تحميل رواية «زاد العمر وزواده» PDF
بقلم رضوى جاويش
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تنبه لحفيف الأقدام القادم من ناحية الدرج، فألتفت نحوه مدركاً من يكون صاحبه قبل أن تطالعه صورته. ومن يمكن أن يكون مستيقظاً في مثل هذه الساعة قبيل الفجر بدقائق معدودة إلا هو؟ عاصم حفيده الذي تجهز ليندفع نحو المسجد ليؤذن لصلاة الفجر كعادته منذ أن كان طفلاً يرافق أباه مهران، الذي سلم له المهمة ما أن أشتد عوده. تنبه عاصم الحفيد لموضع جده داخل حجرة المكتب، فدلف إليها والابتسامة ترتسم على وجهه هاتفا: "أنت صحيت يا چدي!" وانحنى طابعاً قبلة حانية على جبين جده مستطرداً: "صباح الخير." أكد عاصم في بشاشة: "صب...
رواية زاد العمر وزواده الفصل الأول 1 - بقلم رضوى جاويش
تنبه لحفيف الأقدام القادم من ناحية الدرج، فألتفت نحوه مدركاً من يكون صاحبه قبل أن تطالعه صورته. ومن يمكن أن يكون مستيقظاً في مثل هذه الساعة قبيل الفجر بدقائق معدودة إلا هو؟ عاصم حفيده الذي تجهز ليندفع نحو المسجد ليؤذن لصلاة الفجر كعادته منذ أن كان طفلاً يرافق أباه مهران، الذي سلم له المهمة ما أن أشتد عوده.
تنبه عاصم الحفيد لموضع جده داخل حجرة المكتب، فدلف إليها والابتسامة ترتسم على وجهه هاتفا:
"أنت صحيت يا چدي!"
وانحنى طابعاً قبلة حانية على جبين جده مستطرداً:
"صباح الخير."
أكد عاصم في بشاشة:
"صباح السعادة يا باشمهندس. إيه.. صلاة الفچر وچبت؟"
أكد عاصم الحفيد:
"أه يا جدي.. يا دوب ألحج."
دفعه عاصم برفق مؤكداً:
"طب ياللاه روح شوف حالك.. وهستناك نفطروا سوى."
اندفع عاصم الحفيد لخارج الغرفة متجهاً لخارج السراي، لتدخل زهرة الحجرة فور خروجه منها متجهة نحو زوجها هاتفة:
"صباح الخير يا عاصم.. خدت الدوا اللي بيتاخد ع الريق!؟"
هتف عاصم ممتعصاً:
"ما جلنا مش واخد أدوية أني!؟.. بلا دوا بلا يحزنون.. أني شديد ومش محتاچ علاچ."
هتفت زهرة مؤنبة:
"يا عاصم هاتتعب.. لما بطلته من فترة تعبت وكانت حكاية.. أنا رايحة اجيبهولك."
هتف عاصم مازحاً:
"يا شيخة.. لا تروحي ولا تاچي.. تعالي بس جربي كده وأني أجولك فين الوچع وطيبيه أنتِ بمعرفتك."
قهقهت زهرة مؤكدة:
"برضو هتاخد الدوا."
دخل مهران متنحنحاً، وقد هل صوت عاصم الحفيد من خلف أسوار السراي مؤذناً لصلاة الفجر، ليهتف مهران مبتسماً:
"صباح الخير عليكم.. إيه عاركة كل نهار بتاعت الدوا؟"
هزت زهرة رأسها إيجاباً، بينما قطب عاصم حاجبيه مؤكداً:
"موخدش أني أدوية ولا هم."
هتفت زهرة متعجبة:
"اللاه.. مش كنت هتخده واتفقنا خلاص؟"
هتف عاصم:
"لااه متفجناش.. عايز بيض بالسمن البلدي وجشطة بالعسل الأبيض ع الفطور."
قهقه مهران ولم يعقب على طلبات المساومة التي يفندها عاصم، واندفع ليلحق بصلاة الفجر. بينما هتفت زهرة مدعية الضيق:
"إيه ده يا عاصم! ده فطور عريس ليلة صبحيته."
هتف عاصم مؤكداً في مجون:
"وأني كنت باكل كده وأني عريس!؟.. كنك نسيتي."
قهقهت زهرة تاركة إياه، تسير الهوينى مبتعدة نحو حجرتهما بالطابق الأرضي لتحضر له الدواء ولتعطي الأوامر للخدم لتجهيز الإفطار.
وضعت الأطباق على مائدة الإفطار في آخر جولة لها قادمة من المطبخ، وتنهدت بعد أن ألقت نظرة استحسان على المائدة العامرة، قبل أن تخطو لداخل الردهة تطرق الباب على خالها وزوجه هاتفة:
"الفطار جهز يا خالي.. ياللاه يا أما نعمة.. قوموا على بال ما أنادي على ناصر والعيال."
هتفت نعمة من الداخل:
"حاضر يا شوشو قايمين."
اندفعت شيماء باتجاه الدرج صاعدة لشقتها، متجهة نحو حجرة ولدها نادر طارقة الباب في سرعة:
"ياللاه يا باشمهندس.. كده هتتأخر على الجامعة."
لم يحر نادر جواباً إلا همهمة كسولة وصلتها من خلف الباب، لتندفع لحجرة ابنتها دافعة الباب لتدخل هاتفة بها:
"ياللاه يا نعمة.. قومي أعملي لك همة.. عندك جامعة ولا إيه النهاردة!؟"
هتفت نعمة مؤكدة في تكاسل:
"أه يا ماما.. كمان ساعتين.. بس كنتي سبتيني أنام شوية."
هتفت شوشو في حنق:
"تنامي! .. بدل ما تقومي تساعديني في حطة الفطار!؟.. عوض عليا عوض الصابرين يا رب."
واستطردت وهي تندفع خارج الغرفة في اتجاه غرفتها:
"ياللاه بلاش دلع.. انزلي حطي براد الشاي عند ستك تحت.. عقبال ما أصحي أبوكِ."
ما أن همت شيماء بدخول حجرتها حتى طالعها محيا نادر ولدها خارجاً من حجرته في اتجاه الحمام يتثاءب، ملقياً التحية:
"صباح الخير على أجدع شوشو."
هتفت شوشو في محبة:
"صباح الخير يا حبيبي.. ياللاه أسرع ع الحمام عشان أبوك هيصحى وهتعملوا عليه خناقة كل يوم."
ابتسم نادر مؤكداً:
"حاضر فوريرة."
هتفت شوشو:
"أهو أنا مبقلقش إلا من فوريرة دي.. فيها خمس أشهر في الحمام."
قهقه نادر:
"لا والله هنجز عشان عندي أول محاضرة النهاردة.. متعطلنيش بقى يا شوشو.. وروحي صحي أبو النصر."
وقال كلمته الأخيرة في نبرة رفيعة مقلداً إياها، ما دفعها لتجذب إحدى المناشف من المشجب المخصص لها على الحائط المقابل، ملقية إياها عليه ليتلقفها مقهقها قبل أن يندفع لداخل الحمام. لتبتسم بدورها قبل أن تفتح باب حجرتها برفق، متسلسلة نحو فراشها تنحني نحو ناصر هامسة بجوار مسامعه:
"ناصر.. الفطار زمانه برد تحت يا بوالنصر.. قوم بقى."
همهم ناصر متعلقاً بكفها التي كانت تداعب خده في شقاوة، هامساً بصوته الأجش مازحاً:
"أنتِ أد الحركة دي!؟"
اتسعت ابتسامتها وهمست متحدية بنبرة مشاكسة:
"أه قدها ونص كمان."
هتف ناصر مؤكداً في مزاح:
"أنا بقى مش قدها والنعمة.. عشان كده لازم أقوم حالااااا."
قهقهت شوشو هاتفة:
"أيوه كده.. هو لازم تخافوا يعني.. رجالة متجيش إلا بالعين الحمرا."
تطلع ناصر إليها واتسعت ابتسامته، لكن ما أن سمع شدو قادم من الحمام حتى انقلبت سحنته هاتفا:
"هو المحروس ابنك لسه جوه فالحمام.. والله لأص.."
هتفت به شيماء:
"أهدى أهو خارج.. عليه أول محاضرة ومش هيتأخر."
ما أن نطقت كلماتها حتى انفرج باب الحمام محدثاً صريره المعتاد، منبئاً أن نادر قد غادره، ما جعل شوشو تتنفس الصعداء لأن المعركة اليومية بين زوجها وولدها البكر قد وضعت أوزارها قبل أن تبدأ من الأساس.
اندفع ناصر في اتجاه الحمام يسعل بصوته المعتاد في تلك الساعة من الصباح، ما ذكرها أيام أن كانت تلك الحمقاء التي تكره سماع صوت سعاله من خارج باب حجرتها، قبل أن تدرك ذاك الحب الكبير الذي يكنه لها والذي ما زال متأججاً بينهما حتى هذه اللحظة. ابتسمت للذكرى من جديد وهي تندفع للأسفل في انتظارهم من أجل إفطار جماعي لم ينقطع يوماً.
أخذ يقلب بين محتويات خزانة الملابس لعله يجد بغيته، لكنه لم يفلح في ذلك ولم يهتد إليها، ما دفعه ليصرخ هاتفا بأخيه الذي يغط في نومه:
"أنت يا بني آدم.. فين الچلابية الرمادي!؟ غورتها فين!؟"
همهم يونس من بين سباته:
"تلاجيها في الغسيل.. أني كنت لابسها إمبارح."
هتف راضي محتداً:
"اه.. حلو جوي.. وأني أتنيل ألبس إيه دلوجت!؟.. الدولاب فاضي.. ومفيش ولا چلبية مكوية."
فتح يونس إحدى عينيه هاتفا في مزاح:
"روح اتسحب على دولاب أبوك، واسحب لك واحدة ولا من شاف ولا من دري."
هتف راضي حانقاً:
"إيووه.. ولما يعرف.. أنت أول واحد هتجوله راضي.. ما حاكم أني عارفك.. تموت فالأذية."
قهقه يونس مؤكداً:
"أكدب يعني وأخش النار عشان خاطرك!؟"
هتف راضي حانقاً:
"لاه يا مؤمن.. أولع أني بچاز."
ودفع راضي بجسده داخل إحدى الجلاليب الموضوعة جانباً هاتفا في عجالة:
"آها أي حاچة وخلاص.. هروح ألحج لي لجمتين من الفطور، جبل ما الچيش اللي بره يخلص عليه."
قهقه يونس مؤكداً:
"إبجى جابلني."
خرج راضي مندفعاً نحو مائدة الطعام، وما أن هم بوضع كفه محاولاً الحصول على أي كسرة خبز يتناولها، إلا ووجد إخوته الصغار قد قضوا على الأخضر واليابس، ليهتف في حنق:
"إيه ده! فين الأكل!؟"
هتفت عائشة أمه في لامبالاة:
"بجالي ساعة بنادم عليكم وأجول الفطور.. أخواتك كلوا عشان يلحجوا مدارسهم.. أنت وأخوك عايزيني أدخل أحط لكم الأكل على سرايركم."
وتركته ومضت ترى ما عليها فعله. ليهمهم راضي في غيظ مندفعاً في اتجاه غرفته من جديد ودخل على يونس ممتعضاً، لترتفع قهقهات الأخير مؤكداً:
"أني مش جلت لك.. تعالى أجعد چار أخوك لحد ما نشوفوا لنا حد يعطف علينا ويعملنا لجمة فالبيت ده."
هتف راضي حانقاً:
"ما البركة فيك.. كان زماني لحجت لي لجمتين فول ولا بيضة حتى.. منه له."
قهقه يونس من جديد هاتفا:
"خلاص.. متزعلش كده.. جوم نغلس ع البت دعاء.. دي أكيد زمانها واجفة فالمطبخ تعمل لها طابونة عيش عشان تاخدها معاها الچامعة تشج بيها ريجها."
قهقه راضي مؤكداً:
"على جولك صح.. تعالى.. بس تفتكر هنطلعوا منها بأي مصلحة البت دي!؟.. ما أنت عارفها، تعز الأكل زي عينيها."
نهض يونس مندفعاً لخارج الغرفة وراضي يتبعه هاتفا:
"أهو نچرب."
تسلل كلاهما للمطبخ وتطلعا نحو أختهما دعاء وهي تتمايل بجسدها الممتلئ وكومة من الساندوتشات المعدة قبالتها وهي في سبيلها لصنع المزيد، تترنم بأغنية طفولية كانت قد حفظتها عن ظهر قلب من كثرة ما كانت ترافق إخوتها الصغار أمام قنواتهم على التلفاز.
سار نحوها راضي في تؤدة لتنفيذ الخطة التي اتفق عليها مع يونس هاتفا:
"صباح الخير يا دعاء.. أنتِ نازلة الچامعة النهاردة!؟"
أكدت متوجسة:
"إيوه.. إيه الچديد يعني!؟.. ما أني بنزل كل يوم."
كان راضي يحاول جذب انتباهها عن يونس الذي تسلل من خلفها وبدأ في سحب الأرغفة واحداً تلو الآخر.
ليهتف راضي الذي ما وجد ما يقوله فهتف في حماقة منهياً الحوار:
"طب ربنا معاكِ."
تنبهت في تلك اللحظة ويونس يجذب آخر الأرغفة لتصرخ هاتفة مستغيثة:
"يا مامااااا"
انتفض يونس يخرس فمها قبل أن تظهر أمه موبخة، فقد كانت دعاء عندها "فرخة بكشك" كما يقول المثل الشعبي. وما كان لأحد أن يغضبها أو يدوس لها على طرف.
هاتفا في رجاء:
"خلاص يا دعاء.. إلا أمك."
استكانت، فأزاح يونس كفه عن فمها. وربت راضي على صدره مستعطفاً لتنفجر ضاحكة مؤكدة:
"خلاص صعبتوا عليا."
وتطلعت نحوهما مستطردة:
"وعلى فكرة أنا عاملة حسابكم معايا فالأكل."
هتف راضي في امتنان:
"والنعمة أنت أچدع دعاء فالدنيا."
وبدأ في التهام أحد الأرغفة في جوع، ليقلده يونس مؤكداً وهو يبتلع قضمة بدوره:
"تسلم إيدك يا بت يا دعاء.. الساندويتشات تجولي حاطة فيهم سكر."
انتفخت أوداج دعاء في فخر مؤكدة:
"أوماااال.. لا هو أنا هاكل أي حاچة وخلاص.. عمايل أيديا وحياة عنايا."
كانت تصنع الشطائر في احترافية كبيرة فعلاً. كانت تحب الطعام وطرق إعداده. وذاك ما أورثها هذا الجسد الممتلئ الذي كان مأساتها منذ صغرها. لكنها ما كانت تقيم للأمر وزناً.
انساب ذاك اللحن الفرنسي الشجي عبر الغرفة في عذوبة، وأخذت سجود تكرر مع مغنيته كلماتها التي تصف لوعة العشق وناره. كانت تتطلع عبر النافذة لذاك الصباح الوليد وهي تجول بناظرها للأفق الذي تحتل صفحته أحلام يقظتها التي لا تفارق مخيلتها، تراها متمثلة في ذاك الفارس الذي يختطفها على صهوة جواده، ليرحل بها لعالم أبدي غارق في العشق.
تنهدت وهي تتخيل هذا الفارس القادم من هذا الأفق البعيد، متمثلاً في صورة سمير بن سهام عمتها. فارس وسيم، فارع الطول، خفيف الظل كما حلمت دوماً.
رفعت عقيرتها بالغناء من جديد، لتصرخ نوارة أختها ورفيقتها بالغرفة في غيظ، وهي تضع إحدى الوسائد على رأسها في حنق:
"حرام عليكِ يا بعيدة.. إجفلي المخروب ده، وإخرسي اللي جاعدة تنوح دي، عايزة أنااام."
هتفت سجود في اعتراض:
"مين دي اللي بتنوح!؟ دي من أچمل الأغاني الفرنسية في التاريخ يا چاهلة."
رفعت نوارة الوسادة عن رأسها، ملقية إياها في اتجاه سجود، هاتفة في حنق:
"سبنالك أنتِ العلم يا أستاذة.. روحي بجى وسبيني أنام."
هتفت سجود متسائلة:
"كلهم تحت.. مش هاتنزلي تفطري معانا؟"
أكدت وهي تجذب الغطاء على جسدها في عزم:
"لاااا.. لو حد سألك عليا جوليلهم نايمة.. أنا سهرانة طول الليل بذاكر."
هتفت سجود تشاكسها:
"حااضر.. من عنايا.. بتذاكر جال.. جولي جاعدة تشرحي فالخلج.. يا چزارة."
اندفعت سجود هاربة من الغرفة قبل أن تطالها إحدى وسائد أختها الطائرة. والتي دفنت نفسها بين الأغطية من جديد، فقد كان عليها الاجتهاد بالأشهر الأخيرة حتى تنهي فترة الامتياز لتخرج لحياتها العملية أخيراً. فها قد أوشكت رحلة الدراسة على الانتهاء، وهي لها.
علق سترة بدلته الميري على ظهر كرسي المائدة الذي دفعه ليجلس على رأسها، قبل أن تضع تسبيح أحد الأطباق أمامه لتجلس جواره هاتفة وهي تبدأ في صب كوب من الشاي لأجله:
"ها يا حازم.. على فين العزم المرة دي!؟"
ابتسم وهو يلقي إحدى اللقيمات بجوفه هاتفا في لامبالاة:
"والله ما عارف يا تسبيح.. أهو على حزب الريح ما تودي.. بس يا رب مكان ميبقاش بعيد.. لحسن العضمة كبرت."
ابتسمت بديلوماسية وهتفت بقلق:
"يا حازم بدور في نهائي هندسة.. السنة دي محتاجة تركيز.. مكنتش عايزة اشحططها.. خليها تخلص على خير."
هتف متعجباً:
"طب وهو ده بأيدي يا تسبيح!؟ اللي ربنا رايده يكون.. واهو الحمد لله السنة لسه فأولها.. يعني لو ربنا أراد ورحت مكان كويس، هتنقل كلية كويسة.. أهو قعدت سنوات الكلية كلها في جامعة المنصورة.. خليها تتخرج بقى من جامعة تانية.. وأهي خبرة."
تنهدت تسبيح هاتفة:
"أنا مش عارفة هجبهالها إزاي!؟ بص.. أنت اللي هتقول لها."
قهقه حازم هاتفا وهو يمد كفه ليتناول كوب الشاي مرتشفا بعضه:
"بقى تسليح بجلالة قدرها بتخاف م البت بدور دي!؟.. ياعيني ع الشديد لما تبهدله الأيام."
ابتسمت تسبيح مؤكدة:
"دي چباااارة.. والله ما عارفة دي طالعة لمين!؟"
تطلع إليها حازم في نظرة يملؤها الشك والتعجب، لتنفجر ضاحكة على تعبيرات وجهه هاتفة في مرح:
"خلاص.. عرفت.. يا ساتر."
هتف حازم مازحاً:
"أحب التصالح مع النفس."
همت تسبيح بالرد عليه، إلا أن هاتفه ارتفع رنينه، ما دفعه لينتفض مجيباً، مترقباً أخبار التنقلات. كانت تسبيح بدوره تكتم أنفاسها توتراً وهو يرد على محدثه بالطرف الآخر، وما أن أنهى مكالمته وهو يرد على مباركات الطرف الأخر، حتى انتفضت هاتفة في لهفة:
"هااا.. على فين!؟"
تنهد حازم في راحة هاتفا في سعادة:
"مديرية أمن القاهرة بإذن الله."
هللت تسبيح في راحة:
"الحمد لله.. ربنا يجعلها خير عليك وعلينا يا رب."
ربت حازم على كتفها ممتنا، وانحنى يقبل جبينها قبل أن يتناول سترته لارتدائها، مندفعاً للخارج حتى يجهز نفسه لتنفيذ النقل، تاركاً تسبيح تعد العدة للانتقال إلى القاهرة.
وقفت أمام مرآتها تعدل من هندامها وتضع آخر اللمسات على غطاء رأسها قبل أن تجيب نداء أمها للإفطار.
تطلعت بنظرة أخيرة لتلك البدلة العملية التي ترتدي ساترة ذاك الجسد الممشوق المفعم بالثقة، وانعكست نظراتها على زجاج المرآة لترى تلك المرأة التي حلمت أن تكون يوماً.. امرأة قادرة.. واثقة.. لا تهزها الخطوب.. امرأة عملية.. تقيم الأمور بمقياس المكسب والخسارة كما تعلمت في تخصص إدارة الأعمال الذي بدأت في تحضير أوراق دراستها العليا به.
تلك النظرة الجوفاء الباردة التي تحير من يتلقاها، والقادرة تماماً على إخفاء كل ما تحمله من مشاعر داخلية، تعلمت في السنوات الماضية كيفية اخفائها بمهارة كبيرة واحترافية عالية.
ابتسمت لصورتها في المرآة ابتسامة رضا، واندفعت لخارج الغرفة في اتجاه الدرج الذي ما أن همت بنزوله حتى تذكرت أنها لم تمر على حجرة جدها لتلق التحية كما اعتادت. فعادت أدراجها لتقف أمام باب الحجرة طارقة الباب برفق، دافعة إياه تطل منه برأسها لتتأكد أنه مستيقظاً في مثل هذه الساعة المبكرة من الصباح.
وجدته جالساً على كرسيه الذي لا يبرحه بالشرفة، يتطلع للبحر من موضعه مركزاً على نقطة بعيدة غارقاً في تيهه.
انحنت تقبل جبينه هاتفة في رقة:
"صباح الخير يا جدو."
تنبه زكريا متطلعاً إليها في شرود للحظة، قبل أن يبتسم مجيباً:
"صباح الفل يا فريدة يا حبيبتي.. أنتِ رايحة الكلية!؟"
ابتسمت نافية:
"لا يا جدو.. أنا رايحة مع بابا الشركة.. أنا اتخرجت السنة اللي فاتت يا زكريا بيه.. وبدرب مع بابا من ٣ سنين."
ابتسم زكريا، رابتاً على كفها المضمومة بحجرها في وداعة:
"ربنا يبارك فيكِ يا بتي."
نهضت فريدة مقبلة جبين جدها من جديد، تاركة الغرفة لتلتحق بأمها وأبيها على مائدة الإفطار.
ألقت التحية في هدوء، وجلست تعلم هدير أمها:
"جدي زكريا صحي يا ماما."
هتفت هدير مؤكدة:
"صحي بدري عن معاده، هاخد له الفطار."
هتف حمزة وهو يرتشف الجرعة الأخيرة من قهوته الصباحية:
"أنا طالع معاكِ أصبح عليه."
ووجه كلامه لفريدة مؤكداً:
"شدي حيلك يا فريدة.. أنزل من عند چدك تكوني فطرتي.. عندنا اچتماع مهم النهاردة مش عايزين نتأخر عليه."
هزت فريدة رأسها إيجاباً دون أن تنبس بحرف واحد. كانت تأكل بلا شهية من الأساس، فكل ما كان يشغلها اللحظة هو ذاك اللقاء المرتقب، والذي لم تعد له العدة كما يجب. تطلعت أمامها في تيه، وشردت في الماضي البعيد الذي يحمل لها ذكري غيرتها كلياً، جعلت منها امرأة أخرى غير تلك الساذجة التي كانت عليها يوماً ما. ذكرى ستظل كالندبة على جدار القلب لا تمحو. وحمدت الله أنها ستظل دوماً هناك، لتذكرها أن شؤون القلب ضعف، وأن الحب وتباريح الغرام ترهات مختلقة لا تليق بذي عقل.
تنبهت منتزعة من خيالاتها عندما هتف بها حمزة أمراً:
"ياللاه بينا."
نهضت تحمل حقيبتها تتبعه في خطوات رسمية ثابتة لامرأة تعرف أين يكون موضع خطوة قدمها القادمة.
أطلق ماهر وولده مؤمن التحية عند دخولهما الدار ليتنبه أهله. ابتسمت هداية وهي قادمة من المطبخ تحمل بعض أطباق الإفطار هاتفة في ترحاب:
"وعليكم السلام يا مشايخ.. إيه اتأخرتوا النهاردة!؟.. مش بعادة."
هتف ماهر متنهداً وهو يجلس لأحد مقاعد الدار:
"أبدا يا ستي.. الشيخ مؤمن صمم نجعد نجروا قرآن لحد الشروج.. هجول لاه.. رحت جاعد."
ابتسمت هداية في فخر لولدها هاتفة:
"يا رب دايماً من حملة كتاب الله.. عجبال اللي فبالي."
لم تنه كلماتها حتى هل عبدالله من داخل إحدى الحجرات متثائباً، وتوجه مباشرة نحو المائدة وبدأ في تناول الطعام بشهية كبيرة.
لتستطرد هداية في حنق:
"أهاااا.. چبنا فسيرة الجط چه ينط.. وشوف جايم ع الأكل طوالي، تجولوا كان صايم بجاله عشر سنين."
قهقه مؤمن على مظهر عبدالله أخيه الأصغر هاتفا:
"يا عم حتى قول سلام عليكم."
هتف عبدالله وفمه يملأه الطعام:
"وعليكم السلام يا شيخ.. تعالى كل لك لجمة."
هتف ماهر ساخراً:
"ده بيعزم علينا ما شاء الله.. ده أنت تتحسد والله."
هتفت هداية ساخرة بدورها:
"على جولك يا حاچ.. ده إلا الأكل.. عشجه ومذهبه."
تطلع إليهم عبدالله في لامبالاة، فقد اعتاد هذا الحديث كل صباح، معاوداً التهام الطعام وكأن هذا الحديث لا يعنيه من أساسه، بل أنه أشار لمؤمن هاتفا في رجاء:
"وحياة أبوك يا شبح مؤمن ناولني طبج الفول اللي جدامك ده."
اتسعت ابتسامة مؤمن وهو يناوله الطبق وهتف متعجباً:
"أنا بس عندي سؤال واحد محيرني.. أنت بتودي الأكل ده كله فين!؟"
هتف ماهر وهو يأخذ موضعه على المائدة:
"اه والله.. ده يحمد ربنا إنه بالاكل ده كله وشكله زي اللي جاي من مچاعة على هنا عدل."
ارتفعت ضحكات هداية مؤكدة:
"الوُاد ده فبطنه دود بياكل أكله."
أكد ماهر ضاحكاً:
"جولي كام حنش كده.. جال دود جال."
قهقه عبدالله نفسه على كلمات أبيه، بينما هتفت هداية تستدعي ابنتها التي غابت بالداخل ولم تحضر باقي الأطباق:
"يا بت يا سمية!! فين بقية الفطار.. هي نامت چوه ولا إيه!؟"
همت بالنهوض لترى ما الذي أخر ابنتها هاتفة في حنق:
"واحد مش ملاحجين عليه أكل.. والتانية مش ملاحجين عليها سرحان وتوهه.. الرحمة من عندك يا رب."
لكن سمية طلت تحمل الصحون الناقصة تمشي على مهل في رقة هاتفة:
"أنا چاية أهو.. الفول برد جلت أسخنه."
وضعت الأطباق على المائدة وجلست بجوار أمها تتطلع لمؤمن تود لو أنها سألته عما يدور بخلدها اللحظة. تظاهرت بتناول الطعام وهي تحاول صياغة سؤالها والذي أخيراً هتفت به في تردد:
"مسمعتش صوتك فالآذان ليه يا مؤمن!؟"
هتف مؤمن في نفس اللحظة التي طالبها فيها أبوها بكوب الماء المجاور لطبقها. مدت كفها به لكنه اضطرب قليلاً حتى كادت تسقطه ما أن فسر:
"أبدا.. سبجني عاصم للثواب.. هو اللي أدن الفچر النهاردة."
كان ذكر عاصم يثير فيها مشاعر شتى جعلتها تتقوقع على نفسها دون أن تنبس بحرف. مجرد ذكر اسمه يجعل الاضطراب يشملها كلياً.
هتفت هداية مؤكدة في انشراح:
"عاصم واد مهران الهواري.. والله شاب زي الفل.. ميتخيرش عنك يا مؤمن.. ربنا يحميه."
غاصت سمية في كرسيها أكثر وأكثر عند ذكر عاصم من جديد، مستشعرة أن سيرته العطرة تلك تدثر قلبها بدثار من طمأنينة وراحة، حتى أنها ما عادت لها الرغبة في شيء آخر إلا ذكره الذي يطرب قلبها.
نهض عبدالله في تثاقل متنهداً في راحة، رابتاً على معدته في سعادة، وقد أتم مهمة تعبئتها بنجاح، هاتفا في أريحية:
"سلام عليكم.. أروح أنام لي شوية."
هتفت هداية في غيظ:
"يا واد ما أنت لساتك جايم م النوم.. هتنام تاني!؟"
أكد عبدالله وهو يتثاءب وعلى شفتيه ابتسامة ساذجة:
"أه.. لسه مشبعتش نوم.. أنا جمت أشبع أكل.. وراچع أكمل نومي.. تصبحوا على خير."
هتف هداية في حنق شاكية لماهر:
"شايف عمايل ولدك.. والله ده ما مكانه هنا.. ده ينحط بچنينة الحيوانات.. فجفص الدب.. أخره ينام ويجوم ياكل.. ويرچع ينام."
قهقهه مؤمن مؤكداً:
"مضايجيش نفسك.. ربنا يهديه."
كان عبدالله قد وصل لعتبة باب حجرته، فاستدار نحوهم وبدأ في تقليد الدب ضارباً على صدره بكلتا يديه، قبل أن يدخل الحجرة من أجل استكمال بياته الشتوي، تاركاً الجميع غارقاً في الضحك على أفعاله الصبيانية، رغم أنه تخطى الرابعة والعشرين من عمره.
هتفت صارخة باسمه كأن هناك مصيبة قد وقعت، ما دفعه ليهرول نحوها في سرعة متسائلاً:
"إيه في يا ستي!؟ أنتِ بخير!؟"
هتفت سهام جدته مؤكدة:
"أحسن منك."
تنهد سمير في راحة معاتباً:
"طب وليه الصريخ ده يا ستي!؟.. جطعت الخلف.. يرضيكِ متشوفيش واد واد ولدك."
هتفت به سهام في لامبالاة:
"يعني هشوف ليلة الجدر ياخوي.. معلوم عيل مخبل كيف أبوه."
قهقهت سهام الصغرى التي كانت تجلس على مقربة مستمتعة بجدال سمير المعتاد مع جدتها، ما دفع سمير ليلقي عليها بإحدى الوسائد في غيظ. لترتفع قهقهاتها وجدتها تهتف به أمراً وهي تسلمه جهاز التحكم عن بعد الخاص بالتلفاز:
"خد.. چيبلي المسلسل التركي اللي أني متبعاه."
ضرب سمير على جبهته في نفاذ صبر هاتفا في لهجة حاول أن يضبط نبرتها:
"يا ستي أنتِ متابعة لحد دلوجت ياچي ٣٧٠ مسلسل تركي.. أعرف منين أنا جصدك على مين فيهم!؟"
هتفت سهام في ضيق:
"يا واد يا بوعجل تخين.. المسلسل بتاع البت اللي كانت بتمثل ع الواد إنها بتحبه."
أكد سمير متنهداً:
"ده خلص من ياچي شهرين يا ستي.. بالأمارة يوم ما أترفع عليكِ الضغط لما جعدتي تعيطي ففرحهم."
انفجرت سهام الصغيرة مقهقهة من جديد مؤكدة:
"حصل يا ستي وأنا شاهدة."
أكدت سهام وهي تنظر إلى حفيدتها المفضلة مؤكدة وهي تعاود النظر لسمير:
"ما دام سهام جالت يبجى صادجة.. شكله خلص بچد."
هتف سمير مغتاظاً:
"يعني أني اللي بكدب عليكِ يا ستي.. طب والنعمة ما أنا چايب حاچة.. أهاااا."
وترك جهاز التحكم من يده ما دفع سهام لتصرخ هاتفة:
"تعالي يا سندس.. تعالي يا بت أخوي شوفي ولدك جليل الرباية بيعمل إيه في سته أم أبوه.. والله لما ياچي باسل لأخليه يعلجك من ودانك فالسجرة يا جليل الرباية.. أدبك عليٌ."
قهقهت سهام الصغيرة من جديد على ذاك الفصل المسرحي المتكرر مؤكدة من بين قهقهاتها:
"مفيش شجرة هتاچي على مجاسه يا ستي.. هو أطول من شجر الجنينة كله."
هتفت سهام وقد نسيت غضبها في لحظة تفتح كفها كاملاً في وجه حفيدتها:
"جولي ما شاء الله.. ربنا يحميه ويبارك فيه واد ولدي.. تعالى يا واد الغالي أجعد چارى.. اتوحشتك."
تطلع سمير في شك لأخته التي كانت تكتم ضحكاتها، ليذهب للجلوس جوار جدته متوجساً، والتي ما أن استقر جوارها حتى تنبهت لما كان منه منذ لحظات، فرفعت كفها ضاربة مؤخرة رأسه في غيظ هاتفة:
"ياللاه هات المسلسل اللي أني متبعاه.. انچز.. عايزة ألحج الحلجة من أولها.. تلاجي الواد عرف أن الولية اللي ربته مش أمه يا عين أمه."
هتف سمير محتجا:
"يعني الواد صعبان عليك يا ستي، وأني مش صعبان عليكِ من اللي بيحصل فيا ده!؟"
هتفت سهام الصغرى من بين قهقهاتها متسائلة:
"أنا نفسي أفهم إيه اللي بيعچبك ف المسلسلات التركي دي يا ستي!؟"
أكدت سهام متنهدة:
"بيفكروني بچدك حسام الله يرحمه."
هتف سمير ساخطاً:
"چدي حسام كان شبه الأتراك! أوماااال إيه الخلجة العفشة اللي ورثتها دي!؟"
ارتفعت ضحكات سهام بينما ضربته جدتهما على مؤخرة رأسه من جديد هاتفة:
"دي مش وراثة يا واد.. العفاشة دي اچتهاد شخصي."
قهقهت سهام الصغرى مؤكدة:
"قصف چبهة محصلش يا ستي."
استطردت سهام مؤكدة في حنين:
"چدك الله يرحمه كان حنين وحبيب كده كيفهم."
وتنهدت مستطردة في حسرة:
"واااه لو يرچع الشباب والعمر من تاني!!"
هتف سمير متسائلاً في نبرة ماجنة:
"يرجع ليه بجى يا ستي.. هااا.. ليه!؟"
هتفت سهام في حنق:
"عشان أعلمك الأدب من أول وچديد.. جوم من چاري."
هتف سمير ساخراً:
"طب والأتراك اللي مستنظرينك يا ستي."
أكدت سهام:
"لاااه.. خلاص.. سديت نفسي يا بَعيد.. أني جايمة أسمع الست."
هتف سمير مازحاً:
"إيوه بجى يا سوسو.. وتفتكري الذي مضى."
تطلعت إليه سهام مؤكدة:
"مش بجولك ناجص رباية."
لتنفجر سهام الصغرى في الضحك من جديد، وجدتها سهام تلقى بجهاز التحكم عن بعد في اتجاه سمير، الذي ولى هارباً من أمامها.
كان متوجهاً صوب باب الشقة مغادراً للجامعة، إلا أن نعمة استوقفته راجية في نبرة مستعطفة:
"استناني عشان خاطري يا نادر، خدني في طريقك."
هتف نادر متعجباً:
"هو انتِ مش بتروحي كل مرة مع حُسن! .. عايزاني ليه أروح معاك النهاردة بالذات!؟"
كانت نعمة تتعرض لمضايقات من بعض شباب الحارة العاطلين والمتسكعين على الأرصفة بلا شاغل إلا مضايقة الفتيات وإزعاج خلق الله. لكنها لم تشأ أن تخبره الحقيقة خوفاً عليه منهم، وحتى لا يتهور كعادته ويتوعدهم. لذا آثرت الصمت والخروج معه حتى يكون وجوده رادعاً لهم عن إيذائها، وخاصة أنها لا تعلم إن كانت حُسن ستصحبها اليوم أم لا، والتي كانت كعادتها لا تدخر وسعاً في تلقينهم ما يستحقون. لكن الأفضل وجود نادر، حماية لها ولحُسن نفسها.
