الفصل 16 | من 41 فصل

رواية يكفيني منك عقابا الفصل السادس عشر 16 - بقلم عبير سليم

المشاهدات
21
كلمة
5,720
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 39%
حجم الخط: 18

القدر تلك الكلمة تعني الإيمان بكل ما يكتبه الله لنا ويقدره علينا، فقد يغير حياتنا فجأة ويأخذنا لعالم لم نسع له يوماً، ونلتقي بأشخاص لم ترهم أعيننا من قبل، وتبدأ حكايات يسطرها الزمن لنا. أقف حائرة أمام ما يحدث لهم، أود لو أغير حياتهم لما ترضونه، ولكن ليس بيدي شيء سوى رؤية ما يحدث معهم وتسجيلها لكم ليس أكثر.

أنا الآن أجلس في حديقة ذاك المنزل، أشم رائحة المطر الجميلة. أقف على ذاك الثرى لأشاهد ما يحدث بداخله. إنها هي بطلتنا تخرج برفقة خادمتها المقربة لها من غرفتها. كم أنا حزينة لأجلك يا عطر، إلى أين أنت ذاهبة في تلك الساعة المتأخرة؟ نعم، فقد نسيت أنك كنت تتألمين وتريدين الشراب الدافئ في تلك الليلة الممطرة شديدة البرودة. ولكن، هما يستمعان لصوتها، تلك التي لها الفضل فيما ستقرره. عطر: وجفتي ليه؟ فرحة: هس، وطي حسك. عطر: ليه؟

فرحة: انتي مسمعتيش. عطر: لا، مسمعتش حاجة. فرحة: سمعت صفية بتنطق اسمك. عطر: سيبك منها، إني ما فياجاش لحاجة واصل. فرحة: لا، إني ما أتحركش غير لما أسمعها بتقول إيه عليكي وعايزة منك إيه. عطر: عيب كده يا فرحة، حنتصنت عليها إياك. فرحة: أيوه نتصنت، أصلي انتي طيبة وعلى نياتك، وإني خابراها زين. أنا جلت أكده، أه ما ني مش عبيطة ولا هبلة. وانتي يا وليه انتي إزاي تخبي علية حاجة زي أكده؟ كان لازم أجرجرِك في الكلام عشان أعرف.

فوزية: حجك علية يا ست صفية، والله ما أقصد، وإني من ميتة بخبي عنك حاجة. صفية: أمال ليه خبيتي علية إن اللي متتسمى ديه حبلى؟ فوزية: أعمل إيه بس؟ أصل فرحة حلفتني ما أقول لحد، وهي أصلاً ما كانتش عايزة تجولي، وكل ما أسألها تفضل تلف علية في الكلام لحد ما حلفتها وطمنتها إني ما حتاجش ولا حجول لحد واصل. صفية: يعني معناته إيه الكلام ديه؟ يعني دلوك البت ديه حبلى وحتجش كل حاجة؟

طبعاً ما هي حتجيب لهم الولد اللي الهبلة بتي ما عرفتش تجيبه. بكرة لما محمد وعايشة يعرفوا الدنيا ما تحتسعهمش من الفرحة، وحينططوها علينا ويخلوها فوق الكل، وإني ما أسيبهاش تتهنى بأي حاجة، بت ناهد. فوزية: وحتعملي إيه بس يا ست صفية؟ صفية: لا، لو عالعمايل فأني حعمل كتير جوي، وانتي حتساعديني. فوزية: أساعدك في إيه؟ صفية: حنخلص منها ومن اللي فبطنها.

فوزية: يا لهوي، لا يا ست صفية، الله يخليكي بلاش الأذية ديه. غلبانة جوي وفحالها، بصي بعدي عنها وخلاص. صفية: اخرسي يا وليه، انتي اتجنيتي ولا إيه؟ حتجوليلي أعمل إيه وما أعملش إيه؟ إيه، عايزاني أجعد وأستنى لما بت ناهد تحط يدها على كل حاجة وتبقى هي الكل في الكل أهنية؟ وطبعاً مش بعيد وجتها يحرضوا زكريا عشان يتجوز على بتي عشان يخلف هو كمان. لا، أني حخلص منها ومحيطلعش عليها صبح. فوزية: بس أكده ممكن نروحوا في داهية.

