي بتبرطم: "يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم...
رواية تربية حواري الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم ولاء حامد
دخل ياسر بأكتاف محنية من كثر الهم الذي فوقه. دخل غرفته وسمح لنفسه في هذه اللحظة بالانهيار. دموع الكسرة والوجع نزلت كشلال ماء جارٍ، لا أحد يقدر يوقفه.
كل كلمة تتكرر في دماغه كالشريط، وتؤلمه في جسمه كرصاصة انتقام. لا يتحمل وجعها. كتم صوت صرخته في المخدة.
ياسر بوجع ونحيب وصوت مكتوم:
آآآآآه يارب. آآآآه يا وجع ما بعده وجع. يا كسرتي وكسرتك في قبرك يا عامر. آآآآآآه يارب. يارب توافق. يارب متحملنيش ذنبها أكثر من كده.
سمع نداء الرحمن لصلاة العصر. قام بكل وجع ودخل الحمام. فتح على نفسه الدش ووقف تحته بملابسه لأكثر من ربع ساعة، فاقد الإحساس بالدنيا. حتى قدر أن يهديء أعصابه، وغير ملابسه ووقف بين يدي المولى عز وجل. وفي كل ركعة كانت الدموع حليفته.
خلص صلاته ورفع يديه، يناجي المولى عز وجل أن حور تقبل به.
بعد مرور أكثر من ساعة، سمع صوت أبوه. طلع من غرفته وهو مهموم.
ياسر بهدوء مدارياً وراءه جحيماً:
بقولك يا حاج، عايزك في موضوع مهم.
عابد:
طيب اقعد الأول وقول. حمد الله على السلامة يا أبويا.
ياسر قعد بسكات:
حمد الله على السلامة يا حاج.
عابد بتركيز في حال ابنه:
مالك يا واد؟ وشك مصفر كده ليه وعينيك مشوبها الحمار؟
ياسر بتهرب:
من الصداع. من قبل الصلاة وأنا عندي صداع. المهم يعني، أنا كان فيه موضوع كده بفكر فيه ليلي مدة. واستخرت ربنا وحسمت قراري فيه.
عابد:
خير يا ابني.
ياسر بتوتر:
احم احم. أنا عايز أتجوّز حور.
قبل أن يكمل، ارتفعت صوت نعمة:
يألف بكره، يألف نهار. نادي يوم المنى والهنا والسعد والوعد. ومين بقى اللي عليها العين والخاطر؟ أكيد بقى واحدة نقاوة. بس اسمع يا واد، المهم يكون أهلها متريشين وعيشتهم مبشبشة كده.
عابد بشخطه:
ماتكتمي يا مرا، خلينا نسمع من الواد.
ياسر بحسم:
أنا عايز أتقدم لحور بنت عمي عامر، الله يرحمه.
نعمة بشهقة:
مين مين يا عنيااااا! بقى بنات الدنيا قطعوا؟ ما لقيتش إلا بنت اللي ما تتسمى دي؟ إيه رخصت واتوب؟ وكله الكلب تاخد؟ خرجت بيوت؟ لا وكمان مدكرة؟ إيه نسيت قوام اللي عملته فينا دي؟ رمتنا في التخشيبة؟ إيه ريلت عليها؟ طيب هاقول على إيه؟ دي لا شكل ولا منظر، ولا باين لها وش من قفا. يا واد دي دكر.
عابد:
انكتمي يا أم أويئ! إيه واقفة تندبي فوق راسي زي غراب البين؟ مالها حور؟ دي البنات بنت أخويا وتربية عامر، الله يرحمه. بنت جدعة وبميت راجل، بنت بلد بصحيح. خلت كل اللي يعرفها يقول الله يرحمه عرف يربي بصحيح. واللي خلف مماتش. عظيم! بيمين ما أسمعك حس، لاقطعه من الدنيا. ابنك رايدها، ده يوم السعد والوعد إنه يفوز بيها. ولو كترتي في لِت النسوان الفاضي ده، بيت أبوكي موجود. تغيري عليه وورقتك قبل منك، سامعة؟
نعمة بصت لهم بغل وسابتهم ودخلت غرفتها.
عابد قعد مكانه:
إيه اللي جواك؟ رسيني.
ياسر بوجع جواه وألف صرخة بتحارب تطلع:
اديك قلتها بنفسك، بنت عمي ولحمي ودمي. وبت بميت راجل. ويابختي بيها لو وافقت. يا أبا، اللي زي حور الواحد يطمع من بيته وهو واثق إن فيه واحدة بمليون راجل. لو وقع تسنده. دي اللي تعمر البيوت، اللي تصون وتستر.
عابد هز رأسه باقتناع:
على بركة الله. تحب نروح إمتى؟
ياسر:
هاشوف ميتها إيه الأول قبل ما نروح. علشان لو كانت رايدة نتوكل على الله، ولو كانت رافضة يبقى النفوس ما تشيلش من بعضها بعد ما صفت.
عابد بإعجاب بدماغ ابنه:
عندك حق. برواه عليك يا واد، بتفكرني بعمك الله يرحمه. كانت دماغه توزن بلد. كان في عز شدته لازم يحكم عقله. ااااه الله يرحمه. اللي عند ربنا أحسن من اللي بين الناس. راح ومبقاش منه إلا السمعة الطيبة والسيرة الطيبة بين الناس.
ياسر هز رأسه بشرود.
***
قامت هدى شالت الفطار ودخلت تعلق على الشاي وتغسل المواعين.
حور:
أما الله يسترك، اعملي لي قهوة عشان طالعة.
هدى خرجت من المطبخ:
رايحة فين؟ ده النهارده إجازة الورشة.
حور بخنقة:
ها تمشى شوية وأجيب اللوازم اللي ناقصة البيت بالمرة.
هدى:
وإيه اللي خانقك منا؟ سألتك ميت مرة، وإنتي قلتي مفيش.
حور أخذت نفس طويل وطلعته:
مش عارفة. يمكن من ضغطة الشغل. الواحدة مبتفصلش، طاخ طاخ ورا بعضه. حسيت إني عايزة أشم هوا شوية.
هدى بتفكير:
طيب بقولك إيه؟ متيجي الجمعة الجاية نروح البركة (بحيرة قارون). اهو منها نشم هوا ونغير جو يوم.
حور بتفكير:
طيب. بس هانروح لونا زي قرد قطع.
هدى:
لا نجيب البت شذا. والنبي البت دي بتحلي القعدة وبتخلي للمكان حس.
حور بضحكة:
أيوه وبتقضي على الأخضر واليابس. يلا هاشوف. ولو عرفت أجمع البنات، اهو نروح مع بعض.
هدى بتردد:
طيب بقولك، هو فيها يعني إساءة أدب لو خدنا ابن عمك معانا؟
حور برفع حاجب:
اشمعنى؟
هدى بشخطه:
إمتى هاتدخلي لي افهم؟ اهو يبقى معانا راجل بدل محد كده ولا كده يرخم ولا يلقح. واهو منها نقعد براحتنا.
حور بتفكير:
اممم. هو كلام معقول. بس بردوا أشوف وأقولك.
هدى:
ماشي. بس قولي لي بدري عشان أعمل حسابي وأجهز. دي ليلة طويلة.
حور بابتسامة:
منا عارفة. كنتي بتقعدينا يومين تجهزي. يلا بقى كوباية قهوة وصاية من إيدك الحلوة دي عشان أطلع.
هدى شاورت على عينيها:
من عيني دي قبل عيني دي.
حور بابتسامة وهي بتبوس دماغ أمها:
يسلمولي يا هدهد الجناين.
هدى بضحكة:
أموت وأعرف الاسم المعقرب ده جبتيه منين ولزقتيه فيه.
حور بترقيص حواجب:
مش هأقولك.
هدى وهي بتضرب كف على كف:
لله الأمر من قبل ومن بعد. هأقول إيه؟ ربنا يهديكي يا حور يا بنت بطني.
قعدت حور على الكنبة وفتحت الشباك وبقت تبص على الناس اللي رايحة واللي جاية وشردت.
حور:
وبعدهالك يا دنيا وخداني على فين؟ ياترى بكره شايل لي من الهم إيه تاني؟ كنت عايشة وبقول: مطرح ما ترسى أدقلها. دلوقتي بقيت عايشة زي اللي عاملة عملة. لا عارفة أعيش زي الأول، ولا هينفع أعيش زي باقي الناس. لا قابلة أرجع لواحد كسرني وأقول: أعيش والسلام، ولا هعرف أعيش بين الناس وأنا موصومة بعار محدش يعرفه غيري. ااااه يا حور، ضاقت قوي. هاتفضلي تلفي حوالين نفسك كتير زي التور اللي ربطوه في ساقية ونسيوه؟ طيب أمك هاتعملي معاها إيه؟ لو سكتت انهارده، بكره هاتتكلم. مهي مش هاتسكت كتير. اااه وألف آه من ألف وجع جوايا عمال ينهش في قلبي وجسمي من غير رحمة. ومحدش حاسس. الكل شايف من بره وبس. يظهر يا بنت عامر إن اتكتب عليكي الوجع طول عمرك.
قطع شرودها هزة على كتفها.
حور:
إيه يا أمي؟
هدى بحنان:
مالك؟ عملت القهوة وعمالة أنادي عليكي من جوه وإنتي في دنيا غير الدنيا. جيت لقيتك باصة من الشباك ومسهّمة.
حور بتبرير:
كنا بنتفرج على الناس. وشكلي كنت هاغفل وأنا قاعدة. معلش بقى، شقي يا أم حور.
هدى قعدت جنبها:
اممم. بيقولوا الشقا صابون الجسم.
حور بضحكة:
تصدقي حلوة. بس إيه علاقة عيشة بأم الخير؟ الشقا تعب، والصابون راحة ونضافة.
هدى:
يمكن التعب نضافة الجسم.
حور بضحكة وهي بتشرب بق من القهوة:
منكم نستفيد.
دقائق بسيطة وكانت حور مخلصة فنجان القهوة وقامت غيرت هدومها وطلعت.
حور:
يلا، فوتك بعافية.
هدى بقلق:
الله يعافيكي يا ضنايا.
طلعت حور وأخذت عربيتها وسوقت وهي شارده ومش محددة مكان، وسابت الطرق منين ما تاخدها. دقائق وحور تايهة في الطرق لحد ما تعبت وركنت شوية وفضلت قاعدة جوه العربية منعزلة عن كل الناس.
مر الوقت بطيء لحد ما أخيراً حسّت بالملل وقررت ترجع. وعدت على السوق جابت الطلبات ورجعت ودخلت غرفتها من سكات.
***
مازن باستغراب:
وبعدين يا ابني في اللي عامله فينا؟ بقالك أسبوع وأكثر مشغلنا زي العبيد. فيه إيه؟ ارحم يا بابا.
يونس وهو عينه على التصميم اللي في إيده بدون ما يرفع عينه عليه:
اهدأ يا بابا وبطل زن زي الأطفال.
مازن:
يا يونس، والله حرام عليك. أنا بروح البيت بترمي زي القتيل. فيه إيه يا ابني؟ ارحم، يرحمك ربنا.
يونس وهو على وضعه:
إيه اللي جد؟ مش فاهم. ده شغلنا ولا شغل الجيران؟ يعني.
مازن:
شغلنا. مقولناش حاجة. بس مش كده. إحنا تقريباً مبنرتاحش خالص يا ابني. حاسس كأنك بتنتقم مننا.
يونس قلع نضارته الطبية وقام قعد على المكتب يفرك في عينيه بإرهاق:
عايز إيه يا مازن؟ أنجز.
مازن بهدوء وصبر:
إيه سبب النفخة اللي عاملها علينا دي؟ انت مش بتضغط نفسك في الشغل إلا لما يكون فيه سبب كبير أوي. وغالباً سببين: يا بتهرب من حاجة عشان تنساها، يا بتخلص شغل مرة واحدة في فترة قصيرة عشان وراك بعدها حاجة كبيرة. اممم. إيهما أقرب؟
يونس لف وشه الناحية التانية يداري عينيه من وضوحه وتعريه الداخلي أمام رفيق دربه وصديق طفولته.
مازن بفضول:
إيه فيهم يا يونس؟ مهو مش طبيعي أبداً اللي بتعمله ده.
يونس مال دماغه في الأرض عشان يرتب أفكاره وفضل الصمت للحظات عن الكلام.
مازن بقلق وترقب:
أوعى يكون موضوعك فشل مع البت الميكانيكية دي؟
يونس بحزم:
اسمها حور. ويا ريت تتكلم بأسلوب كويس عنها، تمام؟
مازن:
تمام يا يونس. بس بجد بقى، مالك؟ عصبيتك دي وراها إيه؟
يونس بتنهيدة طويلة:
السبب الثاني يا مازن. بحاول أخلص كل الشغل اللي في إيدي لشهر قدام، عشان عايز أبقى زي ضلها مفارقهاش. حور عاملة زي اللغز، غامضة مش واضحة. بتداري نفسها ورا توب مش توبها. وراها سر كبير. باين من حزن عينيها للأعمى. نفسي أخترق حصونها وأقدر أعرف اللي جواها. طول عمري بتعامل بحذر مع الناس، بس الحب زي القضا بييجي على غفلة. مبتقدرش تحكم قلبك، لأن زمامه خرج من إيدك. عارف أنا فضلت كام يوم أفكر أنا شوفتها فين قبل كده؟ لحد ما أخيراً افتكرت.
مازن بذهول:
كام يوم؟
يونس بشرود:
أسبوع كامل. كنت في موقع تبع سنهور بصمم فيلا لواحد هناك. وأنا راجع عربيتي عطلت في منطقة زراعية مقطوعة قبل دخله البلد. وهي اللي صلحت لي عربيتي. هي متعرفش إني عرفتها، ومعرفش هي عرفتني بردوا ولا لأ. يومها خطفتني بنت صغيرة. نازلة بقوة، ليها هيبة ولا أعتى الرجال. صلحت العربية في دقايق ومشيت. بس شدت انتباهي، وأنا نسيت أو بالمعنى الأصح تناسيت، لحد ما القدر جمعنا تاني. غصب عني، لقيتني بتشد ليها. وهي بتتكلم، بركز في كل حرف، في كل نفس، في كل همسة، في رد فعل مصطنعة أو عفوية. ومع الوقت، أقدر أقول لك إنها احتلتني كلياً. بقت زي الإدمان. ميكس غريب. بس الأغرب طبعها. فاقلة على نفسها بقضبان حديد ولفاها بجليد. محتاجة صبر وقوة عشان تقدر تكسرهم. وأنا قررت إني مش هاستسلم واني هافوز بيها.
مازن بعيون قربت تخرج من مكانها:
حيلك حيلك حيلك! إيه ده كله؟ يونس اللبّاد بجلالة قدره اللي طول عمره قافل على قلبه يوقع الوقعة دي؟ يا ابني، إنت بنات أشكال وألوان حاولوا إنهم يقربوا منك، وإنت طول عمرك عامل زي حيطة خرسانة مسلحة معاهم. تيجي في لحظة والحيطة دي تتهد وتبقى شوية تراب تحت رجلين حور؟
يونس بهدوء:
مش بقولك الحب عامل زي القضا؟ بيفلت لجام قلبك من إيدك.
مازن:
طيب ناوي على إيه؟
يونس:
ناوي أبقى زي ضلها. منين ما تروح تلاقيني. منين ما تتلفت تلاقيني. منين ما تغمض حتى تلاقيني.
مازن:
فزورة دي، صح؟
يونس بهزة رأس:
لأ خالص.
مازن بفضول ورفع أذن الإنصات:
ده اللي هو إزاي يعني؟
يونس:
قررت إني أتعلم الميكانيكا. وما فيش أحسن من ورشة الأسطى عامر أتعلم فيه.
مازن بصدمة:
بتهزر صح؟ قولي إن اللي بتقوله هزار مش جد. يعني هاتوقف كل شغلك وحياتك وترمي بريستيجك تحت رجليك عشان تبقى ميكانيكي؟
يونس بابتسامة حالمة:
لأ يفوز باللذات إلا كل مغامر. وإنت عارفني. مادام حطيت حاجة في دماغي يبقى هاعملها.
مازن:
عارفك يا أخويا، عارفك. ربنا معاك. واتنين ملايكة.
يونس بضحك:
ادعي لي من قلبك لأحسن قلبي متعلق بحبال الهوا الدايبة.
مازن:
ربنا معاك عشان اللبس الحتة اللي على الحبال.
يونس:
عقبالك لما تلاقي اللي تخطفك.
مازن بضحكة:
تيجي بس وأنا والله يا ابني ما هاستنى. لكل خططك دي أروح لأبوها طوالي طوالي. ااااه الواحد يا ما نفسه. بس احم احم. إيه اللي أنا بقوله ده؟ ما علينا. طيب فكرت الشهر ده مين اللي هيتابع الشغل؟
يونس بابتسامة صفرا:
أكيد إنت يا هندسة. طبعاً.
مازن بعويل:
يالهوي! أنا مين يا مفتري؟ هو إنت تحب وأنا أتمرمط؟ ذنب أمي إيه؟
يونس على نفس وضعه:
صاحبي. ذنبك صاحبي. اتحمل يا مزون.
مازن بنرفزة طفيفة:
مبحبش الزفت ده. شايفني عيل مسقط بنطلوني قدامك؟
يونس بضحك:
لأ، شايفك صاحبي يا جدع.
مازن:
اممم. حاسس إننا بنتثبت. أنا كده صح؟
يونس:
حاسس مش متأكد.
مازن بهزة رأس وقلة حيلة:
طيب يلا خلينا نخلص قبل ما أتنفخ لوحدي. يلا يلا.
وذهب الثنائي لتكملة عملهم.
***
رجعت حور وهي جايبة طلبات كتيرة جداً.
هدى بصدمة من كمية الأكياس اللي داخلة بيها حور وبتحولها:
إيه ده كله؟ حد قال لك إن البلد داخلة على مجاعة؟ ولا عندنا الولايم لكل ده؟ يا بتحور.
حور:
لأ، ده ولا ده. أنا جبت حاجات عشان الخروجة بتاع يوم الجمعة اللي جاية، عشان باجي من الورشة متأخر ومش هعرف أجيب الطلبات إلا يوم الجمعة. ويوم السبت إنتي بتلقطي الخضار والفاكهة اللي ناقصة من سوق السبت. وهو كده كده قدام الباب.
هدى بفرحة:
يعني نويت خلاص نروح؟
حور بهزة رأس:
أيوه نويت. هاكلم شلة الغجر وأقولهم وأظبط معاهم. وكمان هاجيب الواد ديشا وسبارس هما وأهليهم. أهي تبقى لمة بالمرة.
هدى بترقب:
و ياسر هاتجبيه ولا لأ؟
حور بنظرة غموض لأمها:
إيه العبارة؟
هدى بتبرير:
أنا أقصد يعني عشان جايبة رجالة من الورشة.
حور بابتسامة:
ديشا عيل يا أما في 6 ابتدائي. وشغله في الورشة بيجيب قهوة وشاي عشان ميحسش بكسرة نفس في القرش اللي بياخده. الواد نفسه عزيز. والحاجة وحشة. وسبارس إنتي عارفة حمله. وكمان الورشة بتساعده في دراسته. يعني كل واحد هاياخد باله من أهله بيته بالعافية.
هدى بفرحة متدارية:
يعني هاتكلمي ياسر؟ وكملت بتبرير: عشان يبقى معانا راجل يا بنتي. إحنا أغلبنا حريم.
حور بهزة رأس:
عندك حق بردوا. هاكلمه وأرد لك خبر.
هدى:
طيب. والجيش ده كله هناخد إزاي؟ العربية يا دوب بتاخد خمسة.
حور بتفكير ثواني:
هااتفق مع عم عوض. هو كده كده معاه ميكروباص سقف عالي. يعني ياخدها مرتاح. والبنات ما بين عربيتي وعربية هدير. وتبقى اتظبطت. وياسر يجيب الشباب معاه.
هدى باقتناع:
تمام كده. محلولة من كل ناحية إن شاء الله.
حور:
طيب يلا بقى خلينا ناكل لقمة عشا. أفرد ضهري وبكرة يحلها الحلال.
ومر اليوم بسلام وأمان بعد ما اتصلت حور بصحابها واتفقوا كلهم على الرحلة يوم الجمعة مع بعض. وأصبح باقي إنها تبلغ ياسر وديشا وسبارس. وأجلتهم لبكرة.
ياترى الرحلة دي هاتمر مرور الكرام؟ ولا للقدر رأي تاني؟ ومين هاتكون من نصيبه؟ حور ياسر اللي عارف اللي فيها؟ ولا يونس العاشق الولهان اللي لسه ميعرفش المستخبي؟...
رواية تربية حواري الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم ولاء حامد
صحيت حور تاني يوم وهي مقرر إنها تبلغ ديشا وسبارس بالرحلة عشان يستعدوا هما وأهلهم، وقررت بعد الشغل تبلغ ياسر عشان تضمن حماية للكل، خصوصًا إن أغلب اللي رايحين حريم.
وصبت حور الورشة.
ديشا: صباحو، في إيه يا أسطى حور؟
حور: صباحو فل يا أسطى حور.
حور بابتسامة: صباحو عسل عليك يا ديشا، واحد قهوة وصايه وتعالى إنت وسبارس فوق، عاوزاكم.
ديشا بضحكة: تؤمري أمر، أحلى قهوة من عنيا.
حور: طيب يلا يا لمض بسرعة.
دقايق بسيطة مرت وطلع سبارس وديشا.
سبارس باستغراب: خير يا أسطى؟
حور بابتسامة بسيطة: كل خير، اعمل حسابك أنا وديشا والجماعة رايحين يوم الجمعة البركة.
ديشا بفرح: ينصر دينك يا شيخة.
سبارس بتفكير وصمت.
حور باستغراب: مالك يا سبارس، بتفكر في إيه؟
سبارس بشرود: ها، ولا حاجة، طيب مينفعش نأجلها شوية بس أكون دبرت الدنيا.
حور بتفهم: أه، فهمت. وبصت لديشا: يلا على الشغلانة، وأنا دقايق ونازلة وراك.
نزل ديشا وساب باب المكتب مفتوح زي ما اتعود طول شغله مع حور.
حور بهدوء: اقعد يا محمود.
قعد سبارس بهدوء وانصات شديد.
حور: بص، الرحلة دي طالعين نفك على نفسنا، وكلنا حريم في بعض، واللي شايل همه عيب، أظن كنتوا بتطلعوا أيام أبويا الله يرحمه ومكنش حد بيتكلم، الحجة هاتعمل كافيه شيئ، وأنا اتفقت مع سواق هياخد الجماعة بالميكروباص عشان العربية مش هاتشيل دول كلهم، أفراح يلا واتوكل على الله، كمل شغلك، داه يوم كل كام سنة بنخرج ونفكر عن نفسنا ونريح أعصابنا ونرمي غبار تعب الشغل اللي من مشرقها لمغربها.
سبارس باعتراض: بس يا أسطى مينفعش.
حور بحسم وإنهاء للكلام: مبصش، والكلام خلص يا ابني، إنت عدو الفرحة، افرح يا ابني وخلينا نفك بقى، ويلا خلينا ننزل نشوف أكل عيشنا، يلا يا أبا اتوكل على الله، يلا يا عم.
سبارس بابتسامة وهزة رأسها خفيفة: ماشي يا أسطى.
نزلت حور بعد ما غيرت هدومها لعفريتة الشغل، ونزلت بعد سبارس بدقايق وبدأت تشتغل وتشوف اللي وراها.
***
ياسر نزل الصبح وهو مخنوق، بس حاسس إنه أخد خطوة يريح عمه في تربيته ويريح تعبه وحمله اللي شايله ناحية بنت عمه وذنبها اللي في رقبته هو وأبوه.
ركب عربيته عشان يشوف مصالحه وحاول مرة واتنين، بس العربية بتقطع.
ياسر يزهق: اممم، اليوم باين من أوله، وخلك يا أمورة، إيه بقى، دانا شكلي هاتنفخ انهارده.
وفجأة سكت ثواني: أوبا، لازازي، عيب عليكي يا حلوة، وأنا معايا الأسطى حور بجلالة قدرها.
قال كلامه وهو بيطبطب على العربية وحاول لحد ما دارت، بس فضل طول الطريق تشتغل شوية وتقطع شوية لحد ما أخيرا وصل الورشة.
ياسر بضحكة: صباحو يا أسطى، الله ينور.
حور رفعت وشها من العربية اللي شغالة عليها: صباحو خير علينا وعليك، خير يا ابن العم، إيه الشقة اللي على ريق الصبح دي؟
ياسر وهو بيشاور على العربية: الحلوة عمالة تقطع بقالي ساعة بجيبها من بيتنا لحد عندكم.
حور: لاء، لو على الحلوة، بعون الله ساعة زمن وتاخدها عروسة.
ياسر: أنا قولتلها كده بردوا.
حور برفعة حاجب: قولت لمين؟
ياسر بلا مبالاة: للعربية.
حور بضحكة: ماشي يا عم.
وفعلا سابت اللي في إيدها وبدأت تشتغل في العربية بنفسها، وساعة زمن وكانت العربية زي الفل.
ياسر بحجاب مرفوع وعينين مبرقة: يابنت اللذينة، عملتيها إزاي؟ أنا قولت هتاخد اليوم بطوله.
حور برفعة حاجب واحد: ليه يا شبح؟ هو إنت جايبها عند أي حد؟ ولا إيه؟ دي ورشة الأسطى عامر، يعني أبو الشغلانة، يعني من بعده يتقال مش كل من رص صواني بقى حلواني.
ياسر: حيلك حيلك، كل الموشح ده عشان كلمتين بس، على كل حال، الله ينور، مايجيبها إلا بنت العم.
حور بابتسامة: تشرف في أي وقت يا ابن العم، إنت وعربية ابن العم.
ياسر بضحك: طيب ما تعلميني وتكسبي فيا ثواب.
حور بضحك وهي بتخبط كف على كف: ال بعد ما شاب ودوه الكتاب يا ابني، الله يرضى عليك، لا أنا عندي صبر ولا إنت هايكون عندك طوله بال، ده مشوار يا أبا.
ياسر بمرح: والله إنتي الخسرانة، دانا دماغي نضيفة وبتعلم بسرعة.
حور: اممممم، ماشي يا عم، ابقى تعالي وقت ما إنت فاضي واتعلم، الباب مفتوح للكل.
ياسر: أشطا عليكي، يلا أطير أنا، ألا إنت متأخر على الشغل وعمك هاينفخني عشان البضاعة، كان لازم أروح أشوفها بنفسي وهي بتتحمل.
حور بابتسامة: طريقك أخضر من الجنبين، ومسكت من غير مطبات.
وثواني وافتكرت: اللا بالحق، بقولك إيه.
ياسر بإنصات: خير.
حور: عاوزاك معانا يوم الجمعة، فضي نفسك.
ياسر بعدم فهم: عاوزاني في إيه؟ لا مؤاخذة.
حور بتوضيح: مرات عمك عايزة تفك وتغير جو، ورايحين البركة، واتفقت مع البنات يروحوا معانا، وكلمت ديشا وسبارس يجيبوا أهلهم، اهو تبقى خروجة مع بعض، وعلشان نقعد براحتنا يبقى معانا رجالة.