هتفت نعمة متعللة:
"لا مفيش.. بس أهو ونس معاك.. وبعدين أنا لسه هشوف إذا كانت خُسن هتروح ولا لأ."
هز نادر رأسه موافقاً ليهبطا الدرج سوياً. سارا حتى وصلا لنافذة بيت حُسن. دقت عليها نعمة هاتفة:
"حُسن.. يا خسن.. هتروحي الجامعة النهاردة!؟"
وضعت حُسن غطاء رأسها ودفعت بخصاص النافذة مطلة منها نافية:
"لا يا نعمة.. مش هروح النهاردة.. أبويا تعبان."
ارتفع سعال أبيها من الداخل مؤكداً:
"منمش طول الليل.. هقعد جنبه والبركة فيكِ.. أبقى أنقل المحاضرات منك لما ترجعي."
هتفت نعمة في عجالة:
"طيب تمام.. هسيبك عشان نادر بيستعجلني."
هزت حُسن رأسها متفهمة، وهي مدركة أنه كان هناك بالفعل، على بعد خطوات بسيطة من موضع وقوف نعمة. وكيف لا تعي أين يمكنه أن يكون، وهو قِبلة القلب التي يتوجه إليها كل صباح! هل يتوه قلبها عن قِبلته التي اهتدى إليها نبضها منذ أدركت أن لها خافقاً يترنم باسمه!
تنهدت وهي تلقي بناظرها نحوه وهو يسير جوار نعمة، ولم يفتها سماع عبارته الساخرة التي ألقاها لتوه تعقيباً على غيابها، غير مدرك أنها وصلت اسماعها: "الحمد لله.. هيتعتق الرجالة من تحت ايدين خسن النهاردة."
ابتسمت في وجع مغلقة خصاص النافذة بعد أن ابتعدا عن مجال رؤيتها. ليعاجلها أبوها سالم هاتفا من بين نوبات سعاله ما أن دخلت حجرته تطمئن عليه:
"مروحتيش الجامعة ليه مع نعمة يا بنتي!؟"
هتفت حُسن وهي تندفع إليه لتساعده على الاعتدال في جلسته، تضبط الوسادة خلف ظهره مؤكدة:
"مكنش فيه حاجة مهمة تستاهل أروح وأسيبك يا بو حُسن.. أرتاح أنت وكله ها يبقى تمام."
تنهد في راحة، بعد أن انقطع السعال لبرهة وهو يتطلع لابنته الوحيدة، التي تمتلك جمالاً مغموراً خلف ذاك المظهر الرجولي الذي تتخذه، والذي كان يدرك تماماً، أنه من عزز ذاك الشعور بكرهها لأنوثتها داخلها منذ نعومة أظافرها.
تركته لخواطره لتحضر له الإفطار، والذي لا يعلم من أين أتت بمال لشرائه، فقد أضحى جيبه خالياً بعد أن أغلق ورشته لفترة بسبب مرضه، ما دفع نوبة السعال لتعاوده من جديد.
رواية زاد العمر وزواده الفصل الثاني 2 - بقلم رضوى جاويش
انتفض يونس موضعه يخبئ شيئًا ما بسرعة. ما أن انفرج الباب فجأة، لكنه تنفس الصعداء ما أن أدرك أن القادم لم يكن إلا راضي.
هتف به في حنق:
داخل زي الجطر كده.. مش بالراحة.
هتف به راضي متطلعًا لما يحمل يونس بين يديه في قدسية شديدة متسائلًا:
هو أنت لسه يا يونس الموضوع ده فدماغك؟
أكد يونس بهزة من رأسه هاتفا:
وهو من ميتا خرج من دماغي يا راضي؟ ده أني بحلم باليوم اللي هروح أتجدم لها فيه.
هتف راضي متوجسًا:
بس.. يعني.. أنت مالي يدك م الموضوع ده؟ أصلك مفيش حاجة تخليك متأكد أنها ممكن تجبل بِك لو اتجدمت لها.. واللي فيدك ده كان شغل عيال.
ضم يونس تلك الطاقية الصوفية متعددة الألوان، والتي لم تكن محاكة بحرفية من الأساس، مؤكدًا:
جلبي حاسس أنها هتكون عايزاني زي ما أنا عايزها يا راضي.
تنهد راضي في محاولة لبث روح التعقل خوفًا على غرق يونس في وهم بلا طائل:
يونس.. أنا بجول تفكر فالموضوع ده من تاني.. اللي فيدك دي طاقية كانت شغلاها وهي عيلة صغيرة.. كانت لسه بتتعلم فيها وهديتهالك.. تلاجيها هي نفسها مش فكراها.
هتف يونس في عزم:
حتى لو هي مش فكراها.. أنا هفكرها.. هعرفها إني كنت بعد الأيام والليالي عشان تبجى من نصيبي.. سهام هاتبجى من نصيبي يا راضي ومش هتنازل عنها أبدا.
اضطرب راضي قليلًا للهجة يونس القاطعة، رابتا على كتفه متعاطفًا وهتف في محاولة لمساندة أخيه:
وماله يا يونس.. هي هتلجى أحسن منِك فين يعني؟ ربنا يچعل لك فيها نصيب.
أمن يونس بقلب وجل خلف دعاء راضي الأخير، وهو ما يزال محتضنًا تذكارها الذي احتفظ به جوار قلبه لسنوات طوال.
***
كانت تندفع في عجالة على غير عادتها لتلحق بمحاضرتها التي كانت على وشك البدء. فهي لم تكن تحب أن يعتقد أحد أنها لا تنضبط في الحضور استنادًا على مركز أمها وأبيها كأساتذة بالجامعة التي تدرس بها.
كانت تغادر لتوها حجرة مكتب أبيها الدكتور ماجد الهواري لتصطدم به وهو قادم من الاتجاه المعاكس قاصدًا مكتب أبيها. شهقت في صدمة وتراجع هو في إحراج.
تنحنح معتذرًا هاتفا في نبرة هادئة وهو يعدل ذاك المنظار الطبي الأنيق دافعًا به لأعلى أنفه في اضطراب:
أنا آسف.. أصل أنا مستعجل وأتأخرت على محاضرتي.
وجدت صوتها الغائب أخيرًا لتقول في نبرة خجلة مرتعشة:
حصل خير.. أنا كمان كنت مستعجلة.. عن إذنك.
استأذنته وتوجهت للمدرج على أمل أن يكون المحاضر قد تأخر بدوره. إنها المرة الأولى التي ستراه فيها، فقد جاء بديلاً عن أستاذها المفضل وصديق ماجد، الذي جاءته فرصة للعمل بإحدى الدول، فأعتذر عن تدريس المادة لهذا العام.
تنفست الصعداء عندما وصلت للمدرج ولم يكن من أحد هناك إلا الطلبة في انتظار أستاذهم الجديد.
جلست جوار صديقاتها المقربات. لحظات بعد دخولها حتى هل لداخل القاعة ليصمت ذاك الصخب الدائر ويحل الصمت بديلاً.
وقف موضع أستاذ المادة هاتفا في ثبات وهو يعبث بمنظاره الطبي من جديد:
السلام عليكم.. أعرفكم بنفسي.. أنا الدكتور محمد عزام.. اللي هدرس لكم مادة الشعر الحديث السنة دي بإذن الله.. واتمنى انها تكون سنة موفقة.
هم بالاستدارة ليكتب بعض الجمل. فوقعت عيناه على موضعها حيث تجلس. برهة مرت حتى أدرك أنها نفس الفتاة التي اصطدم بها منذ قليل أمام مكتب الدكتور ماجد الهواري.
أشاح بناظره مسقطًا جل اهتمامه على ما يقوم به. بينما غاصت هي في مقعدها تستشعر اضطرابًا عجيبًا شملها كليًا. تحاول التركيز على ما يقوم به صاحب النظرة الخاطفة، التي أربكت دواخلها بغتة.
***
كانت تقف بشرفة حجرتها عندما أبصرته قادمًا نحو البوابة الرئيسية للسراي. فأسرعت تضع إسدال الصلاة مندفعة لأسفل الدرج في هرولة مدعية أنها في طريقها للقراءة بالحديقة. التقطت أنفاسها تحاول أن توقف تسارع نبضات قلبها وهي تدرك أنها ستراه اللحظة.
خرجت من باب السراي الداخلي في اتجاه الحديقة الخلفية لتجده يقف مع ياسين ابن عمها ماجد يشاكسه كالعادة.
سارت مدعية انشغالها بكتابها مارّة بهما. ليهتف سمير باسمها في أريحية:
سجود.
تنبهت ورفعت رأسها من بين طيات كتابها. بينما سار سمير صوب موضعها هاتفا في مرح، ملقيًا تحية الصباح بالفرنسية:
بنچور عليكِ يا بت خالي.
اتسعت ابتسامة سجود مجيبة:
صباح الخير يا سمير.. أخبارك؟
أكد في فرنسية متعثرة:
أنا بخير شكرًا.
واستطرد مازحًا:
ومتسألنيش أي حاجة أكتر من كده.. لأن دول آخر كلمتين فرِنساوي أني حافظهم.
قهقهت ولم تعقب. ليستفسر مشيرًا للداخل:
بجولك.. هو عاصم چوه.. أصلك رنيت عليه موبايله مش متاح.
أكدت في هدوء:
أه چوه.. بس نايم.. يمكن عشان كده جافل موبيله.. أروح أصحيهولك؟
أكد سمير:
لاااه.. ملوش لازمة.. أنا رايح أسلم على چدي عاصم.. لحسن يعرف إني چيت ومعدتش عليه.. والله يسلط عليا ستي سهام.. وهي أصلا مش محتاجة وصاية.
ورفع كفه يتحسس موضع ضربات جدته سهام بمؤخرة رأسه، والتي تكيلها له ما أن يصبح جوارها ويبدأ في مشاكستها. فانفجرت سجود مقهقهة من جديد.
اندفع سمير لداخل السراي حيث يعلم أين يجد جده عاصم. ولكن قبل أن يتركها هتف متسائلًا في جدية غير معتادة:
بجولك يا سچود.. هو إزاي تجولي بالفرنساوي.. "چيت ولجيتك نايم.. افتح موبايلك يا بارد".
أمسكت ضحكاتها وأجابته في فرنسية جيدة لحد كبير. انطلق بها لسانها ووجه سمير يمتعض بشكل مرح على ما تقول. ليهتف بها ما أن انتهت:
يا ريتني ما سألت.
علت ضحكاتها ليستطرد مؤكدًا:
الرسالة شديدة اللهجة دي.. واللي مفهمتش منها ولا كلمة، توصل لأخوك النعسان فوج ده.. حرف حرف.. ياللاه.. أجولك العواف.. جصدي.. أوريفوار.
ما أن دخل إلى السراي حتى انفجرت ضاحكة على كلماته وأفعاله. وما عاد من حاجة لبقائها بالحديقة، فقد نفذت غرضها بمقابلته. وعليها الصعود لحجرتها قبل أن يمسك بها أحدهم متلبسة بضحكاتها، التي تركها مرسومة على شفتيها كما هي عادته دوما.
***
هتفت تسنيم في نفاذ صبر:
يا بنتي متتعبيش جلبي.. إيه لزمتها دوشة الدماغ دي؟
هتفت نوارة بالمقابل:
لزمتها مستجبلي يا ماما.
هتفت تسنيم بضيق:
هو مستجبلك ميبجاش إلا بالتنطيط يمين وشمال؟
هتفت نوارة مؤكدة:
فين التنطيط ده بس؟ چواب التكليف چه على بلد چنبنا.. يعني خطوتين.. إيه فيها دي؟
هتفت تسنيم معترضة:
فيها روحة وچاية كل يوم ع الطريج.. ما تجعدي هنا معايا تساعديني وخلاص.. ولا هو لازما أي حتة بعيدة والسلام.. ما هو الشيخ البعيد سره باتع زي ما بيجولوا.
همت نوارة بالرد إلا أن مهران، أبوها، دخل متعجبًا:
إيه في؟ صوتكم چايب أخر السرايا.
هتفت نوارة تتعلق بذراع مهران هاتفة بلهجة مرحة محاولة استمالته كالعادة:
يرضيك يا شيخ مهران بنتك تتقاعس عن أداء الواجب؟
أكد مهران مبتسمًا:
لاه طبعًا ما يرضنيش.. وعچبتني تتقاعس دي.
هتفت تسنيم متجاهلة مزاحهما:
وهو الواچب لازما يكون بره نچع الصالح؟ ماله الواچب اللي چوه؟
تنهدت نوارة هاتفة:
يا بابا چالي چواب التكليف على نچع جريب.. إيه فيها دي؟ ما أنا بقالي سبع سنين رايحة چاية ع الطريج أيّام الكلية.. إيه الچديد؟
أكدت تسنيم بحنق:
أيّام الكلية مكنش ليها بديل.. لكن دي إيه عازتها.. وليه التعيين من أساسه أنتِ محتاچاه ف ايه؟.... ما كفاية عليكى تشتغلي هنا او حتى تفتحي عيادة ف سوهاچ ولا جِنا.
تطلعت نوارة إلى أبيها تستعطفه. ليهتف مهران متسائلًا:
هو فين النچع ده؟
هتفت نوارة تشجعه:
ده جريب يا بابا.. هروح بالعربية الصبح وأرچع بالعربية أخر النهار.. أنا اتخصصت أمراض نسا وماما أصلا تخصصها جلدية يعنى لو قعدت هنا مش هستفاد.. لكن هناك معمول وحدة كاملة لأمراض النسا والدكتورة هناك ممتازة وهتعلم على أيديها وبعد ما فترة التكليف تنتهي هرچع هنا وأمارس.
تنهد مهران رابتا على كتف ابنته:
طب خلاص.. على بركة الله.. تروحي وترجعي بالعربية مع عبدالباسط السواج.. وربنا يحميكِ.
هتفت تسنيم في غيظ:
يعني أطلع منيها أنا زي كل مرة.. خليك دلعهم كده.
واندفعت تهم بالرحيل إلا أن مهران أمسك بكفها يستوقفها هامسًا في محبة:
يعني مدلعتيش جبل سابج؟ شكل الدلع وحشك ولا إيه!
همست تسنيم تحاول مداراة الابتسامة التي تكاد تقفز على شفتيها، هامسة مدعية الحنق:
سيب يدي.. البت مركزة معانا.
هتف مهران بابنته التي كانت توليهما جل اهتمامها وتركيزها محاولة استنباط فحوى حديثهما:
أنتِ لسه واجفة بتعملي إيه! مش جلنا خلاص هتروحي.. ياللاه چهزي حالك.
قهقهت نوارة مشاكسة:
ما هنا حالي يا شيخ مهران.. انتوا ف أوضتي على فكرة.. اللي واخد عجلك.
وتطلعت لأمها مستطردة في شقاوة:
هنياله.
تطلع مهران حوله ليتأكد أنه بغرفة ابنته بالفعل، ليتطلع لتسنيم التي قهقهت رغما عنها، ليخرج من الغرفة جاذبًا إياها خلفه، هامسًا في حرج:
ضحكتي البت علينا.
لتستمر في قهقهاتها حتى خرجا وأغلقا الباب خلفهما، تاركين إياها تستعد لبدء حياتها العملية في ذاك النجع البعيد بأحضان الجبل.
***
طَرَقَت على باب حجرة لعله يسمح لها بالدخول، إلا أنه كان بعالم آخر.. عالم صنعه لنفسه بعد ذاك الحادث الذي غير مجرى حياته كليًا. لقد اختلف كل ما كان.. ليصبح سجين ذاك الحيز الذي صنعه لنفسه، غير متقبل من أحدهم الولوج إليه.
دفعت ثريا الباب قليلًا تتطلع نحو الداخل لترى ما يفعل. لم يكن بالأمر الصعب أن تدرك أنه يرسم.. وهل كان هناك أنيس له سوى فرشاته وألوانه طوال السنوات الماضية! كانت تلك الألوان هي كل ما يملك من حطام عالم رحل بلا رجعة. كان يحاول استعادته بضربات الفرشاة على لوحته الناصعة البياض.. ليصنع كونًا من وهم.
كان ماهرًا بحق.. وبالأخص في رسم الخيول بأشكالها وحركاتها وعنفوانها وثورتها ووداعتها.. وجموحها.. وياله من جموح بري متوحش! استطاع التعبير عنه ببراعة منقطعة النظير، كأنه يظهر ذاك الوجه الآخر الذي ما كان يعرفه عن الخيل قبل حادثته القديمة.
تنهدت ثريا وهي تدلف للحجرة هاتفة في ثبات:
مش كفاية كده رسم يا مروان.. أحط لك الغدا؟
لم يلتفت إلى موضع وقوف أمه المعتاد بباب الحجرة بل ظل يضرب بفرشاته في مهارة هاتفا:
وكفاية ليه؟ إيه ورايا تاني يا باشمهندسة أقوم أعمله.
وانفجر ضاحكًا مستطردًا دون أن يلتفت كذلك:
شوفتي كلمة أقوم دي؟ المفروض أحذفها من قاموسي بعد اللي أنا فيه ده.. بس الظاهر بقى حكم العادة.
غصت أمه بدموع قهر حاولت ابتلاعها وهتفت بصوت متحشرج تأثرًا دون أن تعقب على كل ما قال بحرف واحد:
طب مش هتاكل؟ ده أنت على لحم بطنك من صباحية ربنا.. مبتشربش إلا النسكافيه وبس.. والدكتور جال كده مش صح.
هتف مروان متجاهلاً ما جاءت به على سيرة الأطباء مؤكدًا:
لا يا ماما.. مش جعان.. مش بابا رجع من السفر!! كلي معاه.. ولما أجوع هبقى أطلب الأكل.
هتفت ثريا متحسرة:
طب حتى أخرج من أوضتك دي شوية.. أطلع اجعد معانا.. أو حتى روح لسمير أو مؤمن أو حتى أبعت لهم لو مش حابب تخرچ بس متجعدش لوحدك كده.
تنهد مروان مؤكدًا:
أخلص بس اللوحة اللي فأيدي دي.. وبعدين أبقى أشوف.
لم يكن يرغب في مصاحبة أحد. كان الجميع يسعى بالفعل لصحبته خاصة بعد انتقالهم إلى هنا. فقد كان استقرارهم منذ فترة ليست بالبعيدة بالعاصمة.. وخاصة بعد وفاة كل من جدتيه نجاة وسيدة ومن قبلهم سعيد جده.. لكن بعد حادثته.. عادوا جميعًا لنجع الصالح.. اعتقادًا من أبويه أن جو النجع هو الأصلح لتحسن نفسيته. سنوات منذ انتقلوا وهو في معزل عن الجميع.. وما زالت تلك العزلة هي ملجأه.. بعيدًا عن صخب شباب العائلة وقصصهم التي لا تنتهي.
تنهدت ثريا وقد شعرت بالعجز وفشلها في تغيير حال ولدها مرة بعد أخرى.. فاندفعت لخارج الغرفة تاركة إياه منغمسا في لوحته التي تركها متطلعًا نحو موضع رحيل أمه التي يعلم قدر وجعها على حاله. رفع كفيه وأخذ يضرب بهما يدي كرسيه المدولب في عنف.. شاعرًا بالعجز التام على إتيان أي رد فعل إلا صب غضبه على مقعده.. دلالة عجزه الملتصق بها كالغراء، والتي لا يفارقها إلا لحظات النوم.
دفع الفرشاة جانبًا في عنف.. تطلع للفرس الصهباء المتطلعة إليه في عنفوان من قلب لوحته كأنما تتحداه، ما جعله يدفع باللوحة هي الأخرى.. بعيدًا في حنق.
***
اندفعت مسرعة تتلفت حولها لا تعلم أين يمكنها الذهاب وقد تاهت في تحديد وجهتها حيث ستكون محاضرتها القادمة والتي هي على وشك البدء. ما جعلها مضطربة لا ترغب في الدخول متأخرة عن موعدها في أولى محاضراتها هنا بجامعة القاهرة. على الرغم من عدم حماستها للانتقال للقاهرة وهي بالسنة الأخيرة في كلية الهندسة جامعة المنصورة إلا أنه ما كان باليد حيلة في أن تلحق بأبيها كعادته دوما مع كل انتقال. ما كان يتركها وأمها خلفه أبدًا.
أخيرًا وصلت للمدرج وما أن همت بالدخول إلا واصطدمت بعنف بأحدهم. تأسف في محاولة منه للاعتذار عن هرولته في الاتجاه المعاكس. لكنها نظرت إليه نظرة سريعة ولم تعقب أو حتى قبلت اعتذاره بكلمات بسيطة لم تكن لتكلفها شيئًا.
تطلع نحوها ذاك الشاب في حنق لقلة تهذيبها على حد زعمه وهتف في ضيق:
حصل خير.. ده الرد الطبيعي على حد أعتذر لكِ.. إيه التناكة دي!!.. ما كلنا مهندسين بالمناسبة.
تطلعت إليه بدور في لامبالاة ولم ترد من جديد. هم بالرد عليها لكن دكتور المادة ظهر فالصورة متجها نحو المنصة ما دفع الجميع لإلتزام الصمت. جلست بدور بين الفتيات اللاتي ألقت عليهن التحية سريعا.. بينما هو.. لم يبارح محياها ناظريه.. لا يعلم لما تعلق ناظره بها مستشعرًا أنه يعرفها منذ زمن بعيد. لم يكن من النوع الذي تجذب بسهولة انتباهه أي امرأة.. لكن ذاك الشعور ظل هو المسيطر عليه.. حتى أنه بعد انتهاء المحاضرة حاول السؤال عن اسمها لكن ما من أحد كان يعرف أي معلومة تخص هذه الفتاة الجديدة ولا حتى اسمها.. تلك المغرورة التي هبطت عليهم فجأة لتقلب يومه رأسًا على عقب.. دون أن تدري.
***
صدح صوت المؤذن لصلاة العصر ما دفعه لينهض في عجالة يضع عليه جلبابه النظيف. استرعت هرولته راضي ليهتف متسائلًا في سخرية:
على فين العزم متسربع كده؟
هتف يونس وهو يتعطر:
رايح الچامع.
هتف راضي مازحًا:
من ميتا التجوى دي يا واد أبوي! ده أنت مبتعتبوش إلا يوم الچمعة.
هتف يونس مؤكدًا في جدية:
سمير أخوها دائمًا بلمحه بيروح الچامع على صلاة العصر.. لازما أكلمه ضروري.
انتفض راضي متعجبًا:
أنت اتچننت! هتكلمه منك لروحك كده من غير ما تشور أبوك؟
هتف يونس مهادنًا:
يا بني أفهم.. أني بس هجس النبض وأشوف إيه الجول.. ولما أخد الإشارة الخضرا هبلغ أبويا وأجوله.. أوماااال يعني هروح أخطبها لحالي برضك؟
تنهد راضي وهو يدرك تمامًا أن أي محاولة منه لإثناء يونس عن عزمه.. ستبوء بالفشل الزريع. ما دفعه لإلتزام الصمت معاودًا الجلوس على طرف فراشه تاركًا أخاه يغادر نحو الجامع كأنما يسابق الريح.
لعن راضي العشق ألف مرة.. وهو يرى كيف يبدل حال أخيه، من حال لحال في لحظة.
وصل يونس للمسجد متفرسًا في صفوف المصلين. تنفس الصعداء ما أن لمح سمير بقامته المديدة فاندفع يجاوره في الصف.
حتى إذا ما انتهت الصلاة وهم سمير بالمغادرة إلا واستوقفه يونس هاتفا:
سمير يا تهامي.. استنى أني عايزك ضروري.
تنبه سمير فعاد لموضعه ليشير يونس لأحد الأعمدة المتطرفة قليلًا ليجلسا بالقرب منها.
هتف يونس متسائلًا:
كيفك يا سمير.. إيه معدناش بنشوفك كيف الأول؟
رد سمير ببشاشته المعتادة:
مشاغل بجى.. والحمد لله على كل حال.. خير يا واد عمي!
اضطرب يونس قليلًا قبل أن يهمس محاولًا تجميع الأحرف:
يعني.. أصلك عايزك فموضوع كده.. ومفيش غيرك اللي هيفيدني فيه.
هتف سميرا في نبرة صادقة:
يا سلام.. تحت أمرك.. أطلب وأني سداد بعون الله.
أكد يونس في امتنان:
تعيش.. الموضوع مش موضوع فلوس.. ده موضوع نسب.. أني طالب الجرب.. طالب يد أختك سهام.
هتف سمير مترددًا:
البت سهام أختى!
واستطرد مؤكدًا:
بس المواضيع دي متاچيش كده يا يونس وأنت أدري بالأصول.
هتف يونس متعجلًا:
ايوه طبعا.. معلوم.. بس إحنا شباب زي بعضينا.. ويعني لو تچس النبض.. وإن فيه استعداد.. يبجى أحسن.. ساعتها هچيب العيلة كلها وناچي نخطبوها.
صمت سمير لبرهة مفكرًا ما دفع يونس لتعجله هاتفا:
هااا.. أجول موافج.. أني مش عايز إلا كلمة.. وبعدها كله هايبجى تمام.
هز سمير رأسه موافقًا تحت ضغط وإلحاح يونس ما دفع الأخير ليربت على كتفه في امتنان مستأذنًا.
دخل لحجرته ليتعجله راضي الذي كان يجلس بانتظاره على أحر من الجمر، مستمعًا لكل ما دار في اللقاء. يستشعر أن الأمر لن يكون أبدًا كما يتمناه قلب أخيه، منتظرًا سماع الرد الذي حلم به لسنوات. لكن من منا يستطيع التكهن بالمقادير التي كتبت علينا!
***
توقف في نافذته متطلعًا للأسفل وشرد بناظريه في اتجاه تلك الحجرة.. يتذكرها دوما حيث كانت بحجرة القراءة التي لم تكن تبرحها تقريبًا.. دائمًا ما كانت تشغلها ولا يخلو كفها من كتاب ما.
ابتسم عاصم رغما عنه وهو يتذكر كيف كان وما زال يتسلل ليلاً إلى تلك الغرفة باحثًا عن الرواية التي كانت تقرأها صباحًا يفتحها مفتشًا بين أسطرها باحثًا على أثر لها بين زحام الأحرف ولم يكن يخيب ظنه أبدًا.
كانت من عاداتها أن تضع خطا خفيفًا بقلمها الوردي المميز أسفل بعض السطور التي أعجبتها أو أحدثت أثرًا ما بنفسها. وكان من عاداته أن تلتهم عيناه تلك الأسطر بشراهة كأنما يبحث عن محياها مجسدًا في كلمات تكون سلوى له عن تباعدها.
كان ينقل هذه الكلمات الوردية حرفًا حرفًا إلى مفكرته حتى يعاود قراءتها مرارًا وتكرارًا مع نوبات الشوق التي ما تفتأ تهاجمه واحدة تلو الأخرى وما كان له القدرة على صدها أو حتى الرغبة في ذلك. بل إنه كان متيمًا بالاستسلام لها.. كالملقى في جوف بحر لا يرى شاطئيه.. فلا رغبة لديه في النجاة من الأساس.
الآن هو يمارس عادته المفضلة، يجلس في هدوء متطلعًا إلى روايتها الصباحية التي التهمت سطورها في نهم. فتح الصفحات باحثًا عن الخطوط الوردية في لهفة. وتوقفت كفه فجأة على إحدى الصفحات قبل أن يقلبها، متطلعًا للسطر الأخير بها، والذي زيلته بقلمها مشرفة إياه وهمس قارئًا: "في بعض الأحيان نعتقد أن الحلم صعب المنال، ولا ندرك أنه أقرب إلينا من واقعنا الذي نحياه..".
أعاد الجملة عدة مرات، وأخيرًا نقلها بمفكرته، واندفع لحجرته ليخرج المفكرة من جيبه متطلعًا للكلمات، وهو يتمدد على فراشه، يعيد قراءتها وكأنما يحفظها حرفًا حرفًا. وأخيرًا ابتسم في سعادة، فقد خيل إليه وهمه أنها قد تقصده. فمثلها يلمح دوما ولا يصرح أبدًا. أيمكن أن يكون هو ذاك الحلم صعب المنال!؟ وهو الأقرب إليها من الواقع..!؟.. لم لا..!؟..
هكذا أخذ يمني نفسه في سعادة.
***
مر ما يقارب الأربعين دقيقة وما زالت السيارة تنهب الطريق نهبًا دون أن تصل لوجهتها. لم تكن تدرك أن المسافة بين نجع الصالح وذاك النجع حيث ستقضي فترة تكليفها يبعد كل هذه المسافة. يبدو أن أمها كانت على حق حين حاولت إقناعها بالعمل معها بنجع الصالح ورفض أمر التكليف ذاك، والذي يبدو أنه لن ينالها من ورائه إلا المشقة بلا طائل.
زمجرت السيارة فجأة مما دفعها لتهتف في عبدالباسط السائق متسائلة في قلق:
إيه في يا عبدالباسط! العربية عملتها تاني ولا إيه؟
توقفت العربة تمامًا، فاندفع عبدالباسط مترجلًا يستطلع الأمر مؤكدًا:
باينها كِده يا داكتورة!
همست نوارة في حنق:
هي أمي أول ما تكون مش راضية عن حاجة لازما تتعجرب.. طب هوصل إزاي فميعادي! من أول يوم متأخرة! هيجولوا إيه!
هتف عبدالباسط متسائلًا:
بتجولي حاجة يا داكتورة!
هتفت بحنق:
لااااه مبجولش.. هجول ايه! ما أنا أصلا منبهة عليك تچبني بالعربية الچديدة.
هتف عبدالباسط ينفي عن نفسه الذنب:
والله يا داكتورة الباشمهندس عاصم كان خرچ بيها.. أعمل إيه طيب!
هتفت وهي تخرج من العربة صافقة بابها في عنف:
العمل عمل ربنا.. خلينا جاعدين.
ونظرت في شاشة جوالها مستطردة في غيظ:
حتى مفيش شبكة نعرف نتصل بحد يلحجنا.. ياللاه عشان تكمل.
مر الوقت دون جدوى وما مرت سيارة واحدة بذاك الطريق المقفر، ما دفعها يائسة لترك السيارة مبتعدة باتجاه صف من الأشجار تحتمي به من حرارة الجو، حتى يأذن الله بالفرج.
جلست معتلية صخرة ضخمة، وبدأت في العبث ببعض الأغصان، وقطف بعض الزهور المتناثرة بالقرب منها.
لاحت سيارة بالأفق تسير في اتجاههما ما دفعها لتهرول مشيرة للسائق في تهور والذي توقف مستطلعًا الأمر.
اخفض زجاج النافذة المواجهة لها وهتف متعجبًا:
خير يا آنسة! عربيتكم فيها حاجة!
هتفت في ضيق لسؤاله:
لا.. عاملين فيك مجلب الكاميرا الخفية!
ارتسمت على شفتيه شبه ابتسامة وهو يحاول فتح الباب قبالتها:
طب اتفضلي أوصلك مطرح ما أنتِ عايزة.. ونبعت حد يساعد السواج.
ابتعدت خطوة للوراء ما أن انفرج باب السيارة، وتطلعت في تعجب لصاحبها هاتفة في حنق:
ومين جال إني هركب معاك من الأساس! أنا معرفكش.
هم بالرحيل هاتفا في حنق:
خيرا تعمل شرا تلجى.
هتفت تستوقفه:
استني بس يا حضرت.. أنا فعلا معرفكش.. أركب معاك إزاي!
أدخل كفه في جيب سترته، وأخرج منها بطاقته الشخصية ودفع بها إليها. ترددت لحظة وهى تمد كفها لتناولها. تطلعت إليها في قلق وأخيرًا هتفت:
هخليها مع السواج عشان أهلي يعرفوا أنا فين.
هتف ساخرًا:
واجب برضك.. مش يمكن أخطفك!
هتفت تؤيد الفكرة رغم نبرة السخرية التي كانت تغلف صوته:
أه.. احتمال.. ليه لأ؟!
اتسعت ابتسامته لخيالها الواسع، وهتف في أريحية:
مفيش مشكلة، خليها معاه.. بس ممكن تركبي بقى.. أنا أتأخرت.. ولا أمشي!
هتفت تستوقفه وهي تمد كفها لعبد الباسط ببطاقة الرجل الشخصية:
لا.. هركب أهو.
انتظر صعودها جواره، لكنها دفعت الباب تغلقه بقوة، واتجهت لباب المقعد الخلفي تفتحه، وتدفع نفسها داخل السيارة لتستقر داخلها.
تطلع ذاك الغريب إليها في تعجب، وهمس ساخرًا:
أي خدمة تانية يا هانم! أنتِ تأمري.
هتفت بأريحية شديدة لا تعي أنها وضعته في موضع سائقها الخاص وهو صاحب معروف لا أكثر:
لا.. شكرًا.
تحرك بالسيارة في ثقة من يحفظ الطريق عن ظهر قلب، وتطلعت هي إليه تحاول حفظ ملامح ذاك الطريق الجبلي، تجذبها خواطرها لذاك الغريب الذي تتطلع إلى كتفيه وكفيه الواثقين المتحكمين بمقود السيارة في حزم.
ورغم أنها لم تكن يومًا ممن يلقون للخواطر الرومانسية بال إلا أنها وجدت عقلها يجذبها لذاك ما فعل جدها عاصم مع جدتها زهرة ذات ليلة، لتبدأ بعدها قصة حبهما التي لم يسدل عليها الستار حتى يومنا هذا. شردت مع الخاطر وابتسمت كالبلهاء رغما عنها. أمسك ضحكاته وهو يتابع رد فعلها العجيب عبر زجاج السيارة الداخلي.
توقفت السيارة لتنتفض مطرودة خارج نعيم خواطرها متطلعة حولها في تيه لذاك الجبل الذي يطل شامخًا من بعيد، وتلك الأرض الخضراء التي يحتضنها في عزة.. وأخيرًا ذاك البيت الكبير الذي يطل من فوق تلك التلة المرتفعة كأنما يناطح الجبل الموازي شموخًا.
استدار قليلًا هاتفا في جدية:
نجول حمدا لله بالسلامة.
همست مترددة:
هو إحنا وصلنا!
ترجل من السيارة يستدير حولها ليفتح لها بابها، لتترجل منها بدورها تشعر بوجل عجيب، ليهتف مشعرًا إياها بالطمأنينة:
أه وصلنا.. أهلا بكِ فالسليمانية يا دكتورة.
ومد كفه السمراء الرجولية معرفًا:
باشمهندس سامر شحاتة.
مدت كفها في تردد هاتفة:
تشرفنا.. خدت بالي من البطاقة.. وأنا دكتورة نوارة مهران.. التكليف بت..
هتف سامر مشيرًا للدار:
أه عندي فكرة.. هو حضرتك! اتفضلي يا دكتورة.. الدكتورة سميحة منتظراك چوه.
هتفت نوارة بنبرة معتذرة:
أنا آسفة.. أكيد أتأخرت عليها.. بس..
قاطعهما هذا الصوت العميق ذو النبرة الرخيمة الذي ظهر صاحبه ببهو الدار ما أن ولجتها أقدامهما:
مفيش بس يا دكتورة.. المفروض ده أول ميعاد عمل لكِ.. يعني الانضباط في المواعيد واحدة من أهم الأمور اللي المفروض تراعيها.
تطلعت نوارة نحوه في عدائية واضحة. من هذا الذي يعطيها درسا في الأخلاق ويحكم على مدى انضباطها من عدمه! اندفعت تجيب عليه في محاولة لوقفه عند حده، لكن ظهور هذه المرأة الباشة الوجه ذات القسمات المريحة، والتي ارتسمت على شفتيها ابتسامة ودودة، جعلها تبتلع لسانها والمرأة تهتف في أريحية:
أهلا يا دكتورة.. نورتي السليمانية.