صفية: لا، متخافيش، إني حرتّب كل حاجة. ودي فرصتنا، محدش أهنية لا محمد ولا يحي، يعني نِقدر نعمل اللي إحنا عايزينه فيها. فوزية: والحكومة حتسيبنا يعني؟ صفية: يبجوا يثبتوا بجى إني مش عيلة صغيرة. إني عارفة إني حعمل إيه. المهم دلوك تسمعيني زين، وإني حبجى معاكي، والصبح محيطلعش عليها غير وهي متكفّنة. انتي فاهمة ولا مفهما؟

فوزية بخوف: لا، والنبي يا ست صفية، إني معاوزاش أعمل حاجة أكده. إني عايزة أفرح ببتي، ما عايزاهاش تتعاير بية. صفية: لو انتي عايزة تفرحي ببتك كيف ما بتجولي، يبجى تسمعي الكلام. فوزية: الله يخليكي، بعديني عن الأذية ديه. صفية: انتي فكرك إني ما عرفش أتصرف لوحدي إياك؟ لا تبجي لسه متعرفيش مين صفية ديه. إني الشيط#ان نفسه يجف ويتعلم مني. لكن انتي عارفة لو منفذتيش اللي حجولك عليه، إني حعمل فيكي إيه؟

حخرجك من البيت أهنية بفضيحة، يا أما عالشارع يا عالسجن، وتبجي تعالي جابليني لو حد طل في وش بتك. انتي سامعة ولا لاء؟ فوزية بخوف: حاضر، حاضر. في أحد الفنادق الكبرى بالقاهرة، يجتمع كل من عز ويحي ونيللي وجاسر والمنتج ومعهم فريق العمل، يتفقون على بقية تفاصيل العمل والأجر الذي لم يتفقوا عليه حتى الآن. نيللي: مالك يا حبيبي متضايق ليه كده؟ جاسر: يعني مش عارفة ولا بتستعبطي؟ نيللي: لا والله مش واخده بالي.

جاسر: مسمعتيش الأجر اللي حياخده يحي أد إيه؟ ده أنا مش حاخد ربعه ليه إن شاء الله؟ هو أحسن مني في إيه عشان يبقى الفرق ده كله بيني وبينه؟ نيللي: لاحظ إن دور يحي في المسلسل أكبر بكتير من دورك يا جاسر، وعلى العموم متضايقش نفسك، أنا حكلم عز في الموضوع ده. جاسر: ماشي، أما أشوف. نيللي: طب متكشرش بقى، عايزة أشوفك مبسوط. جاسر وهو يمسك يدها ويبوسها: وأنا أقدر بردو أبقى متضايق والقمر معايا.

كانت عيون عز عليهم، قلبه يتمزق من شدة حبه لها، ولكن ليس بيده شيء. بينما يحي كان في عالم آخر، ممسكاً بهاتفه يقلب فيه وهو يشاهد صوره مع عطر، يتذكر كل موقف التقطوا فيه كل صورة، يبتسم ويشعر بالاشتياق الشديد لها. عز: بتعمل إيه يا يحي؟ بتلعب في التليفون؟ هو ده وقته؟ يحي: عز، أنا عايز أرجع الصعيد. عز: نعم؟ إنت بتهزر؟ يحي، متجننيش، ده مش وقته خالص. يحي: معلش يا عز، صدقني مش قادر. وحشتني أوى، بفكر فيها طول الوقت.

عز: ما قلنا كده، قلتوا اطلعوا من البلد. يحي: غصب عني يا عز، أنا بجد ما كنتش متخيل إني أكون حبتها. عز: ههههه، بردو مينفعشي. يحي: مش حتاخر، والله. هما يومين أطمن عليها وأفهمها كل حاجة وأرجع. عز: يحي، بلاش لعب عيال، دي فلوس ناس، مش هزار. وبلاش تخللي حد ياخد عنك فكرة إنك مستهتر وبتخسر المنتج، وانت عارف كله إلا المنتج. بلاش تخسر حد من أولها وانت لسه على أول السلم. والوسط بتاعنا لو طلعت على حد إشاعة بتلزق فيه.

يحي: طب أعمل إيه دلوقتي؟ شوفلي حل. عز: ما تكلمها يا يحي، أمال التليفونات ديه لازمتها إيه؟ يحي: ما أنا قلتلك اللي فيها. عز: يحي، بلاش حجج ملهاش لازوم. ما هو بردو مش طبيعي إن واحد يسبب عروسته الفترة دي كلها من غير ما يطمن عليها أو حتى يسمع صوتها. يحي: اهو اللي حصل. عز: وهي ما حاولت تتصل عليكي؟

يحي: لاء، وده اللي حيجنني أكتر. بس أنا عاذرها، أنا سبتها ومشيت فجأة وشفت حالتها كانت عاملة إزاي، وحتى ما هديتهاش ولا بردت قلبها بكلمة. فأكيد هي زعلانة مني ومقدرش ألومها ولا أعتب عليها. عز: خلاص يا يحي، يومين حخليك تصور عدد كويس من المشاهد وبعد كده تقدر تسافر، بس هما يومين مفيش غيرهم وترجع. يحي: متشكر أوي يا عز. عز: طب ممكن بقى تقفل تليفونك ده ولا تعمله صامت لحد ما نمشي؟ عيب كده يا يحي.

