حالة من الهدوء تعم المكان، برغم تجمع الكثير. لا نعرف أهو فرح أم مأتم. كلا، بل إنه فرح، ولكن ليس كباقي الأفراح. لقد غلب عليه الصمت وانعدام الفرحة. ولما لا، وقد امتنعت الأم عن حضور الليلة التي تنتظرها طيلة العمر، تلك الليلة التي ترى فيها ابنها وهو عريس وبجواره عروسة. فبرغم إلحاح الجميع عليها لمشاركة ابنها فرحته، إلا أنها رفضت وظلت متشبثة برأيها، ظناً منها أن وليدها لن يقوى على إدخال الحزن قلبها، وأنه بالتأكيد سوف يعرض عن تلك الزيجة. ولكن كيف له أن يتخلى عن حب العمر ويدير ظهره لها؟
هي من وهبته الحياة، كيف له أن ينفي وعده لها ويضرب به عرض الحائط؟ وها هم الجميع في منزل جمال، زوج حفصة السابق، حيث يقام الاحتفال. كان الجميع متواجد: عامر، عتاب، رحمة، وزاهية وابنتها سكرة. وأتى محمد الطحاوي وبيده عطر. وأتى معهم زكريا وبصحته زينة وعائشة، وبعض من الأهل والأصدقاء المقربين.
وظلت زينب وحدها في البيت، لم يبق بها معها سوى حسني. كل منهما حزين لأمر خاص به. وبرغم إلحاح زينب عليها بالبقاء معها، إلا أنها أصرت أن تكون معهم في تلك الليلة، وأنها تريد الجلوس مع نفسها. موسيقى هادئة بلا زغاريد أو أغاني. كل شخص يتحدث إلى الثاني بهدوء. لا يوجد أي مظهر من مظاهر الاحتفال بعرس. إلى أن قامت فرحة، والتي اصطحبتها عطر معهم، وقررت أن تتولى هي تلك الليلة التي لم تعهد ليلة مثلها من قبل. "إيه الفرح الغريب ده؟
"مالك يا فرحة، إيه اللي مش عاجبك؟ "وهو إيه اللي فيه يعجب من أساسه؟ فرح دي ولا مأتم؟ العروسة قاعدة زي الغلبانة، وكل واحد بيتكلم مع اللي جنبه. هما جايين يتوحشوا بعض هنا ولا إيه؟ "خلاص، قومي انتي أحِيّي الفرح يا فرحة." "انتِ بتجولي فيها، أنا قايمة أهو." تقوم فرحة وتعلي أصوات الأغاني وتطلق الزغاريد العالية. فترد عليها نسمة، ثم تعقبهم زاهية بزغاريدها التي تبعث السعادة وتوحي بالفرحة الشديدة.
وفجأة يتحول الهدوء إلى ضجيج عال. تخلع فرحة حذاءها وتبدأ في الرقص، ويشاركها الجميع. وتتحرك الأيدي بالتصفيق. تقوم نسمة وسكرة، ومعهم رحمة وعتاب. الكل يبدأ في الرقص وإطلاق الزغاريد. تفرح نورة وتشعر حقاً بأنها عروس مثل بقية العرائس، والليل ليلة عرسها. حتى الرجال يفرحون بتلك الأصوات الصاخبة التي تعبر عن سعادتهم بتلك الليلة.
يأتي أصحاب عامر ومصعب هم الآخرون، ويطلقون النيران العالية، ويأخذون مصعب ويرقصون معه. ويبدأ الاحتفال حقاً. تتحرك جانباً بعيداً عنهم، وهي تتجول ما بين الأشجار. فهي لم ترد المجيء معهم من ناحية لعدم ترك زينب وحدها، ومن ناحية أخرى حتى لا تدخل ذاك المنزل الذي تركته منذ سنوات وخرجت منه. لقد كانت سيدة هذا البيت وصاحبته، أما الآن فما هي إلا مجرد ضيفة مثل غيرها.
وجدت نفسها تقوم وتأخذها قدماها إلى التجول في تلك الحديقة التي طالما شاركت جمال في المكوث والحديث بها. لقد قضيا معاً سنوات جميلة مليئة بالحب والحياة. كانت حياتهم تعمها السعادة والمرح. تنظر بعينيها في كل زاوية لتجد دموعاً هاربة تفر من عينيها، تذكرها بتلك الأيام التي مرت عليها سنوات.