توقعت نوارة ترحيبًا رسميًا، مجرد مصافحة باليد لا أكثر، لكن المرأة طوقتها في حنو، هاتفة في ترحاب:
أنا الدكتورة سميحة العيسوي.. مبسوطة قوي إنك جيتي.. وأكيد هنعمل مع بعض شغل هايل.
كانت سميحة تحاول امتصاص الشحنة المتوترة، التي ملأت الأجواء جراء ظهور هذا الصارم، الذي كان ما يزال يقف موضعه لم يحرك ساكنًا، وكأنه تمثال من صلب قُد بملامح من صرامة لم يسبق أن رأتها مرتسمة على محيا مخلوق.
ألقت نوارة عليه نظرة أخيرة قبل أن تجذبها سميحة لداخل إحدى الحجرات الجانبية، وقد أيقنت، أن أيامها هنا لن تكون سهلة بوجود كائن الصرامة ذاك، والذي تركته لتوها منتصبًا في حنق كأنما يقف على حد سيف.
رواية زاد العمر وزواده الفصل الثالث 3 - بقلم رضوى جاويش
هلت شيماء في سعادة وهي تحمل صينية العصير والشاي إلى داخل حجرة الضيوف حيث كان حازم وتسبيح وابنتهما بدور في زيارة للعائلة.
فما أن استقر الأمر لحازم بالقاهرة حتى قرر زيارة تلك العائلة التي لم ينس فضل كبيرها المعلم خميس على والديه زكريا وبدور وما كان منه وصنعه لأجلهما وكذا لأجله هو.
فقد قضى أول ثلاث سنوات من عمره بين جدران هذا البيت كابن لهما. وكانت نعمة نعم الأم البديلة له حتى خرج أبوه زكريا من محبسه.
هتفت نعمة وهي تربت على كتف حازم في سعادة:
والله أصيل وابن أصول يا حازم. جيت تسأل عن أمك نعمة!
هتف حازم مؤكدا وهو يربت على كفها في امتنان:
طبعًا. ربنا يخليكي لينا يا ست الكل.
وضعت شيماء الصينية على الطاولة قبالة الجمع المحتشد هاتفة في ترحاب:
خطوة عزيزة يا سيادة العميد. والأمورة بقى في سنة كام!
أكدت تسبيح بابتسامة عريضة:
بدور خلاص في نهائي هندسة.
هتف ناصر في فخر:
الله أكبر. ربنا يبارك لكم فيها. إحنا كمان عندنا نادر في نهائي هندسة. ونعمة الصغيرة في تانية كلية آداب قسم اجتماع.
سمع الجميع صوت باب الشقة يفتح بالخارج. همت شيماء بالخروج لاستطلاع الأمر إلا أن نادر توجه إلى حيث موضع الجميع ملقيًا التحية:
السلام عليكم.
هتف ناصر بعد أن رد الجميع:
أهو الباشمهندس نادر وصل. يمكن...
قاطع نادر أباه هاتفا في حنق:
إيه ده. هو أنتِ!
تلعثمت بدور عندما طالعها محياه وقد تذكرت أنه الشاب الذي اعتذر عندما اصطدم بها دون قصد وهي حتى لم ترد عليه اعتذاره.
هتف حازم متعجبًا:
هو أنتوا تعرفوا بعض ولا إيه!
هم نادر بالحديث مفسرًا إلا أن بدور قاطعته مؤكدة:
آه يا بابا. الصراحة الباشمهندس نادر كتر خيره. كنت تايهة النهاردة في الكلية وهو وصلني للمدرج اللي كنا هناخد فيه المحاضرة.
تطلع إليها نادر صامتًا معتبرًا كلماتها لأبيها اللحظة هي اعتذار متأخر عما بدر منها بحقه. فلزم السكوت ولم يعقب.
هتفت شيماء في سعادة:
يعني طلعتوا زمايل في نفس الكلية.
وتطلعت شيماء هاتفة لبدور في فخر:
أي حاجة عايزاها بقى نادر تحت أمرك. ده بيطلع من الأوائل الله أكبر.
هتفت تسبيح في إعجاب:
ربنا يحفظه. كده بقى ضمنتي يا بدور. بقى ليكي ضهر فالكلية أهو.
واستطردت تسبيح وهي توجه كلامها لشيماء:
أصل بدور كانت زعلانة إنها هتسيب كليتها في آخر سنة فالمنصورة وهتسيب صاحبها كلهم هناك وهي متعرفش حد هنا.
أكدت شيماء في محبة أم:
بعد الشر عليها من الزعل. أهو ربنا بيعوض. ونادر معاها واللي هي محتاجاه كله. هيقولها عليه. مش كده يا نادر!
كان نادر غارقًا في تذكر لقاءاته ببدور وهما صغار فوق سطح تلك البناية. وكم استغرقهما الرسم واستخدام الألوان. وكيف كان حزنه وشقاءه عندما كانت تهم بالرحيل تاركة إياه.
تنبه لسؤال أمه فهتف مسرعًا مخرجًا نفسه من بين طيات ذكرياته:
آه طبعًا يا ماما. أكيد.
هتفت نعمة في أريحية مشيرة للشباب:
ما تاخدي بدور يا نعمة وفرجيها ع السطح. زمانه وحشها. ما هي ياما لعبت عليه وهي صغيرة.
وكأنما قرأت جدته نعمة خواطره فعرضت مثل هذا العرض مستطردة:
قومي يا بدور متتكسفيش. ده بيت أبوكِ. ولا إيه يا حازم!
أكد حازم في ثقة موجها حديثه لابنته:
آه يا بدور. قومي يا حبيبتي مع نعمة. ونادر كمان يقدر يديكِ فكرة عن دكاترة الكلية. عشان تقدري تخلصي السنة دي على خير بإذن الله.
نهضت بدور خلف نعمة وكذا نادر الذي لحق بهما صعودًا للسطح. جلسا على الأرائك التي كانت موضوعة بشكل مرتب لتستأذن نعمة لتحضر بعض المشروبات من الأسفل تاركة نادر وبدور يشملهما الصمت. والذي كان نادر أول من قطعه هاتفا في مشاكسة:
أنا هعتبر الكلام اللي قلتيه لوالدك اعتذار على أسلوبك اللي عاملتيني بيه في الكلية.
هتفت بدور في لامبالاة:
على فكرة أنا مغلطش معاك فالكلية. أنت اللي غلطت واعتذرت وانتهينا. مش لازم أبدا أخد وأدي معاك وكأنك عملت فيا جميل إنك اعتذرت لي.
هتف نادر مغتاظًا:
إنتِ مغرورة قوي على فكرة.
قهقهت بدور في لامبالاة:
وأنت شايف نفسك أوي على فكرة.
هتف نادر محتدمًا:
أنا عمري ما...
توقف عن الكلام عند حضور نعمة بالمشروبات والحلوى، وتناول قطعة من الكيك دافعًا بها لفمه في حنق، لتحذو بدور حذوه ممسكة بتلك القطعة التي ناولتها إياها نعمة في محبة تقضم منها في تلذذ أورثه المزيد من الحنق دافعًا إياه ليهبط الدرج مبتعدًا عن محياها. تاركًا تلك المغرورة بصحبة نعمة.
***
دفع مروان الباب ذو المفصلات المرنة التي تساعده على فتحه لأي اتجاه، ما يساعده على مرور كرسيه المدولب في بساطة لخارج حجرة. والملحق لها شرفة واسعة تطل على حديقة يتم الاعتناء بها على الدوام. اعتقادًا أنها قد تساعده على الخروج من عزلته التي فرضها على نفسه.
قرر سيد وثريا أن لا يحيطا الدار بأي سياج أو سور مرتفع كما هي العادة. وخاصة من ذاك الجانب الذي يحيط بغرفته ليعطيا له شعورًا بالبراح والراحة دون حدود أو حواجز.
خرج للشرفة يتطلع لمفردات ذاك النهار الشتوي الدافئ مستمعًا لنصيحة أمه التي تحاول جاهدة أن تدفع به للخروج من شرنقته التي أحاط بها روحه.
تنهد في راحة متطلعًا حوله وقد شعر بحركة وحفيف لبعض الأغصان المتكسرة هنا وهناك. أرهف السمع محاولًا استطلاع مصدر ذاك الصوت. حتى ظهر هو دون مقدمات. كان يسير في عظمة غير مكترث بما أو بمن حوله.
ارتفعت ضربات قلب مروان عند مطالعته هذا الجمال الذي افتقده لسنوات طويلة.
كان متمثلاً روحًا وجسدًا وعنفوانًا لا صور يرسمها يحاول بها تذكر فرسه التي رحلت حزنًا عليه بعد حادثته.
ظل متسمرًا موضعه لا يقوى على الحركة حتى لا يفزع ذاك الفرس الأشهب فيولي هاربا. إلا أنه تذكر أن طبق الخضراوات التي يصر على وضعه جواره وهو يرسم هاهنا بالقرب منه. كان قد جلبه معه من الداخل لحسن الحظ بلا رغبة حقيقية في تناوله. مد كفه في هدوء يتناول جزرة من الطبق وبدأ في إصدار صوت ترحيب يستدعي به الفرس إليه مظهرا الجزرة النضرة ملوحًا بها.
نفر الفرس واشرأبت عنقه عن الأرض التي كان يبحث بها عن أثر لطعام وتطلع نحو مروان في توجس.
طال الوقت ومروان يحاول استمالته حتى يقترب مغريًا إياه بالمزيد من الجزر. ما دفع الفرس ليتخلى عن حذره متقدمًا بخطى وئيدة نحو مروان. حتى توقف قبالته ينتظر مكافأته.
قدم مروان له الجزرة والتي بدأ يتناولها الفرس في شهية واستحسان ليمد مروان كفه لعنقه رابتا عليها في ترحيب وسعادة لا توصف، متسائلاً وهو يمد له كفه بجزرة أخرى:
اسمك إيه بقى! ومين صاحبك اللي ساب الجمال ده كله جعان كده!
صهل الفرس في سعادة وكأنما استشعر مجاملة مروان. ما دفع مروان للضحك في سعادة مماثلة.
وما أن هم بإعطائه المزيد من الجزر حتى ظهر رجل ما هاتفا في حنق:
إنت هنا يا سي عنتر وملففني النجع وراك. أموت وأعرف أنت بتهرب من الإسطبل كيف!
وجذب الخفير رسن الفرس في شدة هاتفا بلا مقدمات لمروان:
متشكرين يا بيه.
صهل الفرس اعتراضا على المغادرة، إلا أن الخفير جذبه بعنف ليسير خلفه مهادنًا بلا حول ولا قوة، ونظرات مروان تتبعه في حسرة.
***
جلست نوارة على أحد المقاعد وجاورتها الدكتورة سميحة هاتفة بنبرة ودودة:
إنت إيه اللي خلاكي تقبلي التكليف هنا يا دكتورة! وإحنا نجع بحضن الجبل والطريق أكيد شوفتيها بنفسك صعبة. والمهمة هنا كمان هتكون صعبة!
ابتسمت نوارة مجيبة في دبلوماسية:
عشان أتعلم على إيدك يا دكتورة. الصراحة أنا سمعت عنك كتير. ويشرفني أكون تلميذة حضرتك.
ابتسمت سميحة في مودة:
بإذن الله. ها نقوم بقى أوريكِ الاستراحة.
نهضت سميحة لتتبعها نوارة هاتفة في نبرة متنحنحة حرجًا:
بس أنا حابة أبلغك يا دكتورة إني مش هبات هنا. أنا هخلص شغلي مع حضرتك وبعدين أرجع على بلدنا. ده كان شرطهم عشان أشتغل هنا.
ساد الصمت للحظات وأخيرًا هتفت سميحة مؤيدة:
مفيش مشكلة. كان نفسي تبقى إقامتك كاملة لأن أكيد أنتِ عارفة إن تخصصنا بيخلينا نشتغل بالليل أكتر لأن معظم الولادات ليلية. بس نحاول نتغاضى عن الشرط ده عشان خاطرك.
ابتسمت نوارة في راحة لتستطرد سميحة مؤكدة ومشيرة لها لتتبعها:
لكن ده ميمنعش إنك تشوفي الاستراحة. عشان لو احتاجتي تستريحي فيها خلال النهار. وكمان تشوفي الوحدة وتتعرفي على المكان.
ابتسمت نوارة مؤكدة:
كلام حضرتك مظبوط. يالا بينا.
اندفعت سميحة خارج الغرفة ونوارة بأثرها. تركتها مستأذنة للحظة لتحضر مفاتيح الاستراحة. هزت نوارة رأسها موافقة في تيه فقد كان ناظرها يتأكد أن ذاك المتغطرس الذي طالعها محياه أول ما أن خطت قدماها تلك الدار قد غاب عن المشهد وترك موضعه الذي كان يحتله كملك متوج ما أن وقعت عليه عيناها.
لكنها انتفضت عندما سمعت الدكتورة سميحة تهتف به متسائلة:
يا رائف!! فين مفاتيح الاستراحة!
إذن فاسم ذاك المتغطرس هو رائف. أي اسم ذاك! لا يمت بصلة لهذا العابس الذي كان ماثلًا بمخيلتها اللحظة محياه الكشر.
انتفضت مستفيقة من خواطرها وعيونها تتبع ذاك الشبح الذي مر على مقربة منها، دافعًا كرسيه المدولب في اتجاه رواق ما كأنه لا يراها من الأساس.
خرج من إحدى الغرف الجانبية على الجانب البعيد من الردهة مارًا بمحاذاتها كأنها ليست هنا. لم يعرها انتباهًا وأكمل طريقه نحو الخارج في لامبالاة عجيبة.
كان رجلًا طاعنًا بالسن. ربما أكبر قليلًا من جدها عاصم. لكنه لا يشبه أبدًا. فذاك الذي مر بها لتوه، كان متجهّمًا، تملأ التجاعيد قسمات وجهه المتغضن، يبدو أن العبوس هو سمت هذه العائلة العجيبة. وتذكرت وجه ذاك العابس الأصغر. لكن ما أن هلت سميحة حتى تعجبت، كيف لهذه المرأة ذات الوجه البشوش أن تكون فردًا من عائلة "ذوي الوجوه الكشرة".
أشارت لها سميحة لتتبعها. فأطاعت في حماسة، سارتا سويًا حتى دارتا خلف تلك الدار الحجرية الضخمة التي يبدو أنها بنيت منذ عهد بعيد. وصلت لنقطة ما لتنتبه إلى ذاك الجسر الخشبي الصغير المصنوع من ساق شجرة ضخمة تم صقلها لتنقلها للجانب الآخر لذاك المجري المائي الضيق الاتساع والأشبه بترعة صغيرة لا يزيد اتساعها عن المتر والنصف المتر. عبرته خلف سميحة دون مهابة. فقد اعتادت على مثله في نجع الصالح وكان موضعًا لمرحها ولهوها وهي صغيرة. خطوات ووصلت سميحة لباب الاستراحة لتضع به المفتاح وتدفعه بعد معالجته في سرعة.
هتفت في أريحية:
اتفضلي يا دكتورة.
مرت للداخل وتبعتها نوارة لتستطرد سميحة مشيرة بكفها للاستراحة:
هترتاحي هنا لأني دايما بهتم بها بنفسي. ودايمًا محافظة على نضافتها.
وتنهدت وابتسامة رقيقة تحمل عبق حنين مخبأ بين طيات الأحرف هاتفة:
الاستراحة دي لها ذكريات جميلة قوي معايا. عشان كده اهتمامي بها كبير.
ابتسمت نوارة بدورها في دبلوماسية، محترمة نوبة الحنين الذي دفع بالمرأة إلى التطلع نحوها في وله، تجول بناظريها أركان المكان كأنها تحتضنه بعيونها في محبة طاغية.
لم تكن نوارة بفتاة حالمة تقيم للمشاعر وزنًا. بل كانت فتاة عملية تقيس الأمور دوما بمقياس العقل وتزنها بميزان المنطق. دوما ما تنعتها أختها سجود بالباردة المشاعر. قاسية القلب. كانت تتهمها أن دراستها للطب حولتها ل "جزارة" لا موضع لشعور آخر يزاحم التعقل داخلها.
تنبهت سميحة أنها شردت فابتسمت من جديد في حرج هاتفة لنوارة:
يالا بينا على الوحدة. هي على بعد خطوتين من هنا. مش بعيدة. هيعجبك جدًا بعض الإضافات اللي اقترحها رائف وأشرف على إضافتها بنفسه.
اضطربت عند ذكر هذا الرائف لكنها أومأت في طاعة لتتبع سميحة التي هتفت مؤكدة وهي تمد لها كفًا بالمفاتيح:
اتفضلي ده مفتاح الاستراحة. لازم يكون معاكِ نسخة منه. عشان لما تكوني عايزة ترتاحي في أي وقت، متتكسفيش تطلبيها.
هتفت نوارة وهي تتناوله منها في امتنان:
كلك ذوق يا دكتورة. متشكرة.
عادت من جديد عبر الجسر الخشبي للجانب الآخر لتسيرا بمحاذاة سور الدار على طول الطريق حتى وقع ناظرها على ذاك المبنى الأبيض ذي الطابقين الماثل لها بالأفق هناك. ظلت عيناها متعلقة بالمبنى حتى مر أمامه ذاك الطيف قاطعًا الصورة. كان أشبه بهؤلاء الفرسان في أحد الأفلام القديمة مارًا على فرسه الأدهم الذي أطلق ساقيه للريح. لولا أنه لا يرتدي عمامة ولا يشهر سيفه. لاعتقدت أنه بالفعل فارس يندفع في بسالة لخوض غمار معركة حامية.
كان يسابق الريح عدوًا، ترفرف خلفه عباءته في حرية والتي كان يرتديها على ملابس حديثة من قميص وبنطال.
غاب سريعًا عن المشهد كما ظهر بشكل خاطف. مخلفًا خلفه عاصفة من غبار والتي اختفت في التو ليظهر مبنى الوحدة الصحية الأبيض من جديد لكنه أكثر وضوحًا وقد أصبحتا قاب قوسين أو أدنى من عتباته، لتنسى نوارة كل ما مر بها منذ وطأت قدماها هذا النجع، إلا مهمتها التي جاءت من أجلها عندما تخطت عتبات الوحدة وشعور الحماسة يغمرها.
***
كان يقف متطلعًا إلى الحديقة الخلفية من موضعه كعادته وابتسم رغما عنه عندما سقطت عيناه على تلك الأرجوحة القديمة التي ما عاد أحد يستخدمها.
كان قد صنعها عمه ماجد من أجل زوجته إيمان بناءً على رغبتها. وأصبح الجميع يتنافس في الجلوس عليها والاستمتاع بها. يذكر يوم أن جاءت تحاول الصعود إليها ولم تستطع، فهتفت به تستوقفه وهو يحمل الكرة التي سقطت أسفل الأرجوحة ليعود بها لرفاقه ليلعب:
تعالى يا عاصم. ساعدني عايزة أركب.
تذكر يومها كيف نهرها في حنق:
وهو ده وقته. اصبري أخلص الفورة وأجيكي.
صمتت ساعتها ولم تعقب، بل إنها وقفت بلا حول ولا قوة جوار الأرجوحة، تتطلع إليها في حزن، ليتنهد هو في قلة حيلة، لا قبل له على تحمل حزنها الذي كان يتسرب من نظراتها، فيوقظ الرحمة بداخله من سباتها ويشعل قناديل المودة بجنبات روحه، فدفع بالكرة بعيدًا حيث كان ينتظر أصدقاءه، وتوجه إليها يحملها في حرص حتى وضعها فوق الأرجوحة وبدأ في دفعها بخفة، لتتعالى ضحكاتها مع كل دفعة ويعلو بالتبعية إحساس عجيب من السعادة لديه، فسره كطفل لحظتها أنه سعيد لإرضائها. لم يكن يدرك أن قلبه الغر سقط صريع تلك النغمات الملائكية التي كانت تجود بها في فرحة ليترنح قلبه منشًيا.
اليوم، بل في تلك اللحظة ود لو يعود الزمان إلى تلك اللحظات التي ما عرفا فيها قيدًا، ولا عرف قربهما حدًا. تمنى أن يعودا طفلين فما نفع عمرًا أضافت سنونه إليهما وجعًا وباعدت بينهما قسرًا.
انتفض موضعه عندما هتفت أمه توقظه من أحلام يقظته هاتفة:
إيه يا عاصم! اللي واخد عقلك.
ابتسم متطلعًا إليها هاتفا:
هيكون إيه يعني! الشغل ومشاكله.
ابتسمت تهتف متخابثة:
الشغل ومشاكله هيخلوا الضحكة على وشك كده! ده باينها مشاكل حلوة قوي.
قهقه عاصم مؤكدًا:
آه من اللف والدوران بتاع الأمهات ده. عايزة إيه يا حاجة تسنيم!! حاكم أنا عارف مبتشرفنيش في أوضتي إلا لو وراكِ حاجة. اعترفي.
قهقهت تسنيم مؤكدة:
وحياتك أبدًا. أنا بس عايزة أفرح بيك. ده أنت أول فرحتي يا عاصم. معقول يعني مفيش بنت ناس حاطط عينك عليها!
اضطرب عاصم للحظة، وأخيرًا هتف مؤكدًا:
ما أنا قلت لك. مش هتجوز إلا لما أطمن على نوارة وسجود. البنات تتجوز وبعدين أفكر في حالي.
هتفت تسنيم معترضة:
بنات مين اللي هتستناهم دول! نوارة جاها التكليف وفاكرة نفسها هتعدل ميزان الصحة في مصر.
قهقه عاصم لتستطرد في حسرة:
وسجود. دخلت لنا آداب فرنساوي. وجاعدة تبرطم في الرايحة والجاية، زي اللي راكبها عفريت.
قهقه عاصم من جديد:
طب ما البنات زي الفل أهو يا دكتورة. اللي يشوفك وأنتِ بتتكلمي كده، هيقول إنك ضد تعليم المرأة.
تنهدت مؤكدة:
لا ضد ولا حاجة. أنا نفسي رفضت اتجوز أبوك إلا لما أخلص كليتي، بس أنا بتكلم كأم نفسها تطمن على بناتها مع رجال تستاهلهم.
يا رب يبعت لهم رجال ميتخيروش عنك يا حبيبي.
ابتسم عاصم واقترب منحنيًا يقبل هامة أمه هامسًا:
ربنا يعزك يا أمي. هايبعت لهم الأحسن بإذن الله.
هتفت تسنيم معترضة:
وهو أنت فيه زيك! طب ده يا سعدها وهناها اللي ربنا هايكرمها بيك.
قهقه عاصم مشاكسا أمه:
الجرد في عين أمه غزال.
هتفت تسنيم في دفاع مستميت:
فشر. جرد إيه! ده أنت الباشمهندس عاصم الهواري. ست البنات تتمناك. يا رب يرزقك يا حبيبي باللي تريح بالك.
تضرع قلبه في خشوع مؤمنًا. واستقرت عيناه خارج النافذة من جديد بعد أن غادرته أمه. ليجد زهرة تسير باتجاه الأرجوحة القديمة، تتطلع إليها في سعادة وتدفع بها في أريحية. وتساءل في نفسه.. أتراها تذكر كم من المرات أخرجته من معترك مباراة ما حتى يدفع بها لتجلس على الأرجوحة، وينتهي به الأمر لترك المباراة والدنيا بأسرها في سبيل إسعادها وسماع رفرفات ضحكاتها الندية كالفراشات تحط فوق بتلات قلبه الغض!
تركت زهرة الأرجوحة تترنح كقلبه في حضرة طيف ذكرياتهما. وسارت حتى حجرة القراءة لتجلس بعد أن تناولت أحد الكتب، تغرق بين صفحاته كعادتها، بينما يغرق هو في محياها كعادته.
***
طرق سمير على باب غرفة سهام طرقات متتابعة أشبه بالطبول ما دفعها لتبتسم هاتفة له:
ادخل يا سمير.
دلف للحجرة هاتفا بدوره:
أخبار عروستنا اللي هنخلص منها قريب إيه!
تطلعت سهام نحوه متعجبة وهتفت مستفسرة:
عروسة إيه! وتخلص من مين! أنت قصدك إيه!
هتف سمير متخابثًا:
جالك عريس يا مفعوصة. جاه وطلبك مني.
هتفت سهام بلا اهتمام:
ومين ده بقى! وليه مجاش يطلبني من أبويا على طول!
أكد سمير:
لا ما هو جاه يجس النبض ويشوف فيه قبول وبعدها يجيب العيلة كلها.
أكدت سهام في حزم:
بس أنا مش عايزة أتچوز.
هتف سمير متعجبًا:
طب مش لما تعرفي هو مين الأول وبعدين أبقى جولي مش عايزة!
هتفت سهام:
هيكون مين يعني!
هتف سمير مجيبًا:
يونس بن الحاج حامد الحناوي.
هتفت سهام مؤكدة:
مخلفش كتير. هو نفس الرد. أنا مش عايزة أتچوز قبل ما أخلص دراستي. وأنا لسه جيلي سنتين.
هتف سمير:
يعني أرد ع الراجل ولا أسيبك تفكري شوية!
هتفت سهام:
اصبر يومين وبعدين جوله. وكويس إنك مبلغتش أبوك وأمك. وكمان ستي سهام. كانت مسكت فيه وقالت لك خليه ييجي هو وأهله وكانت هتبقى حكاية وكنت هرفض برضو. يبقى ليه من أساسه!
هتف سمير محتجًا:
بس أنا شايف يونس ميتعيبش يا سهام. باشمهندس زراعي وأخلاقه كويسة. أنا بقول أقول لأبوكِ وهو يتصرف.
انتفضت سهام ترجوه:
لااااه. بلاش يا سمير. أنا مش عاوزة دوشة دماغ ع الفاضي. أنا مش عوزاه.
همس سمير متطلعًا لأخته في ريبة:
بت يا سهام. هو فيه حد تاني!
هتفت سهام في عجالة:
والله ما في لا حد ولا سِت. الموضوع بس إني مش عايزة الناس تيجي ويترفض وممكن تبقى زعلة. خليها كده في المداري يا سمير. هو بنفسه شاكك إني أقبل. عشان كده جالك أنت مش لأبويا على طول. يبقى ليه!
تنهد سمير في قلة حيلة مؤكدًا:
أنتِ عندك حق. واضح إنه مش عايز الموضوع يوسع. وهو جالها. يجس النبض. يبقى تمام على كده. يومين على قولك وأقوله مفيش نصيب. مع أن الواد كويس. طب فكري تاني لحد ما أرد عليه. يمكن.
أكدت سهام تحاول مهادنة أخاها الأكبر:
طيب تمام وماله. مش هيجرى حاجة. هفكر.
هز سمير رأسه موافقًا وتركها مغادرًا يتمنى لو غيرت رأيها خلال اليومين القادمين. فهل ستفعل!
***
طرق باب حجرة المكتب في هدوء ليسمح له ماجد بالدخول وهو ينهي حديثه مع زهرة ابنته التي كانت تحتل المقعد المقابل له.
دخل الدكتور محمد هاتفا:
السلام عليكم يا دكتور ماجد. ليا طلب بس عند...
توقف محمد ما أن وقعت عيناه على زهرة التي تغير لون وجهها خجلًا واخفضت نظراتها حياء.
استطرد محمد هاتفا في إحراج:
أنا آسف. معرفش أن حضرتك عندك حد.
هتف ماجد مبتسمًا:
حد مين! تعالى يا دكتور محمد أدخل. دي زهرة بنتي.
عندك كمان. يعني المفروض هي اللي تقوم تعمل تعظيم سلام دلوقتي لأستاذها.
قهقه محمد في أريحية وزهرة تتطلع لأبيها بنظرات لائمة على إحراجها بهذا الشكل.
هتف محمد مؤكدًا:
إحنا اتقابلنا مرة فعلًا. وكانت خارجة من عند حضرتك برضه.
هتف ماجد مبتسمًا:
آه يا سيدي. دي من المرات النادرة اللي الأستاذة بتتكرم عليا فيها بالزيارة. قال إيه.. عايزة تحس إنها طالبة عادية. مش بنت الدكتورة إيمان والدكتور ماجد الهواري.
تطلع محمد في إكبار إلى زهرة التي كانت تجلس يتأكلها الخجل مؤكدًا في نبرة ودودة والإبتسامة لا تفارق شفتيه:
عندها حق. عايزة تكون جديرة بترتيبها الممتاز على الدفعة. من غير ما يكون لكم يد في ده. تلميذة نجيبة.
هتف ماجد مازحًا:
ماشي يا دكتور. ع العموم ربنا يسهل وتفضل نجيبة السنة دي كمان، عشان تستحق التعيين في الكلية.
ابتسم محمد متطلعًا إلى زهرة التي رفعت رأسها تهم بالرد على كلام أبيها، لكنها ابتلعت كلماتها ومحمد يهتف مؤكدًا:
أنا متأكد إنها هتكون زميلة بعد كام شهر. وهتستحق التعيين بجدارة.
تنبهت زهرة لنظراته التي كانت لا تحمل إلا التقدير والاحترام لكنها رغم ذلك أربكتها كليًا لتصمت دون أن تنبس بحرف واحد ولا حتى شكرًا على مجاملته وتمنياته الطيبة لها. بل على العكس نهضت في عجالة مؤكدة بكلمات متعجلة مضطربة أن عليها المغادرة لتلحق بالمحاضرة القادمة والتي هي على وشك البدء. خرجت من غرفة مكتب أبيها. مستشعرة ضربات قلبها تصم أذنيها عن كل ما حولها عدا صوته. الذي كانت نبرته الرخيمة تطرب روحها.
***
لا تعلم كيف جاءها ذاك الملف دون أن يمر على أبيها للاطلاع وإجازته. كان ذاك إهمال لا يمكن السكوت عنه. نهضت مندفعة نحو مكتب أبيها باحثة عن سكرتيرته الحسناء التي لا تحسن شيئًا إلا التزين والوقوف أمام المرآة. هكذا كانت تصفها فريدة دوما متحاملة. رغم أنها تقوم بعملها على أفضل وجه. فلولا تمكنها لما كانت سكرتيرة رئيس مجلس الإدارة ذاته. وما حظيت بهذا المنصب الهام.
وصلت فريدة إلى المكتب واندفعت للداخل هاتفة في حنق:
أنتِ إمتى هتشوفي شغلك صح!
ودفعت بالملف ليسقط أمام السكرتيرة التي اضطربت في توتر لعلمها بشدة فريدة وعدم تهاونها في ارتكاب أية أخطاء مهما كانت هينة. أمسكت السكرتيرة بالملف بين يديها هاتفة في تساؤل وبنبرة مضطربة:
إيه بس اللي حصل يا أستاذة فريدة!
هتفت فريدة في ضيق:
سؤالك من أساسه بيأكد إنك مش عارفة تشوفي شغلك مظبوط. من إمتى بيتعرض عليا ملفات مخدتش تأشيرة من الباشمهندس حمزة بنفسه! بصي كده ع الملف. فين تأشيرة خروج الملف ده من مكتبه. ده اسمه استهتار. لأن لو ده ملف صفقة مهمة وكبيرة. كان هايبقى فيها كلام تاني يا أستاذة.
وقفت السكرتيرة ترتجف لأن فريدة كان لها كل الحق في تأنيبها وهتفت تدافع عن نفسها بنبرة معتذرة:
أنتِ عندك حق يا أستاذة فريدة. بس الظاهر عم منعم الساعي اللي بعته بالملفات لحضرتك. خد الملف ده معاهم بالغلط.
هنا ارتفع صوت فريدة مؤنبة:
عذر أقبح من ذنب يا...
هنا انفرج باب مكتب أبيها ليظهر حمزة مستفسرًا عن تلك الضوضاء الآتية له حتى الداخل:
إيه في! إيه اللي جرى يا فريدة عشان صوتك يعلى للدرجة دي! تعالي جوه نتفاهم.
كتمت فريدة حنقها، وتطلعت للسكرتيرة في لوم مندفعة خلف أبيها لداخل غرفة المكتب مؤكدة في نبرة عملية:
إهمال وتسيب. دي مش طريقة شغل محتر...
قطعت كلماتها التي غصت بحروفها وهي تتطلع لذاك الذي كان يجلس على أحد مقاعد طاولة الاجتماعات الضخمة ملتهيًا ببعض الأوراق المبعثرة أمامه. والذي ما أن رفع رأسه متطلعًا إليها، حتى شعرت بأن الأرض تميد بها. لكنها قاومت في بسالة واستجمعت قواها وشحذت همتها التي استنفذت كل طاقتها تقريبًا وهي تسير نحوه برفقة أبيها لينهض في تأدب مادا كفه إليها وحمزة يعرفه لها وكأنها لا تعرفه:
الباشمهندس نزار الغمري يا فريدة. طبعًا أكيد سمعتي باسمه. أشهر من نار على علم.
مدت كفها الباردة ليتلقفها نزار محييًا إياها في رسمية ظاهرية متطلعًا نحو حمزة هاتفا:
العفو يا حمزة بيه.
وحاد بناظريه تجاهها:
تشرفنا يا آنسة فريدة.
سحبت كفها منه في ثبات تحسد عليه، وهتفت في نبرة باردة:
أستاذة فريدة.
تطلع نحوها في تعجب، قبل أن يهتف في نبرة حاول أن يكسوها الثبات:
تشرفنا يا أستاذة فريدة.
ما أن أنهى كلماته، حتى تجاهلته فريدة موجهة ناظريها تجاه أبيها مؤكدة:
أنا في مكتبي يا باشمهندس حمزة. عن إذنك.
وتحركت في اتجاه باب المكتب مغادرة، تاركة إياه غارقًا في حيرته. حتى أنها غادرت دون أن تلق التحية المعتادة، كأنه ليس هنا من الأساس.
***
نزلت الدرج في هدوء كعادتها. كانت مثالًا للرقة والوداعة على حق. طالعتها جدتها الحاجة وجيدة. رأس عائلة أبو منصور. والتي كانت لها جذور عريقة في نجع الصالح هاتفة في محبة:
اللهم بارك. ربنا يحفظك من العين يا حبيبة ستك. الله أكبر.
ابتسمت لجدتها لأمها هاتفة في نبرة هادئة:
مش للدرجة دي يا ستي.
هتفت الحاجة وجيدة معترضة:
للدرجة دي ونص كمان. أنتِ معرفتيش جدرك. ولا عارفة أنتِ بت مين ولا إيه!
هزت رأسها مؤكدة أنها تحفظ سلسال العائلة الكريمة حتى الجد السابع قبل أن تفكر جدتها في سرد حكاياتهم عليها كما كانت تفعل عندما كانت فتاة صغيرة.
وهتفت مستأذنة:
أنا خارجة أتمشى شوية يا ستي. النجع وحشني.
هتفت الحاجة وجيدة مؤكدة:
وماله يا بتي. بس خدي مرعي الغفير معاكِ.
هتفت معترضة:
هاخد الغفير معايا وأنا بتمشي يا ستي! ليه يعني!
هتفت وجيدة في صرامة:
إيه ده. يا كده يا بلاها. يعني...
هتفت الفتاة في ضيق تحاول كبح جماحه:
خلاص يا ستي. هروح الإسطبلات. بلاها خروج.
هتفت جدتها بلامبالاة:
يبقى أحسن.
سارت الفتاة لخارج دار أبو منصور في اتجاه الإسطبلات التي كانت تقبع في الجهة الخلفية من الدار. دخلتها باحثة عنه. صهل كأنما استشعر وجودها. وصلت لموضع وقوفه شامخًا وربتت على عنقه في ترحاب ليهز رأسه في سعادة بالغة لمرآها. فتحت الحاجز ودخلت إلى محبسه الذي كان الخفير يحكمه حتى لا يخرج كعادته على حين غفلة منه.