يحي: حاضر يا سيدي، حعمله صامت أهو. أصلاً هو خلاص قرب يفصل شحن. عز: أحسن برد. عند عطر. عطر: حاولي تاني يا عطر. عطر بدموع: مبيردش يا فرحة، مبيردش علية. رنيت عليه كتير، أكتر من عشر مرات. فرحة: طب حنعمل إيه دلوك؟ لازم نتصرف وبسرعة. إني خايفة عليكي جوي من العجوزة ديه، ومحدش أهنية حيعرف يحوشك عنها. وما دامت حطتك في دماغها محتسيبكيش واصل. وإني ما عايزاكيش تعيشي في رعب طول الوقت. عطر: حتصرف كيف؟

إني ما عرفاش ولا فاهمة حاجة. هو أنا ليه بيحصل معايا أكده؟ أنا عملت إيه وحش في دنيتي يا ربي عشان يحصلي كل ديه؟ فرحة: نصيب يا حبيبتي. معلش، بجولك إيه؟ مفيش جدامك غير إنك تروحي دلوك على بيت عمك. عطر: لاء، بيت عمي لاء. فرحة: ليه بس يا عطر؟ هما اللي حيعرفوا يحموكي منها ومن شرها. عطر: عتاب... لا لا، ما وعاوزاش أخرب عليها. ديه أنا بجول ربنا يحنن جَلبه عليها. فرحة: إني ما بفهمش حاجة. مالها عتاب؟

بصي يا عطر، انتي خايفة على نفسك وعلى اللي فبطنك ولا لاء؟ عطر: إني مخافاش على نفسي ولا تهمني من أساسه. لكن بتي... فرحة: هي؟ عطر: جلبي حاسس إنها بت. فرحة: يبجى لازم تحافظي عليها. عطر: أيوة، إني لازم أحافظ عليها مهما حصل، و لآخر نفس في عمري. ديه هي ديه اللي بجت فاضلالي من الدنيا، ومعنديش استعداد إني أخسرها أو تضيع مني نهائي. فرحة: طب اتصلي تاني يمكن يرد. تحاول تتصل كتير

لحد ما فجأة تلاقي الرد: "الهاتف الذي تحاول الاتصال به مغلق أو غير متاح حالياً. من فضلك حاول الاتصال به في وقت لاحق." تقذف بالهاتف على الفراش وتبكي بمرارة: جفل تليفونه يا فرحة، جفل تليفونه عشان ميردش علية. زهج خلاص من اتصالاتي ومعاوزش يرد. بس أنا غبية، إني إزاي مستنياها يرد وهو أصلاً معبرنيش ولا فكر يتصل علية مرة واحدة؟ يتصل... حيتصل يجول إيه؟

يجول معلش، أصلي اتجوزتك غصب عني. أنا غبية، واستاهل كل اللي يجرالي. وزي ما هو ما عاوزش يرد علية، إني كمان ما استناهوش يرد ولا يجي يلحجني. إني حعرف إزاي أحافظ على نفسي وأحافظ على بتي اللي معادش ليا غيرها في الدنيا. فرحة، الله يخليكي تعالي ساعديني بسرعة، ما فيش وجت. بعد مرور بعض الوقت.

ظلمات الليل تعم المكان جميعه، وصوت نباح الكلاب الضالة وعواء الذئاب يشق ظلام الليل الحالك، بينما هي تمشي بخطوات بطيئة، خائفة من أن تسرع في خطواتها فتتعثر وتذل قدميها في ذاك الوحل من الطين الذي خلفته وراءه مياه المطر. تحكم ذاك المعطف الذي ترتديه على جسدها، لعله يحميها من ويلات البرد القارص الذي تشعر به. تضع يدها على بطنها، وكأنها تطمئنها على أنهما سيكونان بخير عندما يبتعدان عن ذاك المكان وما فيه من عذاب.

تأخذها قدماها إلى بيتها الذي عاشت به لسنوات. تنظر إليه من بعيد بعينين تفيضان حزناً ودموعاً، وكأنما تودعه الوداع الأخير. ترفع عيناها لترى عتاب. تفتح شرفتها وتقف بها متأملة وجه السماء. فتختبئ سريعاً خلف الأشجار حتى لا تراها أو تشعر بها. يخرج إليها عامر فيحتضنها من ظهرها: حبيبتي، واقفة في البرد أكده ليه؟ عتاب: حسيت إني مخنوقة جوي ومقدرش آخد نفس. عامر: سلامتك يا حبيبتي. بس انتي حرارتك نزلت، الحمد لله.

