تحميل رواية «تربية حواري» PDF
بقلم ولاء حامد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في حارة شعبية تتسم بالطيبه والأصالة، الكل يراعي بعضه. نشأت بطلتنا الصغيرة المتمردة، تربت وتراجعت بين أروقة الحارة حتى شبت. وكبرت كأنثى تخطف عين الرجال بجمال خلاب، ولكن تلفحت بلسان سليط يجلد كل من يقترب منها. فهي تربية الحارة التي لقبت بالقادرة لما تفعله بكل من يتجرأ عليها، وأصبحت الشرشحة هي وسيلتها الأولى. الساعة 8 الصبح في حارة المغربي، صوت صراخ وزعيق خلا الكل فتح شبابيكه يتفرج على الخناقة المعتادة كل يوم، والكل عارف إن آخرها محسوم. قامت هدى من النوم وهي بتبرطم: "يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم...
رواية تربية حواري الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم ولاء حامد
حور غمضت عينيها للحظات وكأنها بتنفض منها كل اللي دار بينها وبين نفسها. ولحظات وفتحت عينيها وهي حاسمة قرارها. فضلت طول الليل تفكر، وكل ما تحاول تنام عقلها يرفض إنه يستسلم لسلطان النوم. وفضل ضميرها يجلدها بكرباج الوجع والثقة. لحد ما طلعت الشمس وأخدت معاها سواد الليل اللي كان محمل بسواد الأفكار والوجع.
قامت من سريرها اللي كان أشبه بشوك بيقطع في جسمها. وجافاها فيه النوم برغم التعب والشقى. إلا إن الوجع والفكر كان أقوى من إنه يسلم جسمها قصاد راحة عقلها. وزي ما بيقولوا ما ينام إلا خالي البال، وحور بالها مهموم وشايل ومعبي كتير.
استغفرت ربها ودخلت الحمام، اتوضت وصّلت فرضها. وطلعت كانت هدى مجهزة الفطار كعادتها.
هدى: صباح الورد يا ضنايا.
حور بإبتسامة باهتة: صباح الفل يا هدهد الجناين.
هدى بإستغراب: مالك عنيكي حمرا زي مشاخيب النار.
حور وهي بتفرك عينيها: ولا حاجة، ده إرهاق بس عشان عندي اليومين دول ضغط شغل كتير وكمان التفتيش بتاع الضرايب قرب، فتلاقيني اليومين دول عقلي مش فيا.
هدى بعدم تصديق، ولكن قلب أم صادق وحنون، رفعت إيدها للسماء: ربنا يريح بالك يا حور يا بنت بطني، قادر يا كريم يكتبلك السعد والوعد ويجعل لك الخير ملازمك في كل طريق. ويفتح لك أوسع أبوابه في كل ضيق. ويجعل قدامك أخضر ووراكي أخضر. ويجعل حياتك قدح برسيم، قادر يا كريم.
حور ابتسمت ابتسامة صافية براحة من دعاء أمها العفوي، إلا إنه ريحها كتير: اللهم آمين. يلا أنا شبعت، فوتك بعافية.
هدى بصت على الأكل اللي راقد زي ما هو، متاخدتش منه إلا لقمه واحدة بالعدد: كليتي فين ده يا بنتي؟ ده الأكل راقد زي ما هو، ده اللقمة دي متشبعش جنزورة عشان تقوّت بني آدم.
حور بتبرير: معلش بقى، انتي ست العارفين. طول ما أنا مشغولة مبقدرش آكل. يلا نهارك أبيض.
هدى بهزة راس، ولكن قلب وعقل أم مشغول على بنتها، ولكن ما باليد حيلة. حور زي الصندوق المقفول، محدش يقدر يفتحه ولا يقدر يعرف اللي جواه إلا إذا هي سمحت بكده: نهار أبيض يا ضنايا.
طلعت من البيت وركبت عربيتها. وزي ما كان جلد الذات والضمير ملازمها طول الليل، فضل ملازمها طول الطريق. وصلت ودخلت مكتبها بعد ما طلبت قهوة وصاية. شربتها ونزلت. كان الكل اتجمع.
***
يونس صحي من النوم وحاله أحسن بكتير من إمبارح. مارس روتينه اليومي، أخد شاور سريع وغير وصلى فرضه. وجهز فطار بسرعة وشرب قهوتهم. وكالسابق جهز مج حراري فيه بلاك كوفي واتحرك على الورشة. طول الطريق سرحان في حور واليوم اللي جمعهم ببعض. وبالرغم من اللي عملته، إلا إنه مبسوط من وجوده معاها في مكان واحد.
الوقت عدى بسرعة. يونس كان مستعجل وسايق بسرعة. وصل الورشة ودخل من سكات، غير هدومه وطلع. كان في نفس وقت نزول حور. اتقابلت عيونهم في نظرة مكملتش ثواني، لكن حور لفت دماغها وكأنها بتدور على حاجة معينة بعيد عن مرمى بصره.
يونس بجدية: أنا جاهز، هانتعلم إيه انهارده؟
حور بهدوء: سبارس هيتابع معاك. ورايا كام حاجة.
وبصوت عالي: سبااااارس.
سبارس بفزعة من صوت حور: أيوه يا أسطى.
حور: مع البشمهندس وعلمه من الألف للياء. كل مسمار في العربية إيه ووظيفته إيه ويتفك إزاي ويتركب إزاي. ومن دلوقتي هو مسؤوليتك.
يونس كش حواجبه وبيحاول يستشف إيه سبب تغير حور الواضحة في كلامها: مش المفروض إن حضرتك اللي هاتعلميني؟ مش عامل من العمال هنا.
حور بحده: أقل عامل هنا أحسن من أحسن مهندس دارس. عشان شاربين الصنعة على أصولها. اللي بمدرسة في الكتب حاجة، واللي بتشتغله بإيدك حاجة تانية. اللي هنا أستاذ ورئيس قسم في مجاله. واللي اخترته لك جامع الاثنين. البشمهندس محمود طالب في كلية الهندسة قسم ميكانيكا سيارات وكمان شغال هنا، يعني شارب الشغل على أبوه. وأنا ورايا مليون حاجة. اللي يخصك إنك تتعلم سواء معايا أو مع غيري. التعليم مبيقفش على مدرس، بيقف على اللي عايز يفهم.
وبالاذن سابته واتحركت تشوف شغلها.
يونس اتحرك مع سبارس بعقل شارد، ولكن عينه متابعة. وكل شوية ينبه نفسه ويلتفت بعنيه ناحية حور اللي مش باصة عليه إطلاقا. فضل على وضعه لحد ما جه وقت البريك. وطلعت حور مكتبها. ودقايق وكان ديشا طلع ليها بفنجان القهوة. والعمال كل واحد بعت جاب أكله. ولكن من حاله يونس والوضع اللي فيه، محدش أصلا بالجوع.
مر الوقت، ولكن في عز انشغال الكل، حضر ضيف عزيز وغالي على قلب حور، ولكن أشعل النار في قلب يونس.
ياسر بصوت عالي: صباحو فل يا أسطي. الله ينور.
حور بإبتسامة: صباحو ورد يا ابن العم. ينور علينا وعليك. إيه الشقة الغالية دي؟
ياسر بضحك: جايلك ووشي في الأرض ورقبتي قد السمسمة.
حور برفعة حاجب: والله سلامة رقبتك، مهي قد الزرافة أهي. وغمضت عين وفتحت التانية. خييير يا ابن عابد.
ياسر بهزة راس: مفيش فايدة فيكي. على العموم يا ستي، شاور على العربية الحلوة اللي عملتها معايا. جايبها بالزق لهنا.
حور بصت على العربية: غالي والطلب رخيص.
كل الحوار دار تحت أنظار يونس اللي الغضب بلغ محله عنده لأقصى درجة وعنيه مثبتهم على حور.
اتحركت حور وفتحت العربية وبدأت تشتغل فيها بحرية شديدة.
ياسر قعد، ولكن لفت انتباهه عينين بتطلع نار مركزة عليه. وبصله وبيحاول يفتكر شافه فين، لأن الشكل ده مش غريب عليه. اتحرك بخطوات ثابتة وقف قدامه للحظات: أنا شوفتك فين قبل كده؟ حاسس الشكل ده مش غريب عليا.
يونس بتمالك أعصاب وبرود: فعلاً اتقابلنا، وكلنا عيش وملح قبل كده.
ياسر بصله وغمض عينيه نص تغميضة وهو بيحاول يفتكر شافه فين.
حسم يونس التفكير: لما جيت هنا أصلح عربيتي، لما الآنسة حور كانت لسه طالعة من المستشفى.
ياسر بتذكر: آآآآآآه صح. طيب وحضرتك بتعمل إيه هنا؟ تتصلح عربيتك تاني ولا إيه؟ بس مش شكل هدومك، أشك إنك جاي تصلحها. شكلك شغال هنا.
يونس بنفس البرود: لاء، جاي أتعلم الميكانيكا. لأني جالس شغل في موقع في قلب الصحرا في منطقة معزولة. والعربية لو عملتها مهلاقيش اللي يلحقني.
ياسر بصله بعمق وكلامه مش مقنع بالنسبة لياسر. ببصله لأنه شاب زيه وعارف النظرة اللي في عينيه كويس أوي. ولكن فضل الصمت في الوقت الحالي: تمام، الله المعين.
وسابه وفضل قاعد مكانه على الكرسي، ولكن بعينين بتردد كل حركة ونظرة منه لحور ومن حور ليه.
دقائق طويلة تكاد تصل لربع ساعة أو نص ساعة.
حور: عربيتك خلصت وتقدر تاخدها.
ياسر بهدوء: الله ينور. ما يجيها إلا بنت عامر بصحيح.
حور بإبتسامة: طيب يلا، طريقك أخضر مسفلت كن غير مطبات.
ياسر: طيب الحساب.
حور بنظرة عضب: يوم الحساب يا خفيف.
ياسر بتوضيح: الشغل شغل.
حور بنفس النمط: تبقى شتيمة لما تيجي ورشة عمك وتدفع فيها. يلا طريقك أخضر.
وسابته ورجعت تكمل شغل العربية اللي كانت في ايدها قبل ما ييجي ياسر.
ياسر هز رأسه بقله حيلة وخد عربيته. اتحرك ولكن عقله مشغول وألف سؤال وسؤال فيه. ولكن أجل الكلام لحد ما يعرف مين ده وعايز إيه من بنت عمه.
***
خلص اليوم ومرت الأيام ورا بعضها لحد ما عدى أسبوعين على وجود يونس في الورشة. وكل يوم يتسرّب بحجة شكل وشبه. اتأكد إن فيه حاجة بين يونس وحور ولكن مخفية. طلع من الورشة وركب عربيته واتحرك وهو حاسم قراره.
في عز اندماج يونس في الشغل، تليفونه رن وما كان إلا مازن.
يونس مسح إيده بالفوطة ورد بسرعة: أيوه يا مازن، خير.
مازن: خير يا يونس، إنت فين بالظبط؟
يونس: ما إنت عارف أنا فين.
مازن بتوضيح: يا ابني أقصد المنطقة فين، المكان فين بالظبط؟
يونس: ليه؟
مازن: فيه حاجة في التصميم الأخير عايزة تعديل. وأنا مقدرش لأنك الوحيد اللي عاينت الموقع وعارف أبعاد المساحة.
يونس بتفهم: تمام. العنوان... عارفه.
مازن: اه عارفه. أول ما أوصل هناك هتابع معاك بالتليفون.
يونس: تمام.
مر الوقت ووصل مازن الورشة. أول ما شاف يونس ابتسم: لا أسطى ميكانيكي قد الدنيا. أسطى أسطى يعني مفيش كلام.
يونس بحدة: اخلص يا زفت.
مازن بترقص حواجبه: لا الواحد كده ضمن يصلح عربيته ببلاش.
يونس بشخطه: اخلص والا والله أشغلك هنا سنة لقدام وأوصي عليك.
مازن بضحك: لا يا عم الله الغني.
يونس: في إيه بقى؟
مازن بص حواليه: طيب هانفرد التصميم فين؟
يونس التفت حواليه وقفل كابوت عربية مفتوح: تعالي هنا.
ومازن فرد التصميم اللي كان جايبه معاه. وبدأ يوضح النقط اللي مطلوب تعديلها.
يونس بإنصات: تمام. هاتظبط المساحات المطلوبة وغيرها حسب المساحة المتوفرة.
وبدأ يشرح بالتفصيل وهو بيوضح بمفك كان في إيده على الرسم الهندسي المطلوب. ومازن عينه على كل تفصيلة بتركيز شديد.
خلص يونس كلامه وشرحه: كده تمام، عرفت هاتعمل إيه؟
مازن بهزة راس: اه تمام. ولو حاجة وقفت قدامي معاك على تليفون.
يونس: أشطا. يلا اتوكل على الله عشان التعديل المطلوب مش سهل.
مازن: إن شاء الله خير. قدها وقدود، متقلقش.
ومال على يونس همس في ودنه: إيه الأخبار؟ طمني عملت إيه ووصلت لحد فين؟
يونس بص على حور نظرة سريعة: لسه الطريق طويل يا مازن. طلع أطول وأصعب مما اتخيل.
مازن بتقدير لموقف صحبه: قدها وقدود يا بوص. طول عمرك لما بتحط هدف بتوصله مهما كانت الصعوبات. مش إنت يا ابن اللباد اللي تنسحب.
يونس: متقلقش. بس هي الموضوع محتاج صبر. فيه حاجات غامضة كتير ومش عارف ممكن أبدأ منين ولا أبدأ إزاي. بقيت عامل زي اللي تايه في صحرا وضَل طريقه.
مازن بتفهم: قول يارب. وربنا هايسخر لك اللي يساعدك ويحطك على الطريق الصحيح اللي تقدر تكمل فيه في أمان.
يونس بحرقة: يارب يا مازن، يارب.
قبل ما يكمل كلامه، حد من العمال نده عليه. ألتفت لمازن ثواني وراجعلك.
مازن هز رأسه: ماشي، روح وأنا مستنيك.
أتحرك يونس. ومازن أخده فضوله يتفرج على الورشة اللي صاحبه مبطلش كلام عنها. وفضل يلف ويتفرج بإنبهار من المكان وطريقة الشغل اللي ماشية زي الساعة. ووقف وسند إيده على برميل مركون جنبه. ولسوء حظه، كان البرميل عليه فوطة مليانة شحم بهدلت إيدين مازن.
مازن وهو بيبص لإيديه بصدمة وبدأ يتلفت حواليه على حاجة يمسح إيديه بيها.
حور خدت بالها منه وقربت بهدوء: في حاجة؟ عمال تتلفت حواليك زي اللي ضايع منك حاجة.
مازن بص لإيديه: لاء، ابداً. بدور على حاجة أمسح إيديا اللي اتدمرت دي.
حور بصت على إيديه وبلا مبالاة: اممم، ده شحم. مش حاجة صعبة. شوية بنزين واغسل إيديك هايروح. بس متحاولش تلمس هدومك عشان مبيطلعش من الهدوم.
وسحبت زجاجة صغيرة من جنبها وحطت شوية على إيديه. افركهم كويس عشان يروح بسرعة.
مازن بسرعة بدأ يفرك إيديه جامد.
حور بهدوء: روح اغسل إيديك بسرعة.
مازن بص بعنيه على مكان الحمام. ممكن يكون فين في مغارة على بابا اللي هو فيها دي؟
حور بإستفزاز: الكابينية عندك في آخر الطرقة دي على إيدك الشمال.
مازن بعدم فهم: نعم؟
حور: هو كل ما أكلم حد يقول إيه؟ إيه؟ هو أنا بقول طلاسم ولا بتكلم بالأوندي؟
قبل ما مازن يعترض ويرد، كان وصل يونس اللي شاف صاحبه مذهول وبوقه مفتوح بطريقة مضحكة: مالك واقف متنح كده ليه؟
مازن بعدم وعي: بحاول أترجم الطلاسم اللي مش فاهمها.
يونس كش حواجبه: طلاسم إيه؟
مازن بذهول: الكابينية.
يونس بضحكة عالية لدرجة ظهرت غمازاته: ااااه لاء، ده العادي بتاع حور. هي قصدها على الحمام.
مازن بصدمة أكبر: يا راجل! يعني الطلاسم الهيروغليفية دي يعني الحمام؟ سبحان الله يا جدع. فعلاً البني آدم مهما اتعلم بيفضل جاهل.
يونس بنفس الضحك: طيب يلا، عرفت مكانه ولا أقولك؟
مازن بهزة راس: لاء عرفت. كان مترجم آخر الطرقة.
يونس بضحك وهو عينه على حور: كويس إنك ترجمت. يلا.
مازن أتحرك ودخل غسل إيديه وطلع وهو مذهول. إزاي يونس بيحب حور؟ الاثنين على النقيض من بعض. يونس ابن ناس ودايماً لابق. حور عفوية، عصبية، حاطة ألف حاجز وحاجز بينها وبين الناس.
بعد دخول مازن الحمام، وصلت شذى بشعنوتها المعتادة.
شذى بصوت عالي لفت نظر كل اللي في الورشة: يا صباحوووو يا رايق، سفن أب.
حور بإبتسامة صافية طالعة من القلب: أهلاً بالناس الطفسة يا بت. نفسي مرة تتكلمي من غير سيرة الأكل والشرب.
ختمت كلامها بخطبة في كتف شذى.
شذى بضحكة وابتسامة حالمة وسرحت بخيالها وغمضت: وهو في زي الأكل؟ ويا سلام لو كانت حلة محشي، لا لا حلتين، لا لا تلاتة. كل واحدة شكل. واحدة ورق عنب وواحدة كرنب وواحدة مشكل، بقى إيشي فلفل وإيشي كوسة وتيجي بتنجان. وأخدت نفس طويل ويا سلام لما يبقى معاهم فرحة بلدي عتاقي محمرة في السمنة البلدي أو دكر بط بلدي متزغط ومعمول على شوربته شوية ملوخية خضرا وعيش بيتي مخبوز وسخن وطازح موحوح كده بنار الفرن. لا لا ده من التخيل. جوعت.
وفتحت عينيها مرة واحدة وبصت لحور بعينين القطة البريئة: متقولي لأمك تكرر العزومة اللي فاتت. إلهي تنستري. بطني نشفت والنشا من كتر أكل البطاطس طفحت على وشي. حتى تلاقي وشي خس وأبيض من كتر الأنيميا والدموية وقفت في عروقي وركبي سابت.
حور بضحك لحد ما عينيها دمعت، ميلت وسندت بإيديها على ركبتها وبتكح بطريقة صعبة كأنها بتستجدي النفس.
شذى بعويل وبقت تهزها: لا يا حور متموتيش يا حور قبل ما توكليني. ده أنا غلبانة وهفتانة وهبيانة من الجوع.
حور وهي بتحاول تنظم نفسها اللي اتقطع من كتر الضحك: يابت اتهدي بقي.
شذى: اسكتي يا حور، اللي إيديه في الميه مش زي اللي إيديه في النار. مهو بصي، يا تعزميني، يا تخلي أمك تتبناني. مهو مش عدل. أمك شيخة محترمة وأمي هريانا بطاطس. طيب والله العظيم أبويا لو ما كان كاتب نص البيت باسم أمي لكان طلقها. ده الراجل خس وعدم وبقى زي عصاية الزعافة بس من الحتة الرفيعة اللي فوق. الشبه اللي بينهم هو نفس الكدش بتاع الزعافة هو هو اللي في راس أبويا.
حور بضحك: يابت اتهدي، الله يحرقك. قلبي هايقف.
شذى بجدية مزيفة وتفكير أهبل: طيب بقولك يا بت يا حور، إيه رأيك نخلي زيتنا في دقيقنا؟ أنا أقول لأبويا يتجوز أمك، وإنتي تقنعيها توافق. حياة عيالك يا شيخة. ادنا وأبويا وإخواتي نفر نفر ندر عليا والندر دين لأصلي قيام الليل كل ليلة. لا مش أنا بس، الكل. وندعي لكِ ولأمك. مهو حرام المواهب دي تتدفن. وأمي مطلعاه على جتتنا زي حب العزيز من كتر البطاطس.
حور بنظرة غضب: نعم؟ نعم يا اختي؟ إيه؟ ليه رخص واتكب؟ وكله الكلب اتلمي يا شذى في ليلة أهلك المغفلقة دي. وإيه يا اختي اللي حدفك علينا انهارده؟
شذى ببرود وتناحة: أصلي عزمت نفسي عندكم النهارده على الغدا. ولو عجبتني الخدمة والإقامة، ممكن أمدها لعشا وفطار وغدا وعشا لمدة أسبوع ولا أسبوعين.
حور بكز سنان: تنحة وباردة.
شذى برفعة كتف وقلبة شفايف: قديمة. مجبتيش جديد يعني.
حور أخدت نفس طويل وطلعت: لاء بجد، إيه اللي فكرك بيا وجابك الورشة؟
شذى شدت كرسي وقعدت عليه: والله يا بنتي لا كان بيا ولا عليا. أمي اتصلت بيا في الشغل أعدي على أخويا ومراته عشان عازمني على الغداء. وروحت وعوجت بوقي يمين وشمال. وياريتني ما روحت يا اختي. البيه ومراته جايبين لي عريس. معرفش لقوه في أنهي مقلب زبالة. جسم زي الفحل ووش زي الفحم وصوت زي العجل. واقعد ومجعوص أوووي وبيتنك ابن الوارمة. وشغلك وفلوسك وعربيتك وبتقبضي كام؟ وهانعيش مع أمه. وبعد ما غار عريس الهم المعدولة عايزاني أنضفلها مقلب الزبالة اللي عايشة فيه.
حور سمعتها للأخر بإنصات شديد.
حور بهدوء: بصي يا شذى، مبدئياً من حقك تقبلي أو ترفضي حسب قناعتك الشخصية. وده حقك محدش يقدر يتعدى عليه بالشرع والدين والأصول تماماً.
أما إنك تنتقدي شكله ده أكبر غلط. لأن ربنا قال في كتابه العزيز بسم الله الرحمن الرحيم:
لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ. صدق الله العظيم.
إنك تنتقدي شكله ده أكبر غلط ويدل على سطحيتك. لأن شكله إنتي متقدرش تخلقي منه شعرة.
تاني هام، اتعودت دايماً إنك لما تدخلي بيوت الناس متنتقديش حد لأنك متعرفيش ظروفه. افتكري مرة زمان وأنا لسه عيلة كنت عند ناس معرفة وحصل حاجة وبعقل طفلة جيت البيت أحكي لأمي اللي حصل هناك. يومها قالت لي كلمة لازقة في دماغي بغراء لحد دلوقتي. قالت لي: ((يا غريب كن أديب. ادخل بيوت الناس أعمى واخرج منها أصم)). يعني إنتي ضيفة غريبة مهما شوفتي عينيكِ كانها ما شافت. وأوعي، سامعة؟ أوعي لسانك يترجم اللي شافه عينك وينطقه. دي الأصول. كنا لما نقف في البلكونة وحد فاتح شباكه ولا بلكونته قدامنا، لو جيت أرفع عيني أمي تقولي: أوعي عينك تنتهك حرمة بيوت الناس. الأولى لك والثانية عليك والثالثة تقذف بها في نار جهنم. أوعي النظرة تسرقك وتستحلي كشف ستر بيوت الناس.
من يومها ومنين ما أروح، عيني متترفعش في بيت حد. ومهما حصل أو سمعت أو شفت منطقش وكأنه لم يكن. واتعودت منين ما أشوف بيت فاتح شباكه ولا بابه، عيني تنزل الأرض. أصل البيوت ليها حرمة والحرمة ليها حرمانية واحترام. فهماني؟
شذى بإقتناع: فهماني. عندك حق. ولا يهمك.
دار الحوار بينهم غافلين عن العيون المراقبة بعيون الصقر.
يونس بفخر من كل كلمة طلعت من لسان حور وزادت اقتناعه ويقينه أنها ضلعه الناقص ومش هاتكون لحظة غيره لأنه اتخلق ليها وهي اتخلقت ليه.
ومازن اللي سمع الكلام وضحك على عفوية شذى واتصدم من عقل حور اللي ميكس متناقض. لسان زي الكرباج وشكل جمالي يغري الزاهد وعقل حكيم شعرة شاب في فهم الدنيا.
يا ترى مصير يونس إيه؟
وحور هتعمل إيه؟
وإيه حكاية يا مازن؟
رواية تربية حواري الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم ولاء حامد
مازن مستغرب من شخصية حور، بالرغم إنه عارف إنها مولودة ومتربية في حارة وشغالة وسط فئة صعبة من الناس، إلا إنه اكتشف إن عقلها أكبر من سنها وخبرتها في الحياة كبيرة جدا. شخصية مذهلة، وهي دي فعلاً اللي تليق بيونس اللباد، فعلاً نصين بيكملوا بعض.
شذى بتبص ورا حور على اللي واقف وعينيه مركزة معاهم، وعلى الناحية التانية اللي واقف وسارح ومثبت عينيه على حور ومشالهاش.
شذى: إيه الحكاية؟
حور، كاتمة حواجب وعدم فهم: حكاية إيه؟
شذى، وهي بتشاور براسها على الوشوش الغريبة اللي في الورشة: حكاية دول، مين دول؟
حور فهمت عليها من غير ما تبص حتى وردت ببرود: واحد بيتعلم الميكانيكا، والتاني صاحبه وجايين يزوروه. نش قصة هي يعني.
شذى، برفعة حواجب وعدم اقتناع: لا والله.
حور، على نفس: آه والله، وأنا هاكذب عليكي ليه؟
شذى، بهمس: أصل الحليوة اللي واقف على يمينك عينه متشالتش من عليكي. وشوية كمان وهاتطلع قلوب. غمزت بعنيها وهي بتخبط حور على كتفها. شكلنا هانلبس الفستان الجديد ونقول مبروك.
حور، بقبضة قلب وعصبية اتحكمت فيها: مفيش الكلام ده، وشيلي الموضوع ده من دماغك. أنا لا فاضية لجواز ولا لحب ولا لكلام فاضي ملهوش تلاتين ألف لازمة. أنا في رقبتي مصالح ناس وبيوت مفتوحة.
شذى، بتناحة: طيب ما انتي اتخطبتي واتكتب كتابك مرة وكنتي على وشك الجواز.
حور، بوجع في صدرها وكأن سكينة بتنحر في قلبها، أخدت نفس طويل: وعلشان جربت وعارفة اللي فيها بقولك أهو. لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين، وأنا اتلسعت مرة فمش من العقل إني أحط إيدي في نفس النار تاني.
شذى: بس واضح إنه...
قبل ما تكمل كلامها قاطعتها حور بحسم: ولا واضح ولا موضحش. شذى اقفلي السيرة دي وقضينا من أم الموال ده.
شذى، بإستغراب من موقف حور الحاد: خلاص خلاص. إيه مصدقتي اتفتحت في وشي خلاص يا ست. هاقوم أروح أنا.
حور، حست إنها زودتها شوية مع شذى، أخدت نفس طويل تهدي بيه نفسها: مش قولتي هاتتغدي مع هدى انهارده؟
شذى، بخنقة من أسلوب حور الحاد: لأ خلاص. يا دوب ألحق أروح بقى عشان متأخرش.
حور، بإبتسامة بسيطة ومكر: طيب براحتك. أصلي تقريباً كده كنت شايفه هدى جايبة من على السطح دكر بط. دكر وز. مركزتش الصراحة. البارح كانت جايبة كرنباية وصايه وحمزة ملوخية خضرا. يلا مش مشكلة بقى عشان متتأخريش.
شذى، بتمني: خلاص بقى هاسبقك أنا وانتي حصليني. ماشي؟ متتأخريش.
خدت شنطتها وطلعت من الورشة.
حور، بإبتسامة واسعة نورت وشها، بقت تخبط كف بكف: والله ما ليكي حل. مجنونة من يومك. هاتطلعي لمين؟ إن ما طلع لأمه وأبوه هايقولوا منين جابوه، وإنتي ما شاء الله عيلة خُل.
مشيت شذى ومازن واقف مرسوم على وشه ضحكة هبلة. ويونس واقف عينيه ثابتة على حور اللي أخدت أخدت بالها من نظرة كل واحد فيهم. ومع ذلك مشيت من مكانها رجعت تكمل شغل وتجاهلت نظرات يونس العاشقة ونظرات مازن الهبلة وكأنهم هوا.
بعد وقت، مازن استأذن علشان يمشي. وفعلاً ركب عربيته واتحرك علشان ينفذ التعديل المطلوب على التصميمات اللي بلغه بيها.
يونس طول الوقت بيحاول يستغل أي موقف يجمعه بحور، وهي بتتعامل ببرود جليدي غير طبيعي. ويونس وصل لأقصى درجات التحمل معاها.