افتقدت اعتلاء صهوته فوضعت قدمها على المهماز. موضع القدم المدلى من السرج الذي للعجب وجدت موضوعًا على ظهره وكأنه كان معدًا من فترة للركوب. لكن لمن يا ترى! لم تشغل بالها. فهي تعلم أن الخفير لم يكن بالكفاءة الكافية للتعامل مع الأحصنة. كان الإسطبل يلزم خبيرًا منذ زمن. لكن رغبة جدتها في عدم تكليف أحدهم بمسؤولية الإسطبل. جعل الخفير يهمل قليلًا فيما يخص الفرس.
شعرت بالسعادة وهي على صهوة الفرس بهذا الشكل الذي لم تستشعره منذ زمن. فقد كانت تركبه دوما في غفلة من جدتها حتى لا تنال منها وصلة تقريع لا داعي لها. أمسكت برسنه متخيلة أنها تقوده على الطرقات في خيلاء. لكن للعجب وجدت الفرس قد تحرك كأنما أحس رغبتها دافعًا الحاجز الذي نسيت إغلاقه عند دخولها.
كادت أن تصرخ مستنجدة وهو يبتعد بها وهي لا قدرة لها على إيقافه فهي لم تكن خبيرة في امتطاء الخيل.
بدأ الفرس يسرع الخطى مغادرًا حدود الدار من منفذ بالسور الخلفي كان يحفظه عن ظهر قلب.
حاولت من جديد إيقافه بلا جدوى ولا تملك الشجاعة الكافية للجرأة للقفز من على صهوته قبل أن يسير بها متبخترًا بطرقات النجع، لتصبح مثار حديث ولغو هي في غنى عنه. وإذا ما وصل الأمر لجدتها فلن تكون العواقب سليمة أبدًا. فالحاجة وجيدة لا تتهاون في مثل هذه الأمور.
تنفست الصعداء عندما اتخذ الفرس مسارًا مغايرًا للطريق الترابي للنجع متسللًا لحديقة خلفية لدار ما. كانت مهجورة لفترة ثم عاد لها ساكنوها. لم تكن تهتم بمثل هذه الأخبار. من عاد ومن رحل. لم يكن هذه الأخبار تعنيها. فقد وضعتها جدتها بمعزل عن النجع وناسه وكل ما يدور به.
توقف الفرس عند شرفة الدار ولم يتزحزح ولو خطوة. كان جل اهتمامها ينصب على محاولة إقناعه بالابتعاد عن الدار فلربما يخرج أحد قاطنيها موبخًا إياها. لكن الفرس لم يستجب بل إنه صهل في ثقة كأنه ينادي أحدهم نكاية فيها.
كادت أن تسقط عن ظهر الفرس هلعًا عندما دُفع الباب ليخرج منه شخص يجلس على كرسي مدولب حاملاً صحنًا ضخمًا مملوءًا بالفواكه وبعض الخضروات.
هتف الشاب في أريحية من خلف الباب قبل أن يصبح على الشرفة بالفعل:
في ميعادك بالضبط يا أستاذ عنتر.
تنبه مروان لوجود أحدهم يعتلي صهوة الفرس فتوقف بكرسيه للحظة متطلعًا إليها في اضطراب عندما أدرك أنها فتاة لم تكن بأقل من اضطراب وهي تقف هكذا أمام غريب لا تعرفه. غير قادرة على التحكم في الفرس لترحل أو حتى عندها الشجاعة لتترجل عن صهوته دون مساعدة من أحدهم.
كان مروان المتحدث أولًا قاطعًا الصمت السائد بينهما هاتفا:
ده فرسك!
هزت رأسها إيجابًا ثم في نفس اللحظة هزت رأسها نفيًا. ابتسم لهذه الإجابة المتضاربة.
تحرك عنتر عندما استشعر أن مروان لم يعد يوليه الاهتمام المعتاد وتأخر في تقديم هداياه من الجزر، لينم عنها شهقة فزع ما أن بدأ عنتر بالتحرك. استشعر مروان خوفها ما دفعه ليهتف بعنتر ليعاود ثباته ما أن قدم مروان له الجزر الذي تلقاه في لهفة وسعادة.
هتفت الفتاة في خجل:
متشكرة.
هتف مروان في ثبات رغم اضطرابه الداخلي:
لو حابة تنزلي استغلي إن عنتر ملهي في الجزر. ويالا.
اضطربت هي غير قادرة على الإجابة لكن عندما تذكرت العواقب التي يمكن أن تواجهها إذا ما خرج عنتر للطريق قبل أن تترجل عن صهوته جعلها ذلك تهمس في خجل:
مبعرفش أنزل لوحدي.
تطلع مروان إليها للحظة قبل أن يشير لكرسيه المدولب في خيبة:
وأنا زي ما أنتِ شايفة. عاجز.
تطلعت نحوه عندما نطق كلمته الأخيرة بهذه النبرة التي تحمل وجع الكون بمكنوناتها.
تلاقت نظراتهما لبرهة، قبل أن يستطرد في نبرة مغايرة، بعد تنهيدة حسرة:
بس خليني أحاول.
تحرك بكرسيه في اتجاه ذاك الممر الخشبي الذي صنعه والداه عبر الحديقة ليستطيع التجول بها دون أن تعلق عجلات كرسيه ببعض الحصى أو الأوحال.
توقف بكرسيه بالقرب من موضع المهماز الذي يحمل قدمها على سرج الفرس. ومد كفه ممسكًا بالسرج مثبتًا الفرس على قدر استطاعته. هاتفا بعنتر آمرًا إياه ألا يتحرك. وقد أطاعه الفرس منصاعًا. وما أن تأكد له أن الفرس تحت السيطرة حتى رفع ناظريه إليها آمرًا إياها:
شيلي رجلك من على المهماز وحطيها هنا.
كان قد ضم كفيه معًا، مشبكًا أصابعه ليصنع لقدمها موضعًا تستند عليه لتستطيع النزول. لكنها تطلعت لكفاه المتشابكتين في اعتراض هاتفة برفض:
لااا.. مش هاينفع. لااا خلاص.
هتف بها مروان مطمئنًا:
متخافيش. مش هفلتك ومش هتوقعي. ربنا عوضني عن قوة رجلي في إيدي.
هتفت به الفتاة في اضطراب:
أنا مش خايفة عليا. أنا خايفة عليك. يمكن أأذيك في نزولي. أنا هحاول أنزل لوحدي وخلاص.
هتف بها مروان محاولًا إقناعها:
اسمعي كلامي بس. دي أأمن طريقة ل...
لم تكن تستمع من الأساس. بل إنها جابهت خوفها وتشجعت لتترجل عن الفرس بالفعل. لكن قدمها هي من خانتها وتعلق حذاؤها بالمهماز. لتسقط بالفعل. لكن وجوده في موضعه كان كافيًا ليحميها من إصابة محققة. وهي تسقط بين ذراعيه. تقريبًا جالسة بأحضانه.
ساد الصمت المشوب بالصدمة وكل منهما يتطلع للآخر مأخوذًا. لكن مروان همس أخيرًا بصوت متحشرج حاول أن يكسوه بنبرة مرحة لتلطيف الأجواء المضطربة:
أنا قلت هاتي رجلك بس على فكرة.
واتسعت ابتسامته المضطربة ما جعل الفتاة تنتفض مبتعدة عن ذراعيه. تهرول راحلة من حيث جاءت. وقد نسيت عنتر الذي انتهى من تناول الجزر الطازج بالفعل وبدأ في تذوق التفاح في استمتاع لا يبالي بما يحدث على بعد خطوات منه.
ظل مروان مأخوذًا يتبع بناظريه تلك الهاربة التي لم يعرف حتى اسمها أو من تكون. شارد النظرات لموضع اختفائها. لكنه استفاق على هتافات الخفير المعتادة، كلما جاء باحثًا عن عنتر الهارب، والذي أصبح يعلم جيدًا أين يجده دون جهد يذكر.
جذب الخفير عنتر في سرعة. ولم يكن مروان بعد قد استعاد رشده. فلم يفطن لسؤال الخفير عن من يكون صاحب عنتر. ساعتها كان سيعرف من تكون تلك التي سقطت بأحضانه وهربت كأرنب مذعور تاركة إياه مستشعرًا افتقاد شيء ما بداخله لا يعرف كنهه. سلبته ورحلت هكذا بكل بساطة. تاركة خلفها قلبًا يتألق بكفه الآن. يحمل حرف اسمها الأول. ظل يتطلع إليه مروان أمام ناظريه تخالط جنباته مشاعر شتى. وأخيرًا. ضم على القلب الفضي كفه في وجل.
***
رواية زاد العمر وزواده الفصل الرابع 4 - بقلم رضوى جاويش
طرقات على باب مكتبها جعلتها تضج بسبب انشغالها في فحص أوراق ملف لصفقة هامة قبالتها.
فهتفت في نفاذ صبر: أدخل.
دفع صاحب الطرقات الباب ودخل، ما اضطرها لترفع ناظريها مستطلعة القادم وهي تعدل من وضع منظارها الطبي الذي انزلق قليلا.
اضطربت داخليا وارتفعت ضربات قلبها منتفضة، لكنها لم تظهر كل هذه التأثيرات على محياها الجامد وهي تهتف في نبرة ساخرة تحاول أن تداري توترها خلفها: أي خدمة يا نزار بيه؟ أعتقد غلطت في مكان مكتب بابا.. أقصد الباشمهندس حمزة وجيت خبطت على باب مكتبي بالغلط، ده حضرتك حتى كنت لسه معاه؟
هتف نزار متجاهلا سخريتها: ممكن أقعد؟
أشارت للمقعد المقابل لمكتبها هاتفة في لامبالاة: اتفضل.. مع أني مش عارفة أيه مناسبة الزيارة الكريمة دي!
جلس في أريحية فاتحا أزرار سترته القيمة، ما أورثها حنقا متزايدا حاولت كتمانه والظهور بمظهر القادرة.
هتف في هدوء: زيارتي لها سبب أكيد. كان الباشمهندس حمزة هيستدعيكِ لمكتبه عشان يبلغك إنه أسند لك العمل على ملف الشراكة اللي ما بين شركتي وشركتكم.. وطبعًا ده بناء على طلبي.
ابتسمت في سماجة هاتفة بنبرة رسمية: تمام.. شراكة موفقة إن شاء الله.. وأنا هبذل كل جهدي لإنجاحها.
زم ما بين حاجبيه متطلعا إليها لبرهة هاتفا في تعجب: أنتِ مش هاترفضي الإشراف على ملف الشراكة؟ ده أنا كنت جاي مخصوص عشان أقنعك.
تطلعت إليه لبرهة ثم ارتفعت ضحكاتها التي تحمل صدى ساخر نوعا ما مؤكدة: لا مكنش فيه داعي لتعب حضرتك أبدًا.. وهرفض ليه من الأساس؟ ده شغلي يا نزار بيه.. وطالما رئيس مجلس إدارة الشركة دي أسنده ليا.. يبقى هقوم به على أكمل وجه.
ساد الصمت بينهما لتستطرد هي في نبرة عملية وهي تنهض من موضع جلوسها في اتجاه طاولة صنع القهوة متسائلة: أعمل لك قهوة معايا؟
هز رأسه نفيا لتستطرد حديثها وهي تعد لها كوبا من قهوتها التي لا تستغيثها إلا مرة: وبعدين.. أرفض ليه الإشراف ع الشراكة؟ ليه هعمل كده من أساسه؟
تردد نزار محاولا تجميع كلماته في حرص مؤكدا: أصل يعني.. زمان.. يعني من كام سنة.. حصل إن..
هتفت به تحاول إخراجه من تعثره اللفظي مؤكدة في نبرة صارمة: زمان.. قلت بنفسك زمان.. ومن سنين كمان.. يعني حكاية عدت وخلصت.. أنا شخصيًا نسيتها.. ومين هيفتكر لعب العيال ده أصلًا!
هتف متعجبا: أنتِ لسه صغيرة.. والكلام ده كان من حوالي 5 سنين.. يعني مش فترة كبيرة عش...
قاطعته في حزم: كانت فترة كبيرة بالنسبة لي عشان أنسى.. وفعلاً نسيت.
وعادت خلف مكتبها من جديد تنهي لقاءها معه بشكل حازم ورسمي وهي تمد له كفًا تحييه في برودة: شرفت مكتبي المتواضع يا نزار بيه.
نهض نزار مادا كفه مجيبًا تحية هذا الكف الرقيق الممدود قبالته.. كفها البارد الواثق الذي لم يرتجف للحظة بأحضان كفه.. ظل محتفظًا به لبرهة متطلعا إليها في محاولة لثبر أغوار روحها والتي هو على يقين أنها تحاول حصارها خلف ألف سور من جمود وصلابة لا يعرف من أين واتتها وهي تلك الرقيقة التي كانت تذوب من مجرد نظرة.
ترك كفها أخيرًا عندما خسر المعركة أمام ثباتها المصطنع بحرفية شديدة، والذي انهار في لحظة ما أن غادر مغلقًا الباب خلفه، لتسقط على كرسيها، كانهيار مبنى آيل للسقوط. تنهدت في وجع فقد استدعت قوة على قوتها حتى تستطيع أن تبدو بكل هذا الصمود أمامه. كان أمرًا لابد منه حتى تضع حدًا لتقاربه، والذي لا تعلم إن كان بإمكانها التعامل معه مستقبلًا، أم إنها ستسقط صريعة الماضي، الذي لم يخلف لها سوى الأوجاع.
جهزت بعض الطعام على قدر ما كان متاحًا لها داخل البيت. فحالتهم المادية لم تكن على ما يرام الفترة الأخيرة. مرض أبيها أثر كثيرًا على سير العمل داخل ورشته. وبدأ العمال في التسلل مبتعدين باحثين عن فرص عمل أفضل في ورش أكبر يوميتها أكثر سخاء. هي لا تلوم أحدًا.. فكل منهم له بيت وعائلة مسؤول عن توفير احتياجاتها. رصت الطعام المتواضع ببعض الأطباق على صينية كبيرة وغطتها بغطاء نظيف. فتحت باب الشقة حاملة إياها في حذر، تسير الهوينى حتى تحافظ على ما تحمل دون فقد، فلا رفاهية لتعويض ما قد يفقد.
سارت بضع خطوات في اتجاه ورشة أبيها لتجده يخرج من باب بيت جده تبدو على ملامح وجهه الجدية المفرطة. لابد وأن أمرًا جلل حدث أو ربما هو مقدم على أمر بالغ الأهمية. قرأت قسمات وجهه بكل يسر ما جعلها تتنهد في حسرة على حالها حينما تسقط عيناها عليه. لو كان بمقدور الإنسان أن يخير في أمر ما.. لاختارت أن تتحكم في أمر قلبها الذي يشقيها. فمنذ كانت صبية وهي تركض خلف باقي الفتيات لتوسعهن ضربًا حتى لقبنها بـ "أمنا الغولة". لم تكن تستأسد عليهن رغبة في فرض سيطرتها، لكن كل ما هنالك أنها كانت تغار من مجرد شعورها باهتمامه بإحداهن.
كم كانت حمقاء! كانت تعتقد أنها لو أبعدت عنه كل فتيات الحارة سيكون ذلك كفيلًا ليتنبه لما تكنه له من مشاعر. كم عذبتها وهي بعد طفلة لا تدرك شيئًا عن أمر الهوى وعذاباته. صديقتها المقربة هي أخته وما كان لها البوح بمكنونات قلبها لنعمة مهما حدث. ولا أم لها قد تخبرها فتجود عليها بخبرتها مرشدة لها بكيفية التعامل مع مثل هذه الأوجاع التي يعاني منها قلبها بقربه المهلك ذاك. أنها وحيدة تمامًا أمام جحافل عشقه التي تقاتلها مسلوبة الإرادة، خائرة القوى، كفارس أعزل تمامًا، لا يملك سلاحًا أمام وحش كاسر.
كادت أن تصل لورشة أبيها ليدرك وجودها أخيرًا رغم أنها كانت تسير بمحاذاته. لكنه كان منشغلًا يقلب في جواله غير مدرك لمن حوله. هتف في أريحية وبصوت عادي النبرات ما: صباح الخير يا حُسن.. صباح الخير يا عم سالم.
لم ترد صباحه البارد النبرة الأكثر اعتيادية من انفاس صدرها وهي تضع صينية الطعام جانبا. بينما هتف أبوها من بين نوبات سعاله التي تقلقها مجيبًا تحيته. كان سلامًا أشبه بسلام يلقيه على شخص قد يجمعه به اللقاء صدفة. سلام رسمي يخلو حتى من ابتسامة رضا تنسج حولها الحكايا.
تنهدت من جديد في حسرة وهي تدعو أباها والعامل الوحيد الذي استمر في العمل معه ولم يرحل. وعلى الرغم من عدم ارتياحها لهذا الشاب المدعو محروس.. إلا أنها شكرت له صنيعه وتمسكه بالعمل. فوالدها غير قادر على إدارة الورشة منفردا، وخاصة في ظل حالته الصحية غير المستقرة مؤخرًا.
استأذنهما ورحلت عائدة للبيت ونظرات محروس تتبعها في غفلة من أبيها الذي كان غارقًا في تناول الطعام.
ثلاث ليال لم يذق طعمًا لنوم هانئ. كان كمن ينتظر حكمًا بالبراءة بعد إدانة محققة. انتفض من موضعه ما أثار فزع أخيه راضي الذي صرخ به: إيه في؟ الجيامة جامت؟
هتف يونس وهو يقفز داخل جلبابه: النهاردة سمير هيجول لي رأيها زي ما اتفجنا.. ادعيلي يا واد يا راضي.. حاكم أني مفاصلي سايبة.
قهقه راضي هاتفا: ليه ياخوي.. نتيچة دخول الچنة.. وافجت خير وبركة.. موافجتش.. م..
هتف يونس في حنق مقاطعًا إياه: متبشرش ببوزك الناشف ده.. بإذن الله هتوافج.
واندفع يونس في اتجاه المسجد الذي دخله في وجل باحثًا عن سمير. وما أن وقعت عيناه عليه حتى اندفع نحوه يجاوره بالصف شارعًا في الصلاة. والتي بعد عدة دقائق أنهاها وما عرف كيف انتهت من شدة توتره. تنبه سمير لوجوده وتطلع إليه مشفقًا. اتجها سويا دونما اتفاق بنفس ذاك الركن المتطرف بالمسجد وما أن استقرا حتى عاجله يونس في لهفة: هااا.. إيه الأخبار؟
هتف سمير دون مواربة: الصراحة يا يونس.. مفيش نصيب.
تطلع يونس إليه في صدمة، حتى أنه لم ينطق حرفًا، ليستطرد سمير محاولًا تخفيف وقع الرفض على نفس يونس: والله أنت ما تتعيب.. وأنا جلت لك أبلغ أبويا وكان يبجى كلام رچالة من أولها، وأنت اللي جلت لاه.. أعرف رأيها الأول.
هز يونس رأسه موافقًا في محاولة لاستجماع شتات نفسه، ليستطرد سمير: هي مش رفضاك.. هي بس عا..
أشار له يونس بكفه ليصمت، راغبًا أن لا يكمل سمير حرفًا واحدًا قد يزيد الطين بلة.. فالرفض رفض أي كان سببه.. والشاهد الأخير أنها لا تريده.. لا رغبة لديها فيه كزوج وشريك حياة.
نهض يونس في تثاقل ملقيًا التحية، ليرد سمير في اشفاق على حاله، ولكن ما كان بيده حيلة.. فقد قُضي الأمر.. وسيتقبله يونس عاجلًا أم آجلًا.
عاد يونس يجر أذيال الخيبة، دافعًا قدمه دفعًا ليصل لدار أبيه في صعوبة. دفع باب حجرته في قوة لينتفض راضي نحوه متلقفًا إياه هاتفا: إيه؟ مالك؟
لم يكن راضي في حاجة للسؤال فقد كان قسمات وجه يونس تنبئ بكل أوجاعه التي يعاني اللحظة.
هتف يونس متطلعًا لأخيه في وجيعة: رفضتني.. مش ريداني يا راضي.. وأنا اللي كنت بعد الليالي وأجول ميتا تبجى حلالي.
ربت راضي على كتف أخيه في حزن هاتفا بقوة في محاولة للتخفيف عنه: بلاها.. راحت واحدة تاچي ألف غيرها.
دفعه يونس مترنحًا: لااااه.. مفيشي غيرها يا راضي.. مفيش إلا سهام واحدة بس.. وهي جالت لاه.. جالت لاااه.
ربت راضي على كتفه مهدئًا من جديد ولم يستطع أن ينبس بحرف واحد وهو يرى أخيه على هذه الحالة المزرية. لم يكن يتوقع أن رفضها سيؤثر فيه بهذا الشكل.. لكنه حدث.. ماذا عليه أن يفعل ليخفف عن يونس ما يلاق؟
لم يجد جوابًا ولا حيلة له غير لعنة العشق وعذاباته، والذي يصيب أصحابه بكل هذه الأوجاع التي يراها متمثلة على قسمات وجه أخيه الذي يعاني أمامه اللحظة ولا قدرة لديه ليخفف عنه.
أعلى الجمال تغار منا!؟ ماذا عليك إذا نـــظرنا!؟
هي نظرة تنسي الوقار، وتســـعد الروح المعنّى..
دنياي أنت وفرحتي ومنى الفؤاد..
إذا تمــنّى..
أنت السماء بدت لنا.. واستعصمت بالبعد عنّا..
هلا رحمت متيـماً عصـفت به الأشـــواق وهنّا..
هتف الدكتور محمد عزام بتلك الأبيات في صوت رخيم جعل كل من بالقاعة مسلوب الإرادة منصتًا لجمال الكلمات وبراعة الملقي.
الذي صمت للحظات ووقع ناظره عليها. كانت تجلس في موضعها الذي أبصرها فيه للمرة الأولى فلم يكن من الصعب عليه إيجادها وهو يجول بناظريه باحثًا عنها بين الحضور من طلابه.
كانت زهرة تجلس مأخوذة به كليًا حتى أنها ظلت تتطلع إليه كالبلهاء ولم تحد بناظريها حين ظلت نظراته معلقة بها.
هتف أحد الطلاب مخرجًا محمد عن تيهه مستفسرًا: لمين الأبيات الرائعة دي يا دكتور؟
تنبه محمد وهو يستعيد رباط جأشه محولًا ناظريه عنها، لتستفيق هي من غفلتها بدورها، تشعر بالاضطراب وناظرها يجول بكل ركن بالقاعة إلا محياه.
ليهتف محمد مؤكدًا: الأبيات للشاعر السوداني.. إدريس محمد جَماع.. الشاعر الذي أفقدته الجمال عقله.
واستطرد محمد تاليًا وعيونه تحيد رغما عنه إلى ذات الحياء الذي يخلب لبه: وهو صاحب الأبيات دي كمان.
إن حــظّي كــدقيـقٍ فـوق شوك نثــروه..
ثُـمّ قــالــوا لحـفاةٍ يــوم ريـح أجمعوه..
عَظِــم الأمــرُ علــيهم ثُـمّ قالـوا: اتركوه..
إن من أشقاه ربي، كيف أنتم تسعدوه..
هتف أحد الطلبة معلقًا في مرح: يا ساتر.. إيه الكآبة دي.. هنقطع شرايينا.. ما كان حلو فالأبيات اللي فاتت!
قهقه باقي الطلبة وشاركهم محمد ضحكاتهم، وكذا هي التي لاحظت كيف ألقى بنظرات خاطفة نحوها. لتسلبه ضحكاتها ثباته كليًا، ليهتف بصوته الرخيم الذي جعلها تبتلع ضحكاتها متنبهة وهو يلقي المزيد من الأشعار:
والسيف في الغمد لا تخشى مضاربُه
وسيف عينيك في الحـالين بتّارُ..
واستكمل مؤكدًا وهو يحاول استجماع شتات نفسه صارفا ناظريه عنها: والبيت ده لنفس الشاعر وصُنف من أبلغ أبيات الشعر الحديث.
وتنهد هاتفا: حد عنده أي سؤال. لم يجب أحدهم لذا هتف: تمام.. يبقى كده أنهينا المحاضرة.. أشوفكم المحاضرة الجاية بإذن الله.. السلام عليكم.
حمل حقيبته محاولًا تجاهل تلك التي لا يعلم لما يحيد قلبه نحو وجهتها قبل عينيه، واندفع مبتعدًا لخارج القاعة، وكأنه يفر من شيء ما يلاحقه. شعور عجيب ظل يلازمه، وما فارقه رغم هرولته هاربًا.
انتصف النهار وخف ضغط العمل بالوحدة الصحية ما دفعها لتخبر نفسها أنها تستحق بعض الراحة. تسللت في هدوء إلى الاستراحة معطية تعليماتها وأخبرت إحدى الممرضات بمكانها إذا ما اقتضت الحاجة لاستدعائها. سارت ذاك الطريق الطولي الذي حفظته عن ظهر قلب.
أسبوعان كاملان وهي تعمل هنا مع الدكتورة سميحة. وكان مسيرها عليه قد أصبح اعتياديًا حتى أن بعض أهل النجع قد تعرفوا عليها وأنسوا وجودها بينهم وبدأوا في إلقاء التحية عليها في ذهابها وإيابها. وكم أسعدها ذلك.
وصلت للاستراحة ودست مفتاحها في القفل دافعة الباب لتدلف مغلقة إياه خلفها.
تنهدت وهي تخلع عنها معطفها ملقية إياه على أحد المقاعد المنتشرة بالغرفة. وأخيرًا ألقت بجسدها المتعب على أحد الأسرة الموجودة بالحجرة.
لم تكن تدرك أنها متعبة لهذا الحد، لدرجة أنها غفت موضعها دون أن تشعر. لم تنل قسطًا وافرًا من النوم البارحة وربما كان ذلك هو السبب الأقوى الذي جعلها تسقط ناعسة في وسط النهار من فرط الإجهاد على غير عادتها.
انتفضت عندما تناهى لمسامعها صوت رخيم تسلل إلى أحلامها. صوت كان أمرًا بشكل مستفز في المرة الأولى التي قابلته فيها عرضًا لبضع دقائق كانت كفيلة لجعلها تتجنبه منذ لحظة استلامها العمل. حتى أنها لم يصادف أنها قابلته طوال الفترة المنصرمة وجهًا لوجه. كانت تراه مصادفة وهو يسابق الريح بفرسه. وكم شكرت ذلك للظروف.
لكن ماذا يفعل صوته داخل أحلامها! وكيف اقتحم رأسها من الأساس! انتفضت مستيقظة دافعة النعاس المعلق بأهدابها وهي تنهض في حذر تتبع مصدر صوته الذي يوترها لا تعرف لم.
توقفت خلف أحد النوافذ المشرعة تتطلع منها حيث كان يقف ذاك "الكشر" والعجيب أنه كان يتحدث لرجل ما في لطف غير معتاد منه على الأقل نحوها.
هتف رائف بالرجل المستكين النبرة: خلاص يا حمدان.. جلت لك الموضوع عندي.. أهدى بجى.
هتف المدعو حمدان: بس يا داكتور.. چنابك واعي اللي فيها برضك.. يعني..
هتف رائف في حزم: ميعنيش.. خلصنا.
ومد كفه واضعًا إياها داخل جيب سترته مخرجًا مبلغًا من المال واضعه بكف حمدان الذي أطبق عليه كفه بدوره منكسا رأسه في حرج هامسًا بنبرة ممتنة رغم كل شيء: تسلم يا رائف بيه.. ربنا ما يوجعك في ضيجة أبدًا.
ربت رائف على كتف حمدان ملقيًا التحية في نفس اللحظة التي سمعت بها طرقات متتابعة على باب الاستراحة فاندفعت لتفتح ليبادرها أحد الخفراء هاتفا: عايزينك فالوحدة يا داكتورة.
اندفعت في سرعة خلفه لكنها تنبهت أنها نسيت معطفها الطبي فعادت للداخل تلتقطه ترتديه في عجالة وهي تندفع خارج الغرفة لتصطدم ذراعها وهي تضعها بكم المعطف بشيء ما تنبهت بعد أن أنهت ارتداءه أنه وجهه.
هل لكمته في وجهه لتوها!
وقفت مشدوهة تتطلع نحو ذاك الذي وقف كتمثال صخري لا يرتسم على وجهه أي رد فعل.
لم تنتظر أن ينطق وخاصة وهناك حالة تستدعي تواجدها بالوحدة عليها أن تسرع لنجدتها. لذا اندفعت مبتعدة دون أن تعتذر حتى وما كان لديها الرغبة لتستدير لرؤية معالم وجهه الجامدة.
وأخيرًا.. وجدت نفسها تنفجر ضاحكة تشعر بسعادة بالغة وشعور تام بالراحة فقد لكمت ذاك الوجه المتغطرس. حصلت على ثأرها. ربما ثأر متأخر لم يكن مخططًا له. لكنه أسعدها على أي حال وهذا يكفيها.
مرت ثلاث ليال على حادثة الفرس الذي ما أن حاولت الترجل عنه حتى وجدت نفسها بأحضانه. بلا حول ولا قوة منه. سقت بين ذراعيه وهو جالسًا على مقعده المدولب يحاول المساعدة.. التي جاءت على غير ما كان متوقعًا منها.
ابتسم للذكرى وهو يتطلع لهذه اللوحة التي كان يخط بها آخر خطوطها. قضى الأيام الماضية عاكفًا عليها حتى أن ثريا لاحظت انشغاله بهذه اللوحة بشكل خاص.
كانت المرة الأولى التي ترى فيها كائنًا حيًا يزاحم الأحصنة بلوحاته. وهذه سابقة من نوعها. جعلتها تتوقف أمام اللوحة تتطلع إليها في إعجاب هامسة بصوت هادئ. والذي على الرغم من هدوئه أجفله لبرهة، فقد كان مستغرقًا بالرسم لدرجة أنه لم يستشعر دخول أمه الغرفة ووضعها طبق الفاكهة والخضار المعتاد: حلوة اللوحة دي يا مروان.. بچد من أجمل اللوحات اللي رسمتها الفترة اللي فاتت.
واستطردت في خبث محبب: يمكن عشان فيها شيء مختلف!
احتفظ مروان بثبات نبرة صوته هاتفا: أه جايز.. يمكن عشان مختلفة عجبتك.
ردت ثريا بابتسامة مستشعرة بحدسها كأم أن هناك شيئًا ما يحدث. ربتت على كتفه وتركته يكمل. لكن ما أن غادرت أمه الغرفة حتى حمل طبق الخضراوات المعتاد وتوجه مسرعًا نحو الشرفة. فهذا هو ميعاد قدوم عنتر. وربما استطاع إقناع صاحبته لترافقه.
جلس في الانتظار على أحر من الجمر زيارتهما. ثلاث ليال كافية وزيادة على الابتعاد. بدأت خيوط النهار تنسحب من ثوب النهار ناشرة العتمة بالأجواء. يبدو أن لا عنتر ولا صحابته لهما الرغبة في زيارته اليوم.
شعر بحنق ورغبة في النهوض باحثًا عن بيت تلك التي رحلت وما تركت حتى فرسها يأتي ليؤنس وحدته. وحدته التي كانت ملاذه وأضحت بين ليلة وضحاها سجنه.
تقدم سمير ببطء فاتحًا باب الحجرة، متسللًا للداخل حتى وصل لموضع وقوف عاصم خلف ستارة نافذته الشفافة وهو يتطلع لزهرة بالأسفل حيث موضعها المعتاد بحجرة القراءة صارخًا: يا بني حرام عليك...
انتفض عاصم موضعه مبتعدًا عن النافذة دافعًا سمير ليسقطا سويا وضحكات سمير لم تنقطع وعاصم قد شرع في ضربه في غيظ.
توقف عاصم ليسقط متمددًا جوار سمير هاتفا وهو يلتقط أنفاسه في تتابع: منك لله يا بعيد.. أشوف فيك يوم.. كان يوم منيل لما چينا الدنيا سوا.. عملي الأسود يا ربي.
قهقه سمير مؤكدًا: أيوه صح.. كان يوم مطلعتلوش ملامح.
تطلع إليه عاصم في حنق ليرد سمير مستفسرًا وهو ينهض من موضع سقوطه جالسًا على أقرب مقعد متطلعًا لعاصم الذي كان ما يزال ممدا أرضًا: أنت مش هتبطل اللي بتعمله ده!؟ يا بني كفاية كده أنا تعبت لك والله.
اضطرب عاصم ونهض بدوره يحاول مداراة ما يعتريه، هاتفا في نبرة حاول أن يجعلها لامبالية: كفاية إيه؟ إيه الألغاز دي يا أستاذ سمير؟
تنهد سمير هاتفا في نبرة عاقلة لم تكن يومًا من طباعه: يا بني فاكر نفسك حويط وأنت حالك مكشوف.. ع الأجل ليا أني.. مش هتجدر تخبي عليا من أساسه.. أصلك الوجع واحد يا واد عمي.
انتفض عاصم هاتفا في صدمة: جصدك إيه؟
هتف سمير في تخابث: يعني أني بحب زي ما أنت بتحبها وأكتر.
اندفع عاصم نحوه هاتفا وهو يمسك بتلابيه: إياك تفكر حتى.. إلا زهرة يا سمير.
قهقه سمير مؤكدًا وهو يدفع كفيه بعيدًا عن نحره: زهرة مين بس.. أني مجصدش زهرة من أساسه.. بس أديك وجعت ولا حدش سمى عليك.
جز عاصم على أسنانه عندما تنبه للفخ الذي نصبه له سمير. والذي استطرد هاتفا بعاصم في نبرة ناصحة: عاصم يا واد خالي.. اللي انت بتعمله ده غلط.. خليها تحس إنك بتحبها.. خليها تشوفك جدامها.. جرب لها.. ده أنت فرصتك كبيرة إنك تحسسها بوجودك وانتوا فبيت واحد.. الدور والباجي عليا اللي بشوفها كل حين ومين.. بلاش جعدتك ورا الشبابيك دي.. مش هتجيب همها.. أنت رايدها فالحلال يبجى تحط النجط ع الحروف.. لو لجيت منها استعداد.. اتجدم لها.. أنت أولى بها.. وأهي السنة دي آخر سنة لِها فالچامعة.. يعني الدنيا متظبطة من كله.
ربت سمير على كتف عاصم الذي لم ينبس بحرف معلقًا على كلماته. ما دفع سمير ليبتسم في مودة تاركًا عاصم يفكر في نصيحته الغالية.
أغلق سمير الباب خلفه في هدوء ليندفع عاصم نحو النافذة متطلعًا نحو حجرة الكتب. رآها ما تزال بالأسفل فقرر أن يضع نصيحة سمير حيز التنفيذ.
اندفع يهبط الدرج في سرعة لم تكن من طبعه. كان يخشى تراجعه في قراره. وصل لحجرة القراءة مهرولًا. وما أن دنا من موضع جلوسها حتى توقف يلتقط أنفاسه المتلاحقة.
تقدم في وجل حتى جلس قبالتها متنحنحًا لتنتبه لوجوده ليضطرب بدورها. فلم يكن من طبعه الوجود بحجرة القراءة. وهي كانت تخشاه.. فقد كان طبعه شديدًا. حتى أنها لم تره يبتسم لمرة واحدة. هي لا تنكر عليه دينه وخلقه. لكنه كان فظًا بعض الشيء. حتى أنها كانت تتعجب من حكايات سجود ونوارة على طبعه المتسامح نوعًا ما حينما كان يجمعهن الحكي ليلا في غرفة نومهن المشتركة.
هتف عاصم بنبرة حاول أن يجعلها لينة بعض الشيء لكنها خرجت رغما عنه آمرة وهو يسألها مشيرًا للكتاب بين كفيها: بتجري إيه؟
اضطربت حياءً هامسة: رواية.