ياسر بتفكير ثواني وهو بيهرش في رأسه من ورا: تمام، هاتمشوا إمتى؟
حور: بص، هانروح بدري عشان المكان ميبقاش زحمة ونلحق مكان بدري على البحر ونأخد اليوم من أوله، يعني على ستة سبعة كده.
ياسر باستفهام: طيب، عربيتي وعربيتك هايقضوا الجيش الجرار ده؟
حور بتوضيح: لاء، ما أنا هاكلم عم عوض واتفق معاه.
ياسر بعبوس وش بتعبر عن عدم فهمه التام: مين ده؟
حور بضم شفايف: ده سواق جارنا عنده عربية سقف عالي شغالة في الموقف، هاتفق معاه ياخد أهل ديشا وسبارس، وأنا هاخد أمي وكام بنت على ما العربية تتحمل منهم، وديشا وهدير بعربيتها ومعاها باقي البنات، وإنت لو فاض حد تاخده معاك، أو ممكن ديشا وسبارس عشان أهلهم يقعدوا براحتهم وميتزنقوش، وكمان نحط اللبس اللي هانغيره والأكل وحاجتنا في عربيته بدل ما نبهدل الدنيا بالشيل والحط.
ياسر: تمام، هاظبط دنيتي وهاكون عندك من ميعادها وقبله كمان، أنا عندي كام حور، إنتي تؤمري وأنا أنفذ يا حوريه عيلة النصراوي.
حور بشرود: لسه فاكر؟ ياااه، كانت أيام.
ياسر بوجع مبطن: كان لقبك من أبوكي الله يرحمه من أول ما عينه جات عليكي ومن أول ما شوفتك وقالي دي بنتي حور، قولتله دي حوريه، نطقته أول ما يعني جات في عينك بدونها الغريب ده اللي متعرفيش هو أخضر ولا أزرق ولا أخضر في أزرق.
حور بابتسامة: إيه يا عم النحنوح؟ يلا يلا، طريق وسكة، هانرش ميه، يلا.
ياسر بفرح من تجاوب حور معاه: نحنوح، ماشي، مقبولة منك يا بنت العم، يلا سلام.
حور بتوديع: سلام.
واتجه كل واحد منهم لطريقه.
***
مرت الأيام سريعاً، وجه يوم الخميس.
حور رجعت من الورشة لقيت البيت مقلوب رأساً على عقب وصواني مالية البيت وكذا ست مع أمها، عرفتهم بسرعة.
دخلت بابتسامة: العوافي عليكم.
الموجودين بصوت واحد: الله يعافيك.
هدي بفرحة: بقولك يا بت، بصي، كلي لقمة وادخلي افردي ضهرك عشان إحنا سهرتنا صباحي.
حور بمطة شفايف: اممم، شكلها ليلة، أنا اللي جبته لنفسي.
أم محمود (سبارس): معلشي بقى يا أسطى، العدد في الليمون واحنا ورانا عمايل ياما.
أكدت على كلامها أم مصطفى (ديشا) بحرج: لامؤاخذة يا ست البنات، بقى كركبنا الدنيا، والله أنا قولت للست هدي نقسمه علينا وكل واحدة تعمل في بيتها وهي اللي مرضيتش وقالت بدل ما نبهدل ميت مكان، إيد على إيد تساعد وكلنا نعمل مع بعض.
حور بابتسامة صافية: والله عيب اللي بتقوليه ده، بيتكم قبل ما يكون بيتي، دانتوا جوه وأنا بره، يلا يا دب، اكل لقمة على السرية وادخل افرد جسمي شوية.
هدي: ماشي، غيري هدومك وأنا هاجيبلك صينية أكل عندك تاكلي وتريحي، وأنا هبقى أدخل آخد الصينية كمان شوية.
حور بهزة راس: ماشي يا قلب حور، لو عاوزة أي حاجة اديني بس حس وتلاقيني قدامك.
هدي بهزة راس: ماشي يا ضنايا، يالا إنت عشان نشوف اللي ورانا.
دخلت حور وبعد وقت قصير دخلت هدي وهي شايلة صينية أكل. أكلت حور وركنت الصينية جنبها وراحت في نوم عميق متعرفش سببه.
هدي وهي قاعدة قدام الفرن شارده، ويتظاع بينها وبين نفسها: يارب، بحقك جاهك يجبرك يا حور يا بنت بطني، جبر يفرح له أهل السما وأهل الأرض، يجبرك على صبرك ويعوضك ويرزقك باللي طيب جرحك زي نار الفرن يدخلها ني يطلع لديد، يارب.
وغمضت عينيها تكتم دموعها.
أم محمود: مالك يا أختي؟ شايلة طاجن سِتّك فوق راسك ليه؟
هدي بتنهيدة طويلة: مفيش يا حبيبتي، بدعي ربنا يجبر حور ويرزقها باللي يصونها.
أم مصطفى: إيه اللي حصل قبل جوازها بحبة؟ والنبي ده عين وصابتهم، ده الواد طول بعرض ويطلع من القلب الحزين شوكة.
هدي بوجع مكتوم: نصيب، والمكتوب على الجبين لازم تشوفه العين، الحمد لله، يلا خلينا نشغل، لسه ورانا شغل ياما.
الكل احترم سكوت هدي وكملوا عمايلهم، وكل قلب شايل اللي جواه لحد ما خلصوا بعد نص الليل بوقت طويل، والكل اترمي على الكنب من التعب وراح في النوم من التعب والإجهاد.
صحيت حور أول واحدة مع شروق الشمس وطلعت، وقبل ما تنادي بصت لقيت أمها راقدة على الكنبة وكل واحدة من الحريم على كنبة.
حور بضحكة مكتومة: يالهوي على منظركم، عامل زي حبال الغسيل الدايبة، طيب أعمل إيه؟ أصحيهم ولا أستنى؟
بصت في الساعة على الخيط، لقيت الساعة لسه خمسة ونص.
ومطت شفايفها: اممم، نصاية ولا ساعة، أقوم أصلي وأصحيهم عشان نلحق.
ودخلت أوضتها واستحمت واتوضت وطلعت صلت الضحى، وطلعت دخلت المطبخ لقيته مليان صواني: يالهوي عليا، أعمل كوباية قهوة كيف في المعجنة دي؟ دي عايزة لها شهر على ما تنضف، أحسن حل السبرتاية.
وسحبت الصينية والكنكة والقهوة والسكر ودخلت أوضتها، عملت كوباية قهوة وصايه وقعدت تشربها بمزاج رايق ودماغ صافية.
قطع لحظات خلوتها النفسية صوت مزعج ألا وهو الموبايل.
حور بملل: أصبحنا وأصبح الملك لله.
وفتحت شفايفها على شكل بوز بطة: اممم، خير يا بلوة حياتي.
شذا بشقاوة: صبح صبح، هامشي إمتى؟
حور: نصاية بالكتير، هاخلص قهوتي وأصحّي اللي نايمين مش حاسين بالدنيا.
شذا بفضول: مين ها؟ مين يا بت؟
حور: يابت، يخربيت برودك، إيه لوح تلج؟ أمي وجماعة جيرانا جايين معانا، كانوا بيجهزوا الأكل طول الليل.
شذا ببريق بيجري: اممم، أمك عملت إيه يا بت؟ يارب تكون عملت محشي، وياسلام لو معاها صينية مكرونة بالراميل ولا جلاش أو رقاق باللحمة، اممم، يالهوي.
قالتها وهي بتتخيل وبتبلع ريقها.
حور: يخربيت معرفتك يا شيخة، إيه بلاعة مبتشبعيش؟ يابت نفسي مرة تتكلمي في حاجة مفيدة غير الحشو والطفح.
شذا بضحك: يابت، أمك دي ولا أجدع شيف، طيب، وكتاب الله أمك لو فتحت مطعم لتقول باقي مطاعم يا بلد، أخ لو تطلع في التلفزيون دي تقعد الشيفات دول في البيت بالعك اللي بيطبخوه دي عليها نفس ولا الشيف شربيني.
حور بضحك: يخربيت عقلك، عك يا متخلفه، دي أذواق وكل واحد وعلى حسب ما بيحب، المهم جهزي نفسك وأنا هقوم أصحيهم ونعدي عليكي عشان هاعدي أجيب هويدا ونرمين معايا، وإنتي وهالة وهدير مع بعض.
شذا: أشطا، فوريرة وانط في اللبس.
دقايق وطلعت حور، ووقت في وسط الصالة وهي ماسكة غطيين حلل وسكعتهم في بعض جامد وبعلو صوتها: اصحووووووووو يا بشررررررر، الساعة ستة.
هدي قامت بخضة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إيه يا مقصوفة الرقبة؟ مالك بتجعري ليه؟
حور بضحك: بصحّيكم، دانتوا نايمين ولا نومة أهل الكهف، كل واحدة نايمة زي الفسيخة.
هدي مدت إيدها تجيب الشبشب.
حور بضحك: قلبك أبيض، بلا قوموا خلينا نلحق وقتنا، عم عوض قدامه نص ساعة وييجي، يلا شهلوا.
أومأت.
قام الكل بسرعة، هدي دخلت الحمام اللي في أوضتها، وأم مصطفى دخلت الحمام اللي في الصالة، وأم محمود دخلت الحمام اللي في أوضة حور.
وبسرعة كل واحدة غسلت وشها وطلعت صلت فرض ربنا، ودخلوا المطبخ.
هدي باستعجال: كل واحدة تاخد توك توك بسرعة على بيتها بسرعة تجهز عيالها، وأنا هارص الحاجات في الشنط وأجي في العباية بسرعة، يلا عشان تلحقوا تجيبوهم.
كل واحدة سمعت الكلام وطلعت بسرعة على بيتها، وخلال نص ساعة كان الكل واقف قدام بيت حور.
ركب أهل محمود وأهل مصطفى الميكروباص، ورصت حور وأمها الشنط ودخلت قفلت الأنوار وطلعت قفلت الباب الحديد بالمفتاح وحطت كلون كبير على الباب.
وركبت جنبها أمها، وركب ديشا وسبارس مع ياسر، وتحركت حور.
التليفون على ودنها.
شذا: اتحركوا وقابلوني على دخلة البلد، هاعدي على هويدا ونرمين بسرعة.
شذا: تمام، هاطلع أهو، مرحباً.
وطلعت شذا بعربيتها وعدت خدت هدير اللي سابت عربيتها وركبت مع شذا، وعدوا على هالة واتحركوا على دخلة البلد.
في الوقت نفسه، حور كانت وصلت وأخدت هويدا ونرمين واتحركت في طريقها للبركة.
لقبت في انتظارها عربية شذا، واتحركوا العربيات ورا بعض، وبعد مرور حوالي ساعة إلا ربع وصلوا لقرية بانوراما في البركة.
ونزلوا حور وياسر عشان يقطعوا التذاكر.
حور عدت الموجودين ولسه بتفتح الشنطة.
ياسر بشخطه: في إيه؟ بت معاكي حرمة ولا إيه؟
حور بعدم فهم: في إيه؟
ياسر بعصبية: لما تفتحي شنطتك وواقف معاكي شحط طول بعرض لو اتوزع يعرش بيتين، تبقى عيبة في حقي.
حور بتبرير: مش القصد يا ياسر، أنا مجاش في بالي، وثانياً مش عاوزة أكلفك العدد كبير، وأديك شايف بنفسك.
ياسر بص لها بغضب ومنطقش، طلع المحفظة وحاسب على التذاكر ودخل الجميع واستقر على البحر.
هدي بفرحة طفل صغير، سابتهم وطلعت الجزمة ونزلت تحط رجليها في المية.
هدي بضحكة: بت يا حور، المسة حلوة أوي وباردة.
حور بضحكة: طيب يلا نغير هدومنا الأول عشان متبهدلش.
اتحرك الحريم الأول، والرجالة انتظروا جنب الشنط والحاجات، وبعدها راح الرجالة تغير.
حور كانت لابسة مايوه بوركيني طويل محجبات، وكذلك شذا ونرمين وهويدا وهدير، ما عدا هالة بحكم إنها منتقبة، لبست مايوه مختلف عن الكل، أشبه بعناية بس من النوع الموتر بورف عازل المية، ولبست عليه خمار من نفس نوعه ولبست نقابها.
وياسر كان لابس مايوه رجالي عبارة عن شورت كحلي لحد الركبة ولابس عليه تيشرت بنص كم أبيض فيه رسومات باللون الرصاصي.
هدي طلعت الأكل ورصت الفطار، وكان عبارة عن فول بالسمنة البلدي وبيض مسلوق وجبن مختلف ما بين قريش ومش ورومي وقشطة وعسل أسود بطحينة وعسل أبيض، ومقطعة خضار وجرجير وعيش.
هدي بحنان أمومي صادق: يلا يا جماعة، بسم الله، ناكل لقمة قبل ما ننزل المية، بتجوع.
أول واحدة قعدت شذا: والله يا هدي، إنتي ما فيه منك اتنين، ياريت كل الأمهات زيك، بقولك إيه؟ ماتتبنيني، ينوبك ثواب.
حور بهزة راس: مفيش فايدة، مفجوعة وفضحانا في كل مكان.
قعد الكل واستقر، والكل شارك لقمة بنفس راضية وقلوب صادقة، ونزل بعدها الكل يجري على المية زي العيال.
وياسر احترام للحريم اللي معاهم نزل المية بالتيشرت، مرضيش يقلعه.
وفضل الكل فترة طويلة في المية يلعبوا ويعوموا.
وهدي وأم محمود وأم مصطفى اكتفوا إنهم قعدوا في المية على الشط.
وبعد وقت طويل قضوه لعب.
ياسر في وسط المية بص لحور وحب ينكشها شوية: بقول يا حوريه.
حور برفعة حاجب: يا نعم؟
ياسر بترقص حواجب: جاي ولا الدور الجاي؟
حور بسخرية: الدور دوري، تحب تجرب؟
ياسر: وماله، والخسران.
حور: آخره قطران، لحد فيني.
ياسر: لحد الحجر اللي هناك ده، رايح راجع.
حور باستعداد: آمين، يلا.
وبدأ الاثنين في تحدي، يقوموا قصاد بعض.
ياسر سبق حور في الأول بحكم فرق الطول.
حور خدت نفس ونزلت تحت المية، والكل استغرب وخاف من اختفائها.
محسش ياسر إلا وهي سبقاه وقدامه.
وفعلا، حور فازت على ياسر.
ياسر باستغراب: يابنت الأيه، عملتها إزاي دي؟ دي عم ها ما حصلت، واللي أعرفه إنك مليكيش أوي في المية.
حور بسخرية: مادام متعرفش خصمك، متتحدهوش.
وطلع الكل من المية بينشف نفسه، وكل واحد لافف حوالين نفسه فوطة.
واتحرك الرجالة عشان صلاة الجمعة، والحريم أخدوا ساتر وصلوا جماعة مع بعض بعيد عن العيون، وسابوا الأطفال جنب الشنط وحاجتهم.
وبعد الصلاة رجع الكل واتجمع وقعدوا يتكلموا مع بعض شوية، وفي منهم اللي نزل المية تاني.
وبعد العصر، هدي حطت الأكل ورصته.
شذا: أيوه بقى، هو ده الكلام، ياسلام يا سلام يا روايحك يا هدي.
وكملت بحسرة مصطنعة ودموع وشحتفة مش موجودين أساساً: يا بختك يا حور بتاكل كل يوم أكل يرم العضم، آآه يارب، ما خلتهاش أمي ليه؟ اهئ اهئ اهئ.
وشدت الطرحة وعملت نفسها بتنف فيها.
الكل ضحك على شذا وعفويتها ومرحها اللي بيقلب القعدة في لحظة وبياخدهم لجو تاني.
مر الغدا خفيف على الكل.
وبعدها قامت حور تتمشى شوية، لمحها ياسر ومشي وراها لحد ما اتأكد إنهم بعدوا مسافة آمنة.
ياسر بتردد: حور.
حور التفتت له: خير يا ياسر.
ياسر بقلق من اللي جاي: عاوزك في موضوع مهم.
حور بإنصات: خير، في إيه؟ حساك مش على بعضك وفي حاجة في جوفك، في إيه؟ مالك؟
ياسر: تتجوزيني.
رمى القنبلة مرة واحدة ووقف يتفرج على رد فعل حور.
حور بصدمة وهي بتحاول تستوعب الكلمة وبتكذب ودانها من اللي سمعته، وهزت رأسها واتملكت أعصابها بسرعة: بتقول إيه؟
ياسر بتكرار: تتجوزيني.
حور بهدوء مفتعل: ليه؟
ياسر بصبر: هو إيه اللي ليه؟ هو اللي عايز يتجوز بيتقاله ليه؟
حور بثبات تحسد عليه: لاء، بس ليه أنا بالذات؟
ياسر: بنت عمي وأنا مش صغير، ونويت أكمل نص ديني، وأنا أعرفك ومتربية على إيدي وإيد أبوكي الله يرحمه.
حور بوجع وكسرة جواها: لاء، أنا شايفاك أخويا، مش شايفاك زوج، خلينا أخوات وأولاد عم، جواز القرابة خرابة، بتهرب الدنيا وبتعمل مشاكل.
ولفت ضهرها عشان ترجع.
ياسر بجمود: ولا عشان اللي عمله جبل فيكي؟
حور بصدمة وبرقة عينين وخوف وترقب، اتلفتت له بسرعة زي اللي لدغتها عقرب، بس اتكلمت بجمود: قصدك إيه؟ اللي بيني وبين جبل خلص، إنتوا اتكتب كتابهم ومرتحتوش لبعض، فاتطلقوا، ولا أنا أولهم ولا آخرهم.
ياسر بجمود مساوي لجمود حور بل أشد: بس اللي أعرفه غير كده تمامًا.
وكمل بوجع وحسرة في صوته: ليه خبيتي؟ ليه سكتي؟ أنا عارف اللي ابن الكلب ده عمله فيكي.
حور بصدمة فقدت النطق لدقائق، وعينيها مبرقة بشكل مخيف ومركزة على ياسر اللي القلق من حاله حور وسكاتها خوفه أكتر.
حور بعد وقت قدرت تتمالك نفسها، بس صوتها خانها، طلع خايف ومهزوز: قـ قصدك إإيه؟
ياسر: إنتي عارفة وأنا عارف إنه دبحك بالحيا.
حور بعيون لمعة بغلالة دموع، غمضت عينيها تكتمها قبل ما تخونها، وفتحت تاني واتكلمت بغضب: مين اللي قالك؟ أمي؟
وبصت لأمها بوجع.
ياسر...؟
رواية تربية حواري الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم ولاء حامد
ياسر عرف في اللحظة دي إن حور فاقدة الثقة في كل الناس وأمانها وحصنها هي هدى، ولو نطق باسمها يبقى قضى على أي مصدر أمان ليها. هز رأسه بسرعة بنفي:
"لا مش أمك."
وكمل باستعباط:
"هي أمك تعرف اللي حصلك؟"
حور:
"بتستعبط؟ أكيد هي، لأن ليها كام يوم سيرتك في كل كبيرة وصغيرة، وهي اللي أصرت أجيبك."
ياسر بهدوء مفتعل:
"مردتيش عليا، أمك تعرف اللي حصل ولا لأ؟"
حور بصتله بصدمة وترقب، وقلبها قرب يقف من صعوبة الموقف، وصوتها طلع بخفوت:
"لو مش أمي، أومال مين؟"
ياسر بقوة:
"جبل."
حور بصدمة وشك:
"جبل؟ أمتى وإزاي؟ وامتى علاقتك بيه إيه؟ ولا تعرفه منين علشان يبقى في بينكم حكاوي توصل لموضوع زي ده؟"
ياسر قرأ الشك في عين حور وترجمه من كلامها:
"يوم الجمعة اللي فات، لما شوفته بيضايقك، روحتله البيت، خفت من كلام الناس في الحارة، واتخانقت معاه، وقولتله إن اللي بينكم خلص، ولو فكر يتعرضلك أنا هاقفله. قالي بصفتك مين أصلاً؟ قولتله ابن عمها وخطيبها. قالي اللي حصل محسيتش إلا وهو تحت رجلي ومكسور، وأبوه وصاحبه بيبعدوني عنه."
حور بصدمة قعدت على الرمل وسكتت، متكلمتش. وجعها كمية وجع رهيبة من خسّة وندالة جبل اللي وصلت لطريق صعب، حتى إنها تصدقه لو تستوعبه.
ياسر بهدوء:
"حور، انتي بنت عمي ولحمي ودمي وعرضي وشرفي، واللي حصل ميعيبكيش. ده كان غصب عنك، يعني انتي مغلطتيش ولا حتى كان بمزاجك عشان أحاسبك عليه."
حور أخدت نفس طويل وطلع مرة واحدة، وكأنها بتخرج معاه الوجع اللي طابق على صدرها:
"عارفة ومقتنعة بكل اللي بتقوله، وعشان إنك ابن عمي بقولك مينفعش. أنا سبق وقولتها لجبل وأبوه وأمه كمان. مش أنا اللي أتجوز للستر على ذنب معملتوش. وأنا بقولها دلوقتي، أنا مش هقبل أشيلك شيلة مش ليك، ولا ذنب مش ذنبك. إيه اللي يجبرك تحط على أكتافك عار غيرك وتحمل هموم مش همومك؟"
ياسر بعصبية:
"متتقوليش عار، انتي كنتي متجوزة يعني مش زنا. الفرق إنه حصل قبل الفرح، إنما انتي في الشرع والقانون متجوزة، فاهم؟ ثانياً، أنا قابل، انتي مالك؟"
حور بصبر تحسد عليه:
"وأنا مش قابلة. اللي حصل هيفضل حاجز بينا. لا انت هتقدر تنساه ولا تتخطاه. هييجي يوم وتتعب من الحمل اللي يشيل. شيلة زي دي؟ عاشق من قلبه رامي الدنيا تحت رجله وكلام الناس في كعب جزمته، فاهم؟"
ياسر بعند:
"لأ، مش فاهم ومش عايز أفهم. إيه؟ خايفة ييجي يوم وأعايرك مثلاً؟"
حور:
"ده أكيد هييجي اليوم. أنا وانت يا ياسر عاملين زي قضبان السكة الحديد، ماشيين مع بعض على طول، بس مستحيل يتقابلوا ويتحدوا. لأنهم لو اتحدوا معناه إن القطر هاينهار ويتقلب بكل اللي فيه."
ياسر:
"مستحيل. انتي بنت عمي وأنا قابل في حقك. الكلمة ويا ستي، العشرة بتعلم وبتخلق الحب. أبويا وأمي اتجوزها من غير حب. أبوكي الله يرحمه اتجوز أمك جواز صالونات. إيه اللي حصل يعني؟"
حور:
"اللي حصل إن لا أنا ولا أمك كانت ظروفهم زيي. هييجي يوم وتقابل اللي تحبها وتخطفك وتسرق قلبك من ضلوعك. متستعجلش الأمور. خليك في ضهري أخ، مش محتاجة حاجة أكتر من كده."
ياسر بتعب وإرهاق من كتر المجادلة مع حور:
"طيب فكر وخد وقتك. بلاش يبقى رفضك في نفس لحظتها. اقعدي مع نفسك وخذي وادي وفكري قبل ما تقرري."
حور:
"صدقني الموضوع محسوم جوايا. فكر بعقلك مش بقلبك. يلا خلينا نرجع ليهم، اتأخرنا عليهم."
ياسر هز رأسه بتعب من عند حور. بس حور سابته ورجعت في المكان اللي الكل متجمع فيه.
مر الوقت بسرعة.
والمل قاعد يتأمل في جمال الطبيعة.
***
عند يونس جاله مكالمة مهمة.
يونس بإنصات:
"أيوه."
الطرف الثاني:
"البنت اللي بلغتك أتابعها من بعيد حالياً هي وأهلها في قرية البانوراما في البركة، ومعاها ناس كتير أوي."
يونس:
"من امتى؟"
الطرف الثاني:
"من كذا ساعة، وبحاول أتصل بيك بس تليفونك مش مجمع شبكة."
يونس:
"كنت في موقع. طيب تمام، خليك هناك. وأنا أساساً في موقع قريب منكم، يعني بالكتير تلت ساعة أو نص ساعة وأوصل. يلا سلام."
قفل المكالمة وركب عربيته. وقبل ما يتحرك ركب مازن.
يونس بنفاذ صبر:
"إيه؟"
مازن:
"ورايا مشوار مهم."
يونس:
"آه، جاي معايا. أنا أصلاً جاي بعربيتك يا باشا. عربيتي عند المكتب بتاعي."
يونس نفخ بنفاذ صبر:
"لما مش راجع المكتب. أنا أريح. مشوار مهم."
مازن بنفس البرود:
" لازق فيك يا برنس. يلا اتوكل على الله."
يونس نفخ بنفاذ صبر وساق:
"عيل تنح وبارد."
مازن:
"ميرسي يا قلب مازن." (من معاميع جوه)
عدى الوقت ووصل يونس المكان اللي بلغه بيه الشخص اللي كلفه يتابع حور من بعيد.
مازن:
"يا ابن الـ... وكنت عايز تيجي هنا لوحدك؟ اخص عليك والله."
يونس مردش عليه وفضل يتلفت بعنيه لحد ما لمح حور وقرب منها مسافة كافية بحيث إنها متخدش بالها منه.
***
هدير:
"بقولكم إيه يا جماعة، ما تيجي نكسر الملل ده ونغير شوية."
هدي:
"هانعمل إيه يعني؟ هانطبل ونرقص وتبقى فرجة لخلق الله؟"
هدير:
"لأ، نلعب أي حاجة نغير الملل شوية."
شذا بسرعة:
"أنا معايا كوتشينة، تيجوا نلعب الشايب."
الكل رحب بالفكرة وبدأوا يوزعوا الورق، وكان البخت من نصيب حور. الشايب.
نرمين بخبث:
"اوبااا، وقعتي يا بيضا."
حور:
"اخلصي يا بت وبلاش أحكام مستفزة."
نرمين بترقص حواجب:
"عنيا يا حورية قلبي."
حور:
"الحكم تغني الأغنية اللي تعجبك."
حور بصتلهم بصدمة بمعني بتقولوا إيه.
نرمين بابتسامة:
"هو ده الحكم. يلا يلا يا قلب أختك، ما كانش يومك يا شابة."
حور بابتسامة بسيطة غمضت عينيها بتداري فيها الوجع، لأنها لما بتغني بتطلع كل وجعها في الغنا، وما كانتش حابة إنها تغني قدام أي رجالة. هي لما غنت قبل كده غنت قدام أصحابها وبينهم وبين بعض. فتحت عينيها والكلام انساب من لوحده على لسانها:
"ووجع عمال بيزيد ويزيد، والله أنا لو كان قلبي حديد كان يفنى ويصبح نار ورماد.
ودموعي تزيد وتزيد وتطفي حريق وتطفي لهيبو.
ووجع عمال بيزيد ويزيد، والله أنا لو كان قلبي حديد كان يفنى ويصبح نار ورماد.
والنار بتزيد وتزيد وتزيد، واتحول صبري يا ناس لوعيد.
والله أنا لو كان صبري جبال يتهد في لحظة ويبقى رمال يتداس ع الأرض أكتر م الوجع اللي أنا حاساه.
