الميكريفون يعلو صوته بآيات الذكر الحكيم، وتجمع كبير من أهل البلد بجميع فئاتهم المختلفة، من مشرق البلد لمغربها، جميعهم جاءوا لتقديم واجب العزاء لذلك الشخص الذي لم يتوان يوماً عن مساعدة أحد، دائماً في المقدمة في الأحزان قبل الأفراح، جاءوا ليواسونه في مصابه الذي ألم به. يقف بجواره ابنه، ونعمان، وعامر، ومصعب، وإخوته يتلقون معه التعازي، بينما هو لا تحمله قدماه، يجلس ويبكي مثل الأطفال، ولما لا وقد فقد زوجته وأم أولاده.
يجلس نعمان بجانبه ليهون عليه ما هو فيه: "استهدى بالله يا جمال، مينفعش أكده." جمال: "بيتي اتخرب يا نعمان، أم العيال راحت وسابتني أنا وولادها لوحدين." نعمان: "لا حول ولا قوة إلا بالله، دي قضاء ربنا، حنعترض؟ استغفر ربك واطلبلها الرحمة، هي ارتاحت من التعب اللي تعبته، كان عاجبك حالها وهي بتموت في اليوم ألف مرة؟
ربنا يرحمها، هو دلوقتي في دار الحق واحنا في دار الباطل، وإن شاء الله تكون من أهل الجنة، دي ميتة مبطونة وربنا يحتسبها من الشهداء إن شاء الله." جمال: "يا رب يا نعمان، ربنا يرحمك يا حنان ويجعل تعبك في ميزان حسناتك ويجعلك من أهل الجنة يا رب." نعمان: "البنت قلقانة عليها جوين." جمال: "متجلجش عليها يا جمال، بتك مع رحمة وحفصة، اطمن عليها." جمال: "يا حبايبي يا ولادي، اتحرمتوا من أمكم، ربنا يعوضكم خير يا رب." في بيت نعمان:
"عشان خاطر أمك الله يرحمها، لازم تاكلي يا حبيبتي، انتي مأكلتيش حاجة من الصبح." ضحى: "مش عاوزة آكل حاجة، أنا عاوزة أمي." حفصة والدموع تهبط من عينيها حزناً على حالتها: "حرام عليكي كده يا ضحى، انتي كده بتعذبيها يا بتي، ادعيلها يا ضحى ربنا يرحمها ويغفر لها، هي اتعذبت وربنا رحمها." ضحى: "لا، أنا عايزة أمي، أنا لسه مشبعتش منها." كانت تبكي بكاءً شديداً، جعلت حفصة ورحمة يبكيان بشدة على حالها.
بعد انتهاء العزاء، يصر جمال على أن يأخذ ابنته، ولم تكن حفصة قد ذهبت للعزاء، التقى بها فور دخوله البيت: "شد حيلك يا جمال، البقاء لله، ربنا يرحمها ويغفر لها." جمال: "البقاء لله وحده. حفصة الله يخليكي عايز ضحى." زينب: "خليها هنا يا جمال معانا، لو روحت معاك ولقت مكان أمها فاضي حتنهار منك ومحتعرفش تتصرف معاها." جمال:
"معلش يا أم عامر، إني عايز أنام في حضن ولادي، معاوزش أبعدهم عني، هما محتاجينني دلوقتي وأنا محتاج لهم، محتاجين نقوي بعض بنفسنا." نعمان: "اطلعي يا حفصة، نادي على ضحى خليها تروح مع أبوها." حفصة: "حاضر." تطلع وتلاقيها نايمة وضامة رجليها لصدرها وحاضنة نفسها ودموعها مغرقة المخدة، منظرها يقطع القلب، صعبت عليها تصحيها وتقلقها. نزلت وقالتلهم: "استأذن جمال أنه يطلع يطمن عليها بنفسه."