سأل مستفسرًا من جديد وقد ضبط نبرة صوته لتصبح أكثر لينا: اسمها إيه؟
تعجبت من اهتمامه المستحدث وأجابت في هدوء: الحب في زمن الكوليرا.
هتف محاولًا أن يكون مرحًا وابتسامة مرسومة على شفتيه: كوليرا! يا ساتر.. ليه كده؟
ابتسمت بدورها هامسة: هي اسمها كده.
همس بصوت متحشرج وقد هزته مجرد ابتسامة بسيطة على ثغرها: حلوة يعني؟
أكدت بإيماءة من رأسها: عجبتني.. أصل إصرار البطل على الوصول للبطلة أسطوري.
تحمس عاصم وقد استشعر أن الأمر يشبه حكايته ما شجعه ليهتف: باينها حلوة فعلًا.
أكدت زهرة بابتسامة: أيوه.. ده وصل للبطلة واتجوزوا أخيرًا وهو عمره ٨١ سنة تقريبًا.
تطلع عاصم لها في صدمة وهمس في نفسه: إيه الفال المهبب ده! ٨١ سنة ده إيه!
هتف وهو يمسك امتعاضه: ٨١ سنة! لاااه صغير برضك.. ربنا يوفجهم.
انفجرت رغما عنها ضاحكة ليتسمر موضعه غير قادر على الإتيان برد فعل قبالة هذه الترانيم الملائكية التي ذكرته بضحكاتها وهي طفلة صغيرة يدفع بها الأرجوحة الشاهدة عليهما اللحظة.
نهض مستأذنًا وما أن هم بالتحرك مبتعدًا حتى وجدها تضع بعض الخطوط الوردية تحت بعض السطور كعادتها. فعاد أدراجه يمسك بالرواية التي تركتها على هذه الصفحة بعد أن لبت نداء أخيها ياسين الذي أخبرها أن أمها تطلبها في التو لأمر عاجل.
تطلع للأسطر في وجل وقرأ في هدوء:
"أساليبه الغامضة أثارت فيها فضولًا من الصعب مقاومته، لكنها لم تتصور أبدًا أن يكون الفضول أحد مصائب الحب الكبرى".
رفع رأسه من فوق الأسطر وتطلع حيث غابت منذ لحظات، هل تقصده بهذه الأسطر!!.. وهي التي لمح بعينيها تعجبًا وفضولًا نحو جرأته الغير معتادة!؟
هل يمكن!!.. لم يكن لينتظر اكتشاف ذلك.. عليه الذهاب إلى جده عاصم واطلاعه على أمر رغبته في التقدم لخطبتها.. فقد كانت نصيحة سمير في محلها.. وقد أضاع الكثير من الوقت بالفعل.. لكن ما كان يدفعه دوما للانتظار هو ما سمعه من نوارة وسجود.. أن زهرة لا رغبة لها في الارتباط حاليًا.. وإنها تؤهل نفسها لنيل الماجستير أولًا.. لكنه لم يعد بوسعه الانتظار وعليه أن يفصح عن رغبته التي كتمها طويلًا وحان زمان البوح بها.
مرت ثلاث ليال على حادثة الفرس الذي ما أن حاولت الترجل عنه حتى وجدت نفسها بأحضانه. بلا حول ولا قوة منه. سقت بين ذراعيه وهو جالسًا على مقعده المدولب يحاول المساعدة.. التي جاءت على غير ما كان متوقعًا منها.
ابتسم للذكرى وهو يتطلع لهذه اللوحة التي كان يخط بها آخر خطوطها. قضى الأيام الماضية عاكفًا عليها حتى أن ثريا لاحظت انشغاله بهذه اللوحة بشكل خاص.
كانت المرة الأولى التي ترى فيها كائنًا حيًا يزاحم الأحصنة بلوحاته. وهذه سابقة من نوعها. جعلتها تتوقف أمام اللوحة تتطلع إليها في إعجاب هامسة بصوت هادئ. والذي على الرغم من هدوئه أجفله لبرهة، فقد كان مستغرقًا بالرسم لدرجة أنه لم يستشعر دخول أمه الغرفة ووضعها طبق الفاكهة والخضار المعتاد: حلوة اللوحة دي يا مروان.. بچد من أجمل اللوحات اللي رسمتها الفترة اللي فاتت.
واستطردت في خبث محبب: يمكن عشان فيها شيء مختلف!
احتفظ مروان بثبات نبرة صوته هاتفا: أه جايز.. يمكن عشان مختلفة عجبتك.
ردت ثريا بابتسامة مستشعرة بحدسها كأم أن هناك شيئًا ما يحدث. ربتت على كتفه وتركته يكمل. لكن ما أن غادرت أمه الغرفة حتى حمل طبق الخضراوات المعتاد وتوجه مسرعًا نحو الشرفة. فهذا هو ميعاد قدوم عنتر. وربما استطاع إقناع صاحبته لترافقه.
جلس في الانتظار على أحر من الجمر زيارتهما. ثلاث ليال كافية وزيادة على الابتعاد. بدأت خيوط النهار تنسحب من ثوب النهار ناشرة العتمة بالأجواء. يبدو أن لا عنتر ولا صحابته لهما الرغبة في زيارته اليوم.
شعر بحنق ورغبة في النهوض باحثًا عن بيت تلك التي رحلت وما تركت حتى فرسها يأتي ليؤنس وحدته. وحدته التي كانت ملاذه وأضحت بين ليلة وضحاها سجنه.
تقدم سمير ببطء فاتحًا باب الحجرة، متسللًا للداخل حتى وصل لموضع وقوف عاصم خلف ستارة نافذته الشفافة وهو يتطلع لزهرة بالأسفل حيث موضعها المعتاد بحجرة القراءة صارخًا: يا بني حرام عليك...
انتفض عاصم موضعه مبتعدًا عن النافذة دافعًا سمير ليسقطا سويا وضحكات سمير لم تنقطع وعاصم قد شرع في ضربه في غيظ.
توقف عاصم ليسقط متمددًا جوار سمير هاتفا وهو يلتقط أنفاسه في تتابع: منك لله يا بعيد.. أشوف فيك يوم.. كان يوم منيل لما چينا الدنيا سوا.. عملي الأسود يا ربي.
قهقه سمير مؤكدًا: أيوه صح.. كان يوم مطلعتلوش ملامح.
تطلع إليه عاصم في حنق ليرد سمير مستفسرًا وهو ينهض من موضع سقوطه جالسًا على أقرب مقعد متطلعًا لعاصم الذي كان ما يزال ممدا أرضًا: أنت مش هتبطل اللي بتعمله ده!؟ يا بني كفاية كده أنا تعبت لك والله.
اضطرب عاصم ونهض بدوره يحاول مداراة ما يعتريه، هاتفا في نبرة حاول أن يجعلها لامبالية: كفاية إيه؟ إيه الألغاز دي يا أستاذ سمير؟
تنهد سمير هاتفا في نبرة عاقلة لم تكن يومًا من طباعه: يا بني فاكر نفسك حويط وأنت حالك مكشوف.. ع الأجل ليا أني.. مش هتجدر تخبي عليا من أساسه.. أصلك الوجع واحد يا واد عمي.
انتفض عاصم هاتفا في صدمة: جصدك إيه؟
هتف سمير في تخابث: يعني أني بحب زي ما أنت بتحبها وأكتر.
اندفع عاصم نحوه هاتفا وهو يمسك بتلابيه: إياك تفكر حتى.. إلا زهرة يا سمير.
قهقه سمير مؤكدًا وهو يدفع كفيه بعيدًا عن نحره: زهرة مين بس.. أني مجصدش زهرة من أساسه.. بس أديك وجعت ولا حدش سمى عليك.
جز عاصم على أسنانه عندما تنبه للفخ الذي نصبه له سمير. والذي استطرد هاتفا بعاصم في نبرة ناصحة: عاصم يا واد خالي.. اللي انت بتعمله ده غلط.. خليها تحس إنك بتحبها.. خليها تشوفك جدامها.. جرب لها.. ده أنت فرصتك كبيرة إنك تحسسها بوجودك وانتوا فبيت واحد.. الدور والباجي عليا اللي بشوفها كل حين ومين.. بلاش جعدتك ورا الشبابيك دي.. مش هتجيب همها.. أنت رايدها فالحلال يبجى تحط النجط ع الحروف.. لو لجيت منها استعداد.. اتجدم لها.. أنت أولى بها.. وأهي السنة دي آخر سنة لِها فالچامعة.. يعني الدنيا متظبطة من كله.
ربت سمير على كتف عاصم الذي لم ينبس بحرف معلقًا على كلماته. ما دفع سمير ليبتسم في مودة تاركًا عاصم يفكر في نصيحته الغالية.
أغلق سمير الباب خلفه في هدوء ليندفع عاصم نحو النافذة متطلعًا نحو حجرة الكتب. رآها ما تزال بالأسفل فقرر أن يضع نصيحة سمير حيز التنفيذ.
اندفع يهبط الدرج في سرعة لم تكن من طبعه. كان يخشى تراجعه في قراره. وصل لحجرة القراءة مهرولًا. وما أن دنا من موضع جلوسها حتى توقف يلتقط أنفاسه المتلاحقة.
تقدم في وجل حتى جلس قبالتها متنحنحًا لتنتبه لوجوده ليضطرب بدورها. فلم يكن من طبعه الوجود بحجرة القراءة. وهي كانت تخشاه.. فقد كان طبعه شديدًا. حتى أنها لم تره يبتسم لمرة واحدة. هي لا تنكر عليه دينه وخلقه. لكنه كان فظًا بعض الشيء. حتى أنها كانت تتعجب من حكايات سجود ونوارة على طبعه المتسامح نوعًا ما حينما كان يجمعهن الحكي ليلا في غرفة نومهن المشتركة.
هتف عاصم بنبرة حاول أن يجعلها لينة بعض الشيء لكنها خرجت رغما عنه آمرة وهو يسألها مشيرًا للكتاب بين كفيها: بتجري إيه؟
اضطربت حياءً هامسة: رواية.
سأل مستفسرًا من جديد وقد ضبط نبرة صوته لتصبح أكثر لينا: اسمها إيه؟
تعجبت من اهتمامه المستحدث وأجابت في هدوء: الحب في زمن الكوليرا.
هتف محاولًا أن يكون مرحًا وابتسامة مرسومة على شفتيه: كوليرا! يا ساتر.. ليه كده؟
ابتسمت بدورها هامسة: هي اسمها كده.
همس بصوت متحشرج وقد هزته مجرد ابتسامة بسيطة على ثغرها: حلوة يعني؟
أكدت بإيماءة من رأسها: عجبتني.. أصل إصرار البطل على الوصول للبطلة أسطوري.
تحمس عاصم وقد استشعر أن الأمر يشبه حكايته ما شجعه ليهتف: باينها حلوة فعلًا.
أكدت زهرة بابتسامة: أيوه.. ده وصل للبطلة واتجوزوا أخيرًا وهو عمره ٨١ سنة تقريبًا.
تطلع عاصم لها في صدمة وهمس في نفسه: إيه الفال المهبب ده! ٨١ سنة ده إيه!
هتف وهو يمسك امتعاضه: ٨١ سنة! لاااه صغير برضك.. ربنا يوفجهم.
انفجرت رغما عنها ضاحكة ليتسمر موضعه غير قادر على الإتيان برد فعل قبالة هذه الترانيم الملائكية التي ذكرته بضحكاتها وهي طفلة صغيرة يدفع بها الأرجوحة الشاهدة عليهما اللحظة.
نهض مستأذنًا وما أن هم بالتحرك مبتعدًا حتى وجدها تضع بعض الخطوط الوردية تحت بعض السطور كعادتها. فعاد أدراجه يمسك بالرواية التي تركتها على هذه الصفحة بعد أن لبت نداء أخيها ياسين الذي أخبرها أن أمها تطلبها في التو لأمر عاجل.
تطلع للأسطر في وجل وقرأ في هدوء:
"أساليبه الغامضة أثارت فيها فضولًا من الصعب مقاومته، لكنها لم تتصور أبدًا أن يكون الفضول أحد مصائب الحب الكبرى".
رفع رأسه من فوق الأسطر وتطلع حيث غابت منذ لحظات، هل تقصده بهذه الأسطر!!.. وهي التي لمح بعينيها تعجبًا وفضولًا نحو جرأته الغير معتادة!؟
هل يمكن!!.. لم يكن لينتظر اكتشاف ذلك.. عليه الذهاب إلى جده عاصم واطلاعه على أمر رغبته في التقدم لخطبتها.. فقد كانت نصيحة سمير في محلها.. وقد أضاع الكثير من الوقت بالفعل.. لكن ما كان يدفعه دوما للانتظار هو ما سمعه من نوارة وسجود.. أن زهرة لا رغبة لها في الارتباط حاليًا.. وإنها تؤهل نفسها لنيل الماجستير أولًا.. لكنه لم يعد بوسعه الانتظار وعليه أن يفصح عن رغبته التي كتمها طويلًا وحان زمان البوح بها.
تقدم سمير ببطء فاتحًا باب الحجرة، متسللًا للداخل حتى وصل لموضع وقوف عاصم خلف ستارة نافذته الشفافة وهو يتطلع لزهرة بالأسفل حيث موضعها المعتاد بحجرة القراءة صارخًا: يا بني حرام عليك...
انتفض عاصم موضعه مبتعدًا عن النافذة دافعًا سمير ليسقطا سويا وضحكات سمير لم تنقطع وعاصم قد شرع في ضربه في غيظ.
توقف عاصم ليسقط متمددًا جوار سمير هاتفا وهو يلتقط أنفاسه في تتابع: منك لله يا بعيد.. أشوف فيك يوم.. كان يوم منيل لما چينا الدنيا سوا.. عملي الأسود يا ربي.
قهقه سمير مؤكدًا: أيوه صح.. كان يوم مطلعتلوش ملامح.
تطلع إليه عاصم في حنق ليرد سمير مستفسرًا وهو ينهض من موضع سقوطه جالسًا على أقرب مقعد متطلعًا لعاصم الذي كان ما يزال ممدا أرضًا: أنت مش هتبطل اللي بتعمله ده!؟ يا بني كفاية كده أنا تعبت لك والله.
اضطرب عاصم ونهض بدوره يحاول مداراة ما يعتريه، هاتفا في نبرة حاول أن يجعلها لامبالية: كفاية إيه؟ إيه الألغاز دي يا أستاذ سمير؟
تنهد سمير هاتفا في نبرة عاقلة لم تكن يومًا من طباعه: يا بني فاكر نفسك حويط وأنت حالك مكشوف.. ع الأجل ليا أني.. مش هتجدر تخبي عليا من أساسه.. أصلك الوجع واحد يا واد عمي.
انتفض عاصم هاتفا في صدمة: جصدك إيه؟
هتف سمير في تخابث: يعني أني بحب زي ما أنت بتحبها وأكتر.
اندفع عاصم نحوه هاتفا وهو يمسك بتلابيه: إياك تفكر حتى.. إلا زهرة يا سمير.
قهقه سمير مؤكدًا وهو يدفع كفيه بعيدًا عن نحره: زهرة مين بس.. أني مجصدش زهرة من أساسه.. بس أديك وجعت ولا حدش سمى عليك.
جز عاصم على أسنانه عندما تنبه للفخ الذي نصبه له سمير. والذي استطرد هاتفا بعاصم في نبرة ناصحة: عاصم يا واد خالي.. اللي انت بتعمله ده غلط.. خليها تحس إنك بتحبها.. خليها تشوفك جدامها.. جرب لها.. ده أنت فرصتك كبيرة إنك تحسسها بوجودك وانتوا فبيت واحد.. الدور والباجي عليا اللي بشوفها كل حين ومين.. بلاش جعدتك ورا الشبابيك دي.. مش هتجيب همها.. أنت رايدها فالحلال يبجى تحط النجط ع الحروف.. لو لجيت منها استعداد.. اتجدم لها.. أنت أولى بها.. وأهي السنة دي آخر سنة لِها فالچامعة.. يعني الدنيا متظبطة من كله.
ربت سمير على كتف عاصم الذي لم ينبس بحرف معلقًا على كلماته. ما دفع سمير ليبتسم في مودة تاركًا عاصم يفكر في نصيحته الغالية.
أغلق سمير الباب خلفه في هدوء ليندفع عاصم نحو النافذة متطلعًا نحو حجرة الكتب. رآها ما تزال بالأسفل فقرر أن يضع نصيحة سمير حيز التنفيذ.
اندفع يهبط الدرج في سرعة لم تكن من طبعه. كان يخشى تراجعه في قراره. وصل لحجرة القراءة مهرولًا. وما أن دنا من موضع جلوسها حتى توقف يلتقط أنفاسه المتلاحقة.
تقدم في وجل حتى جلس قبالتها متنحنحًا لتنتبه لوجوده ليضطرب بدورها. فلم يكن من طبعه الوجود بحجرة القراءة. وهي كانت تخشاه.. فقد كان طبعه شديدًا. حتى أنها لم تره يبتسم لمرة واحدة. هي لا تنكر عليه دينه وخلقه. لكنه كان فظًا بعض الشيء. حتى أنها كانت تتعجب من حكايات سجود ونوارة على طبعه المتسامح نوعًا ما حينما كان يجمعهن الحكي ليلا في غرفة نومهن المشتركة.
هتف عاصم بنبرة حاول أن يجعلها لينة بعض الشيء لكنها خرجت رغما عنه آمرة وهو يسألها مشيرًا للكتاب بين كفيها: بتجري إيه؟
اضطربت حياءً هامسة: رواية.
سأل مستفسرًا من جديد وقد ضبط نبرة صوته لتصبح أكثر لينا: اسمها إيه؟
تعجبت من اهتمامه المستحدث وأجابت في هدوء: الحب في زمن الكوليرا.
هتف محاولًا أن يكون مرحًا وابتسامة مرسومة على شفتيه: كوليرا! يا ساتر.. ليه كده؟
ابتسمت بدورها هامسة: هي اسمها كده.
همس بصوت متحشرج وقد هزته مجرد ابتسامة بسيطة على ثغرها: حلوة يعني؟
أكدت بإيماءة من رأسها: عجبتني.. أصل إصرار البطل على الوصول للبطلة أسطوري.
تحمس عاصم وقد استشعر أن الأمر يشبه حكايته ما شجعه ليهتف: باينها حلوة فعلًا.
أكدت زهرة بابتسامة: أيوه.. ده وصل للبطلة واتجوزوا أخيرًا وهو عمره ٨١ سنة تقريبًا.
تطلع عاصم لها في صدمة وهمس في نفسه: إيه الفال المهبب ده! ٨١ سنة ده إيه!
هتف وهو يمسك امتعاضه: ٨١ سنة! لاااه صغير برضك.. ربنا يوفجهم.
انفجرت رغما عنها ضاحكة ليتسمر موضعه غير قادر على الإتيان برد فعل قبالة هذه الترانيم الملائكية التي ذكرته بضحكاتها وهي طفلة صغيرة يدفع بها الأرجوحة الشاهدة عليهما اللحظة.
نهض مستأذنًا وما أن هم بالتحرك مبتعدًا حتى وجدها تضع بعض الخطوط الوردية تحت بعض السطور كعادتها. فعاد أدراجه يمسك بالرواية التي تركتها على هذه الصفحة بعد أن لبت نداء أخيها ياسين الذي أخبرها أن أمها تطلبها في التو لأمر عاجل.
تطلع للأسطر في وجل وقرأ في هدوء:
"أساليبه الغامضة أثارت فيها فضولًا من الصعب مقاومته، لكنها لم تتصور أبدًا أن يكون الفضول أحد مصائب الحب الكبرى".
رفع رأسه من فوق الأسطر وتطلع حيث غابت منذ لحظات، هل تقصده بهذه الأسطر!!.. وهي التي لمح بعينيها تعجبًا وفضولًا نحو جرأته الغير معتادة!؟
هل يمكن!!.. لم يكن لينتظر اكتشاف ذلك.. عليه الذهاب إلى جده عاصم واطلاعه على أمر رغبته في التقدم لخطبتها.. فقد كانت نصيحة سمير في محلها.. وقد أضاع الكثير من الوقت بالفعل.. لكن ما كان يدفعه دوما للانتظار هو ما سمعه من نوارة وسجود.. أن زهرة لا رغبة لها في الارتباط حاليًا.. وإنها تؤهل نفسها لنيل الماجستير أولًا.. لكنه لم يعد بوسعه الانتظار وعليه أن يفصح عن رغبته التي كتمها طويلًا وحان زمان البوح بها.
وصل راضي لعتبات السطح يجول بناظريه باحثًا عن أخيه الذي افتقد وجوده بالغرفة فقرر النهوض من نومه باحثًا عنه.
كان يتابع تلك الحالة التي يمر بها يونس منذ أن رفضت سهام التهامي عرضه للزواج. لم يعد يونس الذي يعرفه.. غابت عنه ضحكاته وحسه فكاهته الذي لم يكن يفارقه أبدًا. سربله الحزن وغشيه هدوء قاتل أحد من سيف، وهذا ما لاحظه الجميع بالدار على غير العادة.. حتى أنهم سألوه كثيرًا عن سبب صمته وشروده لكنه لم يجب.
تطلع راضي نحو يونس الذي كان يتمدد على تلك الأريكة الخشبية ذات المرتبة غير الوثيرة والتي كانت مخصصة لسامرهم في ليالي الصيف الطويلة. لكن في مثل هذا الجو البارد.. الأمر أشبه بانتحار.
تقدم خطوات ودون أن ينبس بحرف فرد راضي تلك البطانية الصوفية على جسد أخيه والذي كان مستيقظًا. عيناه معلقة هناك بالسماء لا يحيد النظر عنها.
دفع راضي بنفسه جوار أخيه تحت الغطاء متطلعًا للسماء مثله، هاتفا يحاول مجاراته: بتبص على إيه فوج؟ الليلة عتمة من غير ضي نجمة حتى.
همس يونس بصوت متحشرج: عتمة كيف صدري.. عارف يا راضي.
وأشار يونس لنجمة برقت في أحد جوانب السماء للحظة، ثم خبت مستطردًا: أهي سهام كانت كيف النجمة دي فحياتي.. ولما غابت.. غاب الضي ورجعت العتمة.
تنهد راضي غير راضٍ عن حال أخيه، وغير قادر في الوقت ذاته على تقريعه واتهامه بالضعف والخنوع. فهو يعلم تمام المعرفة أن يونس لم يكن يومًا هكذا. كان أبعد ما يكون عن ذاك الاستسلام المخزي. لكن يبدو أن ذاك المدعو العشق والذي يضع صاحبه في مواقف هي أغرب ما يكون عن حقيقته. تبا له.
هتف راضي داخله في حنق بينما حاول جاهدا أن يكون لين الجانب وهو يهمس لأخيه: مش كده يا يونس.. خلاص.. اللي يهواك أهواه.. واللي ينساك أنساه.. بص لنفسك وكيف بجيت.. كل اللي فالدار مستعجبين من حالك.. مبجتش يونس اللي نعرفه.
همس يونس مترنمًا في حسرة: يونس.. ونسيت مين يونس.. والدنيا مالت عليا.
ساد الصمت بينهما ولم يعقب راضي بحرف، بل التزم الصمت مبتلعًا اعتراضاته، ليهمس يونس من جديد مؤكدًا: أني همشي من هنا.. أني هروح بيت جدك الحناوي.
انتفض راضي لهذا التصريح، متكئًا على ساعده متطلعًا إلى أخيه هاتفا في حنق يحاول مداراته وتخفيف حدته: وهو يعني لما تسبنا وتروح.. كده بجى هتنساها؟
هتف يونس في نبرة منهزمة: يمكن.. بس اللي أنا متأكد منه يا راضي، إني طول ما أنا هنا.. عمري ما هجدر أنساها.. لازما أبعد.. وأهو بيت جدك مش بعيد.. نجع الحناوي على بعد خطوتين.. بس هيفرجوا معايا كتير.
تنهد راضي مؤكدًا: اني مش عايزك تبعد.. بس إذا كان ده اللي هيريحك.. خلاص.. بس يوافق أبوك وأمك من أساسه.
هتف يونس: همتك معايا.. وأنا عارف إن جدك هيفرح بالخبر ده.. طول عمره ندمان إنه مرحش بيت أبوه وعمره بالخير على حد جوله.. العيشة هنا في نجع الصالح خدته.
أكد راضي: يبجى كده تمام.. طالما جدك هيوافق يبجى ضمنًا إن الكل هيجول أمين.
همس يونس: صح كلامك.. وأهو بعدها أنت تجدر تفاتحهم فموضعك اللي كلمتني عنِه.
هز راضي رأسه في إيجاب، وعاد يتدثر تحت الغطاء الصوفي مجاورًا لأخيه. وهمس به في محبة: بجولك إيه يا واد يا يونس!! ما تغني شوية.
همس يونس باسمًا: مستعجل على طردي من الدار يا فجري!!.. لو أبوك سمع حسي دلوجت.. هيقوم من نومه يضربنا بالنار.
قهقه راضي مؤكدًا: لاه.. غني بصوت واطي.. وانت لازمًا يعني تجعر.. هو فرح بت العمدة ياك.
قهقه يونس بدوره مؤكدًا: ماشي يا خويا.. بلاها فرح بت العمدة.. نخليه فرح العمدة ذات نفسه.. عامله فالسكيت لحسن مرته تدري وتطربقها على دماغه.
انفجر كلاهما ضاحكين. وأخيرًا ساد الصمت ليهمس يونس شاديًا متطلعًا للسماء من جديد متتبعًا تلك النجمة البعيدة بناظريه:
مين اللي يجدر يعشقك كدي أنا..
مين اللي يجدر بوصفك زيي أنا..
يا حلم نفسي تحلمه كل الجلوب..
يا أعلى إحساس شدني خلاني أدوب..
خلاني أحس إني بشر..
كان الجامعة على قدم وساق.. لا تعرف ما يحدث إلا عندما هتف به أحد أصدقائه في عجالة: ياللاه يا نادر.. المظاهرة طلعت وأحنا مش فيها.
كان يقف مع بدور.. وقد توطدت علاقتهما الفترة الماضية.. بعد أن عقدا هدنة بلا اتفاق بينهما.
تنبه للوقت ما أن سمع صوت هتاف صاحبه، وتطلع لها مستأذنًا في عجالة: عن إذنك بقى.. لازم أروح.
هتفت به في حنق تستوقفه: تروح فين!؟ رجلي على رجلك.
هتف معترضًا بشدة: لا طبعًا.. اللي هو إزاي!؟ مينفعش.. أنتِ أكيد بتهزري.. صح!
أكدت بدور في صرامة: وإيه اللي يستدعي الهزار في حاجة جد زي دي!؟ أنا رايحة معاك.. ولا هو أنا أقل منكم وطنية!؟
هتف نادر محتدا: يا بنتي مينفعش.. إحنا هنتبهدل من الأمن.. مينفعش البنات.. مـ..
قاطعه صراخ صديقه عن إكمال محاولة إقناعها، فاندفع مبتعدًا عندما علا صراخ صديقه المحتد على تأخره مؤكدًا لها تحذيره صارخًا بدوره: أوعي تفكري إنك تدخلي المظاهرة.. أركبي عربيتك وروحي أحسن.. سلام.
هرول نادر في اتجاه موضع انتظار صديقه الذي كان يغلي غضبًا، والذي شاهدته يلومه من موضعها. لكن منذ متى تترك أحد يملي عليها أفعالها!؟
تبعتهما دون أن تجعل نادر يعلم أنها في أثره، وخاصة أنها كانت تراه يتلفت كل دقيقة خلفه ليتأكد أنها لم تخالف نصيحته وغادرت الجامعة بالفعل.
اندماج نادر وصديقه في خضم الأحداث ولم تعد تره اللحظة. اقتربت لتكون في قلب الصخب والهتافات التي كانت تزلزل الأرض وترجف الأفئدة. تحمست في تهور وبدأت في الهتاف بدورها.
لحظات وساد الهرج والمرج وبدأ حرس الجامعة في التدخل، وخاصة مع ازدياد الأعداد المشاركة من الطلبة، ورغبتهم في الخروج بالمظاهرة من حيز الحرم الجامعي إلى الشارع.
تدافع هنا وهناك.. وتعالت الصرخات لبعض الطالبات في ذعر لما يحدث، وخاصة مع إلقاء الحرس لقنابل الغاز المسيل للدموع.
بدأت بدور في السعال لكنها لم تستسلم. وانخرطت من جديد بقلب المظاهرة التي بدأ قادتها في تجميع فلولها من جديد.
إلا أنها وفي لحظة فارقة وإحدى هراوات عسكري من عساكر الأمن تسقط على ذراعها.. وجدت نفسها محمولة ومجذوبة من بين كل هذا الزخم. أحدهم يطوق خصرها بذراعه القوية ويضع شيئًا ما على أنفاسها، والتي رغم اختناقها استشعرت أنها تلتقطها بسهولة أكبر. حاولت أن تنجو بنفسها وتفلت من بين براثن ذاك الذي يكبلها بذراع من حديد. لكن يبدو أن لا مفر.. وخاصة حينما استشعرت ضبابية الرؤية، وبدأت تفقد وعيها بالتدريج. أظلمت الدنيا أمام ناظريها بالفعل. وكل ما كان يجول بخاطرها في تلك اللحظة هو معرفة، من ذاك الذي لا تتبين ملامحه والذي يحملها عنوة الآن مبتعدًا!؟
رواية زاد العمر وزواده الفصل الخامس 5 - بقلم رضوى جاويش
ألقى بها على المقعد المجاور في سيارته واندفع مبتعدا مغادرا الجامعة من أحد مخارجها البعيدة عن الشغب الدائر أثناء المظاهرة.
لا يعلم كيف استطاع الوصول إليها وسط كل هذا الهرج والمرج، لكنه استطاع انتشالها أخيرا من مصيبة كبيرة كانت على وشك الوقوع فيها إذا ما استطاع أحد العساكر الإمساك بها وإبلاغ والدها.
تطلع نحوها ولا علم له بما دهاه ليبتسم في ظل هذا الظرف الاستثنائي.
لكن تلك الابتسامة اتسعت مكللة شفتيه وهو يؤكد لنفسه أنها ما زالت تلك المشاغبة نفسها التي أمسك بها يوما ما تتلصص على فيلا عمتها بالإسكندرية.
ما يزيد عن أربع سنوات كانت الفترة التي مرت على أخر لقاء بينهما.
بعدها هو نُقل إلى القاهرة ووالدها العميد حازم الهواري إلى المنصورة.
ترى ما الذي أتى بها إلى القاهرة وجعل القدر يجمعهما من جديد تحت قبة الجامعة، وفي حدث شديد الاضطراب، كمظاهرة طلابية؟!
ركز ناظره على الطريق لكن همهماتها جعلته يتنبه ملقيا بنظرة سريعة عليها قبل أن يصف السيارة في منطقة هادئة نسبيا.
مال عليها هامسا وهو يضرب بخفة على خدها محاولا إفاقتها:
"آنسة بدور.. يا آنسة.."
همهمت من جديد، ما خلق داخله اضطرابا أحمق جعله يسب نفسه في حنق.
رفع كفه من جديد محاولا إفاقتها بالضرب على خدها كالسابق إلا أنها استفاقت فجأة.
وانتفضت وهي تدفع بكفه بعيدا.
بدأت في الصراخ الذي عالجه هو في سرعة وهو يضع كفا بقوة على فمها والكف الأخرى بمؤخرة رأسها ليصبح قادرا على إخراسها.
لكنه لم يكن مدرك كفاية أنها استعادة قوتها كاملة لتبدأ في تسديد اللكمات لصدره وخدش وجهه الذي كان ذاك القناع الأسود الذي نسي في غمرة اندفاعه للرحيل بها بعيدا عن حرم الجامعة أن يزيحه عن وجهه.
ظل يقاومها صارخا بها:
"أهدي.. أهدي يا آنسة بدور.. والله ما عايز أضرك.. اسمعي بس.."
لم يكن لديها النية لتستمع لحرف واحد مما يقول، وظلت على صراعها معه حتى أبعدت عن وجهه القناع مخلفة خدشا طوليا بأحد أظافرها على جانب وجهه الأيسر.
لحظة وساد الصمت بينهما.
أدرك خلالها أنها بدأت تتعرف عليه ليخفف ضغط كفه عن فمها تدريجيا حتى رفعها تماما وهي ما تزال على صمتها المصدوم.
وأخيرا هتفت في أحرف متقطعة:
"منتصر منصور أبو النصر!؟"
تطلع نحوها متنهدا:
"منتصر منصور بس.. أبو النصر ده اختراعك أنتِ.."
ابتسمت للذكرى للحظة.
ثم انفجرت ضاحكة ما دفعه ليتطلع إليها هاتفا في حنق مصطنع:
"أنتِ لسه متسرعة ومجنونة زي ما أنتِ!! مبطلتيش التهور اللي هيوديكِ فداهية ده!؟"
هزت رأسها نفيا كما الأطفال، ليتطلع إليها مأخوذا، لكنه استدرك مشغلا العربة هاتفا بها:
"لو اللي حصل ده وصل لسيادة العميد.. عارفة إيه اللي ممكن يحصل!؟"
هتفت مشاكسة:
"إيه!! هو أنا عشان بنت سيادة العميد مقدرش أعبر عن رأيي!؟"
هتف محتجا:
"محدش قال كده.. عبري بس مش بالمظاهرات.."
لم ترغب في مجادلته فلم ترد.
فاستطرد هو مستفسرا عن عنوان بيتها.
أبلغته إياه وهي تتطلع من النافذة مولية وجهها للخارج معلنة رغبتها في إنهاء الحديث.
ساد الصمت بينهما لبرهة.
سعلت من أثر الدخان الذي كان بعض أثره ما يزل موجودا برئتيها ما دفعه ليسألها:
"أنتِ كويسة!؟"
هزت رأسها مؤكدة:
"الحمد لله.. الفارس الهمام جه وأنقذني قبل ما أموت من قنابل الغاز اللي كان بيلعب بها هو وزمايله.."
هتف متعجبا:
"بنلعب بها!؟ المظاهرة كانت خارج السيطرة.. وواخدة في وشها طلاب ملهمش ذنب وعربيات ناس ملهاش أي علاقة بالموضوع اتكسرت.. المظاهرة خرجت عن إطار السلمية وبدأ التخريب.. كنا إيه.. نقعد نتفرج!؟ ولا كنا نسبهم يخرجوا ع الشارع كمان وتبقى القدرة على السيطرة أصعب!؟ الغاز كان وسيلة لتقليل أضرار كتير مكنش لعبة يا آنسة.."
هتفت في نزق:
"وايه يعني لما الناس تعبر عن رأيها بحرية!؟"
هتف محتجا:
"محدش منع الحرية.. بس الحرية لو كانت من غير ضوابط هتتحول لفوضى.. كل حاجة فالدنيا لها حد فاصل لو تخطيناه هتنقلب لعكسها.."
ساد الصمت من جديد ليهتف مشيرا لبناية ما:
"أعتقد إنك وصلتي.."
دفعت باب السيارة مغادرة دون أن تلق السلام حتى.
ليهتف هو خلفها:
"مفيش حتى شكرا!؟"
لم تعره اهتماما بينما تطلع هو فالمرأة الداخلية للسيارة عندما استشعر وجعا بجانب وجهه.
أدرك أنه الخدش الذي سببته له والذي تجلطت دمائه بالفعل لكن أثره ظل باق.
هتف في حنق:
"دي مش ضوافر بني أدمين دي! دي حوافر.."
انتفض عندما هتفت خلفه عبر نافذة السيارة المشرعة:
"سمعتك على فكرة.."
تطلع نحوها في غيظ.
لتهتف هي في لهجة مستكينة جعلته يضيق عينيه في شك لأنها لم تكن من طبعها:
"على فكرة.. متشكرة إنك كنت موجود هناك.. ويا ريت الموضوع ده ميوصلش لبابا.."