غدر الأصحاب وأسى الأحباب، الكي يدوس على وجعي بمداس.
مبقاش رحمة، الباقي أسي وعذاب.
ووجع عمال بيزيد ويزيد، وألم عمال بيعيد ويعيد من كل حبيب ومن قريب أو حتى غريب.
ووجع عمال بيزيد ويزيد، والله أنا لو كان قلبي حديد كان يفنى ويصبح نار ورماد."
خلصت الأغنية والكل مصدوم من صعوبة كل كلمة طلعت من بوق حور.
حور أخدت نفس طويل وحاولت تفك الجو:
"إيه؟ وحدوووه؟"
الكل:
"لا إله إلا الله."
حور:
"مالكم اتلمتوا كده ليه؟ زي اللي واكل سد الحنك."
شذا:
"أبداً، يمكن من خزان الأحزان اللي فتحتيه علينا. وبصت لنرمين: منك لله يا شيخة، كانت شؤم مهبب لما قولتي لها تغني."
حور بابتسامة وجع:
"يالهوي، للدرجادي الأغنية وحشة؟"
شذا بسخرية:
"كفا الله الشر. كنا عايزين قيمة عشرة خمسة عشر علبة مناديل كده، بس يمكن يقضوا."
حور:
"يلا مش خسارة في طيبة قلبكم."
نرمين:
"بتاع مين الأغنية دي يابت؟"
حور بشرود:
"مش بتاع حد. أنا بحب أدندن مع نفسي."
كل ده وهالة وهدير الاثنين باصين لحور وكل واحدة شارده في وادي تاني.
حور:
"بقولكم إيه، أنا هقوم أمشي رجلي شوية. قربت تقف من القعدة وحبست الدم جواها."
سابتهم ونفذت هدومها ومشيت شوية لحد ما بعدت مسافة كافية. شدت كرسي وقعدت على واحد وخلت رجليها على التاني وغمضت عينيها وبدأت تدندن مع نفسها، بس صوتها كان مسموع:
"واه واه واه واااه آآآآآه ااااه ااااه ااه.
واه واه واه واااه آآآآآه ااااه ااااه ااه.
واه يا عبد الودود واااه واااه من دي قلوب قاسية وخاينة.
واااه واااه والله مابينا الطيبة فيها مكتوبة عيبه.
وااه وااه وااه وااااه آآآآآه ااااه ااااه ااه.
وااه وااه وااه واااه آآآآآه ااااه ااااه ااه.
الغدر فيها اه اه اه والله ماليها ااااه اااه اااه اهمالناش فيها ااااه.
كلمة عيبه ولا ليها فيا سلامة نية.
وااه وااه وااه وااااه آآآآآه ااااه ااااه ااه.
وااه وااه وااه واااه آآآآآه ااااه ااااه ااه.
ضحكة وجع يا قلبي يا جدع.
تصدق بإيه؟ بتطلع بروحي مش بين شفايفي.
بترسم جروح في القلب والروح.
وكل جرح بيتملي شوك.
تفتكر هاينفع كيف وازاي وامتى وليه؟
أنا فين في دنيا الجروح؟ لاقي فيها طيب ولا لاقي فيها روح؟
وااه وااه وااه وااااه آآآآآه ااااه ااااه ااه.
وااه وااه وااه واااه آآآآآه ااااه ااااه ااه."
كل ده ويونس سامعه وهي مش عارفة بوجوده.
يونس قعد على كرسي قريب منها بس مداري نفسه تحت شمسية:
"آه من وجعك يا حور. إيه اللي جواكي؟ طيب أبدأ إزاي ومنين علشان أقدر أعرف اللي جواكي؟ كل كلمة كانت بتطلع من قلبك مشبعة بالوجع. وبعدهالك عاملة زي المتاهة اللي دخلتها ومش عارف أطلع منها. أجلك من أنهي شكة طيب؟"
فضل واقف فترة طويلة عينه عليها وشارد بعقله في محور حياته الحالي المتماثل في كلمة واحدة: حور.
ياسر قرب علشان ينادي عليها، لمح يونس وعينه على حور وسرحان فيها. وقف فترة يفتكر هو شافه فين، بس عقله مسعفوش.
أما عند مازن، فضل واقف متنح في شذا، خطفته بعفويتها وضحكتها وإنها تقدر تقلب أي موقف من النقيب للنقيض في لحظة. وقف لحظات وانتبه لنفسه واتحرك مكان ما يونس موجود.
مازن:
"يونس يا ابني."
يونس على نفس وضعه بص بعينه مكان ما يونس بيبص، لمح بنت جميلة جداً قاعدة وفرحانة مع نفسها. خبط يونس على كتفه.
يونس بعصبية طفيفة:
"إيه يا بني؟ في إيه؟ بتخبط كده ليه؟"
مازن برفعة حاجب:
"لأ والله، بقالي ساعة عمال أنادي وانت ولا أنا هنا. عينك مع الأخت إيه؟ نسيتك حوريتك ولا إيه؟"
يونس بهزة رأس:
"لأ."
مازن بمكر:
"ولو نسيتك، يحقلك البت تحلى من على حبل المشنقة. وبص ليونس اللي بيضحك."
يونس وهو بيبص على مازن:
"ايه يا بني؟ أنت شايف إيه؟"
مازن:
"أنا شايف واحدة بتخطف العين. بس مين دي؟"
يونس:
"دي حور."
مازن بصدمة وبفم مفتوح:
"ها؟ مين؟ معلش، لأحسن حاسس إن ودني بتصفر."
يونس:
"هي دي حور."
مازن بتبرق عينيه:
"يخربيت كده! دي شغالة ميكانيكي وواقفة وسط كوك رجالة وكل تعاملها مع الرجالة ومش خايفة منهم! دي جمالها يوقع أعتى الرجال! يخربيت كده! وأنا أقول نقطع السمكة ونضيلها. أتاريني كنت بوقع الكسر منهم. حظوظ."
يونس بحده:
"مازن، اضبط كلامك عنها، علشان صدقني في الموضوع ده بالذات ممكن نخسر بعض."
مازن بتفهم:
"ياسر! يارب من غيرتك العمياء دي! حافظها، أنا مليكش حل فيها. بس أنا مش قصدي، أنا قصدي إنها فعلاً معادلة صعبة. شغلة صعبة، واللي يشتغلها واحد قلبه ميت. إنما بنت وجميلة كمان في المجال ده، صعبة أوي. هاتكون مطمع."
يونس:
"حور غير بنت بألف راجل. ولو وسط مليون محدش يقدر يلمس طرفها. اسألني أنا اللي عرفته عنها يكفي."
مازن:
"ربنا معاك، بس خلي بالك الطريق مش سهل."
قطع كلامهم صوت من بعيد:
"حور يا حور، يلا علشان هانغير ونروح."
حور:
"تمام، أنا جايه اهو."
مازن وهو بيبص ليونس اللي العصبية واخداه نصيبه وزيادة:
"مين الأخ اللي جاي بقلب جامد وينادي باسمها ده؟"
يونس بتمالك أعصاب وهو كازز على أسنانه وضامم إيده بقوة لدرجة بروز عروقها:
"ابن عمها."
مازن بقلق من وضع يونس:
"يعني في مكانه أخوها؟ اهدا، أنا عمري ما شوفتك بالحالة دي. طول عمرك هادي وأعصابك باردة. إيه اللي حولك كده؟"
يونس غمض عينيه بتهرب:
"أنا مش عصبي، أنا بقولك إنه ابن عمها."
مازن:
"كزة سنانك وعروق إيديك اللي كانت هاطق دي؟ إيه؟ مش كبت غضب؟"
يونس قعد على الكرسي واتنهد:
"قلقان عليها طول هي بعيد عني. شغلها صعب ومخليها مطمع. صحيح إنها قوية ومستقوية ولسانها زي الكرباج، بس برضو في الأول والآخر ست. والكثرة تغلب الشجاعة."
مازن بتعقل:
"خلاص، مادام قلقان عليها كده، خد خطوة واتقدم رسمي."
يونس:
"ده هايحصل، آجلاً عاجلاً. بس الأول أشوف دنيتها إيه، لما تكون قدامي طول اليوم وأكون قدامها، أشوف مشاعرها، أشوف حياتها، أشاركها. والأهم أعرف إيه سبب حزن عينيها ده."
مازن:
"ربنا معاك ويقويك."
يونس لما اتأكد إنهم اتحركوا كلها والدنيا ليلت:
"يلا بينا، الجو بدأ يبرد جامد."
مازن:
"بالعكس، المكان تحفة والجو كمان تحفة."
يونس:
"يلا يا مازن، لو عايز تقعد اقعد، أنا هاروح."
مازن:
"يلا يا هادم اللذات، يلا نروح. عربيتي مش معايا."
ركب الاثنين، وطول الطريق يونس بيفكر في حور وإزاي هايبدأ معاها وهايوصل بيهم الطريق لفين.
مازن شارد في الضحكة اللي خطفت قلبه:
"ياترى انتي مين وحكايتك إيه؟ بتعرفي تقلبي أي لحظة لضحك. فيكي حاجة تشد، حاجة غريبة فعلاً. الحب زي القدر، وشكلك قدري يا بنت الـ... بس حظي يبقى نحس لو طلعتي متجوزة ولا مرتبطة. بس أعرف الأول انتي مين وإيه حكايتك."
بص ليونس اللي سايق ومش حاسس بالدنيا:
"شكلك على حق يا يونس، الحب قدر بيخطف خطف."
رواية تربية حواري الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم ولاء حامد
حور روحت وفي طريقها وصلت البنات، كل واحدة راحت لبيتها. اتأكدت إن كل واحدة دخلت بيتها، واتحركت لبيتها مع أمها. أخيرًا وصلت، كان الوقت نص الليل.
حور بتعب: يا الله! على قد ما كان يوم جميل، بس تهد من امبارح لحد دلوقتي. الواحد فصل شحن. يلا يا أمي خلينا ندخل الحاجات دي ونفرش جدتنا شوية، أحسن أنا حاسة إن عضمي عدي عليه قطر.
هدي: والمواعين دي كلها هنسيبها كده؟
حور بإرهاق: الصباح رباح يا أمي. مش هاياكلها كلب لو باتت للصبح. أنا هاموت وأنام. مش قادرة حتى أفرد إيدي عشان أقعد كام ساعة أغسل تل المواعين ده كله وأروق البيت اللي عايز معجزة. ننام ونريح جدتنا، والصبح نقوم نعمل اللي ورانا.
هدي بعدم اقتناع: مش هعرف أنام والبيت يضرب يقولي: "يا بت ربنا يكفيكي شر كفّي المواعين، روحي نامي ومالكيش صالح بيه".
حور بتعب من المناهدة: يا أمي الله يرضى عليكي، أنا عارفة دماغك. بس بالله عليكي يا شيخة، مرة من نفسي تريحيني بدل وجع القلب ده.
هدي بنظرة تفكير وبتقلب الموضوع في دماغها.
حور: طيب خلينا ندخل الحاجات وندخل بدل وقفتنا في الشارع كده.
قبل ما ترد هدي، كان صوت ياسر سبق: خير يا مرات عم، واقفين ليه كده قدام الباب؟ مدخلتش لحد دلوقتي؟
هدي بهزة راس وابتسامة بسيطة: ولا حاجة يا ضنايا، دانا كنت لسه هانزل الحاجات مع حور ندخلها عشان نشوف اللي ورانا.
ياسر بعدم فهم: إيه اللي وراكم؟ الكل روح مكسح من التعب وما يصدق يطول السرير.
حور بصت لأمها برفعة حاجب، وكأنها بتقولها: "صدقتي معايا".
هدي ودت وشها الناحية التانية وسكتت.
ياسر بص للاثنين: طيب يلا ادخلوا، وأنا هدخل الحاجات المدخل عشان الوقت. آخر وقفتكم كده متصحش. يلا، الدنيا عتمت من بدري.
دخلت حور ووراها أمها، ودخل ياسر الشنط ومشي.
حور: يلا يا أمي ندخل الشنط دي المطبخ وندخل نستحمى من ميه البحر ونفرد جدتنا شوية. إلا جسمي بينقح عليا من التعب.
هدي قعدت على الكنبة: بس والنبي كان يوم حلو. وأهو يوم كل كام سنة، يا عالم بقى باللي جاي.
حور بهزة راس وضمة شفايف: اممم. هو من ناحية حلو، حلو مفيش كلام. واللمة والهيصة، بس التعب جامد أوي. هريه وهده.
هدي: عندك حق، بس شوية الهوا اللي يردوا الروح دول غسلوا الواحد من كل التعب. وميه البحر تحسي كده إنها بتفك عضمك من التعب.
حور بابتسامة: طيب يلا نريح بقى، لحسن أنا هنام مكاني وأنا واقفة.
هدي: طيب يلا خلينا ننفض الملح اللي على جدة الواحدة دي، يا أختي. عمال ياكل زي الفاش.
دخلت حور أوضتها وطلعت غيار ودخلت استحمت. وأول ما حطت راسها على المخدة، فكرت إنها هاتروح في النوم. ولكن سلطان النوم أبعد ما يكون عنها، وأحداث الكلام مع ياسر كلها بتدور في دماغها زي شريط الكاسيت.
حور بسرحان: وبعدين المستور بدأ يتكشف يوم بعد يوم. ياترى هايتستر بين اللي يعرفوه بس، ولا هايتقل على البطون وتنفض اللي في جوفها في يوم؟ وبعدهالك يا ابن ثريا، شكلك مش هاتجيبها لبر. عيونها دمعت ونزلت الدموع زي ميه النار تكوي على وشها. وبعدين يا بنت عامر، عمرك لا كنتي ضعيفة ولا جبانة، ولا عمرك استخبيتي وداريتي. امتى ضعفتي كده؟ ليه سمحتي لكلب زي ده يكسر عينك؟ دانتي قويتي في عز ضعفك ووقفتي على رجلك وقولتي "لا". مقبلتيش بالكسرة وإنك تتجوزي وإنتي عينك مكسورة. طول عمرك رافعة راسك ومنخيرك في السما. يابنت عامر، وقفتي في عز ضعفك وسدّيتي مكان أبوكي بألف راجل أقوى. وأوعي تضعفي والموضوع ده مات، اتدفن وخدتي العزاء فيه. ولو اتفتح تاني يبقى فتح على نفسه نار جهنم اللي هاتحرقه هو وأهله. أيوه، ارجعي حور القوية، حور القادرة. حور الضعيفة دي مش توبك ولا وئمك ولا مقامك.
خلصت كلامها مع روحها وغمضت عينيها براحة شديدة، وسحبها سلطان النوم على بساطة.
***
أما هدهد الجناين، بعد ما استحمت، اطلعت وبصت على بنتها. لقتها نايمة. قفلت الباب بالراحة وطلعت على المطبخ.
هدي: استعنا على الشقا بالله، يا معين يا رب.
بدأت ترتب المواعين: الحلل فوق بعضها، والأطباق فوق بعضها، والصواني فوق بعضها، والكوبيات والمعالق. وبدأت تغسل المواعين اللي خدت منها ساعات. ورجعت رصت كل حاجة في مكانها. وبدأت تغسل البوتاجاز وحيطان المطبخ والأرضية. خلصت وأذان الفجر بينادي بنداء الرحمن. قامت وغيرت هدومها، وصلت فرضها. ومع كل ركعة تدعي لحور براحة البال والزوج الصالح اللي يقبلها ويكون ضهر وسند ليها. وسلمت وحست براحة شديدة ودخلت نامت قريرة العين.
***
ياسر وصل بيته وهو همومه زايدة فوق كتافه. كانت نعمة في انتظاره.
ياسر بهدوء: مساء الخير يا أمي.
نعمة بعصبية: ومنين ييجي الخير، وانتا عامل خدك مداس تحت جزمة بنت هدي، عمالة تدوس عليه وتفعص. يا ابن عابد.
ياسر: حيلك حيلك يا أمي، في إيه؟ للموشح ده كله؟
نعمة بزعيق: بتسألني يا ابن بطني، مانتش عارف اللي جرا؟ سايب بيتك وحالك ومالك ومشاغلك، وطالع تجري ورا السنيورة تحميها وعاملها زي الغفير الأجري؟ منين ما تروح تروح تحروسها.
ياسر بنظرة حادة ومترقبة: وماله يا أمي؟ ماهي بنت عمي، يعني لحمي ودمي. وإنتي بذات نفسك كنتي في يوم من الأيام عايزاني أتجوزها، واقنعتي أبويا إنك يتجوز مرات عمي. يبقى إيه اللي جد وقلبك قلبه اللي لا عالبال ولا عالخاطر؟ ماهو الموضوع كده فيه إنا.
نعمة بتردد وخوف من شك ياسر اللي باين في كلامه، ومن تصرفات عابد اللي ليها فترة مش مظبوطة معاها، قالت أول حاجة جت في بالها: "ولا إنا ولا نونا يا عين أمك، كان زمان يا ابن عابد، وقول الزمان ارجع يا زمان".
وكملت ببجاحة: كان قبل ما تنيمني في التخشيبة وتدخلني الكركون وتفتح قرنك وتبهدلني وتبهدلكم، قبل ما تنصب على أبوك وتسرق شقايا ونور عنيا. عرفت من إمتى؟
ياسر بخبث: ومين اللي زن من البداية؟ أبويا؟ وكان حاطط إيده على كل الورث، وعمي عمره ما قال بم، ولا ليا ولا ليك. إنتي اللي نارك قامت بشرارك بعد موت عمي الله يرحمه، وفضلت تزني على نفوخنا عشان المال. وكأني وماني، يبقى متجيش تقولي عملت وسوت. إنتي عملتي الأسوأ. إنتي خدتي بيتها وشغلتيها هي وبنتها خدامين، حتى فرشتها خدتيها تنامي فيها. وداه لا كان يصح ولا ينفع. ولو كانت عملتلنا قعدة عرب، كنا ركبنا حق وكعّينا دم قلبنا، الطاق عشره.
نعمة بصراخ: ومشفتش غليلي من بنت الرفدي دي! وكملت بصراخ أعلى أشبه بالجعير: إيه عينتكم إفوكاتوا عنها؟ بنت هدي عمالين تحاملولها وتشموا وتلموا فيها، إنت وأبوك. فوق يا ابن بطني، فوق وبص لروحك في المراية على الغرز اللي لسه معلمة فيه من مرا فوق، وافتكر كسرتي أنا وإنت وأبوك لما دخلتونا القسم وبهدلتنا، وبوسات إيديها عشان تتنازل. لو نسيت، أفكرك. أصلي منسيتش ولا هانسى. ويمين مرا ما يمين راجل، ما فوتها في حالها إلا لما أكسرها وأجيب رأسها تحت رجلي، ولو كانت آخر حاجة أعملها في عمري، إني أشوف هدي وبنتها مذلولين.
ياسر بصدمة: إيه الشر اللي مالي قلبك ده كله؟ ليه عملولك إيه؟ وأوعي تقولي ورث، لأنك أدرى الناس إنهم اللي كان ليهم حق. وبرضه، أوصي تقولي عشان القسم واللي جرا، لأن الغلط بدأ من عندنا، يبقى إيه؟
نعمة بوجع: شر ده كره. دانا بدعي أشوف كل الوحش اللي في الدنيا يصيبها هي وبنتها، بحق كل وحش عملته فيا.
ياسر بعنين مبرقة: ليه؟ لييييه؟ عملت إيه لداه كله؟ رسيني عشان أبقى على نور، مش ماشي على عمايا في الضلمة. اضبط.
نعمة بصت وسكتت.
عابد قام من النوم وطلع على صوت الزعيق اللي خرم ودنه، وبصوت عالي: إيييه؟ في إيييه؟ صوتك عامل زي سرينة الإسعاف، جايب آخر الشارع في أنصاص الليالي.
ياسر: مفيش يا حاج، أمي كانت قلقانة لما اتأخرت بره بس وسهرت تطمن عليا.
عابد بهزة راس: ماشي يا ابني، حمد الله على السلامة. يلا ادخل اتشطف من ملح البحر، لا يهري جدتك وأفرد طولك عالسرير شوية.
ياسر هز رأسه من سكات وسابهم ودخل أوضته.
عابد اتلفت لنعمة بشر: عارفة يا بنت الدلالة، يمين يحاسبني عليه ربي يوم اللقا العظيم، يوم ما تمسي حريم المرحوم أخويا بسوء، لخفيكي من على وش الأرض. وغلك اللي جواكي هو اللي هايموتك. هايفضل السم يكبر ويكبر لحد ما يسم بدنك ويريح الناس من شرك. أنا صاحي من بدري، وكل اللي طرطشة حنكك سمعته وخرم سرسور ودني. خليكي فاكرة، أنا في الأذية، إبليس يضربلي تعظيم سلام. كني وعيشي عشان ابنك الراجل اللي مبقيني عليكي، وإلا من مكان مجبتك أرجعك، وبطولك وبالهدومة اللي عليكي. خليكي فاكرة الكلمتين دول، وحطيهم زي الحلقة في ودنك، عشان متنيش وأعيدهم. لآني لو عدتهم، هاعيدهم فعل مش قول.
وسابها واقفة تغلي ودخل أوضة ينام، ولا كان شي حصل، ولا كان قعدت نعمة مكانها على الكنبة وهي عمالة تغلي وتهري في روحها، وتحلف وتتحالف بالأذية لهدي وبنتها.
***
صبح الصباح، فتاح يا عليم، يا رزاق يا كريم، ارزقنا خيره، ويكفينا شر النهار وما يأتي فيه. قامت حور من النوم وهي بتردد الكلمة اللي دايما تسمعها من أمها، وقبلها أبوها الله يرحمه، وبصوت مسموع ولكن مش عالي: "يا أمي يا هدي، إنتي لسه نايمة؟" وبتأول وراكي وراكي.
بصت يمين وشمال، مسمعتش صوت أمها. "امممم، شكلها لسه نايمة. مهو ليها حق الصراحة، دي واخدة يومين فحت وردم. أدخل أنا أشطب شوية مواعين قبل ما تقوم."
دخلت المطبخ، وكانت الصدمة. خبطت على صدرها بشهقة: "هاااا! يالهوي! عملتيها يا هدي؟ برضه مفيش فايدة فيكي. في جدتك نار قايدة. لو بيتي طبق في الحوض، دي الولية اتكسحت من أكوام المواعين اللي كانت معانا. يالا الحمد لله نفدت منها." وطلعت الصالة، بصت على الساعة: "امممم، لسه بدري، دي الساعة مجاتش عشرة. أتوكل على الورشة، أطل عليها وأشوف اللي ورايا." وفعلاً دخلت أوضتها وغيرت هدومها بسرعة، وطلعت خدت مفاتيح العربية في طريقها للورشة. ولكن افتكرت حاجة في طريقها خلتها حادت من طريقها.
***
يونس في شقته معاه مازن، قاعدين ساكتين.
مازن بمرح: وحدووووو!
يونس بشبه ابتسامة: لا إله إلا الله.
مازن: محمد رسول الله. إيه؟ هانفضل قاعدين نبص على بعض كده كتير؟ إيه نويت على إيه؟ طول الليل تتقلب زي اللي نايم على شوك، وعينك ماشفتش النوم.
يونس: بفكر.
مازن بتعقل: في حور بردوا؟
يونس بهزة راس: آه، حور لغز كبير أوي. عاملة زي المتاهة اللي دخلتها ومش عارفة أخرج منها. كل ما أقول قربت، ألاقي نفسي ببعد أكتر. ولسه بدري جواها، وحياتها لغز كبير مستخبي جواها. محدش عارفه. جواها طريقة كلامها مع ابن عمها إمبارح، بتقول إنها بتتكلم في حاجة كبيرة وحاجة مهمة. عرفت إن من كام يوم إن طليقها اتعرض ليها، وابن عمها شد معاه. في لغز ولغز كبير أوي في حوار طلاقها. الواضح إنه ندمان، وهي باين إنها كارهه. تفسره بإيه؟
مازن بتفكير: ممكن يكون عمل حاجة كبيرة، والأكيد إنه هو اللي غلطان، وإلا ما كانش يلاحقها في كل مكان يخطب ودها ويراضيها.
يونس بإنصات وتفكير: فعلاً، بس إيه هي الحاجة دي؟
مازن: الإجابة عندها، أو عنده على ما أظن. ابن عمها ممكن يكون عارف السبب بردوا، والدليل إنك بتقول إنه اتخانق معاه عشانها.
يونس بتروي: هيبان كل شيئ، وليه أوان لسه أوانه مجاش.
مازن: طيب، وإنت ناوي على إيه الفترة اللي جاية؟
يونس بابتسامة جانبية وبصة وسكت.
***
عند ياسر، دخل أوضته ودماغه عاملة زي زحمة السوق. من ناحية كلام هدي بيتردد في ودانه، ومن ناحية كلام حور ورفضها القاطع لطلبه، بالرغم من إنه وضح لها وشرح لها موقفه. ومن ناحية كلام أمه وكرهها الغير معروف سببه لمرات عمّه وبنته. الموضوع مش موضوع مال، الموضوع أكبر من كده بكتير أوي. بس إيه هي الحكاية؟ هايتجنن ويفهم. ومن ناحية موقف أبوه اللي اتغير من الشرق للغرب ناحية بيت عمّه. ومن ناحية خوف اللي اتملك قلبه إن جبل زي ما نطق وبجح فيه، يقدر يتكلم ويفضح حور، وهو مش هايسمح لداه إنه يحصل أبداً، حتى لو حكمت إنه يقطع لسانه مدى الحياة ويعيش آخرس. غمض عينيه بتعب وهو عمال يهزها، بيحاول يطرد كل الأفكار اللي بتدور في دماغه. حس بصداع رهيب. قام منطور وطلع من أوضته. كانت أمه لسه قاعدة مكانها، ومنظرها يغني عن أي كلام. موجهلهاش أي كلمة. واتحرك يفتح الباب، بس هي لمحته.
نعمة بسرعة: رايح فين؟ أكي، رايح للي ما تتسمى صح؟ طالع تتسحب ورايح في أنصاص الليالي ليها تتذللها صح؟
ياسر غمض عينيه وفتحها بصعوبة من الصداع اللي هايفرتكها: لاء، مش صح خالص، لأنه مش من الأصول أروح لولاي بيتها أنصاص الليالي زي ما بتقولي، ولا إيه؟
نعمة: أومال رايح فين؟
ياسر بصبر يحسد عليه: لو بغيتي هتلاقيني بهدوم البيت، وأنا مبطلعش بيها بره البيت. طالع غيه الحمام بتاعتي.
نعمة: دلوقتي طالع المخروبة دي، أنصاص الليالي في العتمة والدنيا كحلي.
ياسر خد نفس طويل وطلعه بصعوبة مرة واحدة: هانور النور، أمي، مش هاطلع أضبط.
وسابها واقفة مكانها وطلع قعد في تاني أكتر مكان بيرتاح فيه، ومع تاني كائن حي بيرتاح معاه. لأن أولهم بيت ربنا اللي عوده عليه عمّه عامر الله يرحمه، وأول كائن حي كان بيرتاح معاه هو برضه عمّه عامر الله يرحمه. فضل قاعد ساكت وواقف يبص للحمام بهدوء.
اتنفض لما حس بإيد بتبطبط على كتفه.
عابد: أهدا، ده أنا.