دخل الأوضة ولقاها فعلاً نايمة، باسها من شعرها وراسها وطبطب عليها ومسح دموع عينيه، ووجه كلامه لحفصة بصوته المبحوح من البكاء على زوجته وأم أبنائه: "تعبتك معانا يا حفصة." حفصة: "متجوليش كده يا عامر، إحنا أهل، واطمن على ضحى، هيا في عيني." ينزل جمال ويأخذ ابنه ويمشي، أما حفصة تأخذ ضحى في حضنها وتفضل جنبها طول الليل، وكل ما تحسها بتتنفض أو خايفة تطمنها بوجودها معاها وجمبها.
تمر الأيام وضحى مكنتش بترضى تخرج ولا تروح دروسها ولا مدرستها، وكانت حابسة نفسها طول الوقت وتعيط على أمها. لكن جمال مكنش بيسيبها، كان عاوز يعمل أي حاجة تخرجها من الحالة دي، بدأ يخرجها لأي مكان، وواحدة واحدة بدأت تزور أخوالها وصاحباتها ورجعت لدروسها، والمدرسين كانوا محتويينها جداً.
لحد ما في يوم كانت مع جمال وقابلهم نعمان وصمم إنهم يروحوا معاه يتغدوا، وقعدت مع رحمة وعتاب، ومن وقتها تقريباً بقت بتروح كتير بيت نعمان، بقت بتحب أوي تقعد مع رحمة وحفصة وزينب وعتاب، وكانت بتلعب مع بدر وآدم، وكل ما تفتكر أمها وتعيط كانوا بيحاولوا يهدوها، وكانت رحمة بتقعد معاها وتفضل تحكيلها على مغامراتها مع الدكاترة وضحى تضحك.
برغم إن قبل وفاة أمها مكنش ليها علاقة بيهم نهائي ولا تعرف حاجة عنهم، لكن دلوقتي بقوا شيء مهم جداً في حياتها، بقت بتدخل بيتهم وكأنها عايشة فيه عمرها كله، حتى عرفت حسني وأخدت عليه هو وسكرة، وكانت بتشيل نعمان وتلعب معاه.
هي كانت بنت طيبة وجميلة وهادية زي أمها ما كانت طيبة وعمرها ما عملت مشاكل مع جمال ولا زعلته، وده اللي واجعه أوي إنها بجد كانت أطيب حد في الدنيا، حد مبقاش موجود زيه دلوقتي. عيبها الوحيد إنها مكنش ليها في حوار العشق والغرام، كان كل اهتمامها بالأكل والشرب وتربية الولاد، ويمكن ده الشيء اللي كان جمال مفتقده في علاقته معاها.
أما في بيت نعمان، فهما فعلاً قدروا يحتووها ويحسوها بحبهم ليها، أما جمال كان بيحاول على قد ما يقدر يعوضهم غياب أمهم، ولو إن مفيش حد في الدنيا ممكن يعوض الأم. كان بيقعد مع ابنه يتكلم معاه وياخده في حضنه، وضحى كان حبه ليها فوق الوصف، كانت بتوحشه أوي لما تروح بيت نعمان، لكن هو مكنش بيقدر يقوللها متروحيش، حاسس بيها وبوحدتها بعد موت أمها. تجلس أمام العمليات وهي تبكي بشدة.