قرر مشاكستها فأشار لجرح وجهه مطالبا باعتذار.
لتتطلع إليه في نزق هاتفة في تعال:
"لا ده تذكار بسيط مني.. عشان متدخلش في أموري تاني.."
هتف مهددا وهو يعبث بهاتفه:
"طب نمرة سيادة العميد.. ولا أقولك انا هعرف أوصله بنفسي عشان..."
قاطعته وهى تجز على أسنانها:
"أسفة.. ويااارب.. ياارب.. جرحك ما يخف أبدا.."
قهقه وهي تهتف بكلماتها الأخيرة في نبرة مدعية القهر.
واندفع راحلا بالعربة مبتعدا عنها.
ضغط على زر تشغيل مذياع السيارة لتصدح أغنية شاركها الغناء في صوت مرتفع وبحماس:
"دي بالنسبة لي.. جنة اتفتح بابها.. نعمة القدر جابها ورزقني أسبابها.."
ظل يصدح بكلمات الأغنية وهو لا يعلم أن هذه الدعوة الأخيرة التي تضرعت بها ربما قد أصابت استجابة.
كان يسير إلى داخل الحارة وهو ممسك بجواله يحاول الاتصال بها مرارا وتكرارا بلا طائل.
هاتفه يرن بالفعل لكن لا إجابة من قبلها ما أورثه حنقا جعله يهم بحدف الهاتف بطول ذراعه.
لكنه زفر في ضيق وهو يضعه بجيب سترته مندفعا نحو البيت.
وقع ناظره على حُسن وهي تسند والدها الخارج من ورشته باديا عليه الإرهاق الشديد.
لم يكن بحال جيد.. ولا بال رائق كفاية.. وهو قلق بهذا الشكل على بدور التي أخبره أحد أصدقائه أنه رآها بين الفتيات المتظاهرات ولم ترحل كما نصحها.
المجنونة.. أين تراها ذهبت!؟ وماذا جرى لها حتى يفقد اتصاله بها كليا!؟
يكاد التوتر يتأكله وهو لا يعلم لها مستقرا أو موضعا.
لو ترد فقط على هاتفها الذي يعطيه رنين متصل ولا مجيب!
سيهدأ وقتها باله قليلا.
أخرج الهاتف من جديد يحاول مجددا تحقيق اتصال معها.
وقد ترك حُسن وأبيها خلفه مقتربا من باب بيت جده.
إلا أنه أغلق الهاتف قبل أن يعاود الرنين مع انطلاقة صرخة قوية لم يدرك أنها لحُسن حتى استدار مستفسرا.
ليجدها تنكفئ على جسد أبيها الذي افترش الأرض فاقدا وعيه وهي تناديه بلهفة لعله يستفق ويرد عليها مطمئنا.
لكنه لم يفعل.
حتى وصل نادر إلى حيث موضعها دافعا بها مبعدا إياها برفق عن جسد سالم.
مادا كفيه جاذبا إياه بقوة ملقيا جسده على كتفه.
حامله نحو باب شقتهما وهي بأعقابه.
كان عائدا في موعده الطبيعي للدار ليتناول غذائه واذ فجأة وجدها تطل عليه مغادرة دارهم.
لعن نفسه ألف مرة أنه لم يأت ابكر قليلا.
اندفع متظاهرا أنه وصل لتوه يقف يسد عليها طريق الخروج.
تطلعت نحوه لبرهة ثم أرخت اهدابها لتفعل به الأفاعيل.
ظل على صمته لم ينطق حرفا وهو الذي لا يكف عن الكلام لحظة.
أخيرا نطق لسانه هاتفا:
"ازيك يا سمية.. أخبارك!؟"
همست سمية في حياء:
"الحمد لله.. بخير."
هتف من جديد:
"وإزي الشيخ مؤمن وعبدالله!؟"
همست وابتسامة على شفتيها تحاول وأدها:
"ما هم بيجلولي إنك معاهم على طول فالچامع.. يبجى أكيد تعرف أخبارهم!!"
رفع كفه مدلكا مؤخرة رأسه في حرج مؤكدا في تلعثم:
"إيوه صح.. مظبوط.."
واستطرد محاولا استوقافها عندما همت بالرحيل:
"طب وعمي ماهر وعمتي هداية!؟"
نكست سمية رأسها لا حياء بقدر ما هي رغبة في مداراة ضحكاتها التي ما عادت قادرة على وأدها بسبب أسئلته الغريبة واللامنطقية.
استشعر غباءه فأفسح لها الطريق لتمر راحلة من أمامه يتمنى لو تبقى العمر.
ظل يتابعها بناظريه متحسرا وما أن غابت حتى بدأ في ضرب فمه بكفه معاتبا:
"يعني عامل زي وابور الحرت مع الناس كلها وچيت تخرس جدامها!!.. يا شيخ روح منك لله.. وجاعد تسألها عن أبوها وأمها وأخواتها وأنت ليل نهار معاهم.. عاملي راچع من الخليچ بجالك خمسين سنة مشفتهمش.. أما بهيم صحيح.."
هتفت به سهام أخته في تعجب:
"أنت بتكلم نفسك يا سمير!؟"
هتف في حنق:
"ايوه يا ختي بكلم روحي.. اتچننت.. ليكي شوج فحاچة!؟"
هتفت سهام في حنق متطلعة لجدتها التي كانت غافية على أريكة قريبة:
"ألحجيني يا ستي.. سمير اتچنن وشكلها راحت منه خالص.."
هتفت سهام الجدة في لامبالاة:
"وإيه الچديد يعني!؟ طول عمره مچنون.."
واستدارت إليه سهام الجدة متطلعة نحوه في تعجب هاتفة:
"تعال هنا يا واد.. أنت مش جلتلي هتچيب لي البتاعة دي اللي طلبتها منِك من تلت أيام وأنا نسيت إيه هي!؟ فينها بجى!؟"
هتف سمير في نفاذ صبر:
"إيه هي يا ستي دي!؟"
وهمس في ضيق:
"يا ربي وانا كنت ناجص حرجة دم.. مش كفاية معرفتش أجول لها كلمتين على بعض وأنا ما صدجت شفتها.."
هتفت سهام الجدة في حنق:
"بتبرطم تجول إيه يا جليل الحيا.. والله لأجول لأبوك.. يا باااسل.. تعال شوف ولدك واللي بيعمله فيا وفأخته الصغيرة.. يا باااسل.."
نفض سمير جلبابه وابتعد عن الحجرة بل عن الدار بكاملها منزويا بأطراف الحديقة لا رغبة له في التحدث مع أحدهم.
فقد كانت رغبته في الحديث معها هي الغالبة عما عاداها.
كانت رؤيته لها منذ قليل حدث نادر.
فهي ليس من عاداتها الخروج من بيت أبيها.. أو التسكع هنا وهناك.
لكنه حاول بطبيعته المتفائلة أن ينظر لنصف الكوب الممتلئ.
على الأقل رآها.
ملأ عينيه بمحياها الصبوح.
وطالع ابتسامتها الندية التي اشرقت اللحظة أمام ناظريه فحولت كربه لفرحة غامرة حتى أنه ابتسم كأبله بلا سبب.
ونهض مندفعا ليكمل مشاكساته لجدته قبل أن تشكوه لأبيه.
كانت تمر مصادفة بجوار تلك القاعة التي اجتمع فيها جدها مع أبيها.
وتناهى لمسامعها حوار يخصها فأرهفت السمع بلا وعي لتتأكد أن أروع أحلامها في سبيله ليتحقق فما استطاعت ان تقف موضعها فحملتها أجنحة سعادتها مندفعة باتجاه الدرج تصعده في لهفة تسابق الريح لتصطدم بعاصم ابن عمها الذي كان في سبيله للهبوط بدوره.
توقفت موضعها متلبكة ولم ترفع ناظريها إليه حتى معتذرة وخاصة عندما تنحنح هو هاتفا في اضطراب لقربها بهذا الشكل:
"إيه في!؟"
لم تكن زهرة في مزاج يسمح لها بالرد.
فقد كانت بعالم أخر.
وهى في الأساس لم تكن لترد كما يحدث عادة.
فلا قبل لها على مجابهته أو مناطحته القول.
فهي دوما تتساءل نفسها لم تتحاشاه كلما جمعهما موضع ما!؟
رفعت نظراتها أخيرا نحوه وهزت رأسها معتذرة:
"مفيش حاجة.. معلش.."
تنحت جانبا وهى تصعد.
لتتركه يتبعها بناظريه وداخله يهتز بقوة كأرض ضربها زلزال عنيف هز ثباته.
أخذ يستعيد نظرتها تلك بمخيلته عدة مرات وأخيرا وجد القدرة ليتحرك من موضعه هابطا الدرج في اتجاه الخارج.
مارا بتلك القاعة التي يجلس بها جده دوما ليلقي عليه التحية قبل ذهابه كعادته ليتوقف متسمرا موضعه قبل أن تمس كفه مقبض الباب مدركا لجده يهتف متسائلا:
"وعاصم واد أخوك يا ماچد!؟"
هتف ماجد متنهدا:
"يا بابا عاصم بن مهران ده ابني وأنا عمري ما كنت هرفضه لو أتقدم لزهرة وكانت عايزاه.. بس العريس اللي جالها ده زي ما قلت لك.. شاب ميتخيرش عن عاصم فأخلاقه ومن عيلة ومستقبله ما شاء الله.. هايبقى دكتور فالجامعة.. وبصراحة يا بابا فوق كل ده.. وهو الأهم بالنسبة لي.. إني حاسس إن زهرة بنتي ميالة له.. وأنا كل اللي يهمني بنتي تتجوز اللي يسعدها وتسعده.."
تنهد الجد بالداخل وعاصم الحفيد بالخارج يكاد لا يعرف لقدمه موطئا.
إذن هذا هو تفسير تلك النظرة التي رآها تطل من عينيها منذ لحظات تكاد تقسم أنها عاشقة.
تلك النظرة التي تمنى لو لمح طيف منها لأجله.
أخيرا استعاد السيطرة على روحه المبعثرة ولملمة فوضى شظاياها المتناثرة واندفع مبتعدا لخارج السراي لا يعلم إلى أين وقد ضاقت عليه الأرض بما رحبت.
دفعت باب الشقة على عجل ليدخل وهو يحمل أبيها على كتفه في ثبات.
ليندفع هو بدوره نحو حجرة النوم ممددا إياه على فراشه لتلحق به حُسن في محاولة بائسة لإفاقة والدها لكن دون جدوى ما دفعه ليهتف في عجالة:
"أنا رايح أجيب له دكتور من المستشفى اللي على أول الشارع."
لم تعقب بل لمعت بعيونها الدموع وهي تراه يهرول للخارج.
كاد أن يصطدم بجده المعلم خميس وناصر وبعض الجيران الذين تجمهروا أمام باب شقة سالم لمتابعة ما يحدث إلا أن ناصر فض الجمع بينما كان خميس يواسي حُسن رابتا على كتفها مؤكدا في حنو:
"هايبقى تمام يا بنتي.. متقلقيش.. شوية تعب وهيروحوا لحالهم وأبوك جبل.. وهيقوم منها.."
هتفت حسن في تضرع دفع الدموع لتنساب من مقلتيها:
"يا رب يا معلم.. يا رب.. ده أنا ماليش غيره.."
هتف ناصر:
"ربنا يخليهولك يا بنتي.. بس هو إحنا رحنا فين!؟"
طرقات على باب الشقة قطعت أي إجابة منها ونادر يدخل وخلفه الطبيب الذي اندفع للحجرة المتواضعة والرجال بصحبته بينما ظلت هي على أعتاب الحجرة تتطلع لجسد أبيها المسجي على فراشه في ضعف والطبيب يتفحصه بلا حول منه ولا قوة.
كان نادر يرافقها بالخارج متطلعا إليها في تعجب.
إنها المرة الأولى التي يراها بهذا الضعف الأنثوي.
لم تكن القوية القادرة كما هي العادة.
حتى تلك الدموع التي تتألق على خديها اللحظة أعطت لها مظهرا عجيبا لم يكن ليتخيل أن تكون عليه.
وأن تظهر بهذا الحسن الذي يربكه.
وهذا الضعف الذي يحيره.
حتى أنه يكاد يقسم أن التي أمامه الآن ليست حُسن.
بل صورة مناقضة لحقيقتها تماما.
تنبه من شروده عندما ظهر الطبيب خارج الغرفة موصيا بالراحة للمريض والمواظبة على الغذاء الجيد والدواء الذي وصفه.
حاولت أن تحصل على تذكرة الدواء لكن نادر كان الأسرع بالتقاطها من يد الطبيب مصطحبا إياه للخارج.
لحظات وتبعه جده وأبيه لمحل عمليهما بعد أن اطمأنا أن الأمور على ما يرام.
دقات على الباب من جديد جعلتها تنهض من موضعها على أطراف فراش والدها لتفتح.
ليطالعها نادر من جديد هاتفا وهو يمد لها كفا بالدواء:
"أزيه دلوقت!؟"
همست وبريق الدمع يترقرق بمقلتيها من جديد.
وغصة بحلقها جعلت الرد مستصعبا للحظة.
حتى ابتلعتها هامسة في نبرة مهزوزة:
"الحمد لله.. نايم.."
هتف وهو مأخوذا بقسمات وجهها البالغة الرقة والتي كان يتطلع لها وكأنما يراها للمرة الأولى:
"هايبقى كويس بإذن الله.. كل علبة من الدوا عليها ميعادها عشان متتلخبطيش.."
ومد كفه الآخر الذي كان يداريه عنها خارج الباب بكيس كبير به الكثير من المشتريات وضعه أرضا أمامها مستطردا:
"ودي حاجة بسيطة عشان يتغذى كويس زي ما قال الدكتور.."
همت بالاعتراض فقاطعها هاتفا:
"عارف إن البيت كله خير.. بس دي حاجة بسيطة.. وجمايل عم سالم سابقة.. ربنا يقومه بالسلامة.."
لم يكن بمقدورها أن تحتمل كل هذا الحنو من قبله.
لم تكن تدرك من الأساس أنه يملك كل هذا الكم من الرفق المخبأ بحرص داخله.
والغائب خلف لسانه اللاذع ونقده لتصرفاتها الخشنة على الدوم.
لذا لم تع إلا وهي تنفجر باكية في قهر.
هي التي لم تبك يوميا.
ولم يهتك ستر دموعها أمام أحد.
إلاه اللحظة.
تلك اللحظة الفارقة التي وجد نفسه فيها ممزقا ما بين الوقوف عاجزا أمام شلال الدمع العصي الذي أعلن استسلامه أمام ضعفها الأنثوي أخيرا.
أم عليه أن يهرب من فوره لأن البقاء أصبح خطرا بشكل ما عاد يدرك مداه!؟
ما كان الاختيار مستعصيا.
لذا فقد أسلم ساقيه للريح.
مندفعا لخارج البيت.
لا يعلم ماذا دهاه.
تنهد في راحة فها قد وصل اخيرا لدار جده الحناوي.
وقف على أعتاب البوابة الخشبية القصيرة وتطلع الى الدار بنظرة شاملة وتمنى بقرارة نفسه أن يكون ذاك الدار مستقر له اخيرا بعيدا عن تيهه ووجعه الذي خلفه ورائه بنجع الصالح.
دفع البوابة بعد أن تعامل مع قفلها الحديدي الصدئ لبعض الوقت حتى انصاع لمفتاحه مستجيبا.
سار تلك الخطوات التي تفصله عن الدرج الذي اعتلاه ليبحث عن مفتاح باب الدار الرئيسي كما أخبرته عمته هداية وهى تعطيه سلسلة المفاتيح الغالية كما كانت تلقبها.
استجاب الباب سريعا ليدفعه متطلعا حوله باحثا عن لوحة المفاتيح الكهربائية.
وجدها على أحد الجدران القريبة.
حاول التعامل معها لكنه لم يفلح.
تنهد في حسرة فعله إذن قضاء الليلة بلا كهرباء حتى يتسنى له احضار متخصص لإصلاحها.
فيبدو ان طول الفترة التي أغلق فيها البيت أثرت بالتأكيد على أسلاك الكهرباء ومدى صلاحيتها للاستخدام.
ندم أنه لم يستمع لنصيحة أمه بتأجيل رحيله للصباح.
وأن يبعث بعض الأشخاص لتنضيف البيت وإصلاح ما أفسده الدهر به ويؤجل انتقاله إليه بضعة أيّام حتى يصبح صالحا للعيش فيه.
إلا أنه لم يستمع لنصيحة أمه أو أي من كان.
فقد كان على وشك الجنون لو أنه بقي بالنجع يراها تروح وتغدو ويقاسي الأمرين وهو يعلم علم اليقين أنه ما عاد له أي أمل معها بعد رفضها الزواج به.
تطلع حوله يكاد لا يرى كف يده.
فأخرج قداحة من جيبه أنارت شعلتها المكان إلى حد ما.
هم أن يستدير ليستطلع الردهة إلا أنه انتفض فزعا فقد وقعت الشعلة على بعض الوجوه التي جعلت الدم يتوقف عن التدفق بشرايينه لبضع ثوان.
لكنه زفر متنهدا في راحة ما أن أدرك أن هذه الأوجه لم تكن إلا بعض الصور الفوتوغرافية المعلقة على طول جدران الردهة.
ابتسم لبلاهته بل إنه قهقه على أفعاله هاتفا مشجعا نفسه:
"لاااه راچل يا يونس.. خليك سبع.. چمد جلبك.."
قرر النوم بالردهة الواسعة قرب الباب بعد هذه الوصلة القوية من تشجيع الذات والتي باءت بالفشل تماما.
مقررا تأجيل استطلاع الغرف للغد صباحا.
ترك باب الدار مشرعا قليلا.
ولحسن حظه وجد إحدى اللمبات مركونة على أحد الأرفف قام بإشعالها وتركها جانبا يحاول جعل تلك الأريكة المهترئة مكانا يصلح للنوم حتى يطلع الفجر ويتصرف بالبيت وأحواله.
كان يتضور جوعا فقرر أكل شيء فترك كل ما كان يقوم به جانبا وتذكر أنه ترك كل حقائبه بالسيارة خارجا.
أحضرها وعاد حاملا إياها وصندوق كرتوني به بعض الخيرات التي أصرت جدته كسبانة على أخذها معه.
وضع الحقيبة جانبا وفتح الصندوق يخرج ما يمكنه تناوله بسهولة دون الحاجة لموقد.
أخرجت كفه فطيرة طازجة فأخذ في قضمها بشهية حتى أتى عليها وتمدد جسده على الأرض التي ألقى عليها بعض الأغطية وأتخذ من حقيبته مسنداً لرأسه.
بدأ النعاس يداعب أجفانه حتى جذبه النوم ليغرق في سبات عميق.
لا يعلم كم مر عليه وهو على حاله إلا أن تيبس ظهره على تلك الأغطية التي لا تصلح مطلقا لتكون فراشا جعله ينهض محاولا تعديل وضعية نومه.
ما أن هم بالخلود للنوم من جديد حتى استشعر حركة ما بالخارج جعلته يتنبه بكل حواسه محاولا استنتاج مصدرها.
نهض في حذر يتطلع من خلف باب الدار المواربة ليرى شبحا أسود يمر سريعا ليصبح اللحظة بالباحة الخلفية للدار.
تحسس يونس صدره متفقدا ذاك السلاح الذي أصر أبيه عليه لأخذه رافضا أي اعتراض ما دفع يونس للإذعان واضعا إياه قرب قلبه.
لكنه لم يجده الآن.
انتفض مذعورا للحظة يعتقد أنه نسيه أو حتى فقده إلا أنه تذكر أنه وضعه جانبا حتى يتسنى له النوم بأريحية.
انحنى ملتقطا السلاح وبدأ يتسلل في خفة ليجد رجلا يفتح إحدى الغرف المبنية بالحديقة الخلفية.
باغته يونس ملصقا السلاح بظهره هامسا في لهجة حاول أن يجعلها حازمة:
"أنت مين!؟ وإيه اللي چايبك هنا!؟"
لم ينطق الرجل لبرهة.
لكن على حين غرة انعكس الوضع وتناول الرجل المتشح بالسواد سلاحه الذي كان يسنده بالقرب من قدمه.
ودفع بسلاح يونس بعيدا.
حتى أن يونس تمدد أرضا جراء تعرقله ببعض الحجارة وهو يتقهقر محاولا الزود عن نفسه بعد فقد سلاحه.
أصبح سلاح الرجل الملثم الذي استدار كليا موجها لقلب يونس.
هاتفا من خلف لثامه في خشونة:
"اني اللي المفروض أسالك.. أنت اللي مين!؟ وبتعمل إيه ف دار الحناوي!؟"
لم ينطق يونس وهم الرجل بإطلاق النار.
هتف يونس صارخا يوقف الرجل الثائر الذي كان على وشك إطلاق النار:
"أنا يونس الحناوي.."
هتف الرجل في شدة:
"لاااه.. أنت عتكدب.. يونس الحناوي ده راچل كبير ف السن.."
أكد يونس هاتفا:
"يا سيدي أنا واد ولده.. يونس الحناوي يبجى چدي.."
هتف الرجل ساخرا:
"وهو أني أي واحد مخبل ياچيني يجولي إن يونس الحناوي يبجى چدي.. اصدجه على طول!؟.. إيه الحلاوة دي!؟"
هم يونس بدفع كفه بجيبه مخرجا بطاقته الشخصية دافعا بها للرجل إلا أن الأخير استوقفه محذرا:
"عتعمل إيه!؟"
هتف يونس مؤكدا:
"هطلع لك البطاقة.. اسمي فيها رباعي.."
تركه الرجل ليخرج البطاقة الشخصية مسلمها إياه:
"يا رب تكون استريحت ولا مبتعرفش تجرا وتبجى حوسة!؟"
هتف الرجل مؤكدا:
"لاااه.. بعرف.. دِه أني سايب المدرسة من تانية إعدادي.."
هتف يونس ساخرا:
"الحمد لله.. مثقف يعني.. أنعم وأكرم.. إجرا بجى وخلصني."
هتف الرجل:
"المشكلة مش ف الجراية يا بيه المشكلة إني مشيفش عشان أجرا.."
هتف يونس:
"يا دي الليلة الكوبية.."
هتف الرجل مؤكدا:
"أهااا.. جلتها بذات نفسك.. ليلة كوبية.. عتمة.. هجرا كيف أني..!"
تذكر يونس القداحة بجيبه فهم بإخراجها ليهتف الرجل وهو يلصق فوهة بندقيته بصدر يونس أكثر:
"أنت بتعمل إيه تاني!؟"
هتف يونس مؤكدا:
"بچيب لك الولاعة عشان تعتجني من الرجدة السودا اللي أنا فيها دي.."
أخرج يونس القداحة بسرعة وما أن تحقق الرجل من شخصية يونس حتى أبعد فوهة البندقية عن صدره هاتفا في اعتذار:
"متأخذناش يا واد الغاليين.. الحرص واچب برضك.."
انتفض يونس واقفا وجذب بطاقته الشخصية من كف الرجل في غيظ وهتف به في حنق:
"طب أنا و حضرتك عرفت أبجى مين.. أنت بجى مين!؟ وإيه چايبك لبيت چدي! وداخل كِده بعشم كنه بيت أبوك!؟"
رفع الرجل اللثام عن وجهه هاتفا بلهجة صلبة:
"أنا سماحة الجناوي.. خدامك يا بيه.."
هتف يونس متعجبا:
"خدامي كيف يعني!؟"
هتف سماحة:
"بص يا بيه.. حكايتي طويلة وكلها وچع راس.. بس خلاصة الجول إني لجيت روحي مع أمي وأخواتي البنات ملناش متوى إلا هنا ف الأوضة دي.. ويعلم ربنا إن محدش هوب ناحية الدار ولا مسها.. وإني خليت عيني عليها أمانة ف رجبتي أهو برد حج جعدتي هنا وسترة أمي وأخواتي.."
تطلع إليه يونس للحظة ورغم عتامة الأجواء إلا إنه استشعر الصدق بكل حرف نطق به فهتف مستفسرًا:
"أنت بجالك كد إيه هنا يا سماحة!؟"
هتف سماحة في عجالة:
"ياجي سنتين كِده.. ونچع الحناوي كله يعرفني على أساس إني غفير دار الحناوي ومفكرين إنكم اللي چايبيني.."
هز يونس راْسه في تفهم متسائلا:
"اومال فين أمك وأخواتك!؟ مش بتجول معاك هنا!؟"
كانت المرة الأولى التي رق فيها صوت ذاك الرجل هامسا:
"سبتهم بره لما وعيت لنور چاي من جوه الدار.. واجفين ع البوابة.. هم وعولك وأنت داخل الدار وخافوا واتكنوا بره لحد ما چيت.. سبتهم بره ودخلت أشوف إيه في!؟"
هتف يونس أمرا:
"طب أطلع هاتهم.. زمان الرعب جاتلهم.. خليهم يناموا والصباح رباح.."
هتف سماحة في فرحة:
"يعني هتسينا نعيشوا ف الأوضة دي يا بيه ومش هتطردنا!؟"
هتف يونس متعجبا:
"أنت مش لساتك جايل إن إحنا اللي معينينك غفير ع الدار.. يبجى تفضل غفيرها.. ياللاه روح هات أمك وأخواتك.. ومن النچمة تدور لي على كهربائي يصلح النور وتنضفوا الدار.."
هتف سماحة في سعادة غامرة:
"أوامرك يا يونس بيه.."
اندفع سماحة يشير لأمه من خارج بوابة الدار لتندفع للداخل وبصحبتها فتاتين إحداهما في الثالثة عشرة تقريبا والأخرى في العاشرة.
ما أن اقتربن من موضع وقوف يونس على الدرج حتى هتفت الأم في سعادة وبدعاء خالص من القلب:
"تسلم يا بيه.. ربنا ما يوجعك ف ضيجة ويخلف على جلبك بالرضا والفرح.."
وقر الدعاء بقلب يونس وتذكر جدته كسبانة التي كانت ما تفتأ تدعو لكل ذاهب وايب من أبناء حامد ولدها والذين كانت تخطئ في حصرهم والتعرف عليهم دوما ما كان مادة للسخرية والمزاح من قبله وراضي.
هتف يونس ممتنا:
"أمين يا خالة.."
دخلت أم سماحة وبناتها ليهتف يونس خلف سماحة الذي كان يسير بعقبهن:
"متنساش يا سماحة.. الكهربائي.. وتنضيف الدار.."
أكد سماحة في حماس:
"أعتبرهم خلصوا يا بيه.."
هز يونس رأسه واندفع يدخل الدار ليكمل ساعات نومه القلق.
ممنيا نفسه بفراش وثير غدا.
كان هذا الشعور المتنامي داخله يقتله إرباكا.
لا يعرف ما دهاه وهو ينتظر كل يوم بطبق الفاكهة والخضروات مجيء فرسها.
أي انتظار هذا!؟
يشعر أنه فقد عقله بالكلية وهو ينتظر من أجل فرس يأتي ليطعمه ويؤنس وحدته.
لكنه تنبه أن الأمر تخطى شغفه بالأحصنة وشوقه إلى اعتلاء صهوتها فارس لا يشق له غبار كما كان دوما.
إن الأمر أصبح يخص صاحبة الفرس التي ظهرت له فجأة من خلف حجب الوجع لتسقط بأحضانه وتنتفض مذعورة كأرنبة برية مبتعدة دونما اتفاق على ميعاد لقاء جديد.
أو ربما.. سقوط أخر.
يشعره أنه عاد من سبات عميق غابت فيه روحه عن الدنيا لسنوات طوال.
وعزلة أعتاد عليها وإعتادته.
كسرتها هي في عفوية وبراءة أسرته.
دفع الباب وصحن الخضار بحجره ووقف يتطلع لذاك الموضوع الذي يأتيه منه عنتر لليوم الخامس على التوالي.
كاد أن يفقد الأمل ويعود أدراجه للداخل لكنه توقف وأرهف السمع لتلك الخطوات المقتربة التي أطربت مسامع قلبه قبل أذنيه.
شخص بصره نحو موضع قدوم الفرس.
وأخيرا هلّ عنتر متبخترا يسير الهوينى نحوه.
توقف منكسا رأسه نحو موضع سكون مقعده المدولب مستشعرا أن مروان يعاتبه دونما كلمة.
ما دفع الفرس ليهز رأسه فتهتز غرته الصهباء التي حركت قلب مروان ما جعله يبتسم شاعرا أن الفرس يسترضيه معتذرا عن غيابه.
حتى أنه لم يمد فكه بأريحيته المعتادة لطبق الخضروات حتى يأذن له مروان الذي أمسك بجزرة طازجة ومد كفه بها.
تناولها عنتر في استمتاع وهمهم في سعادة جذبت الضحكات لحنجرة مروان الذي ما أن رفع ناظريه بعيدا عن محيا عنتر إلا وسقطت عليها حيث كانت هناك.
تختبئ خلف إحدى الأشجار الضخمة التي كانت تنتصب بالقرب من السياج المنخفض منذ زمن بعيد.
تظاهر أنه لم يرها لكن فرحته التي باتت مرسومة على وجهه لا يمكن أن تخفى عن ضرير.
كانت جلية ظاهرة على كل خلجة من خلجاته لدرجة أربكته وما عاد مدركا ما عليه فعله.
هل يناديها لتنضم إليهما.
متعللا أن فرسها غافلهم كعادته وجاءه!؟
أم يتظاهر أنه لا يدرك بوجودها.
و.. وماذا!؟
أنارت بعقله فكرة دفعته لترك طبق الفاكهة أرضا والاندفاع بكرسيه المدولب للداخل.
بحث عن ورقة وقلم.
وبدأ في الكتابة في عجالة مخافة أن يغافله عنتر ويرحل.
خرج مسرعا.
وحمد الله أن الفرس ألتهى بالطبق وظل موضعه.
هبط المهبط الخشبي المصنوع بلا درجات من أجل حرية مقعده المدولب وأصبح بجوار الفرس بنفس الموضع حيث كان منذ خمس ليال.
لكن الفرق الوحيد أنها كانت بالأعلى هناك تعتلى الفرس كأميرة مذعورة.
وهو هنا منتظرا العطايا.
لتجود عليه السماء بعطية ولا أروع.
سقوط النجمة بأحضان البئر.
ويا له من سقوط!
مد كفه واضعا خطابه معلقا بطريقة ما بسرج الفرس الذي لم يرفع رأسه عن الطبق ولا حتى فضولا عندما عبث مروان بسرجه.
كان يدرك أنها ما تزال هناك.
ورأت ما صنعه.
وأين وضع الخطاب.
ليندفع في هذه اللحظة من الجانب الآخر لحسن الحظ.
ومن موضع لا يراها منه.
خفيرها الذي هتف في ضيق وهو يجذب رسن الحصان مبعدا فكه عن الطبق الشبه فارغ قبالته:
"متأسفين يا بيه.. والله ما نعرف الفجري ده بيطلع منين وياچيك!؟ السماح وأني هسلسله عشان ميضايجش سعادتك بمچيته.."
هتف به مروان في تحذير:
"أوعى تعمل كده.. ده ممكن يضر الفرس.. سيبه يجي عادي أنا مش مضايق منه.."
هز الخفير رأسه في لامبالاة هاتفا:
"خلاص يا بيه.. بشوجك.. هو أني خسران إيه!"
وجذب الخفير الفرس مختفيا خلف السياج القريب.
رفع مروان ناظريه نحو موضعها المستتر لكنها كانت قد اختفت أيضا.
لتتركه يخمن.
هل يا ترى ستقرأ خطابه!؟
وإن فعلت.. فهل هناك من جواب بالرد سيكون عليه انتظاره مع زيارة عنتر القادمة!؟
لم يكن يعلم أن الانتظار مرا كالعلقم إلا اللحظة.
لكنه لا يملك إلا هو.
تطلعت إلى تلك الورقة المطلوبة التي كانت بين كفيها.
كانت تنظر إليها في وجل.
نبضات قلبها تتسارع في لهفة على فضها.
وشيء غريزي بدافع الحماية يمنعها ويصدها.
كأنما تدرك لا شعوريا أن حالها بعد قراءة كلماته سيتغير كليا.
ويا له من إدراك!
ظلت حائرة لبعض الوقت قبل أن يغلبها فضولها لتفتح الورقة في بطء تتطلع للأحرف المرسومة أمام ناظريها في رهبة.
لم تكن إلا أسطر قليلة.
لكن عقلها توقف عن استيعاب معناها لبرهة قبل أن تبدأ في استعادة ثباتها قليلا متمهلة في القراءة.
همست بالكلمات بصوت خفيض "عندي أمانة تخصك.. لو ينفع كنت بعتهالك مع عنتر.. لكن للأسف.. لازم توصل لصاحبتها يد بيد".
تعجبت.
عن أية أمانة يتحدث!؟
هي لم تره إلا دقائق معدودة انتهت ب.. احمرت وجنتاها خجلا وهي تتذكر كيف استقرت بين ذراعيه عندما سقطت مباشرة إلى أحضانه.
كانت لحظات خاطفة توقف فيها الزمن وهي تنظر إليه مصعوقة وكل ما كان يحمل على وجهه هو تلك الابتسامة المشرقة كأنما هبطت عليه غنيمة من السماء.
اتسعت ابتسامتها.
ثم انفجرت ضاحكة فجأة وهي تضع كفها على صدرها موضع قلبها الذي كان يرفرف في سعادة.
سعادة افتقدت الشعور بها أو حتى تذكر متى كانت المرة الأخيرة التي ضحكت بها ملء فيها أو استشعرت سرور قلبها بهذا الشكل.
كان هذا منذ زمن بعيد.
بعيد جدا.
تنهدت وهي تتطلع مرة أخرى لكلمات الرسالة.
وتساءلت.. هل عليها الرد!؟
ثم تنبهت فجأة.
كيف لها أن ترد ومن المفترض أنها لم تر الرسالة أو حتى تعرف أنه أرسلها لها من الأساس!؟
هنا كانت المعضلة.
ستضع الرسالة مرة أخرى بسرج عنتر ليجدها موضعها فيعتقد أنها لم تقرأها فيكف عن هذه اللعبة التي قد تدفع بهما لطريق لا رجعة منه.
هزت رأسها في حزم وقد استقر رأيها على إعادة الرسالة موضعها حتى تنهي هذا السخف الدائر والذي لم يكن من عاداتها أبدا.
طوت الرسالة وتسللت حتى الإسطبلات وأشارت لعنتر الذي صهل في سعادة لمرآها ليصمت وهي تضع له الرسالة من جديد بسرجه.
لعل وعسى ينتهي صاحبها من إرسال المزيد.
تأكدت أن الرسالة موضعها في أمان ثم تسللت من جديد لتعود أدراجها لغرفتها.
لكن سؤال ظل يشغل فكرها طوال الليل.
ترى ما هي الأمانة التي يحملها معه.
ويصونها لأجلها!؟
رواية زاد العمر وزواده الفصل السادس 6 - بقلم رضوى جاويش
دخل عاصم القاعة التي يقبع بها جده، منحنياً نحو هامته مقبلاً في إجلال. وما أن هم جده ليخبره بما كان من أمر رغبة الدكتور محمد عزام في الزواج من زهرة، حتى استبقه عاصم ليزيح عنه الحرج:
"عرفت يا جدي.. عرفت.. ربنا يهنيها."
هتف عاصم الجد:
"بس أنت رايدها يا ولدي!"
ابتسم عاصم مؤكداً في نبرة حاول ألا تظهر بها تلك الوجيعة التي ترتع بصدره رأفة بجده:
"بس هي جلبها رايد غيري يا جدي.. إيه هخدها غصب؟"
واتسعت ابتسامته يحاول أن يظهر عدم اكتراثه بالأمر حتى لا يحمل جده هم قلبه الموجوع:
"مش كل الغصب ينفع يا جدي.. أنت وستي زهرة حكاية مش هتتكرر."