بينما هو ظل يتابعها من بعيد. كان يود لو يذهب إليها ويعلن لها رغبته في الرجوع لبعضهما وتعويضها عن كل ما مرا عليه. ولكن، كان يعلم جيداً ردها. كان يتألم قلبه، خاصة وأنه رآها قد سلمت على زوجته وقبلت أبناءه بمنتهى الود والاحترام، دون غل أو عداوة. فهم من سرقوا حياتها، ولكن حفصة ستظل دائماً حفصة، مهما مر الزمان. "طمنيني عليكي يا عطر." "أنا زينة الحمد لله." "لسه برضه يا عطر؟ مجولتيش لحد؟ "لا، محدش يعرف غيرك انتِ وجرحة بس."
"بس كده غلط يا حبيبتي. حرام عليكي. فرحي قلبهم." "لا، محدش هيعرف غيرك." "وهو برضه ما اتصلش بيكي؟ "لا يا عتاب، لا اتصل ولا سأل. كأنه نسيني خلاص." "معقولة؟ حد ينسى عطر؟ حد ينسى الجمال ده والعيون الحلوة دي؟ "بيتنسوا يا خيتي. كله بيروح وبيتنسى. الشكل ما بيدومش يا عتاب." "بس انتِ مش شكل بس، انتِ كل حاجة فيكي حلوة يا عطر." "اديني قاعدة مستنية يا عتاب، واللي ربك عايزه هو اللي هيكون."
مر الوقت وانتهى الاحتفال، وصعد مصعب ونورة إلى الغرفة التي سيبيتان بها حتى الصباح. "مالك يا حبيبي؟ إيه اللي واخدك مني؟ "كان نفسي أمي تكون موجودة معايا وتاخدني في حضنها كيف ما عملت مع عامر وتباركلي." "أنا السبب." "لا يا حبيبتي، متجوليش كده. انتِ حياتي كلها يا نورة." "أنا مش مصدجة إننا بقينا لبعض خلاص، وانجفل علينا باب واحد." "لا، صدقي يا حبيبتي. إحنا مع بعض، وما فيش حاجة هتفرقنا إلا الموت."
"بعد الشر عنيك من الموت يا حبيب عمري." يقبل مصعب يدها وجبينها: "أوعدك يا نورة، إنك ما تشوفيش معايا غير الفرح. والحزن ما يعرفش طريقي لقلبك واصل." "وأنا مصدقاك يا حبيبي. انت قبل كده وعدتني ووفيت بوعدك معايا، وأي حاجة هتقولي عليها، هكون متأكدة إنك هتكون جدها وجدودة." "طب ادعيلي بقى عشان أكون الليلة دي جدها وجدودة." "ههههههه." "يا ديني على النبي، تعالي بقى أما أشيلك كيف ما بشوفهم بيعملوا في الأفلام."
"لا، بلاش. أحسن ضهرك يوجعك." "آه يا لئيمة، خايفة على مصلحتك. لا يا بطتي، اطمني. أنا بصيت حواليهم في البيت ده قبل ما نمشي من هنا. تعالي بقى." يحملها مصعب على يديه وهي تضحك بشدة، ثم يضعها على الفراش: "صوتي يا نورة، هتموتي يا بت." "ههههههه، بحبك يا مصعب." "بموت فيكي يا جلب مصعب." تعالت أصوات ضحكاتهما التي تعلن عن سعادتهما في المكان، حتى إنهم نسوا أن تحتهم أشخاصاً.
كان جمال يجلس على الفراش يستمع إليهم. فغرفتهم التي يبيتون بها فوق غرفته مباشرة. ظل يضحك عليهم وتذكر ليلته الأولى مع حفصة، والتي لن ينساها أبداً مهما طال الزمان. وجد نفسه يبتسم على تلك الذكريات. ألقى نظرة بجانبه فوجد زوجته نائمة، فدثرها بالغطاء، حيث كانت ليلة شديدة البرودة. فبرغم أنها امرأة طيبة القلب ولم تتسبب في أي مشاكل له، وأنجبت له الذكر والأنثى، إلا أنها لم تستطع امتلاك قلبه، ولم تقدر على أن تنسيه حفصة.
يمر الليل ويحين وقت رحيل مصعب ونورة، ومعهم نسمة إلى الإسكندرية. ولكن، وبرغم كل شيء، أصر على توديع أمه. وصل إلى البيت، ولكن طلب من نورة ونسمة أن يبقيا بالسيارة، ودخل هو وحده البيت. سلم على حسني ودخل. فوجدهم على مائدة الإفطار. وما أن وقعت عينهم عليه حتى قاموا جميعهم له. جرت رحمة عليه وارتمت في أحضانه، وهو جعل يقبلها ويطبطب عليها. "خلاص هتمشي يا مصعب؟ هتحرمني منك يا أخوي." "غصب عني والله يا نور عيني، مش بإيدي."