"في إيه بس يا بنتي، دلوقتي حتخرج إن شاء الله بألف سلامة، عاملالنا ليه المناحة دي؟ يخرب بيت فقرك ده، انتي فقيرة، معندكيش وسط، يا تضحكي يا تعيطيشي." شيماء: "قلقانة عليها يا نديم، قدر مشاعري، شغف مش أختي دي بنتي يا نديم، لو حصل لها حاجة أنا أعمل إيه؟ أنا مقدرش أعيش من غيرها." نديم: "يا لهوي انتي ناويه تجلطيني، أقسم بالله حرام عليكي يا أمي. دي لوز ولحمية يا ماما (بصوت محمد صبحي في مسرحية تخاريف)
، ليه الفال المنيل ده يا أختي، ده الدكتور طلع بنفسه وطمنك يا حبيلتي، يبقى لازمته إيه القلق ده كله، فهمنيشي." شيماء: "عملية ولا مش عملية، دي واخده بنج كلي يا قلب أخته." نديم: "لا عملية ونص كمان." شيماء: "بقى كده يا نديم، بتتريق علية؟ نديم وهو بيطبطب على إيدها: "روقي يا شيمو، أنا بهزر معاكي عشان تهدي، أنا كمان قلقان عليها والله وإن شاء الله حتخرج لنا بالسلامة." فجأة غير نبرة صوته وزعق:
"وبعدين مش انتي اللي أصرتي تعملها؟ شيماء: "أعمل إيه بس يا نديم، مش كنت شايف حالتها عاملة إزاي، كل يوم بتعبانة وسخنة ومبتأكلش، وكل زمايلي قالولي لو عملتها حتفوق وتبقى كويسة، عشان كده قلت أعملها، بس خايفة عليها أوي." نديم: "متخافيش يا شيماء، إن شاء الله حتقوم بالسلامة، حتبقى زي الفل." بعد مرور بعض الوقت، في إحدى الغرف بالمستشفى. "أبوس إيدها وراسها: حبيبة قلبي يا شوشو، سلامتك يا قلبي من جوة."
الدكتور ييجي يطمن عليها، والدكتور كان عارف إنها أختها، ويدخل وعينه عليها وكلامه كله معاها، وما كانش معبر نديم. "العسل، حتبقي كويسة إن شاء الله، اطمني يا آنسة شيماء، ليه بس الدموع دي دلوقتي؟ ونديم بيبصله بغيظ لأنه مكنش بيوجه له أي كلام نهائي، وطلب منها إنها تجيبها وتجيله بعد يومين، وقال لها لو في أي حاجة بلغيني وأجي لحد عندكم. ويرجع يبص على شغف: "يالهوي عالسكر يا ناس، حد يبقى تعبان وقمر كده؟ شيماء: "هههههه." الدكتور:
"متنسيش بقى لو في حاجة كلميني على طول." شيماء: "ميرسي لحضرتك يا دكتور، مش عاوزة أتعبك معانا." الدكتور: "تعبك راحة." يكتب الروشتة وييجي يديها لشيماء، يروح نديم واخدها من إيده: "شكراً يا دكتور، تعبناك معانا." يخرج الدكتور ونديم يقلد شيماء وهي بتضحك: "اهئ، اهئ." شيماء: "مالك يا نديم، في إيه؟ نديم: "انتي اللي مالك، مانتي من ساعة كنتي عاملة تعيطي وفتحة لي مندبة، ولا أنا ليه العياط والدكتور ليه الضحك؟
وعمال يضحك وفرحان بشبابه، شكله غاسل سنانه." شيماء: "هههههههه ههههههه، مالك يا نديم؟ مش بجامل الدكتور الله." نديم: "طب ابقي اضحكي مع حد تاني عشان اكسر لك بؤقك وأخزئ لك عينيكي." قلبها طبعاً كان بيرفرف من السعادة وهي حاسة بغيرته عليه. بعديها بحوالي تلت ساعات، بيدخل الدكتور النبطشي عشان يكتب لها على خروجها، وده مكنش يعرف أي حاجة عنهم. "الحمد لله على السلامة يا قمورة." "العسل، اسمها إيه؟ "شغف." "مش قادرة ترد."