ياسر: غريبة! فكرتك نمت بعد الخناقة.
عابد قعد جمبه وهز راسه: لا، كنت صاحي وحسيت بيك. قولت اطلع وأسألك مالك؟ إيه اللي صابك؟
ياسر بتعب: ولا حاجة. محتاج أفهم. حاسس إني عامل زي الأطرش في الزفة.
عابد بتفهم: عايز تفهم إيه؟ مطير النوم من عينك ومخليه مجافي فراشك.
ياسر بصّله بعمق: كل حاجة. كرهك لعمي، مع إني عمي، ما حسيت من ناحية ليك بأي حاجة وحشة. كره أمي اللي ملوش سبب، وإصرارها على أذيتهم بأي شكل كان. ليه؟
عابد اتنهد بتعب واتكلم بكسرة ووجع حقيقي: أنا عمري ما كرهت عامر، بالعكس. عامر الله يرحمه طول عمره يتخب عشان كان جدع. كنت بغير منه عادي زي أي أخوات في الدنيا. أنا حبيت التجارة من أبويا، وهي كان مهووس بكل حاجة مقفولة. مكانش يرتاح إلا لما يفكها مسمار مسمار ويركبها تاني، ولازم يتأكد إنها اشتغلت. ودخل كار الميكانيكا. عارف إن عمك خريج هندسة، مش دبلوم زيي.
ياسر بصّله بصدمة: نعم؟ يعني عمي الله يرحمه كان مهندس؟ طيب وليه مشتغلش بشهادته؟ وأكيد وقتها الشهادة كان ليها قيمة.
عابد: فعلاً، كان ممكن يشتغل بيها، بس كان دايماً يقول: "أنا حر نفسي، مبعرفش اشتغل وأنا متكتف. الميكانيكا مش حبر على ورق أشرحه للطلبة، ولا حد يستغله عشان يعمل من وراه قرشين. كل عربية وليها سرها، والذي يعرف سرها عشان يكشفه ويحلها. مفيش عربية بتموت، العربية بتعيش، بس عايزة اللي يفهمها". كان مغرم بيهم، ويمكن ده السبب اللي خلاه البريمو في شغله. وسيطه اللي بقى زي الطبل ومسمع من شرق لغرب.
ياسر بحيرة: طيب ليه كرهته؟ ليه قاطعته سنين وسنين، مع إنه كان دايماً يخطب ودك؟
عابد بتهكم من روحه: الشيطان لما يتجسد في بني آدم، أصعب منه لما يوسوس.
ياسر بصّله بعدم فهم، وتعابير وشه بتدل على كده: يعني إيه؟ ومين الشيطان اللي اتجسدلك ده وخلاك تكره أخوك الوحيد؟
عابد غمض عينيه كأنه بيهرب من اللي حصل: أمك. من يوم ما خطت البيت ده، وكان عامر فيه، وهي كانت بتتعمل توقع بيني وبينه. ووصلت لأبويا الله يرحمه، بس أبويا كان تاجر، بيعرف يقرأ الناس أوي. كان بيسيبها تهبل بكلامها ويرميه تحت رجله ويدوس عليه بجزمته. لحد ما عامر اكتفى من المشاكل وقال: "انفد بجلدي". يومها أبويا الله يرحمه، قوم البيت قيامة مقعدوش، ومرتاحش إلا لما عمك صرف نظر عن اللي في دماغه. وفضل وراه يزن على دماغه إنه يتجوز. كان ساعتها الورشة دي صغيرة. ولعلمك، مرضاش أبويا يدفع قرش فيها. كان بيشتغل عند الناس عشان يحوش حقها، وفرحته يوم ما فتحها كأنه ملك الدنيا وما فيها. مع إنها كانت على قدها، وبقى الكل يضرب كف بكف، إزاي ابن النصراوي يشتغل عند الناس، وإزاي يفتح ورشة على قدها كده. بس عمك كان دايماً يبص لقدام، مش تحت رجليه. وأبويا مستسلمش، بنا له الدور التالت وصبه، وخلى الصنايعية تشتغل فيه. وفي أقل من شهرين تلاته، كانت الشقة جاهزة من مجاميعه. ويوم ورا يوم، سيدك يكلم عمك في حوار الجواز، وأمك نارها تغلي وتقول: "لسه بدري"، وميت هاترضى بميكانيكي بفوطة مشحم ومزيت؟ وبابا يقول: "ده راجل من ضهر راجل، طالع لأبوه، بدأها من الصفر، ومعتمدش على عيلته ولا اسمها ولا فلوسها، وألف مين يتمنى يناسبه". يروح رمح لحد ما في يوم عمك قال: "خلاص، لقيتها بنت الحلال". وفعلاً جدك يومها الدنيا مساعتهوش، وعرف هي مين وبنت مين. كانت لسه هدي بنت 16 سنة، وراح لأبوها وخد ميعاد. وضحك للذكرى اللي مرت بباله.
ياسر باستغراب من تحول أبوه المفاجئ: وراها إيه الضحكة دي؟
***
ياترى الضحكة دي وراها إيه؟
وياترى حور رايحة فين؟
وياترى يونس هايعمل إيه؟
هانعرف في الحلقة اللي جاية.
رواية تربية حواري الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم ولاء حامد
ياسر بص لإبوه باستغراب من تحوله المفاجئ: إيه سبب الضحكة دي؟
عابد بابتسامة كأنه رجع تاني لأيام بيتمنى تعود: سببها فرحة جدك، كأنه عيل صغير. فرحة مشفتهاش في عينه حتى يوم ما ابنه البكري قاله اتجوز. أصله بيني وبينك رفض أمك وكان مصر إنها متستحقنيش. وفعلاً كان عنده حق.
ياسر بصدمة: قصدك إيه؟
عابد بتنهيدة: اصبر على رزقك، وهتعرف كل حاجة. كل جاي جاي. المهم يا عم ياسر، جدك يومها حدد ميعاد إنه يروح بعد صلاة العشاء عشان يخطبوا له البت اللي عجبته. وجدك يومها فضل قاعد قدام الساعة يعد الثواني. وكل شوية عشان يلهي روحه يطلع يشتري شوية حاجات. ولما أسأله يقولي: "عشان لما ندخل على الناس لازم ندخل شايلين ومحملين اللي يليق بينا وبيهم". ويرجع يبص في الساعة. لحد ما آخر اليوم كان جايب شوية وشويات. ساعتها كان عندنا العربية الأوبل الحمرا، فاكرها؟ مكنش فيه بقى تكاتك وعربيات كتير. اللي كان عندهم عربيات في البلد كانوا يتعدوا على صوابع الإيد.
ياسر بضحكة: آه، دي كانت حتة عربية ملهاش حل. ياما عملت بيها مصايب. واللي كان يصلحها ورايا عمي الله يرحمه.
عابد بابتسامة: فعلاً كان بيحبك أوي، الله يرحمه. المهم يا عم، الوقت جه. وجدك طلع يجري زي ما يكون شاب ابن تمنتاشر، مش راجل عجوز. كان عمك يا دوب لسه داخل من الورشة، شده من إيده وخلّاه دخل استحمام. وكان جايب له لبس جديد وأصر يلبسه. وهو، الشهادة لله، كان نزيه، يحب يلبس ويهتم بروحه. وكان أي حاجة يلبسها كانت تديله طلة وهيبة. كأنه هو اللي بيحلي اللبس، مش اللبس اللي بيحليه. المهم جدك كمان لبس العباية الكتان بتاعته، ودي مكانش بيطلعها إلا في الأعياد. وعليها الحرام الصوف الأسود. وعليهم عباية بلدي سودة كان جايبها من الحجاز زي الخلايجة. ولبس واتقمع وطلع. كنت لبست أنا وأمك ولقينا كميات حاجات كتير أوي ملت شنطة العربية وزيادة. وروحنا. وطول الطريق الضحكة شاقة حلقهم الاثنين. وأمك قاعدة تغلي على مراجل من نار. المهم روحنا. والراجل، الشهادة لله، تحس براحة كده من الطّلة في وشه. وإخواتها باين عليهم الود والاحترام. ودخلنا. وشوية ودخلت صبية صغيرة، بس خطفت عين الكل. كانت حلوة أوي أوي وعنيها خضرا زي البرسيم وكحيلة.
ياسر بضحكة: الشهادة لله، هي لسه حلوة لحد دلوقتي. تحس كده إن الزمن مبيعديش عليها.
عابد: فعلاً، طول عمرها حلوة وعايقة ونضيفة. المهم جدك شافها ومرة واحدة نطق بصوت عالي: "الله أكبر". وبص لعامر وضحك. وعامر اتكسف ووشه احمر زي البت المستحية. وهي كمان اتكسفت. والكوبايات كانت هاتقع من إيديها لولا أخوها لحقهم. يادوب شوفناها كام دقيقة وطلعت تجري من الأوضة مكسوفة من كتر بحلقة جدك فيها. بعد ما طلعت جدك رأسه ألف بُلغة قديمة. لازما يتفق ويقرا فاتحة. والناس بقت تبص لبعضها من جنانه. وبصراحة جدك كان ليه اسمه وشنه ورنة. المهم اتفقوا وجينا البيت. والنار قادت في البيت حريقة من أمك. وكل اللي طالع عليها وعلى لسانها: "أبوك قال، أبوك عاد، أبوك سوا. واحنا قليلين؟ آه، مستقل بينا أكمننا فقارا؟ وكأني وماني ما علينا".
عدت الأيام بحلوها ومرها. واتجوز عمك. والنار قامت وقادت. وأمك متوصتش. كل يوم تطلع عين هدي. والبت غلبانة، لا بتتكلم ولا بتشتكي. بس اللي ظهر وبان نضافة البيت اللي يشف ويرف من النضافة وريحته حلوة. والأكل اللي تاكل منه متشبعش. فضلوا كده كام سنة. وكانت هدي مخلفتش. وجدك وعمك ودوها لدكاترة. يا ما حتى في مصر مكانش فيه لا تحاليل ولا دياولوا. كان لسه الطب على قده. وكانت أمك خلفتك. كنت لسه لحمة حمرا. أصلها سقطت قبليك مرتين. لحد ما في يوم عمك كان راجع من الورشة بدري قبل ميعاده. ودخل لقي أمك مشغلة هدي خدامة في البيت. وزاد وغطى إنها كانت بتمد إيديها عليها. يومها عمك شد مراته وقال لأمك: "ليكي راجل يتحاسب عنك، أصلي لا بعاتب نسوان ولا بمد إيدي عليهم". وشد مراته وطلع. ولما جيت أمك طبقت مبدأ: "ضربني وبكى، وسبقني واشتكى". وفضلت تعيط وتتشحتف وتشكي وتبكي لحد ما ملت دماغي. وطلعت من عندها وناري قايدة: "إزاي مراته تبهدل مراتي؟ وإزاي هو يمد إيده عليها؟" ويومها جدك طلع من المحل على حسنا العالي اللي سمع الشوارع اللي جارنا. ووقف عمك بعين قوية قالي: "مراتك كدابة. أنا مراتي من يوم ما اتجوزتها كام سنة وهي لا اشتكت ولا نطقت. وحتى لما مراتك اتهمتها إنها سقطتها، ربنا كشف كدبها. لأن أمك يومها سقطت لما وقعت في الشارع. خبطها واحد سايق مكنة توين من القديمة وجابتها في هدي. بس يشاء السميع العليم إنه يكون عارف إنها مرات أخو الأسطى عامر. وجاب أمه وجه يعتذر ويحق نفسه". بعد ما طبعاً الكل سم بدن هدي. مش الكل قوي، أنا وأمك بس. جدك وعمك كانوا دايماً واخدين صفها. لأنهم كانوا شايفين اللي أنا مش شايفه. يوم الخناقة دي كانت آخر أمل يربط عامر بالبيت. يومها قولتله: "إنتا اللي كداب وماشي ورا مرا، وياريتها تسوى. دي عيلة عملتك شوخشيشة في إيدها". بص على أمك وضحك بسخرية وقالي: "بص لنفسك. عيب تبقى الكبير وتسمع منها وتيجي تزعق قبل ما تسمع مني". قولتله: "لأنها على حق وأنا الصح. أنا أخوك الكبير". قالي: "الكبير كبير مقامه مش سنه. بص لروحك وفوق قبل فوات الأوان. بدل ما تبقى مسخة للناس بسبب مراتك، خليك راجل". وغمض عينيه بوجع ونزلت دمعة تلسع عينه. مسحها وكمل: "محستش إلا والقلم بيعلم على وشه. جدك يومها اتصدم. وعامر بصلي بصدمة. ياريته كان رده، ياريته كان نطق. غمض عينيه وفتحهم وخد مراته ودخل شقته وقفل الباب عليهم. يومها جدك هو اللي رد القلم عشرة ومسك في خناقي. ومفوقناش إلا وعمك واخد مراته وشنطة هدوم ليه وليها ونازلين. جدك يومها عيط زي عيل صغير تاه من أهله. وحاول معاه بس هو رفض. وطلع أجر شقة بره كام شهر لحد ما اشترى البيت اللي هو فيه ده. مكانش كده، ده هده وبناه وجدده من أول وجديد. وجدك قاطعني أنا وأمك. وأمك استغلت ده وبقت تشحن قلبي بالكره ليهم. بس اللي معرفتش أفهمه: منين كانت بتكرههم؟ ومنين كانت تروح ترميك ليهم؟ لحد ما جدك طب من طوله من كتر الحزن على فراقه. لأنه حس إنه خرج ومش هايعاود لجناحه تاني. كان عامل زي الطير اللي قطعوا له جناح من جنحاته. أصله كان بيعتبرنا جنحاته الاتنين. جه يومها عامر على ملا وشه. وجدك اتحايل عليه وبقى يعيط. وهو باس إيده وقاله إنه مرتاح وكده المشاكل خلصت. وهو هايفضل ابنه سواء كان في البيت أو براه. وأنا أخوه مهما إن عمل. وعدت سنة والتانية. وجدك كل يوم من الحزن بيدبل. كان عمك خلف حور. وكانت فرحته بيها متتوصفش. وجرت السنين. وكان عمك عمل اسم وكبر شغله وبيته وعيشته بقى متنغنغة. وجدك الحزن على فراق عامر كسره. وكان مبيعرفش ينام إلا لما ياخد برشام من اللي بينيم".
ياسر بصدمة من اللي بيسمعه: ليه ما كان أسهل يروح يسكن معاه ويبقى تحت عينيه ومعاه مادام بيحبه كده؟
عابد بوجع: مقدرش. البيت ده كل حياته وذكرياته. وحتى شغله روحه هنا مرهونة هنا. وبلع ريقه اللي نشف من الكلام أو من الوجع. لحد ما في يوم أمك فضلت تزن على نفوخي وتوسوس زي الشيطان إن عامر ملوش حق. وإن ده تعبي وشقايا. وإنه من امتى كان خطى المغلاء ولا حتى دخله برجله. وخد من عندك. وكانت مجهزة كافة شيء من أول العقود لحد المحامي اللي سجلهم في المحكمة من ورا جدك. وأنا مشيت وراها. واستنيت لما أبويا نام ونزلت بصمته على كل العقود اللي أمك كانت مجهزة. وطبعاً كانت باسمي عشان تعميني بالطمع. وأمك والمحامي اللي معاها سجلوا الورق وخفيناه ومحدش خد خبر بيه. ولما مات أبويا عامر اتكسر. بقى بيعيط بحرقة وهو بيغسل أبويا. وقولت بس عامر مش هايسكت وهايقول حقي ومستحقي. وأمك قالتلي: "اطمن، وحط في بطنك بطيخة صيفي. إنتا معاك عقودات وورق ويروح يجري في المحاكم ويبقى يطلع أبوه من تربته ويسأله". وفعلاً اطمنت. وكل يوم أقول: "هاييجي" وميجيش. "هاييجي" وميجيش. لحد ما عدا كام شهر. أمك قالتلي: "مبدهاش بقى، جيبه إنتا هنا". قوله إنتا. وفعلاً بعتله هنا وقولتله. كنت عامل حسابي إنه هايزعق ويعمل غاغة. بس صدمني، ولا عمل حاجة من اللي كانت في بالي. وساعة ما نطق خرّسني. قالي: "عايزه المال؟ خده. عمري ما دورت عليه. بس اوعي، اوعي تشيل أبوك وهو في قبره ذنب مش ذنبه. خده وكبره واشبع بيه. بس يارب يوم القيامة تعرف ترده. أبوك ساب الدنيا وطلع بكفن بملاليم. ساب البيت وساب التجارة وساب المال. مخدش إلا كفنه. وفي إيده عملة. واللي ليك عندي حق صلة الرحم. وبيني وبين قرشك حد الله. وأحكم الحاكمين ربنا". وسابني ومشي. وأنا الدنيا لهتني. بقيت صاحب المال والهلومة دي كلها وطمعت. وكل ما الفلوس تزيد يزيد طمعي. أنا وأمك.
وأمك بقت تغرف وتجيب صيغة وتتباهي بيها. ومع كل ده عامر مبطلش يسأل عليا خالص. بقى يسأل ويطمن. وأنا الجحود صاب قلبي وكأنه اتدفن. وانت كنت متربي في حجر عامر لحد ما مات. اتصدمت. بس صدمتي أكتر كانت من موقف أمك. كانت بتبكي بحرقة. وفضلت في العزا تلطم وتصرخ. مبقتش فاهمة.
ياسر وهو ضامم حواجبه: يمكن ندمت عشان مات وانتوا بعاد عن بعض؟ أو حست بالذنب؟
عابد بسخرية: آه، منا فكرت كده زيك والله. بس استغربت لما فضلت تزن على الورث ومش الورث والمال. وعرفت تدخل من طمعي وتزغلل عيني. والاغرب والأكاد إنه طلبت اتجوز هدي. وإنها أوس البلاوي وسبب المشاكل والقطيعة. وعرفت تغسل دماغي وتملاه أنا وانت باللي عايزاه. ومشيت وراها زي الأهبل. وروحنا هناك. وأصرت ورأسها ألف جزمة متنام إلا على فرشة هدي. وفعلاً عملت اللي في راسها. وافتكرت أنا وأمك إن الدنيا ضحكت لينا بزيادة. بس نسيت إن بنته تربيته. لحد ما خدتنا على مشننا. وحصل اللي حصل يومها. بس. ويوم ما طلعت من القسم حلفت ميت يمين إنها لا بنت أخويا ولا ليا بيها صلة. حتى لو شفتها بتتقطع قدامي. وخصوصاً بعد ما عملت زي الحاوي وخدت ورث أبوها على داير مليم من غير ما تتعب نفسها. وكأنها جاتلها بيضة مقشرة.
ياسر وهو حاسس إن اللي جاي أصعب من كل اللي اتحكى: كل ده تمام. بس إيه اللي غيرك بين يوم وليلة كده؟ أكيد محستش بالندم من نفسك. أصلك مندمتش لما بصمت جدي على العقود ولا اللي عملته في أهل بيته. يبقى إيه؟ في حاجة ناقصة.
عابد بخزي من نفسه: فعلاً يا ابني، اللي حصل كسر ضهري. وعرفت ساعتها إن عقاب ربنا ليا بدأ. يومها كنت طالع من المغلاء أحط فلوس بضاعة فوق في البيت عشان متتسرقش. ودخلت. وقبل ما أنادم على أمك عشان تاخد الفلوس تعينها، لقيت خالتك هنا. وقبل ما أفتح بوقي ولا حتى أتنفس، سمعت اللي ميقبلوش راجل. بس سكتت واتحملت ودفنته في بطني عشانك. وعرفت يومها سبب كره أبويا وأخويا لأمك إيه.
ياسر بخوف: إيه السبب؟ أكيد حاجة كبيرة أوي. وإلا ما كانش الكره جواها كل يوم يكبر عن اللي قبله. ومكانش موقفك اتغير. وكلامك باين للأعمى. في إيه يا أبا؟ رسيني. أنا اتوغوشت ودماغي بقت عاملة زي الطاحونة. عمالة تلف ومش عارفة تقف.
عابد مال في الأرض ودموعه نزلت كتيييير. مش مجرد دمعة، كانت عاملة زي المطر. بص قدامه وكمل من غير حتى ما عينيه ترمش: "عايز تعرف؟ هاتعرف. بس يارب تقدر تتحمل يا ابني. يومها سمعت خالتك بتقولها: 'وبعدهالك الراجل ومات. عايزة منه إيه؟ سيبي أهل بيته في حالهم'. بكل بجاحة قالتلها: 'بحبه. أنا معملتش كل ده وهدي تعيش وتتهنى بيه. أنا اتجوزت أخوه عشان أشوفه وأخليه يحس بيا. ولما اتجوز اللي ما تتسمى دي موتت وحييت ميت مرة. أنا فضلت سنين طول ما هي تحت عيني أحوطلها برشام عشان متحبلش. ويوم ما خلفت خليت الداية اللي جات تنضفها كفت بيت الولد عشان متنضروش تاني. وأديتها شيئ وشويات عشان عامر يكرها ويسيبها. أكمنها جابتله البت مش الواد'. غمض عينيه وعصرها قوي وكأنه مش عايز يفتحهم تاني. أو الوجع ده هايختفي: 'آآآآآه يا ابني. ااااه على كسرتي. ساعتها عرفت إنها كانت بتحبه. وقالتله وهو مسح بيها البلاط يوم ما كان عايز يسيب البيت أول نوبة. وعشان كده كان على طول طفشان من البيت'. والاوعر إنها خدتني عشان تروح بيته وتنام في فرشته تشم ريحته فيها. وليه؟ وليه مشيت من البيت وهو بيت حبيبها؟ قرطستني وعملتني كوبري عشان توصل بيه لعمك اللي عارف ومتأكد إنه مهما يرفعش عينه فيها. لقيتني بطلع من البيت وأنا مش داري، تايهة زي المجذوب. ماشي ومش عارف رجليا وخداني فين. محستش إلا وأنا واقف قدام القبر اللي مدفون فيه أبويا وأخويا. وبعيط بحرقة كأنهم يادوب ماتوا امبارح. بعيط زي اليتيم اللي مات أهله دلوقتي. بس إحساس وحش أوي يا ابني إنك تعيش طول عمرك مخدوع. واخد على قفاك. ومن مين؟ من مراتك أم ابنك اللي اتحديت الكل ووقفت في وشهم عشانها. اللي خسرتك أخوك ومديت إيدك عليه عشانها. اللي كنت بتستمنالها الرضا. ترضى مراتي اللي كانت منين ما عينها تقع على حاجة تكون ملك إيديها. والفلوس في إيديها زي الرز. أحلى أكل وأحلى شرب وأحلى كسوة وأكبر صيغة. محستش إلا والدنيا بتليل والجو بقى ضلمة. كحل عليا زي ما حياتها ضلمت من يومها. ومشوفتش النور تاني. وكل موقف من أبويا وأخويا بيتعاد. بس بقيت بشوفه من ناحية تانية وبعينين تانية. زي الأعمى كده. يوم ما فتح".
خلص كلامه وميل راسه في الأرض وخفت وشه بين كفوفه.
ياسر مع كل كلمة عينيه بتبرق. لحد ما ابوه خلص كلامه. والصدمة كانت خدت نصيبها من الاثنين. والاكتر كان ياسر اللي عرف القديم والمدفون.
فضلوا على وضعهم مدة طويلة أوي محدش حس بيها. لحد ما ياسر أخيرا استوعب الصدمة وفاق أو تمتلك نفسه شوية: وليه مقولتلهاش؟ موجهتهاش ليه؟ متكلمتش؟ وسكت وفضلت متحمل حتى تعرف إنك عرفت؟ يمكن تخاف وتتعظ؟
عابد مسح دموعه وعينيه بقت حمرا. ورفع راسه وبص في عينين ابنه أوي: "عشانك. وعشان منفخش الرماد وأطلع النار المدفونة من تحت منه. لو طلعت النار دي هاتحرق الأخضر واليابس. أمك وأنا عارف طبعها. بحجة ووشها مكشوف ولسانها متلفحة بيه أربعة وأربعين طية. خفت عليك من الكسرة. الكسرة دي ممنهاش جبرة. وخصوصاً لو سمعت بره حيطان البيت ده. العار يا ابني أطول من العمر. العمر بيخلص والعار ميخلصش. ورث بيتورث من جيل لجيل لحد يوم القيامة. الناس ممكن تتناسى، بس مبتنساش. مع أول موقف بيفتكروه ويتكلموا ويحكوا ويتحاكوا".
كان الصمت هو والسكات. ونظرات وجع من الاتنين هي باقي اليوم وطول الليل. محدش نزل فرشته ولا قدر يتكلم وينطق بكلمة تانية بعد اللي اتقال.
رواية تربية حواري الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم ولاء حامد
حور غيرت طريقها في لحظة وحودت العربية وخلال دقايق كانت نزلت بهيبة معروفة عن حور القادرة. رأسها مرفوعة وصلبة طولها وشامخة زي الجبل، عينيها حددت هدفها ولا اتلفتت يمين ولا اتلفتت شمال، ودخلت على طول بخطوات ثابتة متهزتش.
وبصوت حاد وعينين مترقبة: السلام عليكم.
همام رفع عينه والصدمة لجمال لسانه للحظات، وقدر يرد بعد دقايق: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. ازيك يا بنتي.
حور قعدت بهدوء: أولاً أنا مش بنتك، أنا بنت عامر النصراوي الله يرحمه. بنتك اسمها جميلة، في بيتك. ثانياً تمام الحمد لله.
همام: شكلك لسه شايلة من ناحيتي.
حور بثبات: بص يا حاج همام، أنا مش بنت ذوات. دانا تربية حواري، يعني تقدر تقول كده شلق بس مع اللي يمس طرفي. وأنا حذرتك انت وأهل بيتك مرتين. الأولى في ورشتي، والتانية في بيتك لما مراتك قالت أصلها. والتالتة ثابتة، وانت اللي بدأت.
همام بقلق من نبرة صوتها الحادة رغم برضه عدم نرفزتها: قصدك إيه بالكلام ده.
حور: السوق علمني اللي بيقول مبيعملش، واللي يعمل مبيقولش. هاسيبك تشوف بعينك اللي بيقصدني بعمل فيه إيه.
همام ووشه اصفر من هول الموقف: إيه اللي حصل تاني.
حور بسخرية ومطت شفايفها لقدام: اممممممم يعني متعرفش إن ابنك راح قال لابن عمي الوساخة اللي عملها فيا بيتباهي. وعوجت بوقها يمين وشمال بحركة شعبية مشهورة. بس بيتباهي بإيه يا حسرة. ما علينا، خلي الطابق مستور.
همام واخيراً فهم الموضوع: والله اللي حصل سوء تفاهم، وأنا بتعهدلك وبوعدك إن جبل مش ها يتعرضلك تاني ولا حتى ها يجيب سيرتك حتى لو بينه وبين نفسه.
حور بسخرية: لامؤاخذة في الكلمة يا حاج، الوعد اللي زي النيش منظر ميلزمنيش. وعدت مرتين وكان طق حنك وكلام اتكب على الأرض. أنا بوعدك عدها أيام على صوابعك وها يوصلك ردي.
وزي ما دخلت خرجت بهيبة ولا هيبة السلطان، وركبت عربيتها في طريقها لشغلها. مسكت التليفون وعملت مكالمة.