تجري رحمة على أمها: "عشان خاطري يا أمي، لو بتحبيني، خليهم يقعدوا معانا. متخليهمش يمشوا من هنا. هيحون عليكي مصعب يبعد عنك؟ هتقدر على فراقه؟ تقوم زينب: "زي ما هو قدر يجبر أمه، أنا هقدر." تتركه واقفاً وتتجه نحو السلم. يجري عليها مصعب: "أمي، تقفي؟ ولكنها لا تلتفت لهم." "مش كفاية عليا الوجيعة اللي وجعتها لي لما حرمتيني من وجودك جنبي في ليلة فرحي؟ كمان عايزة تحرميني من إني أسلم عليكي وأشم ريحتك قبل ما أمشي؟
"كفاية عليك عروستك هي اللي هتقوم بالواجب وتنسيك أمك." "لا يا أمي، مفيش حاجة في الدنيا ممكن تنسيني أمي." "نسيتها خلاص لما صممت على اللي في دماغك ولا عملتلها اعتبار؟ نسيتها؟ إني خلاص معنديش ولد اسمه مصعب؟ الله يسهلك بعيد عني." "وأهون عليكي يا أمي؟ يهون عليكي مصعب يحرمك منه كده؟ "زي ما أنا هنت عليك، امشي يا مصعب، وما أعوزش أشوفك تاني." يحاول مصعب الاقتراب منها والتسليم عليها، لكنها ترفض أن يقترب منها.
يمسح مصعب دموعه التي تنهمر على وجهه. فيأخذه عامر في صدره: "عمري ما اتخيلت إن أمك تكون قاسية كده." "معلش يا أخي، سيب الأيام هي كفيلة تداوي الجروح. خلي بالك انت من نفسك ومن مراتك، وإحنا إن شاء الله في أقرب وقت هنيجي عندك."
ويسلمون جميعهم عليه. أما رحمة، فظلت تبكي في صدره حتى سحبتها عتاب وأخذتها في حضنها. وقام نعمان وعامر بتوصيله للباب والسلام على نورة ونسمة، وأوصاهم على بعضهما، وأوصى عليهما نسمة. وانطلق مصعب في طريقه إلى الإسكندرية، حيث يبدآن حياتهما سوياً. بعد مرور عدة ساعات، يصلون جميعهم إلى الإسكندرية. يقفون في شرفة الشقة: "الله! دي إسكندرية حلوة قوي يا مصعب." "والهواء هنا يرد الروح وريحة البحر جميلة قوي."
"إلا البحر ده فين آخره يا مصعب؟ "أوروبا يا نسمة." "ياااه! ده على كده كبير قوي." "أيوه طبعاً يا نسمة." "بقولكم إيه يا بنات؟ أنا هنزل أشتريلكم أكل على ما تفضوا الشنط." "ماشي يا حبيبي." ينزل مصعب. ونورة هو ونسمة بدأوا يفضوا الشنط. ونسمة أخذت الأوضة البعيدة عنهم عشان يكونوا براحتهم. يتحدث عبر الهاتف: "مالك يا حبيبي؟ في إيه؟ يرد عليه: "أمي يا عمي. أمي تعبانة قوي ودخلناها المستشفى."
"بس أنا آخر مرة كنت عندكوا كانت بخير. حصل إيه تاني يا زياد؟ "معرفش والله يا عمي. تعبت مرة واحدة، وهي دلوقتي في العناية المركزة." "واه عليك يا غالي. انت هتبكي كيف الحريم ولا إيه يا زياد؟ "خايف عليها يا عمي. أنا مليش غيرها في الدنيا كلها." "متخافش يا ولدي. إن شاء الله خير. وبعدين ما هي تعبت قبل كده والحمد لله بقت زينة. إن شاء الله هتبقى زي الفل."
"لا يا عمي، المرة دي هي تعبانة أكتر من كل مرة. والدكتور قال حالة القلب سيئة." "طب اهدى يا حبيبي. إن شاء الله هتعدي. وأنا من الفجر هكون عندك إن شاء الله." في الصباح. "يسلم على عطر: خدي بالك من نفسك يا بتي." "حضرتك ه تغيب يا أبويا؟ "والله ما أنا عارف يا بتي، بس إن شاء الله هحاول ما أغيب." "تروح وتيجي بالسلامة." "الله يسلمك يا حبيبتي. الله، مالك يا عطر؟ انت بتبكي ليه عاد؟ "حاسة إني لوحدي." "جولي إنك اتوحشتي جوزك."