نديم يمسك إيد شيماء ويرجعها لورا ويقف جنبه هو وكأنه بيحذرها لو فتحت بؤها. "شغف يا دكتور." الدكتور: "شغف، الله! ده اسم حلو أوي، أول مرة أسمعه، تصدقي إنه عجبني أوي. تعرفي يا شغف إن أنا حيجيلي بيبي بنت قريب وحسميها إن شاء الله شغف على اسمك عشان تطلع أمورة زيك." نديم: "شكراً يا دكتور." الدكتور: "واضح إنها أول بيبي ليكم، هو دايماً البيبي الأول كده بياخد القلب والعقل، بعد كده بيجيلكم مناعة." نديم وشيماء: "هههههه." الدكتور:
"ربنا يخليكم لبعض ويخليها لكم." نديم وشيماء يبصوا لبعض ويبتسموا. الدكتور: "أهم حاجة دلوقتي لازم نحاول معاها بالأكل الساقع زي الآيس كريم والكاسترد والجيلي لحد ما تبدأ تتقبل الأكل." بعد مرور حوالي ساعتين، يدخل معاها الشقة، ودي كانت أول مرة يدخل الشقة عندهم. دخلها ونيمها على السرير وباسها: "شيماء، أنا هفضل صاحي لو حصل أي حاجة تكلميني." شيماء: "بس انت محتاج ترتاح يا نديم." نديم: "راحتي إني أطمن على شغف." وييجي يمشي.
شيماء: "نديم." نديم: "أيوة يا شيمو." شيماء: "مش عارفة أقولك إيه ولا أشكرك إزاي على اللي بتعمله معانا." نديم: "بصي، مش هرد عليكي عشان انتي أصلاً هبلة." شيماء: "ربنا يخليك لينا يا نديم." نديم: "ربنا يخليكم انتوا ليا. تصبحي على خير يا شيماء." شيماء: "وانت من أهل الخير يا رب." يدخل شقته ويغير هدومه ويفتح موبايله اللي مسمعوش يرن، لكنه اتفاجئ إن فيه رنات كتير من باباه، فيرن عليه: "معلش والله يا بابا، مسمعتش التليفون."
مجدي: "حرام عليك يا نديم، قلقتني عليك يا بني. اتصلت عليك كتير وانت مبتردش." نديم: "معلش والله يا بابا، كنت مشغول، حقك عليا." مجدي: "وإيه اللي شاغلك يا سيادة الرائد؟ نديم: "شغف كانت بتعمل اللوز واللحمية، وأنا طبعاً كنت معاهم، ولسه راجعين حالا." مجدي: "وهي عاملة إيه دلوقتي؟ طمني عليها." نديم: "الحمد لله والله بخير يا بابا." مجدي: "وشيماء عاملة إيه؟ نديم: "هههههههه كويسة، اطمن." مجدي: "طب ممكن أفهم بتضحك على إيه؟
هو أنا قلت حاجة تضحك؟ نديم: "عشان عارف المغزى من سؤالك يا نمس." مجدي: "ولد احترم نفسك." نديم: "حاضر يا باشا." مجدي: "طب قول بقى وخلصني، الدنيا عندك وصلت لفين؟ نديم: "والله ما عارف." مجدي: "ولد متجننيش، بتحبها ولا لأ؟ نديم: "بصراحة لسه مش عارف أحدد مشاعري ناحيتها بالظبط، هي كل حاجة فيها حلوة، عارف يا بابا لو قعدت معاها أقسم بالله حتموت من كتر الضحك، وممكن بردو تموت من كتر العياط." مجدي:
"أحب أوي أنا النوع ده. طب إيه ناوي على إيه؟ ريحني بقى." نديم: "مش عارف يا بابا. أوعى تكون قلت لماما حاجة؟ مجدي: "عيب عليك، ده أنا ستر وغطا عليك." نديم: "ههههه عارف يا بابا، نفسي مثلاً فحاجة تحصل تخليني أثق في مشاعري ناحيتها بشكل قاطع." مجدي: "يعني كل ده ولسه موثقتش في مشاعرك بشكل قاطع؟ انت ناوي تشلني يا نديم؟ نديم: "خايف يحصل معايا نفس اللي حصل قبل كده." مجدي: "خلاص ابعد عنها شوية واتأكد بقى براحتك." نديم:
"ابعد فين يا بابا؟ مجدي: "أه، هو أنا مقلتلكش؟ مش حضرتك حتاخد أسبوع إجازة وتيجي عندنا عشان فرح أختك الأسبوع اللي بعد الجاي، ولازم تحضر معانا كل حاجة." نديم: "بابا حضرتك بتهزر مش كده؟ معقولة حددتوا الفرح بسرعة كده؟ مجدي: "كل حاجة جاهزة، والولاد عاوزين يتجوزوا. عقبالك يا حبيبي يا رب."