عتاب: معرفاش يا عامر. خايفة يكون عطر فيها حاجة. جلبي متوغوش عليها جوي. عامر: خلاص، الصبح أبجي روحيلها اطمني عليها. ودلوك يا لالا تعالي ندخل. الجو برد جوي عليكي، وإني مصدجت إنك اتحسنتي. يأخذها ويدخلان ويغلق الشرفة، بينما عطر تمسح دموع عينيها: يا حبيبتي يا عتاب، حتوحشيني. ربنا يسعدك ويهنيكي يا رب. يعود إلى منزله الذي يعيش به، وهو لا يبعدها عن تفكيره لحظة. طوال الطريق يفكر بها. ينظر لصورة زفافهم التي يضعها بجواره

من وقت أن شعر بحبه لها: خلاص يا عطر، إني راجعلك. مبقتش قادر على بعادك أكتر من كده. عارف إنك زعلانة مني يا حبيبتي. حبيبتي، أيوه انتي حبيبتي يا عطر، وعمري ما حبيت ولا ححب غيرك. حقولهالك بأعلى صوت، وحطمّن قلبك اللي أنا عارف إنه موجوع مني. يضع الصورة ويمسك بالهاتف، والذي قد فصل شحنه دون أن يشعر، ويضعه في الشاحن ويذهب للحمام ليأخذ حماماً وينام حتى ينهي المشاهد التي اتفق عليها مع عز ليعود سريعاً إليها.

يخرج من الحمام ليجده ما زال مغلقاً، فيقوم بفتحه. وأثناء ارتداء ملابسه يسمع صوت الهاتف الذي يعلن عن كثير من الرسائل. يجلس على الفراش ليرى الكثير من اتصالات عطر، وبعد ذلك يرى محاولات للاتصال به بعد أن فصل الهاتف من الشحن. قلبه يشعر بأن هناك خطب ما. كيف لها أن تتصل عليه كل هذه الاتصالات؟ يجد نفسه يقوم بالاتصال عليها سريعاً، ولكن يأتيه نفس الرد: "الهاتف مغلق. حاول الاتصال في وقت لاحق."

يحاول الاتصال بها كثيراً، وبعد فترة من الوقت وبعد أن أصابه اليأس، قرر الاتصال على عز. "أيوه يا عز، انت سامعني؟ عز، أنا بعتذرلك، أنا لازم أسافر الصعيد دلوقتي حالا." "ليه؟ حصل حاجة؟ "مش عارف حصل حاجة ولا لاء، بس قلبي بيقوللي إن في حاجة. مش عارف بابا، ماما، أو حد منهم، أو حتى هي." "يحي، أنا مش فاهم حاجة. هو إحنا مش لسه سايبين بعض؟ إمتى حسيت إن في حاجة؟ يحكي له يحي. "طب ما تتصل على مامتك أو أخوك أو باباك؟

ده إيه الذكاء ده؟ على الأقل تطمني." "لا يا عز، أنا مش حتصل على حد. أنا حاسس إنها هيا اللي عاوزاني." يحاول عز تهدئته، ولكنه يصر على السفر مهما كان الثمن. فيراعي عز حالته ويسمح له على ألا يتأخر ويعود سريعاً. يقوم يحي ويرتدي ملابسه ويعد شنطة سفره استعداداً للرحيل إلى الصعيد. ينهي صلاته ليجد ابن أخيه يحدثه: تقبل الله يا عمي. محمد: منا ومنكم يا زياد. أجعد يا حبيبي، أني عايز أتكلم معاك. زياد: اتفضل يا عمي، إني سامعك.

محمد: دلوك الحمد لله الست والدتك بجت صحتها أحسن شوية، والدكاترة جالوا إننا ممكن ننجلها أسيوط عندنا في مستشفى أكبر. زياد: يعني حنأخذها من أهنية؟ محمد: أيوه يا بني، انتوا خلاص حتمشوا من أهنية. جه الأوان إنكم ترجعوا بلد أبوك وتكمل حياتك وسطهم. زياد: أيوه، بس يا عمي...

محمد: مفيش بس يا زياد. إني سيبتك السنين دي كلها أهنية مش عشان حاجة غير إنها كانت وصية أبوك الله يرحمه. لكن دلوك خلاص، كفاية أكده. انت حتدخل الجامعة عندنا، وحتشوف أختك الوحيدة، وحتعرفها، وتكون سندها، وتعيش في بيت أبوك، بيتك يا زياد. زياد: بس إني خايف يا عمي، ما يتجبلوش وجود.