انتهي اليوم وانتهي معاه صبر يونس، اللي حرفياً بقى مشتت من كتر الغموض والبرود اللي حوالين حور.
ركب عربيته واتحرك على بيته وهو شارد. ولكن لفت نظره.
حور خلصت اليوم ما بين الشد والجذب وركبت عربيتها في طريقها للبيت. وكعاده كل يوم، تشرد بعقلها طول الطريق. ولنفسها كعاده كل يوم: وبعدين يا دنيا؟ وخداني لفين؟ كل طريق مليان وجع قلب. منين ما تلفت ألاقي الهم ورايا ورايا ورايا. ماضي اسمه جبل. وقدامي شبح محاوط حياتي اسمه يونس. وفي جمبي ياسر واللي بقى ملازمني زي ضلي. والنحية التانية أمي اللي كلامها برغم عفويته، إلا إنه زي السكينة التلمه بتعذب في الجسم بالبطيء. يارب دبرني وحلها من عندك. نفسي أرتاح والله. ما عايزة غير الراحة وبس. اااه يا بنت عامر، كانت مدسوسلك في أنهي جبانة اللي طلع على غفلة عمال يلف همومه حوالين رقبتك. يارب اااااه يارب.
واخيراً وبعد معاناة كل يوم، وصلت البيت ودخلت. وخايفة إن فيه كارثة مستنياها جوه. حسمت أمرها ودخلت البيت. لقيت شذى قاعدة هي وهدى في الصالة.
حور، بإبتسامة: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هدى، بحنان أمومي: وعليكم السلام يا ضنايا.
حور، بهزة راس: مفيش فايدة. ورايا ورايا يا بنتي. ارحميني.
شذى، بترقصه حواجب: يا بنتي دانا فاكهة حياتك. تنكري إني بدخل مكان بحوله 380 درجة.
حور، بسخرية: أعرف إن 360 في عشرين درجة زيادة.
شذى، بضحك: نحن نختلف عن الآخرون. المهم يلا بسرعة كده طسي وشك بشوية ميه واغسلي إيديكي. مش مهم تغيري دلوقتي. أنا بقالي ساعتين قاعدة بشم وبطني بتعزف مقطوعة بيهوفن من الجوع. يلا يا حور اخلصي.
حور، بذهول: طيب يا مفجوعة. اصبري. اللي صبرك ساعتين يصبرك كمان ربع ساعة. استحمي وناكل على نضافة.
شذى، بقلبه وش: طيب منا بقولك اغسلي إيديكي. أهه.
حور، بنفخة زقت شذى بهزار: غوري يابت كتك القرف.
وسابتها ودخلت أوضتها. استحمت وصلت المغرب وطلعت. اجتمعوا في وقت جميل كله ضحك وهزار. وشذى اللي دايماً تحط الماتش بتاعها في أي مكان وكفيلة تغيره من كآبة لفرح وضحك. ومر الوقت ومشيت شذى من البيت بعد توديع حار من هدى وحور.
دخلت حور بعد ما قفلت باب المدخل الحديد وقعدت على الكنبة: والله البت شذا دي ما ليها كتالوج.
هدى، بضحك: والله قلبها أبيض. اللي دايماً يتكلم داه أغلب بني آدم. لأنه مبيعرفش يشيل جواه. واللي في قلبه على لسانه يبقى عفوي وعلى طبيعته.
حور، بتأكيد: فعلاً والله يا أما. هي فعلاً كده. تحسيها هبلة وغلبانة.
هدى: ربنا يسعدكم يا ضنايا. يلا خلينا نرتاح. الوقت اتأخر وانتي بتقومي لشغلك من النجمة.
حور، بهزة راس بسيطة: عندك حق. يلا تصبحي على خير.
وكل واحدة منهم دخلت لأوضتها.
جبل حاله بقى حال كل يوم. سهر بره لنص الليل ويرجع يعتكف في أوضته. وأبوه وأخته محدش بقى فاهم ماله.
رجع زي عادته كل يوم وأول ما دخل لقي في وشه همام مستنيه.
همام، بحده وصوت صارم: حمد الله على السلامة يا بيه.
جبل: الله يسلمك. في حاجة؟
همام، بنفاذ صبر: والله المفروض السؤال ده يتسأل ليك. في إيه؟ إيه اللي صابك وغيرك بالشكل ده؟ كل يوم سهر لنص الليل وبقيت واحد تاني أنا معرفهوش.
جبل، بنفخة: يووووه بقى. كل يوم نفس الأسطوانة. مش هانخلص منها ولا إيه؟ هو أنا بنت خايف عليها؟ كفاية عليك جميلة يا حاج. وطلعني من دماغك. أنا راجل يعني لو سهرت ولا بت بره البيت محدش هانكلم عليا. سيبني بقى أعيش حياتي وأعيش سني. مأجرمتش يعني لما حبيت أشوف الدنيا.
همام، بتعقل: معترضتش. أنا معترض على الأسلوب مش الوضع. بقيت بتتعامل ببلطجة. لسانك سفيه وغلاط. بقيت مهمل في شغلك. بقيت مستهتر في حياتك. عايز توصل لإيه؟ بتتمرد على حياتك اللي فاتت. تمام معاك مش معترض. بس اتمرد بالعقل مش بالغلط. شوف الغلط فين وصلحه. قوي شخصيتك بس بالأصول. اعرف الصح فين واعمله. مش ماشي أعمى ورا شلة بلطجية.
جبل، بصوت عالي: والله أنا حر. حياتي وأنا حر فيها. ومادام أنا شايف ده أضح يبقى محدش ليه عندي حاجة. أغير حياتي بالشكل اللي يريحني ويرضيني أنا. مش حد تاني. كفاية بقى جبل اللي بقى ماشي زي الأعمى في ضلكم ومنساق زي البهايم. بينك وبين مراتك. سيبوني في حالي بقى.
رمي كلامه ودخل أوضته ورزع الباب وراه بشدة. رجت الحيطان.
همام، اترمي على الكنبة مصدوم ومهموم من حال ابنه. هو صحيح غلط. بس كان بيحاول بكل الطرق يحافظ على بيته. هو معترف بغلطه. بس يعمل إيه؟ ابنه بيضيع من بين إيديه.
غمض عينيه بوجع وفرك وشه بكفه إيده. حلها من عندك يارب. اللهم إني وكلتك أمري فأنت خير وكيل. ودبرلي أمري فإني لا أُحسن التدبير.
يونس حسن بعربية ماشية وراه وكأنها بتراقبه. فضل متابعها في المراية شوية واتحرك في طريق غير طريقه. لقى إن العربية لسه ماشية وراه. لف تاني ورجع لطريق بيته.
يونس: يا ترى في إيه؟ أنا مفيش بيني وبين حد عداء أصلاً علشان جو الأفلام اللي بيحصل ده.
كمل طريقه وعينه متابعة المراية لحد ما وصل أخيراً تحت العمارة. منزلش من عربيته على طول. استنى دقايقه وبعدها نزل. وهو بين نارين يطلع شقته على طول وبين إنه يروح للعربية اللي واقفة على بعد مترين تلاتة منه. وهو بين نارين. حسم الحيرة دي. نزول آخر شخص يتوقع في يوم إنه يراقبه أصلاً.
يونس بصدمة: إنت!
ياسر بسخرية: إيه؟ شوفت عفريت لصدمتك دي؟
يونس بتعقل: لاء خالص. بس مستغرب. ماشي ورايا وجو أكشن بتاع أفلام. مش غريبة يعني.
ياسر بحده: لاء مش غريبة. لما ألاقيك بتحوم حوالين بنت عمي يبقى مش غريبة.
يونس أخيراً قدر يفهم تصرف ياسر: اااه. هو الموضوع كده يعني يا عم. كنت وفرت على نفسك وعليا. الله دي كلها وجيتلي دوغري.
ياسر: قصدك إيه؟
يونس بهدوء: اتفضل معايا شقتي هنا. مينفعش نتكلم في الشارع كده.
ياسر بتردد: ممكن نقعد في أي كافيه أو قهوة. مش إشكال.
يونس بعتاب: ليه؟ قالولك إني بخيل؟ ياراجل داحنا واكلين عيش وملح مع بعض. متخافش. المنطقة كلها مليانة كاميرات. وكمل بهزار: متخافش على عمرك. دانا المفروض اللي أخاف منك بعد جو الأكشن ده.
ياسر بإبتسامة بسيطة زرعت بوادر أمل: إن كان كده ماشي.
طلع الاثنين في الاسانسير وفتح يونس شقته بترحاب: اتفضل البيت نور.
دخل ياسر وعنيه بفضول بتتحرك في الشقة.
شقة كبيرة. ألوانها هادية ومريحة. الفرش مودرن مكمل المظهر الجمالي ليها.
يونس انتظر اللحظات اللي بيتأمل ياسر الشقة.
وقعد ياسر على الأنتريه في الكنبة اللي في وشه على طول.
ياسر بمدح: شقتك حلوة وشيك. شكلك صارف ومكلف أووي فيها.
يونس بهزة راس خفيفة: يعني جبتها في الرخص وساكن فيها عشان قريبة من شغلي.
ياسر فجأة في لحظة: عايز إيه من حور؟
يونس بمشاعر صادقة: بحبها وعايز أتجوزها.
ياسر بصدمة اترسمت على ملامحه أثارت الفضول القاتل ليونس: مالك؟ اتصدمت ليه؟ أنا مش نيتي شر. ولا أنا راجل صغير. ولا ليا في جو الستات واللعب بمشاعر البنات. تقدر تسأل مين هو يونس اللباد.
ياسر على نفس صدمته بس قدر يتمالك أعصابه: إنت قلت لها الكلام ده؟
يونس برفض: لاء للأسف. حور عاملة زي اللغز. عينيها حزينة مطفية. حاسس إنها بتخبي حاجة ورا صوتها العالي وعصبيتها. بحاول بكل الطرق إني أقدر أخترق حصونها. سبت شغلي وحالي ومالي وجيت وراها علشان أكون قريب منها. يمكن تحس بمشاعري. بس للأسف حاسس إني رجعت لنقطة الصفر تاني.
ياسر بيسمعه وهو مصدوم من كم المشاعر اللي بيكنها لحور جواه. لدرجة إنه قدر يقرأ كل اللي جواه من عينيها. أخد نفس طويل وخرجت بكل الهموم اللي جواه: ياااه. للدرجة دي بتحبها؟
يونس بهدوء: آه. ومش عيب إني أعترف. العيب إني أخبي وأبقى جبان. أنا طول عمري صريح ودوغري. ولو حسيت من حور ولو بندعة أمل. هاروح أتقدم لها من بكره.
ياسر بتعقل: وحور بردوا بتحبك؟
يونس بصدمة وعنيه ثابتة عليه مبتتحركش: عرفت منين؟ هي اللي قالتلك؟
ياسر بهزة رأس: لاء. أنا عارف حور كويس. إزاي تقدر تقول متربيين مع بعض. عرفت من لمعة عينيها. عرفت من ضحكتها اللي بتظهر ثواني وتختفي علشان محدش ياخد باله. عرفت من النظرات اللي بتسرقها ليك وإنت مشغول.
يونس بلهفة: متأكد من كلامك ده؟
ياسر: زي ما أنا متأكد إني قاعد قدامك.
يونس بفرحة ولمعة ظهرت من الأمل اللي اتولد وبدأ يكبر جواه: لو كلامك صح يبقى حددلي ميعاد مع والدتها ووالدك علشان أتقدم فيه.
ياسر سكتت للحظات وهو متردد ما بين إنه يكشف سر حور وما بين إنه يسيبه على عماه وحور تقوله بنفسها. بس هو واثق إن حور مش هاتنطق. وخايف في الوقت نفسه إن حور تتعلق بيه أكتر من كده ولما يعرف يكسر قلبها. فاق من شروده على هزة يونس.
ياسر: ها بتقول إيه؟
يونس: بقالي ساعة بكلمك. روحت فين؟
ياسر بوجع اترسم على وشه: مينفعش.
يونس بصدمة: ليه؟ أنا طالب الحلال وجاي البيت من بابه. يبقى إيه اللي يقل نفعه؟
ياسر: حور مش هاترضى.
يونس بحيرة: إنت لسه من شوية كنت بتقول إنها بتكن ليا مشاعر وإنها بتحبني. يبقى إيه السبب؟
ياسر بتعب: السبب مملوكهوش لوحدي. حور أساسه. حور مش هاترضى لا بيك ولا بغيرك.
يونس بحيرة أكبر: ليه؟ أكيد في سبب. والواضح إنك تعرفه ومتردد. خايف مش عارف بصراحة أيهما أقرب.
ياسر: الاثنين.
يونس: خايف من إيه مني؟ مستحيل. أنا أكتر واحد ممكن يكون سند حور. آخر واحد ممكن تخاف على حور منه. فهمني من فضلك.
ياسر بحسم: تمام. بس اقسم بالله العلي العظيم لو كلمة طلعت من بوقك هاتبقى كتبت موتك. وأنا شري ربنا يكفيك طريق. لأني بعدها لا هابقى باقي ولا باكي على شيء.
يونس بحدة: أولاً أنا مبتهددش. ثانياً أنا راجل بفهم في الأصول. وعذرك إنك متعرفنيش. بس مسير الأيام تعرفك مين هو يونس اللباد كويس أوووي.
ياسر ببوادر اطمئنان، أخد نفس طويل وكأنه بيستعد لحرب طويلة جاية: تمام. بس بعد ما تسمع لو انسحبت. ياريت الكلام يموت ويندفن بين حيطان المكان ده. وتترحم عليه.
يونس بخوف وقبضة قلب: ربنا شاهد ومطلع. في إيه بقى؟ أنا قلبي قرب يقف من كلامك المبهم ده.
ياسر بألم: حور اتطلقت. لأن اللي كان كاتب كتابه عليها اغتصبها. ورفضت تكمل معاه. وأصرت على الطلاق. بالرغم من إنها عارفة عواقب الموضوع ده ممكن يعمل فيها إيه ويوصلها لأيه. لأن حور أبية ونفسها عزيزة عليها. وكرامتها وكبريائها غالي أوي. تاج فوق راسها.
يونس بصدمة لجمته وفقدت الإحساس حتى عن الدمعة اللي نزلت من عينه.
ياسر بص له بعد ما خلص كلامه وقدر وجعه: لو عايز تنسحب مفيش مشكلة. بس ياريت تبعد تماماً عن محيط حور. معنديش استعداد إنها تتعلق بيك أكتر من كده وينكسر قلبها. لأن المرة دي كسرتها مهيبقاش منها قومة مرة تانية.
يونس بص له بحدة: أنا مش بني آدم سطحي علشان أحكم على شرف بنت من نقطتين دم. ولا يفرق معايا حاجة زي كده. أنا مصدوم من الوجع اللي هي متحملها. إنها اللي حصلها عمره ما يعيبها ولا ينقصها شيء. هي كانت متجوزة يعني. لا مغتصبه ولا زانية. هي كانت زوجة. واللي حصل يعد اغتصاب زوجي. وللأسف مشرع في القانون. الفرق الوحيد هو الإشهار ما بين عقد القران والدخول.
ياسر بعيون بتلمع بالدموع. إلا إنه رفض إنها حتى تتحرر من سجنها: للأسف الناس متعرفش ده. الناس ليها الظاهر وبس. والظاهر إنها اتطلقت وهي بنت بنوت. والباقي مدفون ما بينها وبين أمها. وما بينه وبين أهله. لأنه لو اتعرف هتبقى مصيبة. هاتعمل حور وسمعتها وشرفها. ومش هي لوحدها. لاء. ده هي وأبوها الله يرحمه وأمها والعيلة كلها.
يونس بتركيز: اومال إنت عرفت منين؟ لما الموضوع مدفون ما بينهم وبين بعض.
ياسر بتنهيدة وجع: متسألش كتير. في حاجات الأفضل إننا منتكلمش فيها في الوقت الحالي.
يونس بإصرار: من حقي أعرف. أظن الشخص مش هايكون بصعوبة اللي فات.
ياسر بتأكيد: أكيد طبعاً.
فكر للحظات بسيطة وخاف يجيب سيرة أمها أو طلبها علشان مينزلش من مكانه.
حور من طليقها.
يونس بصدمة: إيه؟ هز رأسه كأنه بيحاول يستوعب. ليه؟ وإزاي أصلاً يتفاخر بحاجة زي كده؟ ده بني آدم قذر وحقير.
ياسر بتأكيد: هز فعلاً كلب وواطي. عيل ماشي بكلمة أمه. ملهوش شخصية وجبان. واتنهد تنهيدة طويلة. بس كأنها نار طالعة من جوفه. شفته كذا مرة بينهم على حور بعد الطلاق. وآخر مرة روحتلهم وهزقته. وحور مشيت. وأنا روحتله بيته ضربته وهزقته وسط أهله وناسه. ولما سأل أنا بأي صفة بتكلم. قولتله إني ابن عمها وخطيبها.
يونس ببرقة عينين: خطيبها؟ إنت خطيبها؟ بجدي؟
ياسر بنفخة: لاء طبعاً. اسمع للآخر. الله يسترك.
يونس بهزة راس والنار شبت بين ضلوعه.
ياسر كمل: لقيته بيبجح إنه طلقها علشان دخل عليها. وكلام زي الزفت في حقها. رنيته العلقة المتينة. وروحت لحور. طلبت إيدها. ورفضت زي ما قولتلك. حور عنيدة وأبية وكرامتها غالية أوي. رفضت. مع إن أي واحدة تانية كانت ماهتصدق وتلاقيها فرصة. حتى لو جوازة شنطة وتطلق. وراسها مرفوعة. بس حور غير. رفضت لأننا أخوات. لأننا أولاد عم. لأننا متربيين مع بعض.
يونس بصدمة: هو في ناس بجد بالبداية دي بتتباهى بكسرة بنت؟ المفروض إنه أمانها. المفروض إنه جوزها. يعني كان المفروض هو اللي يحميها. بس اللي أعرفه إن حور قوية. مش ضعيفة. إزاي وكيف وفين قدر عليها بشخصية حور اللي أعرفها؟ مستحيل تروح معاه مكان مقفول.
ياسر بهزة راس كتأكيد على كلامه: فعلاً. اتعمل عليها فيلم من أمه وخدرتها علشان يقدروا عليها.
يونس حس إنه مش قادر يستوعب كل الصدمات اللي بيسمعها. معقول في ناس بالشر ده بجد بتخبط وتدبر وتدمر بقلب ميت؟
ياسر استوعب صدمة يونس: متتصدمش أوي كده. الدنيا ياما شايلة في جوفها بلاوي. المهم قرارك إيه؟
يونس.............؟
ياترى يونس قرر إيه؟ وياترى اللي جاي شايل إيه؟
ويونس هايتقدم لحور ولا هاينسحب؟
حور هاتقبل ولا هاترفض؟
يتبع......
رواية تربية حواري الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم ولاء حامد
ياسر استوعب صدمة يونس:
متتصدمش أوي كده، الدنيا ياما شايلة في جوفها بلاوي، المهم قرارك إيه؟
يونس بحسم:
أنا سبق وقولتله، أنا مش راجل صغير ولا أما عيل في كلمتي، وأنا لسه عند كلمتي، خالي ميعاد من والدتها ووالدك.
ياسر بفرحة وابتسامة مقدرش يخبيها بانت على وشه على طول:
يبقى على بركة الله، بكرة وحور في الشغل، أنا هاعدي على مرات عمي في البيت وأديها خبر الأول قبل أبويا، لأنها الأحَق.
يونس بتفكير:
تمام، يبقى على بركة الله، أنا منتظرك ومنتظر ردك.
ياسر:
طيب ممكن رقمك علشان نبقى على تواصل؟
يونس بتأكيد:
أكيد طبعًا، اديني تليفونك أسيبلك الرقم.
نازل ياسر التليفون وكتب الرقم وسجله بنفسه.
يونس رجع التليفون لياسر:
يبقى كده مع بعض على تليفون وعلى تواصل مع بعض.
ياسر:
إن شاء الله خير، وشكلك كده فعلاً ابن ناس وراجل بجد يا باشمهندس.
يونس بإبتسامة:
يونس بس، إحنا هانَبقى نسايب وإخوات إن شاء الله.
ياسر بتأكيد على كلامه:
أكيد طبعًا، يزيدني شرف إن يبقى ليا أخ زيك.
يونس:
الشرف ليا بجد، لأنك فعلاً أخ جدع، كفاية وقفتك مع حور وخوفك عليها في عز محنتها.
ياسر بتوضيح:
ده فرض مش مجرد واجب، حور تبقى أختي قبل ما تكون بنت عمي، اتولدت واتربت على أيدي وأنا اتربيت على إيد الأسطي عامر.
يونس بفضول:
شكل عمك ده حكاية زي حكايات الأساطير، الكبير والصغير دايماً يتباهي باسم عامر.
ياسر ريح ضهره على الكنبة وابتسم:
عامر ده اسم على مسمى، كان دايماً عامر بالخير والحب، وعلى فكرة هو كان مهندس بردوه.
يونس بصدمة:
نعم، ده بجد ولا بتهزر؟
ياسر بضحكة:
لا بجد والله، كان مهندس ميكانيكا، خريج كلية هندسة الميكانيكا، عنده عشق هوس أو بالمعنى الأصح، كل ما هو مقفول كان لازم يفتحه ويعرفه، مسمار مسمار يفكّه ويرجعه زي ما كان تمام، كان عقله سابق سنه، كان حكيم في رأيه وقراراته، وحور ورثت منه العقل والحكمة، ربّى حور على الأصول، طلعها بنت بلد جدعة، مش بقول كده علشان بنت عمي، لا خالص، علشان هي فعلاً تربية أبوها.
ابتسم وعنيه لمعت بفخر:
بس عليها دماغ، يالهووووي، سم مصفي، يا ويله يا سواد ليله وأيامه اللي يفكر يحط عليها ويأذيها، دماغ شغالة مبتقفش.
يونس بحيرة:
طيب لما هي كده، ليه مجابتش حقها من طليقها على اللي عمله فيها؟
ياسر بسخرية:
ومين قالك إنها محبتش حقها، أولاً حور سكتت علشان الفضايح، لأن الموضوع مش هين، بس حور فيها ميزة، بتنتقم بالعقل وببرود، دي خربت بيت أبوه ومن غير ما حد يمسك عليها غلطة.
يونس بفضول رهيب:
إزاي، مع إني أعرف إنها متعرضتش ليهم أصلاً؟
ياسر بسخرية:
يا بني، حور لو زعقت ترتاح وتطمن إنها فشّت غلها، إنما اللي يرعبك بجد سكاتها، اعرف إنه وراه مصيبة متدبرة ومتكلفة.
يونس بتوضيح:
الرجل الصامت شخص يفكر، والمرأة الصامتة إبليس يدبر.
ياسر بنفس السخرية:
يا ابني، حور في الانتقام، إبليس يبقى حاطط صورتها في الصالة وبيصبح ويمسي عليها.
يونس بلهفة:
لا بجد، شوقتني أعرف عملت إيه.
ياسر بضحكة:
اتفقت مع تاجر من تجار السوق الكبار، كان حبيب أبوها الله يرحمه، وبدل ما كان مجرد تاجر، بقى ملك السوق، وطبعاً حور شريكته النص بالنص.
يونس بذهول:
إزاي؟
ياسر:
ولا حاجة، بدل ما كان مجرد تاجر فاتح محل أدوات منزلية، خلته مستورد رئيسي من الشركة الأم والتعامل مع المصنع مباشر، بعد ما عملت بطاقة استيراد وعملت اعتماد بنكي علشان يوفرولها دولار، بحكم إنها مستوردة.
يونس بعيون مبرقة:
يا الله، إيه الدماغ دي!
ياسر بضحك هيستيري:
أومال لو عرفت إنها بيتتني أنا وأبويا وأمي على البورش ليلية كاملة.
يونس بصدمة:
نععععععععم!
ياسر بهزة راس كتأكيد:
أينعم.
يونس وفضوله وحيرته زادت أضعاف مضاعفة:
لأ، إزاي ده، شكل حور دي حكاية وقصة ورواية ومجلدات شاملة.
ياسر بإبتسامة ورجع بدماغه لورا واتنهد تنهيدة طويلة:
بعد وفاة عمي، أمي ملت دماغ أبويا إن لينا حق ومستحق وورث في عمي الله يرحمه، واقنعت أبويا إنه يتجوز مرات عمي، كيف وإزاي معرفش، وعرفت كمان تقنعني إني أتجوّز حور، وقد كان، وطبينا على بيت عمي زي القضا المستعجل، وأمي وأبويا فتحوا الموضوع على طول، مع إن عمي مكانش له كتير ميت، ده كان يا دوب أسبوع، وتحت ضغط أبويا قعدنا في بيت عمي أسبوع، وأمي بهدلت حور وأمها وممرمطاهم، والأغرب كان سكات حور وهدوئها وبرودها، لحد ما بعتتلي رسالة من تليفون أمي إنها عايزاني، روحت أشوف أمي عايزة إيه، لقيت حور بتقولي أمك في الأوضة جوه، ودخلت لقيت أمي مغمي عليها، وقبل ما أتكلم لقيتها بتسّلم بالزهرية على راسي، وحطت إيده على أثر التعويرة اللي في راسه، ومفقتش إلا وأنا في المستشفى، وبعدها على القسم، قالت إن إني اتحرشت بيها وحاولت أعتدي عليها، والجيران شهدوا، وفوجئت إنها مبصّماني أنا وأبويا وأمي على كمية وصولات أمانة تخلينا نقضي الباقي من عمرنا في السجن، منطلعش إلا على القبر.
يونس وبوقه مفتوح من الصدمة:
لأ، ده بجد ولا خيال؟
ياسر بسخرية:
لأ بجد، الجد كمان، اصبر على رزقك، دي مطلعتناش كده، لأ دي أخدت ورث أبوها اللي أبويا كان حاطط إيده عليه، وذهب أمي وحسرتها عليه، وعملتلنا محضر عدم تعرض، ولما أبويا حب يعمل فهلوي عليها وبعت سمسار يتمن البيت والمحلات، وأبويا عطاه قرشين علشان يقول إن سعرهم ميجبش عُشر حقهم، فضلت تبعتله في سمسارة وكعّت له دمه قلبه لحد ما تعب وقال إن الله حق، وسابهم في الآخر يتمنوه بما يرضى الله.
يونس بضحك:
يا نهاااار أبيض، يا جدع، هو في كده بجد؟ طيب وإزاي رجعتوا تاني سمن على عسل؟
ياسر بندم بأن في صوته:
الغافل بيجيله يوم ويفوق، وأنا فقت لما عرفت إنها طبت ساكتة وراحت المستشفى، وقتها شفت عمي وافتكرت حور اللي اتربت على أيدي، افتكرت عمي اللي كان دايماً ينصحني، اللي كان دايماً ياخدني معاه الجامع، محستش إلا وأنا قدام قبره وببكي بحرقة كأني اتيتمت دلوقتي، كان أبويا بجد، مكانش عمي، وبعدها حلفت ميت يمين أرجع أخوها وضهرها وسندها، وأبويا كمان فاق وعرف إن الله حق.
يونس بتفهم:
ودلوقتي كمان بقى ليك أخ تاني اسمه يونس.
ياسر بإبتسامة:
شرف ليا، يلا أسيبك أنا بقى، عطلتك كتير.
يونس:
عيب، متقولش كده، إحنا الكلام خدنا، وحتى مجبتلكش حاجة تشربها.
ياسر:
الجايا كتير، يلا أسيبك ترتاح، بكرة إجازة الورشة.
يونس بتفهم:
تمام، ربنا معاك.
مشي ياسر ويونس في حيرة، وألف حاجة جت في دماغه، شخصية حور اللي أخيراً قدر يفهم ويفك شفراتها، اتنهد بتعب ودخل الحمام، خد شاور وغير هدومه، واتوضى، صلى العشاء وصلى صلاة استخارة، وحس براحة عجيبة.
***
مرت الأيام على وضعها، ويوم السبت حور نزلت الورشة، وياسر استنى لما اتأكد إنها وصلت الورشة، وراح بيت عمه، وبإعادته المعتادة، إيده على الجرس مش شايلها.
هدي من جوه بعصبية من صوت الجرس اللي مش عايز يقف:
يوووه، اصطبر يا اللي على الباب، يوه، هو أنا قاعدة مقطوعة ورايا؟
ياسر من بره بضحك وهو سامع زعيق هدي وبردوا مش شايل إيده:
فتحت هدي بعصبية، لقيت ياسر في وشها:
ياض، مش ناوي تبطل عوايدك المأندلة دي؟ إلهي يشندلك يا ابن نعيمة.
ياسر بضحك:
بعينك يا أم حور.
هدي بصتله بإستغراب:
خير، جاي على وش الصبح ليه، وعينك بتلمع والضحكة في حنكك من الودن للودن.