بعد مرور يومين، يقدم نديم على الإجازة ويطمئن على صحة شغف، وهو وشيماء كان باين عليهم الضيق إنهم حيبعدوا عن بعض. كان بيقول لباباه مش عارف يتأكد من حقيقة مشاعره، لكن في اللحظة دي وهو واقف بيودعهم اتأكد فعلاً إنه بيحبها ومش قادر يبعد عنها، شاف الدموع اللي بتحاول تداريها وكأنها خايفة إنها متشوفهوش تاني. طمنها نديم إنه كل شوية حيتصل يطمن عليهم، ووصاها تقفل عليها الباب كويس ومتنزلش بالليل لوحدها، وودعها وسافر.
بعد مرور بعض الوقت، بقى في القاهرة، وأول ما ندى فتحت له الباب، شالها وحضنها وقعدوا يبوسوا بعض، وسلم على مامته وباباه، وسأل عن غزل وعطر. بعد شوية كانوا نزلوا سلموا على عطر، وأول ما شاف غزل شالها وحضنها وقعد يبوس فيها، كانت وحشاه جداً وطلع لها كل الحاجات الحلوة اللي جابها لها. عطر: "ليه ده كله بس يا نديم؟ ده كتير أوي." نديم: "مفيش حاجة تكتر على غزل، حبيبة قلبي."
لأول مرة يحس إحساس غريب تجاه عطر، لأول مرة قلبه ميدكش جامد أول ما يشوفها، لأول مرة ميحسش ناحيتها باللهفة اللي كان بيحسها كل مرة وهو جاي في الطريق، إحساس مختلف. قعدوا على السفرة ياكلوا وهو كل شوية يسرح ويفتكر شيماء، مكنتش بتغيب عن باله لحظة، طول الوقت معاه، شاغلة كل تفكيره. كان كل ما يفتكر أي حاجة قالتها أو أي موقف عملته، يلاقي نفسه يضحك تلقائي.
وكل ما يختلي بنفسه شوية يكلمها على طول، وهي كانت بتبقى في منتهى السعادة أول ما بتسمع صوته، كانت بتحس إن الدنيا مش سايعاها من الفرحة وتفضل حاضنة التليفون مش عاوزة تسيبه. عطر كانت مع ندى في كل خطوة، بيفرشوا الشقة، وندى حتموت من الفرحة، وغزل بتجري وتلعب بينهم. أما نديم كان بيساعد يونس في أي حاجة محتاجها أو ناقصهم.
مشيرة كانت طبعاً علاقتها قوية جداً بناهد، ولازم كل يوم وهي رايحة تاخد غزل من المدرسة تشرب معاها فنجان القهوة. ناهد: "ألف مبروك يا حبيبتي، ربنا يهنيها يا رب." مشيرة: "حبيبة قلبي، ربنا يخليكي. متنسيش بقى بجد، لو مجيتيش هزعل منك." ناهد: "إن شاء الله حاجي، حشوف ظروف مراد إيه، وإن شاء الله نيجي نحضر فرح بنوتك يا حبيبتي."
تستيقظ من نومها وهي في قمة سعادتها، ولما لا، واليوم ستكون بين أحضان من تمنته طيلة العمر، من لم يعشق القلب سواه، ولم تر العين غيره، ولم يعرف طريقها غيره سبيلاً.