"جوزي؟ وهو فين جوزي؟ ما سافر وهملني." "معلش يا بتي، متزعليش منه. وهو هيروح فين يعني؟ هيرجع. المهم تاخدي بالك من نفسك زين، ولو حصل أي حاجة كلميني." "حاضر يا أبويا." عطر، برغم أنها زعلت منه لما فهمت أنه أجبر يحيى عشان يتجوزها، لكن معاملته الجميلة اللي بيعاملها لها، وأنه بيعتبرها بنته اللي مخلفهاش، وغلاوتها من غلاوة زينة، مقدرتش تزعل منه وتمثلت له العذر. بعد مدة من الوقت. يصل إلى المستشفى ليجده جالساً بجوار خاله. يجري
عليه زياد ويحتضنه بشدة: "يا حبيبي يا زياد، اتوحشتك قوي يا بن الغالي." "حضرتك اللي وحشتني قوي يا عمي." يسلم محمد على خاله: "كيفك يا خيري؟ "الحمد لله يا حاج." "طمني، حالة أمك كيف دلوقتي؟ "في العناية المركزة. أنا خايف عليها قوي يا عمي." "اطمن يا حبيبي، إن شاء الله أمك هتخف وتبقى زينة قوي." يخرج إليهم الدكتور. "طمنا يا دكتور، الحاجة أخبارها إيه؟ "ادعولها. ربنا. حالتها صعبة شوية ومحتاجة رعاية." "نعمل لها أحسن مستشفى."
"يبقى أحسن وأفضل، بس دي مينفعش غير لما حالتها تستقر شوية." "وحالتها هتستقر امتى يا دكتور؟ "إن شاء الله يومين تلاتة بالكتير. وطبعاً كل شيء بإرادة ربنا سبحانه وتعالى." "ونعم بالله." "ممكن بعد إذنك يا دكتور أدخل أشوفها؟ "ماشي يا حاج، بس هما دقيقتين مش أكتر." "حاضر يا دكتور." يدخل محمد عشان يطمن على والدة زياد. فيلاقيها تعبانة قوي. ترفع جهاز التنفس عن أنفها حتى تستطيع التحدث إليه. "ألف سلامة عليكي يا أم زياد."
"الله يسلمك يا حاج. ربنا يخليك ليا." "ويخليكي يا أم الغالي." "زياد أمانتك يا حاج، لو حصلي حاجة." محمد وهو بيقاطعها: "متكمليش يا أم زياد ومتجوليش كده. إن شاء الله هتخفي وتبقي زينة وتفرحي بولدك." "كان نفسي قوي أعيش لحد ما أطمن عليه وأشوفه وهو دكتور جد الدنيا." "إن شاء الله هتفرحي بيه وتشوفي عريس وتشيلى عياله." تدخل الممرضة: "ممكن بعد إذنك تخرج؟ كده غلط عليه." "حاضر يا بتي، أنا بره مع زياد يا أم زياد. اطمني."
يظل محمد مع زياد وخاله منتظرين. حالتها تستقر. في بيت محمد الطحاوي. تجلس عطر على المائدة بصحبة زينة وعائشة وصفية، التي لا تحيد نظرها عنها. "مالك يا عطر يا بتي؟ "سلامتك يا أمي." "مبتأكليش ليه يا حبيبتي؟ "لا، بأكل أهو." "اللي واخد جلبك يا حبيبتي، ربنا يرجعهولك بالسلامة." تبتسم لها عطر ابتسامة باهتة وتهز لها رأسها. تقرب عائشة من أنفها قطعة لحم لتأكلها، فتبعدها عطر عن يدها سريعاً، فلم تحتمل رائحتها. "واه مالك يا عطر؟
"معلش يا أمي، أنا والله مليانة نفسي." تنظر لها صفية بلؤم ومكر وتحدث نفسها بأمر. تستأذن عطر منهم وتقوم، بينما هم يكملون طعامهم. وبعدها تأخذ صفية ابنتها تدخلها وتغلق الباب. "الله مالك يا أمي؟ ساحباني كده؟ "بت يا زينة، انت متأكدة إنك بتعملي اللي جلتلك عليه؟ "إيه؟ أيوة طبعاً يا أمي. هو مش أنا جلتلك؟ "لا، أنا قلبي مش مطمن. حاسة إن فيه حاجة غلط." "هيحصل إيه بس يا أمي؟ "هقولك إيه؟
ما انتِ أصلاً حمارة. البنت دي أنا حاسة إنها حامل. ويا أما متعرفش، يا أما مكتومة عشان محدش يعرف اللئيمة." "وانتي كشفتي عليها إياك؟ "من غير ما أكشف، هي واضحة لوحدها. بس أنا لازم أتأكد بنفسي. ووقتها هخنقك بيدي دول." "الله! وإني مالي يا أمي؟ هو أنا يعني مغسل وضامن جنة؟ أنا عملت اللي جلتلي عليه وخلاص. لكن لو حصل حاجة تانية، تبقى إرادة ربنا. ما هو أصل ربنا مبيتعاندش يا أمي." "ماشي يا زينة، غوري من وشي. جتك الهم."