ياسر بضحك:
طيب ينفع من على الباب؟
هدي وسعتله ودخل وسابت باب المدخل مفتوح، قعد ياسر واستريح.
هدي بأمل:
عينك بتلمع ليه؟ وسكتت شوية: لأ، أوعى تقول حور وافقت، صح؟
ياسر بنفي هز رأسه:
لأ، بس تقدري تقولي العوض جه لحور وربنا بيحبها، ودعاكي استجاب في ساعة إجابة، كان مفتوحله أبواب السما السبعة.
هدي قعدت على الكنبة اللي قدامه بلهفة:
كيف يعني يا ضي؟
ياسر بعبوس طفولي:
كل الشحط ده تقوليلي يا ضي في دينك ينفعه؟
هدي بزعيق:
هاتكبر عليا ولا إيه؟ اكمن شنبك خط في وشي؟
ياسر بصدمة:
شنبي بقى، خليه النحل اللي في وشي دي كلها تقوليلي خط، الله سامحك، طيب والله عيب على الشنب اللي يقف عليه الصقر ده والدقن دي كلها.
هدي بشخطه:
اخلص بقى وقول وفرحني، اللا الواحد بيتنشق على فرحة.
ياسر بإبتسامة:
في عريس متقدم لحور، وحاجة كده إيه، اللهم بارك.
هدي بفرحة:
يعني عريس كده مالي هدومه وقيمه وسيما، يا ضي يا ياسر؟
ياسر:
مهندس وابن ناس ومن عيلة وشاريها، وإنتي كمان شفتيه.
هدي:
أنا شفته فين يا حسرة، وهو أنا بطلع من باب البيت؟ منا على حطت إيدك، وحور الله يسترها هي اللي بتستقضي حوايج البيت.
ياسر:
فاكر لما بنتك تعبت ورجعت الشغل على طول، إنتي جبتيلها الأكل هنا؟
هدي بتذكر:
افتكر لها العافية، أيوه.
فاكرة الراجل اللي قعد كل معانا، صاحب العربية اللي كانت بتتصلح، هو ده العريس.
هدي بفرحة:
اللهم صلي على النبي، ده شاب طول بعرض، يشرح القلب ويطلع من القلب الحزين شوكة.
ياسر:
طالب إيد حور وطلب مني آخد له ميعاد منك إنتي وأبويا.
هدي فرحتها مكانتش سايعة الدنيا، وفي لحظة انطفت.
ياسر بإستغراب:
مالك يا مرات عم، وشك قلب ليه بعد ما كان منور؟
هدي بتردد:
هو جاي لحور، وهو عارف إنها بت بنوت، مش يعني اقصد.
ياسر بسرعة:
فاهم قصدك، ومتعتليش هم.
هدي بخوف:
قصدك إيه؟
ياسر أخد نفس طويل وهو بيستعد للي جاي:
يعني العريس عارف وقابل.
هدي بشهقة وخبطة على صدرها:
يالهووووي، يا فضيحتي، يا جرستي، عرف منين يا ابني؟ انطق الله يسترك.
ياسر:
اهدي يا مرات عم، مش كده، أولاً اسمعيني للآخر، وبعدين ابقي عدّي براحتك.
هدي بخوف:
قول، قول يا جلاب المصايب.
ياسر بهزة راس:
مفيش فايدة، مشاء الله، لسانك إنتي وبنتك نفس النوعية.
هدي بشهقة:
وإيه اللي لساني بقى يا نعمة؟ اسم الله.
ياسر بسرعة:
خلاص خلاص، الله يسترك، متفتحيش، خليني أقول اللي عندي، أنا من فترة كده عربيتي عطلت وروحت الورشة عند حور عشان أصلحها، وهناك شفته، عينه على حور وعينه بتلمع، الله وكيلك أنا اتوغوشت، مين ده وبيعمل إيه؟ وحاسس إنه وشه مش غريب عليا، فضلت مركز معاه، عينه طول الوقت على حور، سألت حور عليه، قالتلي إنه جاي يتعلم، وكلام مدخلش ذمتي، ببص له، روحتله وسألته إذا كان شفته قبل كده وفكرني بروحه، فضلت لابد في الورشة كل يوم أروح لها، بس شكله ابن ناس، حتى اللبس اللي لابسه براند.
هدي بعدم فهم:
إيه؟
ياسر بكشة وش:
أقصد يعني إنه غالي.
هدي بشخطه:
متتقولش غالي يا أخويا، وبلاش عوّجت لسان، الله يمسي أبوك بالخير، كان بيربط الكلسون تحت الجلابية بحبل، لا يسقط منه.
ياسر بضحك:
خلاص يا هدي، شردتي البيت كله، الله يعينه اللي يقع تحت إيدك تجرسيه، أموت وأعرف، عارفة تاريخ البلد كلها بيت بيت، وإنتي أصلاً مبتطلعيش من البيت.
هدي برفعة حاجب:
يبقى تتعدل يا أخويا، وبلاش تعوّج لسانك، وبلدك يا ابن عابد، أوضتين وصالة ومنفذين على بعض، المهم يا أخويا، ما علينا، كمل.
ياسر بهدوء:
لما لقيته كده، شكيت وخفت تكون نيته السوء مع حور، فضلت لابدله في الدرة لحد ما قطرته، من قيمة كام يوم وسألته دوغري، عايز إيه من حور؟ والراجل شهادة حق، راجل بجد، قعدنا واتكلمنا، قالي عايز أتجوّزها، كنت عارف رد حور، قولتله مينفعش وحور مهترضاش، قالي ليه؟ قولتله هي حرة، بس بيني وبينك، حسيت إن حور كمان ميالة ليه، أصل شفت في عينها لمعة ليه بجد، وغصب عنها عينها بتخطف النظرة سرقة، قولت ليه لاء؟ أصر على طلبه، حلفتُه على كتاب الله إن اللي هيتقال يندفن في حيطان المكان، ووافق، وحكيتله اللي حصل، ووافق، ولا فرق معاه، وطلع جدع ابن حلال.
هدي بخوف:
ما يمكن يا ابني طمعان فيها، ولا ياخدها يبهدلها.
ياسر بإطمئنان:
متخافيش، الجدع راجل وابن حلال، وكمان هو مرتاح، ده عنده شقة في المسلة، اللهم بارك، تخش لها في 4 ولا 5 مليون، ومهندس وعنده شغله، وشهادة حق، يا مرات عم، الواد عشقان، ومش ها يطلع حور من ضلمتها إلا عشقه ده، ساب شغله وحاله وماله وراح وراها عشان بس يملي عينه منها، هااا، قولتي إيه؟
هدي بفرحة مخلوطة بخوف وقلق:
طيب وحور؟ إنت أدرى الناس بيها، دي لا هتوافق ولا هاتسمع من حد، وهي متعرفش إنه عارف وقابل، ومش هاتنطق ولا تحكي لو على رقبتها.
ياسر اتنقل ليه نفس خوف وقلق هدي:
طيب والعمل؟ ده عريس ميترفضش.
هدي بحيرة:
والله منا عارفة يا ابني، شور عليا طيب، أعمل إيه؟ مهو على إيدك، يوم ما ضغطت عليها ترجع للي الله يسامحه، بقى جبل، طبت ساكتة وسكنت المستشفى.
ياسر بتنهيدة وتفكير:
بصي، إحنا نحدد الميعاد، وإنتي بلغيها في يومها، ومتعرفيهاش مين العريس لحد ما ييجي ويتكلموا ونشوف.
هدي بطاعة:
ماشي يا ابني، حدد معاه ميعاد وقول لأبوك وبلغني.
ياسر:
ماشي، أنا هحاول أخليه يوم إجازتها، يعني الجمعة الجاية على طول، عشان تبقى حور في البيت ومتتحجج.
هدي بقلة حيلة:
ماشي يا ابني.
ياسر:
يبقى على بركة الله، يلا أسيبك أنا بقى، وأروح أشوف شغلي، أنا قولت أعدي عليكي قبل ما أروح عشان تبقى راسية معايا على الفولة.
هدي:
ماشي يا ابني، روح، ربنا ينور طريقك.
مشي ياسر وهدي قاعدة في حيرة.
مرت الأيام ويونس بيعامل حور معاملة مختلفة، خصوصاً بعد ما ياسر اتصل بيه وبلغه بالميعاد واتفقوا على كل حاجة، وبلغه الحوار اللي دار بينه وبين مرات عمه، وحور مستغربة من النظرة الجديدة اللي بتشوفها في عينين يونس.
وصلنا لليوم المنشود، هدي قامت من النجمة وحور نايمة، نضفت البيت كله وجابته عالية واطية ومسحته وخلته فلة، وشغلت التليفزيون على قناة المجد للقرآن الكريم، وفرشت البيت وبدأت تجهز ضيافة الناس اللي جاية، كل ده وحور نايمة في بحور العسل.
مر الوقت بسرعة وصحيت حور على خطبة الجمعة، لأنها صحيت صلت الفجر في أوضتها ونامت تاني، ومن تعبها محستش باللي أمها بتعمله بره الأوضة، طلعت وهي بتتاوب وحاطة إيدها على بوقها، وخلصت نادت على أمها بصوت عالي:
يا هدي، إنتي يا ولسه، روحت فين؟
طلعت من المطبخ وهي بتنشف إيديها في فوطة:
يصباح الفل يا ضنايا.
حور بخضة ورفعة حاجب ونزلت التاني:
يصباح الفل ويا ضنايا في جملة واحدة، مالك يا وليه، فيكي إيه؟ دانا بقوم من النوم مسروعة من صريخك في سرسور ودني، ولما أقوم إيه كدش اللي شبه طبق المش طسي وشك اللي العماص مسفسف عليه، وفي الآخر انزلي يا معدولة هاتي وهاتي وهاتي وهاتي، فين أمي يا وليه؟ إنتي عملتي في هدي إيه؟
هدي بشخطه:
مالك يا بت، في إيه؟ بيارة طافحة، فتحت مسدتي.
حور بضحكة:
أيوه كده، وهزت رأسها بهبل وهي مغمضة عينيها كده، حمد الله على السلامة، رجعت هدهد الجناين.
هدي بقلة وش:
يادي النيلة، في إيه الإسم المعقرب ده.
حور بمناغشة:
يصباح الورد على عيونك يا قمر، ومسكت هدي من خدودها وباستها.
هدي وهي بتزق إيديها:
يبت، سيبي وشي.
حور قعدت على الكنبة وربعت رجليها:
مالك يا هدي، سمعاني من ساعة عمالة تكركبي.
هدي بخوف وعنيها بتزوغ في كل مكان:
ها، ابدأ، أصل حسيت البيت مترب كده ومعفّر، قولت أقوم أنفض الفرش وأهويه، وكنست البيت وسيقته وفرشته.
حور وهي بتتلفت حواليها:
امممم، دي ولا تنضيفة العيد، ما علينا، أومال بقالك ساعة بتكربي في الحلل ليه؟ الفطار مش محتاج ده كله.
هدي بتردد:
يوه، لاهو، أنا مقولتلش.
حور ببرود وهي مبرقة عينيها وبتهز رأسها:
لأ، مقولتيش، في إيه؟
هدي بهدوء:
أصل إيه، ياسر ابن عمك كلمني، وقالي إيه بقى يا مرات عم، أنا جاي أنا وأبويا نتغدا معاكم، أصل أكلِك وحشني أوي، وعازم ناس صحابه.
وكملت بصعوبة:
وإنتي عارفة ياسر كان حبيب المرحوم الله يرحمه، دغالي عليا، ده متربي على إيدي، محبتش أكسفه.
حور بعدم اقتناع:
ليه؟ وبيت عمي صغير، ولا مرات عمي مبتعرفش تطبخ؟
هدي:
لأ، ده ولا ده، ربنا يجعل بيتهم عامر، بس الراجل استقصدني، أردّه خايب يعني.
حور برفعة حاجب ومغمضة نص عين:
أما الحوار ده آخره إيه؟ أصل من امتى عابد بييجي هنا؟ ومن امتى ياسر هايجيب رجالة في بيت فيه حريم معاهومش راجل؟
هدي بخوف من ذكاء بنتها:
يوووه، في إيه يابت، أنا قولتلك اللي حصل، وأنا إيش دراني يعني يا أختي، أما أقوم أكمل اللي ورايا، بلا خوتت دماغ.
وسابتها ودخلت المطبخ جري قبل ما حور تمسكها وتقررها.
حور فضلت قاعدة على الكنبة شوية وهي محتارة ومش مقتنعة، دخلت المطبخ وهي بتبص لأمها بجنب عينها اللي مرفعتش عينها فيها، وكملت اللي بتعمله وهي خايفة من حور ورد فعلها، بس هي نفسها تفرح بيها، آآآه، بس لو مكانتش عندية ودماغه جزمة، قالتها هدي بحرقة جواها من سكات.
حور عملت فنجان قهوة على السبرتاية لأن البوتاجاز كل عيونه مشغولة، وطلعت على أوضتها، خدت التليفون وفتحت شباك الصالة وشدت الستارة وقعدت تشرب القهوة بمزاج، ورنت على ياسر اللي شاف الموبايل وعمله صامت ومردش عليها، كررت المكالمة كذا مرة وبردوا مفيش رد.
حور بملل:
امممم، شكل الموضوع فيه إنا، يا ترى إيه حكايتك يا ابن عابد؟ إنت وهدي شكلكم كده مطبخينها سوا عليا، وأنا اللي هاكلها في الآخر، الصبر، الصبر.
خلصت القهوة وهدي حطت الفطار لحور.
حور:
مش هتاكلي معايا ولا إيه؟
هدي:
بالهنا، إنتي سبقتيني، وكمان بنقنق كده في المطبخ عشان اللي على النار ميتحرقش.
حور بغموض:
ماشي.
دخلت هدي جري المطبخ وهي حاطة إيدها على قلبها:
عديها على خير يارب، ويهديكي يا حور يا بنت بطني، ومتلقبيش الدنيا.
مر الوقت بسرعة وأذن صلاة المغرب، ومر بعدها نص ساعة والباب خبط.
هدي بصت على حور بغيظ:
قومي يا بنتي، غيري هدومك كده، والبسيه.
حور بشك:
ليه؟ هو اللي جاي حد غريب؟ عمي وابن عمي؟ ولسه لابسة عباية بكم وطرحة.
هدي بكز سنان:
حوووور، اسمعي الكلمة.
حور بشك زاد عن حده:
أما إيه العبارة؟
قبل ما ترد هدي رن الجرس تاني:
قومي غيري عقبال ما أفتح الباب، يلا يا بت يا حور.
فضلت قاعدة مكانها متحركتش.
عابد من المدخل اتحمحم:
يارب يا ساتر.
دخل عابد وسلم على حور بحب صادق وحرارة، وحور سلمت ببرود، ودخل ياسر وراه، واللي بص لحور بصدمة من لبسها، وبص لمرات عمه وبلع ريقه بصعوبة، وهدي رفعت كتافها بقلة حيلة.
قعدوا كلهم بيبصوا لبعض، وحور مراقباهم بعينين ولا عينين الصقر.
حور بمكر:
إيه يا أما، مش هاتحطي الغدا اللي واقفة من صباحية ربنا تعملي فيه؟
ياسر ببرود:
اصبري يا بنت عمي، مالك كده مسروعة على الأكل؟ الواحد ياخد نفسه.
حور بخبث:
وماله، خد نفسك على أقل أقل أقل من مهلك، أصل الطريق هنا يقطع النفس.
دقايق مرت على أحر من الجمر، وخبط الباب مرة تانية.
واللي قام ياسر، نزل سلالم المدخل وفتح الباب الحديد، ودخل بالضيف أوضة الصالون، وكانت هدي خدت بنتها لأوضتها عشان مينفعش يقعدوا وسط رجالة أغراب.
هدي بمحايلة:
علشان خاطري يا حور، ورحمة أبوكي وغلاوته في قلبك، غيري هدومك دي.
حور بحدة:
أما في إيه؟
هدي بمحايلة واستعطاف:
بصي، غيري، ووالله ها تفهمي، ورحمة أبوكي لو كان غالي عليكي.
حور اتنهدت وسكتت على مضض.
هدي طلعت وهي بتحط إيدها على قلبها وبتاخد نفسها:
يارب يهديكي يا حور يا بنت بطني، قادر يا كريم.
استقبل ياسر يونس وعرف أبوه، ورحب بيه ترحال حار.
يونس وهو بيميل على ياسر:
أومال فين أهل البيت؟ مشفتش لا حور ولا مامتها.
ياسر وهو بيكتم ضحكته:
ربنا يستر، شكل ليلتك عنبي.
يونس بحيرة:
ليه؟
ياسر:
أصل حور لحد هذه اللحظة متعرفش إن في عريس متقدم، ولا تعرف إنه إنت من الأساس، أنا جيت لقيتها لابسة عباية ومتزينة بطرحة، ولا أجدع بياعة أوضة في الشادر.
يونس بإستغراب:
بتهزر ولا بتتكلم جد؟
ياسر بضحكة مكتومة:
وحياتك جد الجد، ادعي معايا ربنا يستر.
يونس بص له بإستغراب وسكت.
لحظات مرت ودخلت هدي سملت وهي شايلة صنية عصير:
اتفضل يا ابني.
يونس بإحترام:
تسلم إيدين حضرتِك.
دقايق وطلعت ودخلت أوضة حور اللي كانت خلصت لبس:
ها يا ضنايا، خلصتي؟
حور بهدوء مقلق:
آه، خلصت.
هدي سحبتها من إيدها ودخلت أوضة الصالون.
عابد:
ادخلي يا بنتي، مفيش حد غريب.
حور رفعت رأسها، وكانت الصدمة.
يونس قاعد على كنبة الصالون جمب ياسر، لابس بنطلون جينز هافان وقميص كابتشينو وعليه بليزر جراي فاتح.
حور كانت لابسة دريس كافيه في ورد كشمير، وليه حزام أسود من الوسط، ولابسة بندانة سودا وطرحة بني غامق.
حور قعدت بهدوء وبتبص للكل بترقب.
قطعت نظراتها هدي:
يلا يا جماعة، نأكل لقمة علشان يبقى عيش وملح.
حور بهدوء وبرود، خوف ياسر لأنه أكتر واحد عارف سكات حور يعني كارثة جاية في الطريق.
اتحركوا وقعدوا، والكل بياكل في صمت تام، مفيش غير صوت المعالق، وخلص الكل وغسلوا إيديهم ورجعوا على أوضة الصالون تاني.
هدي من القلق مشالتش السفرة ولا باقي الأكل، ودخلت معاهم بصنية الشاي اللي كانت مجهزة على النار من قبل الأكل:
هنا وشفاء.
يونس بود:
تسلم إيديكي.
قعد الكل، ويونس رفع رأسه بشموخ وبص لعابد:
يا حاج عابد، أنا جاي ويشرفني إني أطلب إيد بنت أخوك حور، وكل طلباتكم أوامر، لو حصل نصيب، هاجيب أهلي ونتفق، عشان دي الأصول.
حور: .... يا ترى حور هاتوافق ولا هاترفض؟ ورد فعلها إيه؟
يا ترى جبل هايعرف ولا لاء؟
يا ترى اللي جاي مخبي إيه؟
يتبع...
رواية تربية حواري الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم ولاء حامد
قعد الكل ويونس رفع رأسه بشموخ وبص لعابد:
يا حاج عابد أنا جاي ويشرفني إني أطلب إيد بنت أخوك حور، وكل طلباتكم أوامر، لو حصل نصيب هاجيب أهلي ونتفق عشان دي الأصول.
حور بصدمة من الكلام، واللي كانت حاسة إن جاي جاي. نظرات يونس، لمعة عينه، أسلوبه، قربه اللي كانت بتحاول طول الوقت تهرب منه، واضح في عينيه العشق، بس إمتى وإزاي وكيف؟ اتلمت على ياسر وأمها إنه ياخد ميعاد وهي آخر من يعلم. الكل عارف إنه جاي ما عدا هي، الكل مستعد. دورت بعنيها وسط الوشوش، كل منتظر إجابتها على أحر من الجمر. أمها مترقبة، يونس متحفز ومستعد، ياسر مترقب، عمها نظراته عليها. أخدت نفس طويل تهدي بيه الحرب اللي جواها والبركان اللي على وشك الانفجار، ولبست قناع من تلج عليه:
أنا آسفة يا بشمهندس، طلبك مرفوض.
صمت رهيب وصدمة بعد كلامها. ترمي الإبرة تسمع صوتها، مفيش غير صوت نفسهم العالي اللي واضح وضوح الشمس في كبد النهار.
يونس بهدوء لأنه كان متوقع رد حور:
ليه؟
حور بنفس البرود:
هو إيه اللي ليه؟ حضرتك طلبت طلب، وإجابته بأه أو لاء، ودي حرية شخصية.
يونس:
أكيد، بس ليه لاء؟ أحب أعرف إيه أسباب رفضك ليا.
حور بهدوء مغلف بجليد:
أحب أحتفظ بيها لنفسي، وبكرر الرد مرة تانية، طلبك مرفوض يا بشمهندس.
خيبة أمل اترسمت على كل الوشوش المتحمسة إلا يونس.
عابد بعدم اقتناع:
ليه يا حور؟ في حاجة وصلتك عن البشمهندس تعيبه؟ ده أنا سألت بنفسي ووصيت طوب الأرض، واللهم بارك يا بنتي، سمعته زي البرلنت، مهندس وابن ناس وعيلة ويشرف البيت اللي يخطي عتبته، والراجل شاري وداخل البيت من بابه.
حور بهدوء:
والله ده قراري، وظن الكل عارف لما بقول آه مبوضحش أسباب، ولما برفض بردوا بحتفظ بالأسباب. اللي حواليه ليه حق النصيحة، وأنا عليا حق القرار، لأني أنا وحدي اللي هاتحمل وبتحمل عقبات وتبعات ونتائج القرار ده لوحدي.
عابد هز رأسه بقله حيلة وابتسم ابتسامة بسيطة لكن ملحوظة:
كأني شايف عامر قدامي، ده كلام عامر، نفس الطبع ونفس اللسان، بس ليكي عليا حق النصيحة، خدي وقتك وفكري. أبوكي رحمه الله عليه عمره ما كان متسرع، طول عمره حكيم في قراراته، يفكر مرة واتنين وعشرة.
حور بتعب من المجادلة:
أظن أنا قولت قراري.
وقامت منطورة من على كرسيها:
البيت بيتكم، معلش الوقت اتأخر ومحتاجة أريح وأنام، عندي شغل من بكرة بدري.
رمت كلامها وطلعت من الأوضة بخطوات ثابتة وبراس مرفوعة لحد ما اختفت عن العيون.
هدي بوجع من رفض حور، وعابد هز رأسه بقله حيلة.
وياسر بص ليونس اللي في عينيه نظرة غريبة، وكأن الكلام ده مكانش ليه من الأساس.
يونس وقف وهو بيهندم البليزر:
أستأذن أنا، ولينا كلام تاني إن شاء الله.
هدي ببوادر أمل:
إن شاء الله.
عابد قام مع ياسر والكل استأذن، وفضي البيت على هدي وحور.
عابد ركب العربية.
ياسر:
ثواني يا حاج وراجعلك.
عابد بهزة راس:
ماشي، متعوقش بس.
ياسر:
لأ، ثواني.
واتحرك ليونس اللي كان منتظره.
ياسر بتعب:
اممم، إزي الحال بقى؟ هاتعمل إيه؟
يونس بهدوء مميت:
من البداية، أنا كنت واثق ومتوقع رفض حور، يعني ده شيء مصدمنيش، بالعكس خالص.
ياسر بعدم استيعاب:
طيب، لما إنت متوقع رفضها، أصريت ليه تيجي تتقدم دلوقتي؟
يونس وعينيه ثابتة في الفراغ:
لأني لازم أأكد لحور إني شاري، مهما كانت الأسباب. والرفض ده شيء مرفوض بالنسبة ليا، حور ليونس ويونس لحور، فاهمني؟ حور هي الضلع الناقص مني، هي اللي بتكلمني. سيب الباقي للوقت يتكفل بيه.
ياسر بصدمة:
مجمع إلا لما وفق نفس الدماغ الجزم. الله يعينكم على بعض. طيب وناوي على إيه؟ وإديك شفت رد فعلها وكلامها، وحور مش بسهولة تغير كلامها.
يونس بتفكير:
متقلقش، أنا زي ما قولتلك كنت متوقع رد فعلها. سيب الباقي للأيام، لأني سبق وقولتله وبكررها تاني، حور نصي اللي بيكلمني، ضلعي الناقص، وأنا مش بستسلم بسهولة ولا بغير قراري ولا كلامي.
ياسر:
ربنا معاك، ولو احتجت مساعدة أنا في الخدمة.
يونس بتقدير:
قد القول، صدقني، ولو احتجت أي تدخل منك مش هاتردد لحظة.
ياسر:
ماشي، يلا أسيبك، الحاج زمانه لزق في كرسي العربية.
يونس بإبتسامة بسيطة:
يلا، مع السلامة.
مشي الاثنين وكل واحد منهم في وادي. يونس بيفكر ألف مرة في الثانية إزاي يقدر يغير قرار حور، وهو عارف لليقين إن رفض حور مش لشخصه، إنما بسبب اللي حصلها. اللي بشخصية حور لا هاتقدر تخبيه ولا هاتقدر تحكي فيه، يعني بتدفنه لوحدها وبتتحمل نتيجته. بس إزاي وكيف يقدر يعرفها إنه عارف وقابل وشاري، لأنها مغلطتش.
***
حور دخلت أوضتها واتحركت زي الإنسان الآلي، غيرت هدومها، صلت العشاء ورقدت على السرير بهدوء، وكأن شيئ لم يكن.
هدي دخلت ورزعت الباب بعصبية، وحور متحركتش من مكانها.
هدي بعصبية ونرفزة جديدة عليها تماماً:
يا برودك يا دي البت! دخلتي ونمتي ولا على بالك؟
حور قعدت على السرير وبصت لأمها بهدوء:
خير يا أما على المسا؟
هدي بعصبية:
رفضتي ليه؟ الجدع جاي وشاري وداخل البيت من بابه.
حور بهدوء بالرغم من الوجع اللي جواها:
أظن إنتي عارفة السبب، مش محتاجين نحكي في المحكي.
هدي أخدت نفس طويل وخرجت بتنهيدة:
آه، وبعدين هاتفضلي طول العمر مترهبنة لحد إمتى؟ لحد ما شعر راسك يشيب وضهرك يأتب وأسنانك تقع، وتلتفتي تلاقي نفسك في الدنيا بطولك من غير لا سند ولا ونيس ولا جليس ياخد بحسك فيها؟
حور بوجع:
عندك حل؟
هدي بتردد:
اقعدي معاه واتكلمي معاه وشوفي ميته إيه.
وسكتت شوية وكملت بتردد وخوف:
مش يمكن يطلع ابن أصول ويوافق ويكمل وهو راضي؟
حور بسخرية:
اممم، وايه كمان؟ ونعيش في تبات ونبات وأخلف صبيان وبنات؟
هدي بأمل:
وليه لاء؟
حور:
عشان ده كلام حواديت، حاجة كده زي قصة أبو زيد الهلالي. الناس هنا غابة، يا أما محدش بيرحم حد. إنتي آخر حدودك في الدنيا وعرفتك بيها هي عتبة البيت وحيطانه. إنما الناس سعرانة. مينفعش. هاقوله إيه؟ أصلي اللي كان كتب كتابي دخل عليا قبل الفرح، هايشوف إني رخيصة وسمحت بده وكنت راضية. هاسكت وأسيبه على عماه. وليلة الدخلة يكتشف؟ طيب مهو ممكن يطلب ابن ستين في سبعين ويفضحني ويخلي اللي ما يشتري يتفرج عليا؟ يبقى وقتها إزي الحال بقى؟
هدي بتروي:
إنتي بتقدري البلا قبل وقوعه ليه؟
حور بحده:
عشان اتعودت إني قبل ما رجلي اليمين تخطي، الشمال تخون. مينفعش أمشي في طريق وأقول زي ما تيجي تيجي. مش في الموضوع ده، ده عرض وشرف وسمعة بين الناس. لسه ما هاسمحش إنها تتمس، ولا هاسمح إن في يوم حد يعيب في أبويا حتى لو كان في قبره.
هدي بلجلجة:
طيب، هو يعني إنتي ممكن يعني؟
وسكتت شوية.
حور بصتلها بتركيز:
إيه؟ ممكن إيه؟ كملي.