تأخذها أمها بين أحضانها وهي بتبكي من فرحتها بها، وتدعو لها الله أن يسعدها ويرزقها بالذرية الصالحة. ووالدها لم يكن بأقل من أمها، ظل يبكي على فراق ابنته قرة عينه التي لم تخرج من بين أحضانه طيلة عمرها، وها قد حان الوقت لتنتقل إلى بيت زوجها وتبدأ في تأسيس حياة جديدة. أما نديم، فاخذ يقبلها وهو يتمنى لها السعادة. ذهبت معها عطر وغزل وصفا إلى البيوتي سنتر.
كانت صفا طيلة الوقت عينها على نديم، لم تخفضها دقيقة واحدة، نعم إنها تحبه منذ نعومة أظافرها، ولكن قلبه لم يتحرك لها يوماً، رأى نظراتها له، ولكن حاول تجاهلها، فقلبه ليس بيدهم. مر اليوم وجاء وقت الاحتفال بالعروسين في قاعة كبيرة من أكبر قاعات الاحتفالات، كان الكل سعيد، الجميع يتراقصون ويغنون، لم يجلس يونس وندى دقيقة واحدة من شدة فرحتهما، جلسوا فقط وقت عقد القران، وبعدها أكملوا ليلتهم.
يخرج نديم من بينهم ليحدث شيماء، فكم قد اشتاق إليها. خرج بالخارج واتصل عليها، فأجابته سريعاً وكأنما تنتظر مكالمته. "طمنيني عليكي، عاملة إيه؟ شيماء: "الحمد لله يا نديم، ألف ألف مبروك، كان نفسي أكون موجودة وأبارك لها بنفسي." نديم: "والله أنا لو عليا كان نفسي أوي تكوني موجودة معانا." شيماء: "بجد يا نديم؟ نديم: "بجد طبعاً. قوليلي بقى، مفتقدة وجودي ولا عادي؟ شيماء:
"صدقني لو قلتلك إني من غير وجودك جنبي حاسة باليتم، حاسة حاسة إني يتيمة يا نديم." نديم: "يتيمة؟ شيماء: "نديم، انت بقيت ليه كل حاجة؟
أماني وسندي والحمى اللي بحتمي فيه. لو قلت لك إني طول الوقت خايفة مش حتصدقني. عارف يا نديم برغم إن كل واحد فينا عايش في شقة، إلا إني كنت ببقى مطمنة أوي وأنت جنبي، بحس إني لو خبطت على الحيطة حتسمعني. وجودك في نفس المكان كان معيشني في راحة مش طبيعية، لكن دلوقتي مهما قفلت الترابيس ومهما طمنت نفسي بحس بردو بالخوف والقلق." نديم: "شيماء أنا... شيماء: "انت إيه يا نديم؟
نديم وقتها كان نفسه يقولها إنه بيحبها وبيموت فيها، وإحساسها اللي هي حاساه بيه مش أقل من إحساسه بيها، لكنه قرر يعترف لها بحبه وهي أدامه عينها في عينيه، عاوز يسمع دقات قلبها ويحس بنفسه. نديم: "أنا خلاص يا ستي راجع كمان يومين إن شاء الله، وحكون جنبك من تاني."
وقتها شيماء حست بخيبة أمل، كان نفسها أوي يعترف لها بحبه ليها، وبعد ما قفلت معاه، أنبت نفسها من الكلام اللي قالته له، خافت إنه ميكونش بيبادلها نفس مشاعرها ويكون حبها ليه من طرف واحد. دي أول مرة تحب في حياتها، أول مرة تدوق معنى الحب وتعرف معناه، قامت تتوضأ وتصلي وتدعي ربنا بكل اللي نفسها فيه. يدخل القاعة، ووقتها كان كل كابلز بدأ يطلع للاستيدج عشان يرقصوا.