حور: الو، ازيك عامل إيه.
: تمام الحمد لله. خير إيه سبب المكالمة.
حور: عايزاك في مصلحة متعشية على الضهر. مستنياك في الورشة، سلام.
قفلت المكالمة.
وبعد وقت قصير وصلت وركبت العربية ونزلت تطل على الشغل. دقايق لفت في الورشة واطمنت إن كل شيء ماسي زي الساعة، بس برضو لازم تتأكد بنفسها خصوصاً في غياب ديشا وسبارس بعد عجنتهم امبارح في البركة. طلعت المكتب وخدت دفتر ونزلت المخزن تعمل جرد عشان تعرف القطع الناقصة واللي قربت تخلص وتعمل بيهم طلبية جديدة. خدت أكتر من ساعتين بتلف في المخزن، وكانت خلصت كل المطلوب. طلعت وهي فاصلة، اتهبدت على كرسي المكتب.
حور بتعب: اوووف يخربيت كده، كان لازم اعمل شنعة منعة وانزل انهارده. اهو اليوم بان من أوله سحلة.
غمضت عينيها وهي بتفرك فيهم جامد. فضلت دقايق مغمضة لحد ما فاقت وحست إنها أحسن شوية. بدأت تركز في الشغل اللي في إيدها.
شوية والباب خبط ودخل شخص: مساء الفل يا بنت الغالي.
حور بابتسامة صافية: داحنا لسه الضهر يا يا حاج راضي.
راضي: أقول كله وقت وبيعدي. خير طلبتيني مع إن الأفضل إن اللي عايز يروح للي عايزه. ولا نسيت سيرة السوق يا بنت عامر.
حور بابتسامة: لا محستش، بس برضو انت عارف ومتأكد إنه لو كان ينفع أظهر في الصورة كنت جيتلك لحد عندك مش العكس.
راضي ظهر على وشه معالم الاقتناع: تمام، لو كده يبقى عداني العيب. خير جايباني على ملا وشي.
حور بهدوء شديد: ليك عندي مصلحة متعشية.
راضي بإنصات: سامعك، ارمي اللي عندك.
حور على نفس وضعها: عارفة إن الشغل عندك نايم، اديله فترة والمحل الشغل فيه معادش زي الأول.
راضي بتهكم: البركة فيكي. وقفتي مع حماكي ونسيتي عشرة العمر اللي بيني وبين أبوكي الله يرحمه. ومع ذلك أول ما طلبتيني مقدرتش أتأخر عن بنت الغالي.
حور بهدوء: اللي حصل مع اللي كاااااااااااااااان اوي علشان تصححله المعلومة شيء طبيعي. زي ما بيقولوا بالبلدي كده، أنا وأخويا على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب. فطبيعي إني أقف معاه.
راضي: وأنا فاهم، بس برضو مش فاهم. جايباني ليه هنا ومصلحة إيه اللي بيني وبينك. لا كاري تفهمي فيه ولا كارك أفهم فيه. يبقى إيه.
حور: اصبر على رزقك. أنا عارفة إن أزمة الدولار رفعت الأسعار والناس بتدور على السفر، ومحل الحاج همام واكل الجو لأنه مقلل السعر عن سعر السوق وكمان لأنه شامل كل حاجة لجهاز العرايس، يعني محدش لايقعد يلف ويدور ويدخل ويخرج، فالكل استسهل واستقرب.
راضي: كل ده كلام أنا عارفه. وعارف إنه في الأول وفي الآخر رزق ربنا بيبعته لصاحب نصيبه. برضه إيه العبارة.
حور بمكر: العبارة إني نويت أشاركك.
راضي بذهول: وإنتي تفهمي إيه في الكار ده.
حور: مبفهمش فيه، بس بفهم في السوق وعارفة دواخله وزخانيقه من الألف للياء.
راضي بسخرية: عروستي.
حور بابتسامة: مفيش فايدة فيك. طيب بص يا حاج راضي، السلعة عشان توصلك بتلف لفة كبيرة. بتيجي من بلدها للمستورد الرئيسي في مصر، ومنه المستورد على تاجر جملة الجملة، ومن تاجر جملة الجملة لتاجر جملة التجزئة، ومن تاجر جملة التجزئة لتاجر القطاعي أو المحلات. كل واحد على حسب معرفته، وكل واحد بيزيد مكسبه بعد حسبة تكاليفه ومشالته وعمالته. يعني على ما بتوصلك بيكون السعر زاد بالميت الضعف. يعني الحتة أم 100 جنيه بيكون أساسها 40 أو 50 جنيه من بلدها.
راضي هز راسه: كلام مظبوط. برضه إيه في راسك.
حور: ناويه أخنق الله دي كلها وأوفر لك.
راضي بإنصات شديد: إزاي؟ فطميني.
حور: طيب اسمع يا حاج، أنا ناويه أجيب القطع من بلدها الأصلية ومن المينا عليك طوالي.
راضي بذهول: إزاي؟ وهاتوصل لي ليهم إزاي.
حور بسخرية: إيه يا حاج؟ الحال؟ مكنتش خريجة تجارة ومتربية في السوق يعني كيف وازاي دي لعبتي.
راضي: عارف، بس الكلام حاجة والفعل حاجة تانية. ودي فيها فلوس متلتلة هاتتدفع، وميرضيكش الخسارة ليا.
حور بثبات: ومن امتى بنت عامر النصراوي بترمي فلوسها في الأرض ولا بتدخل تجارة خسرانة.
راضي: معاكي، وعارف إن دماغك حتة ألماس. بس برضو رسيني. مبحبش أمشي زي الأطرش في الزفة. فهميني. اقتنعت يبقى استبينا ونقول أمين. مقتنعتش يبقى يادار ما دخلك شر.
حور بحسم: أول هام يا حاج، أنا مش هارمي فلوسي أنا كمان على الأرض، لأن زي ما قولتلك هاشاركك. بس برضو حقك كيف وازاي. أنا عملت حصر لكل المصانع الرئيسية اللي بيتعامل معاها المستوردين في مصر. وعرفت كل كمية أقدر أستوردها. هانستورد من هناك ونجيب لمصر ورق الجمرك والكلام ده كله عليا تخليصه. متسألش إزاي.
راضي باعتراض: لأ طبعاً لازم أسأل في الصغيرة قبل الكبيرة. ده شغل والشغل شغل.
حور بنفخة طويلة: زي ما بخلص ورق قطع الغيار اللي بتدخل.
راضي بهزة راس: تمام. طيب عندك مشكلتين معملتيش حسابهم.
حور بتركيز: إيه هما؟ مش يمكن أكون عرفاهم.
راضي: مظنش، بس نشوف. الأولى الدولار هاتدبريه إزاي، ولو قولتي سوق سودا ها أقولك فرق السعر ها يفرق معاكي كتير أوي. والمشكلة التانية الكمية اللي مطلوبة هاتبقى كبيرة أوي، هاتعملي إيه في الباقي منها. المحل مش ها يستوعب كل الكمية دي. وكل يوم بيطلع الحديد والكل بيطلع يجري على الجديد.
حور بنظرة طويلة: مش بقولك نسيت إني متربية في السوق ومستهون بيا. حتة العملة دي أنا ها فتح حساب استيراد بعد ما نعمل بطاقة استيرادية. فبالتالي ها أقدر آخد من البنك العملة المطلوبة بحكم إني مستورد. يعني الحكومة اللي هاتوفر لي العملة. ولو قصرت ها فتح حساب دولي أحط في مصر بالجنيه واسحب من هناك بالدولار بنفس سعر البنك وسعر الجنيه المتعارف عليه في البورصة العالمية.
وغمزت له بعينها كاتوضيح يعني من دقنه وافتله.
راضي بذهول من تفكير حور: كلام موزون ويكفي. بس في مشكلة الكمية هاتعملي فيها إيه.
حور بتهكم: يالله منك. ها أقولك علشان عارفاك. بص يا حاج، إنت ها تاخد اللي يكفيك وزيادة. والباقي الكل بيدور على الوفر زي ما قولتلك. يعني التجار اللي على مستوى الفيوم تقدر تديهم بسعر تاجر جملة الجملة. يعني مكسبين. المكسب الأول إنك ها يجيلك بسعر المصنع مع دفع التكاليف وتبيع عندك بسعر التجزئة بعد تخفيض الأسعار بمبلغ محترم. وده ها يخلي السوق كله يجري عليك. يعني هنا مكسبين محترمين ووفر. والتاني إنك هاتكسب كل تجار الجملة والمحلات. لأنك ها توفرلهم أكتر من نص اللي بيدفعوه لتجار جملة الجملة أو تجار جملة التجزئة والموزعين. فهمت.
راضي بعينين مبرقة: يا شيخة يسلم زند اللي رباكي والله وفتحت فيكي ترباية عامر يا بنت أبوكي. طيب وناوية تبدأي من امتى إن شاء الله.
حور بثبات: من امبارح لو ينفع. بس اللي فات ولا ومات. من انهارده المحامي بتاعي ها يجهز العقود وبكرة تتسجل. ومن بعدها هو ها يتولى معاك كل حاجة. وخلال شهر بالكتير ها يكون اسمك مسمع في السوق زي الطبل.
راضي: آمين. معاكي وأيدي على كتفك.
حور: يبقى استبينا.
راضي: استبينا. يلا فوتك بعافية.
حور: الله يعافيك. والمحامي ها يعدي عليك انهارده. اعمل حسابك وفضي روحك الكام يوم اللي جايين.
راضي بهزة راس وسابها ومشي.
حور وهي عينيها ثابتة في نقطة وهمية قدامها: انتوا اللي بديتوا والبادي أظلم.
***
ثريا كانت نايمة في أوضتها في بيت عاصم بعد ما فضلت طول الليل تندب حظها زي كل يوم على بختها واللي جرالها. صحت على زغدة جامدة في جسمها.
أميرة مرات عاصم اخوها: قومي يا أختي. إيه فاكرة نفسك في لوكندة. قومي يا أختي مش خدامين بيت أبوكي إحنا. يلا وراكي شغل كتير.
ثريا بزعيق: إيييييه في إيييه. مصدقتي يا بنت النفسية تفردي قلوعك عليا. يحقلك مهو الدلدول اللي أنا واحدة زيك في بيته هو السبب. خليكي ركبتي ودلوقتي رجليكي.
أميرة بزعيق: أخوكي مهواش دلدول. أخوكي أب محروق من اللي عملتيه. أوعي سامعة يا ثريا. أوعي تفتكري إني لو بموت وعدى ألف عمر فوق عمري هانسي. كل ما أبص على بنتي وأشوفها افتكر اللي عملتيه. كل ما افتكر اللي جرالي من تحت راسك ناري تقيد.
ثريا: إيه عملت إيه لده كله؟ كنت عيلة وغلطت. عمالين يعلقولي المشنقة. ومن ساعة ما حطيت رجلي في المخرب ده اللي إلهي وانت جاهي يخرب على نفوخكم. عمالين تذلوا فيا.
أميرة بسخرية: عيلة. لا بجد يا ثريا. عيلة يا شيخة. قولي كلام غير ده. دانتي كنتي شحطة معاكي عيال. عيلة مين يا أم عيلة. انتي شر يا ثريا. أوعي تكوني نسيتي أو افتكرت إن السنين هاتنسي. لا والله عمرها محدش يلوم من إذاكي، لا كبير ولا صغير.
ثريا بصراخ: عملتلكم إيه للسواد اللي جواكم ده كله؟ غلطة وراحت لحالها. سيبوني في حالي بقى.
أميرة بضحكة وجع: غلطة وراحت لحالها. قولي والله العظيم كده يمكن أصدقك. غلطة إيه اللي تخليكي تعملي ده كله يا شيخة. دانتي شيطان.
قطع صوت زعيقهم صوت جبل اللي كان عايز يطمن على أمه زي ما متعود من يوم ما خرجت بييجي كل فترة يطمن عليها من باب صلة الرحم. ولأنه طول عمره متربي دلوع ماما.
جبل بصدمة من منظر أمه ومن زعيق مرات خاله ليهازعق بصوت عالي: إيه في إيه؟ بتزعقيلها كده ليه وبأي حق وبأي صفة إيه.
قبل ما ترد كان عاصم اللي طلع على صوتهم ورد بصوت أعلى: في إيه يااض؟ صوتك ميعلاش في بيتي. إيه نسيت تربيك. لو نسيت محدش كبير على التربية يا ابن ثريا. فوق يا جبل. اللي قدامك دي اللي دمرت حياتك وخلتها خراب. اللي قدامك دي أذت كل اللي حواليها.
جبل جرحه اتفتح من جديد ورجع ينزف، بس منظر أمه كان أصعب: غلطت واعترفت، وأنا سامحت في حقي. عملتلك إيه لده كله مخليك بتكرهها كده.
عاصم بسخرية: يااااااه. سؤال متأخر ييجي 15 سنة يا ابن أختي. بس عندك استعداد أسمع أمك من ييجي 15 سنة كده. نزلت إجازة طويلة كانت عملت لأبوك مشاكل هناك ومحدش فينا يعرف أصلاً. ونزلها تقعد هنا عشان تستقر شوية على ما يحل مشاكله اللي عملتها أمك هناك. بس بلغنا إننا وحشنا أمك وعايزة تشوفنا وتقعد هنا معانا شوية. قولنا يا مرحب ويا ألف أهلاً وسهلاً.
وشرد بتفكير للي حصل زمان.
فلاش باك
زي عادتهم كل يوم بيتجمعوا بالليل. عاصم وأميرة وعيالهم، وعبد الفتاح وماها وعيالهم، ومحمد ورشا وعيالهم، وسعد وسهر وعيالهم. والكل متجمع وبيضحك من قلبه. قطع جمعتهم صوت خبط على الباب.
قام عبد الفتاح من مكانه فتح الباب، والمفاجأة كانت من نصيبه وهلل بصوت عالي: يا ألف مرحب. البيت نور يا بنت قلبي.
الكل طلع من جوه على صوت ترحيب عبد الفتاح وصوته العالي وترحيبه الحار أوي.
ثريا بابتسامة باردة: منور بيك يا أخويا. عاملين إيه يا جماعة.
الكل: الحمد لله تمام.
عاصم بفرحة: ادخلي ادخلي يا بت. وحشتيني يا أروى.
دخلت ثريا ودخل وراها الشنط. أخواتها وقعدت وسطيهم.
عبد الفتاح باستفسار: مقولتيش ليه إنك جاية؟ كنا جينا لك المطار.
قبل ما ترد كان عاصم بيبص عليها وعلى الشنط وفضول واضح في عينه مقدرش يكتمه: اومال فين جوزك؟ جابك هنا وراح فين.
ثريا بمكر وخبث: لأ همام مجاش معايا. أصل انتوا وحشتوني. وبيني وبينك بقالي كام سنة منزلتش. قمت عملت إيه؟ فضلت أزن أزن على ودن همام لحد ما زهق ووافق إني أنزل عندكم أشوفكم شوية.
بس الكل بص لبعضه بس عدم الاقتناع موجود جواهم بس محدش قدر يتكلم.
ثريا بصتلهم بتكبر وكملت وهي رافعة حاجب ومنزلة حاجب: إيه؟ في مشكلة إني أقعد في بيت أبوووووويا وسطيكم. واتكت على حروف بيت أبويا أوي.
الكل بإبتسامة صافية هز رأسه.
محمد بترحيب: إن مشالتكيش الأرض نشيلك فوق راسنا. دانتي الدلوعة يا بت.
ثريا بغرور وهي بتعدل حجابها عشان تبين الغوايش الدهب اللي مالي دراعاتها: يحق لي. هو أنا أي أي ولا زي زي.
سعد بهزة راس: مفيش فايدة فيكي. على العموم الشقة بتاعتك موجودة ومحدش قاعد فيها ومفروشة من مجمعة ونضيفة. يلا اطلعي افردي جسمك انتي والعيال.
ثريا وهي بتقوم من مكانها: طيب فوتكم بعافية. أحسن قعدة الطيارة كسرت عضمي من كتر التكتيفة.
سابتهم وطلعت شقتها. ومر اليوم مرور الكرام. بس الكل جواه قلق من ثريا لأن طبعها معروف. اتجمع الأربع سلايف يجهزوا الفطار الصبح. وكل واحدة عمالة تبص للتانية وتتنهد.
أميرة باستغراب: مالكم؟ فيه إيه من الصبح عمالين تبصوا لبعض وكأنكم شايلين هم فوق صدر كل واحدة منكم.
مها ردت وهي بتسمي عينيها وبتهز راسها: مجية ثريا يعني مشاكل مبتخلصش.
أميرة باستغراب: ليه يعني؟ هاتأكلك ولا هاتأكلك.
مها: انتي مش فاهمة حاجة. ثريا قوية وشديدة ومغرورة. شايفة نفسها مركز الكون وإنها فوق والناس كلها تحت رجليها. ثريا في الشر محدش يتوقعها.
أميرة بعدم اقتناع: مش للدرجة دي. أنا آه أسمع عنها بس مش لدرجة الشر دي. ممكن تكون مجرد غيرة عادية.
رشا ردت بقلق: مش غيرة. ثريا بتكره أي حد تحس بس لو مجرد إحساس إنه أحسن منها.
أميرة بتبصلهم والخوف اللي جواهم بدأ يتنقل ليها. بس اتمالكت أعصابها: يا جماعة والله انتوا بتهولوا الموضوع. يمكن كانت لسه طايشة. أنا سمعت إنها اتجوزت صغيرة.
سهر: مش صغيرة. دي كانت بنت 16 سنة. وبعدين طبعها متغيرش. وده واضح من كلامها امبارح وطريقتها إنها تتباهى بالدهب اللي لابساه. ملحتيش وهي بتسمي دراعاتها عشان تبين الدهب اللي لابساه. ربنا يستر من الأيام اللي جاية.
الكل بص لبعضه ورجع يكمل اللي في إيده. وبعد وقت كان الكل حط الأكل على السفرة واتجمعت كل العيلة بما فيهم ثريا. بدأ الكل ياكل. وثريا في لحظة بصت لرشا وبلغة أمر قدام الكل: قومي هاتيلي ملاحة من جوه وحطي عليها فلفل أسود على الملح. الأكل ماسخ مش عارفة أبلعه.
رشا اتمالكت أعصابها ببرود مميت: والله يا أم جبل الملاحة قدامك. وجمبها على طول الفلفل الأسود. يعني مش ها تتعبي روحك لو رديتي من دي حبة ومن دي حبة. ولا إيه.
وسابتهم وكملت أكل ولا كأن شيئ حصل.
محمد قبل ما يتكلم رشا حطت إيدها على رجله فبصلها هزتله براسها بمعني سيبك منها.
خلص الأكل وقام الكل يشيل الأكل إلا ثريا. غسلت إيديها وقعدت تتفرج على التلفزيون. والكل. أميرة جات شايلة صنية الشاي وحطتها على الترابيزة. ثريا بصت لها بقرف ودقايق واتكلمت بسم: إيه يا أميرة. عاملة في روحك كده ليه يا حبيبتي. شكلك عامل زي ستوتة. اهتمي بروحك واخفي كرشك المدلدل ده زي الحامل في شهر ولادتها. لحسن أخويا يبص بره. وبصراحة يحقله. أصل عاصم طووول عمره عايب من يومها.
أميرة اتصدمت من الكلام وبصت لعاصم بعينين بتلمع من الدموع.
عاصم قرب من مراته وخدها في حضنه قدام الكل وطبطب عليها. وبص لأخته: مالها أميرة؟ اسم على مسمى. وأنا مش الشاب الهايف اللي بياخد بالشكل. أنا طول عمري بدور على الجوهر. وإنتي مغلطيش. أميرة فعلاً حامل وفي تؤام. عشان كده تعبها مضاعف وحجم بطنها كبير. ادعيلها من قلبك ربنا يقومها بالسلامة ويرزقك زيها.
واخد مراته وطلع شقته.
والكل بص لثريا بإستحقار ماعدا عبد الفتاح بزعل. وثريا وكأن شيئ لم يكن.
ثريا لنفسها: بقى المعفنة دي تخلف تاني وتؤام وأنا معرفش أخلف تاني بعد البت. لأ. هي مش أحسن مني. ماااااشي. اصبروا عليا وأنا ها أعرفكم مين هي ثريا. وأعرفكم إن الله حق.
مرت الأيام بحلوها ومرها. وكل يوم ثريا تخترع مشكلة شكل. لحد ما مر على قعادها في بيت أبوها 3 شهور. لحد آخر أسبوع زادت المشاكل بين ثريا وكل البيت. وكانت أميرة وصلت للشهر السابع. الكل اتجمع يجهز الأكل زي كل يوم.
رشا وهي ملاحظة تعب أميرة بقالها كام يوم: مالك يا أميرة؟ مش قادرة تصلبي طولك. أوعي يا بت تكوني هاتعمليها في السابع.
أميرة: لالا. ده بس مغص شوية. متي عارفة بقى الشهور دي بتبقى صعبة.
مها بقلق: طيب بقولك إيه. اطلعي ريحي نفسك وافردي جسمك على السرير في أي أوضة. ولما نخلص الأكل تيجي.
أميرة بهزة راس: يا جماعة أنا كويسة. واللهم.
مهما وهي بتسندها: كويسة مين بس. انتي بقالك كام يوم على ده الحال. لو مروقتيش ها أخلي جوزك يوديكي للدكتورة آخر النهار.
سندت أميرة وخلتها ترتاح. والكل كمل تجهيز اللي في إيده وغرفوا.
خلصوا الأكل وطلعت كل واحدة تنادي على جوزها وعيالها.
ياترى إيه اللي بيحصل لأميرة؟
ياترى ثريا عملت إيه وصل الأخ يكره أخته؟
ياترى حور هاتعمل إيه في همام تاني؟
هانعرف في الحلقة الجاية.
رواية تربية حواري الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم ولاء حامد
تأكدت ثريا أن كل واحدة خرجت، ونظرت إلى مكان أميرة المعروف، ثم أخرجت كيساً من صدرها ورشت منه على الطبق الذي أمام أميرة، وأعادت الكيس إلى صدرها وتحركت مرة أخرى، ولكن كان هناك من رأى كل ما تفعله.
تجمع الكل ودخل عاصم، زوجها، وبدأ الكل في الأكل. وثريا من وقت لآخر كانت تنظر إلى أميرة بنظرات سخرية وشماتة. رشا ومها وسهر تابعن نظراتها، والكل مستغرب من الفرحة التي بدت في عينيها.
انتهوا من الأكل وبدأ التعب يزيد على أميرة.
عاصم بلهفة: مالك، أوعي تكوني هاتعمليها؟
أميرة بهزة رأس: لا، مجرد تعب من تقل الحمل.
عاصم بتفهم: طيب، يلا خليكي تردي جسمك وتروحي نفسك شوية.
أميرة: لسه في شغل كتير في البيت.
أمها: اطلعي يا بنتي، الله يهديكي، ملكيش دعوة بحاجة، إحنا موجودين، يلا.
ساندها عاصم وطلعت شقتها، ونزل هو ليتابع ما وراه.
مرت ساعة واثنتان، وأميرة التعب زاد عليها. تحاملت على نفسها وقامت لتنزل لترى أولادها أين هم، ولترى زوجها يوديها لطبيبتها. يا دوب فتحت الباب ولسه هاتنزل، سمعت صوت ثريا.
ثريا بأمر: بقولك إيه يا أختي، جو كان النسوان ده ياكل مع اللي تحت، مياكلش معايا. إنما أنا غيرهم. اطلعي شقتي تاخدي الهدوم المتلتلة اللي مالية السبت ترسليهالي، والهدوم تتكوي، وخدي بالك لحسن تحرقي حاجة منهم، ده تمن الواحدة فيهم أغلى منك بمليون.
أميرة بدوخة وتهز: أنا مش خدامة عندك، غسيل عندك غسالة في شقتك، وشقتك مفروشة من مجاميعها. ولو فكرتي تطلبي، تطلبي بأسلوب محترم، أنا مش خدامة عندك، تمام؟
ثريا بشر: مين دي؟ ده انتي مربطين يا بت، ثم مين دي اللي تغسل وتنضف؟ أنا هنا ست البيت، وإنتي زيك زي الكلاب اللي تحت، خدامين تحت رجلي، ومفيش واحدة فيكن تقدر تتنفس.
أميرة ساعتها، ولسه هاتنزل.
ثريا وهي تشدها: لما أكلمك تقفي وعينك في الأرض وتسمعي للآخر وتقولي حاضر وبس، فاهمة ولا أفهمك؟
أميرة بزغللة، بس تحاملت على نفسها: لأ، مش فاهمة ومش هافهم. ليه كاسرة عيني ولا مديناني بالدين؟ روحي الله يهديكي.
وقبل ما ترد ثريا، مسكت في خناقها وزقتها من على السلم. ولما تأكدت إنها وقعت، صرخت بصوت عالي: يا لهوي! الحقوني، أميرة وقعت!
تجمع كل اللي في البيت على الصوت، ولقوا أميرة واقعة، وثريا جنبها. واللي طالع عليها: أميرة وقعت! محدش شك. بسرعة سهر طلعت تليفونها واتصلت على عاصم، اللي بسرعة كان في بيته وأخذ مراته وطلع يجري على المستشفى. وكل واحدة بلغت جوزها.
كان وصل عاصم منهار على وضع مراته، وعينيه على إيديه اللي غرقانة بدم مراته. وقف منهار. نفسه حد يطمنه. أخذوا مراته وطلعوا يجرو على أوضة العمليات بسرعة، ومش فاهم في إيه.
مر ربع ساعة وطلع الدكتور بسرعة.
الدكتور بسرعة: لو سمحت، محتاج توقيع حضرتك على إقرار باستئصال الرحم.
عاصم بصدمة: استئصال الرحم؟ ليه؟ دي حامل!
الدكتور بنفاذ صبر: من فضلك، كل لحظة بتمر فيها خطر على حياتها. ننفذها الأول، وبعدها هاشرح لحضرتك كل حاجة.
وفعلاً عاصم مضى على الورق بسرعة، ودخل الدكتور تاني، وغاب وقت طويل. وتليفون عاصم في العربية، ومحدش عارف هو خد كأنه على أي مستشفى. والكل لابس وجاهز وقاعدين على نار. وعاصم مبيردش خالص.
مرت ساعة واثنتان، والكل هايتجنن، وعاصم هايموت. وأخيراً رحمة ربنا نزلت عليه، والدكتور أخيراً طلع.
عاصم بخوف: طمني، الله يطمن قلبك.
الدكتور بإنهاك شديد، اتكلم بعلمية شديدة: أولاً، المدام جات والأجنة ميتة في بطنها من كام يوم. ولو كانت استمرت أكتر من كده، كانت اتسببت في تسمم ليها، ووصلت الرحم منفجر أصلاً. إزاي محستش بأي تعب؟
عاصم بسرعة: هي بقالها كام يوم مش مظبوطة، بس بتقول ده تعب من تقل الحمل.
الدكتور بنفي: لأ طبعاً، أنا طلبت تحاليل شاملة للمدام لأني شاكك إنها أخدت حاجة سببت الوضع ده.