هدي بتردد:
يعني تعملي العملية اللي بيعملوها دي، ويعني إنتي مكانش بمزاجك، فيعني مش هايبقى حرام؟
حور قامت من على السرير منطورة بعصبية:
وترضيالي؟ ترضيها عليا؟ أبدأ معاه بغش وكذب وخداع؟ اللي اتعملته منك ومن أبويا؟ إن الحياة الزوجية بناء، مينفعش أبني على أطلال الماضي، عشان هايتهد. عشان أبني لازم أنضف الماضي كله وأحفر لأساس قوي ومتين عشان يعيش. مينفعش أغش في الأساس عشان هايتهد على دماغي أنا. مش شمال ولا زانية عشان أروح أتدارى في عملة وسخة زي دي.
هدي بصتلها وجواها ألف حيرة وحيرة:
طيب مهو...
قبل ما تكمل قاطعتها حور بعصبية:
أماااااا، الكلام خلاص خلص وقرارك قولته والكلام وخلص. سيبيني بقى أرتاح، ولا مش هاتسكتي إلا لما أسكن قبره؟ المرة دي النوبة اللي فاتت سكنت المستشفى، النوبة دي هايبقى قبري.
هدي سكتت خوف من عصبية حور عليها مش منها، وطلعت من الأوضة موجوعة على اللي صاب بنتها من غير ذنب.
طلعت واتوضت وصَلت العشاء، وصَلت ركعتين قضاء حاجة، وفضلت تدعي لحور بصلاح الحال. وافتكرت اللي عمله جبل وإنه السبب في كل حاجة وحشة، وفي لحظة غضب وحرقة:
روح يا جبل يا ابن ثريا، ربنا يسقيك من كاسك ويقلقل راحتك زي ما قليت راحت بنتي، ويذوقك المرار اللي ذاقته أضعاف مضاعفة، بحق ما خزنت الأمانة والثقة ورديت البيت اللي اتفتحلك بالغدر والكسر والخيانه، وبحق بنتي اللي دبلت وانكسرت ومش عارفة تجبر، وروحها...
خلصت صلاتها ودعائها وتضرعها لله، وقامت تنضف البيت والمطبخ كالعادة.
حور خلصت كلامها مع أمها اللي استنزف الباقي من طاقتها وروحها واستهلك نفسيتها اللي بقت صفر وتحت الصفر. وحور من نار شب بين قلبها وعقلها كالعادة.
قبلها: اديله فرصة، ليه بتحكمي من غير تفكير؟ من إمتى متسرعة؟
عقلها: لأن الكلام هنا محسوم، الرجالة كلها تفكير واحد، دايما بيدوروا على واحدة يكون أول راجل في حياتها.
قلبها: بس هو فعلا أول راجل في حياتك.
عقلها بسخرية: وجبل نسيته؟ كان إيه؟ مش كان جوزها؟ كان مكتوب على اسمها ومكتوبة على اسمه، مش بقت زوجة قولاً وفعلاً؟ ولا نسيت؟
قلبها: بس غصب مش بمزاجها. متنكريش إني بحس بيه وبدق لما يقرب.
عقلها: منتا بردوا كنت بتدق لما جبل يقرب.
قلبها: بس كنت بتقبض وبنبض لما كان بيقرب، مكنتش مرتاحة ليه؟ كنت حاسة بالغدر منه وحذرت ومحدش خد بكلامي.
عقلها: لأن اللي حصل كان غير متوقع. اتاخدنا على خوانة.
قلبها: يبقى فكري بالتروي وهدوء، بلاش تتسرعي.
عقلها: تفكر في إيه؟ في كلام أمها إنها تبدأ حياته بغش وكذب وتدليس وخداع؟ ولا إنها تحكيله وممكن يفضحها؟
قلبها: إنها تعرف معدنه والرجال مواقف.
عقلها بسخرية: آه مواقف، بس في مواقف دايما بيفكر بعقل الراجل الشرقي اللي عايز البكر مش ال...
قلبها: بلاش إنت، اديها فرصة، سيبلي المجال مرة.
عقلها: في دي مينفعش، مش هين والله ما سهل عليا، بس لازم هنا أتحكم وأسيطر. لازم تعرف اللي جاي، الناس وحشة. ولو طلع غير ما إنت حاسس ومتوقع، مفيش مجال للرجوع، وهايطول الكل بأذى الحي والميت. محدش هايرتاح.
قلبها سكت.
وعقلها كسب.
حور بحسم: أنا صح. مينفعش. ولأول مرة من سنين تنزل دموعها. مينفعش. لازم أفضل على موقفي. يمكن لو الوقت غير الوقت كان جايز يكون فيه فرصة. بالوقت لاء، وألف لاء. موضوع وخلص. مش نهاية الكون.
ومسحت دموعها بعنف وحست أمرها: أنا مش ضعيفة، أنا قوية. أنا ورايا ناس متعلقة في رقبتي. أنا أقوى من إني أتكسر. أنا أقوى من الضعف.
ومسكت مذكراتها وفتحت صفحة فيها:
(((( أنا الأصيلة الأبية، من أنت لتجعلني محنية الظهر، متدلية الظفيرة، ومكسورة القامة؟
أنا الأصيلة بنت الأصول،
طبعي من الخيل لو تقدر تطول.
سلسالي من نسلي الأصول تلاقيه،
لا في يوم قبلت الخسيس ولا أرضى بيه.
مهرة حرنانه ولا يقدر يروضني خيال،
ولا يكسر عزتي لا سرج ولا لجام.
الأصل في الدم غالب مهما حاول الزمن يداريه.
بطبعي شامخة مهما حاولوا يحطوا على ضهري،
ما يلاقي إلا نفسه تحت الرجول التراب مواريه.
هيبتي حاضرة قبل ما رجلي تدب، أنا الأصيلة بنت الأصول، وفي وكل وقت تسد.
وقت الحاجة تلاقي بنت الأصول ست، ووقت الضيقة تلاقي عفية بألف راجل تهد كل حجرة في طريقي أو مطب.
لا في يوم خفت ولا نخيت، ولا يقدر عليا إلا رب العالمين))))
ختمت كلامها بتنهيدة ألم طويل. قفلت الدفتر ورجعته مكانه.
وانسحبت لسريها وحاولت بكل الطرق تفصل عقلها عن كل الأحداث اللي بتحصل حواليه.
مر سواد الليل ومعاه سواد الأفكار. وكل واحد شارد في عالم والكوت، والكل تايه في الدنيا بيسعى فيها، والكل بيدور على مصلحته ما بين خير وشر.
مرت أيام على حالها. حور دفنت نفسها في شغلها ورفضت إنها تسمع أي كلمة من أي حد خالص. والكل حاول مرة وألف. ويونس كان خلص مدته في الورشة واضطر إنه يرجع لمكتبه وشغله. ولكن قلبه وعقله مع حوريته. ولكن وقت الشغل لازم يفصل عن كل حاجة، دي مصالح ناس وأرواح ناس متعلقة بين إيديه وبيوت ناس متعلقة في رقبته. وقرر إنه لازم يغير قرار حور لأنه رافض كلمة لاء.
مرت أيام وموضوع يونس متفتحش تاني، كأن الكل استسلم قدام إصرار حور على قرارها ورفضها القطعي لسماع أي محاولة لإقناعها.
وفي يوم حور في عز انشغالها أو دفنت نفسها في الشغل كالعادة، عدت شذى وهدير ونرمين وهويدا ويارا وهالة على حور في الورشة.
حور بإستغراب:
متجمعين عند النبي؟
الكل في صوت واحد:
عليه الصلاة والسلام.
كلهم بصوا لبعض ومش عارفين يبدأوا الكلام إزاي.
حور بصتلهم بنص عين:
اممم، خير. أطرشوا اللي في جوفكم مرة واحدة، بلاش بصة الحرامية في وش بعض دي.
شذى بضحكة ومرح كالعادة:
بصي بقى يا ست حلويات، إحنا طهقانين وزهقانين وطالع عفاريت الكونين علينا ومفحوتين، فقولنا إيه؟ نلم بعض كده بربطة المعلم ونطلع مع بعض نصيع في وادي الريان.
حور بشك:
وادي الريان؟ اشمعنى؟
نرمين بمكر:
إنتي هاتدخليلنا إفايه؟ بنقول طهقانين هانروح فين؟ المجاورين نترحم على المراحم؟ إيه يا أخت، الله يسترك يلا خلي الواحد يغسل روحه كده بدل الهم اللي كابس على مراوح الواحدة مننا يا أختي، ده إيه ده؟
حور بصدمة:
والله يعني لأ؟ أمين بعض كده وجايين ليا عشان تتفسحوا؟ طيب متروحوا حد حايشكم، ولا أنا معلقة مفتاح الطريق في الجديلة؟
هويدا بتروي:
يا حور، عايزين نتلم زي زمان، إيه الصعب في طلبنا يعني؟ يا أه يا لاء؟
حور بتفكير حست إنها فعلا محتاجة الخروجة دي تطلعها من اللي هي فيه:
تمام، هاكلم هدي أبلغها وأغير هدومي وأخلي حد من العمال يقفل الورشة.
شذى بهزة راس:
ماشي يا رياسة، بس بسرعة الله يكرمك.
حور طلعت تليفونها وبلغت أمها بالخروجة. والغريبة إن أمها وافقت بسهولة. غيرت هدومها وخدت شنطتها ونزلت. نادت على سبارس وبلغته يقفل الورشة. واتحركت مع البنات على وادي الريان. طول الطريق وحور حاسة بحاجة غريبة. نظرات البنات لبعض، ابتساماتهم المتدارية. وصلت عند الشلال الرئيسي، وكانت الصدمة من نصيب حور.
يا ترى حور شافت إيه هناك صدمها؟
يا ترى موقف حور اللي جاي إيه؟
يا ترى اللي جاي مخبي إيه تاني؟
يتبع...؟
رواية تربية حواري الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم ولاء حامد
طول الطريق وحور حاسه بحاجه غريبه.
نظرات البنات لبعض، ابتساماتهم المتداريه.
وصلت عند الشلال الرئيسي وكانت الصدمه من نصيب حور.
لقيت المكان كله مليان إضاءات على الأرض ونور، ومعمول زي عمدان خشب متوصل بيها نور وكأنها ماشيه في ممشى خاص بيها.
أتلفت حواليها ملقتش ولا بنت من البنات حواليها واكتشفت انها لوحدها.
فضلت دقايق تتأمل في المكان وتحاول تفهم في إيه.
ولكن قطع تأملها صوت أغنيه اشتغلت بصوت عالي وكأنه دي جي.
((وراك، أنا والزمن طويل
أنا مش حسيبك مستحيل
قول عليّ مجنون، قول عليّ موهوم
خذها كلمة مني ومن الآخر هتحن في يوم
قول عليّ مجنون (مجنون) قول عليّ موهوم
خذها كلمة مني ومن الآخر هتحن في يوم
حتقول لي إمشي مش همشي
حتجيب لي حد يقول لي إمشي ما بمشيش
أنا غصب عني ما بنامش
وبقيت خلاص من غير هواك مش عارف أعيش
(قول عليّ مجنون (مجنون) قول عليّ موهوم (موهوم
خذها كلمة مني ومن الآخر هتحن في يوم
عند وبرضه حتشتاق ليدي حاجات لا يمكن تدخل عقلي دي ما تجيش
ما هو مستحيل متهيئ لي
حد اتعمل له ده كله ليه ما يحبنيش
(قول عليّ مجنون (قول) قول عليّ موهوم (ما تقول
خذها كلمة مني ومن الآخر هتحن في يوم
(قول عليّ مجنون (مجنون) قول عليّ موهوم (موهوم
خذها كلمة مني ومن الآخر هتحن في يوم
(حتقول لي إمشي (مش همشي
(حتجب لي حد يقول لي إمشي (ما بمشيش
(أنا غصب عني (ما بنامش
(وبقيت خلاص من غير هواك (مش عارف أعيش
قول عليّ مجنون، قول عليّ موهوم
خذها كلمة مني ومن الآخر هتحن في يوم
(قول عليّ مجنون (مجنون) قول عليّ موهوم (موهوم
خذها كلمة مني ومن الآخر هتحن في يوم
(قول عليّ مجنون (مجنون) قول عليّ موهوم (موهوم
خذها كلمة مني ومن الآخر هتحن في يوم
(قول عليّ مجنون (مجنون) قول عليّ موهوم (ما تقول
خذها كلمة مني ومن الآخر هتحن في يوم
(قول عليّ مجنون (مجنون) قول عليّ موهوم (موهوم
خذها كلمة مني ومن الآخر هتحن في يوم))
حور بتسمع الأغنيه بذهول وعقلها واقف ومش مستوعب ولا مترجم أي حاجة من اللي بيحصل حواليها.
خلصت الأغنيه وظهر يونس لابس تيشرت أسود نص كم وبنطلون كحلي وابتسامه جميلة تخطف القلب قبل العين مرسومه على وشه.
يونس: قولتلك المره اللي فاتت أنا مش بقبل الرفض.
حبيت أتقدملك من أول وجديد بس بطريقه مختلفة لأنك بجد مختلفة، لأنك تستحقي.
حور بصدمه بتبصله ومش مستوعبه: ليه؟
يونس بعدم فهم: ليه إيه؟
حور بهدوء شديد: ليه أنا؟
ليه مصمم عليا مع إن في بنات أشكال وألوان حواليك؟
ليه تتكلف نفسك وتتعب نفسك بالشكل ده كله مع واحدة رفضتك؟
يونس أخد نفس طويل: اللي أقدر أقولهولك إني شايفك نصي التاني اللي بيكملني، شايفك ضلعي، شايفك أم عيالي.
شايف نفسي أبوكي وأخوكي وصاحبك، والباقي وعد هقوله لما تبقي حلالي.
لأني مقتنع حد اليقين "إن من تعجل شيئ قبل أوانه عوقب بحرمانه".
وأنا معنديش استعداد أتحرم منك.
أنا براعي ربنا فيكي في النظره قبل الكلمه.
أنا اتبعت الأصول لما حسيت بمشاعر، دخلت البيت من بابه لأني راجل والأصول واحده مش اتنين.
وأنا مش حرامي ألف على بنات الناس وأنت من الشبابيك.
كانت الصدمه من نصيب حور كلامه لمسها، حسته بجد.
الصدق باين في عيونه قبل لسانه، كلامه مش مترتب بس صادق، طالع عفوي.
ولكن بظروف حور غير، كان الصمت حليفها للحظات.
يونس بإبتسامه: حور تقبلي تتجوزيني وتشاركيني حياتي؟
ووعد وعهد يشهد عليه ربنا أكون أمانة وحمايتك وسندك.
طلع ياسر وهدي ونرمين وشذا وهدير وهاله وهويدا وياره من أماكنهم.
والكل بيبص بفرحة مرسومة ومتوقعين رد حور بالقبول بعد كل التعب والمجهود الجبار ده.
حور: ***************
جبل قاعد في اوضته فاتح اللاب على صور خطوبته هو وحور.
وأيده بتمشي على ملامح حور بحب وندم.
قطع تأمله صوت تليفونه سحبه من على الكومودينو اللي جنبه ورد بسرعة أول ما شاف الرقم.
جبل بسرعة ولهفة: خير يا سيكو في جديد؟
سيكو: أيوه يا برنس المزة اللي بلغتني أقطرها خطوبتها انهارده.
جبل قام منطور من مكانه: انت بتقول إيه؟ انت مجنون؟ حور مش لحد غيري ولا هاتتكتب على اسم راجل تاني بعدي.
سيكو ببرود: اهدا على روحك يا شبح، أنا ماليش دعوة أنا ببلغك.
جبل بعصبية: عرفت منين؟
سيكو: قطرتها هي وأصحابها وهي طالعة من الورشه وراحت معاهم وادي الريان.
وهناك كانت خطوبتها، أدانا حتى صورتهم تحب أفرجك الصور؟
جبل بغصبيه: ابعت.
سيكو: كله بحسابه يا برنس.
جبل: ابعت واللي عايزه خده، أخلص.
قفل معاه وكأنه على جمر من نار لحد ما سيكو بعتله صور لحور وهي وسط أمها وابن عمها.
هو مش ها يتوه عنه فاكر شكله كويس أوي لما ضربه في قلب بيته وأصحابها.
هو عارفهم واحدة واحدة.
نار شبت في قلبه وما فيش حاجة هاتهديه إلا رجوع حور ليه.
لازم ترجعلي حور ليه وبس.
فضل يبص على الصور ومع كل صورة النار تقيد وتزيد.
طلع من البيت بسرعة جنونية ساق عربيته زي المجنون وهو مش محدد طريقه من أنهي اتجاه.
وما فيش غير صورة حور وهي قدام خطيبها زي ما هو فاكر قدام عينيه.
محسش إلا وهو واقف قدام بيت خاله عاصم.
رن الجرس بجنون وايده التانية بتخبط على الباب بجنون.
عاصم فتح بعصبية: في إيه؟ في حد عاقل يرن بالشكل ده؟ ولا المخبرين؟
جبل بعيون بتقدح شر ونار: هي فين؟
عاصم بص له وكش وشه: مين؟
جبل زقه بإيده وبعلو صوته: يا ثريا يا مدام!
ثريا في اوضتها سمعت صوت جبل ابتسمت والفرحة بثت مش سيعاها.
نزلت جري بلهفة: جبل حبيبي وحشتني، كده كل الفترة دي متسألش عليا؟
جبل بص لها بغضب وبصوت عالي: حبيبك إنتي؟ ملكيش حبيب غير نفسك وبس، محدش تاني حبيبك.
إنتي متعرفيش غير نفسك وبس، إنتي وبس.
ثريا بخوف من منظر جبل وعصبيته اللي لأول مرة تعرفها وتشوفها: مالك يا حبيبي فيك إيه؟ أنا ماما حبيبتك، أنا أكتر واحدة بتحبك.
جبل ضحك بسخرية مريرة: ااااه عارف، أنا العروسة اللعبة اللي كنتي بتستقوي بيها، ابنك اللي كان بين ايديكي شوية خشيشة تلعبي بيها وقت ما تحبي.
أنا بكرهك.
ثريا بصت له بصدمة وعين مبرقة: إيه؟
جبل بشماته: وجعتك؟ آه والله الكلمة دي طالعة من قلب.
أنا بكرهك، إنتي متستحقيش حد يحبك، وما فيش أصلاً حد بيحبك.
إنتي شر يا ثريا، إنتي خراب ودمار على كل اللي حواليك.
عاصم بصدمة من جبل: مالك يا ابني فيك إيه؟ صوتك موجوع، ما انت مش ها تيجي في أنصاص الليالي تقول الكلام ده والشكل ده إلا إذا كان وجعك كبير أوي.
جبل بسخرية ومرارة: أنا مدبوح وهي السبب، وشاور على ثريا بقرف وكره واضح للأعمى.
عاصم بخوف عليه: من إيه؟ سلامة قلبك من كل شر.
جبل بوجع: دبحتني بسكينة باردة، صعب عليها تشوفني مرتاح، صعب عليها تسيبني في حالي.
أميرة بحنان أمومي: طيب استعيذ بالله من الشيطان الرجيم واقعد وقولنا مالك.
جبل بتهكم: عايزة تقوليلي إنك مش شمتانة وفرحانة؟ عايزة تقوليلي إن قلبك على ابن الست اللي دمرت حياتكم؟
أميرة بصدق: اللهم لا شماته يا ابني.
أنا عندي اللي زيك وأخاف يترد فيه، أمك بتحصد زرعت إيدها، العيال ملهاش ذنب.
اقعد وقولي مالك.
عاصم شده من دراعه وزقه لجوه البيت.
قعد جبل وجمبه عاصم وقدامه أميرة وثريا واقفة على الباب منهارة ومحدش سأل فيها ولا عبرها.
عاصم: أهدى كده وقولي مالك.
جبل اتنهد بوجع ودموعه نزلت: اتخطبت انهارده، خطوبتها.
عاصم بعدم فهم: مين دي وإيه علاقتها بأمك؟
جبل بوجع: حور مراتي.
أميرة بعدم فهم لأنها متعرفش اللي حصل: هو انت متجوز؟ أنا أعرف إنك كنت خاطب.
جبل بص لأمه بكسرة: كنت كاتب كتابي وشيطانها دمرني ودمرها.
وقام منطور زي المجنون مسكها من كتافها وبقى يهزها بجنون: انتي السبب، انتي الشيطان اللي في حياتي إني اللي ضيعتيها من إيدي.
عاصم قام وشد اخته من ايد ابنها: يا ابني اهدا، انت عامل زي الطور الهائج وواخد في وشك ومحدش هامك، فهمني الله لا يسيئك.
جبل بسخرية: يعني انت مش عارف هي عملت إيه في حياتي؟
عاصم قعد على الكرسي: متحملهاش الغلط لوحدها لأن للأسف الغلط مشترك، كان لازم تقول لأ، ولاء بالقزي كمان.
بس انت لأ، خفت من ماما يا ننوس عين ماما.
اعترف المثل اللي بيقولك عيني فيه، انت كان نفسك فيها يمكن عشان تملكها، يمكن عشان متحسش نفسها كبيرة عليك.
جبل بصدمة: أنا عمري ما فكرت كده.
عاصم بسخرية: تنكر إن البنت كانت أحسن منك؟ أرجل منك؟ بنت بميت راجل، انت فشلت تكون واحد منهم.
بنت واقفة وسط رجالة وفي مجال لأمم الحشاشين الضريبة، آه فيه محترمين بس فيه زبالة.
ومع ذلك الكل يجي لحد عندها ويفرمل، يخاف يتنفس.
إنما انت لو حد شخط فيك تخاف وتكش وتقعد تعيط.
بنت برغم عملتك الوسخة انت وأمك إلا إنها لا اتهزت ولا اتكسرت وقالت لأ، بالغرم من صعوبة الموقف عليها ولسان الناس اللي مش ها يرحمها.
بس بت دمها حر، أبوها عزيزة النفس لا بقيت ولا بكت عليك.
بالعكس رمتك من ورا ضهرها وكملت عادي، وانت اللي محروق أوي عليها.
جبل بوجع: والله العظيم بحبها ونفسي تديني فرصة واحدة بس وأنا هاعوضها.
عاصم بسخرية: للأسف بالشخصية اللي أعرفها عن البنت دي، مالكش حتى تنتوفه فرصة.
علشان كده يا ابني نصيحة أب، سيبها في حالها يمكن ربنا يعوضها عنك خير.
سيبها للراجل اللي يعوضها عن اللي عملته فيها ويجبر كسرتها.
أصل اللي انت عملته مهواش هين يا ابني.
دي نصيحة أب لابنه وانت حر، بس افتكر إن البنت دي مهياش سهلة.
يعني هاتضرب هاتضرب، بس الفرق إن ضربتك في الهوا وضربتها هي في مقتل، وأظن إنك شوفت ده بعينك مرة واتنين.
جبل بص لهم بوجع وساب الكل وطلع من المكان موجوع.
ركب عربيته وساق وهو تايه مش عارف يعمل إيه.
يسمع كلام خاله ويسيبها بس هو بيحبها، معترف بغلطه وندم.
ليه مش عايزة تديله فرصة؟ ربنا بيغفر ليه هي مش عايزة تغفر ليه؟
قلبها قاسي إزاي؟ قدرت تشوف راجل تاني غيرها؟ معقول في حد تاني ها ياخدها منه؟
الفكرة في حد ذاتها وجعته.
محسش إلا وهو واقف قدام القهوة اللي بقى بيقعد فيها مع شلته الجديدة اللي كلهم بلطجية وعيال صايعة واخداها بالدراع.
نزل من العربية وهو تايه قعد وسطهم شارد.
مزجانجي: إيه يا أبو الجبال مالك شايل طاجن ستك وقاعد زي اللي زرعها بطيخ؟ طلعت لفت.
ضحك الكل من التشبيه.
جبل بص له ونفخ وسكت.
مزجانجي بإستغراب: لاء عليا الطلاق فيك حاجة.
مالك يا راجل فضفض خلي قلبك يرتاح ويمكن تلاقي الحل.
جبل ببوادر أمل: تفتكر؟
مزجانجي بمكر: جرب مش هاتخسر.
مش بيقولك يوضع سره في أضعف خلقه، مع إنـي مش أضعف ولا حاجة بس جايز يبقى عندي الحل.
جبل بتردد للحظات سكت وهو بيفكر.
مزجانجي بخبث: إيه يا كبير؟ الكلام صعب ولا هانشدوه بكماشة؟
جبل: لاء بس مش عارف أبدأ منين.
مزجانجي: من الحتة اللي تعجبك.
جبل بتفكير حسم أمره: وحكاله كل حاجة من أول حبه لحور لحد خطوبتها لغيره بما فيها اللي عمله فيها بأس أمه.
مزجانجي بسخرية: أمممم، ولا حاجة.
هي اللي مكبرة الموضوع من مفيش.
انت لا عملت حاجة عيب ولا حرام، انت كنت جوزها والراجل مننا ليه احتياجات وهي المفروض كانت تلبيها.
مش مراتك؟
جبل بتوضيح: بس الناس متعرفش غير إننا كاتبين الكتاب بس، وده حصل قبل الفرح.
مزجانجي: وفيها إيه يعني؟ طيب ما انت كانت نيتك خير وطلبت تكمل الفرح، يبقى فيها إيه يعني؟
جبل: أنا عايز حل يرجعها ليا.
مزجانجي بخبث: طلبك عندي يا كبير.
جبل بإهتمام وإنصات: قول بسرعة الله يخليك.
مزجانجي بطمع: كله بتمنه.
جبل بلهفة: اللي عايزه هاديهولكم.
مزجانجي: يبقى استبينا.
بص يا معلم، انت بتقول إن محدش يعرف غير أمها وابن عمها وأهل بيتكم صح؟
جبل: أيوه.
مزجانجي: ومدام ابن عمها مش العريس يبقى فكك.
لما عرف الفولة، أصل مفيش راجل ها يرضى على روحه ياخد مرة معيبة وغيره سبقه ليها.
جبل: مش عارف.
مزجانجي: مهو يا أذكى أخواتك لو كان قبل كان زمانه العريس.
وانت بتقول إنه راجل غريب وشكله مش من الحتة ولا البلد صح؟
جبل: أيوه.
مزجانجي: يبقى اللي فيها إنك تروح للراجل ده وترسيه على الدور.
بس مش زي ما هو، تعرفه إنه كان بمزاجها وشوية تحابيش تخليه ميطقش يبص في وشها.
وهي أكيد مقلتلوش على اللي فيها، وإلا كان طفش.
ومش بعيد تكون عملت عملية من إياهم، فاهمني؟
جبل: أيوه فاهم، طيب مهو ممكن ما يصدقش؟
مزجانجي: لو ما وافقش يبقى تدخل عليها بالتقيل.
جبل بعدم فهم: اللي هو إيه بقى؟
مزجانجي: ها أقولك.
******************
مشي جبل من عند خاله.
عاصم بيبص لثريا بأرف وغضب: عاجبك اللي عملتيه واللي وصله ابنك؟
نفسي أعرف انتي جنس ملتك إيه؟ أنا احتترت فيكي.
ماشية للشر والخراب منين ما تروحي.
ثريا بصت له بدموع وسكتت متكلمتش.
أميرة بمحاولة للفهم: في إيه يا عاصم فهمني، في إيه؟
شكل الحوار كبير أصله، إيه اللي ها يجيبه دلوقتي والشكل ده وهو منهار بالشكل ده وعصبي بطريقة صعبة؟
عاصم بسخرية وتهكم: البركة في أمه.
أميرة بذهول: ليه؟ عملت إيه؟ وصله للحالة دي؟
عاصم: الهانم وزت ابنها يدخل على البنت قبل الفرح عشان تكسر عينها.
عشان كانت متخانقة معاها، ومش بس كده لأ، دي البنت حملت وسقطت روحها وطلبت الطلاق.
أميرة بشهقة: يالهوووي! انت بتقول إيه يا عاصم؟
عاصم بتهكم: لاء والهانم مكفهاش، لاء راحت فضحت البنت عند أمها وبتعايرهم بعملتهم الوسخة.
وعرفتها السر اللي بنتها مرضيتش تحكيه.
أميرة: يالهوووي!
وابو البنت سكت لما عرف؟ مهو أمها أكيد مش ها تسكت وتحكي لأبوها؟
عاصم بوجع: البنت يتيمة، أبوها ميت.
أميرة بدموع بصت لثريا بكره: يالهووي يا ثريا، ده انتي شيطان وأذاكي.
مسابش حد في حاله حتى عيالك وبنات الناس.
وكملت بحرقة: يا شيخة ربنا يحرق قلبك بحق كل قلب حرقتيه على أعز ما عنده.
ومشيت من قدامهم ودموعها غلبها.
عاصم بوجع: يا رب تكوني كده ارتحتي.
ابنك وكرهك وجوزك وطلقك وبنتك ورمت طوبتك.
خليكي كده بقى، الحسرة تاكل في قلبك وروحك لحد آخر يوم في عمرك.
وسابها ودخل ورا مراته اللي دخلت أوضتها بنتهم.