وطلبت مشيرة من نديم ياخد صفا ويرقص معاها، لكنه طبعاً رفض، لأن لو عمل حاجة زي دي حتكون دعوة صريحة منه لخطبتها. يونس وندى بيرقصوا وحواليهم مجموعة من الأهل والأصدقاء. يونس: "تعرفي نفسي في إيه دلوقتي؟ ندى: "عارفة." يونس: "طب قول." ندى: "نفسك تخطفني من وسط كل دول ونطلع على شهر عسلنا؟ يونس: "صح الصح يا روحي، بصراحة بقى مش قادر أستحمل أكتر من كده." ندى: "ياااه بقى انت اللي مش قادر تستحمل؟ أمال أنا أعمل إيه؟
ده أنا اللي استحملت كتير أوي عرسان كتير يتقدموا وأرفضهم، وكل يوم أحلم بأنك معايا وجمبي. لو في حد فينا المفروض يكون مش مستحمل يبقى أنا، مش انت يا بشمهندس." يونس: "هههههه حبيبة قلبي يا ندى، أنا قلت لك قبل كده وجهة نظري، لكن دلوقتي خلاص، انتي روحي وعمري اللي جاي اللي نفسي أعيشه وانتِ في حضني." ندى: "إن شاء الله يا حبيبي، حنعيش أجمل أيام حياتنا."
عطر كانت بتتأملهم وافتكرت ليلة فرحها على يحي، ابتسمت على مواقفه معاها، وفي نفس الوقت بكت ومسحت دموعها من تحت نقابها. نديم بيتخيل نفسه مع شيماء والكل حواليهم. أما صفا، فكانت بتبص ناحيته وقلبها بيرفرف من حبها ليه، لكن هي للأسف مش في باله نهائي. انتهى الحفل، ونديم وعطر وصلوا ندى ويونس المطار عشان يسافروا لشهر العسل. وراجعين في الطريق، كانت غزل نامت ونديم شالها ونيمها على الكرسي اللي ورا، وعطر قعدت جنبه.
"عقبال ما نفرح بيك إن شاء الله يا نديم." نديم: "إن شاء الله يا عطر قريب إن شاء الله." عطر بفرحة: "بجد بجد يا نديم؟ نديم: "ههههه أيوة والله، بس انتي قولي يارب. بصي، عاوزك تدعيلي من قلبك." عطر: "بدعيلك والله يا نديم، ده انت أخويا يا نديم، اللي نفسي أفرح بيه." نديم: "على فكرة هي بقت عارفالك من كلامي عنك انتي وغزل، روح قلبي." عطر:
"لأ بقى، مانت ترميش الكلام وتسيبني كده، اتفضل الأول احكيلي، حد نعرفه هنا في القاهرة ولا في إسكندرية؟ حد من قرايبكم ولا من معارف صحابك؟ نديم: "هههههه هههههه، يا بنتي اديني فرصة أتكلم طيب، بس توعديني متقوليش لحد." عطر: "هو مفيش حد يعرف؟ نديم: "الصراحة بابا بس." عطر: "وليه تمنع خير زي ده عن ماما؟ دي نفسها أوي تفرح بيك يا نديم." نديم: "عارف يا عطر، بس الصراحة أنا عاوز أسمعها منها هي الأول، وبعد كده حقول للدنيا كلها."
عطر: "إيه ده؟ هو انت مش متأكد من مشاعرها ناحيتك؟ نديم: "بصي، أنا ححكيلك وانتِ احكمي." يحكي نديم لعطر كل حاجة من يوم ما شافها في القسم لحد اللحظة دي. عطر: "هههههه هههههه، طب والله عسل. عارف كلامك عنها فكرني بمين؟ نديم: "بمين يا ترى؟ عطر: "برحمة بنت عمي، نفس مواقفها العسل دي." نديم: "تفتكري تكون بتحبني يا عطر؟ عطر: "لأ، الصراحة واضح جداً من كلامك إنها مبتحبكش خالص." نديم: "انت متأكد إنك ظابط؟ فين يا بني ذكاءك؟ الله!