تخرج زينة وهي تحدث نفسها: "الله! فسماها لو طلع اللي أنا خايفة منه صح، ما هخلي الشمس تطلع عليكي يا بت ناهد." يمر يومين من غير جديد. محمد لسه عند زياد وأمه. يحيى ما اتصلش بعطر (غبي) ، وعطر حزينة على حالها معظم الوقت. قاعدة مع نفسها بتعيط، عايشة على ذكرياتها مع يحيى لحظة بلحظة. كل شوية تبص على التليفون يمكن يتصل عليها أو يفتكرها.
عتاب كانت حزينة على حال أختها، نفسها تساعدها ومش عارفة تعمل لها إيه. حاسة إن إيديها متكتفة، خصوصاً بعد ما عطر حلفتها إنها متقولش لحد أي حاجة. طول الوقت شايلة همها وبتدعيلها. ورحمة بتستعد للكلية اللي قربت خلاص. وزاهية وبنتها سكرة، بقى البيت كله على دماغهم. أما حفصة، مش عارفة إيه اللي حصل لها. من يوم فرح مصعب، ومن الوقت اللي دخلت فيه بيت جمال، وهي ذكرياتها معاه محاوطاها من كل ناحية. مبتسيبهاش.
أما زينب، فقلبها بيتقطع من غياب مصعب عنها. ونفسها تشوفه، وحشها قوي، بس بتكابر. عامر، بعد سفر مصعب، الشغل كله بقى مسئوليته. وبقى بيرجع متأخر. كانت جالسة في الجنينة منتظرة عودته. فتأتي إليها: "ادخلي يا حبيبتي جوة، الدنيا بردت قوي." "مستنية عامر." "هيجيلك بألف سلامة. زمانه على وصول إن شاء الله." "مالك يا سكرة؟ انتِ بتبصي على حاجة؟ "أنا لأ خالص." "علشان إيه بردك؟ طيب انتِ مش عايزة تحكيلي حاجة؟ "أحكيلك إيه؟
أنا مش فاهمة تقصدي إيه." "بس أنا فاهمها. أهلاً يا حسني، تعالى." تلتفت سكرة بسرعة، تلاقيش حد. "ههههههه هههههه، ضحكت عليكي." "بقت كده بتضحكي عليا يا عتاب؟ "ما أنا بقولك جولي وانتِ تجولي مفيش. وعلى رأي المثل: على وشك يبان يا نداغ اللبان." "يا لهوي عليكي! بقولك إيه؟ انت شكلك فاضية وراجعة. أنا هدخل أشوف ورايا إيه." تمشي سكرة من وسط الجنينة. فتلمحه واقف سرحان: "كيفك يا سي حسني؟
"الحمد لله والله بخير يا سكرة. انتي عاملة إيه؟ "أنا زينة الحمد لله. تحبي أعملك حاجة تشربيها؟ "لا شكراً، متتعبيش نفسك." "لا، مفيهاش تعب ولا حاجة. تحب أعملك شاي ولا قهوة؟ "خلاص، لو مفيهاش تعب، عايز كوباية شاي بس تكون تقيلة." "بس كده. هتعرف تنام كويس؟ "أنا كده كده سهران مبنامش يا سكرة. على الأقل أبقى فايق." "حاضر من عينيه. دقيقتين وتكون أحلى كوباية شاي عندك." تدخل المطبخ وتقف تعمل له الشاي.