لقيها واخده بنتهم في حضنها وبتعيط بحرقة.
عاصم بإستيعاب لموقف مراته: أهدي يا أميرة كفاية كده.
أميرة بإنهمار: أختك دي إيه؟ مخافتش وهي عندها بت؟
أنا أقسم بالله خايفة على روحي وعيالي منها لتأذيني وتأذيهم تاني.
عاصم بشر: أقسم بالله المرة دي أدفنها بالحيا ومتخافيش.
ثريا شوكتها اتكسرت وخلاص مبقاش ليها حد يدافع عنها ولا فلوس تتقوى وتجبر بيها.
همام طلعها بالهدومة اللي عليها.
اطمني وطمني قلبك.
أميرة هزت رأسها وسكتت.
ثريا بصت للمكان وطلعت أوضتها وهي منهارة من العياط.
يا ترى حور هاتوقف المرة دي على جبل ولا لاء؟
يا ترى مزجانجي بيفكر في إيه؟
يا ترى جبل ها ينفذ ولا لاء؟
يا ترى جبل ها يصدق لو عرف ولا لاء؟
يا ترى اللي جاي مخبي إيه تاني؟
يتبع.....؟
رواية تربية حواري الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم ولاء حامد
الكل بيبص بفرحة مرسومة ومتوقعين رد حور بالقبول بعد كل التعب والمجهود الجبار ده.
حور بهدوء ووجع: للمرة التانية برد عليك نفس الرد، طلبك مرفوض يا باشمهندس.
شهقة عالية كان صدى صوتها مسمع في المكان.
يونس بصدمة بانت على ملامحه: بردوا هنالك تاني ليه؟
حور بوجع قدرت تداريه بصعوبة: سبق وقولتلك، لما بوافق مش بقول أسباب ولما برفض بردوا بحب أحتفظ بالأسباب.
يونس بحسم: حتى لو قولتلك إني بحبك وبعشقك بجد، كنت شايل الكلمة جوايا لحد ما تبقى على اسمي بس قولتها عشان أثبتلك.
حور بوجع قربت من هدى: أنا مش محتاجة حب، لإن اتربيت في بيت مليان حب، عمران بالحب. أنا لو كنت محتاجة فأنا محتاجة الأمان، محتاجة الثقة.
يونس بسرعة: وعد، هاكون أمانك وحمايتك، هاكون السند والضهر ليكي.
حور بهدوء: مش بالكلام يا باشمهندس، لا أنا من توبك وأنا من توبي. بعتذر بجد، ربنا يرزقك ببنت الحلال اللي تقدر تجاري حياتك. عن إذنك.
أخدت أمها وركبت العربية وانسحبت من سكات.
مشيت حور والكل بيبص لبعضه بصدمة من رد حور. وأكتر الموجوعين كان يونس.
ياسر حس بيه، قرب منه هو ومازن.
مازن بقلق: يونس، انت كويس؟
يونس بهزة راس: تمام، تمام، متقلقش.
ياسر بتقدير للموقف: عارف إنك موجوع، بس أنا سبق وقولتلك، حور مش بتتحط تحت أمر واقع.
يونس: للأسف، حسبتها غلط.
في الوقت نفسه، كان انسحب كل اللي في المكان بهدوء، ماعدا ياسر ومازن اللي قعدوا جمب يونس.
مازن بحكمة: طول عمرك مش بتستسلم، ليه المرة دي غير؟
يونس بصوت مبحوح: لأني لأول مرة احتار، مش عارف أقنعها إزاي.
ياسر بص له بنظرة بألف كلمة: الصبر يا يونس، الصبر. حور محتاجة وقت، محتاجة معجزة عشان تقدر تخرج اللي جواها.
مازن بصلهم بعظم فهم: قصدك إيه؟
يونس بسرعة: مش قصده حاجة، هو عشان حور طبيعتها مش بتقتنع بسهولة ومحتاجة وقت عشان تقدر تقتنع بيا وبشخصي.
مازن بعدم اقتناع: بس سبق وكانت مخطوبة.
يونس بجدية: لأن خطيبها كان شخص سيئ وساب أثر سيئ، إنه كل الرجالة بتاع كلام وحوارات.
مازن بكشة وش: بس كل إنسان ليه شخصية مختلفة، ليه أحكم على الكل من شخص؟ ثم هي بتتعامل مع رجالة أشكال وألوان في شغلها، معني كده إن كلهم نفس الشخصية؟
ياسر بدفاع: حور بتتعامل في نطاق الشغل، إنما اللي يمس حياتها الشخصية غيب. وده مش أي موضوع والسلام، ده حياة مقسومة بين شخصين العمر كله. حور لو وافقت ودخلت بيت يونس عمرها ما هتسيبه، لأنها أكتر شخص تعرف وتقدس الحياة الزوجية.
مازن: بس بردوا لازم تفرق بين الناس وبعض، دي المفروض بنت سوق يعني ورد عليها أشكال وألوان وأنواع، تقدر بسهولة تميز بين معدن الناس.
ياسر: للأسف، كل واحد ليه حياته، وحياتي غير حياتك، وحياة حور غير أي بنت. وبص ليونس وطبطب على كتفه، الموضوع محتاج صبر، بلاش تفتحه دلوقتي.
يونس بهزة راس: عندك حق، كنت غلط لما فكرت "أضرب على الحديد وهو سخن"، كان لازم أديها وقت تستوعب.
ياسر بتأكيد: فعلاً، اديها الوقت. وصدقني الموضوع محتاج وقت بس مش أكتر.
يونس بأمل: عندك حق.
ياسر: طيب يلا قوم خلينا نروح. الوقت.
يونس وهو بيقوم من مكانه وينفض هدومه: يلا بينا.
اتحرك الثلاثة. ياسر ركب عربيته، ومازن ويونس في عربية يونس، واتحركوا. وكل واحد في وادي لوحده والتفكير واخد حيز كبير من دماغه.
***
حور في العربية هي ومامتها والصمت كان سيد الموقف. هدى جواها بركان كلام هاتموت وتفجره في وش بنتها، بس فضلت الصمت لحد ما ترجع البيت.
حور عارفة تفكير أمها وإن منتظرها موال في البيت. وبتفكر في يونس اللي اكتشفت إنه أخد تفكير وحيد كبير من عقلها. بس فضلت الصمت على الكلام، وخصوصًا وإن الوقت متأخر والطريق مش سالك ومكسر. فضلت تنفض دماغها من التفكير وتركز في الطريق لحد ما توصل. والباقي ربنا يسهله من عندها.
***
أصحاب حور في عربيتين. عربية شذى ومعاها نرمين وهالة، وعربية هدير ومعاها يارا وهويدا. كل عربية منهم الكلام ما وقفش عن حور وموقفها.
شذى بعدم استيعاب: أنا لحد لوقتي مش قادرة أصدق إن حور ترفض واحد زي يونس. الموضوع ده وراه سر، والأكيد إنه حاجة كبيرة أوي.
نرمين بتأكيد: فعلاً، فيه حاجة غريبة في الموضوع. مفيش واحد ست ولا بنت تلاقي الحب والحنان بالشكل ده وترفضه. الموضوع وراه إيه؟ وليه اتطلقت قبل فرحها بشهرين؟ ومن يومها وهي رافضة الجواز، بالرغم من إني جبتلها كذا عريس وكذا حد اتقدم لها.
هالة بشرود وتفكير في كلام شذى ونرمين، افتكرت كلام حور لما اتصلت تسألها على حكم الإجهاض من الاغتصاب.
هالة لنفسها: معقول تكون حور مغ... لأ، أكيد لأ. حور طول عمرها قوية. طيب إيه؟ ليه سألت بعد طلاقها على طول؟ طيب ليه رفض العريس ده، مع إنه باين للأعمى إنه بيحبها؟ لأ، ده بيعشقها. معقول يكون حور حملت وسقطت؟ لأ، إيه الهبل اللي بفكر فيه ده.
ونفخت بصوت عالي: استغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم.
شذى: مالك يا هالة؟
هالة: مفيش، مستغربة مش أكتر.
شذى بتهكم: ومين سمعك؟ ده أنا مصدومة صدمة تكفي الجمهورية وتوزع على البلاد المجاورة.
هالة بحدة: شذى، بالله عليكي، ده لا وقته ولا مكانه إنه تقلبي الموضوع هزار.
شذى بصت لها بغضب وسكتت.
في عربية هدير.
هويدا بذهول: يا جماعة، حد مصدق اللي حصل؟ والله العظيم أنا لحد دلوقتي ما مستوعبة. ده كل الرجالة بتجري وراها وهي اللي بتقول لأ.
يارة بفضول: إزاي يعني؟ هو فيه حد تاني غير العريس ده؟
هويدا بهزة راس: أي نعم.
يارة بإنصات: مين؟
هويدا: ياسر ابن عمها.
هدير برفعة حاجب: ده اللي هو إزاي؟ إذا كان هو كان معانا.
هويدا: والله العظيم زي ما بقولكم كده. يوم ما كنا في البركة سمعتهم بودني دي وهو بيطلب يتجوزها وهي رفضت، وقالت له "وإنتا ذنبك إيه تشيل ذنب غيرك". بس مفهمتش ذنب إيه؟
يارة بتوضيح: يمكن عشان كان مكتوب كتابها.
هويدا: الله أعلم، علمي علمك يا أختي.
هدير بشرود في كلامهم، افتكرت لما حور اتصلت بيها تسألها على برشام إجهاض. ولنفسها: طيب إزاي دي قالت اغتصاب؟ هااا؟ معقول تكون حور اتعرضت لإغتصاب عشان كده اتطلقت من جبل بدل ما يفضحها؟ بس إمتى وإزاي؟ إحنا أغلب الوقت مع بعض، يا بنشوف بعض يا بنتكلم يا فيديو كول. لو كان حصل كان بان آثاره أقل تقدير على وشها أو جسمها. وحور كمان مش سهل حد يقدر عليها. وقفت الورشة قوت جسمها وقلبها. أووووف يا الله. وبعدين بقى في الخطة دي؟ ده أنا دماغي وقفت من التفكير. الله يهديكي يا حور، بقيتي عاملة زي اللغز اللي محدش قادر عليه ولا قادر يحله.
هويدا بتنبيه: هدير، هدير.
هدير بنفضة: إيه؟ وفيه إيه يا بنتي؟ فزعتيني.
هويدا بسخرية: سلامتك والنبي على قلبك يا شيخة. ركزي في الطريق. محدش مستغني عن عمره، بدل ما أنتي سايقة سرحانة معاكي أرواح بني آدمين يا ماما.
هدير بهزة راس: متقلقيش، عيني على الطريق.
يارة: بس عقلك مش معاكي.
هدير وهي بتبص في المراية اللي قدامها: مهو اللي حصل ده يلخبط بجد، مش قادرة أستوعبه.
يارة وهويدا: ولا إحنا والله. بس حور مجدتش علينا يعني، وطول عمرنا عارفين إن أكتر حاجة بتجننها هي إن حد يحطها قدام الأمر الواقع. بتتحول، حتى لو مقتنعة مليون في المية بترفض في نفس الثانية.
هدير بتأكيد: فعلاً، حور حتة إنها اتحطت قدام أمر واقع قدام الكل كان ليها تأثير سلبي إنها رفضت رفض قاطع.
هويدا بتفكير: طيب معني كلامها إيه لما قالت له "مش محتاجة حب، لإن اتربيت في بيت مليان حب، عمران بالحب. أنا لو كنت محتاجة فأنا محتاجة الأمان، محتاجة الثقة"؟
هدير: مش عارفة، بس الموضوع فيه لغز.
يارة: مش يمكن خطيبها أو اللي كان خطيبها عمل حاجة خلتها فقدت الثقة في كل الرجالة؟
هدير ببوادر اقتناع: فعلاً، مش بعيد.
هويدا بفضول: تمام، إيه هي بقى الحاجة دي؟
هدير بتنهيدة طويلة: للأسف، الوحيدة اللي تعرف حور، ودي مستحيل تنطق لو ماتت وروحها طلعت. كده حور دايماً كتومة، كلامها قليل ووجعها بتحتفظ بيه لنفسها. للأسف محدش منا لا هايعرف ولا هايقدر يعرف ما أدم مدفون جوه حور.
الكل هز رأسه بتأكيد لكلام هدير وخيم الصمت على العربية.
***
وصلت حور أخيراً بعد معاناة من الصمت المميت. نزلت هدى ودخلت البيت بسرعة، ووراها حور ببطء شديد وكأنها بتأخر العاصفة اللي في انتظارها. دخلت وهي بتقدم رجل وبتأخر رجل، وبتحاول بكل الطرق الممكنة إنها تقدر تعدي الزوبعة دي وتمتص غضب أمها. غمضت عينيها لثواني، وأخدت نفس طويييييييل، كتمته ثواني وطلعته مرة واحدة.
هدى دخلت، قلعت جزمتها ورمتها على جنب، وخلعت طرحتها وحطتها جنبها.
حور دخلت ببرود مصطنع ومن غير ولا كلمة، اتحركت ناحية أوضتها.
هدى بعصبية: على فين؟
حور بهدوووء: رايحة أوضتي أغير وأريح جسمي من شقا اليوم.
هدى بوجع: ليه يا بنت بطني؟ ليه غاوية وجع القلب لروحك وليا؟ الجدع شاري، ليه تبيعي؟
حور أخدت نفس طويل: مش هانضحك على بعض يا أمي، أنا وإنتي عارفين اللي فيها. يبقى لزومه إيه كتر الهري الفاضي؟
هدى بزعيق: هري عشان خايفة عليكي، هري عشان الجدع شاري وعمل اللي ميتعملش. عايزة إيه؟ فهمني، راسك دي فيها إيه؟
حور بكز سنان: فيها إني معيوبة. وكملت بكسرة ودموع لمعت في عينيها لأول مرة من يوم اللي حصل فيها: إني مدبوحة بدم بارد، لا أنفع ليه ولا لغيره. الله لا يسيئك يا أمي، سيبيني في حالي.
هدى بدموع نزلت من كسرة بنتها ونبرة صوتها اللي دبحتها: إنتي حالي ومالي وكل ما ليا. جربي مش هاتخسري حاجة. مش يمكن يطلع ابن حلال؟ قلبي بيقولي إنه نصيبك، وإنتي كمان تتمني يكون نصيبك.
حور بعصبية بتتدارى بيها من توترها: جبتي منين الكلام الخايب ده؟
هدى وهي باصة في عينين بنتها برغم الدموع اللي لها أثرها على وشهم: من عينيكي يا بنت بطني. أصل أمي الله يرحمها كانت تقولي "العين دي بوابه الروح، اللي يعرف يقراها يعري اللي قدامه من كل اللي جواه، يعرف يقرأه".
حور وهي بتغمض عينيها وبتعصرها وبتهز رأسها بنفي، فتحت عينيها بقوة: مفيش الكلام ده. وأبوس إيدك ارحميني، كفاية جلد روحي لنفسي. بلاش تبقي إنتي والدنيا ونفسي عليا كتير. والله العظيم عليا، أنا بشر. سيبيني في حالي يا أمي، الله يرضى عليا. لو نصيبي هاخده حتى لو غصب عني. لو مش نصيبي، الله في سماه لو جابلي حتة من السما ماهيجمعنا بيت. مش ده كلامك؟
هدى بصت لها بوجع وهزت رأسها: طيب فكري. ادي لروحك فرصة تفكري. بلاش تسدعي الباب بالشكل ده. مش يمكن يكون ده العوض؟ يكون الجبر بعد صبر؟ يكون المنحة جوه المحنة اللي بقالك سنين تايهة فيها؟
حور بسخرية: يااااه يا أمي، دانتي بتحلمي. ده أنا من حارة وهو من المدينة. أنا واحدة الدنيا سحلتها مخلتها، وهو مولود بوقه معلقة دهب. إحنا الاتنين نقيض بعض، مينفعش. وهارجع وأقولك تاني وعاشر، مفيش راجل هايقبل على روحه ياخد واحدة لمسها غيره. بلاش يا أمي تنبشي النار اللي تحت الرماد. بلاش تطلعيها. أول ما تحرق هاتحرقني أنا، مش لوحدي. لأ، وهاتحرق عيلة النصراوي كلها. الله يخليكي خلي اللي في قبوره مدفون ومقبول عليه. بلاش تنبشي فيه.
رمت كلامها ودخلت أوضتها بسرعة وكأنه شياطين الأرض بتلاحقها. قفلت الباب وسندت عليه ونزلت ببطء وهي حاطة إيدها على بقها بتكتم شهقتها من إنها تطلع صوت. نزلت على الأرض وسندت براسها على الباب. الدموع خدت مجراها على خدها ونزلت زي سجين اتحرر من سجنه وطلع يجري. محدش عرف يوقفه. فضلت وقت، محسيتش من الوجع، هو طويل ولا قصير؟ تبكي لحد ما حست إن الدموع جفت من عينيها وكأنها استهلكت كل التعب والضغط اللي كانت فيه مرة واحدة. وقفت زي الإنسان الآلي ودخلت الحمام وفتحت الدش ووقفت تحت الميه بهدومها، وكأنها بتغسل روحها من همومها. فضلت لحد ما حست إن جسمها بيرتعش من البرد. طلعت وغيرت هدومها، وصلت فرضها وترمت على السرير ناكت من التعب زي القتيل. محستش بأي حاجة وكأن عقلها فصل عن كل حاجة عشان ترتاح.
مر الليل بسواده على كل اللي حواليه.
***
صحيت تاني يوم وكأن شيئ لم يكن. غيرت هدومها ونزلت الورشة حتى من غير ما تصبح على أمها ولا تفطر. دخلت الورشة بهيبة معتادة منها، طلعت المكتب، وبعد وقت نزلت الورشة تدفن روحها فيها.
***
عند يونس، رجع شغله بس مطفي، مش زي عادته.
مازن دخل بزعابيبه: إيه يا هندسة؟
يونس بهدوء: أيوه يا مازن.
مازن: ده أنا قولت هاترجع الورشة. تصدق كان لايق عليك دور الأسطى.
يونس بإبتسامة وجع: مبقاش له داعي. اللي عملت ده كله عشانها، قافلة قلبها بـ "ميت قفل" وألف مفتاح.
مازن بتروي: مش قولنا هاتسيبيها شوية تفكر؟
يونس بشرود: عارف، بس غصب عني. عارف لما تقعد شهر كامل قدام عينك من الصبح لآخر النهار، تحس إن فيه حاجة ناقصة. شقاوتها، عصبيتها، برودها، مقالبها، حتى طريقتها في الشغل. حاسس إن يومي ناقص حاجة من غيرها.
مازن بهزة راس: عارف وفاهمك. بس اصبر. ده يا عم بيقولك "الصبر مفتاح الفرج".
يونس بوجع: منا صابر. هو أنا أملك غير الصبر؟
مازن بصدق: ربنا يجعلك بعد الصبر جبر ويريح قلبك وبالك.
يونس بلهفة: يارب، يارب يا مازن. ادعيلي.
مازن بخبث غمزة لعينه: واقع واقع، يعني مفيش كلام. طيب ياض، اتقل شوية تزداد محبة.
يونس بإبتسامة: أنا قابل بحبه صغيرة بس ترضى. يلا، يلا خلينا نشوف اللي ورانا.
مازن: عندك حق. شوف كده التصميم ده بتاع المبنى الجديد اللي في القرية بتاع وادي الريان.
يونس فرد التصميم وبدأ يشتغل عليه ويناقش مازن في كل التفاصيل والتعديلات المطلوبة. ومر الوقت وقدر يتناسى يونس أي حاجة إلا تقصيره في شغله ومصالح الناس.
***
جبل طول الليل بيفكر في كلام مزجانجي اللي قلب كل تفكيره من النقيض للنقيض. ودماغه عمالة تودي وتجيب. وكل الطرق مقفلة في وشه. عقله راسي ومستقر على تفكير صاحبه. ونسي إنه بعيد كل البعد عن ربنا. وبدأ يفكر ويخطط إزاي ينفذه. وكثف المراقبة حوالين حور عشان يقدر يغتنم الفرصة صح ويرجع حور لعصمته تاني.
***
مر يومين. كل واحد بيهرب من كل اللي حواليه في شغله.
ويونس اضطر إنه ينزل الموقع يتابع الشغل بنفسه ويشوف التعديلات المطلوبة مع العمال.
ياسر راح بيت عمه وخبط بهدوء على غير عادته.
هدى فتحت الباب وترحابه بسيط: ياسر، أهلاً يا ابني، خطوة عزيزة.
ياسر بإبتسامة: الله يعز مقدارك.
هدى: طيب خش، خش. مش هانقف نتكلم من على الباب. شكلك جاي في حاجة مهمة.
ياسر بهزة راس خفيفة: فعلاً.
دخلوا الاتنين، وكالعادة سابت هدى الباب مفتوح. قعد ياسر وهدى قصاد بعض.
ياسر بإستفسار: ها، عملتي إيه مع حور يا مرات عم؟
هدى بتنهيدة: ولا حاجة.
ياسر بنفخة: طيب والعمل؟
هدى بوجع: العمل عمل ربنا. هو أنا اللي هاقولك على حور؟ ده إنت تدري الناس بدماغها الجزمة دي. لا قابلة تسمع كلمة ولا نصيحة. كل اللي طالع في دماغها إنها معيوبة ومحدش هايرضى بيها.
دموعها نزلت لما افتكرت كسرة حور: طيب قولي يا ابني، الله يرضى عليك. أنا موجوعة على ضنايا. البت يا حبة عيني مدبوحة بسكينة تلمة. وحتى مش قادرة تقول أي حاجة. والناس مبترحمش. والبت كل خوفها من الناس وسمعتها، وخايفة إنه ميقبلش أو يفضحها.
ياسر بأسف: طيب نعرفها إزاي إنه قابل بيها بكل ظروفها؟
هدى بشهقة: أوعي يا ياسر، سامع؟ أوعي. دي تقوم الدنيا متقعدهاش. حور نفسها أبيه وعزيزة. وموضوع زي ده، الله في سماه، تقاطع الكل ومستعمل حساب لحد. دي بنتي وأنا أدرى الناس بيها.
ياسر: طيب والحل إيه؟ كل السكك مقفلة. والجدع صبر مرة واتنين، ومظنش صبره هايطول. حتى لو عاشق، الراجل دمه حامي وكرامته غالية. هو راخر. ولو اتحمل مرتين فداه عشان مقدر وضعها وظروفها.
هدى: طيب ما تتكلم معاها كده بالمداهنة. وأهو إنت من ناحية، وأنا من ناحية، وأصحابها من ناحية. يمكن تلين. ده بيقولك "( الزن ع الودان أمر من السحر)".
ياسر بتنهيدة: والله يا مرات عم، هحاول. إن كان بنتك دماغه جزمة قديمة، بس ادعي ربنا ييسر.
هدى بحرقة: ربنا يهديكي يا حور يا بنت بطني، ويطمني عليكي. قادر يا كريم.
ياسر بصدق: آمين. طيب أمشي أنا بقى، ألحق وقتي.
هدى بهزة راس: ربنا ينور لك طريقك يا ابني ويكفيك شر أولاد الحرام.
ياسر بإبتسامة: اللهم آمين.
ومشي وهو بيفكر يفتح الحوار مع بنت عمه إزاي.
وبعد تفكير لحظات، حسم أمره وشغل عربيته واتحرك في طريقه.
وبعد وقت قصير، ركن العربية ونزل ودخل بكل هدوء: الله يا نور يا بنت عامر.
حور رفعت وشها من العربية اللي شغالة فيها ومسكت فوطة عشان تمسح إيديها: علينا وعليك يا ابن عابدي.
ياسر شد كرسي وقعد عليه: إيه الأخبار؟
حور بهدوء: تمام الحمد لله. الشغل ماشي زي الفل. واليومين دول عندنا ضغطة شوية.
ياسر بتفهم: كان الله في العون.
حور حست إنه عايز يتكلم ومتردد. طيب تعالي على المكتب ورايا كام فاتورة كده محتاجين ينزلوا الدفاتر ونتكلم الكلمتين اللي محشورين في زورك، الا يقفوا فيه يجيبوا أجلك، وإنتا لسه ورور.
ياسر بسخرية: ورور يا بت؟ أنا أكبر منك بسبع سنين يا عيلة. أنا راجل من أيام ما كنتي بتقولي على السكر "أوكر" وبتجري ورا عربية الرش في الشارع.
حور بتهكم: معلش، أصل شفت ابن عمي كان بيجري وراها قبل مني. فالعيب على الكبير لما يعمل العملة مش على الصغير لما يقلده.
ياسر بتبرقة: وكتاب الله يا شيخة ما خدتي من أمك إلا اللسان. هو هو نفس اللسان اللي لما تفتح بوقها يمسح بكرامة أتقل تخين الأرض. يلا، يلا يا آخر صبري.
طلع الاتنين المكتب وقفل حور الباب: ها، هات اللي في جوفك.
ياسر ببرود: يونس.
حور ببرود مشابه: اشمعنى؟
ياسر بكز سنان: مش هاندخل لبعض ليه؟ رفضتي الجدع ليه؟
حور بعصبية: يا الله! هو أنا مش هاخلص من الحوار ده؟ أنا عارفة، وإنت عارف. والعارف لا يعرف. يا ابن عمي، ها، في حاجة تاني؟
ياسر: آه، فيه. ليه حكمتي إنه مش هيقبل؟ طيب ما سبق وإني قبلت.
حور بتوضيح: لأنك ابن عمي، يعني لحمي ودمي. مهما كانت المشاكل. بس هو غريب. إيه اللي يجبره؟
ياسر: العشق. إيه مشوفتيش عشقه ليكي في عينيه يا شيخة؟ ده باين للأعمى.
حور بتنهيدة: مينفعش المجازفة هنا. سمعة عيلة النصراوي كلها هاتنزل الأرض.
ياسر: تحبي أنا أوضح له؟
حور بعصبية: إنت مجنون؟ توضح له إيه؟ وكملت بزعيق: إيه؟ شايفني إيه عشان كل واحد يتكلم معايا؟ موضوع وقفلته وخلص الكلام فيه. مات واندفن. أنا كرست حياتي لأمي ونفسي وشغلي وبس.
ياسر بمكر: وبعدين أمك ومش هاتعيش لك العمر كله. كان عاش أبوك الله يرحمه ليكِ بس دي سنة الحياة. كأس وداير. وشغلك اللي بتفني نفسك فيه مسيرة في الآخر يتقفل لما متلاقيش حد يكمل المسيرة من بعدك. وبيوت الناس اللي خايفة عليها إنها تتقفل هاتتقفل وهاتبقى في الدنيا بطولك. كل واحدة من صحابك هاتتجوز وتخلف والدنيا هاتلهيها. وأنا كمان مسيرة هاتجوز والدنيا هاتخدني لمسؤولياتي وبيتي وعيالي. وإنتي هاتقعدي بين أربع حيطان لوحدك. فكري يا بنت عامر، بس مش بعقلك. تؤتؤ بعقل عامر الله يرحمه اللي كان يوزن بلد. ربنا عطاكي فرصة وفتحلك باب وإنتي بإيدك بتقف ليه. عارفة أبوك الله يرحمه زمان حكالي قصة حلوة أوي.
قالي مرة واحد مركبته غرقت في البحر. وكان قاعد على حتة خشب في وسط البحر وعمال يدعي يدعي إن ربنا ينقذه. عدت مركب ورفض يركب، وفضل يدعي يدعي إن ربنا ينقذه. وعدت مركب تاني وبردوا رفض يركب. وفضل لحد ما عدى أربع خمس مراكب وكل مرة يرفض يركب ويدعي لحد ما مات. وسأل ربنا ليه يا رب مأنقذتنيش؟
ربنا سبحانه وتعالى قاله: "أنا بعتلك مركب واتنين وتلاتة وإنت رفضت. إنت سبب هلاك نفسك".
الخلاصة يا بنت عمي، ربنا بعتني ليكي وإنت رفضتي. طليقك طلب يردك وكان ممكن تكلمي الجوازة وتطلقي وتعيشي زي الناس تاني ورفضتي. وادي راجل مليون بنت تتمناه، عاشقك وطلبك بدل مرة اتنين وإنتي اللي بترفضى.
إنتي اللي هاتكوني سبب دمار نفسك. لأول مرة يا حور أقول لك الكلام ده، إنتي جبانة.
حور بصت له بصدمة.
كمل ياسر بحسم وجدية وعصبية: أيوه، متتصدميش كده. الكل بيحلف بحور القادرة زي ما الكل مسميكي، وإنتي جبانة، خوافة، خايفة من الناس اللي بتخاف منك. إمتى الناس بتبطل كلام؟ إمتى الناس بتسكت؟ قوليلي. خايفة تواجهي خوفك وضعفك؟ واجهي نفسك الأول وبعدين قرري.