عاصم بصدمة: حاجة إيه يا دكتور؟
الدكتور بتوضيح: للأسف، المدام جات وواضح أوي إن حالتها مش طبيعية. على العموم، أنا مش هاسبق الأحداث. هي حالياً في العناية، وللأسف الوقعة اللي المدام وقعتها سببت ضرر في العمود الفقري.
عاصم اتهد على الكرسي بصدمة: إيه؟
الدكتور: متقلقش، الطب اتقدم كتير، وبعد ما تفوق، تقدر تتعالج حسب حالتها. اللي يخصها طبيب عظام، وتقدر تقف على رجليها تاني إن شاء الله.
عاصم كأنه انفصل عن الواقع. محدش بأي حاجة، ولا كأنه سامع أي حاجة. إزاي فرحتهم كلها تتحول لكابوس كده؟
في البيت، الكل على أعصابه.
سعد: مبقاش بقى، كل واحد يطلع يدور في المستشفيات اللي في البلد. هما كلها يتعدوا على الصوابع. واللي يلاقي يبلغ الباقي.
وفعلاً الكل طلع بسرعة، لحد ما أخيراً محمد عرف وبلغ الكل، اللي بسرعة طلعوا يجروا بيسابقوا الزمن عشان يطمنوا، بما فيهم ثريا. وبعد وقت قصير، كان فعلاً وصل الكل، وسألوا على أماكنهم، ووصلوا لثريا. عاصم قاعد حاطط رأسه بين إيديه، وساند على ركبته، ودموعه نازلة.
عبد الفتاح: عاصم، مالك؟ في إيه؟ اللي حصل؟
عاصم بص له بعينين حمرا من الدموع: مش عارف. أميرة بتموت. وكمل بهذيان: العيال ميتة في بطنها من كام يوم، وشالولها الرحم. إيه اللي حصل؟ حد يقولي إيه اللي حصل؟
ثريا فرحت، وبقت الفرحة مش سيعاها، بس أتمسكنت، وبتأثر مزيف ودموع تماسيح: والله ما أعرف. أنا كنت لسه بفتح باب الشقة، لقيتها نازلة على السلم، وقبل ما أوصلها، لقيتها بتمسك رأسها ووقعت بسرعة. حقك عليا، ملحقتش أمسكها ولا ألحقها. وأخذت أخوها في حضنها.
عاصم بدموع: أميرة بتموت. ادعيلها. أنا بحبها يا ثريا. هاموت لو حصلها حاجة.
ثريا: بعد الشر عليك. متخافش. إن شاء الله هاتقوم وتبقى كويسة.
ولنفسها: يارب تموت. يا لهوي على دي فرحة. بقى بنت الرفدي دي تخلف تؤام وأنا معرفش أخلف تاني؟ أحسن كده الروس اتساوت. يلا في غارة.
فضل الكل قاعد ومترقب الوضع، لحد ما الدكتور المتابع لحالة أميرة طلع.
عاصم بلهفة: طمني يا دكتور، الله يخليك.
الدكتور قلع النضارة وفرك عنيه: للأسف، الأخبار اللي عندك متطمنش. المدام دخلت في غيبوبة.
الكل شهق من الصدمة، ما عدا ثريا.
عاصم بصدمة: إيه؟ يعني إيه؟
الدكتور بسرعة: بس مؤشراتها الحيوية منتظمة، لعله خير. والغيبوبة متطولش.
اترمى عاصم على الكرسي، وكأنه انفصل عن الواقع. الكل حواليه بيواسيه، وهو مش حاسس بحد خالص.
مر يوم واثنان، ولسه حالة أميرة زي ما هي، لا جديد. وكل يوم أخواته رايحين جايين عليه، كل يوم يجيبوا له أكل ولبس.
ثريا وهي قاعدة في شقتها، فرحانة باللي عملته في مرات أخوها، وابتسامة شماتة مرسومة على وشها: وال تؤام؟ يلا في غارة. خدوا الشر وراحوا. ما كنتي فرحانة بيهم؟ أهو لا أنا ولا انتي بقى. دي تخلف كل سنة ورا التانية عيل. وفرحانة إنها حامل في تؤام، وأنا يشيلوا الرحم. بعد البت، أهو بقيت لا أنا ولا انتي، والروس اتساوت. كفاية عليها أخويا اللي عمال يقول فيها أشعار.
قطعت شرودها ندا ببراءة: أنا عايزة أشوف ماما يا طنط.
ثريا بعوجة بوق: في المستشفى يا روحي، لما تبقى تقوم. ده لو قامت، يبقى يحلها الحلال بقى.
ندا بعدم فهم لصغر سنها: هي ماما تعبت لما حضرتك حطيتي لها الدواء في الأكل؟
ثريا عينيها برقت بصدمة، ومسكت ندا من دراعها بعنف، وبقت تهزها جامد، ومراعتش حتى إنها طفلة مش فاهمة حاجة: مين اللي قالك الكلام ده يا مقصوفة الرقبة؟ قولي لأقطع خبرك.
ندا بخوف وبراءة: أنا شوفتك لما كنتي بتحطي لها الدوا في الأكل.
ثريا بشر: عارفة يا بت، لو نطقتي بكلمة، هاطلع لسانك من بوقك وأقطعه، وأحطلك مكانه شطة.
ندا فضلت تهز دماغها بخوف.
ثريا رمتها على الأرض، وقعدت مكانها على الكرسي بتفكير وخوف من إن البنت تنطق.
قطع تفكيرها صوت رشا.
ثريا فتحت الباب، ووقفت على السلم: خير يا رشا؟
رشا: عايزين ندا تروح معانا تشوف أمها.
ثريا بسرعة: ندا نايمة، وصعبان عليا أصحّيها. دي دوبها لسه نايمة بعد ما فضلت تعيط لحد ما عينيها ورمت.
رشا بقلق: طيب، نبقى ناخدها بكرة. مش هاتيجي معانا؟
ثريا: لا، هاسيب البيت والعيال لمين؟ كلنا هانروح، والعيال.
رشا بتفكير: طيب، تمام. لو صحيت وحبيتي تيجي، هاتيها وتعالي المستشفى، عشان كلنا هانروح هناك. محدش هايبقى في البيت.
ثريا بتفكير هزت رأسها بموافقة، وهي شيطانها بيخطط لها إزاي تقدر تعاقب ندا وتخليها تخرس وتنسى اللي حصل.
مشت رشا، وكل اللي في البيت فضي عليها، هي وابنها وبنتها، وبنت أخوها.
الكل وصل عند عاصم يطمن على أخبار أميرة وآخر أخبارها.
سهر: متقلقش يا أبو ندا، إن شاء الله خير. ابتلاء من الله. خليك قد الامتحان الصعب ده. وقول الحمد لله. ربنا رزقكم بالذرية، الواد والبت.
عاصم بتنهيدة وجع: الحمد لله على كل حال. اللهم لا اعتراض على حكمك. ولا رد لقضائك. رضينا بقضائك كله، ما ظهر وما بطن، خيره وشره. اللهم اجرني في مصيبتي خير، وأخلف لي خيراً منها.
عبد الفتاح وهو بيطبّط على كتفه: أيوه كده. خلي إيمانك بربنا كبير.
عاصم: الحمد لله.
مر الوقت، والكل اطمن على عاصم وأميرة، وأخذها بعضهم وروحوا. وفضل عاصم في المستشفى.
مر الوقت، وتليفون عاصم رن.
عاصم: ألو؟ أيوه يا محمد، خير.
محمد بزعيق: تعالي بسرعة، إلحق بنتك.
عاصم محدش بنفسه إلا وهو بيجري في الشارع، حتى نسي عربيته ونسي نفسه. طلع بسرعة يجري. محدش إلا وهو واقف في نص الطريق تايه. وقف تاكسي بسرعة، وملاه العنوان، ودقايق وكان وصل البيت. أول ما دخل بصوت عالي: بنتي فيها إيه؟ عملتوا فيها إيه؟
سعد بخوف: محدش عارف. إحنا وصلنا لقينا بنتك كده، ومحدش في البيت خالص.
عاصم: فيها إيه؟ طلع يجري أول ما شاف بنته، كأن العالم خلص من حواليه. بنته الصغيرة راقدة زي الجثة، دمها بيتصفى، وهو مش عارف فيها إيه. شال بنته زي المجنون، وطلع يجري بيها.
محمد فتح عربيته بسرعة: يلا يا عاصم، خلينا نلحق البت. دمها بيتصفى. ركب بسرعة، ومحمد داس بنزين بسرعة. مستناش حد يحب يركب معاه. الكل طلع يجري يركب أي مواصلة تقابله عشان يلحقوه.
دقايق وكأن وصل محمد وعاصم، اللي شايل بنته جثة زي الميتة، ومش عارف السبب.
عاصم بصراخ جنوني وانهيار: دكتووووووور! دكتوووووور يا ناس! بنتي بتموت!
الأم على صوته أكتر من ممرضة: هاتها بسرعة هنا على الترولي.
وأخذوا البنت وطلعوا يجروا بسرعة على الطوارئ.
ومكملوش دقايق وطلعوا على العمليات.
عاصم بإنهيار، عينيه زاغة في كل مكان: ليه؟ في إيه؟ إيه اللي حصل؟
محمد بتقدير للموقف شد أخوه في حضنه: أهدأ، ووحد الله.
عاصم بإنهيار وعياط أشبه بالنحيب: بنتي يا محمد، بنتييييييييي! آآآآآه! اعمل إيه؟ البت في أوضة بتموت، وأمها في أوضة بتموت. قولي أعمل إيه؟
محمد شدد على حضن أخوه أوي: تقول اللهم لا اعتراض. المؤمن مصاب. خليك قد الاختبار. أوعى، سامع؟ أوعى تقنط من رحمة ربك. ربنا بيختبرك. هشام يسمع صوتك. خليك لحوح. ادعي من قلبك. ادعي بصوتك، بقلبك، بعقلك. وهو عمره ما هايخذلك.
عاصم بإنهيار: يارب، يارب رحمتك أرجو، يارب.
الكل كان وصل، ومحدش فاهم في إيه، ولا إيه اللي حصل، ولا إيه سبب اللي بيحصل.
الكل فضل على أعصابه. محدش قادر ينطق.
رشا وهي بتحاول تفهم، وبتتكلم بصوت واطي بس مسموع إلى حد ما مع مها: تفتكري إيه اللي حصل؟ وثريا راحت فين؟
مها وهي بتهز كتفها بعدم فهم: والله علمي علمك. اللي يا خبر دلوقتي بفلوس، بعد شوية هايبقى ببلاش.
سهر: طيب ثريا فين ده كله؟ ومين اللي عمل فيها كده؟
رشا: مش عارفة، أنا زيي زيكم.
مها: ولا أنا. أنا زيي زيكم. بس هي كانت فين؟ إحنا كلنا كنا تحت قبل ما نيجي هنا.
سهر: آخر مرة قبل ما نمشي كانت عند ثريا. حتى سألت عليها، قالت دي نايمة، وسيبوها.
رشا: طيب إيه اللي حصل؟ البت زي ما يكون واكلة علقة موت. دي وشها ملوش ملامح.
مها بخوف: أنا خايفة ليكون حد عمل للبت حاجة. محدش ركز مع بركة الدم اللي كانت غرقانة فيها. ربنا يسترها ويقومها بالسلامة. دي أمانة أميرة. ربنا يعين عاصم على اللي هو فيه.
عاصم سمع كلامهم وهمسهم لبعض، وقام منطور من مكانه، وبصوت زلزل اللي حواليه: إيه اللي حصل؟ البت كانت معاكم؟ إيه اللي جرالها؟ ولا عشان أبوها مش موجود؟ وبص لمها وسهر ورشا: ولا الحب لأميرة وهي وسطكم؟ ولما تقع، الكل يقول: وأنا مالي؟ وبص لسعد ومحمد وعبد الفتاح: إيه؟ سيبتوا عيالي في أمانتكم وأنا ملهي في مصيبتي؟ كانت شيلة تقيلة عليكم؟ كنت جبتهملي؟ مخدتش البت ميتة وأنا معرفش إيه اللي صابها؟ حد يرد عليا! إيه جرا لبنتي؟
سعد بخزي: والله محد يعرف. إحنا جينا لقينا البت مرمية تحت في الصالة، وقاطعة النفس. محدش منا عارف إيه اللي جرا، ولا إيه اللي صابها. حتى أختك زي ما يكون فص ملح وداب، وخايف يكون صابها حاجة. إحنا لحد دلوقتي واقفين معاك ومش عارفين إيه اللي ممكن يكون صاب أختك وعيالها.
عاصم اترمى على الكرسي، وبقى عمال يبص في الوشوش. عقله قرب يشرد منه: يعني إيه؟ يعني إيه خلاص كده؟ مراتي راحت، وبنتي راحت، واختي راحت، وأنا قاعد مستني، وإيدي على خدي زي النسوان.
عبد الفتاح بهدوء وحكمة: أهدأ، ووحد الله. نطمن على بنتك الأول، وهانروح نشوف أختك، اللي مطمني إن تليفونها بيرن، مش مقفول.
عاصم بص له، وكأنه لا سامع ولا واعي لأي كلمة من اللي اتقال.
لحظات مرت، وتليها ثواني، في دقائق، في ساعة كاملة. الكل واقف على أعصابه.
لحد ما أخيراً رصيد الصبر خلص. كان الدكتور طلع.
عاصم طلع يجري زي المجذوب، وسأله بلهفة: طمني، بنتي فيها كويسة؟ عايشة؟ بخير؟ صح؟
الدكتور...؟
يا ترى إيه اللي حصل لبنت عاصم؟
وياترى إيه اللي حصل لثريا؟
وياترى القدر مخبي إيه تاني؟
رواية تربية حواري الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم ولاء حامد
عاصم طلع يجري زي المجذوب وسأله بلهفه:
طمني بنتي فيها كويسه عايشه بخير صح
الدكتور بعمليه شديده: البنت متعرضه لانتهاء وحشي شديد
الكل شهق في صوت واحد وأول ما جه في دماغهم ان الطفله دي انتهكت واغتصبت
عاصم وعيونه مبرقه: يعني إيه ومين اتجراء يغتصب طفله
الدكتور فهم انه وصلهم المعلومه غلط هز رأسه بنفي: لالا حضرتك فهمت كلامي غلط البنت متعرضه لضرب شديد وحرق شديد في دراعها غير الكدمات اللي ماليه جسمها بطريقه اشبه بالجلد و.....وسكت لدقايق وهو متردد يكمل
عاصم بصدمه: وايه تاني شكل لسه فيه حاجه تانيه وحضرتك متردد تقولها صح
الدكتور بهدوء: للأسف البنت اتعرضت لختان جائر او ما يعرف بالختان الفرعوني
عاصم بص للدكتور وهو مش فاهم حاجه خالص: يعني ايه تفهم إيه الطفله ولا عملت إيه عشان يحصلها داه كله
الدكتور بتوضيح مبسط: الختان الفرعوني هو يعد استئصال للاعضاء الانثويه كامله بإجاره شديده وللأسف داه هيأثر على البنت فيما بعد بعد الزواج
للأسف إداره المستشفي مضطره تبلغ الشرطه
عاصم اترمى على الكرسي وهو مش مستوعب حاجه خالص حياته كانت هاديه وسعيد ليه بين يوم وليله تتدمر بالشكل داه هو طول عمره بيخاف ربنا طول عمره بيراعي ربنا عمره ما ظلم حد ولا أذى حد يبقى ليه
عبد الفتاح بخوف انه ثريا يكون ليها يد في اللي حصل لبنت اخوه وخصوصا مع اختفائها: بلاش يا دكتور لما البنت تفوق وأبوها يفوق نقدر نحدد
الدكتور: بس دي جريمه وانا مقدرش اتستر عليها
عبد الفتاح: مقدر موقف حضرتك بس بردوا ياريت حضرتك تراعي الموقف والصدمه اللي احنا فيها
الدكتور بتقدير للموقف: تمام مش هابلغ الا لما تقرروا وانا في مكتبي عن اذنكم
وسابهم والكل سارح في ملكوت ربه ومحدش فاهم حاجه خالص
مر الوقت وساعه جرت التانيه لحد ما الممرضه طلعت وبلغتهم ان البنت فاقت
عاصم منتظرش وطلع يجري وزق الباب بسرعه ودخل ووراه محمد
عاصم بدموع من منظر بنته المدمره: مالك يا قلب ابوكي مين اللي عمل فيكي كده
ندا بخوف بقت ترتعش وتهز راسها: مش هاقول خلاص والله مش هاقول قولها متضربنيش
عاصم: مين اللي ضربتك متخافيش بابا جه ومعاكي ومش هايسيبك
ندا بخوف: لا مش هاقول هاتدبحني بالسكينه السخنه قولها مش هاقول
عاصم: مين هي وانا اللي هادبحها
ندا سمعت كلمت هادبحها وصرخت بجنون: لا انا معملتش حاجه
محمد شد عاصم: أهداء بنتك خايفه ومرعوبه طمنها الأول
عاصم بجنون: وانا مين يطمني مين يرح قلبي المحروق على مراتي وبنتي
محمد بصبر: عارف ان جواك نار وحاسس بيك بس أهداء
محمد قعد على السرير جمب ندا: ندوش حبيبة عمو متخافيش انتي هنا معايا ومع بابا ماما نايمه في الأوضه اللي جمبك
ندا بصتله ببراءه وسكتت ورعشه جسمها قلت كتير
محمد كمل بهدوء: مين الوحش اللي ضرب ندا وعورها علشان بابا يجيبه ويضربه ويقوله ان ندا بنت شطوره وهو وحش علشان ضرب ندا وزعلها
ندا بصتله بخوف واللي طلع من بوقها صدم الاثنين وخلى عيونهم طلعت من مكانها: عمتو ثريا
عاصم بص لمحمد بصدمه ومحمد مقلش عنه بس قدر يتمالك اعصابه ويتدارك الموقف: ليه عمتو ثريا الوحشه ضربتك عملتي شقاوه
ندا بهزه راس: لا والله يا عمو انا قولتلها هي ماما تعبت لما حضرتك حطيتيلها الدواء في الأكل
محمد بمحاوله للفهم: دواء إيه يا حبيبتي
ندا: شوفت عمتو وهي بتحط دوا في اكل ماما ولما قولتلها قالتلي لو قولت لحد هاتضربني قولتلها انا هاقول لبابا وانها وحشه عشان زقت ماما من على السلم
محمد بصدمه وصوت طلع ملجلج: مين اللي قالك الكلام داه يا يا حبيبتي
ندا بطفوله: محدش انا كنت بلعب على السطح وانا نازله شوفت عمتو بتقول لماما تغسلها الغسيل وماما قالتلها انها تعبانه ولما ماما سابتها ونزلت ضربت ماما وزقتها من على السلم
محمد بص لندا وحاول يتمالك اعصابه اللي سابت: طيب مين اللي عورك وعملك اوف
ندا: عمتو ثريا جابت صحبتها وخلتها جابت الموس وعورتني عشان مقولش لبابا
محمد بخوف: طيب يا ندوش نامي يا حبيبتي علشان تخفي وتبقى كويسه
ندا هوت رأسها بطاعه
طلع عاصم جري وعنيه عباره عن كتله دم والشر ماليه
محمد وهو بينهج من الجري واره: يا عاصم أهداء الله يخليك
عاصم بزعيق جنوني وهو بيخبط على الحيطان بعصبيه لفتت أنظار الناس ليه: أهداء بتقولي اهداء اختك شيطان دمرت بيتي قتلت عيالي ومراتي بتموت من وراها ويا عالم هاتقدر تمشي على رجليها تاني ولا لاء ومكتفتش بكده لاء دي دمرت بنتي بس ورحمه ابويا وامي لدمرها
محمد: عارف اللي بتقوله وعارف انه صعب بس لازم تتمالك أعصابك عشان مراتك اللي محتاجلك دلوقتي اكتر من اي وقت تاني وبنتك اللي محتاجه ابوها يضمها لقلبه ويطمنها ان كل حاجه هاتبقى بخير وكويسه
عاصم بصراخ وهو بيقلب الترولي اللي مركون جمبه: قولي اجيب منين الصبر والهدوء قولي لو مكاني هاتهداء وتقعد تعيط وتحط ايدك على خدك زي النسوان
عاصم سابه واتحرك وقطعه صوت الدكتور المتبع لحاله أميره
عاصم: خير يا دكتور
الدكتور: تحاليل المدام طلعت
عاصم بإنصات وكأنه مستني حاجه معينه: اه فيها إيه التحاليل
الدكتور: زي ما توقعت المدام واخده أعشاب للإجهاض وواضح انها اخدتها فتره طويله جدا وداه اللي أدى لتدمير الرحم لأنها لو كانت فتره قصيره بتموت الجنين بس انما على المدا الطويل بتعمل تدمير للرحم وممكن يوصل لحد الموت لو متلحقتش في الوقت المناسب
عاصم بص بشر لمحمد
محمد غمض عنيه بتعب: طيب تمام يا دكتور شكرا لو في جديد بلغنا
الدكتور: هز رأسه وسكت ومشي
أتلفت جمبه ملقيش عاصم
طلع يجري يتلفت عليه بره المستشفى ملقهوش كأنه فص ملح وداب
طلع يجري على اخواته عند اوضه اميره وصل وهو بينهج:
عبد الفتاح سعد تعالوا معايا بسرعه نلحق عاصم
عبد الفتاح بقلق: مابه عاصم مش كان معاك عند بنتهمحمد: تعالا معايا دلوقتي نلحقه مفيش وقت وبعدين تبقى تفهم خلينا نلحقه الأول قبل ما يعمل مصيبه في اختك
سعد: مال ثريا ومال عاصم
محمد: كل اللي حصل لاخوك وبيته من تحت رأس اوس الخراب اختك يلا خلينا نلحقه الأول
طلع الثلاثه جري ورا بعض
ووصلوا البيت سمعوا صوت خبط في شقه ثريا
عاصم بزعيق: ثريا افتحي وحق رقده مراتي وبنتي لرقدك في قبرك انهارده ومحد هايحوشك من أيدي
طلع الثلاثه
عبد الفتاح: فيه ايه بتتهجم على شقه اختك وهي في حما بيت ابوها
عاصم بصله بشر: مليش اخوات فاهم اختك دي شيطان
فضل يزق الباب ويخبطه بكيفه ورجله لحد ما فتح
دخل جري زي المجنون يدور عليها في الشقه ملقهاش لا هي ولا عيالها ولا هدومهم
صرخ بعلو صوته: يا بنت الكاااالب وديني ما هرحمك وديني ما هسيبك
دخل الكل لقوه واقف عند السرير الغرقان دم وباصص عليه بغضب الكل مقدرش ينطق
سعد: شكلها هربت قبل ما نيجي اصلا من بدري
عاصم: يبقى الحكومه تجيبها وعليا وعلى أعدائي
عبد الفتاح: اتجننت هاتسجن اختك مش هاسمحلك
عاصم: لا هي تقتل عيالي وتزق مراتي من على السلم ترقدها بين الموت والحيا وتدمر بنتي واسيبها
عبد الفتاح: مش هسمحلك دي امانه ابوك وامك ولو سجنتها كلنا هنتعاير بيها افهم بقى
عاصم بزعيق وصوت عالي: مبفهمش اللي فاهمه ان حياتي اتدمرت وبيتي بيتخرب من تحت رأسها وانا مش هاسيبها لو كانت نفدت من أيدي فالحكومه تجيبها بمعرفتها
عبد الفتاح: مش هاسمحلك وهاقف معاها دي بنتي اللي ربيتها على أيدي من وهي حتة لحمه حمرا
عاصم بصله بصدمه ومقلش عنه كل اللي حواليه
عاصم: أختك بقت شيطان وللأسف انتا فشلت انك تربيها لأنك ربيت افعي فضلت تلف تلف لما قرصتني قرصه طلعت بروحي انا وعيالي ومراتي ومادام اخترتها ونصرتها عليا وقويت ظلمها يبقى انتا اللي اخترت ومن اللحظه دي لا انتا اخويا ولا اعرفك وماهيجمعني بيك اي مكان ولا حتى القبر
سعد: قصدك إيه بالكلام داه يا عاصم
عاصم: قصدي واضح اخوك خد صف الظالم واستكتر عليا حقي يبقى من اللحظه دي لا عايز اعرفكم ولا تعرفوني وانسوني زي ما هنساكم من حياتي وسابهم ومشين
نهايه الفلاش باك
عاصم بشرود وهو لسه على نفس قعدته: يومها رجعت المستشفي متدمر طردت كل الموجودين واخدت ابني في أيدي وقطعت الكل بيعت عربيتي وصيغه أميره وسحبت الفلوس اللي كانت معايا في البنك واشتريت البيت داه وطلعت بمراتي على كرسي بعجل بعد ما فاقت وحكيتلي ان ثريا اللي زقتها من على السلم جبيتها هي وبنتي المدمر لهنا وفضلت سنين بنجري على الدكاتره ومن عمليه لعمليه لعلاج طبيعي لما ربنا كرمها وقدرت تقف على رجليها بس فضلت بنتي زي ما هي ومش عارف مصيرها إيه بعد ما لفيت على دكاتره لحد ما حفيت ونسيت الكل وقفلت بابي عليا انا ومراتي وحافظت عليهم علشان احميهم من شر أمك وخالك اللي قواه
لحد ما خالك عبد الفتاح تعب جاله ذبحه يومها رفضت اروح لحد ما جالي سعد ومحمد وروحتله وكان ندمان ومع الايام بقى كل فين وفين لما اروح ازوره بس اللي في القلوب مقفول عليه ها يا ابن ثريا عرفت أمك بقى عملت فيا وفي مراتي ايه
جبل بص لأمه بصدمه اللي دورت وشها النحيه التانيه واميره اللي واقفه دموعها نازله زي المطر في عز ليله شتا
جبل بص ليهم بصدمه ومشي من غير ما ينطق بكلمه ونزل السلم بشرود لمح بعينه بنت جميله قاعده قدام التلفزيون بشرودعرف انها بنت خاله اللي الكلام كله كان عليها
طلع ومشي وهو مش مستوعب كل الصدمات اللي سمعها واذى أمه اللي طال كل اللي حواليها حتى هو نفسه مسلمش من اذاها اللي دمر حياته طلع شارد في كل اللي سمعه وكل اللي بيحصل وعقله بيعيد ويزيد في كل كلمه اتقالت والحرقه اللي طالعه في صوت خاله مشي تايهه واخيرا وصل البيت ودخل اوضته واعتزل فيها عن كل حاجه وكأنه زهد الحياه باللي فيها
***************************
مر الأيام وكل واحد تايه في وادي الحياه ويوم جر يوم وكل واحد في قلبه هموم مكتومه ومتكومه بيحاول يداريها وساكت
جبل اخد صدمته في امه ومشي وهو مش مستوعب
حور بتخطط وتدبر تعلم على بيت همام ازاي بالاصول
يونس بيعد الوقت عشان يبداء خطه الاقتحام المفاجئ
حور مستمره في شغلها ولسه بتخطط ترد القلم لبيت همام بالاصول والعقل من غير غلط ازاي
حور وهي شغاله وملخومه في عربيه معاها موبايلها رن
حور ردت بسرعه وكأنها مستنيه المكالمه على نار: الو ايو طمني عملت ايه
الحاج راضي: كل خير اول شحنه هانستلمها كمان اسبوع من المينا خلصنا كل حلجه واتشحنت وفي عرض البحر دلوقتي
حور بفرحه ولمعه انتصار في عنيها: ايوه كده هي دي الاخبار اللي تفتح النفس وتخلي الواحد يدخل على السوق بقلب قوي ويكمل يومه مرتاح
راضي بإستفسار: ليه
حور بمراوغه: ليه ايه
راضي: ليه الفرحه دي كلها
حور ببرود وحده: متشغلش بالك اللي بيني وبينك شغل يعني خد وهات وواحد زائد واحد يبقى اتنين اكتر من كده مفيش اللي جوايا داه يخصني اللي يخصك شغلك يمشي بالمظبوط يلا طريقك أخضر
راضي بإستغراب من حده حور وطريقه كلامها بس مشغله باله لان اللي بينهم شغل فعلا ودماغ حور هاتكسبه بالقوي كمان وتخليه يمسك السوق من رقبته ويبقى في ايديه: طريق أخضر يا بنت الغالي سلام
قفلت حور وكملت بإبتسامه مرسومه على وشها مفرقتهاش طول اليوم
*****************
ياسر اخد صدمته من أمه وحاول يلملم نفسه بسرعه علشان زي ما ابوه قال الكلام لو طلع بره حيطان البيت داه محدش هايقدر يوقفه وهو اول واحد هايتئذي ويتكسر وسط الناس ويتعاير باللي مش فيه واللي ملهوش دخل فيه بس بقى اعامله مع نعمه بحساب
لبس وجهز نفسه وخرج من اوضته بهدوء لازمه الأيام اللي فاتت
نعمه بلسان بينقط سم: على فين العزم يا بيه
ياسر اخد نفس طويل يتمالك اعصابه وبصلها بهدوء: رايح اشوف اكل عيشي عايزه مني حاجه ولا عندك مانع
نعمه وهي بتعوج بوقها يمين وشمال: وهاعوز منك ايه يا حسره دانتا من يوم ما كنت رايح غفير تحرس المحروسه وانتا قالب خلقتك عليا
ياسر: طيب مادام مش عايزه مني حاجه مع السلامه وسابها وخرج من غير ما يزود معها في الكلام اللي لا هايودي ولا هايجيب غير الوجع
نعمه بعد ما ياسر مشي: وبعدين بقى من يوم ما كان مع المخفيه دي وهو مش طايقني لا هو ولا ابوه يا ترى ايه اللي حصل سكتت شويه ودماغها هاتشت من التفكير
مسكت تليفونها واتصل على اخته
نعمه بغل: ايوه يا نفيسه
نفيسه: مالك.يا نعمه صوتك عالي وكأنك زي ما يكون هتطرشقي من جنابكنعمه: انا فعلا هاطرشق من اللي انا فيه
نفيسه: مالك ايه اللي جرا تانينعمه: عابد وابنه فيهم حاجه ومداريين علي
نفيسه: ايه اللي جرا مخليكي عامله زي الفوله في النار لا على حامي ولا على بارد
نعمه: الواد وأبوه الكلمه بتطلع منهم بالعافيه وطالعه من زورهم بطلوع روح يا اختي
نفيسه بإستغراب: ليه ايه اللي جرانعمه بزعيق: معرفش من يوم كان مع المحروسه بنت هدي وشدينا مع بعض وهو لا طريقتي في أرض ولا سمانفيسه: ليه ايه اللي جرا بينكم
نعمه: معرفش منا لو عارفه كنت ارتاحت وكملت بزعيق
لاء منا مش هاقعد اهري وانكت في روحي كتير وهما ولا على بالهم حاجه عابد كان طول عمره زي الخاتم في صباعي انقله من هنا لهنا وهو يقول امين ايه اللي جد عشان يعصى عليا اكيد حصل حاجه انا مش غبيه عشان مفهمش اللي بيعمله داه لا بقى طايقني ولا طايقي مني كلمه وكل شويه يشخط وينطر وعاملي فيها غضنفر وكل ما أقرب يبعد مش داه عابد ابدا اللي كان بيستمنى اني أقرب منه بس
نفيسه بتفكير: طيب متسأليه
نعمه بزعيق: جبتي التايهه يا اختي منا سئلته وهب فسا زي باجور الجاز الخربان
نفيسه: طاطي للموجه يا بنت ابويا وسيبك من الغل اللي جواكي عشان متخربيش بيتك حاجي على بيتك وجوزك اللي بتعمليه هايطبل في الاخر على نفوخك لوحدك ومنأخذنيش في دي كلمه لو عابد قالك بالسلامه مش هتلاقي اللضا ومحدش من اخواتك هايفتحلك بيته لان كل واحد مقضي بيته بالعافيه وانتي عايشه في عز ونغنغه احمدي ربنا عليه وارضي باللي في ايدك اللي بتدوري عليه راح وساب الدنيا كلها
نعمه بعصبيه وغضب اعمي: يعني ايه اسيب هدي وبنتها ينتصرو عليا لاااااا داه لا يحصل ولا يكون
نفيسه بشخطه: ايه اللي بينك وبينها حطاها في دماغك ليه عامر ومااات وشبع موت من سنين والوليه لا بتجيلك ولا ليها خلطه بيكينعمه: هي السبب في كل حاجه لولاها كان عامر زمانه معايا وفي حضني
نفيسه بزعيق: بردوا اللي في رأسك في رأسك انتي حره عقلك في رأسك تعرفي خلاصك انتي كدبتي الكدبه وصدقتيها وعشتيها عامر لا في يوم حبك ولا بصلك ولا عشمك ويوم ما روحتي عرفتي عليه نفسك مسح بيكي البلاط بلاش ترخصي روحك اكتر من كده انتي حره لو جوزك ولا ابنك شموا خبر بالكلام داه هاتقولي على روحك يا رحمان يا رحيم وانتي اللي هاتتلطمي لوحدك انا قولتلك الكلام داه بدل المره الف وانتي مش هاترتاحي الا لما تخربي بيتك
نعمه: اقفلي بدل ما انتي حرقتي دمي الله يحرق دمك يا شيخه ال جبتك يا عبد المعين تعين لقيتك عايز تتعان
نفيسه بسخريه: عندك حق وانا مالي اردب مهولك ما تحضر كيله تتغبر فيه دقنك وتتعب في شيله انتي حره عقلك فر رأسك تعرفي خلاصك فوتك بعافيه يا بنت ابويا
وقفلت السكه وكل واحد في طريق ما بين ظالم ومظلوم
يا ترى اللي جاي مخبي ايه
رواية تربية حواري الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم ولاء حامد
مرت الأيام في روتينها العادي. كل يوم من الورشة للبيت وتقضي طلبات البيت. نسيت جبل واللي حصل، أو أوهمت اللي حواليها بكده، بس طعنة الغدر سايبة أثر كبير في روحها صعب يتشال بسهولة.