"بتعملي الشاي ده لمين يا سكرة؟ مش جلتلك بلاش الشاي الكتير عشان متتعبيش يا حبيبتي؟ "لا يا أمي، ده لسي حسني." "آه، جلتلي. بجي لسي حسني؟ ماشي يا سكرة، روحي وديه له وتعاليلي عشان عايزك." توديه له الشاي، ويأخذ رشفة ويرد عليها، فهي منتظرة رأيه: "مظبوط قوي. تسلم يدك يا سكرة." "تسلم وتعيش يا سي حسني. ألف هنا على جلبك." "شكراً يا سكرة. تعبتك معايا." "تعبك راحة يا سي حسني. بالاذن." ترجع المطبخ لأمها. "انتي فيكي إيه يا سكرة؟
"مالي يا أمي؟ ما أنا قدامك أهو." "أنا هتكلم معاكي من غير لف ولا دوران. بصي يا حبيبتي، أنا مبجولش حاجة على حسني. ده راجل وجدع وكفاية وقفته معانا جدام المخفي رجب. لكن أنا ماعوزاكيش تفضلي تلفي حواليه كده وتتحججي بأي حجة عشان تكلميه. كلنا عارفين إنه كان يريد نورة، ولولا النصيب كان زمانهم دلوقتي مع بعض. وهو أكيد لسه بيحبها. يعني انتي ملكيش مكان في قلبه." "بس أنا مرتاحاله يا أمي."
"حتى لو كنتي كده، ولو كنتي بتحبيه كمان، مينفعش ترمي جتتك عليه كده." "أنا برمي جتتي عليه يا أمي؟
"أيوه يا بتي، بترمي جتتك عليه. أجيبها من أمك أحسن ما تسمعيها من حد تاني. هتبقى تقيلة قوي على جلبك، لما كل شوية عايز شاي يا سي مصعب، أجيبلك الغدا يا سي مصعب، ماعوزش مساعدة يا سي مصعب. متفكريش إنك كده هتخليه ياخد باله منك أو يحبك. لا، ده انتي كده تبقي يا أما بتشتري حب، يا بتشحتيه بالخدمة وقلة القيمة والمحبة مبتشحتش ولا تقدري تشتريها يا بتي. ووجه كده كمان تبقي واحدة معندكيش كرامة. وإني مرضاهالكش يا بتي." "أنا يا أمي؟
"متحاوليش تدافعي عن نفسك، وأنا بجولك أهو، متبجيش خفيفة كده. الراجل ميحبش البت السهلة. بيحب التقيلة اللي مش عارف يوصل لها. أنا نفسي أفرح بيكي وأشوفك متهنية. دي انتي اللي طلعت بيكي من الدنيا. عايزاكي سعيدة، لكن مع اللي شاريكي وبيحبك. هتستفيدي إيه لو عرف إنك بتحبيه؟ ولا حتى طلبك للجواز وهو قلبه مع غيرك وأخدك كوبري عشان ينسى. وبعد كده فاجأ لقاك في وشه وندم على إنه أخدك. تجدري تجوليلي انتي وجتها هتبقي فرحانة؟
"سيبيه يا سكرة، سيبيه ياخد وقته ينسى ويفكر لحاله. ولو عازك، إني محجوليش لأ. اسمعي مني يا بتي، ويا بخت اللي بكاني وبكى عليا، ولا ضحكني وضحك الناس عليا. واللي يعمل ضهره جنطرة، يستحمل دوس الناس." "أنتي معاكي حق يا أمي. بس أصلي أنا مش حلوة زي نورة. فهو أكيد محياخدش باله مني إلا إذا أنا كلمته." "مش بالحلاوة يا سكرة. وبعدين ليه بتجولي على نفسك كده؟ ناقصك إيد ولا رجل. انتي ليه دايما مقللة من حالك كده؟
دي انتي ست البنات. زي لما جه المخفي رجب ده، وأنا أصلاً مكنتش عايزاه. لكن من زنك وأني مش حلوة يا أمي ومحدش هيتجدملي يا أمي، خليتيني أوافقك. وبعد كده اديكي شفتي الفضيحة اللي فضحتها لنا. اعملي لنفسك كرامة يا سكرة، واسمعي كلام أمك. متضحكيش الخلق علينا. إحنا صحيح فجرا وغلبانة، لكن طول عمرنا عايشين ورأسنا مرفوعة. وعمر ما حد كسرلنا عين. بلاش تكسريني يا سكرة، بلاش تمرري حياتنا."