رمى كلامه زي القنبلة وسابها ومشي.
فضلت باصة للباب بشرود. وكل كلمة نطقها ياسر فضلت بتتكرر زي الشريط في دماغها مرة واتنين وتلاتة وعشرة.
محستش بالوقت إلا وسبارس داخل المكتب.
سبارس: يا أسطى.
حور بإنتباه: خير يا سبارس، فيه إيه؟
سبارس: الساعة سبعة ونص والعمال خلصوا ومشوا. مش هاتقفلي الورشة؟
حور بإنتباه: آه، آه. يلا بينا.
نزلوا الاتنين وقفل سبارس الورشة. وحور ركبت العربية ومحستش إلا وهي بتقف عند الشلال، المكان المفضل ليها. نزلت من العربية وهي تايهة. يا ترى هي صح ولا غلط؟ يا ترى يونس فعلاً ممكن يقبل بيها ولا لأ؟ مين اللي صح ومين اللي غلط؟
وفي وسط ده كله سمعت حد بينادي عليها......يا ترى مين اللي بينادي على حور....؟
يا ترى جبل بيخطط لإيه.....؟
يا ترى حور فعلاً هاتدي فرصة ليونس ولا لأ.....
يتبع....
رواية تربية حواري الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم ولاء حامد
حور ركبت العربية ومحستش إلا وهي بتقف عند الشلال، المكان المفضل ليها. نزلت من العربية وهي تايهة. يا ترى هي صح ولا غلط؟ يا ترى يونس فعلاً ممكن يقبل بيها ولا لأ؟ مين اللي صح ومين اللي غلط؟
وفي وسط ده كله، سمعت حد بينادي عليها. وكان آخر صوت تتمنى تسمعه أو تشوف صحبه في حياتها مرة تاني.
جبل: حور.
حور: بكزه سنان: خير يا ابن ثريا؟ اللهم اجعله خير.
جبل بإستفسار: انتي فعلاً اتخطبتي؟ وبص على إيديها.
حور حطت إيديها في جيب الجاكت اللي لابساه: اممم. وانت مالك؟ إيه يخصك؟ اتخطب، اتجوز، اتحرق، أولع بجاز وسخ. دخل أهلك إيه في حياتي؟
جبل بأسف: يا حور، أنا بحبك. ارجعيلي. والله ما هتلاقي حد يحبك قدي ولا يخاف عليكي زيي. أنا عارف إني غلطت، بس انتي كنتي مراتي. اعتبريها غلطة، والله العظيم ما هاتتكرر. اديني فرصة أعوضك وأنسيكي. خلينا نرجع لبعض. أنا عارف إنك لسه بتحبيني.
حور بسخرية وتهكم: هو انت عبيط ولا أهبل يا واد؟ أصل بجد كلامك. يا أما انت عبيط يا متخلف يا أهبل. هو انت دست على رجلي؟ كسرتلي حتى عربيتي؟ ضربتني علقة؟ وزعقت بصوت عالي فزع جبل نفسه.
فوق يا واد انت وأمك يا وسخ! عملتوا عملة أوسخ منكم. انت كلب سعران ماشي ينهش أعراض الناس. انت زبالة ومش راجل.
جبل بص لها بصدمة.
حور بسخرية: والنبي يا شيخ ما تتصدم أوي كده. اللي يخدر خطيبته ويغتصبها، بيبقى كلب سعران وسخ نجس حقير زبالة واطي.
وانا يوم ما اتجوز وأعيش، أختار راجل من ضهر راجل، تربية راجل. راجل بجد مش دكر في بطاقة. أخلاق راجل، يبقى الأب في حنيته على بنته، أخ في خوفه على أخته، سند وضهر ليها. حبيب يشوف قلبي وروحي قبل شكلي. راجل يقبلني على إني الأسطى حور الميكانيكي، مش حور الحلوة أم عينين ملونة. زوج يبقى الأمان اللي استخبى منه في حضنه وأتحامى من الدنيا فيه. راجل لو حد داس على ضلي، يدوس على رقبته. صاحب يسمعني ميملش مني، يتحملني بكل حالاتي، عصبيتي وجنوني، فرحتي وضحكتي، حزني ودموعي. راجل يبقى دنيتي.
انما انت، وشاورت عليه بإشمئزاز من فوق لتحت: انت خيخة، لعبة في إيدين ماما. يا نغنوغة ماما. ولو آخر دكر في الوجود، عمر ما اسمي هايتحط جمب اسمك تاني. دانا يومها أدخل القبر، ولا أدخل بيتك.
جبل بصدمة من كلام حور: انتي شيفاني وحش أوي كده؟
حور بضحكة سخرية: دانتا أوحش من الوحاشة نفسها. انت حاجة كده عاملة زي مقلب الزبالة اللي لما الواحد بيعدي من جنبه بيسد مناخيره من الريحة اللي بتقلب بطنه والمنظر اللي بيقرفه. عرفت انت بالنسبالي إيه؟
جبل بشر: يعني مش هاترجعيلي وعايزة تتجوزي راجل تاني؟
حور بتهكم: ليه؟ هو انت حاسب نفسك راجل، لسمح الله؟ قولي كده يا ابن ثريا، ميزة واحدة بس تخليني أتطس في نواظري وأقبل بيك؟ وشاورت بإيدها على رأسها. فكر كده، دور واعصر دماغك، يمكن ربنا ينتعك بالسلامة وتلاقي ميزة أقبلك بيها في حياتي. يا واد، دانا كـ حور، أرجَل منك. يا واد، دانتا لو عيل في الحارة وقف قصادك، هايقل منك أكتر. انت قليل يا ابن ثريا. أنا اللي بيقع من نظري مبوطيش عشان أرفعه، عشان أنا طول عمري عالية وغالية ومقبلش رخيص في حياتي، وانت الحاجة الوحيدة الرخيصة اللي دخلت حياتي. امشي من وشي، بدل ورحمة أبويا في تربته، أخرجك على خشبة متشال مربعة.
جبل بشر وعيون حمرا: وديني وما أعبد، لا كنتي ولا هاتكوني لراجل غيري. ومادام مرتضتيش بالرضى، تيجي بالغصب. وفي لحظة تهور، قرب من حور، حاول يعتدي عليها مرة تانية.
***
ياسر طلع من الورشة عند حور، وهو بيلوم نفسه على حدته في الكلام معاها، ودخل في صراع طويل ما بين عقله وقلبه.
عقله: انت صح، كان لازم تاخد الصدمة عشان تفوق لنفسها وتعرف طريقها.
قلبه: لكن مش بالقسوة دي. ده بيقولك باللين تشكل الحديد. كان ممكن تتكلم معاها باللين، مش بحدة ووجع.
عقله: حور مينفعش معاها غير الشدة. هي عمرها ما تيجي باللين. حور من وقفة السوق بقت قوية، لازم اللي أقوى منها عشان تقدر تفهم الدنيا وتفوق لنفسها قبل فوات الأوان.
قلبه: بس مش بالقسوة. مكانش لازم تدوس على جرحها كده. انت اتعافيت، عملت زي الغشيم المتعافي من قسوتك، جرحتها بدل ما تفوقها.
عقله: ده الصح. عشان تفوق، لازم تتوجع. بعد أي عملية، المريض بيتوجع ويرجع يفوق ويخف ويبقى كويس.
حسم جدل قلبه وعقله بإنه صح في اللي عمله، وكان لازم قلم جامد يفوقها من الوهم اللي عايشة فيه.
مسك موبايله ورن على مرات عمه.
ياسر بتوتر: ازيك يا مرات عم؟ أنا ياسر.
هدي بقلق: ازيك يا ابني؟ ها، طمني عملت إيه؟
ياسر أخد نفس طويل وطلعه مرة واحدة: والله كان بودي أطمنك، بس بنتك دماغها جزمة، للأسف. شدينا مع بعض.
هدي بشهقة: وبعدين؟
ياسر: ولا قبلين. رميت الكلمتين اللي عندي وسيبتها ومشيت.
هدي بوجع: طيب وهي قالتلك إيه؟
ياسر: ولا حاجة. كانت بتسمع وكأنها لوح تلج، لا يسمع ولا بيحس، وكأن الكلام مش ليها.
هدي بخوف: استرها يارب. لما تيجي أشوف الدنيا معاها فيها إيه.
ياسر: ماشي، وابقى طمنيني، لآني عقلي هايشت. أول مرة أقسي عليها كده.
هدي: انت هببت إيه يا ابن نعيمة؟ أكمني عارفاك، لسانك زفر زي أمك.
ياسر بإبتسامة: الله يرحمك يا أم حور. على العموم، تشكره.
هدي: لا شكر على واجب يا أخويا. روح شوف مصالحك، وأنا لما البت تيجي هاشوف ميتها إيه.
ياسر: ماشي. بس ورحمة عمار، تطمنيني.
هدي بتنهيدة: بس اطمن أنا الأول يا واد.
ياسر بحرقة: ربنا يطمنا عليها يارب.
هدي بصدق: آمين. يلا اتوكل على الله.
قفل المكالمة، وكل واحد منهم عقله مشغول في مليون اتجاه.
***
يونس شغال، ولأول مرة عقله يبقى غايب عنه.
مازن وهو بيقرب من يونس وبيحط إيده على كتفه.
يونس بنفضه من الخضة: إيه يا ابني؟ حد يخض حد كده؟
مازن بسخرية: يا شيخ، ده الموقع كله سمع صوتي وأنا عمال أنادي عليك لما صوتي راح.
يونس أخد نفس وغمض عينيه بيهدي ضربات قلبه.
فتح عينيه وبصله بجدية: في إيه؟
مازن: بقولك، أنا هاروح البيت وأعدي على المكتب أجيب باقي التصاميم، لأنها في المكتب. وكمان محتاجين نراجع التعديلات النهائية.
يونس بشرود: ماشي. تمام.
مازن بإستغراب: مالك يا يونس؟
يونس بتنهيدة: مفيش، مرهق بس من ضغط الشغل.
مازن: عمر الشغل ما تعبك، للأسف يا يونس. قلبك اللي تاعبك.
يونس: عادي يا مازن، سيبها على الله.
مازن: ونعم بالله. يلا، أتوكل أنا على الله، عشان متأخرش.
يونس: تمام. بس أهم حاجة التصاميم تمام؟
مازن: متقلقش، أنا راجع أصلاً عشانهم. والله يسترك يا شيخ، اقعد في مكان مستور. الجو تلج زي ما انت شايف.
يونس: تمام. شوية وهادخل أشوف العمال وصلوا لفين.
مازن: متقلقش، الحاج سعيد طول عمره من رجالتنا. حتى الفواعلية اللي معاه ناس يعرفوا ربنا. مش أول تعامل بينا.
يونس: بس بردوا، حرص ولا تخون. لأن دي أرواح ناس. لازم نكون مفتحين عينينا كويس وعنينا في وسط راسنا.
مازن بتأكيد: عندك حق. يلا، الحق أنا وقتي قبل ما الدنيا تليل.
يونس: يلا، طريق أخضر.
مشي مازن، ورجع يونس لشروده تاني.
مسك التليفون وفتح للمرة الألف الرسالة اللي اتبعتتله من كام يوم، وقرا اللي فيها وعينيه مثبتة على كل حرف.
قطع حيرته رنة التليفون.
يونس رد بسرعة أول ما قرا الاسم: أيوه يا ياسر.
ياسر بترحاب: ازيك يا بشمهندس؟
يونس بعتاب: بـو، بشمهندس يا ابني؟ إحنا أخوات. بطل والله، هزعلك.
ياسر: لا، ربنا ما يجيب زعل.
يونس: اللهم آمين. طمني، إيه الأخبار عندك؟
ياسر بتردد: والله ما عارف. بس شديت أنا وحور انهارده. حسيت قلبي وجعني عليها. لأول مرة أقسي عليها كده.
يونس بقبضة قلب: لسه كده يا ياسر؟ دانتا أكتر واحد كنت بتقول إنها محتاجة وقت.
ياسر بتنهيدة: كان لازم يا يونس. حور عنيدة ومبتسمعش لحد غير نفسها. كان لازم أحطها قدام روحها وتشوف الحقيقة بنفسها.
يونس: طيب، وهي كان رد فعلها إيه؟
ياسر: صدمة وصمت. وده أكتر حاجة بخاف منها في حور.
يونس بتردد: ياسر، في حاجة حصلت من كام يوم وحاسس إنها زلقت. حور اللي وراها.
ياسر بإهتمام: خير؟ إيه اللي حصل؟
يونس: خلاص خلاص، متشغلش بالك. حوار أهبل طالع من عيل أهبل.
ياسر بعصبية: يونس، اخلص! عمل إيه ابن الكلب ده؟ أصله اللي زي ده عيل ناقص، أكيد عمل حركة ناقصة.
يونس بتنهيدة: طيب، أهداء. عصبيتك تخوف يا جدع.
ياسر: يونس، اخلص وبطل تغير في الموضوع، لآني مش هانسى.
يونس: طيب، خلاص خلاص. من كام يوم اتبعتلي رسالة من رقم غريب معرفوش، مكتوب فيها كلام زي الزفت على حور، وإنها بنت مش تمام وأخلاقها مش كويسة، وكلام من هذا القبيل.
ياسر: طيب، إيه اللي شككك إنها منه؟
يونس: لأن في الرسالة إن حور مش بنت، وإنها بتاعت شباب وعملت علاقات كتير، ومنهم طليقها اللي طلقها لما لقاها سهلة سايبة.
ياسر بعصبية: يا ابن الكاااالب! وديني وما أعبد، ما هحله إلا بطلوع روحه. عشان الواد ده فجر أوووي.
يونس: أهداء يا ياسر. الموضوع ميتحلش بالعصبية دي. الموضوع محتاج تفكير، عشان سمعة حور قبل أي حاجة. فكر بعقلك.
ياسر بخنقة: وهو خلا فيها عقل؟ دانا خلاص، أقسم بالله لولا مرات عمي، كنت جبت أجله. وابن الكلب، لا ليه ضابط ولا رابط، ومش سايب حور في حالها.
يونس: أهداء. عارف الحالة اللي فيها، لآني كنت فيها أول ما وصلتني.
ياسر بقلق: طيب، لما وصلتك، مش شكيت إن كلامه صح؟ أو ثقتك في حور اتهزت؟
يونس بسرعة ونفي: لاء طبعاً. أنا سبق وقولتلك، أنا مش عيل صغير. وثانياً، أنا عارف معدن حور، لآني فضلت شهر كامل تحت عيني. يعني أكيد مش هاتقدر تمثل طول الوقت. حور معدنها نضيف أوي في زمن فيه الناس رامية القيم والمبادئ قصاد الفلوس. بالرغم من غناها، إلا إنها لسه محتفظة بروحها. بروح بنت البلد الجدعة. اللي يعاشر حور، ميملكش غير يقول: يا بخته اللي هاتكون من نصيبه.
ياسر بإبتسامة: فعلاً، حور بنت بلد بجد. حاجة كده من النوع اللي انقرض من زمان.
يونس بعيون بتلمع: فعلاً، ميكس غريب. جرأة على براءة، طيبة على جدعنة، حكيمة حتى في كلامها وأفعالها. مش عارف ليه جت لحد عندي والسيستم هنج.
ياسر بضحك: محسود يا ابني. نصيبك بقى. اصبر على رزقك وربك يبعت الفرج.
يونس: الله المستعان.
ياسر: تمام. نصبر كده يوم ولا يومين ونشوف الدنيا فيها إيه مع أم دماغ جزمة دي.
يونس: ماشي. شوف وبلغني.
ياسر: تمام. يلا، أسيبك أروح أشوف اللي ورايا.
يونس: وأنا كمان أروح أشوف الموقع.
قفلوا المكالمة واتحرك من مكانه، وقبل ما يوصل الموقع سمع...
يا ترى يونس سمع إيه؟
يا ترى جبل هايكرر عملته للمرة التانية؟
يا ترى حور هاتضعف ولا هاتقدر تقاوم لآخر لحظة؟
يا ترى اللي جاي مخبي إيه؟
رواية تربية حواري الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم ولاء حامد
يونس اتحرك من مكانه وقبل ما يوصل الموقع سمع صوت موبايله بيرن للمرة الثانية.
طلع الموبايل من جيبه لقاه مازن.
فتح الخط: "ايوه يا مازن."
يونس: "مازن يا ابني."
مازن: "اتحرك من مكانك، شكلك في مكان مفيهوش شبكة."
تحرك يونس وهو مش مركز: "كده سامعني؟"
مازن: "ايوه سامعك، بقولك التصاميم مش موجودة في المكتب."
يونس بتذكر: "اممم، ابغي اقولك التصاميم في البيت عندي، لكن استحي والله."
مازن: "ناااعم، بتهزر صح؟"
يونس بهزه راس: "لا والله، كنت واخدهم البيت علشان اكمل التعديلات."
مازن: "طيب والحل يا بيه؟"
يونس ببرود: "ولا حاجة، هتاخد عربيتك زي الشاطر وتروح الشقة، هتلاقيهم في الصالة، تجيبهم وتيجي، وكده كده معاك نسخة من المفتاح."
مازن بإستسلام: "الأمر لله، ماشي يا عم، يلا اقفل خليني ألحق وقتي، الدنيا بدأت تلي."
يونس وهو مستمر في المشي وهو بيكلمه: "ماشي، يلا متتأخرش علشان العمال ربطوا الخشب انهارده ولازم نراجع على التعديلات قبل رمي الصبة."
مازن بتفهم: "تمام، متقلقش، يلا سلام."
قفل المكالمة واكتشف انه بعد كتير جدا عن الموقع من غير ما يحس.
شاف الميه على بعد مش كبير منه، رجليه خدته واتحرك نحية الشلال.
وكل ما يقرب قلبه يتقبض لحد ما قرب بالمسافة الكافية علشان يتصدم أكبر صدمة في حياته.
حور مشخص غريب بيحاول يتهجم عليها وهي بتعافر بجنون.
وقبل ما يوصل كانت مسكت حضنه رملة ورمتها على وش جبل.
حور بجنون وهي بتضرب في جبل برجليها: "فاكر اني لقمه طريه يا ابن الكلب، دانتا لا عشت ولا كنت لما تلمس مني ضافر يا نجس."
يونس قرب بجنون ومسك جبل من هدومه، وابتدت في اللحظة دي معركة دموية بين جبل ويونس.
وكانت الغلبة ليونس اللي انضمتله حور بجنون وهي بتضرب جبل اللي مكوم في الارض من كتر الضرب: "يا كلب يا واطي، فاكر نفسك مين هااا، فاكر نفسك راجل وجاي بتستقوي عليا، ياض دانتا خيخه عيل مالكش لازمة."
ومع كل كلمة ضربة وخبطة، ولا كلت ولا ملت ولا تعبت.
كل اللي فارق معاها هي محاولة جبل انه يلمسها وينتهك حرمتها مرة تانية.
يونس حس ان حور في حالة لا وعي.
مقدرش يقرب بس زعق بصوت عالي: "حووووور، خلاااااااص، اظن هايفكر مليون مرة قبل ما ينطق اسمك، مش يقرب منك."
حور مسمعتهوش من الأساس وكملت ضرب جنوني: "فوق ياض، دانا حور بنت عامر، متخلقش لسه من ضهر ابوه ولا طلقته مرا، اللي يدوس على طيف حور القادرة، ييجي كلب زيك فاكر نفسه حاجة ويكسر عيني يا واااطي."
يونس قرب وزقها وهو مضطر: "خلاااص، يخربيتك هايموت في إيدك، كفاية مفيهوش حتة سليمة."
حور بعدت وهي عينيها عبارة عن كتلة دم حمرا والشر ماليها، وبتنهج من المجهود اللي بذلته في المعافرة وضرب جبل.
فضلت واقفة دقايق بتحاول تنظم نفسها اللي اتقطع من اللي حصل.
يونس واقف وهو حاطط ايده على رأسه بيحاول يهدي نفسه.
وجبل مرمي في الأرض بيأن من الوجع، وبص على يونس اللي واقف وافتكر شكله من الصور.
جبل بصله بكره رغم الألم اللي مرسوم على وشه، واتحولت معالم وشه لسخرية: "انتا بقى عريس الغفلة."
يونس بصله بحده: "ولاااا، اكتم خالص، بدل ما اكتم انفاسك الباقية من الدنيا."
جبل بسخرية وتهكم: "صدقني انتا أكبر مغفل، عارف ليه؟ اصلك واخد فضلات غيرك، طبعاً شدك الوش الجميل البريء، متعرفش انها شمال مدوراها مع كل واحد شوية ومقضياها في حضن كل راجل شوية، وانا كنت واحد منهم، اصل المدام كانت مراتي وسيبتها لما لقيتها رخيصة وجات بالساهل وببلاش، اصل نفسي بتجزع من الرخيص."
حور بجنون قربت منه وخبطته برجلها في وشه: "مين دي يا كلب؟ ايه يا ابن الحرام؟ فاكرني أمك ياض انتا؟ وكلب لولا أن امك الوسخة خدرتني، مكنتش قدرت عليا، لا انتا والف من عينتكم النجسة."
جبل بكذب: "تنكري انك كنتي في حضني؟ كنت ليا."
حور تفت على وشه: "كلب وعضني، لا في يوم هاعمل عقلي بعقله ولا أقرب منه، كل ما أقرب أتف عليه وأمشي، لأنه إن على ولا وطى، فهو كلب."
يونس بيسمعه ببرود: "لما هي شمال، جاي لحد هنا وراها ليه؟ وبتحاول تتهجم عليها؟ لما هي مقضياها، بعتلي رسالة تشتم فيها ليه وتحذرني من اني اخطبها؟"
حور بصتله بصدمة وبصت لجبل بكره.
جبل بصلهم وسكت.
حور قعدت على الأرض بتحاول تتمالك أعصابها.
قرب يونس ولكن بحذر وساب مسافة كافية بينهم: "حور، يلا الدنيا ليلت والوقت اتأخر."
قامت بصعوبة ولكن اتمالكت نفسها ونفضت هدومها.
يونس لاحظ ان هدومها فيها قطع.
قلع الجاكت اللي لابسه ومد ايده لحور بيه اللي اخدته منه من سكات ولبسته.
ورجعت عربيتها وشغلت العربية بإيدين بتترعش فشلت انها تخفيها زي ما خفت مشاعرها.
لاحظ رعشة ايديها.
يونس استنى ثواني وعمل مكالمة ودقايق وكانت عربيته قربت من المكان اللي موجودين فيه.
أخدها ومشي الشخص اللي جابهاله.
يونس بهدوء: "حور، طبعاً مينفعش اوصلك علشان كلام الناس، وقبل كل دا عشان حرام. اركبي عربيتك وانا وراكي لحد ما اطمن انك وصلتي بيتك بخير، يلا."
حور بدون مناقشة وكأن طاقتها كلها نفذت.
دورت العربية وسقت، واحداث كل اللي حصل بتدور في دماغها مش بترحمها.
ويونس ماشي وراها بالعربية وقلبه هايقف من الخوف عليها ومن منظرها اللي يلا يبشر بالخير.
فضل ماشي لحد ما وصلت البيت وركنت العربية.
بصت ليونس بإمتنان ودخلت البيت بسرعة.
يونس اطمن انها وصلت لف بعربيته وهي هايتجنن من اللي حصل والف سؤال وسؤال كان في عقله.
يا ترى لو مكانش لحقها كان مصيرها إيه؟ يا ترى حور هاتقدر تقوله الحقيقة أمته؟ يا ترى جبل ها يسيبهم في حالهم ومش هايشوه سمعة حور؟ يعمل إيه؟
دخل من دوامة التفكير لدوامة الحيرة.
جبل بعد ما مشيت حور بعربيتها ومشي يونس وراها اتأكد انه خسر حور للأبد.
واللي عليه ينتظر رد من حور على اللي اتجرى وعمله.
اتحامل على وجعه لحد ما ركب عربيته اترمي على الكرسي وفضل وقت طويل لحد ما قدر يسوق وطلع على بيته على طول.
وأول ما وصل دخل البيت زي الحرامية خاف حد من الحيران يشوفه.
ودخل البيت لقى همام في وشه اللي اتصدم من منظر ابنه.
همام بخوف ولهفة: "جبل مالك يا ابني؟ ايه اللي عمل فيك كده؟"
جبل بكذب: "مفيش، اتخانقت."
همام بعدم تصديق: "اتخانقت؟ دانتا مفيش في وشك حتة سليمة. اتخانقت مع مين وفين ومن امتى؟ وانتا ليك في جو الخناقات والكلام ده طول عمرك في حالك."
جبل بزعيق: "يووووه، خلاص بقى، قولتلك اتخانقت، سيبني في حالي بقى."
وساب ابوه قبل ما يصر يعرف ايه اللي حصل ودخل اوضته وهو تايه.
***
حور دخلت البيت وهي مصدومة.
هدي كانت قاعدة مستنياها كعادتها في مدخل البيت.
أول ما شافت شكل حور شهقت بصوت عالي وخبطت على صدرها: "يالهوووي! ايه اللي حصل يا بت؟ بهدلك كده؟ كنتي فين وايه اللي عمل فيكي كده؟"
حور بصتلها من سكات وفجاءه اترمت في حضن أمها والقناع اللي كانت لابساه انهار فجاءه وكأنه رماد طار مع اول خطوة جوه حيطان البيت.
هدي بخوف وخضه: "يبت مالك؟ ايه صابك يا نور عيني؟ يا بت انطقي قلبي هايقف."
ما كان من حور الا شهقات علت اكتر.
وما كان من هدي الا إنها ضمت بناها لحضنها اوووي وتبتت عليها اووووي وكأنها خايفه عليها تضيع من بين ايدها وكأنها بتمدها بالحب والحنان اللي عايزاه ومحتاجاه وبتطمنها بوجودها جمبها.
فضلت حور في حضن أمها تطمنها.
حور بهذيان: "دمرني وكان هايضيعني."
هدي بمحاولة للفهم: "مين داه يا ضنايا؟ داه لا عاش ولا كان."
حور بدموع وشهقات عالية فضلت وقت طويل في حضن أمها وهي متبتة فيها.
مر وقت طويل اوووي بين عياط وانهيار وهدي ضماها لحضنها في المدخل وقعدت على الأرض وهي في حضنها عمالة تقرئلها قرآن وتستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.
لحد ما حور هدت كتير عن الأول وقدرت تتمالك أعصابها.
سندتها لحد ما دخلوا البيت.
هدي بترقب: "مالك يا ضنايا؟ ايه اللي حصل؟ انا عمري ما شوفتك كده غير يوم دفنت المرحوم الله يرحمه."
حور بشرود وكأنها انفصلت عن الواقع قامت زي الإنسان الآلي ودخلت اوضتها حتى مقفلتش الباب.
قلعت جاكيت يونس ورمته على السرير ودخلت الحمام وفتحت الدش ووقفت تحت منه بهدومها.
لا عيطت تاني ولا انهارت وكأنها فقدت الإحساس بكل حاجة.
فضلت وقت محستش هو قد إيه طويل ولا قصير.
طلعت وكل هدومها مليانه ميه.
طلعت غيار وغيرت ورمت الهدوم المبلولة على الأرض ونامت زي القتيل.
هدي بره على نار ومش عارفه فيها إيه.
اتسحبت ودخلت الاوضه لقيتها نايمة والهدوم مرميه جمب السرير مبلولة.
لمت الهدوم وطلعت تحطهم في سبت الغسيل.
لاحظت التيشيرت بتاعها مقطوع من عند الكم والرقبة.
قلبها اتقبض ومليون فكرة وفكرة جات في دماغها.
مسكت التليفون ورنت على ياسر.
ياسر: "ايوه مرات عم."
هدي بعياط وانهيار وصوت مبحوح: "ألحقني يا ياسر."
ياسر بخضه وهو بيقوم منطور من مكانه: "في ايه مالك؟ انتوا بخير؟ حد منكم حصله حاجة؟"
هدي بعياط وشهقة: "م م ممش ع ع عارفه يا ابني."
ياسر بمحاولة لتمالك اعصابه: "طيب اهدي كده وخدي نفس علشان اقدر افهمك."
فضلت دقايق بسيطة لحد ما قدرت تاخد نفسها وتتكلم.
ياسر: "هديتي كده؟ قوليلي في ايه بقى."
هدي: "مش عارفة، حور جات من بره منهاره وعماله تعيط وتجيب من حالها. عمري ماشوفتها كده غير يوم دفنت المرحوم الله يرحمه. واللي طالع عليها دمرني، كان هايضيعني، ودلوقتي جيت اشيل هدومها لقيت هدومها مقطوعة. انا خايفه يا ابني لا البت يكون حد عمل فيها حاجة ولا المخفي الله ينتقم منه اتعرضلها بسوء والبت يا حبة عيني لا بتنطق ولا بتتكلم وبتصر في نفسها وتسكت."