محمد: اللي مش عاجبه، يخبط دماغه في الحيط. إنت ليك حق زي أي واحد فيهم، وأكتر كمان. وإني خلاص يا بني تعبت، وما بجتش حمل السفر كل شوية لاهنية ولزم تاچوا معايا وتكمل حياتك وسطنا. زياد: اللي تشوفه يا عمي. محمد: اللي أشوفه إنك تجوم دلوك تبتدي تحضر حاجتك وأوراقك اللي حتقدم بيها في الجامعة يا دكتور زياد. زياد: حاضر. ربنا يخليك لينا يا عمي. محمد: و يباركلي فيك، ويخليك لينا يا ابن الغالي.

يقود سيارته متوجهاً إلى الصعيد، يحلم بتلك اللحظة التي سيحتضنها فيها، ويشعر بدفء أحضانها، ويشم رائحتها، ويخبرها بكل شيء، ويترك لها حرية الاختيار في اصطحابها معه للقاهرة أو بقائها في الصعيد. بعد مرور عدة ساعات.

يستيقظ الجميع من نومهم، بينما هي لا تريد أن تعلن عن استيقاظها، بل أنها لم تنم طوال الليل، حزينة لفراقها وخائفة عليها، لا تعلم إلى أين اتجهت وما الذي ينتظرها. تسأل نفسها كيف ستخبرهم بما حدث، وأنهم على يقين بأنها كانت أقربهم لها في هذا البيت. تطلب عائشة من فوزية أن تصعد لتنادي عليها لتنزل وتتناول معهم الفطور، ولكنها تنزل سريعاً وتخبرهم بعدم وجودها. يتعجبون من هذا الأمر، يبحثون عنها في البيت بأكمله فلا يجدون لها أثراً. يصعدون لغرفتها فيجدوها قد أخذت الكثير من ملابسها، فأين هي ذهبت؟

تتصل عائشة على زينب لتسألها هل ذهبت إليهم، ولكن زينب تنكر وجودها عندهم وأنها لم تزرهم منذ فترة. يزداد القلق والخوف من إصابتها بمكروه. تتعالى الأصوات في البيت عن سبب اختفائها وعن طريقة للعثور عليها، فإلى أين ستذهب وهي ليس لها مكان سوى هذا البيت أو بيت عمها. عائشة في حيرة: ماذا تفعل؟ "إنتي فين يا عطر يا ترى رحتي فين يا بتي؟

تجلس بالقطار منتظرة وصولها إلى القاهرة، تعيش مع ذكرياتها منذ أول يوم دخلت فيه بيت يحي وحتى تلك اللحظة. تضع يدها على بطنها بين الحين والآخر، وكأنما تطمئن جنينها أنهما بخير. تستند برأسها على زجاج النافذة، تفكر ماذا سيحدث عند معرفتهم باختفائها. حقاً، ستنقلب الدنيا، ولكنها سرعان ما ستهدأ ويعيش كل منهم حياته. ولكن أنت يا أختي، يا رفيقة عمري، كيف سيكون حالك؟

أعلم أنك ستتألمين، ولكنني سأطمئنك، فقط اطمئن على نفسي وعلى جنييني أولاً. صفية: أقطع دراعي أما كانت طفشت مع حد. عائشة: عيب يا صفية، متجوليش أكده. عطر بت ناس ومتربية. صفية: متربية؟ وهيا واحدة متربية تسيب بيت جوزها وتمشي ومحدش يعرفلها مكان. أكيد حد غواها ومشيت معاه. البت ديه لازم تعرفوا راحت فين، وتغسلوا عاركم بيدكم. زينة: لا يا أما، متجوليش أكده. عطر متعملهاش واصل. صفية: أمال خدت خلجاتها وراحت فين؟ تجدروا تجولولي ديه؟

لا راحت عند أهلها ولا حتى عند جبر أبوها وأمها. تكون راحت فين عاد؟ إيه، راحت تتفسح إياك؟ دي بت ناهد جادرة وعينها بجحة. تلاقيها مخططة ومرتبة لكل حاجة. ياللا افرحوا بالنسب العرة اللي نسيبتوه، واتحملوا بجى اللي حيتجال عليكم في البلد، وبكرة محتخلصوش من لسان الناس. خبط جامد على الباب. تفتح فوزية الباب ويدخل هو وعامر وعتاب وجواهم نار قايدة: فين بت أخويا؟ وديتوا عطر فيين؟