دي مش بتحبك دي بتموت فيك. يا لهوي عليك يا نديم، حرام عليك دي البنت دايبة فيك. بالله عليك يا نديم متوجعش قلبها أكتر من كده، فرح قلبها بحبك ليها." نديم: "أول ما أرجع إن شاء الله، حصارحها بكل اللي جوايا." عطر: "ربنا يفرح قلوبنا بيكم يا رب." نديم: "ويطمن قلبك يا عطر يا رب." يقف نديم في الإشارة، وعطر ترجع ضهرها لورا وتغمض عينيها ثواني وتفتحها وتبص للعربية اللي جنبها، وفجأة تتعدل وتبص أوي للي قاعدين فيها. أيوة، هو يحي!
مش معقولة عيني تخدعني، هو هو يحي. وعينيها تروح للي قاعدة جمبه وهي بتتكلم معاه وهو بيرد عليها وبيضحكوا سوا، حتى صوت ضحكهم كان واصل للعربية. دموع بتنزل من عينيها بغزارة، مش قادرة تستوعب، معقولة؟ معقولة يحي جنبها؟ معقولة مش فاصل بينهم شيء؟ كان نفسها تصرخ بأعلى صوتها وتنادي عليه، كان نفسها تفتح باب العربية
وتنزل بسرعة وتقول له: "أنا أهو، أنا مراتك اللي انت سبتها ونسيتها وعشت حياتك، أنا عطر يا يحي، يا ترى لسه فاكرني ولا نسيت خلاص؟ واللي في العربية دي بنتك؟ بنتك يا يحي؟ أفكار كتير جت في بالها لحد ما الإشارة فتحت وكل عربية مشيت في طريقها. نديم: "الله مالك يا عطر؟ عطر: "مفيش، مفيش يا نديم." نديم: "مفيش إزاي يا عطى؟ صوتك زي ما تكوني بتعيطي." عطر:
"يا ريت زي ما فتحتلك قلبي بكل اللي فيه، ياريت تفتح لي قلبك ده لو كنتي بتعتبريني أخوكي زي ما بتقول." عطر تحكي لنديم من وقت ما عرفت حقيقة يحي لحد دلوقتي، لما شافته وجنبه واحدة وبيتكلموا سوا. نديم: "مش معقولة، انتي بتقولي إيه يا عطر؟ معقولة دي؟ يعني انتي عاوزة تقولي إن كيان عز الدين الممثل هو جوزك؟ جوزك وأبو غزل؟ إزاي متقوليش حاجة زي دي؟ إزاي وليه تخبي علينا كلنا؟ يعني محدش يعرف غير ندى بس؟ ليه كده يا عطر؟
ده بينا وبينك خطوة، ده أنا ممكن أوصلك بيه وتقوليله كل اللي نفسك فيه وتطلعي اللي جواكي بقاله سنين، لكن تسكتي بالشكل ده ليه؟ ليه؟ لأ يا عطر، اسمحي لي كده غلط، تقدري تقوليلي حتفضل حياتك كده لحد إمتى؟ حتفضلي متابعاه من ورا الستار لحد إمتى وهو مش حاسس بوجودك أصلاً؟
اسمحي لي يا عطر لو قلت لك متزعليش لو هو ارتبط بحد غيرك، حتى لو كنتي ظلمتيه وكان بيحبك، مفيش ست تبعد عن جوزها المدة دي كلها وتزعل إنه عرف غيرها ونسيها. طبيعة الراجل غير الست يا عطر، وهو من حقه تكون في حياته واحدة تشجعه وتدعمه وتشاركه نجاحه، وهو كمان عايش وسط مجتمع فيه كل اللي ممكن يحتاجه أي راجل في الدنيا." عطر: "أنا مش عارفة يا نديم، أنا حاسة إني متلخبطة، مش عارفة أعمل إيه يا نديم."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!