ياسر وعينيه بتقدح شرار: "طيب مفهمتش منها أي حاجة؟"
هدي بهزه راس: "لا يا ابني، دانا حتى مشوفتش القطع اللي في هدومها."
وسكتت ثواني: "استنى كده يا ابني."
ياسر: "في إيه."
هدي: "اصبر على رزقك. دخلت اوضة حور لقيت الجاكيت اللي كانت لابسه مرمي على جمب السرير من الناحية التانية. خدت الجاكيت وطلعت بره الاوضة."
كل ده وياسر معاها على التليفون.
ياسر: "ايه؟ في إيه؟ مرة واحدة؟ اصبر اصبر في إيه؟"
هدي: "حور كانت جايه لابسه جاكيت مش بتاعها وشكله كبير أوي عليها. واللي حسبته لقيته. دخلت لقيت الجاكيت مرمي جمبها."
ياسر بإستغراب: "بتاع مين ده يعنى؟"
هدي: "والله يا ابني علمي علمك. استنى كده."
وكعادة كل ست مصرية أصيلة بدأت تفتش في جيوب الجاكيت لحد ما لقيت محفظة يونس.
هدي بشهقة: "هاااااا! يالهوووي!"
ياسر بخوف: "في إيه يا مرات عم؟ نشفتي الدم في عروقي."
هدي بخضة: "عارف الجاكيت ده بتاع مين؟"
ياسر بترقب حذر: "مين؟"
هدي: "يونس."
ياسر بصدمة: "بتقولي مين؟"
هدي: "على نفس الصدمة. وكتاب الله زي ما بقولك كده، محفظته في جيب الجاكيت الجواني."
ياسر بمحاولة لتمالك اعصابه: "طيب خلي المحفظة معاكي ورجعي الجاكيت مكانه، وانا هاعدي عليكي اخد المحفظة واروح اشوف ايه الحكاية."
هدي بدموع: "طمني يا ياسر، ورحمة عمك لو كان ليا معزة في قلبك لاتقولي. لو عرفت حاجة تعرفني، قلبي واكلني على البت وحاسة ان في حاجة كبيرة حصلت والشيطان عمال يلعب في دماغي ويودي ويجيب."
ياسر: "متقلقيش خالص، اعملي بس زي ما قولتلك وانا اهو مسافة السكة وابقى عندك."
هدي بقلب أم: "ماشي يا ابني، مستنياك."
قفلت المكالمة وفضلت قاعدة على سلم المدخل مستنياه لحد ما سمعت صوت كلاكس العربية.
طلعت بسرعة وفتحت الباب بلهفة: "أهي يا ابني."
ياسر اخدها من ايدها وهو قاعد في عربيته.
استنى لما دخلت البيت وقفلت الباب واتحرك بالعربية.
وأول ما طلع من الحارة مسك الموبايل ورن على يونس.
فضل يرن لحد ما الموبايل فصل.
كرر الاتصال اكتر من مرة لحد ما اخيرا رد.
ياسر بعصبية: "ايه يا يونس؟ سنة على ما ترد؟ حرقت التليفون عليك يا اخى! في إيه؟"
يونس وهو بيحاول يتمالك اعصابه: "معلش يا ياسر، كنت مشغول بس شوية ومخدتش بالي من التليفون."
ياسر بحدة: "عايز اشوفك دلوقتي حالا."
يونس بقلق ان ياسر يكون عرف باللي حصل لحور: "طيب ممكن نخليها لبكرة لاني في الموقع ومشغول جدا."
ياسر بحسم: "دلوقتي، قولي مكانك وانا هاجيلك، متتعبش روحك."
يونس حس ان ياسر مش هايتراجع: "تمام، انا في وادي الريان في منطقة ....... اول ما توصل هناك هتلاقي قرية ...... ادخل من الاتجاه المعاكس للشلال هتلاقي هناك موقع بناء، انا موجود هناك."
ياسر: "ماشي تمام، مسافة الطريق وابقى عندك."
قفل المكالمة ودور العربية وداس بنزين بغباء لدرجة ان العربية تحس انها طايرة من على الاسفلت.
يونس قفل المكالمة وهو في دماغه مليون حاجة وفي صدره الف وجع ووجع وحيرته زادت وبقى مش عارف يعمل إيه.
مازن قاعد قدامه وهو شارد ومش بيرد على حد.
مازن بنفاذ صبر: "وبعدين يا ابني؟ هاتفضل كده كتير؟ ماتريحني وقولي ايه اللي حصل في الشوية اللي غبت عنهم فيهم؟ جيت لقيتك سايب الموقع والعمال تضرب تقلب، وجاي دلوقتي وشك مقلوب ومتخرشم، واصلا بقالك كام يوم مش مظبوط."
يونس بتنهيدة طالعة من جوفه سخنة زي النار وكأنه بيحاول يخلص نفسه من النار اللي قايدة في صدره: "مفيش، كان عندي بس مشوار مهم."
مازن بسخرية: "مشوار مهم، اممم، قولتلي. وياترى مع المشوار المهم ده، مش حاسس بالتلج اللي احنا قاعدين فيه وقاعد بالتيشيرت حتى من غير جاكيت في الجو ده؟"
يونس افتكر لما قلع الجاكيت ولبسه لحور اتنهد وبص لبعيد وسكت.
مازن بصله وهز رأسه بقله حيلة من وضع يونس اللي بقاله كام يوم مش معاه في دنيا تانية، وحتى شغله اللي دايما مهووس بيه أصبح مش مركز فيه.
والحالة دي معناها ان يونس في حاجة أكبر وأصعب من تحمله جواه، بس عارف يونس وحافظه اكتر من اسمه، مستحيل يعرف منه حاجة لو هو مش عايز يقول.
وداه زاد حيرة مازن أضعاف مضاعفة، ففضل الصمت واكتفى انه يبص على يونس اللي شارد وناسي مازن تماماً.
مر الوقت ما بين صمت يونس وترقب مازن وسرعة ياسر الجنونية على الطريق واللي كانت كافية توقعه في ألف حادثة.
وخصوصاً مع الطريق المكسر وكمان ضلمة كحل ومعتمد اعتماد كلي على كشافات العربية وبرود الجو الغير محتملة.
وفعلاً بعد أقل من نص ساعة كان وصل في وقت قياسي لمكان يونس ووقف العربية ورن على يونس بلغة انه خارج الموقع.
طلع يونس بهدوء وشاف عربية ياسر راكنة قدام الموقع.
من سكات فتح الباب وركب واتحرك ياسر بعيد عن الموقع بشوية ووقف العربية وبص ليونس بشك خصوصاً مع الكام كدمة اللي باينين في وشه زي الشمس في عز نهار صيف.
ياسر بإستفسار مغلف بحده: "خير؟ من إيه اللي في وشك ده كله؟"
يونس اخد نفس طويل وخرجت مرة واحدة: "خير يا ياسر، جايلي في وقت زي ده ليه؟ وكمان في مكان شغلي؟ أكيد مش علشان تستفسر على صحتي."
ياسر بعصبية طلع المحفظة من تابلوه العربية ومد ايده ليونس بيها: "جيت اجيبلك دي، اصل شكلك نسيتها في الجاكيت مع حور."
يونس اخد نفس وكز على سنانه وغمض عينيه بوجع: "هي عاملة إيه دلوقتي؟ طمني عليها."
ياسر بحدة وصوت اشبه بالفحيح: "مش لما اطمن عليها الأول؟ هاعيد سؤالي بصورة أوضح، ايه اللي جاب جاكيتك عند حور؟ وإيه اللي وصل حور للوضع ده؟"
يونس بسخرية: "وطبعاً شكك الأول فيا مش كده؟"
ياسر بحدة: "لو كنت شاكك واحد في المليون، كان زمانهم بيقروا الفاتحة على قبرك. انا بسألك لاني عارف اني بتعامل مع راجل بجد."
يونس بخنقة وكأن أحداث الموقف تاني بتتعاد قدام عينه: "طليق حور اتعرض ليها وكان هايكرر عملته تاني لولا ستر ربنا واني وصلت في الوقت المناسب."
ياسر بعينين مبرقة قربت تخرج من مكانها من الصدمة اللي مرسومة على وشه: "ازاي؟"
يونس بتنهيدة طويلة: "كنت بكلم مازن واتمشيت شوية ولقيت اني بعدت عن الموقع، لقيت نفسي قريب من الشلال، قولت اقف هناك شوية لحد مازن ييجي، ولما قربت شوفت واحدة واقعة وواحد بيحاول يتهجم عليها."
وغمض عينيه كأنه بيحاول يطرد المنظر من دماغه وفتحهم تاني، ولما قربت اوي لقاها حور وبتعافر بجنون.
قبل ما أتدخل لقتها مسكت شوية رمل ورمتهم في وشه وانا شيلته من فوقها ونزلنا في بعض ضرب، وحور زي ما يكون اتجننت نزلت في ضرب ومعرفتش أسلكه من ايدها لحد ما هديت لما لقيت هدومها مقطوعة.
اديتها الجاكيت ونسيت ان المحفظة والورق وحاجتي فيه، مفكرتش غير فيها وبس.
وفضلت ماشي وراها بالعربية لحد ما وصلت البيت ورجعت تاني.
داه كل اللي حصل."
ياسر مع كل كلمة عينيه تنم عن شر مستعر جواها لحد ما خلص يونس وكانت عينه فاحمة كعيون الشيطان الخارج من قعر الجحيم.
ياسر بهدوء لا ينم تماماً عن ما يدور بداخله من نار وشر مستعر: "تمام، تشكر يا صاحبي. راجل من يومك."
يونس بقلق وخوف صادق: "طمني عليها، عاملة إيه دلوقتي؟"
ياسر ببرود مرعب: "هاتكون أحسن، مش بنت النصراوي اللي تتكسر. ياما دقت على الراس طبول، متقلقش عليها."
وحور شديدة وعفية.
يونس بمحاولة للتحكم في نفسه: "انتا عرفت منين؟"
ياسر: "مرات عمي كلمتني ومحدش فينا كان فاهم حاجة، وهي اللي دورت في الجاكيت ولقيت محفظتك. يلا خليني أوصلك عشان ألحق أروح، ورايا بكرة شغل."
يونس بذهول من وضع ياسر: "ناوي على إيه؟ شكل العيلة دي صمتها دمار."
ياسر بهدوء مرعب: "سيبك مني، متخافش عليا. انا بردوا تربية عامر."
وكمل بتهكم: "بس واخد دم عابد في الشر، ميعرفش ابوه. يلا خليني ألحق طريقي."
وصله لحد الموقع وركب عربية في طريقه لسنورس تاني.
اتحرك بالعربية وعمل مكالمة مستمرتش أكتر من دقايق قليلة وقفل وكمل ببرود وكأن شيئ لم يكن.
***
هدي طول الليل مغمضالهاش جفن من القلق.
وكل شوية تدخل تطل على حور وكل شوية تمسك التليفون وقبل فيه ومستنية مكالمة ياسر بفارغ الصبر.
فضلت طول الليل تتقلى على جمر من نار لحد قرب الفجر.
دخلت تطل على حور كعادتها طول الليل من أول ما دخلت تنام.
بس لقيت حور بتهلوس بكلام مش مفهوم.
حطت ايدها على راسها لقيت جسمها سخن زي النار.
هدي بخوف: "يالهوي! البت جسمها يقلي الفول! أعمل إيه يارب؟ الوقت آخر دبرها من عندك يارب."
دخلت المطبخ بسرعة طلعت طبق وحطت فيه ميه وحطت تلج وخدت فوطة نضيفة وزجاجة الخل ودخلت اوضة بنتها.
فضلت تعمل كمادات وتدهن رأسها بخل عشان تهدي من السخونة لحد الفجر ما قرب.
وكل شوية الحرارة تنزل بسيط وترجع تاني.
قامت اتوضت وصلت فرضها وفضلت تدور لحد ما لقيت خافض حرارة اديتها منه وفضلت مكملة للصبح.
ومع أول خيوط الشمس فتحت عنيها بضعف وآنت بوجع: "ااااه."
هدي بلهفة أم: "حمد الله على السلامة يا ضنايا."
حور وهي بتحط ايدها على رأسها بتحاول تقوم بس مقدرتش: "الله يسلمك يا أما. في إيه؟ جسمي كأن عدى عليه قطر."
هدي اتنهدت: "انتي اللي طمنيني من عشيه وانتي في دنيا غير الدنيا."
حور بصتلها وكل أحداث اليوم مرت على دماغها من تاني وعنيها اتحولت لشر وبصت لأمها اللي قرت الشر واضح وضوح النهار في عنيها.
هدي: "مالك؟"
حور: "مفيش، متقلقيش."
هدي بخوف: "يا بنتي الله يرضى عليكي طمنيني عليكي، حرام عليكي كل يوم والتاني ألاقي حالك مشندل."
حور بهدوء مرعب ومفزع: "متقلقيش يا ام حور."
ساعديني بس اقوم ادخل الحمام استحمي وانفض غبار التعب من على جتتي.
هدي بقله حيلة: "لله الأمر من قبل ومن بعد."
ساعدتها تدخل الحمام وقبل ما تقفل الباب: "اعملي حسابك مفيش نزول الشغل اليومين دول لحد ما جتك تطيب."
حور: "ماشي."
اتأكدت ان أمها طلعت مسكت التليفون بسرعة وعملت مكالمة بسرعة ومسحت الرقم ودخلت الحمام تستحمى وكأن شيئ لم يكن.
يا ترى حور ناويه على إيه؟
يا ترى حور كلمت مين؟
ياترى ياسر كلم مين؟
ياترى ياسر ها يسكت؟
ياترى اللي جاي مخبي إيه؟
يتبع.
رواية تربية حواري الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم ولاء حامد
حور :ماشي اتأكدت إن أمها طلعت مسكت التليفون بسرعة وعملت مكالمة بسرعة ومسحت الرقم ودخلت الحمام تستحمى وكأن شيئ لم يكن.
هدى سابت بنتها وطلعت على السطح جابت فرخة بلدي ودبحتها ونزلت تحت علشان تنضفها وتطبخها لبنتها. واقفة عقلها شارد مش فيها وبتفكر ألف مرة في اللي صاب بنتها وإزاي تعرف. وياسر من ليلة امبارح لا حس ولا خبر عنه وقلبها اتوهج زيادة. وحور لو عملت قرد مش هتقولها حاجة ولا تريح قلبها. هي أدرى الناس ببنتها اللي الكلام عليها عزيز والوجع جواها مدفون ومحدش يعرف يشيل من عليها الردم ولا يطلعه من قبر بطنها. فضلت واقفة محتارة ومش عارفة تعمل إيه. سلمت أمرها لله ووكلته أمرها وأمر بنتها واستودعتها في حفظ ربنا سبحانه وتعالى.
***
جبل فضل طول الليل يتقلب وعقله شارد في اللي حصل وياترى كان صح ولا غلط.
رجع بذاكرته لورا.
فلاش باك.
جبل: أنا عايز حل يرجعها لي.
مزجانجي بخبث: طلبك عندي يا كبير.
جبل باهتمام وانصات: قول بسرعة الله يخليك.
مزجانجي بطمع: كله بتمنه.
جبل بلهفة: اللي عايزه هديهولك.
مزجانجي: يبقى استنى. بص يا معلم، إنتا بتقول إن محدش يعرف غير أمها وابن عمها وأهل بيتكم صح؟
جبل: أيوه.
مزجانجي: ومدام ابن عمها مش العريس يبقى فكس لما عرف الفولة. أصل مفيش راجل هايرضى على روحه ياخد مرا معيبة وغيره سبقه ليها.
جبل: مش عارف.
مزجانجي بنفاد صبر: مهو يا أذكى إخواتك لو كان قبل كان زمانه العريس. وإنتا بتقول إنه راجل غريب وشكله مش من الحتة ولا البلد صح؟
جبل: أيوه.
مزجانجي: يبقى اللي فيها إنك تروح للراجل ده وترسيه على الدور. بس مش زي ما هو. تعرفه إنه كان بمزاجها وشوية تحابيش تخليه ميطقش يبص في وشها. وهي أكيد مقلتلهوش على اللي فيها وإلا كان طفش. ومش بعيد تكون عملت عملية من إياهم. فاهمني؟
جبل: أيوه فاهم. طيب مهو ممكن ميصدقش.
مزجانجي: لو ما وافقش يبقى تدخل عليها نيب التقيل.
جبل بعدم فهم: اللي هو إيه ده بقى؟
مزجانجي: هاقولك. اسمع بقى دكر الكلام. لو منفعتش اللي فات تترصد لها واللي حصل بالمتداري يبقى على عينك يا تاجر.
جبل بعدم فهم: يعني أنا مش فاهم حاجة. وضح كلامك.
مزجانجي: يعني إنتا كده ولا كده باعت اللي يُقطرها صحة.
جبل: أيوه.
مزجانجي: يبقى لما تبقى لحالك تروحلها وتتكلم معاها. قبلت كان بها. مقبلتش تعمل اللي سبق وعملته غصب عنها وتكسر عينها. المرة دي هي اللي هاتبوس إيدك تستر عليها. وابقى طيب خاطرها لما تبقى في بيتك وتحت عينك.
جبل بابتسامة اترسمت على وشه والأمل رجع اتجدد واتمكن منه تاني وهز رأسه بطاعة.
وفضل مستني الوقت اللي مطلوب. لما بلغه سيكو اللي مكلفه يراقب حور إنها طلعت على وادي الريان لوحدها. مكدبش خبر وركب عربيته وراح وراها وحصل اللي حصل.
نهاية الفلاش باك.
ماكنش عارف إن حور قوية أوي كده لدرجة تعجنه ضرب. ومعملش حساب خطيبها اللي استغرب موقفه. برغم إنه بعتله رسالة باللي حصل لحور وزود عليها كلام مش تمام عليها من عنده. إلا إنه فضل متمسك بيها.
فضل محتار يعمل إيه أكتر من اللي عمله. حس إن النهار طلع وعارف إن اللي أبوه سكت عنه امبارح هايتكلم فيه انهارده. قام من سريره برغم الألم الفظيع اللي حاسس بيه. إلا إنه اتحامل على نفسه وغير هدومه بسرعة وطلع يتسحب قبل ما أبوه يصحى ومش هايسيبه إلا لما يعرف إيه سبب الضرب اللي في وشه ده كله. طلع وهو مش عارف القدر مخبيله إيه. ساق عربيته وهو مش مركز في حاجة واتحرك وهو مش محدد طريق. لقى رجليه بتاخده لطريق البركة.
بحيرة قارون.
ووصل قرب البحر. كان لسه النهار في أوله والرجلين قليلة جدا في الشارع تكاد تكون معدومة. قرب من البحر وقبل ما يوصل قطع عليه الطريق عربيتين كانوا قاطعينه من أول ما طلع بس مكانش مركز فيهم. اضطر يدوس فرامل ونزل من كل عربية 5 رجالة الإجرام مرسوم على وشهم والشر مالي عنيهم. جبل بص لهم بخوف وبلع ريقه بصعوبة. فتح واحد منهم العربية ونزل العشر رجالة ضرب في جبل لما كسروه ومخلوش فيه حتة سليمة. ولما حسوا إنه خلاص خلص وقرب يخلص في إيديهم طلعوا كل واحد شومة ونزلوا على العربية كسروا العربية لما خلوها زي علبة السردين. كل ده حصل في صمت من غير ما حد منهم ينطق بكلمة. وسابوا جبل اللي صوته اتقطع من كتر الصراخ وهو مش قادر يدافع عن نفسه. وسابوه ومشوا.
فضل جبل مرمي على الأرض وقت محدش عارف هو قد إيه. لما لاقوه الناس والكل كان مفزوع من المنظر. اتصلوا بسرعة بالإسعاف اللي خلال نص ساعة كانت جت وشالت جبل اللي بقى شبه الجثة واتنقل المستشفى بين الموت والحياة.
مر الوقت وجبل في العمليات وفي الاستقبال. أخدوا كل متعلقاته الشخصية بما فيهم التليفون اللي محدش عرف يفتحه.
همام صحي من النوم وقام يطمن على ابنه ويفهم منه إيه اللي حصل امبارح ودشمله كده. خبط على الباب ومحدش رد.
همام من بره: جبل رد. عارف إنك جوه.
خبط تاني وبردوا مفيش رد. فتح الباب لقي الأوضة ضلمة. قرب من النور: إنتا يا بيه قوم كده وفوقلي.
فتح النور وبص على سريره ملقيش ابنه. شاف التريننج بتاع ابنه على السرير وهو مش موجود ولا ليه أثر في البيت. همام قلق على ابنه لما دخل الأوضة وملقهوش.
فضل قاعد منتظره وقت طويل. آخر ما تعب مسك تليفونه.
لحسن الحظ إنه رن في الوقت المناسب.
همام بلهفة: إيه يا جبل؟ إنتا روحت فين؟
رد شخص تاني خالص: حضرتك صاحب الرقم ده عامل حادثة وفي مستشفى......
همام بخضة: مستشفى ليه؟ إيه اللي حصل لابني يا ابني طمني.
موظف الاستقبال: والله معرفش. اللي اعرفه إنه في العمليات حالياً.
همام قفل المكالمة ودخل أوضته جري غير هدومه وخد عربيته وساق وهو قلبه هايقف من الخوف والوجع على ابنه. وصل بعد وقت قياسي المستشفى. ركن العربية بإهمال ونزل جري على جوه المستشفى. دخل الاستقبال وسأل بلهفة: لو سمحت يا ابني حد بلغني إن ابني هنا عامل حادثة.
الموظف: اسمه إيه؟
همام بلهفة: جبل همام.
الموظف: آه ده جاي في حادثة تقريبا. هو في الدور الرابع في العمليات.
همام هز رأسه وطلع يجري لحق الأسانسير اللي طالع. وصل الدور وقلبه هايقف من الخوف. طلع على الأوض المطلوب وسأل كذا حد لحد ما وصل لأوضة العمليات. مر ساعة واتنين وهو واقف لسانه مبطلش دعاء لابنه.
وأخيرا ربنا رحمه من عذاب الانتظار وطلع الدكتور وهو مجهد. جري همام عليه.
همام بلهفة وعينين بتلمع بغلالة دموع: ابني يا دكتور طمني الله يطمن قلبك.
الدكتور: إنتا تبع الحالة اللي جوه.
همام هز رأسه: أيوه أنا أبوه. طمني قلبي هايقف يا ابني.
الدكتور: والله يا حاج ابنك حالته مش كويسة. الأول كنت فاكر إنها حادثة بس من الأشعة والكشف المبدئي واضح إنها علقة موت. كسور كتير جدا في أنحاء جسمه وكمان في 4 أضلاع مكسورة. منهم ضلع اخترق الرئة. بس واضح إن اللي بيضرب عارف بيضرب فين لأنه كان بعيد كل البعد عن الأماكن الحيوية وبعيد عن الرأس. إحنا سيطرنا على النزيف وحالياً هايفضل كام ساعة في العناية المركزة لحد ما الحالة تستقر ويتنقل أوضة عادية. وبالنسبة للكسور بعد الجبس يقدر يعمل علاج طبيعي كويس. إنها مصابتش العمود الفقري وإلا للأسف النتائج كانت هتبقى وخيمة.
همام بهموم الجبال اللي زادت فوق كتافه: طيب يعني هو كويس؟ هايعيش؟
الدكتور بإطمئنان: إن شاء الله متقلقش. مجرد كسور وبالنسبة للنزيف سيطرنا عليه. ادعيله. الحالة كانت صعبة والمستشفى بلغت الشرطة لأنها تعتبر جناية.
همام قعد على الكرسي وهو مش مستوعب ليه وإيه اللي حصل. وهل اللي حصل لابنه ده بسبب خناقة امبارح المجهولة؟ ولا ليها سبب تاني.
فضل قاعد دماغه تودي وتجيب يمين وشمال. وآخر ما تعب سلم أمره لله وفضل مستنى يمكن حد يطمن قلبه.
جميلة صحيت من النوم بتفرك في عينيها: بابا يا بابا.
طلعت الصالة ملقيتش حد. دخلت أوضة أخوها ملقيتش حد.
جميلة بحيرة: هما راحوا فين؟ يمكن تحت في المحل.
فتحت البلكونة وبصت لا لقيت عربية أبوها ولا عربية أخوها. ده حتى العربيات مش موجودة وحتى المحل مقفول.
دخلت تاني جابت الموبايل من أوضتها ورنت على أبوها لأن علاقتها بأخوها في الفترة الأخيرة متوترة. فضلت منتظرة شوية بتوتر وخوف. همام بص على التليفون اللي في إيده وافتكر بنته اللي لوحدها في البيت. رد بحيرة وتردد: أيوه يا جميلة.
جميلة بقلق: أيوه يا بابا حضرتك فين؟ صحيت من النوم لا لقيت حضرتك ولا جبل في البيت.
همام أخد نفس: معلش يا جوجو عندي مشوار مهم وجبل تلاقيه في الشغل.
جميلة بتصديق: ماشي يا بابا. طيب حضرتك هترجع امتى؟
همام بوجع: مش عارف والله يا بنتي. حسب التساهيل. يمكن أبَات.
جميلة بتردد: طيب أنا عندي درس وحضرتك كنت بتوديني. أعمل إيه دلوقتي؟
همام: طيب بلاش تروحي.
جميلة: مينفعش يا بابا دي ثانوية عامة. طيب بص أنا هاروح وأطمن حضرتك إني وصلت ولما أرجع هارن أطمن حضرتك تمام.
همام بقله حيلة: ماشي. طيب بصى أنا هاكلم عمك مجاهد بتاع التاكسي يوصلك.
جميلة: ماشي يا بابا زي ما تحب.
همام برضي: الله يرضى عليكي يا بنتي. يلا روحي وقبل الميعاد بلغيني.
جميلة: ماشي يا بابا مع السلامة.
همام: مع السلامة.
فضل همام قاعد مستني ربنا يبعت الفرج من عنده ويدعي لابنه بحرقة. مر الوقت وجميلة رنت على أبوها اللي اتصل بالسواق. جه اخدها ووصلها الدرس.
واتصلت طمنت أبوها.
وأخيرا الدكتور بابتسامة على وشه.
همام بلهفة: طمني يا دكتور الله يرضى عليك.
الدكتور بإطمئنان: اطمن يا حاج ابنك تجاوز مرحلة الخطر.
همام براحة: اللهم لك الحمد والشكر يارب. طيب ينفع أطمن عليه؟
الدكتور بهزة رأس: هو ها يتنقل أوضة عادية كمان شوية. تقدر تروح تطمن عليه.
خلص كلامه وسابه ومشي.
***
في عز النهار قامت خناقة لرب السما على أول شارع حارة المغربي. وفي وسط الخناقة محدش حس إلا والنار بتولع في محل همام أبو جبل. والنار علت بطريقة مفزعة. وفجأة زي ما الخناقة قامت هديت ومحدش عرف بدأت ليه وخلصت إزاي. بالرغم من العدد المهول اللي كان بيحجز في الخناقة وبيحاول يفضها.
همام في المستشفى بيعد الدقايق لحد ما سمحوله يدخل يطمن على ابنه. دخل جري على الأوضة اللي فيها ابنه.
همام بلهفة ووجع وغلالة دموع بتلمع في عينيه: حمد الله على السلامة يا ابني.
جبل بوجع وألم ونفس داخل وطالع بألم وصوت محشرج من الوجع: الحمد لله. أنا كويس.
همام باستفسار: إيه اللي حصل؟ الدكتور بيقول إنك مضروب علقة موت.
جبل وشه الناحية التانية بالرغم من الألم اللي حاسس بيه ومردش على أبوه.
همام لف وش ابنه بإيده وملامحه اتحولت من النقيض للنقيض: عملت إيه وصلك للرقده دي؟
جبل بوجع: أنا مش قادر أتكلم. سيبني أرتاح أرجوك.
همام بقله حيلة من وضع ابنه: ماشي يا ابني. تطيب وربنا يحلها من عنده.
قعد على الكرسي وباصص لابنه اللي خايف عينه تيجي في عين أبوه. وبتفكر يا ترى مين اللي وراها. وكل تفكير في شخص واحد بس. حووور.
نفسه بدأ يعلي ويكح بطريقة صعبة ويتوجع من الألم.
همام بسرعة فتح الباب ونادي على أي حد يساعده.
دخل دكتور وممرضة بسرعة.
الدكتور: أهداء وحط ماسك الأكسجين على وشه. واتلفت للممرضة: حنقي مسكن وزودي نسبة مهدئ بسيطة عشان يرتاح.
الممرضة هزت رأسها بطاعة وفعلا دقايق وكأن جبل نام تحت تأثير المهدئ اللي أخده.