زينب: والله ما نعرف يا حاج. إحنا صحينا من النوم ملجينهاش، وجلبنا عليها الدنيا. ملهاش أثر. عامر: يعني إيه ملجيتوهاش؟ انتوا عملتوا فيها إيه؟ صفية: وإحنا حنعمل فيها إيه يا عامر؟ شوف بتكم هي اللي طفشت مع مين وراحت على فين. عتاب: جطع لسانك ولية قليلة الحيا. إني أختي أشرف من الشرف، ومش بعيد تكوني عملتي فيها حاجة. أنا عايزة أختي، هاتولي أختي. تنظر لفرحه التي تقف جانباً

وتبكي لفراق عطر: فرحة، تعالي يا فرحة. هو انتي بردك مش كنتي بتحبي أختي؟ وهي والله بتحبك جوي وبتجول إنك أجرب واحدة ليها في البيت ديه. أكيد انتي عارفة حاجة. جولي، الله يخليكي، جولي، أختي راحت فين؟ فوزية: وإ هي بتي حتعرف منين بس يا ست عتاب؟ بتي نايمة جاري من المغرب وملهاش صالح بحاجة. نعمان: يعني انتوا مش عايزين تجولوا البت راحت فين؟ لا ديه إني أجيب عاليها واطيها. انتوا فين رجالتكم؟

واحد جاعد أهوه لا بيهش ولا بينش. فين محمد الطحاوي؟ فين جوزها اللي ائتمنته عليها؟ مشي وسابها لشوية حريم يبيعوا ويشتروا فيها. زكريا: ليه بس أكده يا عمي الحاج؟ ديه ربنا يعلم والله إحنا كلنا زعلانين كيف. وإني لفيت وملجتلهاش أثر. ديه إني رحت الترب جلت يمكن هناك بردك ملجتهاش. وابويا في جنا مهواش أهنية من أساسه. نعمان: إني مليش صالح بكل ديه. المهم دلوك إني عايز بت أخوي. انتوا أكيد أذيتوها، وإني ما أسيبكمش واصل.

صفية: روح دور عليها، تلاقيها عشجت واحد ومشيت معاه. ما هو مش غريبة عنيكم. ولو انت راجل صوح يا نعمان، تغسل عارك بيدكو اللي معملتوش زمان، اعمله دلوكي. يقدم عليها نعمان بالعكاز: عامر: لا يا بوي، من ميتى وإحنا بنمد إيدنا على حرم. نعمان: ما سمعتهاش بتجول إيه؟ من ميتى وإحنا حد يجدر يتجراء علينا أكده؟

كلامك ديه يطير فيه رجاب. ربنا ينتقم منك يا صفية، ربنا يردهولك في أعز ما ليك. أصل إنتي فاكرة كل الستات زيك، تجري ورا الرجالة. إني بس أفوجلك، وإني حعرفك مجامك زين. الله يرحمك يا سالم، معرفتش تختار زين. عتاب بصراخ: حرام عليكم، كفاية! إني عايزة أختي، عايزة عطر. انتي فين يا عطر؟ ردي على أختك يا حبيبتي. دخل البيت يجري على أصواتهم العالية وعلى صوت عتاب وهي تقول: "إني عايزة أختي، هاتولي عطر." "في إيه؟ إيه اللي بيوحصل أهنية؟

وفين مرتي؟ يمسك نعمان بملابسه: "تنك جيت يا يحي؟ هي ديه الأمانة اللي إني وصيتك عليها؟ بس إني المحجوج، إني المحجوج! إني وافجتها وجوزتها ليك. ضيعت بت أخوي يا يحي، سيبتها وهملتها وضيعتها يا واد الطحاوي! يحي: "ضيعتها إني كيف؟ إني سافرت لشغلي وسايبها أهنية مع أهلي. فين عطر يا أما؟ فين عطر يا خالتي؟ فين مرتي؟ صفية وهي حاطة إيدها فوسطها: "مرتك طفشت يا حبيبي، خدت هدومها وفكت من أهنية. شوف بجى مين اللي غواها وهربت معاه."

يحي: "إيه اللي بتجوليه ديه يا خالتي؟ هي مين ديه اللي هربت؟ فرحة: "لا لا، متصدجيهاش يا سي يحي. أوى تصدجي حاجة زي أكده. عطر مفيش أشرف منها، دي بتحبك جوي وكانت جاعدة مستنياك تاجي عشان تفرحك إنها حبلى." يحي: "إيه؟ انتي بتجولي إيه؟ عطر حبلى؟ ميتى ديه؟ وهي فين؟ راحت فين؟ عطر فين؟ إني مش فاهم حاجة." صفية: "كمان حبلى؟ تبجى بانت أهيه زي الشمس. تلاقيها عملت عملتها وخافت لتتفضح، فهربت."