جبل اعتزل الكل واتحول لإنسان تاني، عصبي جداً من أقل حاجة. صوته يعلي وكأنه بيتمرد على حياة الضعف اللي عاشها تحت جناح أمه وتحت طوعها، واكتشف في الآخر إنه مجرد لعبة في إيديها والشر كان أساس تحركها.
ياسر أخد الصدمة وحاول يعيش، بس لسه بيحاول مع حور لأنه حاسس إنه دين في رقبته. تجنب أمه تماماً، بقى الكلام بينهم بسيط.
عابد اتكسر، بس لسه صالب طوله عشان محدش يشمت فيه. بيحاول يعوض بنت أخوه عن القسوة وهجر نعمة تماماً. حتى النوم بقى بينام في فرشها كأنه غريب عنها، وما بيصدق النهار يطلع ويجري منها زي اللي نايم على شوك. كره مراته وبيته وحياته، بس مجبور عشان يقدر يلجم شرها اللي للأسف اكتشفه متأخر أوي بعد فوات الأوان.
ثريا: عايشة مذلولة في بيت أخوها. حتى ابنها بعد آخر مرة مسألش عليها تاني ولا حتى بتليفون. وكل يوم أميرة تفكرها باللي عملته في الكل وتعيد على مسامعها كل الشر اللي عملته واللي عايشة وسط ضحاياها: أخوها ومراته وبنته. وللأسف بدأت تدبل، مش من الذل ولا الكسرة لأنها متعودتش إلا إنها تكون مركز والكل يدور حولها.
همام: بيحاول يعوض أولاده عن اللي عملته فيهم أمه، واللي للأسف كان شريك فيه. وجواه متخوف ومترقب من تهديد حور وخايف إنها تأذيه هو أو أولاده، لأنه عارف إنها مدبوحة وبتعافر في الدنيا. ومع ذلك عارف إنها بنت بلد بس مبتسبش حقها.
مرت أيام على وضعها متغيرش فيها إلا الضربة اللي وجهتها حور لهمام في مقتل. وبين يوم وليلة المحل اللي كان الزباين ملياه أصبح بينش، ومفيش زبون واحد يوحد ربنا خطى عتبته.
همام بزعيق وصوت مسمع سبع شوارع جمبهم: ياريت تكون ارتاحت يا بيه، أهو المحل والحمد لله جه ضلفة وشكلي هاقفله. وانت السبب، ياريت تكون ارتاحت.
جبل بعصبية: عملت إيه يعني؟ أنزل أشُدلك الزباين من الشارع كده؟ ولا كده إحنا مش محتاجين، الحمد لله عندنا اللي يكفينا ويفيض. وحضرتك كنت فاتحة عشان يشغل وقتك.
همام بعصبية مماثلة: والله عال، صوتك علي. وأول ما علي، أبوك هستنى إيه من تربية ثريا؟ محراك الشر. وأنا مقلتلكش أنزل شد الناس من الشارع يا محترم، أنا قولتلك ابعد عن طريق حور. اللي حصل حصل، وربنا معاها ويتولاها ويرزقها اللي يعوضها عن اللي عملته فيها إنت وأمك. مسمعتش كلامي وادي النتيجة: موت وخراب ديار.
جبل بصدمة من كلام أبوه وشرد بهذيان: يعوضها؟ يعوضها؟ غيري تتجوز بعدي؟ إنت اللي بتدعيلها عشان قلبي يتحرق. وإنت أكتر واحد عارف إني بعشقها، مش بس بحبها.
همام بقرف من ابنه: فوق من وهمك. اللي بيحب مبيوجعش حبيبه، وإنت معملتش حاجة غير إنك وجعتها وبس. إنت دمرتها بمشيك أعمى ورا كلام أمك. دمرتها لما كنت شخشيخة في إيد أمك. لما معرفتش تكون راجل مستقل. يعلم ربنا إني يا ما حاولت معاك سنين وسنين وإنت ماشي في ظلها وماسك في ديلها زي العيل الصغير اللي ماسك في أمه في مولد خايف يتوه. قولتلك دي بنت متربية في حارة شعبية وتربية أصول. بينت بميت راجل. عملت إيه؟ قولي كده عملت إيه غير كسرتها ودمرتها نفسياً وجسمانياً. والنتيجة عيل لو نسيته دفنته حتة لحمة في قبر. ذنبك كبير يا ابن همام. ودلوقتي جاي تقولي بعشقها؟ أي عشق اللي يخليك تتفشخر وتقول عملت وسويت فيها قدام ابن عمها؟ فضحتها بدل المرة اتنين.
جبل بصدمة: أنا؟ ده أنا بعشقها. أنا عملت كده من حرقتي لما قالي إنه خطيبها. النار مسكت في قلبي بتحرقه وتكويه. ومحدش حاسس بيا.
همام بسخرية: آه، إنت يا جبل؟ مرة لما سمحت لنفسك تاخد حق قبل أوانه. ومن تعجل شيئ قبل أوانه عوقب بحرمانه. اتعجلت وهي في الأساس مراتك وعلى اسمك. اتعجلت قبل كام شهر من فرحكم اللي كان هايجمعكم بعديه بيت واحد. والتانية لما فضحتها قدام ابن عمها. ما يقول. وحتى لو كان حقيقة، حقها إيه؟ هاتحرم اللي ربنا حلاله؟ ولا إيه؟ من حقها تتجوز وتعيش تخلف وتكون أسرة. إيه جبروت أمك بهت عليك؟ لا ترحم ولا تشيب رحمة ربنا بعباده. إيه؟ فوق لأن من هنا وجاي يا ابن ثريا أنا اللي هاقفلك وأعرفك معني الرجولة اللي أمك دفنتها فيك سنين وسنين وأنا بحاول وربنا يعيني على ما ابتلى. روح يا ابني ربنا يحميك من شر نفسك.
سابه همام ودخل أوضته مخنوق. هو حاطط عذر لحور في اللي بتعمله، حتى لو وصل إنها تأذيه شخصياً مش ممانع. اللي واجعه إنه مش قادر يعملها حاجة ومتكتف من إيديه ورجليه.
جبل فضل قاعد مكانه يعيد في كلام أبوه. هو صحيح غلط، بس ندم. وطلب فرصة واحدة بس ليه. حور قلبها قاسي كده ليه؟ رافضة؟ لو كانت بتحبه ربع حبة ليها كانت أدته فرصة واحدة يعوضها. معقول هايفضل بعيد عنها؟ معقول تتجوز راجل غيره؟ معقول بطنها تشيل طفل تاني مش منه ولا ابنه؟
في اللحظة دي اتحولت الصدمة لوجع، والوجع لدموع وعقل محتار بيحاول يدور على أي طريق يقدر يوصل بيه الود بينه وبين حور مرة تانية.
حور شغالة في الورشة وبتدفن نفسها فيها من كل اللي بيحصل حواليها. هي مش وحشة، بس متعودتش حد يدوسلها على طرف وتسكت. أكتر ناس أذوها جبل وأهله، وكان لازم تلجم شرهم. وفي عز انشغالها وحيرتها ما بين العربية اللي في إيدها وعقلها اللي هايشت من حصار أمها اللي كل يوم تفتح موضوع ياسر. واللي بدأ يدخل الشك لقلبها إن أمها ممكن تكون هي اللي طلبت من ياسر إنه يتجوزها. وما بين ياسر نفسه اللي كل يوم يسألها رأيها وتبلغه بالرفض، يرجع ويقولها فكري تاني وماتستسلميش. سمعت آخر صوت تتخيل إنها تسمعه دلوقتي.
السلام عليكم.
حور رفعت عينيها عن العربية وشدت فوطة من جمبها تمسح بيها إيديها: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. خير؟ العربية فيها حاجة ولا إيه؟
يونس بهزة راس: لأ خالص، دي ماشية زي الساعة وكأنها رجعت جديدة.
حور بهدوء حذر: طيب تمام، العربية تمام. خير؟ إيه الطلة دي؟ أصلي ملاحظة كده إن رجلك خدت على الورشة.
يونس ببرود: اهدي على نفسك شوية، إيه بوقك ده؟ عربية بومب كل ما تفتحه تفرقعي في وش الناس.
حور ببرود موازي: خير؟ إيه سبب التشريفة اللي لا على البال ولا على الخاطر دي؟
يونس بإبتسامة لزجة: جاي أتعلم الميكانيكا هنا.
حور برفعة حاجب: نعم؟
يونس: أنعم الله عليك. أصل يا ستي إيه؟ خير اللهم اجعله خير. جيلي شغل في سينا في الصحراء مدة طويلة وخايف العربية تعملها فيا وأحتاس أنا والوُص معاها. ودي صحرا يعني موت على طول، مبتهزرش. فقولت أعمل يا واد يا يونس، تعمل إيه يا بشمهندس يونس؟ قولت أتعلم الميكانيكا. اهو منها أأمن نفسي لو العربية حصلها حاجة، ومنها تنفعني في حياتي بعد كده. وكمل بصوت واطي: وبيني وبينك سألت واطّقست، ملقتش أحسن من ورشة الأسطى عامر الله يرحمه ويحسن إليه، أتعلم فيها.
حور بمطة شفايف جعلت منهم أيقونة إغراء: امممممم، قولتلي. ويا ترى إيه اللي خلاك واثق إنك قدها؟ ولا ليه غير الشو اللي مدخلش دماغي بنكلة داه؟ وكملت بسخرية: ويا ترى يا واد يا بشمهندس يونس هاتقدر على الميكانيكا؟ أصلها ملهاش في الراجل الطري.
يونس بهدوء لأنه قارئ حور وعارف لسانها واستفزازها: امممم، مظنش إن اللي ليه في الطوب والزلط يبقى طري. ثانياً في مقولة أنا مؤمن بيها جداً بتقول: من الأفضل أن تعرف شيئ عن كل شيئ، ولا تعرف كل شيئ عن مجرد شيئ. فهمتي حاجة؟
حور بإنصات: طبعاً. يعني الأحسن ليك إنك تتعلم حاجة عن كل حاجة محيطة بيك، أفضل من إنك تعرف وتلم بكل حاجة عن حاجة واحدة بس. يعني بالبلدي كده تتخصص في كله مش في حاجة واحدة. تمام ولا إيه؟
يونس بإنبهار وابتسامة ثقة: فعلاً، وضحتيه وشرحتيه صح الصح. تمام، يبقى نقول على بركة الله.
حور بتركيز ومكر: على بركة الله.
يونس بحماس: نبدأ من إمتى؟
حور بمكر: من بكرة. وأه، اعمل حسابك في عفريته. أصل اللبس الغالي والأبهة دي مكانها مش هنا. يلا، طريق وسكة وطريقك أخضر لحد بكرة.
يونس: تمام. يا وغمض عينيه لثواني وكأنه بيفكر، وفتحها: يا أسطى حور.
وسابها ومشي وهو بيصفر ببرود. حور قفلت العربية وطلعت قعدت على الكبوت ومرسوم على وشها ابتسامة بسيطة هي نفسها محسّتش بيها، ولنفسها: لما نشوف يا واد يا بشمهندس يونس هاتتحمل لامتى.
فضلت على وضعها دقايق لحد ما استوعبت إنها في نص الورشة. قامت من مكانها وعملت نفسها بتنفض هدومها وفتحت العربية اللي كانت شغالة فيها تكمل شغل وتلهي نفسها عن حمل جديد اتضاف فوق حملها وهمومها.
مر اليوم ومفيهوش حاجة جديدة غير اللي جد من زيارة يونس، واللي استحوذت كلياً على عقل حور، واللي خلتها طول الطريق شارده وهي سايقة.
حور بسرحان: ياترى حكايتك إيه؟ إنت لآخر مهي المشرحة مش ناقصة قتلة عشان تيجي ونتط إنت كمان؟ كلامك وراه ألف باب وباب وألف معنى ومعنى. شكلك ليك نية. أنا مش مستريحالها. اللي في الدست هاتطلعه. المغرفة. اهدي وسيبي الأيام تجيب اللي في جوفها.
فضلت طول الطريق تفكر وترد على روحها لحد ما وصلت وركبت عربيتها ودخلت البيت.
هدي بلهفة: حمد الله على السلامة يا ضنايا.
حور بحب صادق: الله يسلمك يا هدهد الجناين.
هدي بقلبه وش: يا أدي أم الاسم المعفّر بتاعك ده يا بت، مش ناوية تبطليّه؟ خاتخليه يلزق في ديلي؟ دانا حتى أمك.
حور بترقص حواجب: أمي كين؟ بس يا هدي، صلي على النبي في قلبك كده. دحنا لما بنمشي مع بعض محدش بيصدق إنك أمي. خلي الطابق مستور يا هدي. إنتي لحد دلوقتي بيجيلك عرسان؟
هدي بسخرية: اتوكسي. لما أجوزك إنتي الأول. هناخد زمننا وزمن غيرنا. ربنا يا بنتي يسعدك يارب ويديني العمر أشوفك عروسة وألبسك الطرحة بإيدي وأشوفك كده متهنية في بيت الرجل الزين اللي يسعدك كده.
حور أخدت نفس طويل وكتمته ثواني وطلعته بهدوووء. وفي سرها: امممممم، عارفة الدخلة دي كده. ثانيتين وتفتح موضوع ياسر. أسترها يارب عشان أنا على آخري. ماتخلينيش أنفجر فيها. هي هي في الأول والآخر أمي وملهاش ذنب تشوف الوش ده.
هدي خلصت دعائها وسكتت ثواني: أيوه، اللا بالحق يا حور. عملتي إيه في موضوع ابن عمك؟
حور غمضت عينيها جامد. هي كانت متوقعة وعارفة أمها هاتفتحه آجلاً عاجلاً. فتحت عينيها وبهدوء: أما الله يخليك، إحنا مش بنشعر في قصة أبو زيد. هي كلمة "لأ" ليها كام معنى. أنا مش شايفة ياسر غير أخويا وابن عمي وبس. غير كده، شيلي الموضوع ده من راسك وراسه. لأنك أكتر واحدة عارفاني. لما بقول كلمة مابرجعش فيها. فبالله عليكي يا شيخة، ورحمة أبويا لو غالي على قلبك، بلاش كل ما تحطي وشك في وشي تفتحي الموضوع ده. أنا بقيت بسمعه بعدد فروض الصلاة. وكلمة مرة بردوا بقول "لأ"، يبقى خلصنا. أنا أكتر واحدة عارفاك. مبدأ الدوي على الودان أمر من السحر ده. بلاش معايا لأني متربية إن ربنا عطاني ودنين بيدخل من واحدة وبيطلع من التانية. متحسسنيش إني عبء عليك وعايزة تخلصي مني.
هدي بوجع من كلام بنتها المبطن، ولكن أتمالكت نفسها: يووووه، إنتي حرة. لاهو إنتي هاتجيبيه من بره؟ نفس دماغ أبوكي الله يرحمه. صحيح اللي خلف مماتش.
حور بإبتسامة باردة مستفزة: عندك حق. يلا بقى. هادخل أغير وأغسل جسمي من الشحم والبلك اللي عليه. وناكل لقمة عشان أريح جتتي شوية.
هدي بهزة رأس: مفيش فايدة. بقيتي دكر حتى في كلامك. روحي ربنا يهديكي يا حور يا بنت هدي. قادر يا كريم.
سابتها ودخلت المطبخ، وحور دخلت أوضتها وهي بتضرب كف بكف من عمايل أمها.
تلت ساعة وكانوا قاعدين ياكلوا ومحدش نطق بكلمة تانية. حور خلصت وساعدت أمها تخلص تنضيف المطبخ وعملت كوبايتين شاي وطلعت الدفاتر والفواتير اللي جابتهم معاها من الورشة تراجعهم عشان تهرب بيهم من تفكيرها في كل الدوشة اللي زاحمة دماغها.
حور فتحت الورق وبدأت تركز وتدقق فيه، ولكن غصب عنها عقلها شرد في الزيارة الغريبة. وإيه اللي شايلاه ليها الأيام من بكرة؟ بقت عينيها في الورق وعقلها في مكان تاني. وفضلت على وضعها وقت محسّتش هو طويل ولا قصير. فاقت وهي بتتنفض على إيد بتهزها.
حور ببرقة عين وهي حاطة على قلبها وبتنهج من الخضة: هاهاهاها، يا أما حرام عليكي. قلي كان هايقف.
هدي بإستغراب: في إيه يا مهبوشة؟ بقالي ساعة عمالة أنادم عليكي وإنتي ولا الطرشة.
حور غمضت عينيها وبتحاول تاخد نفسها اللي وقف من الخضة: معلش يا أما، كنت بس مركزة براجع الدفاتر وبضيف الفواتير الجديدة في الدفاتر عشان الضرايب.
هدي بنفخة: هو الهم ده ورانا ورانا. يعني شغل في الورشة وشغل هنا. يعني بدل ما تيجي تريحي جتتك تيجي تمققي عينيكي.
حور بهدوء: أكل العيش يا أما. والمال السايب يعلم السرقة. وإنتي ست العارفين اللي جرا قبل كده.
هدي بخنقة: آه. وبعدين في وجع القلب ده عليكي بيها؟ في إيه يا بنتي؟
حور: عليا فيه. إسم أبويا ليا فيها. ناس شغالة في رقبتي وبيوت مفتوحة. يبقى حرام عليا لما أكون سبب في قطع عيشهم وتشريدهم. وهما كل اللي عايزينه لقمة حلال جاية بطفح دم. ده بيقولك يا أما: قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق.
هدي سكتت وهي عارفة إن كلام بنتها هو عين العقل، وإن جوزها الله يرحمه تعب وشقي سنين عشان يعمل اسم ويكبره في السوق بين الناس. بس هي في الأول والآخر أم وكل اللي عايزاه تشوف بنتها سعيدة.
سكتت وانسحبت بهدوء وسابت بنتها تكمل شغلها. ولكن حور عقلها كان وقف عن الشغل. قفلت الدفاتر وانسحبت بهدوء على أوضتها. جسمها طالب الراحة وعقلها رافض الاستسلام لسلطان النوم. حاولت تشغل نفسها بحاجة تلهيها. فتحت فيديو على اليوتيوب على صيانة العربيات اللي هي أصلاً مهووسة بيهم، وكان بيشرح بدقة ويسر وكل التفاصيل الدقيقة التي لم تغفل حول عنها، وكأنها تنفصل عن الواقع بطريقة مختلفة. ظلت على وضعها إلى استسلم العقل والجسد معاً لتأثير سلطان النوم وذهب في نوم عميق جداً جداً. ولكن ظل التابلت شغال طوال الليل.
يونس رجع شقته وهو مزاجه رايق وبيصفر. مازن كان واقف منتظره قدام عربيته تحت العمارة. وأول ما شافه نادى عليه.
يونس بإستغراب: خير يا مازن؟ مش لسه سايبك الصبح في المكتب؟
مازن بغمزة عين: إيه؟ عيني عليك باردة. وكمل بغناء: إيه الغزالة رايقة؟
يونس بضحك: والناس الحلوة سايقة. وكمل بجدية: خيّر؟
مازن بجدية: طمني، عملت إيه؟
يونس بإبتسامة بسيطة: كل خير. رايح أستلم شغلي من بكرة.
مازن بعينين مبرقة: يونس، هو أنا كنت بتتكلم جد؟ أصلي فكرتك بتهزر.
يونس: وأهزر ليه؟ إيه المشكلة؟ كل شيئ مباح في الحب والحرب. وأنا مستخدمتش شيئ خبيث ولا ضار ومؤذي لحد.
مازن: تمام. بس مش شايف طريقة غير دي توصل بيها ليها.
يونس: للأسف يا مازن، حور زي اللغز. حاجة كده شبه المتاهة. عشان أقدر أحلها لازم أدخلها برجليا. تركيبة غريبة تشدك وفي الوقت نفسه غامضة. عاملة حواليها أسوار شائكة ملغمة بأسلحة غريبة. وهنا أحسن وسيلة هي الهجوم التكتيكي عشان تقدر تعرف نقط ضعف الحصون دي إيه وتقدر تهدها بسهولة. وأول نقطة هي شغلها. والبقية تأتي تباعاً.
مازن: معاك. وكلام موزون. بس ده كلام عاشق يا يونس. وطول عمرك بتقول إن قرار المشاعر قرار متهور.
يونس: يمكن لآني مكنتش لسه حبيت. مكنتش عشقت. مكنتش شفت حور. بس بردوا قراري نابع من يقين واقناع عقلي مش إرضاء قلبي. بس أنا طالب الحلال. بس اللي واثق منه إنها مش هاتقبل بسهولة.