طلع همام وهو حاسس إن ابنه عمل مصيبة وصلته للوضع ده: ياترى عملت إيه تاني يا ابن ثريا؟ شكلك مورثتش من أمك غير الشر وبس. استرها معانا يارب.
وفي عز تفكيره رن تليفونه. طلعه من جيب البنطلون لقيه عامل من عمال المحل.
همام: أيوه يا ابني معلش مش هانفتح انهارده. ورايا مشوار مهم.
العامل: يا حاج المحل بيولع والمطافي هنا والنار واصلة للسما.
همام بنطرة: بتقول إيه يا ابني؟ اقفل اقفل وأنا جاي.
نزل السلم جري بالرغم من سنه إلا إنه محسش غير بخراب البيوت اللي حصل. ركب عربيته وساق بأقصى سرعة وهو بيدعي ربنا يكون حاجة بسيطة. ده أكل عيش وأكل عيش ناس في رقبته.
وصل الشارع لقي الدنيا مقلوبة. بوليس ومطافي والناس واقفة بأعداد مهولة تتفرج على اللي بيحصل. همام وسع الناس بلهفة ودخل.
الكل حاول يمنعه وقدروا فعلا يمسكوه.
مرت ساعتين على ما قدرت المطافي تطفي النار اللي محدش عارف سببها. والبوليس أخد أقوال الكل اللي قال دي خناقة عادية واللي حصل ماكنش مقصود. ومعرفوش مين ورا الموضوع.
مشي الكل وانفض المولد وهمام قعد قدام المحل اللي بقى كوم تراب أسود. وحط إيديه على راسه ولسانه موقفش عن ترديد: اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه. فضل يرددها وهو مش عارف اللي حصل ده حصل كيف وليه.
صعب عليه نفسه وعنيه دمعت غصب عنه.
قعد كذا حد من الجيران والكل بيواسيه: وحد الله يا حاج. الحمد لله على كل حال. ربنا يعوضك خير. قول يارب. كويس إنها مجتش في البني آدمين اللي تيجي في الفلوس مقدور عليها.
همام هز رأسه بقله حيلة وساب الكل ومشي زي التايه. ورجليه أخدته على المستشفى. وفضل قاعد هدومه مبهدلة من الحريق والخراب اللي حل على بيته. فض قاعد وحاطط رأسه بين إيديه وبيدعي ربنا بحرقة.
***
حور قاعدة في البيت وسمعت دوشة كبيرة بره ومش عارفة سببها إيه. بس شافت الكل بيجري على أول الشارع وقدرت تشوف الدخان اللي ملا السما وهي مش عارفة إيه اللي حصل. فضلت مترقبة وشوية وسمعت صوت عربية المطافي ووراها عربية البوليس. هزت كتفها وسكتت ودخلت أوضتها ترتاح.
مكملتش ساعة زمن وقامت مفزوعة من النوم على هزة من أمها.
هدى بلهفة: قومي يا حور يا بت فزي يابتحور.
قامت مفزوعة: في إيه يا أما؟ إيه القيامة قامت؟
هدى وهي بتخبط كف بكف: لا يا شملولة يالهوي يالهووووي على اللي جرا. ده اللي جرا لا ينكتب ولا ينقرا.
حور بعينين مبرقة: في إيه يا أما؟ إنتي بتعدي على مين؟ مين مات في عز النهار؟
هدى بحسرة وبتعوج بوق يمين وشمال: بيت أبو جبل ولع وبقى حتة فحمة والنار كانت واصلة للسما.
حور مكشة حواجب: يا ساتر يارب. ليه كده؟ هما ليهم عداوة مع مين عشان يحرق سبب أكل عيش ناس وبيوت مفتوحة من وراه؟
هدى برفعة كتف: والله يا بنتي علمي علمك. الناس في الحارة ملهاش سيرة غيرهم. ده حتب بيقولولك الراجل كن عقله شت منه وبقى ماشي زي المجاذيب في الشارع.
حور بصدمة: ربنا يستر عليه يا أما. أكل العيش ده بيقولك قطع الرقاب ولا قطع الأرزاق.
هدى: فعلا يا بنتي. ربنا يعينه على ما ابتلاه.
حور بهزة رأس: آمين. الراجل بجد جدع وابن بلد الحق يتقال. هو غايب ومليكته حاضرة. عمري ما شوفت منه إلا كل خير. العيب كان في أهل بيته. ربنا يعوض عليه خير.
هدى بصدق: آمين يا بنتي. الا شكل الخسارة تقطم الضهر. المحل كان كبير وكان فيه شيئ وشويات. واديكي شايفة الأسعار عاملة إيه.
حور بزعل على همام: عندك حق يا أما. ربنا يعوضه خير.
هدى وهي بتقوم من على السرير خلاص: أسيبك بقى ترتاحي.
حور بشرود: ماشي يا أما.
خرجت هدى وحور دماغها بتفكر في الحوار ليه ومين اللي وراه. دي عمرها ما حصلت في الحتة كلها سواء الشارع ولا الحارة. حتى لو قامت خناقة بتكون خفيفة خفيفة. الناس هنا مطوقين بعض بالعيش والملح.
حور فضلت في شرود مفاقتش إلا على رنة تليفون. ردت بصوت واطي.
حور: ها. طمنيني.
الشخص: حصل. بس حصل حاجة غريبة.
حور كشت حواجبها: خير. حصل إيه؟
الشخص: ............
يا ترى مين اللي ضرب جبل؟ يا ترى حرق المحل كان بفعل فاعل ولا قضاء وقدر؟
ياترى حور بتكلم مين؟
يتبع.....؟
رواية تربية حواري الفصل الخمسون 50 - بقلم ولاء حامد
بصوت واطي
حور: ها طمنيني.
الشخص: حصل بس حصل حاجة غريبة.
حور كشّت حواجبها: خير، حصل إيه؟
الشخص: لما روحنا كان في عربية تانية جاية ورانا، وكان عينهم على الجدع اللي بعتنا خبر عنه.
حور بكشّة حواجب: وبعدين؟
الشخص: كان تقريبا بردوا قاطرينه معانا ونزلوا طحن فيه، بس لا نعرفهم ولا يعرفونا، وكسروا عربيته، فساعدناهم مجدعة.
حور بشك: طيب ومحل الحاج همام، حد منكم ليه يد في حرقه؟ أصل واضحة للأعمى إنه بفعل فاعل ومقصود.
الشخص: لا يا ست الكل، حد الله بينا وبين قطع الأرزاق، انتي أدرى الناس بينا.
حور: تمام يا معلم، تسلم، وباقي حسابك هايوصلك زي ما اتفقنا، عدي على الحاج راضي هايديهولك وزيادة.
الشخص: تسلمي يا ست الكل، وتؤمري، رقابنا في خدمتك أي وقت.
حور بهدوء: قد القول يا معلم، تسلم، مع السلامة.
قفلت حور ومسحت المكالمة وسرحت في اللي عملته، لأول مرة تبقى محتارة.
فلاش باك
طلعت من الحمام على طراطيف صوابعها، مسكت الموبايل وشر العالم جواها، وطلعت الرقم ورنت.
لحظات وردت.
حور بجمود وشر: ازيك يا حاج راضي؟
راضي بترحاب: رضي يا بنت الغالي.
حور: عايزة منك خدمة يا حاج.
راضي: أؤمري، مش تطلبي، ورقبتي سدادة.
حور بهدوء حذر: قد القول يا حاج، وهو ده العشم، عايزالك تجيبلي حد من الجماعة اللي قلبهم ميت.
راضي بعدم فهم: مين يعني؟
حور بشر: حد مرازيني في شغلي وعايزة أدبه، قل أدبه، يرضيك؟
راضي بحمقة: ده لا عاش ولا كان، قوليلي مين وأنا أجيب لك خبره بنفسي.
حور بود: تسلم يا حاج، قد القول، بس انت عارفني مبحبش أبين في الصورة، تقدر ولا أشوف غيرك؟ أنا عارفة إنك كبير السوق دلوقتي.
راضي بمدح: بفضلك يا بنت عامر، ساعة زمن ويبقى معاكي نمرة واحد من حبايبي، قوليله المطلوب وهو أعمى وآخره وأطرش.
حور: تمام يا حاج.
خلصت ومسحت المكالمة ودخلت استحمت وطلعت، لحظات وكان الرقم وصلها باسم الشخص في رسالة.
مسكت الرقم ورنت.
حور: الو، سيد الشبح معايا.
سيد: أيوه، محسوبك سيد، أؤمر.
حور: أنا من طرف الحاج راضي.
سيد بترحاب: يا تلتوميت، أهلاً وسهلاً، أؤمري يا ست الكل، الحاج راضي قالي إن في حد مرازيكي، شاوري بس وسيبى الباقي علينا.
حور بشر: هابعتلك اسمه وصورته وعنوانه، عايزاه نضيفة من غير دم، يعني تعلم وبس، من غير دم، تكسر مش تكسح، تضرب مش تقتل، واللي عايزاه في جيبك.
سيد بزعل: عيب الكلام ده يا ست البنات، يحقلك متعرفيش مين هو سيد، بس معذورة، اللي عايزاه اعتبريه حصل. تمام، عدي على الحاج راضي، نص الفلوس هتاخدها والباقي لما أسمع الخبر.
سيد: من عيني يا ست البنات، ابعتي بس هو ومين، وأنا هابعت عصفورة يقطره لحد ما نجيبه من غير حس ولا خبر.
حور: ده العشم، ومش محتاجة أقولك لا تعرفني ولا أعرفك.
سيد: عيب يا ست البنات، ولا حتى مريتي عليا في طريق، حتى لو وقعت أنا ورجالتي، لا نعرفك ولا تعرفينا، خرص وعمي وطُرش، ولا يكون لك فكر ولا تشغلي بالك.
حور بإطمئنان: يبقى استرينا.
سيد: استرينا، شكلك بنت سوق.
حور بحسم: عدي على المعلم راضي، يلا بالسلامة.
وقفت المكالمة.
عودة للواقع
حور بنفخة: وبعدين بقى، مين وراها؟ ومين دول اللي كانوا قاطرينه؟ وكملت بتهكم: شكل حبايبك كتير يا ابن ثريا، وأنا هاشغل بالي ليه؟ يا خبر بفلوس، بكرة يبقى ببلاش، الصبر، الصبر.
فاقت من شرودها وطلعت من أوضتها تشوف اللي وراها.
******************
ياسر قاعد في شغله وجاله مكالمة، طلع من مكانه ورد.
ياسر: اممم، طمني، حصل.
الشخص: حصل يا كبير، بس يعني مقلتش إنك مناول المقاوله لحد معانا.
ياسر بعدم فهم: مش فاهم، حد مين؟
الشخص: كان معانا ناس قاطرين الزبون، شكل حد كاريهم عليه ونزلوا معانا طحن فيه، مسبناهوش إلا وهو قاطع النفس.
ياسر: يخربيت أبوك، أنا قولت تعلم عليه مش تجيب أجله.
الشخص: يا باشا متقلقش، دول شوية كسور، أنا بعت عصفورة وراه، قطروه على المستشفى ومحجوز، مدشدش، جلاطة، مادام قال من غير دم يبقى من غير دم.
ياسر بتنهيدة: طيب والمحل؟
جلاطة: عيب عليك، ولا الهوا، خناقة وانفضت، والحكومة اللي قالت كده، والله عيب يا شبح لما تستفسر ورا جلاطة، دي تبقى عيبة في حقي، لا مؤاخذة يعني، هي أول مرة يا كبير ولا إيه.
ياسر: وده العشم يا غالي، بالليل هاعدي عليك عند الدوامة اللي عند الترب، أديك باقي حسابك، بس اسأل ابن الهرمة ده مرمي في أنهي مخروبة.
جلاطة: تؤمر يا كبير، يلا بالاذن.
قفل ياسر واتنهد تنهيدة طالعة بنار من جواه، وهو مطمن إن اللي عمله في جبل هايفكر ألف مرة قبل ما تيجي حتى صورة حور في خياله، وكش حواجبه وابتسم بتهكم: والله يا بنت عامر عرفتي طريق الشبيحة عشان تبعتيهم ليه، ورحمة أبوكي انتي اللي وراها، كنت عارف إنك مش هاتعديها على خير. ضحك لحد ما أسنانه بانت ونظرة مكر اترسمت على وشه.
******************
همام فضل قاعد في الطرقة مش حاسس بالدنيا، مش عارف إيه المصايب اللي بترخ على دماغه زي المطر، غمض عينيه والدموع لأول مرة من سنين تغلبه، وما أصعب دموع العجز: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه يارب، اللهم أجرني في مصيبتي خير وأخلف لي خيرا منها يارب. مر الوقت وهو بيدعي ربنا بقلب صادق وراضي بقضاء الله.
الممرضة خرجت: لو سمحت يا حاج، ابنك فاق وعايزك.
همام قام بصعوبة ودخل لابنه وهو بيجر رجليه.
جبل راقد على السرير وعينه على الباب.
دخل همام واتصدم جبل من منظر أبوه.
جبل بخوف ولهفة: بابا مالك؟ إيه اللي حصل مبهدلك كده؟
همام بدموع لسه أثرها على وشه: الحمد لله يا ابني، قدر ولطف، الحمد لله على كل حال.
جبل بتكرار: إيه اللي حصل؟ الشوية اللي رقدت فيهم؟
همام بتنهيدة واترمى على الكرسي رجليه مشالتهوش أكتر من كده: خناقة في الحارة والمحل ولع وبقى حتة فحمة.
جبل بصدمة: إيه؟ إزاي الكلام ده؟
همام بتعب: الحمد لله على كل حال، وهز رأسه بأسي، نصيب يا ابني، أنا لو صعبان عليا، صعبان الناس اللي بيوتها كانت مفتوحة من وراه.
جبل بشر: حووووور، أكيد هي اللي وراها.
همام رفع راسه وبصله بعدم فهم: وهي مالها ومالك؟ الحوار ليها زمن، لا ليها دعوة بينا ولا لينا دعوة بيها، إيه اللي هايخليها تحرق المحل؟ ودي مش أخلاقها يا ابني، بلاش تظلم الناس من غير بينة ولا دليل.
جبل بشر: زي ما بقولك، أصل الكونتيسة اتخطبت وأنا عرفت المحروس إنها شمال ومش بنت بنوت.
همام بصدمة وتبرق عينيه: انت بتقول إيه؟ انت مكتفتش إزاي للبت، بتكمل عليها لما ربنا عوضها؟ انت إيه؟ شر أمك بيجري في دمك؟ انت شيطان زيك زيها، متقلش عنها بشيء.
جبل بتبرير: يا بابا أنا عملت كده عشان يسيبها وميبقاش قدامها غيري وترجعلي.
همام بصدمة: انت إيه، منك لله يا شيخ، منك لله، أعمل فيك إيه؟ مخدتش من الدنيا حاجة غير أذية خلق الله، شر أمك وارثه منها، الله يحرقها مطرح ما هي قاعدة، منغصة عليا عيشتي حتى وهي بعيدة.
جبل: يا بابا.
قبل ما يكمل دخل ياسر بهيبته وهو حاطط إيديه في جيب البنطلون وبسماجة: مساء الخير عليكوا، إيه يا شبح مالك راقد كسيح ليه؟ مش إمبارح كنت عامل دكر وفارد قلوعك؟ وضحك بسخرية، بس الشهادة لله البت حور دي بنت أبوها بصحيح، عملت معاك الصح إمبارح، فاكر يا خ..... إنك هاتعرف تلمس ضفر من بنت عامر النصراوي.
همام بصدمة: فيه إيه يا ابني؟ مال حور ومال جبل؟ كل واحد راح في وادي.
ياسر بتهكم: ياراجل قول كلام غير ده، لسه المحروس مقلكش مين اللي دشدشه إمبارح لما جالك متعلم عليه؟ لاء، ومن مين؟ من مرا يا دكر، تؤتؤ تؤتؤ، أخييي على الرجالة، داه لو حسبتكم منهم.
همام بص لابنه: هي كلمة واحدة، عملت إيه يا ابن ثريا؟
جبل بنفس: معملتش حاجة يا بابا.
ياسر بخبث وتريقة: يا كداااب، هاتروح النار يا وحش، أكيد ماما نسيت تقولك.
وفجأة ملامحه اتحولت لشر مستعر ونار طالعة من عينيه: المحروس ابنك حاول يتهجم على حور إمبارح، وهي اللي رنته العلقة اللي جالك بيها، أما اللي حصل النهارده ده قرصة ودن.
جبل بشر: انت اللي وراها.
ياسر بسخرية: ليه فاكر يا روح أمك؟ انتي كنت هاسيبك تتعدي على حريم بيتي وأسكت.
وبص لهمام: أنا جيت بيتك وحذرتك مرة.
والمرة دي قرصة ودن.
التالتة هاخلي أبوك يترحم عليك في قبرك، وبردوا هايبقى قضاء وقدر.
جبل بكره: لما تشرف في السجن نبقى نشوف.
ياسر بضحكة سخرية وعينيه مليانة بالشر: وماله يا ابن ابوك، قول ما بدالك، أنا والبورش حبايب ومعارف من زمان، بس يمين الله ما هايعدي 24 ساعة وأكون طالعلك، بس طلوعي بطلوع آخر أنفاس من جسمك، أصل يا أهطل أنا وقت الخناقة كنت بجيب بضاعة للمحلات من مصر، وورقي مثبت في كل مكان، وكاميرات الوكالة اللي جبت منها، وكاميرات المحل عندنا، غير الرادار اللي معدي عليه رايح جاي، وشاورله بإيده رايح راجع.
جبل بإستفزاز: دانتا بلطجي بقى.
ياسر بمكر: أنا صايع يالا، والعيلة اللي مفيهاش صايع حقها ضايع، وخلي بالك مني واحذر، أنا زي العقرب، قرصتي والقبر، ولو فاكر نفسك صايع وناصح، فأنا بقى أعلم الشيطان الشر، فخلي بالك يا ننوس عين ابوك وأمك.
وبص لهمام بتهكم: بالاذن يا حاجة.
مشي ياسر وساب وراه وجع كبيييير.
همام بص لابنه: حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا ثريا، كأني شايف أمك قدامي، بشرها وخبثها ومكرها، فولة واتقسمت نصين، لغيتوا ربنا من حسباتكم إيه؟ للدرجة دي الشر أساسكم.
وبص لابنه بعينين خالية من أي مشاعر، نظرة ميتة: انت مين؟ أنا حاسس إن اللي قدامي واحد معرفوش، ابني كان قلبه طيب وأبيض، حتى لما غلط ندم وبكى، انت مين؟
جبل غمض عينيه بوجع من كلام أبوه، وميل رأسه في الأرض وسكت.
همام بوجع: رايح تفضح ستر وليه، وانتا عندك ولايا، رايح تتهجم على بنت تاني وتغـ... سكت ومقدرش، يمكن الكلمة أنا انتـ... سكت لما ما قدرش يكمل كلامه ويجمعه، سند إيديه على رجليه وحط رأسه بينهم، ودموعه نزلت من الوجع والكسرة والقهرة.
*****************************
يونس قاعد في الموقع شارد في كل اللي حصل، هايموت ويطمن على حور بس كيف وإزاي؟ غمض عينيه وفتح وبص للسماء وبحرقة: يارب حلها من عندك، يارب متعلقنيش باللي مش ليا، يارب لو كانت ليا يسرها من عندك، ولو مليش نصيب فيها متعلقش قلبي أكتر من كده بيها، أنا تعبت يارب.
خلص مناجاته مع ربه واتنهد براحة، وافتكر منظر حور وهي بتضرب جبل، وكانت عامل زي بتوع المصارعة، ابتسامة اترسمت على وشه من غير ما يحس، اتحولت لضحكة شقت طريقها من الودن للودن.
مازن جنبه بسخرية: اش اش يا عم، إيه الحلاوة دي يا عم؟ تصدق من زمان مشوفتش شكل أسنانك.
يونس بكشة وش وعبوس شبه الأطفال: يا أعوذ بالله منك يا أخي، هو أنا جايبني أرض إيه؟ غير نقك عليا، ارحمني يرحمك ربنا.
مازن بترقصه حواجب: هييييح، أوعدنا ياربي.
يونس خبطه في كتفه: استرجل يلا، مالك كده؟ عندك تصحر عاطفي؟
مازن بحرقة مصطنعة: تصحر، تصحر، المهم أشوف صنف نسوان في حياتي غير أمي اللي مشيبه حياتي.
يونس بضحك: الله يخرب عقلك أكتر ما هو خربان، يا سيدي ربنا يرزقك ببنت الحلال اللي تستاهلك.
مازن بجدية: على سيرة بنت الحلال بقى، عملت إيه في موضوعك؟
يونس براحة جواه: مش عارف، هو الموضوع معقد بس جوايا إحساس كبير مسيطر عليا إنه قرب يتحل، مش عارف ليه.
مازن بصدق: يارب يا صاحبي، إن شاء الله ربنا يريح بالك، وعقبالي.
يونس هز راسه بضحك: الله يهديك، مفيش فايدة.
مازن: طيب يلا خلينا نروح نشوف الشغل يا معلمي.
يونس بهزة راس: ماشي، يلا. وقبل ما يتحرك كان تليفونه بيرن، بص في التليفون ورجع بص لمازن: طيب، بص ابقى وأنا دقايق وجاي وراك.
مازن هز راسه ومشي.
يونس: أيوه يا ياسر.
ياسر: بخير الحمد لله.
يونس بحرج: طيب، وحور أخبارها إيه؟
ياسر افتكر اللي سمعه وابتسم رغم عنه: متخافش عليها، زي العفريت، المهم اسمعني كويس وفتح دماغك وودانك معايا.
يونس كش حواجب بإستغراب: خير.
ياسر: بص، حاول تروح بكرة أو بعده الورشة لحور، أو أول ما تنزل أنا هابغلك، وتطلب الجاكيت بتاعك، أو تطمن عليها وتطلبه، وبالتأكيد هاتقولك عدي عليا بكرة، وحاول تفتح معاها سكة في الكلام اللي قاله ابن الرفدي ده، آمين يا هندسة.
يونس بتفكير في كلام ياسر: أنا فعلا كنت بفكر أفتح معاها الكلام، بس مجاش في بالي موضوع الجاكيت ده خالص.
ياسر: أي خدمة، عد جمايلي.
يونس بضحك: بعد لما من كتر العد بقيت أعد النجوم كمان.
ياسر بضحكة عالية: ربنا يحنن عليك يا أخويا، انت جدع وتستاهل.
يونس: تشكر يا ياسر، وفعلا الأزمات بتبين معدن الناس، وانت معدن نضيف بجد.
ياسر: تشكر يا كبير، يلا بقى عشان معطلكش وأشوف اللي ورايا.
يونس: تمام، سلام.
وقفل المكالمة اللي جات على نفس تفكيره، وكأن ربنا بعتله إشارة إنه ماشي على الطريق الصح.
***************************
جميله خلصت الدرس وطلعت اتصلت على عم مجاهد اللي أبوها عطاها الرقم بتاعه تحسبا إن تليفونه ممكن ميجمعش، ولسه متعرفش باللي حصل في البيت ولا في أخوها. رنت على الرقم وانتظرت لحد ما رد.
جميله بهدوء: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أيوه يا عمو مجاهد، أنا جميله.
مجاهد: وعليكم السلام يا بنتي.
جميله: عمو أنا خلصت ومنتظرة حضرتك قدام السنتر.
مجاهد بخبطة على دماغه: يا الله، والله نسيت يا بنتي، وطلعت مع ناس بوديهم الغرق.
جميله: طيب، أنا ممكن أنتظر حضرتك.
مجاهد: يا بنتي، الغرق دي مشوار علقة، وأنا لسه رايح وموصلتش لنص الطريق، دانتي في وشك ولا ساعتين تلاتة.
جميله: طيب والحل يا عمو.
مجاهد: بصي، هو الموقف مش بعيد، يا دوب بس فركة كعب، اتمشي الحبة دول وخذي عربية لحد البلد.
جميله بتردد: البنات اللي معايا من البلد مشيوا من بدري، لو أعرف كنت مشيت معاهم، والوقت اتأخر أوي.
مجاهد بإعتذار: معلش يا بنتي، والله ساهل عليا.
جميله بتقدير: خلاص يا عمو، حصل خير، أنا هاتحرك أهو، معلش عطلت حضرتكم.
مجاهد: ولا يهمك يا بنتي، توصلي بالف سلامة.
قفلت المكالمة وفصلت، واقفه محتاره تعمل إيه؟ ما بين حيرتها إنها تروح لوحدها، وما بين تتصل بأبوها.
جميله بحيرة: ياربي، والعمل؟ طيب أتصل ببابا ييجي؟ أووف يا جميله، بابا شكله بره المحافظة أصلا، ده قالي احتمال يبات، أنا هاروح أركب منا، قبل كده كنت بروح وأرجع لوحدي، وحسمت أمرها واتحركت في طريق الموقف.
**************************
جبل بضمير بدأ يصحي ويأنبه، وهو شايف أبوه مكسور وحزين ومقهور على شقا عمره اللي ضاع، وهو كان سببه، لأن اللي حصل فيه وفي أبوه ما كان إلا رد فعل للي عمله في حور.
جبل بقهره: بابا.
همام رفع رأسه وبص لابنه بعيون دبلانة ومليانة حزن وأسى: خير، خير يا ابن أبو جبل.
جبل ميل رأسه في الأرض، دموعه لمعت في عينيه: أنا أسف، عارف إني غلطت وشيطاني عماني، مكانش قصدي، أنا والله العظيم بحبها، وهي مغفرتش، مدتنيش فرصة، وداه وجعني وجرحني أوووي.
همام بنفس وضعه: طيب، حط نفسك مكانها، لو أختك خطيبها عمل فيها عملتك دي، لو اتهجم عليها تاني، لو فضحها، هاتعمل إيه؟ وأنا سبق وقولتهالك، انت وأمك، إحنا في حارة، كلام الناس بيموت بالبطئ.
جبل للحظة فكر في أخته، قلبه وجعه أوووي، وغمض عينيه ومقدرش يرده.
همام كمل بدون ما يراعي تعب ابنه: إيه اللي غيرك؟ الشر استعر في قلبك لدرجة إني لما ببصلك بحس إني شايف ثريا قدامي مش ابني، ليه؟ إيه اللي حولك للشيطان اللي قدامي وعمال يأذي في خلق الله؟
جبل غمض عينيه: اللي عرفته واللي سمعته.
همام بشك: سمعت إيه وشوفت إيه؟ أنا معرفهوش.
جبل اتنهد بوجع: روحت أزور ماما عند خالو عاصم من فترة طويلة، وروحت هناك لقيت خالو ومراته مبهدلينها آخر بهدلة، زعقت فيهم، هي في الأول والآخر أمي، بس اللي قالوا خالو ومراته كان القشة اللي قسمتني وحولتني للشيطان، أدوس على الناس بدل ما أتداس، عرفت إني طول عمري أسير وتابع لهيا بتحركني بين إيديها زي عرايس الماريونت.
همام بنفاذ صبر: إيه اللي خالك قاله عمل فيك داه كله؟
جبل بتنهيدة حكاله كل اللي حصل في بيت خاله وكل اللي اتقال له.
همام طول ما هو بيسمع عينيه مبرقة من الصدمة، لحد ما خلص كلامه تمام.
همام بعصبية: الله يحرق ثريا واليوم اللي شوفت فيه ثريا، إيه أمك دي شيطان، وانت قررت تمشي على خطاها.
جبل بتبرير: يا بابا والله ما أقصد، أنا من صدمتي أنا موجوع.
همام بألم: ومين فينا مش موجوع؟ أمك سبب وجع لكل اللي حواليها، الفترة اللي أمك نزلت فيها مصر كانت اتخانقت مع واحدة في الكويت والموضوع كان وصل للشرطة، مكانش عندي حل غير إني أنزلها مصر قبل ما يتقبض عليها لحد ما أحل الموضوع عشان ميوهصلش للسفارة، وحليته، وقبل ما أبعت أجيبها فوجئت بيها في المطار وبتتصل بيا أجي آخدها، وحتى مسألتهاش جت ليه ولا كيف ولا أي حاجة.
جبل: أنا فاكر الوقت ده، بس معرفش كل اللي حصل.
وقطع كلامهم موبايل جبل.
طلعه همام من جيبه لأنهم سلمهوله مع متعلقاته الشخصية في المستشفى، بص لقى رامي.
همام رد: الو، ازيك يا ابني.
همام بصدمة: انت بتقول إيه؟ انتوا فين دلوقتي؟
وفجأة التليفون وقع من إيده وسابه وطلع يجري من غير ما يحس.
يا ترى حور هاتقول ليونس الحقيقة وتبرر موقفها....؟
يا ترى رامي كلم جبل ليه.....؟
يا ترى همام طلع يجري ليه .....؟
يتبع......