"حاضر يا أمي، حاضر. أنا فهمت خلاص ومش هعمل حاجة تزعلك مني واصل." "ربنا يسعدك يا بتي وأشوفك متهنية يا رب." يعود ليجدها قد غفت عينها وشعرها خرج من تحت حجابها، فيحاول إدخاله تحت حجابها، فتشعر به. "عامر، حمد الله على السلامة يا حبيبي." "الله يسلمك يا عتاب. إيه اللي منيمك كده؟ "كنت مستنياك." "طب يعني ينفع كده أدخل ألاقيكي نايمة والطرحة متحركة وشعرك نصه باين؟ "شعري نصه باين؟ لا، دي تلاقيها حتة صغيرة." "صغيرة ولا كبيرة؟
أنا مبحبش كده." "إحنا في جنينتنا يا عامر، وما فيش حد." "يا سلام! مش حسني موجود؟ "واه، انت هتبص لحسني يا عامر؟ ده زي أخويا." "يا سلام، شوف إزاي. طب اياكي تقعدي وياخدك النوم هنا تاني بعد كده. تستنيني. فوج ملناش أوضة إحنا ولا إيه؟ "طيب، ومالك متعصب كده ليه؟ حاضر." "هههههه." "انتِ هبلة؟ بتضحكي على إيه؟ "مبسوطة." "مبسوطة عشان بزعجك ولا عشان عصبتك؟ "لا، مبسوطة عشان انت بتغير عليا، وده معناه كبير قوي عندي."
عامر وهو بيقرب منها: "معناه إيه بقى؟ "................. "سكتتي ليه؟ "خايفة." "من إيه؟ "أقولها وماتكونش صح، وخايفة أسألك، ما ألاقي جواب." "اسألي، وأنا هجاوبك." "أنا إيه بالنسبة لك يا عامر؟ "ياااه يا عتاب، لسه بتسألي؟ انتي إيه بالنسبة لي؟ كل ده ولسه معرفتيش انتي إيه؟ أنا هجاوبك يا عتاب، انتي كل حاجة عندي يا عتاب، انتي كل دنيتي وحياتي اللي مستني أعيشها. عمري اللي راح واللي فاضل منه. لقيتي الجواب ولا لسه عايزة تسألي؟
"يعني انت... عامر وهو يكمل كلامها: "بحبك. بحبك يا عتاب." تشعر عتاب وكأن قلبها سيتوقف من شدة فرحته، بل حتماً ستصاب بالجنون مما سمعته منه. تقفز مثل الأطفال. "هههههه هههههه، مجنونة." "أنا مجنونة بحبك يا عامر." "طب احسبي لتتغرقي." "هبقى مغرورة، بس مغرورة بحبك. ليه مغرورة بيك مش عليا يا حبيب عمري. جولهالي تاني، عايزة أتأكد إني مبحلمش." "بحبك يا بت عمي." "من جلبك يا عامر؟
"ومن جوة قلبي يا جلب عامر. وبعدين الجو برد قوي عليكي. يلا بقى نطلع لينا بيت يلمنا." عتاب بفرحة: "حاضر." "يحضرلك الخير يا رب." يرفع بقية شعرها الذي اتحرك بسبب حركتها الكثيرة، ليتفاجأ بارتفاع درجة حرارتها: "إيه ده؟ انتي سخنة يا عتاب؟ "لا، متأخذش في بالك." "ما أخذتش في بالي كيف؟ انتي ناوية على جناني قدامي على فوق." يأخذها ويصعدان للأعلى. وللأسف، كانت فعلاً بدأت تتعب، وبدأ جسمها يرتخي وتحس بالبرد. "عجبك كده؟
جلتلك مية مرة متقعديش في البرد. أعمل إيه أنا دلوقتي؟ يمسكها فيحس برعشة يدها وارتفاع درجة حرارتها التي تزيد. فهمس نفسه وهو بيشيلها وبيحطها في البانيو وبيفتح عليها المياه، وهي بتشهق من السخونية. جرى على الأوضة وفضل يدور وسط الأدوية لحد لما لقى خافض ومسكن للآلام. أداها واحدة. وبعد شوية، كانت عايزة تطلع، بس هدومها طبعاً كانت اتغرقت بالمياه، وهو مش عارف يعمل إيه.
فتح الدولاب بسرعة، ولقى نفسه بيسحب أول حاجة وقعت عينيها عليها. مكنش عارف إيه اللي أخده، المهم يغير لها هدومها. دخل وساعدها تقف على رجليها: "يلا يا عتاب، بالراحة كده عشان نغير." كانت تعبانة قوي ومش قادرة، وفي نفس الوقت محرجة ترفع هدومها قدامه. هو من يوم ما اتجوزوا وهي مبتلبسش حاجة مكشوفة، كل لبسها قدامه محترم. ودي أول مرة ممكن يشوفها في وضع زي ده. بس هو كان هدفه هو أنه يطمن عليها. "مالك يا حبيبتي؟ انتي مكسوفة مني؟
" دي كانت أول مرة تسمع منه كلمة حبيبتي. وقتها رجليها مكنتش قادرة تشيلها. لقت نفسها قعدت على سور البانيو وبتنهج بشدة، وقلبها ضرباته بتزيد. لدرجة إن عامر اترعب عليها. "عتاب، مالك؟ انتي بخير؟ "طلعني يا عامر، أنا تعبانة."