عامر وهو ينقض عليها: "إني اللي حخنج#ك بيدي دول لو جيبتي سيرة بت عمي على لسانك الزفر ديه." فرحة: "حرام عليكي يا ست صفية. إنتي إيه مبتخافيش من ربنا؟ كيف تجولي على عطر أكده، وإنتي عندك زيها؟ لا لا، متصدجوهاش، دي كدابة. أيوه، إني حجولكم على كل حاجة. إني ما أخافش ومعنديش حاجة أخاف عليها. كيف أمي خافت منك وكانت حتنفذ اللي طلبتيه منها، صوح يا أما؟ صوح؟ ولا إني كدابة؟

جولي، جولي. الحق، متخافيش. وكيلك ربنا عشان اللي بتجوليه ديه ظلم، وربنا ما يرضاش بالظلم. أصلاً، إيه يعني حيطردونا من أهنية؟

يبجى أحسن بردك. إني أصلاً ما حعدش أهنية بعد ما حبيبتي مشيت. اسمعني يا سي يحي، واسمعوني انتوا كمان. عطر حبلى، ويوم ما عرفت انت تاني يوم سافرت وملحجتش تجولك، وهي حلفت علية إني ما أجيبش سيرة لحد واصل، لأنها كان نفسها إنك إنت اللي تعرف أول واحد، وكانت مستنياك تاجي، وكل شوية تجول حيتصل، وانت مكنتش بتتصل بيها خالص. هي ما كانتش بتبطل عياط، وكنت واحشها جوي. وإني والله كنت بحاول أخفف عنها على جد ما أقدر، وهي يا حبيبتي كانت صابرة لحد ما ترجع لها. وامبارح بالليل تعبت، وأخدتها ونزلنا تحت عشان أعمل لها حاجة تشربها، وسمعنا الست صفية بتتفج على أذيتها، وجالت إنها ما تحتسبهاش تتهنى بحبلها، ولازم تخلص منها ومن اللي فبطنها جبل ما تعززوها وتكرموها."

صفية: "البت ديه كدابة. إني بردك حعمل أكده ليه إن شاء الله؟ دفعتلك كام عشان تجولي الكلمتين دول وتداري على عملتها السودة؟ فرحة: "لا، إني مش كدابة، وأحلفلكم عال مصحف. هو ديه اللي حصل، وأمي كانت معاها صوح يا أما؟ جولي، انطجي يا أمي، متخافيش، محتجدرلكيش على حاجة." يحي بغضب شديد وصوت يهتز له جدران البيت: "انطجي!

فوزية برعب: "أيوه حصل. الست صفية كانت عايزاني أساعدها عشان تخلص منها، بس والله إني ما كنت حاذيها كيف ما طلبت مني." نعمان: "كملي يا فرحة، كملي."

فرحة: "إني جلتلها تروحلكم يا حاج، لكن هي ما رضيتش. جعدت تتصل بيك كتير يا سي يحي عشان تاجي تلحقها، لكن انت مردتش لحد تلفونك ما انجفل. وهي يا حبيبتي ما كانتش عارفة تعمل إيه ولا تروح فين. كل اللي كان شاغلها هو اللي فبطنها، وبس. خافت عليه يحصل له حاجة. خلتني أساعدها، ولمت كل خلجاتها، وخدت أوراقها، ومشيت." عتاب وهي تنهار: "ولما انتي بتحبيها أكده زي ما بتجولي عليها حبيبتك، سيبتيها ليه تمشي لوحدها؟ ليه مروحتيش معاها؟

فرحة: "كنت عايزة والله، وكان نفسي، واتحايلت عليها تاخدني معاها، ورزجي ورزجها على الله. لكن هي صممت تروح لحالها. الظاهر كان جلبها حاسس باللي حيتجال عليها. كانت عايزة حد يرد غيبتها ديه غير كمان إنها سابتلكم معايا أمانة." تجري على أوضتها وتخرج لهم: "اتفضل يا حاج، ديه ليك. وديه ليك يا سي يحي." تسيبهم لي، وتحلفني أديهملكم أول ما أتجابل معاكم. فتح عامر الجواب وقرأه أمامهم،

ولقوا عطر بتعتذر لعمها: "عن اللي حصل. متزعلش مني يا عمي، حجك علية. ما كنتش عايزة أحطك في الموقف ديه واصل. إني اللي ضغطت عليك وخللتك توافق على الجوازة ديه، ويعلم ربنا إني كنت راضية وحمداه. لكن لما توصل للأذية، يبجى لازم أمشي. مجدرتش أرجع عندك، ما عاوزاش مشاكل، ولا عاوزة أهد سعادة أختي. جول لعتاب متزعلش مني، إني بحبها جوي، ومحجدرش أكون سبب في أي حسرة تدخل جلبها. وسعادتها عندي بالدنيا وما فيها. متخافش علية يا عمي، إني