ربت عاصم الجد على كتف حفيده وساد الصمت. ليهتف عاصم مؤكداً:
"جدي.. مش عايز حد يعرف إني كنت طالب يد زهرة.. وخصوصي أبويا وأمي."
تطلع إليه جده متعجباً:
"ليه يا ولدي هي عيبة؟.. ما اللي يعرف يعرف."
أكد عاصم متضرعاً:
"عشان خاطري يا جدي بلاش.. أصلك أنا عارف أبويا وأمي ممكن يضايجوا على رفضها.. وده ممكن يعمل حساسيات بين أبويا وعمي.. أو بين أمي وعمتي إيمان.. طب ليه من أساسه!! مش عايز اللي ما بينهم يتعكر على موضوع ملوش عازة."
هتف به جده في إكبار:
"ربنا يكملك بعقلك يا عاصم.. ويريح جلبك يا ولدي."
نهض عاصم مقبلاً هامة جده من جديد، مغادراً القاعة لحجرته، التي ما أن دلفها حتى توجه حيث يقبع حاسوبه اللوحي، فتحه وبدأ يخط عليه خواطر قلبه المعذب في إحدى منشوراته خاطاً في وجع:
"أجهدتني أحلامي الحبلى بحبك فقد استهلكني غثيانها الصباحي واشتهائها لنظرة عشق من عينيكِ أبصرتها يوماً وما كانت لقلبي.. فعلمت أن أحلامي حملت سفاحاً فقررت وأدها والتخلص من عاري."
وزيلها في ثقة: شيخ العاشقين.
ثم أغلق حاسوبه وتمدد على فراشه يتطلع لسقف غرفته التي ضاقت حتى أطبقت على أنفاسه. لكنه استعاذ ونهض ليتوضأ هامساً وهو يتوجه للقبلة على مصلاه:
"فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين."
مذكراً نفسه أن العبد يكون أقرب ما يكون لربه وهو ساجد، راغباً في الوصول بقلبه لحالة الطمأنينة التي بحث عنها طويلاً. فهل يجدها وفؤاده مثقل بهكذا عشق!
***
طرقات على باب شقة المعلم خميس والكل مجتمع في مثل هذه الساعة قرب المغرب، جعلت نعمة تنهض في عجالة لتفتح.
طالعته صورة حسن التي كانت قسمات وجهها تنم عن حزن عميق جراء مرض والدها. جذبتها نعمة لتدخل على استحياء بعد أن تمنعت قليلاً.
ألقت التحية في حياء:
"السلام عليكم."
هتف الجميع مجيباً تحيتها مستطرداً خميس في اهتمام:
"عامل إيه أبوكِ دلوقتي يا بنتي؟"
أدارت رأسها نحو موضعه مجيبة:
"بقى أحسن الحمد لله يا معلم.. مطلعتش إلا بعد ما اطمنت إنه نام بعد ما صدره هدي شوية من الكحة اللي مكنتش بتنيمه."
هتف ناصر:
"طب الحمد لله.. ربنا يطمنا عليه ويخليهولك يا بنتي."
جلست حسن وهي تحاول أن تقنع نفسها أنها جاءت من أجل المحاضرات لا من أجله، وخاصة وعيونها تحاول البحث عن محياه بين الجالسين. هتفت وهي تتلعثم موجهة حديثها لخميس من جديد:
"أنا عارفة يا معلم إنك بتعتبر أبويا أخوك.. بس أنا عايزة أعرف الباشمهندس نادر دفع كام للدكتور اللي جابه؟.. والدوا اللي اشتراه كمان بكام؟.. دول دين عليا وبإذن الله ها.."
هتف خميس في تعجب:
"فلوس إيه ودين إيه اللي بتقولي عليهم؟.. أنتِ هتخليتي أزعل منك ولا إيه؟"
هتفت نعمة في تعجب:
"هو فيه بين الأهل ديون ولا حساب؟.. أخس عليكِ يا بت يا حسن.. طلعتي خايبة وأنا اللي كنت فكراكِ جدعة!!"
همست حسن على استحياء:
"بس أصله ميصحش يعني."
هتفت شوشو وهي قادمة من داخل المطبخ حيث كانت تحضر العشاء:
"اللي ميصحش هو اللي بتقوليه ده يا خايبة.. على رأي أمي.. تعالي بقى أنتِ والخايبة التانية.. وأشارت لنعمة ابنتها مستطردة.. وساعدوني في عمايل العشا.. هموا ياللاه.. عشان تلحقي تتعشي معانا."
امتعضت نعمة بينما هتفت حسن في اعتراض:
"لا مش هينفع يا خالتي والله.. أصل لازم أنزل بسرعة لحسن بابا يصحى ويحتاج حاجة وميلاقنيش."
هتف خميس:
"أنتِ مش بتقولي لسه مدياله الدوا.. يبقى قدامه شوية على بال ما يقوم تكوني اتعشيتي وشربتي الشاي كمان."
هتفت نعمة الجدة:
"قومي ياللاه يا نعمة وخدي حسن فأيدك.. اعملوا لكم همة لحسن جوعنا."
لم تستطع الاعتراض أكثر. فتحركت خلف نعمة إلى المطبخ وكل همها رؤيته، وأن تعطيه أمانته التي فقدها لديها، والتي من المؤكد أنه يبحث عنها. لكن يبدو أنه ليس هنا، وهي لن تفرط في فرصة تجمعها به، بإعطائها أمانته مخلوقاً دونه.
***
رنين متواصل ملح على هاتفها جعلها تتأفف وهي تعدل من هندامها أمام المرآة فقد كانت على موعد عمل هام ولا تريد أن تتأخر، بل عليها الوصول أبكر من الجميع حتى تتأكد أن كل الإعدادات المطلوبة على ما يرام. إلحاح الرنين الذي انقطع ثم عاود مرة أخرى جعلها تتطلع لشاشة الهاتف قبل أن تتناوله وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة واسعة وهي ترد في مرح غاب عنها لسنوات كان مخبأ فقط ولا يظهر للعلن إلا معها هاتفة:
"أيوه يا غلباوية يا زنانة!!"
هتفت بدور:
"أحسن منك يا براوية ياللي مبتسأليش."
قهقهت فريدة هاتفة:
"وأنا من إمتى هقدر عليك وعلى لسانك!؟ يا ساتر."
هتفت بدور:
"طب لما أنت خايفة قوي كده من لساني اللي بينقط عسل ده مش بتسألي ليه بقى؟"
هتفت فريدة متنهدة:
"والله يا بدور من ساعة ما نزلت الشركة مع بابا وأنا مش لاقية وقت لأي حاجة خالص.. الشغل واخد كل وقتي."
هتفت بدور مازحة:
"يعني بقيتي بسبس ومن ومش هنعرف نكلمك بقى؟!"
ضحكت فريدة مؤكدة:
"آه بقيت بسبسوومن يا ستي.. وعمك حمزة مطلع عيني.. ومشيلني مسؤولية مشاريع بالملايين."
تنهدت فريدة من جديد هاتفة:
"سيبك بقى مني وقوليلي.. أنتِ اللي أخبارك إيه في القاهرة المعز؟.. الكلية بتاعتك أخبارها تمام ولا..؟"
هتفت بدور في حماسة:
"كنت مش متحمسة فالأول الصراحة.. لكن بعد كده الدنيا بقت لذيذة.. عارفة المعلم خميس اللي يعرفه جدي زكريا؟"
أكدت فريدة:
"آه أسمع عنه.. ده جدو زكريا يغيب وينسى كل الناس ويرجع يفتكره ويقول نفسي أشوفه."
هتفت بدور بنفس النبرة المتحمسة:
"أهو حفيده بقى.. معايا فالكلية واتعرفنا على بعض.. والصراحة شاطر جدا وبيطلع من الأوائل ع الدفعة وسهل لي حاجات كتير."
هتفت فريدة:
"طب كويس والله.. أنا أسمع إنهم ناس طيبين.. وياما جدو زكريا شكر فيهم."
أكدت بدور:
"فعلاً ناس طيبين.. ونادر شاب كويس ومحترم.. وثوري كمان."
انتفضت فريدة هاتفة في اضطراب:
"ثوري يعني إيه!؟ أوعي يا بدور تتجري وراه في أي حاجة!? أنت.."
هتفت بدور تقاطعها:
"هو أصلاً مش موافق أكون معاه.. بس أنا نزلت المظاهرة غصب عنه.. و.."
صرخت فريدة مقاطعة في صدمة:
"مظاهرة يا بدور!? أنتِ اتجننتي!!"
هتفت بدور في حماس لم ينقطع:
"أيوه مظاهرة.. بس كانت أجمل مظاهرة والنعمة."
ثم أطلقت بدور تنهيدة طويلة خارجة من أعماقها، جعلت فريدة تهتف في سخرية:
"مظاهرة إيه بقى دي!?.. كان بيحدفوا فيها ورد وبرفان!؟"
أكدت بدور ضاحكة:
"لا.. دي كانت مليانة عساكر وخبط ورزع.. وقنابل مسيلة للدموع.. وهو.."
هتفت فريدة في شك:
"هو مين!? نادر؟"
هتفت بدور في حنق:
"نادر مين بس!? ما أنا قلت لك مكنش راضي أشارك معاه.. أنا قصدي.. منتصر منصور أبو النصر.. وأبو النصر دي من اختراعي.. هو قالي كده."
وقهقهت لتهتف بها فريدة:
"منتصر مين يا مجنونة أنتِ!?"
هتفت بدور تذكرها في لهفة:
"فاكرة الظابط اللي مسكنا من قفانا يوم ما كنا عايزين نعمل مقلب في.."
توقفت بدور ولم تكمل اسم نزار الغمري. استشعرت صمت فريدة وشعرت بغبائها، لكن فريدة أكملت في هدوء:
"أيوه يا بدور.. يوم ما كنا عايزين نعمل مقلب في نزار الغمري.. هو بقى الظابط اللي مسكنا!?"
أكملت بدور محاولة تخطي أمر نزار الغمري وقصته:
"أيوه.. لقيته في حرس الجامعة.. هو اللي سحبني من وسط دخان قنابل الغاز وأنا خلاص بقى هقع من طولي."
ثم غيرت نبرة صوتها لتصبح أشبه براوي في أحد الأفلام التاريخية هاتفة:
"ثم ظهر الفارس على صهوة حصانه لينقذ الأميرة من الأشرار."
قهقهت فريدة هاتفة:
"فارس إيه بس وأشرار مين!? ده أنقذهم هم منك."
ثم تنبهت فعدلت صوتها في نبرة قلقة:
"بدور.. لو خالو حازم عرف.. أنت عارفة إيه اللي ممكن يحصل بسبب جنانك ده!؟"
أكدت بدور في نبرة مضطربة:
"متفكرنيش يا فرفر.. ده أنا بقول ربنا ستر والله.. ومنتصر نفسه قالي كده."
هتفت فريدة:
"أنا ابتديت أحترم حضرة الظابط.. شكله إنسان ملتزم وعاقل."
هتفت بدور مازحة:
"هو مش عرفني.. وحياتك لهيتجنن على أيدي.. والله الموفق والمستعان."
قهقهت فريدة هاتفة:
"طب ياللاه أقولك مع السلامة يا مجنونة هانم.. أنا عندي ميتنج.. وهتأخر عليه بسببك."
وصمتت للحظة. وعلى الرغم من رعونة بدور إلا أنها أدركت أن ابنة عمها لديها ما تفصح عنه فالتزمت الصمت حتى هتفت فريدة في صوت متردد:
"أنا قابلت نزار يا بدور.. شركته عاملة بزنس جامد مع شركتنا.. وأنا مشرفة على التعاون بين الشركتين."
هتفت بدور في صدمة:
"يعني قابلتيه بعد السنين دي كلها!؟"
هتفت فريدة تحاول إطفاء بعض المرح على الحديث الجاد:
"زي ما أنتِ قابلتي حضرة الظابط بعد السنين دي كلها."
هتفت بدور في حماس:
"طب إيه!؟"
هتفت فريدة تتهرب من الإجابة التي لا تعرفها هي من الأساس:
"لا بقولك إيه.. أنتِ شكلك مصرة إني أتأخر.. مع السلامة."
هتفت بها بدور:
"مع السلامة يا ستي.. بس برضو مش هسيبك إلا لما تحكيلي كل حاجة بالتفصيل."
ابتسمت فريدة في شجن لم يكن بمقدور ابنة عمها إدراكه مرسوماً بهذا العمق على قسماتها وهمست:
"بإذن الله.. سلام."
همست بدور بدورها في عجالة:
"فريدة.. خلي بالك على نفسك.. سلام."
أغلقت فريدة الهاتف متنهدة. ورغم أن الحديث نكأ جرح بعض الذكريات التي تحاول جاهدة التخلص منها وحذفها من الذاكرة، إلا أنه أعطاها الطاقة التي كانت في حاجة إليها وهي في طريقها لهذا الاجتماع الهام.
حملت حقيبة يدها ومفتاح عربتها وغادرت غرفتها في هدوء تحمل قناع تلك الفتاة الجادة التي أصبحت عليها.
***
صرخت تسنيم في حنق وهي تضع الهاتف على أذنها مؤكدة:
"أنا كنت عارفة إن ده اللي هيحصل.. عشان كده مكنتش موافقة عليها المرواحة دي."
هتفت نوارة تحاول تهدئة روع أمها:
"فيه إيه بس يا دكتورة!? أهدي.. محصلش حاجة لكل ده!? هو أنا بايتة فالشارع!? أنا في استراحة مخصوص مجفولة عليا.. اعتبريني فنبطشية يا ستي."
هتفت تسنيم بحدة من جديد:
"بلا نبطشية بلا بتاع.. أنا معنديش بنات تبيت بره بيت أبوها.. نعملوا إيه دلوقت وإحنا مش عارفين نيجي ناخدك من مطرح ما أنتِ مرزوعة!؟"
تنهدت نوارة مبعدة الهاتف قليلاً في محاولة للتحلي بضبط النفس وأخيراً وضعته على أذنها من جديد هاتفة:
"معلش يا ست الكل.. ادعيلي بس وكله هايبقى تمام.. يعني بس هو مين اللي كان عارف إن حادثة هتحصل ع الطريق هتخلي عبدالباسط مش عارف ييجي ياخدني!؟"
تنهدت تسنيم في قلة حيلة على الطرف الآخر متسائلة:
"يعني أنتِ في استراحة لوحدك!؟"
أكدت نوارة تحاول طمأنتها:
"آه والله يا ماما.. وقافلة على نفسي بمفتاحها كمان.. الدكتورة سميحة ادتني مفتاح خاص بيا من أول يوم.. ما أنا حكيت لك يا أمي الكلام ده كله."
تنهدت تسنيم من جديد وقد استسلمت للأمر الواقع:
"طيب يا نوارة.. خلي بالك على روحك.. وأنا هبقى معاكِ على التليفون.. لحد ما ربنا يسهلها وعبدالباسط يعرف يوصل لك."
هتفت نوارة مؤكدة:
"متخافيش يا ماما والله الدنيا تمام.. وأول ما يوصل عبدالباسط بإذن الله هكون عندك.. تمام كده!؟"
هتفت تسنيم متنهدة:
"على خير بإذن الله.. سلام عليكم..."
ردت نوارة مجيبة:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."
أغلقت الهاتف وتنهدت في راحة. كان الصدام بينها وبين أمها دوماً متعلقاً بالعمل ومتطلباته، على الرغم من أن أمها طبيبة مثلها وكان الأحرى بها أن تدرك طبيعة مهنتهما. لكن على العكس من ذلك.. ترغب في تقييدها بموضعها هي داخل النجع، غير راغبة في جعلها تحلق بعيداً عن مجالها خوفاً عليها وحرصاً على سلامتها. لكنها لن تدع مخاوف أمها تقص أجنحة أحلامها التي ستفردها في أفق التمني حتى تصل لمبتغاها.
انتفضت موضعها تشهق في صدمة، تتطلع للظلام الذي حل فجأة لانقطاع التيار الكهربائي. هدأت من روعها تكاد تبكي قهراً هامسة في ضيق:
"عجبك كده يا دكتورة تسنيم!!.. أهي بركات رفضك شرفت.. أنا عارفة يوم ما تقولي لأ على موضوع.. هي ال لأ.. هعمل إيه أنا فالحوسة دي!!"
تطلعت حولها تحاول رؤية أية معالم في ظل ذاك الظلام الدامس الذي يحيط بها كلياً، لكن لا جدوى من ذلك. ما جعلها تفتح كشاف الجوال الشخصي، تتلمس الطريق على نوره حتى وصلت لباب الاستراحة غير مدركة لما تهم بفتح الباب من الأساس. فبالتأكيد العتمة خارجه لا تختلف عن الداخل، بل ربما أكثر رهبة.
جذبت الباب في بطء ليصدر صريراً مرعباً كما يحدث بأفلام الرعب التي تبغض، ما أورثها رغبة في غلق الباب الذي انفرج قليلاً والعودة لتظل موضعها الأول حتى عودة التيار الكهربائي من جديد.
همت بالتنفيذ لكن ذاك الظل الذي ظهر أمامها وكان يقترب منها جعلها تسقط هاتفها من يدها صارخة.
كانت تعتقد أن صرختها قد شقت عنان السماء إلا أنها في الواقع لم تغادر حلقها. وقع ضوء كشاف هاتفها على محياه في نفس اللحظة التي وقف بها أمام الباب هاتفا بها في نبرة ضجرة كأنما يقوم بفعل ما مرغماً:
"لو سمحتي لازم أدخل أتأكد من المولد الكهربي عندك.. أشوف مشتغلش ليه لما انقطع النور!؟"
تسمرت موضعها لبرهة قبل أن تنحني ملتقطة هاتفها من الأرض متنحية جانباً تاركة له المجال ليدخل إلى ذاك الركن القصي هناك حيث يقبع المحول منحنياً يتفحصه مسلطاً شعاع كشاف هاتفه على أجزائه، محاولاً استكشاف موضع العطل. حاول لبعض الوقت لكنه لم يفلح. فنهض مستديراً يهم بالمغادرة مقترباً من موضعها إلا أنها هذه المرة تقسم أنها ترى عيني شبح تلمع مسلطة عليها في ذاك الظلام، لا بل إنها تقترب نحوها. كانت صرختها هذه المرة مدوية بالفعل وهي تندفع لتصطدم بصدره تتشبث به هلعاً وهو غير قادر على ردعها، يقف متصلب الجسد كعمود فولاذي لا يتزحزح.
أفرغت شحنة خوفها في هذه الصرخة المذعورة. لكنها لم تترك موضعها بأحضانه وهي تلتقط أنفاسها في تتابع يوحي بمقدار رعبها من عيني سنقر كلبه الوفي الذي لا يفارقه أبداً، والذي تبعه إلى هنا دونما إدراكه.
همس بها رائف وبصوت متحشرج رغم خشونته:
"يا دكتورة.. ده سنقر.. ما فيش داعي أبداً لخوفك ده."
تنبهت أنها تلتصق به في محاولة لا واعية لاستدرار الأمان، فانتفضت مبتعدة. ولم تنبس بحرف ليستطرد هو في نزق معتاد:
"واضح إن في مشكلة فالمحول.. وبعد خوفك اللي أنا شايفة ده.. مش هينفع تفضلي هنا لوحدك.. اتفضلي معايا ع البيت."
هزت رأسها رفضاً. لكنه لم يدرك رفضها في عتمة المكان، معتقداً أن صمتها علامة رضا. تحرك مغادراً الاستراحة سائراً أمامها في اتجاه البيت معتقداً أنها ستطيع ما أن يأمر.
قررت الاعتراض وعدم إتباع خطواته لا لشيء إلا لمعارضته فقط. هي لا تدرك لما يحفز التعامل معه ذاك الجزء العنيد والمتصلب من شخصيتها، والذي لا تظهره بشكل كبير إلا في أحايين نادرة. هذه إحداها.
استشعرت أنها وحيدة اللحظة ما أن غادر الاستراحة، لتدرك حقيقة أنها لن تقدر على البقاء مفردها مهما حدث. الظلام عقدتها منذ كانت طفلة. هي الأشبه بجدتها زهرة في هذا الخوف من المكوث فالظلام. ربما لحادثة انغلاق خزانة الملابس عليها وهي صغيرة وعدم إدراك أحد لغيابها لفترة ما جعلها تنام داخل الخزانة خوفاً من ظهور الأشباح والجنيات التي كانت تسمع أنهم يرقصون ليلاً جوار الساقية المسكونة بأخر النجع قد أثرا عليها.
قررت وأد عنادها والاندفاع خلفه قبل أن يسبقها بمسافة كبيرة تسيرها وحدها بالعتمة. أغلقت باب الاستراحة في عجالة مارة بذاك الجسر الخشبي، الذي لسوء الحظ كان زلقاً نوعاً ما. تعثرت قدمها وهي تعبره في هرولة، لتسقط في الترعة الضحلة أسفله. وكان لسقوطها المدوي وصرختها الثانية في هذه الليلة أثراً على ذاك الذي انتفض موضعه زافراً في ضيق، عائداً أدراجه إليها مستطلعاً ما الذي قد يكون أصاب هذه المذعورة على الدوام.
***
عادت بعد أن تناولت العشاء معهم واستطلعت أحوال أبيها لتجده ما يزال نائماً بفعل الدواء. دفعت يدها بجيب عباءتها وأخرجت هاتفه المحمول، والذي سقط في غفلة منه على سرير والدها وهو يضعه عليه، قبل أن يندفع ليحضر له الطبيب.
يبدو أنه لم يدرك حتى اللحظة أنه فقده، أو ربما أدرك لكنه لا يستطيع الوصول إليه لأنه فارغ الشحن تقريباً. كان به بعض من قدرة عندما همت بالصعود لعنده حتى تعطيه إياه بنفسها، لكنه في اللحظة توقف تماماً عن العمل وبحاجة إلى إعادة شحنه من جديد. جربت شاحن هاتفها وهللت عندما بدأ في الشحن. لحظات وضغطت زر فتحه، لعله يبحث عنه محاولاً الرنين عليه. وبالفعل.. رن الهاتف لتندفع إليه في عجالة لترد غير مدركة لاسم المتصل، والذي لم يظهر على الشاشة لسبب أو لآخر. لكن لصدمتها.. تناهى لمسامعها صوت أنثوي هتف في تساؤل:
"نادر.. نادر معايا!؟"
استجمعت صوتها هاتفة في محاولة ثبات فاشلة:
"لا.. الباشمهندس نادر مش موجود حضرتك.. هو نسي الموبيل."
هتفت بدور على الجانب الآخر:
"مين معايا؟.. نعمة!؟"
لم تجب حسن، وتعجبت أن الفتاة تعلم اسم أخته وتحاول التحدث معها بكل أريحية. ماذا يعني هذا؟ هل يعرف نعمة على الفتيات اللاتي يعرف؟
هتفت حسن نافية:
"لا حضرتك.. أنا مش نعمة.. الباشمهندس نسي موبايله عندنا فالورشة.. وأول ما يوصل هبلغه إنك اتصلتي."
هتفت بدور:
"آه.. طب تمام.. يا ريت تبلغيه ضروري لو سمحتي."
أكدت حسن بنبرة رسمية:
"حاضر.. عن إذنك."
أغلقت بدور الخط في هدوء بينما قفز بعقل حسن ألف سؤال وسؤال، ولم تجد إجابة واحدة تشفي غليلها وتطفئ بعض من تلك النيران المستعرة بين جنباتها.
انتفضت عندما سمعت أحدهم يحييه بالخارج وهو في طريقه لبيت جده، فاندفعت مسرعة تدفع إحدى ضلف نافذتها المطلة على الحارة هاتفة في لهفة:
"يا باشمهندس.."
تنبه لموضع النداء، توجه نحوها مستفسراً في قلق:
"خير يا حسن!؟.. عمي سالم كويس!؟"
أكدت في هدوء:
"آه الحمد لله.. بس أنت لك أمانة عندي."
وتركته قليلاً لتخرج هاتفه من الشاحن لتعود به مادة كفها. تطلع للهاتف في تساؤل للحظة وأخيراً تنبه أنه فقد هاتفه وهو يتحسس موضع وجوده بنطاله.
مد كفه وأخذه في امتنان:
"متشكر يا حسن.. كويس إنه وقع عندكم وأنتِ لقيتيه."
أكدت في هدوء:
"المال الحلال ميضيعش أبداً يا باشمهندس."
ابتسم في تأكيد لتضطرب ضربات قلبها التي أصبحت أشبه بطبول رعناء. وما أن هم بالرحيل حتى هتفت تستوقفه من جديد:
"يا باشمهندس.."
استدار نحوها مجدداً لتهتف به في اضطراب:
"الآنسة بدور اتصلت بك."
اضطرب بدوره هاتفا:
"بدور!?.. مالها!؟"
صمتت وهي تتمزق وجعاً على تلك اللهفة التي أبداها نحو امرأة أخرى. تمنت للحظة لو كانت تلك اللهفة المشوبة باهتمام حقيقي موجهة لها هي، هي من تستحق منه كل الاهتمام.. كل اللهفة.. كل الحب.
لم ترد على سؤاله المستفز، ولم ينتظر هو لنيل جواباً من الأساس. بل إنه تطلع لشاشة الهاتف في عجالة وبدأ في ضغط بعض الأزرار وهو يستدير مغادراً يدخل بيت جده. كانت موقنة أنه يحادث ندى اللحظة، مولياً لها ظهر اهتمامه ومحبته، تاركاً إياها تتحسر على حب يضمره قلبها وتعيش معذبة جراءه.
***
كان البرد قد بدأ في التسلل لعظامه رغم أن الليلة خريفية بامتياز. لا يعرف ما الذي كان يجول بخاطره إلا ذاك الشوق الذي يكابده والذي دفعه ليهتف لسماحة الذي كان يقلب الفحم المتقد بقلب الركوة لصنع المزيد من أكواب الشاي التي انتهيا لتوهما من شربها هامساً في تساؤل:
"أنت عمرك ما حبيت يا واد يا سماحة!؟"
انتفض سماحة متطلعاً إلى يونس بنظرة مستشعراً حمق السؤال مؤكداً في نبرة ساخرة:
"أحب كيف يعني!؟"
تطلع إليه يونس في تعجب متسائلاً من جديد:
"تحب يا سماحة!! الحب يا بني آدم!؟"
هز سماحة رأسه في لامبالاة مؤكداً:
"أيوه فاهمك يا بيه.. العشق والمسخرة اللي بنشوفهم فال تلفزيون دول."
تطلع إليه يونس حانقاً:
"تصدق إنك جفلتني بكلمتينك دول.. بس أمري لله مليش حد تاني أتكلم معاه."
تطلع إليه سماحة مزمجراً:
"كده برضك يا بيه!?.. مبجيش سماحة عاجب دلوقت!؟"
تطلع إليه يونس مهادناً:
"لاه.. أنت تعجب الباشا يا باشمهندس سماحة.. قول بقى إيه رأيك فالعشق والمسخرة!؟"
هتف سماحة بنبرة حادة مؤكداً:
"وده يتجال فيه إيه يا بيه!?.. أهو عالم فاضية.. قال عشق قال.. نشوف أكل عيشنا الأول وبعدين نبقى نحب ونتمعشق."
هتف يونس مازحاً:
"يعني عايز تقولي إن جلبك عمره ما دج لواحدة كده ولا كده!؟"
هتف سماحة في صرامة مؤكداً:
"واحدة كيف يعني!?.. يا بيه العشق ده للي باله خالي.. لكن اللي زي حالاتي ساحب وراه كوم لحم.. ولايا ملزمين منه.. هيفكر يجيب لنفسه بلوى برضك!؟"
تنهد يونس وقد أدرك حجة سماحة فهز رأسه متفهماً هامساً في شجن:
"تصدق.. أنت ربنا بيحبك.. العشق واعر.. دوامة ملهاش أول ولا أخر.. لا تعرف بدايتها كيف ولا ميتى هتخلص منك.. حتى لو خرجت.. بتحس إنه ناقصك حاجة كبيرة.. مبتتعوضش أبداً."
ساد الصمت بعد كلمات يونس الذي لم يقطعه إلا طقطقة الجمر بركوة النار التي كان يونس يتطلع إليها اللحظة وكأنما هي انعكاس لساحة صدره التي تغلي في حيرة كمرجل.
مد يونس كفه بداخل جيب جلبابه وأخرجها. أخرج تلك الطاقية الصوفية التي كانت تذكارها الوحيد، وقذف بها في أتون الجمر الذي ألتهمها في تلذذ.
ليهتف سماحة في تعجب متحسراً:
"ليه كده يا بيه!?.. كانت تنفعك فالبرد اللي داخل بتجله ده."
هتف يونس وعيونه لم تبرح موضع احتراق الطاقية:
"لاه.. عمرها ما كانت هتدفيني يا سماحة.. معدتش بتدفي.. حكايتها خلصت وما بيجيش من وراها إلا برد ووجع."
أدرك سماحة أن تلك الطاقية لها شأن خاص عنده فهمس بصوت متحشرج متسائلاً في تردد:
"دي كانت تخص حد غالي على جلبك يا بيه!?.. صح!؟"
أكد يونس هامساً في وجيعة:
"دي كانت الجلب ذاته يا سماحة.. بس خلاص حكايتنا خلصت من قبل ما تبدأ من أساسه.. كنت العبيط اللي اتعلج في حبال الهوى وهي ولا دريانة.. أتاري الحبال دايبة وأنا طلعت المغفل والموهوم بعشق من طرف واحد."
وابتسم ساخراً مستطرداً في حسرة:
"عارف اللي حب ولا طالشي.. أهو أني الأخ ده.. أوعاك تحب يا سماحة.. جلبك يبقى ملك يدك.. تعيش ملك زمانك.. بلا عشق بلا يحزنون."
تطلع سماحة لسيده في تعاطف مشفقاً على حاله ما دفع يونس لترك كوب الشاي الذي لم يرتشف إلا ربعه مندفعاً لداخل الدار ليعلو صوته مترنماً في شجن:
"غريب الحب مين فاهمه!؟
ما بين بيتفارقوا.. وبين اتنين بيتفاهموا
في حد الحب ده سارقه..
وحد الحب كان وهمه.."
تطلع سماحة لبرهة باتجاه موضع غياب يونس وأخيراً ألقى بعض من ماء فوق الجمر لتنطفئ جذوته قبل أن ينهض مغادراً في اتجاه عشته.
***
انتظره بفارغ الصبر. لكن عنتر كان رحيماً به فهل عليه بموعده ولم يتأخر. جذبه إليه مغرياً بطبق الفاكهة ليتقدم إليه متبختراً كعادته. ليندفع مروان في سرعة كادت تدفع به من فوق كرسيه وهو يهبط ذاك المدرج الخشبي الهابط ليصل لسرج عنتر باحثاً في لهفة عن أثر خطاب.
اتسعت ابتسامته عندما وجده لكنها ما لبثت أن خبت سريعاً ما أن اكتشف أن الخطاب له، وليس رداً منها على خطابه.
تنهد في ضيق، معتقداً أنها لم تفطن لحيلته أو ربما لم تره وهو يضع الخطاب. لكنه كان موقناً أنها رأته، نعم رأته وقرأت الخطاب لكنها أعادته موضعه حتى لا يكتشف ذلك.
عادت الابتسامة لتشرق من جديد على محياه وصعد المهبط في اتجاه حجرته باحثاً عن ورقة وقلم في عجالة. خط بعض الكلمات على ورقة جديدة واحتفظ بخطابه القديم. لكنه عمد لحيلة ما ستجعله يكتشف إذا ما كانت تقرأ بالفعل خطاباته أم لا، وربما تجعلها هذه الحيلة تأتيه باحثة عن تفسير لما أرسل.
انتشى في سعادة للفكرة، وشرع في تنفيذها. وأخيراً عاد لعنتر الذي قضى على نصف ما بالطبق دفعة واحدة. وضع الخطاب بنفس المكان، في سرج عنتر.
وعاد يداعب جبينه رابتاً على عنقه المرمري وهو يحاول التلصص على موضعها خلف جزع هذه الشجرة الضخمة عند السياج المنخفض، ليجدها تقف في ترقب في انتظار رحيل عنتر أو مجيء الخفير المعتاد لأخذه، لتختفي بدورها. وهذا ما حدث بالفعل.
تنهد في راحة وعاد أدراجه لداخل حجرته منتظراً بفارغ الصبر زيارة عنتر بالغد، ليرى إلى أي مدى نجحت خطته. أمسك بفرشاته وبدأ في نثر الألوان على وجه اللوحة باحترافية. لم يكن يعلم ما يرسم إلا أن أصابعه رسمت براق فضي يحمل رسالة وردية، إلى من يهمه أمرها، ومدلى من عنقه سلسال يتلألأ وعليه حرف باللغة الإنجليزية يحمل أول حروف اسمها، الذي ظل يستنتج كنهه. لكن بلا طائل، فما وجد اسماً قد يكون مناسباً لها. فتطلع لحرف الـ "A" في خيبة، والذي يتأرجح هناك من ذاك السلسال الفضي الأنيق والمعلق على حافة فراشه.
وهمس في وجل:
"يا ترى اسمك إيه!؟"
***
كان ذاك الظلام الدامس معرقلاً له ليصل إليها بسرعة بعد أن سمع صرختها والتي أعقبها سقوط مدوي وصوت مياه تتناثر هنا وهناك. أخيراً وصل لموضع الجسر الخشبي ليجدها تقاوم للخروج من الماء لكن ملابسها الثقيلة تشربت بالماء ما أعاق محاولتها. ويبدو أن قدمها قد أصابها بعض الضرر لتعجز في النهوض من موضعها.
لم يتردد للحظة لاحقاً بها في عمق الترعة حتى وصل إليها هاتفا بها وهو يمد كفه لها:
"هاتي إيدك.. يالاه."
مدت كفها وجذبها بكل قوة لتنهض. لكن يبدو أن قدمها قد أصيبت بالفعل ما جعلها تترك كفه لتسقط من جديد بالماء.
لم يكن بإمكانه إلا فعل واحد.
اقترب منها وانحنى جاذباً جسدها نحوه دافعاً بها محمولة بين ذراعيه. هتفت نوارة في صدمة وبصوت متحشرج باكية:
"أنت بتعمل إيه!؟"
لم يجبها بحرف وهو يخطو بحذر داخل الماء حتى خرج منها بحرص شديد. توقف لحظة مثبتاً أقدامه على الأرض الطينية التي تكون لزجة إلى حد ما على أطراف الترع. وما أن اطمأن أن الأمور تسير على ما يرام حتى بدأ في المسير بها من جديد حتى وصل لباب الاستراحة الذي دفعه بقدمه ومنه للداخل.
أنزلها في رفق على أقرب الأرائك، لتنكمش هي على نفسها وشعور الخزي والخجل يسيطر عليها. تركها مندفعاً للداخل لا تعلم ماذا يفعل. غاب لدقيقة وعاد حاملاً ركوة من الفحم يحاول إشعالها لتضفي على المكان بعض الدفء، وخاصة عندما وجدها قد بدأت ترتجف جراء بلل ملابسها بشكل كامل في هذا الجو البارد. أخيراً اشتعلت النيران في الركوة بعد عدة محاولات.
كان رأسها منكسراً وتحتضن جسدها بكفيها رغبة في الأمان والدفء. تبصر موضع حذائه الذي انطبع على الأرض والبسط الخفيفة التي تغطيها. لم تتنبه في مرات ذهابه وإيابه أنه دخل إلى غرفة النوم وجذب الغطاء الصوفي الموجود بها ليأتي به منحنياً نحوها مدثراً إياها هامساً في نبرة هادئة:
"لازم تتدفي وإلا.."
لم يكمل فقد تذكر أنها طبيبة وبالتأكيد تعلم ماذا سيكون مصيرها إن هي بقيت بكل هذا البلل على جسدها.