مازن بعقلانية: في نقطة غايبة عنك ومفكرتش فيها اطلاقاً. واظن إنها سقطت من حسباتك.
يونس بإستغراب وهو كاشش وشه وحواجبه قربت تلزق في بعض: إيه هي بقى؟
مازن أخد نفس بسيط وطلعه مرة واحدة: أهلك. أبوك وأمك. هاتقولهم إيه؟ هاتعرفهم إن يونس اللباد اللي طول عمره عاقل يوم ما قلبه دق دق لبنت دون المستوى؟ بنت شغالة ميكانيكي، لاء ومطلقة كمان؟ متخيل إنهم هايتقبلوا بسهولة؟
يونس بعصبية وعروق نافرة تدل على شدة غضبه: إيه؟ دون المستوى دي؟ حسباتكم للناس إزاي بالفلوس؟ طيب يا سيدي للعلم بس، حور مليونيرة. يعني لو على المستوى المادي فيعتبر مفيش فرق. تمام. و...
وقبل ما يكمل قاطعه مازن: إزاي وهي ساكنة في حارة؟
يونس بكز سنان: لأن حور عاملة زي السمك. لو طلع من الميه يموت. واحدة اتولدت وعاشت واتربت في المكان ده اتطبعت بطباعه. ثانياً يا مازن، حور خريجة كلية تجارة. ثالثاً، هي مش شغالة شغلانة بطالة. هي بتدير مكان يعجز إنت الرجال إنه يقدر يديره بنفس الكفاءة والقوة دي. والشغل لا هو عيب ولا حرام. رابعاً، وده الأهم. يعني إيه مطلقة؟ إمتى المجتمع هايبطل النظرة العقيمة المتخلفة للمطلقة كأنها شيئ موبوء؟ سعلة مستعملة ملهاش الحق تعيش؟ المطلقة لا أذنبت ولا كفرت. كل الحكاية اتنين متفقوش في حياتهم، كل واحد راح لحاله. ليه دايماً جايين على الست؟ بلاش النظرة دي يا بشمهندس يا متعلم. وللعلم والتوضيح بس، حور كان مكتوب كتابها. وحور من عيلة كبيرة، سواء أهل أبوها أو أهل أمها. العيلتين تجار كبار في السوق وليهم اسمهم. يعني مش واحدة من الشارع والسلام. وده توضيح بس. وبالنسبة لأهلي، أنا مش صغير. وأظن عندي العقل والقوة الكافية إني أقنعهم بوجهة نظري. بس أنا منتظر أضمن موافقة حور وأهلها. وأنا طفيل. أتحدى العالم كله عشانها. لأنها جوهرة نادرة تستحق التعب. دي اللي يوم أتعب تشيلني، يوم ما أقع تسندني. دي ضلعي اللي اتخلقت عشان دي ضلعي اللي اتاخد مني عشان بيها تكمل حياتي. فهمت؟
مازن سامعه وهو مصدوم من كمية المشاعر اللي يكنها يونس لحور.
رواية تربية حواري الفصل الأربعون 40 - بقلم ولاء حامد
مازن بصدمة: ينهار أبيض، إيه يا بني ده؟ هو في حب كده بجد؟
يونس وهو بيترمي على الكنبة: آه فيه. أنا فضلت طول عمري قافل على قلبي بمليون قفل، وفي لحظة انهار وبقى رماد. أنا عشقتها، عشقت كل حاجة فيها، كل تفاصيلها. حابب أعرف عنها كل حاجة، أشاركها في كل اللي بتحبه وتشاركني كل اللي بحبه. نفسي تشاركني حياتي، هي دي بقيت حياتي يا مازن.
مازن بقلق: حاول تسيطر على مشاعرك. اللي أنت فيه ده أكبر غلط. وعي واضح إنك عادي بالنسبة ليها. بلاش تشم نفسك وانت لسه مش عارف اللي جاي. طول عمرك بتبص لقدام، عمرك ما خطيت خطوة إلا وانت حاسبها ألف مرة، إلا المرة دي بتخطي وانت منساق ورا مشاعرك.
يونس أخد نفس طويل وطلعه على صورة تنهيدة سخنة طالعة من وجع قلبه وجوفه: أعمل إيه؟ فعلاً العشق ده لعنة، صدقني يا مازن. أنا متماسك بس فعلاً مش حاسب اللي جاي، وممكن أنهار في لحظة لو حور مكانتش ليا أو ضاعت من إيدي.
مازن بتعقل: لازم تحط كل الاحتمالات يا يونس. لازم تحط في حسباتك القبول والرفض.
يونس غمض عينيه وعصرهم كأنه بيرفض كلمة رفض، ومش عايز يتوقعها لا في الوقت الحالي ولا فيما بعد.
سكت الاتنين وكأن على روسهم طير، محدش نطق بكلمة تانية. كان كفاية كل اللي اتقال، اللي فتح ألف باب وباب من الخوف في قلب يونس.
***
حور صحيت بدري عن كل يوم. بالرغم من إنها منمتش إلا وقت صغير بسبب التفكير، ولكن صحيت وهي مبسوطة ومبتسمة وهي مش واخدة بالها. صلت فرضها ومستنتش حتى أمها تجهز الفطار. نزلت بسرعة وسوقت العربية بسرعة، كل ده وهي مش مركزة. وصلت بدري قبل العمال، فتحت وطلعت مكتبها. حطت الدفاتر مكانها على الرف وقعدت تراجع الفواتير شوية.
وكان وصل سبارس وديشا وباقي العمال، اللي كله بقى يبص لبعضه بإستغراب من وجود حور بدري أوي كده، خصوصاً إن الكل متعود إنها بتيجي بعدهم بأكتر من ساعة.
سبارس بإستفهام: خير يا أسطى، إيه اللي جايبك من النجمة؟
حور بهدوء: مفيش، كنت بتمم على الفواتير وبثبتهم في الدفاتر عشان متتنسيش، عشان الجرد السنوي قرب وكمان عشان الضرايب.
سبارس بتفهم: تمام يا أسطى، بس بردوا كنتي صبرتي شوية يعني.
حور بحسم: خلاص يا سبارس، الله يرضى عليك. يلا خلينا نشوف اللي ورانا، عندنا هم ما يتلم هنا والشغل متلتل للركب، يلا يلا.
سبارس هز رأسه واتحرك من سكات.
حور قامت وغيرت هدومها لعفريتة الشغل ونزلت انضمت للعمال اللي شغالين، وكالعادة بدأت تباشر كل حاجة بعين الصقر وبدأت تشتغل بإيديها كالعادة.
***
يونس صحي من النوم المتقطع طول الليل. لا على حامي ولا على بارد. دخل الحمام خد دش بسرعة وطلع صلى فرضه ودخل جهز فطار على السريع ومعاه قهوته المفضلة وقعد فطر بمزاج رايق. وقام غير هدومه ولبس بنطلون جينز أسود وعليه تيشيرت نص كم لبني في أبيض، كان ميكس تحفة، ولبس فانلة جلد أسود. وحط هدوم وشوز في هاند باج صغيرة سبورت ولبسها على ضهره زي شنطة المدرسة. وجهز مج حراري عمل فيه بلاك كوفي ولبس نضارة الشمس اللي ما زادته إلا وسامة. وأخدهم ونزل وهو مزاجه رايق ونازل بيسير كأنه طالع رحلة.
ركب عربيته واتحرك لطريقه المرسوم بعناية، وضربات قلبه أسرع من الطريق. وأخيراً وبعد طول انتظار، يونس في مواجهة حور وجهاً لوجه. وصل ونزل بكامل شيكاته وأناقته. قفل العربية ولبس الشنطة وماسك المج في إيده وقفل العربية ودخل الورشة.
يونس بعين بتلمع: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حور رفعت عنيها من العربية اللي شغالة عليها وبصتله بتقييم ورفعت حاجب ونزلت التاني وبتهكم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. منور يا هندسة، خييير.
يونس بهدوء: جاي حسب اتفاقي وميعادي معاكي امبارح، ولا نسيتي؟
حور على نفس نظرتها: لا منستش، بس فاكرة إن قولتلك الشغل هنا مش عايز اللبس الأبهة ده ولا إيه؟ انت كدة جاي رحلة تتفسح؟
يونس: لا متقلقيش، أنا جايب لبس الشغل معايا في الشنطة.
حور بسخرية: استر يارب. طيب يلا غير وصلني عشان تاخد فكرة وتعرف الأول العدة وتبدأ تتعرف على العربية حتة حتة.
يونس هز رأسه ودخل الحمام اللي عرف طريقه من المرة اللي فاتت. غاب دقايق وطلع وهو مستعد: أنا جاهز.
حور بصتله وخبطت على وشها بكف إيديها ومسحت بكفها وشها كله وعوجت بوقها يمين وشمال بحركة تقليدية شعبية مشهورة: يا خيبتي القوية يا أنا. يا أما مستعد من أنهي جهة؟ الله يسترك.
يونس بعدم فهم: مستعد للشغل.
حور غمضت عينيها ورمت بوقها لجوه عشان متنطقش الشتيمة اللي عارفة إنها ممكن تخرج غصب عنها: حضرتك جاي النادي تجري يا حاج، الله يسترك. الشغل هنا بهدلة ومرمطة يعني شحم وجاز وزفت مطين بطين، وانت لابس تريننج أديداس تمنه قد شغل الواحد هنا في الورشة شهر لقدام. أنا قولت عفريتة أو هدوم قديمة.
يونس رفع حاجبيه الإثنين: وإيه المشكلة في اللبس؟ ماله ومال الشغل؟ أنا جبت هدوم قديمة وخلاص، وده اللي شايفه مناسب وكمان مريح.
حور هزت رأسها بملل: اللي يعجبك. آخر اليوم مقعدش تعيط على هدومك. يلا شمر وتعالي ورايا.
واتلفت لسبارس: كمل الحلوة لحد ما أرجعلك.
سبارس هز رأسه وهو فاتح بوقه ومش فاهم أي حاجة في أي حاجة خااالص.
ومشي وراها ووقفت قدام لوحة كبيرة أوي متعلق عليها مفاتيح كتير جداً ومفكات وبدأت تعرفه اسم كل مفك ورقمه واستعماله. مرت أكتر من ساعة وحور بتشرحله بالتفصيل الممل اللوحة دي.
وبعد ما خلصت: كده عرفت المفاتيح والمفكات وأرقامهم واستخدام كل واحد.
يونس هز رأسه: تمام وحفظتها، تحبي أقولهملك؟
حور هزت رأسها بنفي: لأ، هيبان لما نيجي نشتغل عملي.
واتحركت لركن تاني محطوط فيه أجهزة كوريك وأجهزة خاصة بحل الكوتشات وكومبروسر لنفخ الهوا وغيرها، وبدأت تاني تعرفه عليهم وعلى كمية الهوا المطلوبة وتشرح كل جهاز تاني. واتحركت لركُن تالت خاص بكهربة العربيات وبدأت تشرح كل حاجة خاصة بيهم. ومع كل كلمة يونس بينبهر، هي إزاي متمكنة كده وعارفة كل مسمار حواليها وكل استخدامه بإحترافية شديدة.
مرت أكتر من ثلاث ساعات حور بتشرح فيهم ليونس بدقة متناهية وأسلوب سلس ومبسط كل حاجة حواليه اسمها واستخدامها بالتفصيل الممل.
حور خلصت: كده أنت عرفت كل مسمار حواليك. دلوقتي هانرجع للعربية اللي كنت شغال عليها عشان تشوف بنفسك بنتعامل إزاي.
رجعت وسبارس خد جمب: العربية دي الموتور فيه خلل في التروس وكمان الميه بتخلط جواه.
وبدأت تشتغل بحرفنة شديدة ويونس مركز بطريقة رهيبة معاها ومع كل حركة عينه مغفلتش لثانية. ولا أكتر من ساعتين حور قضتهم في العربية بدون كلل أو ملل.
حور ومسكت فوطة تمسح إيديها بعد ما خلصت: كده عرفت إيه العطل وإيه قطعة الغيار المطلوبة وكمان بتتحل إزاي.
يونس هز رأسه: آه تمام.
حور بصت في الساعة اللي في إيدها: طيب دلوقتي هناكل.
يونس بإبتسامة: أهلاً.
حور دورت وشها وابتسمت بمكر ونادت على سبارس وشوشته بصوت واطي.
سبارس رفع رأسه وهزها بطاعة واتحرك بسرعة لبره الورشة.
حور نادت لديشا بإبتسامة طفولية: أؤمري يا أسطى.
حور: فنجان قهوة وصاية ومتتأخرش.
ديشا شاور على عينيه: حمامة وطلع يجري بسرعة.
يونس قعد على كرسي ومسك المج بتاعه يشرب منه بهدوء ومزاج عالي.
دقايق ورجع ديشا ومعاه القهوة.
أخدتها حور وقعدت على كبوت العربية متربعة وبتشرب القهوة بشروووود وكأنها منفصلة عن الواقع.
خلصت قهوتها ويادوب دقايق ووصل سبارس.
حور بصوت عالي: يلا يا رجالة، الكل يغسل إيده وييجي عشان ناكل لقمة وعيش وملح مع الوارد الجديد.
الكل طلع يجري بسرعة على الحمام ودقايق كانت حور بمساعدة سبارس وديشا فرشت جرايد قديمة كان جايبها معاه سبارس وهو جاي وحطت الأكل.
يونس وهو بيبص للأكل بصدمة ومش قادر ينطق.
حور بمكر: يلا يا هندسة بسم الله عشان يبقى عيش وملح. ده سَلّونا هنا عشان ميخون العيش والملح إلا ابن الحرامي.
يونس وهو بيبص على الأكل بنظرة غريبة وبيحاول يتمالك نفسه ضم شفايفه لجوه وغمض عينيه لثواني وفتحها بسرعة.
حور حسّت بتردده لبسته في الحيطة بإستفزاز: آآآآه نسيت. معدة فافي، واخده الباتون ساليه والكورواسون.
يونس بصّلها بعينين مبرقة: نعم؟
حور ببرود وتحدي: أصل الأكل ده عايز الرجالة اللي بجد اللي من الشقا بتاكل اللقمة اللي تتحط قدامها عشان تسد جوعه وتسند قلبها عشان تقدر تقوم وتقف على رجليها وتكمل شقا وتبوس إيدها وش وضهر وبحمده عليها. عايزة معدة تهضم الزلط مش معدة قرفانة ولا ناس طرية ونايتي.
خلصت كلامها وحطت لقمة في بقها وهي بتغمض عينيها بإستمتاع.
يونس بصّلها ورجع بص للأكل وقعد معاهم على الأرض: أنا مش فافي ولا نايتي.
حور بتهكم: يبقى مد إيدك بسم الله.
يونس بتحدي: بسم الله. ومد إيده بعفوية وأكل. ومع أول لقمة وشه احمر، ولكن تمالك نفسه، مش هايسمح لحور تشمت فيه ولا تتأكد إنه طري.
يونس بيمضغ الأكل ببطء شديد وصعوبة أشد. وبعد وقت مش طويل كان معاناة ليونس. الكل خلص أكل ورجع يكمل روتين الشغل. ويونس حاول بكل جهده إنه يتناسى الألم اللي حاسس بيه في بطنه.
وأخيراً وقت الشغل خلص ودخل غير هدومه اللي حرفياً كانت لا تصلح للإستخدام الآدمي من منظر الشحم والزيت اللي بقى مليها بقع. دخل غير هدومه ولبس الهدوم اللي كان جاي بيها الصبح وطلع من الورشة وركب عربيته وساق بسرعة.
وأخيراً قدر يوصل البيت بسرعة. أول ما دخل طلق يجري على التلاجة وبقى يشرب لبن على قد ما يقدر. اترمى على الكنبة وفي إيده زجاجة لبن. قطع راحته صوت الجرس. قام بصعوبة وفتح الباب.
مازن بترحاب مزيف: يا أهلاً وسهلاً بالأسطى يونس المستجد الجديد في عالم الميكانيكا.
يونس سابه واترمى على الكنبة ورفع زجاجة اللبن يشرب منها بشراهة شديدة.
مازن وهو بيبصله بإستغراب: مالك يا يونس؟ مش عادي تشرب لبن بالكمية دي.
يونس بوجع: هاموت يا مازن، بطني بتتقطع بقالي أكتر من 5 ساعات ومش قادر أقول أي حاجة.
مازن بصدمة: ليه؟ أنت كنت ماشي زي الفل وكلمتني مكانش فيك حاجة.
يونس سابه وطلع يجري على الحمام. غاب فيه شوية وطلع مسك زجاجة اللبن يكمل شرب.
مازن بصدمة: مالك يا ابني فيك إيه؟
يونس وهو بيحاول يكتم وجعه: حور بنت ال... ولا بلاش شتيمة دي، هتبقى حرمي فيما بعد. أكلتني أكل منيل بنيلة.
مازن: أكلتك إيه؟ عامل فيك ده كله؟ ده أنت هاتموت يخربيتك.
يونس شرب كام بوق من زجاجة اللبن اللي قربت خلاص تخلص: فول، المفروض إنه بالزيت الحار بس ده بزيت عربيات متصبر في جهنم من كتر حرقانه، وجبنة مش مش مش عادي، لأ ده مش جاي من قاع جهنم، ومسقعة عبارة عن فلفل متسبك في نار جهنم وطعيمة جواها ناااار، وكله كوم والعيش كوم تاني بتقرش خرسانة أسمنت مسلح يا ابني. آآآآه هاموت. وكمل شرب في اللبن اللي كانت خلصت تماماً ودخل يجيب زجاجة لبن غيرها.
مازن وهو ماسك بطنه من الضحك لحد ما شرق وعينيه دمعت وفضل يكح وياخد نفسه بصعوبة.
يونس وهو طالع وفي إيده زجاجة لبن تانية.
مازن: يخربيت عقلك، هاموت. وإيه اللي خلاك تاكل وانت عارف إنه هايتعبك؟
يونس وهو بيحاول يقلد حور: "الأكل ده عايز الرجالة اللي بجد اللي من الشقا بتاكل اللقمة اللي تتحط قدامها عشان تسد جوعه وتسند قلبها عشان تقدر تقوم وتقف على رجليها وتكمل شقا وتبوس إيدها وش وضهر وبحمده عليها. عايزة معدة تهضم الزلط مش معدة قرفانة ولا ناس طرية ونايتي."
مازن بضحك: وطبعاً أنت قولت إزاي تقول عليا كده ولبست في الحيطة يا معلمي.
يونس وهو بيشرب اللبن بشراهة هز له رأسه بنعم.
مازن: يخربيت دماغك يا جدع. ده المثل بيقولك كل اللي يعجبك.
يونس: أعمل إيه؟ شيفاني طري، كان لازم أبعد الفكرة دي عنها. بس الغريبة يا ابني بتاكل ولا حاسة بأي حاجة وكأنها بتاكل آيس كريم يا معلم.
مازن بسخرية: أبشرررر. ده أنت هاتشوف إياك فلة شمعة منورة.
يونس بكسفة حواجب: ليه يعني؟
مازن بضحك: مش عارف ليه يا ابني. البنت اللي تاكل حراق تبقى قاسية، اللي ما صعب عليها مصارينها من نار جهنم دي هايصعب عليها قلبها.
يونس وهو لسه مستمر في شرب اللبن هز له رأسه برفض لكلامه.
مازن: لأ ليه؟
يونس أخد نفس بعد الشرب: المسألة تعود مش قسوة وحنية. وهي بطبيعة شغلها أكيد متعودة تاكل أغلب الوقت في الورشة وأغلبه أكل من الشارع.
مازن برفض لكلامه: لأ طبعاً، فيه أكل كتير غير اللي يوجع البطن ده. ممكن تجيب مشويات، سندوتشات من مطعم نضيف، أكل زي باقي البشر.
يونس بعد ما قرب يخلص زجاجة اللبن التانية: لأ طبعاً.
حور شغالة في ورشة وسط عمال وناس شقيانة، هاتسيبهم ياكلوا فول وطعمية وهي تاكل مشويات؟ يبقى هي مش حاسة بيهم، لأن العين بتشتهي والنفس بتتمنى والكل هايبص ويقول في نفسه العين بصيرة والإيد قصيرة. عشان كده بتشتغل وسطهم بإيديها وبتقعد وسطهم تقاسمهم اللقمة زيها زيهم بدون غرور أو تكبر.
مازن بتفكير: جايز. الله أعلم.
يونس كان شرب باقي زجاجة اللبن ولسه هايقوم يجيب غيرها.
مازن بشخطه: متقعد بقى، في إيه؟ هي أمك نسيت تفطمك؟ شارب لحد دلوقتي زجاجتين لبن، كل زجاجة اتنين لتر. اتهد بطنك، هاتعمل زي القربة وبطنك هاتوجعك أكتر.
يونس بتعب: ألم شديد في بطني.
مازن: كفاية اللي شربته. خدلك أي مطهر معوي وحاول تريح بكرة.
يونس برفض: لأ طبعاً مينفعش. ماروحش بكرة؟ لازم أروح وتشوفني واقف على رجلي. أنا مصدقت خدت خطوة لقربها مش عشان سبب هايف أرجع ألف خطوة لورا.
مازن بمحاولة لإقناع صاحبه: يا ابني ربنا بيقولك "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة".
يونس بحسم: حور مش تهلكة. حور دي جنة، حورية بجد. جنة لجوزها. مش بيقولك لا يفوز باللذات إلا كل مغامر؟ وأنا نويت أخوض المغامرة لآخرها عشان أفوز بيها.
مازن هز رأسه بقله حيلة: والله شكل نهايتك على يد ست حور بتاعتك.
يونس بلا مبالاة: مالكش فيه. ويلا هوّينا بقى عشان يا دوب آخد دش وأريح جسمي شوية.
مازن بكسفة وش: فعلاً محتاج تتنقع كام يوم يمكن ريحة البنزين اللي معتّقة في جسمك دي تروح. دي واصلة يا ابني لحد باب العمارة من تحت.
يونس وهو بيقاوم تعبه: فعلاً بجد الشغل ده طلع مجهد بطريقة صعبة جداً. الله يعين اللي شغالين فيه بجد.
مازن: طيب يلا أسيبك بقى وأروح أشوف اللي ورايا. أصل يا ابني ربنا ابتلاء بمدير في الشغل رمى شغله كله على أكتافي وطَفَش. أقول إيه منه له. وشاور بإيده على السماء.
يونس وهو بيرمي عليه خدادية جمبه: طيب روح شوف بقى اللي وراك بدل ما أكدرك الكا طاق طاقين.
مازن وهو بيفتح الباب: وعلى إيه؟ الطيب أحسن. سلا سلاموز.
ومشي وقفل الباب وراه.
قام يونس بصعوبة، دخل الحمام خد دش كويس جداً واتأكد إنه ريحته رجعت لوضعها الطبيعي وطلع خد قرصين مطهر معوي. اترمى على السرير، نام زي القتيل.
***
حور خلصت وقفلت الورشة مع العمال ورجعت البيت وهي في حالة غريبة عليها. حاسة بفرحة وكأنها عملت إنجاز فظيع في حياتها. دخلت البيت وكانت أمها في انتظارها كالعادة.
هدي: حمد الله على السلامة يا ضنايا. كده تخطبني عليكي تطلعي من النجمة من غير حتى ما تشقي ريقك بلقمة تسند قلبك طول اليوم.
حور بإبتسامة: الله يسلمك يا هدهد الجناين. معلش بقى كان عندي شغلانة مستعجلة عشان كده طلعت بدري. حقك عليا يا ست الكل.
هدي وهي مركزة في عين حور أوي: غريبة.
حور بإستغراب: هو إيه اللي غريبة؟
هدي: عينيكي بتلمع من زمان أوي مشفتهاش كده. حاسة كأنها بتضحك لوحدها.
حور بدهاء: ويا ترى يا هدهد تكرهي إني أكون مبسوطة؟
هدي بهزة رأس: لأ مكرهش. بس إيه السبب يا بنت قلبي؟
حور بشرود في يونس، اترسمت ابتسامة بسيطة على وشها من غير ما تاخد بالها خلت ملامح وشها نورت.
هدي: يااااه للدرجة دي.
حور بإستيعاب: هو إيه اللي للدرجة دي؟
هدي بإبتسامة مماثلة: للدرجة السبب حلو عشان يشقلب حالك ويخليكي تسرحي وانت عينك في عيني.
حور وكأن حد اداها قلم فوقها من المشاعر اللي حست بيها واستوعبت إن اللي بيحصل غلط.
حور هزت رأسها ولمعت عينيها انطفت في لحظة: مفيش حاجة يا ماما. ده بس العمال كانوا متجمعين النهارده وبيحكوا شوية والكلام كان مسلي وافتكرت أيام لما كانوا بيتجمعوا مع أبويا الله يرحمه.
هدي بإستغراب للفرحة اللي اتولدت في عينين بنتها اللي ماشفتش النور إلا لحظات قليلة أوي: إيه اللي جرى؟ شقلب كيانك في لحظة من حال لحال.
حور بهدوء: ولا حاجة. يلا حطي الأكل على ما أستحمى وأجيلك.
ومشيت بسرعة وهي بتهرب من عينين أمها اللي بتقدر تكشف روحها وتعريها من جواها. دخلت أوضتها وغابت دقايق طويلة وطلعت. كانت هدي رصت الأكل. قعدت بشرود تاكل في صمت كام لقمة وأغلب الوقت بتلعب بالمعلقة في الطبق.
طول الوقت وعيون هدي ملازماها وبتتابع كل تفصيلة بتجدد مع بنتها.
دقايق وحور قامت: الحمد لله. هاقوم أنام بقى. تصبحي على خير.
وسابتها ودخلت أوضتها بسرعة قفلت الباب وتركت على السرير تفكر في اللي بيحصل.
حور لنفسها: مينفعش يا بنت عامر. محدش بيكرر الغلط مرتين. أوعي تسيبي مشاعرك من إيدك تفلت. كفاية مرة وكانت النتيجة دمار وعار هايفضل ملازمك طول عمرك. أوعي تدخلي حجر الأفاعي مرة تانية.
قلبها: بس شكل يونس غير، شكله راجل جدع.
عقلها: وياترى آخرتها إيه؟
قلبها: آخرتها جواز وحياة حلوة. ليه منعيشها؟
عقلها: واللي جرى عندك الجرأة تحكيه وتقوليه؟
قلبها: اللي بيحب بيغفر. وانتي مأذبتيش، أنت كنتي متجوزة على سنة الله ورسوله.
عقلها: بس قدام الناس كلها أنا اتكللت وأنا بنت بنوت. وفي الحتة دي بالذات الرجالة كلها بتتساوي. محدش هايقبلها ولا هايرضى بيها. ومش بعيد يفضحك. فوقي يا حور فوقي. بدل ما المدفون يتفتح قبره والمدسوس فيه يتكشف وتبقى سيرتك لبّانة على كل لسان يتلوك بيها لسنين وسنين. والكل هايجيب اللوم عليكي. أوعي سامعة؟ أوعي تضعفي أو تسمحي لحد يكسرك. أوعي قلبك يبقى السبب في فضيحتك.
حور غمضت عينيها وفتحتها وهي حاسمة قرارها.
يا ترى حور قررت إيه؟
ويونس وحور ليهم فرصة تانية؟
يا ترى الأيام شايلة ومخبية إيه؟