طلعها وساعدها ترفع هدومها بالراحة، ولبست اللي طلعهولها من الدولاب، وكان عبارة عن قميص نوم أحمر طويل، لكن ليه فتحة كبيرة واصلة لفوق الركبة. وهي اتكسفت جداً من شكلها قدامه. لكن هو كان كل هدفه هو أنه يطمن عليها. دخلها تحت الغطا، وهي كانت بردانه جداً وبتترعش من البرد. "اطمني، إن شاء الله هتبقى كويسة. ودلوقتي المسكن هيعمل مفعول." "أنا بردانه قوي."
لم يشعر بنفسه إلا وهو يحتضنها بشدة، وكأنما يريد أن يدخلها في قلبه ولا يخرجها منه أبداً. وهي ترتعش بشدة وتنتفض بين ذراعيه. كانت شفتاها قد اشتدت احمرارها من التعب وترتعش بشدة. لم يشعر بنفسه سوى وهو يقبلها، وأخذ يتعمق في قبلته لها. وهي مستسلمة تماماً، بل بدأت يداه تتحرك على جسدها الذي لم يتنعم بلمسه أو برؤيته من قبل. وجد نفسه يزيح ذاك الغطاء الذي يحول بينهما، ويحوطها بكل جوارحه، حتى أصبحا جسداً واحداً.
كانا هما الاثنين غائبين عن كل ما حولهم. نسي أنها مريضة، وهي كانت معه وكأنما هذا المرض ما كان إلا داء وجد دواءه وتلاشى التعب بمجرد أن عمت الفرحة قلوبهما. لم يتعجب لما حدث، لأنه بالفعل كان يتمنى حدوث ما حدث منذ وقت. ولكن، كان يريدها أن تأتي وحدها دون تخطيط. وها قد آن الأوان لتتحطم كل الأسوار ويصبحا روحاً واحدة وجسداً واحداً.
لم يتركها، بل ظل محتضنها وبشدة. وهي لم تكن أقل منه، فهي كانت متشبثة به وكأنما تخاف من فقدانه. أجمل أن تلتقي القلوب وتجتمع على الحب. "بحبك يا عتاب." نطقها بكل لهفة وحنان وشوق ورقة وعذوبة ولهفة. بها من المعاني ما تحمل أجمل الأشياء. "بحبك يا عامر." "لحد إمتى؟ "طول العمر." "نفسك في إيه؟ أجيب لك إيه؟ "عامر. عايزة عامر وبس." "بس انتِ أكيد جعانة دلوقتي."
"جعانة من حبك اللي عيشته واتمنيته سنين طويلة، وكان حلمي الوحيد إني أعيشه معاك." "يا ااه يا عتاب، أنا إزاي ما كنتش شايف حبك ده؟ إزاي كنت أعمى كده؟ "مش مهم إنك مشفتهوش، المهم إنك فتحت على حبي." "وفاضل أحبك طول ما أنا عايش وطول ما قلبي بيدق." تستمع لصوت المطر الذي يهبط بغزارة من السماء. تشعر بالبرد وآلام في بطنها. تقوم من فراشها وتنادي على فرحة بصوت منخفض. فتأتي إليها مسرعة: "أيوه يا عطر، عايزة حاجة يا حبيبتي؟
"أيوه يا فرحة، معلش جومتك من فراشك." "لا يا عطر، أنا صاحية أصلاً لسه بدري." "أنا بردانه قوي وبطني بتوجعني." "اقعدي هنا، وأنا هجيب لك حاجة سخنة تدفيكِ وكمان تريح لك بطنك." "لا، أنا جايه معاكي. أنا أصلاً تعبت من القعدة. تعالي ننزل سوا ونجعد تحت شوية. بس بلاش نعمل صوت، أحسن زمان الكل دلوقتي نايم." فرحة تأخذها وينزلون. ولسه بيعدوا من قدام أوضة صفية، سمعوا صوت خارج من أوضتها وعرفوا إنها بتكلم حد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!