حعرف أخلي بالي على نفسي زين، وحرجع إن شاء الله. حرجع، بس يوم ما حرجع، ما حكونيش عطر الغلبانة المكسور جناحها. لا، حكون عطر الجوية اللي تعرف تاخد حقها، وحق ولدها، من كل اللي كانوا عايزين يؤذوها. ادعيلي يا عمي، ربنا يكملي على خير ويجمني إني واللي فبطني بالسلامة، ويوقفلي ولاد الحلال في طريجي. مع السلامة يا عمي، حتوحشني جوي، وحيوحشني حضنك جوي. سلملي عليهم كلهم، ووصيتك عتاب."

تجلس بالقطار، دموعها تنهمر على وجهها، بينما يحي يجلس جانباً ويقرأ كلامها المكتوب. يرى وجهها على الورقة وكأنما هي من تقرأ له وليس هو من يقرأ. "إزيك يا يحي؟ إني عطر، مرتك. محجوليش حبيبتك، لأني خابرة زين إني لا كنت ولا حكون حبيبتك. متستغربش، أصلي سمعت كل حاجة، وكل كلمة جلتها لابوك، وعرفت إنك اتجوزتني غصب. يا ريتك كنت جلتلي، كنت علت في نظري والله. عارف سمعت ديه ميتى؟

وإني جايالك وقلبي بيرفرف من الفرحة عشان أجولك إنك حتبجى أب. ضيعت فرحتي باللي سمعته، وبعديها مشيت وسيبتني. انت محبتنيش. إني كنت بالنسبة لك واحدة حلوة، وبجيت ملكك تعمل فيها اللي على كيفك، وبعد أكده ترميها كيف ما بترمي هدوم. لبستها شوية وزهجت منها. لكن إني والله حبيتك، حبيتك جوي، وكنت مستنياك، ومكنتش ناوي أمشي ولا أبعد حتى لو غبت سنين عني. إني حبيتك جوي يا يحي، وعلى جد ما حبيتك، على جد ما جرحتني. إني جلبي واجعني منك جوي، وعمري ما حنسالك اللي انت عملته فية ديه وظلمك ليا. تعرف إن لحد آخر وقت كان عندي أمل؟

كنت بجول يا رب. رنيت عليك كتير، كنت متعشمة، وكان آخر أمل ليا إني أكذب وداني وأجول اللي سمعته محصلش، وإنك تاجي وتلحجني وتاخدني فحضنك. حضنك اللي إني اتحرمت منه بدري جوي. لكن انت مهانش عليك ترد علية، ولو بكلمة، كلمة واحدة تبرد ناري. لاه، إنت كمان جفلت تليفونك. مكنتش أعرف إنك كارهني جوي أكده. يا خسارة يا يحي، يا خسارة يا أبو ابني. أنا خلاص ريحتك من همي ومشيت، وسيبتك للي انت هملتني وروحتلها. إني مشيت ومعايا حتة منك، حتكبر

جوايا، وححافظ عليها، ومحفرطش فيها واصل. مهما حصل، حعلمه إزاي يحب، وإزاي يخلص، وميخونيش، ولا يغدر باللي اداله الأمان. إني ما مسامحاكش يا يحي، وعمري ما حساامحك. أصلاً، عالم إذا كنا حنتجابل تاني ولا لاء. لكن يوم ما حنتجابل، ما حتشوفش عطر اللي عشت معاها وحبتك. لا، وجتها، حتشوف واحدة تانية جلبها بجى أسود كيف الطينة. إني معرفاش إذا كنت حتسيبني على ذمتك ولا حتطلقني، بس مفارجاش معايا. إني أكده أكده حعد أربي عيلي وأفرح بيه،

وأعوضه عن أبوه اللي رفض وجوده من جبل ما يجي. مع السلامة يا يحي، ومحجوليش أشوف وشك بخير، لأني ما عاوزاش أشوفه تاني واصل."

ينهي قراءته للخطاب، وعيونه مملوءة بالدموع. يبكي من قلبه على حب مات قبل أن يولد. قلب ولد في الظلام، وتوقف عن النبض قبل أن تشرق عليه الشمس ويرى نورها. يطوي ذاك الخطاب، بينما هي تمسح دموعها وتقوم من مكانها، تمسك بحقيبتها وتستعد لتنزل من القطار.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...