هم بالنهوض مغادراً إلا أنها استوقفته في ذعر هاتفة واسنانها تصطك برداً وارتجافاً:
"متسيبنيش لوحدي.. أنا.."
قاطعها بنفس الهدوء والقدرة على ضبط النفس التي قد تصل للبرود:
"هسيب معاكِ البرنس."
أشار لكلبه الذي كان يلهث اللحظة وهو يدور حول كوة النار في استحسان للدفء المنبعث منها.
واستطرد قائلاً:
"دقايق وراجع."
اندفع للخارج في اتجاه داره يشعر بثقل خطواته لبلل بنطاله من الركبة إلى ما دون ذلك، وكذا بلل صدره عندما حملها بين ذراعيه.
ما أن دلف إليها حتى طالعه وجه جده الذي كان قد ظهر أمامه بكرسيه المدولب كعادته يتسلل في المساء مغفلاً كل من بالبيت ليحصل على ما يريد من المطبخ والذي تمنعه عنه أمه لخوفها عليه ورغبة في عدم تعرضه لوعكة صحية جديدة بعد التي مر بها منذ فترة ليست بالبعيدة.
هم رائف بالاندفاع صاعداً الدرج إلا أن همهمات جده استوقفته ليتطلع إليه غير مدرك عمن يتحدث:
"الحكاية بتعيد نفسها.. وكله بيجي شبه بعضيه."
هتف به رائف:
"قصدك مين يا جد!؟"
قهقه جده قهقهات متعاقبة أشبه بضحكات من فقد عقله هاتفا من بينها:
"مش هقولك.. خلينا لما نتفرجوا ع اللي هيحصل لما يعرفوا."
هتف رائف متوجساً من جديد:
"هم مين دول اللي يعرفوا!? ويعرفوا إيه!؟"
قهقه الجد من جديد دافعاً بكرسيه المدولب مبتعداً تاركاً رائف بحيرته التي لم تطل وقد تذكر تلك المسكينة التي تركها غارقة في بللها ترتجف برداً.
اندفع معتلياً الدرج في اتجاه غرفة أمه والتي كان على يقين أنه لن يجدها مستيقظة في مثل هذا الوقت، وخاصة وقد تناولت حبة المنوم منذ ما يزيد عن الساعة. وما من مجال ليتسلل لحجرتها حتى يرى ما يمكن أن يستعيره من ملابس من أجل المبللة هناك بانتظاره، فأمه لا تنم إلا وقد أغلقت عليها باب غرفتها بالمفتاح من الداخل. كانت هذه عادتها منذ قديم الأزل وحتى في حياة أبيه.
أيقن أنه ما من مفر لما كان يحاول أن يقنع نفسه بالابتعاد عنه. تحرك بأرجل متخشبة إلى تلك الحجرة البعيدة بأخر الرواق الطويل، والتي لم يعد أحد من البيت يدخلها، ولا يملك أحد غيره مفتاحها.
أخرج المفاتيح من جيب سرواله وتطلع إلى ذاك المفتاح المميز لبرهة قبل أن يدسه في موضعه ليدور عدة مرات قبل أن يدفع المقبض وتهب عليه رائحة الماضي بكل ما تحمل. ويا له من ماضٍ!
رواية زاد العمر وزواده الفصل السابع 7 - بقلم رضوى جاويش
تنحنح بصوت أجش قبل أن يدخل عندما سمحت له مرحبة. فرغم رفقة كلبه الهادئة إلا أنها كانت تخافه. دخل مباشرة إلى الحمام وغاب لحظة، ثم عاد متجها نحوها لتدرك أنه حتى لم يغير بنطاله الذي كان ما يزل أثر البلل ظاهرا عليه.
مد كفه أمرا: يا الله ع الحمام، الحمد لله أن السخان رغم أن مفيش كهرباء بس لسه محتفظ بشوية مياه سخنة. غيري هدومك، أنا جبت لك هدوم نضيفة.
حاولت النهوض متحاملة على قدمها المصابة، خطوة والثانية، ولم تستطع أن تعقبها بالثالثة. ما دفعه ليقدم ذراعه لتستند عليها وهمست متسائلة: أنتِ ليه بتعملي معايا كل ده؟
هتف في لهجة باردة ووجه يحمل قسمات صلبة: عشان أنتِ ضيفة عندنا، وإحنا بنكرموا ضيوفنا يا دكتورة.
وصلت لباب الحمام وتحاملت على نفسها حتى دخلت وأغلقت الباب، وذاك الكشاف الذي وضعه بداخله قد أضاء جوانبه ما جعل أمر بقاءها به محتمل.
دقائق وخرجت وقد أصبحت أفضل حالاً، وخاصة بعدما استشعرت الدفء يسري بأوصالها بعد حمام الماء الساخن والملابس الجافة النظيفة التي تحمل عبقاً عجيباً.
تحاملت قليلاً متخذة الجدران سندا حتى استطاعت الوصول لموضع جلوسه أمام الركوة بصحبة كلبه.
جلست وعلى الرغم من إدراكه لحضورها إلا أنه لم يرفع ناظريه إلى موضعها وكأنما يتحاشى النظر إليها. كان هناك أمر ما غريب تدور رائحته بالمحيط حولهما. لقد رحل عنها بوجه، وعاد من البيت بالملابس والكشاف بوجه آخر مغايراً تماماً.
هتفت تسأله: هي الدكتورة سميحة فين؟
أكد في هدوء محاولاً جذب ناظريه بعيداً عن محياها: نايمة، واخدة حباية منومة ونايمة من حوالي ساعتين.
هتفت متعجبة: الهدوم دي بتاعتها، مش كده؟
لم يرد على سؤالها بل دفع لها بكوب من شراب دافئ كان يحضره على الركوة أثناء تواجدها بالحمام لأن الموقد الكهربائي بالمطبخ لم يكن صالحاً للاستخدام.
هتف في هدوء مصطنع ورغم اضطرابه الذي كان يحاول جاهداً إخفائه بمهارة شديدة والذي استشعرته بحدس أدهشها: اعتبريها بتاعتها.
هم بالنهوض ليزيد من فحم الركوة، فسقطت عيونه عليها وهي ترتدي هذه الملابس، ليدرك أنه ما عاد يحتمل البقاء هاهنا، وأنه يشعر باختناق عجيب.
فاندفع في اتجاه الباب مغادراً وهتف وهو على أعتاب الاستراحة: أنا بره يا دكتورة لو عاوزة حاجة.
خرج صافقاً الباب خلفه في عنف، كأنها تتعقبه وهو يحاول الهرب منها. أغضبها الخاطر المزعج وآثار حنقها، لكنها تحاملت قدر استطاعتها وهي تدخل لحجرة النوم وتغلق عليها بابها حاملة ذاك المرهم والرباط الضاغط اللذان أحضرهما معه لتعالج بهما قدمها الملتوية.
جلست على الفراش تدهن المرهم وتلف الرباط الضاغط على موضع الإصابة وأخيراً تناولت حبة المسكن التي تملك بحقيبتها وتمددت تفكر في هذا الرجل العجيب الذي تستشعر بحدسها أنه يخفي سراً عظيماً.
***
رفع الغطاء الصوفي عن قدمه لتصل إشاعة الشمس الشتوية الدافئة إلى عظامه الواهنة.
شاركته زهرة المجلس وهي تضع أمامه صينية الشاي وبعض قطع من كيك "الرواني". ربت على كفها المحاذية لكفه وساد صمت ناعم بينهما.
تطلع إليها عندما وجدها تضع كفها على موضع قلبها فهتف متسائلاً: إيه في؟ تعبانة ولا إيه؟
هتفت تطمئنه: لا متقلقش، دي نغزة خفيفة كده، وراحت لحالها. تلاقيني منمتش كويس إمبارح.
هتف متطلعاً نحوها: تلاقي شايلة الهم زي عادتك.
ابتسمت له ليستطرد متطلعاً إليها في محبة: فاكرة لما دخلت عليك فمرة لقيتك بتبكي، عشان حال مهران. وأها، بفضل الله مهران حاله زي الفل. وبعدها على حال ماجد واللي جراله. وأها كمان ماجد تمام وهو ومرته كيف القطة والفار.
ابتسمت لتشبيهه ليستطرد مكملاً: وسندس يا عاصم، والبت يا عاصم. وأها، جالها ولد عمتها المجنون، وخدها وخلفوا شوية مجانين، وراثة من سهام اختي ربنا يديها الصحة وتجننهم كمان وكمان.
قهقهت زهرة على أقواله، ليستطرد معاتباً: دلوقت شايلة هم مين واجع جلبك غيري يا جميلة؟
ابتسمت متنهدة: طب بزمتك، حال عاصم عاجبك؟
تنهد بدوره وهو يتطلع لحفيدتهما زهرة التي ظهرت بمجال رؤيتهما ملوحة لهما من بعيد وهي في طريقها لغرفة القراءة وهتف متحسراً: يا عيني عليك يا ولدي، جَلبه مكسور يا زهرة. أنا واعيلة، بيموت من جواه ولا يبين. بس إيه اللي بأيدينا، القلوب وما تريد، وكله نصيب ومتقسم.
هتفت زهرة متحسرة: صدقت يا عاصم، ربنا يريح باله، ويجبر بخاطره ببنت الحلال.
همس عاصم: يسمع منك ربنا.
مدت زهرة طبق الحلوى لعاصم ليتناول قطعة هاتفا: هاتي، أهو نحلي مرار العلقم اللي في حلقنا على القلوب اللي كاويها العشق. وكله فاكر نفسه حويط ومداري.
هتفت به زهرة: اديك أنت اللي شايل الهم أهو!
أكد عاصم وهو يلوك قطعة من الحلوى: طب نعمل إيه بس! والله لو كان بيدي لأجوزهم واللي يحصل يحصل، بس لا هي هتهون عليا ولا هو هيرضاها على نفسه.
هتفت زهرة: كله بالرضا يا عاصم، مبقاش الغصب ينفع اليومين دول. أيامهم غير أيامنا.
تطلع عاصم نحوها هامساً في مشاكسة: بس كان أحلى غصب في الدنيا، تنكري!
قهقهت مؤكدة: هنكر بعد إيه بس! بعد ٣ عيال و٨ أحفاد، ده أنا أبقى ضلالية.
تعالت ضحكات عاصم وشاركته إياها في محبة، غير مدركين أن صاحب حديثهما يقف في لوعة متطلعاً من نافذة حجرته المشرعة إلى حيث مجلسها المعتاد وكأنه طقس لتعذيب الذات. طالت وقفته لكنه ترك موضعه خلف النافذة وجلس على حاسوبه وبدأ ينقر على أزراره في قوة: "قلبي، ذاك الجرح النابض الحي بين حنايا صدري والذي إذا طاب وسكن.. مات". شيخ العاشقين.
أغلق الحاسوب متنهداً، ربما تهدئ تلك الكلمات التي يطرحها من جوفه بعض من تلك النيران المستعرة بين جنبات روحه.
***
خرجت سجود من الحمام الخاص بالغرفة هاتفة بنوارة التي كانت تعدل من فراشها قبل أن تدخله: إيه الهدوم الغريبة اللي أنتِ غاسلاها في الحمام دي يا نوارة! دي مش هدومك! جبتيها منين وليه بتغسليها أصلاً!
تنهدت نوارة وهي تدخل تحت الغطاء الوثير هاتفة: دي مش هدومي فعلاً، ولازم أرجعها مغسولة بعد ما لبستها.
هتفت سجود في فضول: طب مقلتيش هدوم مين! وإيه اللي خلاكي تلبسيها!
تذكرت نوارة ما حدث معها البارحة واستشعرت دفئاً عجيباً يسري بأوصالها ما أن تذكرت كيف كانت محمولة بين ذراعيه رغم بللها والصقيع الذي كان ينخر عظامها. وكيف دثرها واهتم بكل كبيرة وصغيرة حتى التواء كاحلها. رغم غرابة هذا الرجل، إلا أن بعض من إنسانية تختبئ خلف هذا المظهر المتعجرف والصوت الآمر والوجه العبوس.
هتفت بها سجود ربما للمرة الثالثة لتوقظها من خواطرها. تنبهت نوارة أخيراً لتهتف بها سجود في تخابث طفولي: لا الموضوع فيه إن ولازم أعرفها.
هتفت نوارة وهي تجذب الغطاء عليها جيداً مستمدة الدفء: لا إن ولا أخواتها، مفيش موضوع من أساسه. كل الحكاية إني وقعت في الطين، ودي هدوم من الدكتورة سميحة بدل هدومي اللي اتبهدلت مش أكتر. أي سؤال تاني يا غلباوية!
تعجبت سجود هاتفة: بس دي هدوم شبابي شوية ع دكتورة سميحة دي!! أنتِ مش قلتيلي فمرة أنها تقريباً في الخمسينات.
تنبهت نوارة لهذه النقطة، كيف لم تفطن لذلك؟ حتى رائحة العطر التي كانت تفوح من الملابس، مختلفة عن ذلك الذي تستخدمه الدكتورة سميحة فعلاً.
لم ترد نوارة على تساؤلاتها بينما شعرت سجود بالإحباط، فقد اعتقدت أن فالأمر حكاية عاطفية تشبع نهمها لحكايات القلوب العاشقة. لكن كيف لهذا أن يأتي من جانب هذه الجزارة عديمة المشاعر!
هكذا نعتتها سجود كالعادة وهي ترحل مبتعدة عنها عائدة لفراشها. وفتحت إحدى أغانيها العاطفية تردد معها في انسجام تام، تاركة نوارة تدعي الخلود للنوم لكن عقلها ما يزال واعياً تماماً، يعيد كل لحظاتهما معاً. منذ أن هل عليها بعد انقطاع التيار الكهربائي بلحظات، حتى رحلت صباحاً مبتعدة بعد أن وصلها عبد الباسط بالسيارة أخيراً عند فتح الطريق بعد ذاك الحادث المؤسف ليلاً. كان جالساً على صخرة ضخمة جوار باب الاستراحة وقد راح في سبات عميق مسنداً رأسه على حائط وقد بات ليلته هنا بالقرب منها حتى لا تشعر بالذعر. لكنه نهض راحلاً عند بزوغ الفجر. رأته من شباك حجرة نومها عندما قلقت فجراً، لتجده على هذه الحال. بعدها بدقائق شاهدته ينهض راحلاً قبل أن يعرف أحدهم أين بات ليلته. أغمضت عينيها، وراحت مع كلمات الأغنية الحالمة، ليسبقها محياه لأحلامها، عنوة.
***
همست سعيدة التي كانت تتمدد على مرتبتها الموضوعة أرضاً بأحد أركان تلك الحجرة الوحيدة التي تجمعها وبناتها مستفسرة: البيه حسه حلو جوي يا سماحة.
كان يونس يشدو في أريحية وهو يتطلع لتمام القمر بدراً بسطح البيت مترنماً: عنيكي تحت الجمر.. كيف الكلام والخوف. فيهم كلام للجدر.. مداري مش مكشوف. بودي أزرع شجرة.. شجرة حنان وضل. ترخى عليكي يا سمرة.. وتلم شمل الكل.
همس سماحة متنهداً: إيوه ياما.. عاشق وبيحلا له سهر الليل بيفكر في اللي ناسيه.
همست سعيدة مهمهمة: عاشق! طيب.. ربنا يجرب بعيده.
همس سماحة متمهداً: رفضته ياما.. طلبها وجالتله لأ، وراح هربان على هنا.
همست سعيدة: ومين يقدر يهرب من جَلبه!! هيروح فين ووجعه مرافجه يا ولداه.
تنهد سماحة: نامي ياما.. ربنا يريح جَلبه وجلوبنا.
همست سعادة متخابثة: وأنت جلبك ماله يا سماحة!
تنهد سماحة مؤكداً: جَلبي! جَلبي مدفون ياما تحت هم كيف الجبل ما بيتزحزح. عرفتي جَلبي ماله ياما!
تنهدت سعيدة في حسرة: ربنا يعين ويساعد. نام يا سماحة.. نام.
أدارت سعيدة ظهرها لسماحة الذي ظل متمدداً على ظهره يتطلع لسقف حجرتهم المعرش بأعواد الخشب الصلبة يتناهى لمسامعه شدو يونس الذي ما زال يترنم وحيداً على سطح الدار.
***
الرفاق حائرون.. يفكرون.. يتساءلون في جنون. حبيبتي أنا! من تكون حبيبتي! من تكون حبيبتي! حبيبتي أنا!
هتف بالأغنية الشهيرة أحد الضباط من أصدقاء منتصر متهكماً عليه محاولاً مناكفته. وبدور تمر بالبوابة مصادفة مع إحدى صديقاتها، التي ابتسمت لذاك الضابط في خجل ابتسامة على استحياء.
تنبهت بدور لتلك الابتسامات المتبادلة فهمست لصاحبتها: هو فيه إيه! أنتِ تعرفي الظابط ده!
هزت الفتاة رأسها إيجاباً هامسة في وله: آه.. بنحب بعض وهايجي يخطبني أول ما أخلص الترم ده.
هتفت بدور مشاكسة: والأغنية اللي اطربنا بها دي ليكي! متخليهوش يغني تاني وحياتك.
قهقهت كلتاهما لتنفى الفتاة مؤكدة: لا مش ليا.. ده بيغيظ صاحبه اللي جنبه.
تنبهت بدور.. فقد كان منتصر هو صديقه الذي يرافقه والذي تعمدت تجاهل وقوفه بالبوابة من أساسه كأنها لا تعرفه.
وهتفت في فضول قاتل: ليه؟ هو صاحبه بيحب واحدة ومداري عليهم ولا إيه؟
أكدت الفتاة: محدش عارف.. بس اللي حصل يوم المظاهرة بيقول كده.
هتفت بدور في صدمة: ايه اللي حصل يوم المظاهرة؟
هتفت الفتاة في حماسة: بيقولوا أن الظابط ده اختفى في عز المظاهرة من بين القوات.. ولما سألوا عرفوا إنه خرج بعرببته وساب المظاهرة عشان يلحق بنت كانت معاه فالعربية.. البنت دي محدش عرف هي مين.. بس الكل من ساعتها بيقول إنها حبيبته اللي محدش يعرف عنها حاجة ولا هو لمح حتى إنه بيحبها.
صمتت بدور ولم تعقب لتستطرد الفتاة في حسرة: اتصوري كان رئيس الحرس هيديله جزا على عملته دي.
شهقت بدور لكنها تداركت الأمر هاتفة في تعاطف: ليه بس حرام.
أكدت الفتاة: يا بنتي بقولك ساب مكانة بين قوات الأمن في عز المعمعة.. بس ربنا ستر.. لولا إنه ظابط شاطر ومنضبط مكنش رئيس الحرس عفى عنه واكتفى بلفت نظر خفيف.
تنهدت بدور في راحة حاولت ألا تظهرها ما أن علمت أنه لم يضر من جراء أفعالها.
استأذنت من صديقتها لبرهة.. وعادت أدراجها في اتجاه البوابة.. وعلى مقربة تطلعت نحوه في امتنان.. كان يضع على جانب وجهه الأيسر غطاء طبي رفيع على موضع الجرح الطولي الذي سببته أضافرها التي حفرت صفحة وجهه في قسوة.
تنهدت لا تعرف ما عليها فعله.. رن هاتفها من موضع تسترها.. تطلعت لشاشته.. لقد كان نادر.. يبدو أن دكتور المادة قد دخل المحاضرة وهو يستدعيها على وجه السرعة.. ضغطت على زر إلغاء الرد ليدرك أنها في طريقها للمدرج.. تحركت في هوادة لا رغبة لديها للمغادرة.. لكنها أولت ظهرها للبوابة وحارسها الجسور واندفعت تلحق بالمحاضرة.. محاولة ألا تدير ناظريها لموضعه.
******************
انتظرت على أحر من الجمر هدوء الدار من ذهاب وإياب.. وتسللت نحو اسطبل عنتر الذي رفع رأسه عن طعامه مستطلعا من القادم عندما أرهف السمع لخطواتها المقتربة في وجل.
ربتت على عنقه ما أن اصبحت بجواره ليهدأ ويعود من جديد ملتهيا بالطعام وهي تمد كفا مرتعشة في اضطراب لتجد الخطاب موضعه المعتاد.
أخذته مسرعة نحو الدار.. لكن ما أن خطت قدمها عتبات الدار حتى سمعت هتاف جدتها وجيدة متسائلة في ريبة: كنتِ فين الساعة دي؟
اضطربت لكنها استطاعت إخفاء الخطاب في عجالة بين طيات ثيابها وهتفت في نبرة حاولت أن تبدو طبيعية رغم ارتعاش حروفها: أصل سمعت عنتر يا ستي.. جلت يكون فيه حاجة.. نزلت أشوفه.
ابتسمت وجيدة في سعادة رابتة على كتفها في محبة: بتطمني على فرس الغالي! ربنا يرده بالسلامة.. ويجرب البعيد.
غام وجهها في ضيق مكتوم واستأذنت مهرولة تصعد الدرج في عجالة لتصل لحجرتها التي ما أن أغلقت بابها بإحكام خلفها حتى أخرجت خطاب مروان.. لتشهق في صدمة وقد تمزق أحد أطرافه عندما حاولت أن تفتحه.. كانت تعتقد أن تعجلها السبب فراحت تسب نفسها وتلومها في حنق ولم تكن تعي أنه هو من وضع بعض من مادة لاصقة على طرف الخطاب ليتأكد أنها قد قرأته بالفعل.. جلست في تيه لا تعلم ما عليها فعله.. فلم يعد من الممكن أن تعيد الخطاب موضعه كأن شيئا لم يكن.. سيعلم أنها قرأته بعد اكتشافه هذا الجزء الممزق.. وإن لم تضعه سيعلم أنها أخذته.
تنهدت في قلة حيلة.. فما ترك لها خيارا سوى الذهاب لتعلم ما هي تلك الأمانة التي يحتفظ بها.. ولتعيد له خطابه الممزق الطرف والذي بالمناسبة لم يكن يحمل بين طياته إلا كلمتين: "هستناكي مع عنتر".. وكأنه كان على يقين أنها قادمة.. تطلعت للخطاب من جديد.. ورغم كل شيء ابتسمت.. وتنهدت في راحة لم تعلم من أين يكون مصدرها.
***************
طرقت الباب ودخلت إليه تشاركه مجلسه الذي لا يمله على تلك الشرفة التي تطل على البحر.. جلست جواره في هدوء تشعر برغبة في السكينة لا تستشعرها إلا بصحبة جدها زكريا الذي همس متطلعا للجو المحيط: الجو غيم.. والبحر شكله هيجلب.
أومأت فريدة برأسها إيجابا ولم تنبس بحرف.. لا رغبة لها في الحديث من أساسه.. هي تدرك أن أمورها لن تكون كسابق عهدها بعد لقائها بنزار.. هناك شيء ما لا تدرك كنهه.. لكنها تستشعر قرب حدوثه بحدسها.. ما يثير قلقها وتوترها بلا سبب مفهوم.
استطرد جدها مؤكدا: البحر كيف الجلب.. مهما اتجلب.. محدش يعرف اللي في جفوه إلا صحابه اللي رموا نفسهم في حضنه.
الحبيب هو اللي يعرف إيه اللي في جلب حبيبه من غير ما ينطق.
همست فريدة في نبرة مضطربة: هو صحيح يا جدو اللي بنسمعه عن الحب ده؟ ولا ده كلام روايات؟
تنهد زكريا متبسما وهمس مؤكدا: لاه.. صح يا حبيبة جدك.. المحبة دي سر من أسرار ربك.. لا تجولي ليه.. ولا كيف.. ولا ميتا؟ لو سألتي حد بيحب بجد.. حبيته ليه.. هيجولك معرفش.. أهو لقيت ربنا زارع حبه في قلبي.. كيف!! ولا حد يدري.
همست فريدة في وجل: للدرجة دي؟
هز زكريا رأسه مؤكدا وهمس متطلعا للبحر الذي بدأت تقلبات أمواجه في الظهور معلنة عن بعض غضبه: يوم ما وعيت لستك بدور.. أم خالك حازم الله يرحمها.. حاجة مني اتخطفت ومرجعتش لحد دلوقت.. ولما راحت.. عرفت إنها خدت روحي معاها.. من يومها وزكريا معدش زكريا.
همست فريدة في خبث محبب: طب وستي زينة الله يرحمها.. فين من كل ده؟
همس مؤكدا: زينة كانت القلب.. وشريكة عمري كله.. لكن العشق اللي كان لبدور كان حاجة تانية.. حاجة رباني لا لك يد فيها ولا تعرف لها سبب.. عاشجها على كل حال وبكل طريقة.. روحك معلقة لا عارف تفر منها ولا عارف تفارقها.. ولا ناوية هي تفارقك.. كان موتها وجع ربنا ما يدوجه لحد.. هانت عليا الدنيا كلها من بعدها.. ولولا خالك اللي كان لحمة حمرا.. لا كنت عشت ولا صلبت طولي.. ولا بقيت زكريا اللي أنت وعياله دلوقت.
تساءلت فريدة متعجبة: هو فيه راجل بيعرف يحب قوي كده يا جدي؟
قهقه زكريا مؤكدا: الرجالة ملهمش في المعشجة والمواويل دي.. بس لما الراجل بيوجع محدش بيسمي عليه.
وتنهد هامسا: عشق الرجالة كيف دموعهم عزيز.. لكن لما الدموع تظهر مبتظهرش إلا لغالي والعشق لما يبان.. عمره ما يكون إلا برضك لغالي.. وساعتها الطريق يا بتي بيبجى روحه بلا راجعة.
هزت فريدة رأسها مبهورة بكلام جدها ذاك الصعيدي الصلب الذي لا يمكن لأحد أن يتوقع أن له قلب عاشق بهذه الروعة.
ساد الصمت لبرهة وكلاهما يتطلع لتقلبات البحر الرمادي أمامهما حتى هتف زكريا متنهدا: ياللاه جومي اعمليلي فنجان قهوة من يدك الحلوة دي.
نهضت ملبية طلبه في هدوء وما أن همت بالخروج من الغرفة إلا وهتف بها يستوقفها: فريدة!
استدارت مستفسرة ليؤكد لها في لهجة العالم ببواطن الأمور: مش الرجالة بس اللي عشقهم واعر.. الست لما تعشق ممكن تدي الراجل اللي معاها حياتها.. بس المهم.. الراجل ده يكون راجل على حق ربنا.. وإلا.. الخسارة بتبجى كبيرة جوي يا بتي.. والوجع ما بيطيبش.
حاولت فريدة ألا تظهر اضطرابها جراء حديث جدها الذي كان على ما يبدو يثبر أغوار نفسها ويجيب على تساؤلات شتى كان تؤرقها منذ زمن بعيد.
هزت رأسها مؤمنة على حديثه وقبل أن تمس كفها مقبض الباب راحلة هتف جدها أمرا: شغلي الست قبل ما تروحي.
مدت كفها تضغط زر جهاز تشغيل الأغاني الذي كان على مقربة.. ليصدح صوت ام كلثوم شادية:
هو صحيح.. صحيح.. الهوى غلاب..!!
معرفش أنا..
تطلعت لزكريا الذي بدأ يتمايل برأسه في سلطنة مترنما مع صوت الست.. تاركا إياها تردد سؤال الأغنية الأكثر حيرة.. هل حقا.. الهوى غلاب؟
أدارت مقبض الباب تفر من حجرة جدها إلى غرفتها يطاردها ذاك السؤال.. وكلام جدها الأخير.. حتى أنها نسيت أمر إعداد قهوته.
************
كان الجميع مجتمع على طاولة الغداء ليهتف عاصم مقررا وهو يتطلع لطبقه يعبث بمحتوياته: أنا مسافر بإذن الله مع واحد صاحبي.. واحد قريبه عنده شركة هندسية هناك ومحتاجين مهندسين حاسبات.
لم يرفع أبوه وأمه عيونهما باتجاه عاصم الجد.. كانا على علم بالأمر فقد استطاع إقناعها بضرورة سفره ورغبته الملحة في التجربة وثقل الخبرة.. لم يقتنعا بالحجج لكنهما أذعنا بأخر الأمر.
لكن الاضطراب كان من نصيب كل من ماجد وإيمان.. واللذان تطلعا لبعضهما.. لا يخفى عليهما سبب رغبته في الابتعاد.
أما عاصم الجد فتطلع للجميع ولم ينبس بحرف.. سقطت عيناه على حفيدته زهرة ولم يعقب بحرف وهو يراها على نفس هدوئها وتيهها المعتاد.. لم يكن يدرك أن تلك الهادئة كماء راكد.. استشعرت اضطرابا غريبا لا تعرف كنهه ما أن نطق عاصم برغبته في الرحيل.. مالها ورغباته!! فليرحل كما يحلو له.. إن الأمر لا يعنيها.. عليها الاعتناء بتحضير حفل عقد قرانها والمزمع عقده خلال أسبوع من الآن.. هذا ما عليها الاهتمام به ولا شيء آخر.
حاول عاصم الجد النهوض مغادرا.. لكنه لم يقدر فدفع بكرسيه نحو قاعته المفضلة مغادرا سفرة الطعام.. همت زهرة باللحاق به.. لكن عاصم حفيدها أشار عليها بالبقاء مندفعا في عقب جده لداخل القاعة مغلقا بابها خلفه.
هتف عاصم الجد معاتبا: بجي كده يا عاصم! هان عليك تجول أسافر وتفوت جدك؟
اندفع عاصم منحنيا يقبل جبين جده في محاولة لتطييب خاطره: معلش يا جدي.. أنت عارف إن يعز على فراقك.. ده لازما يحصل.. أمر الله.
هتف الجد: أمر الله برضك! ولا أمر دماغك الناشفة.. أنت بتهرب.. وأني متعودتش عليك جبان.
هتف عاصم في اضطراب: هرب من إيه بس يا جدي؟ موضوع السفر ده في دماغي من زمن وآن أوانه.
ابتسم الجد في تفهم هاتفا في لهجة العالم ببواطن الامور: والله لو رحت أخر الدنيا.. هتهرب من شوفتها لكنها هتكون قصادك مهما عملت.
اضطرب عاصم يحاول تحاشي النظر إلى عيني جده التي تشبه عينيه لحد كبير وكأنه ينظر لملامح روحه بمرآة القدر.. وهتف ما أن استجمع شتات نفسه: أنت بتبالغ جوي يا جدي.. آه أنا كنت عايزها لكن خلاص هي اختارت الأصلح ليها.. وفي الأول والآخر هي بت عمي وربنا يسعدها ويهنيها.
همس الجد أمرا: جرب يا عاصم.
أمتثل الحفيد في طاعة وانحنى ليكون على نفس مستوى جده الذي يجلس على كرسيه المدولب والذي أخذ يمسح على رأس حفيده في حنو وأخيرا انحدرت كفه ليضعها مفرودة موضع قلب حفيده هامسا في تضرع: يا رب.. يا تحجج لقلبه مناه..
يا تريح القلب العليل من عشجه.
وضع عاصم كفه فوق كف جده وعيناه يلتمع بها دمع شامخ هامسا بصوت متحشرج وهو يبتسم ابتسامة تقطر وجعا: لاااه يا جدي.. بلاها الراحة.. لو قلبي ارتاح.. هيموت.. أنا راضي بقلب عليل بعشقها.
تطلع الجد لحفيده وهتف في وجع: واااه يا ولدي.
وجذب حفيده مغيبا إياه بين ذراعيه يحاول أن يحمل عنه بعض من تلك المواجع التي أرهقت كاهل روحه.
***************
صرخات متعاقبة هزت جنبات الحارة.. صرخات صادرة من قلب مكلوم وروح تصدعت ذعرا للفراق.
صرخات فزع الجميع لها واندفعوا في اتجاه مصدرها لإدراك الحدث الجلل الكائن في بيت سالم الأسطورجي.
كان بيت المعلم خميس الأقرب.. وكان نادر هو الأسرع نحو البيت.. فقد كان قادما من الخارج يخطو أول خطوات نحو درج بيت جده في سبيله لشقة أبيه عندما تعالت صرخاتها.
فكان الأسبق عندما أدرك مصدرها. وقف يدفع الباب بكتفه لينفرج في الدفعة الثانية، وصوت نشيجها القوي يصله من الداخل مثيرا بداخله مكامن الرغبة في الاندفاع نحوها. لا لسبب إلا لنجدتها من ذاك الحزن الذي يغلف الصرخات الموجوعة.
اندفع لداخل البيت ومنه إلى الحجرة ليجدها منكبة على صدر أبيها الراحل تبكيه في صدمة.
توجه نحوها وبلا وعي منه جذبها لتبتعد. لكنها تشبثت بصدر أبيها هاتفة في نبرة تفطر القلب:
"معدليش غيره.. بقيلي مين! سبني معاه."
لم يستمع نادر لتوسلاتها، بل جذبها من جديد بعيدًا عنه. وقد بدأ البيت والحجرة في الامتلاء بالجيران الذين لم يتوانوا عن الاندفاع لنجدتها بدورهم.
هتفت بنادر الذي كان ما يزال ممسكًا برسغها جاذبًا إياها للخارج حتى يتسنى للجمع المحتشد التصرف. لا يعرف لم. لم يكن يعنيه إلا إبعادها عن الغرفة التي تحمل مصدر الوجيعة.
وصلت نعمة أخته وشيماء أمه ليدفعها لأحضانهما. تلقفوها ودموعهم تشاطرها حزنها وألمها. بكت بين أحضانهما وهو متسمر موضعه يتطلع إليها وهو أشد غرابة من نفسه لا منها. هي تبكي أبيها، هذا طبيعي. لكن هو لم يبكيها ويشاطرها وجعها داخليًا. يتمزق وهو يراها على هذه الحالة ولا يعلم ما عليه فعله لإخراجها من حالتها تلك. يعلم أن ما من شيء بالكون قادر على تعويض وجود أبيها بحياتها. لكن رغم ذلك.. هو يريد لها تعويضًا يليق بهذا الحزن المروع الذي يهز جنبات روحه ويستشعره يزلزلها. ويعلم أنها تعاني أضعافه.
صرخات من أمه وأخته جعلته يتنبه من تيهه وهي تسقط بين أذرعهن. غير قادرات على اللحاق بها. لكنه كان الأسرع والأقدر على اللحاق بها وحملها بين ذراعيه.
هاتفًا بنعمة وأمه أمرًا:
"أسبقوني وافتحوا باب البيت على وسعه.. دي مش لازم تقعد هنا وسط المعزا والغسل."
أطاعت أمه واندفعت تسبقها نعمة في اتجاه بيت جدهما. فتحن الأبواب على مصراعيها. ليصعد حاملاً إياها يضمها بشكل عجيب وبقوة أعجب إلى صدره.
كان جبينها ملتصقًا تمامًا بموضع قلبه الذي كان يخفق بسرعة جنوبية لا علم له بسببها. لكن جبينها ذاك كأنما اتصل بشكل لا شعوري بذاك القلب الغافل
رواية زاد العمر وزواده الفصل الثامن 8 - بقلم رضوى جاويش
لم تعد تستطيع أن تتحاشاه أكثر من هذا. هي نفسها تتعجب من حالها. كيف لهذا الشعور المتنامي داخلها أن يدفع بها بهذا الشكل الجبري لتعترض طريقه بعد كل هذا البُعاد؟ إنها لا تعلم إلا أن عقلها وقلبها أمراها فأطاعت دون جدال.
توقفت أمام موضعه فتطلع منتصر نحوها هاتفا بنبرة رسمية:
أي خدمة يا آنسة؟
أومأت مؤكدة:
أيوه.. هو فيه إيه؟
تطلع نحوها وقسمات وجهه لم تفارقها الجدية. كانت تحمل طابع الصلابة على عكس ما وجدت منه داخل السيارة يوم أن أنقذها من قلب المظاهرة. هتف بنفس النبرة الثلجية:
في أي مشكلة عند حضرتك؟
همست متعجبة:
حضرتك!! منتصر أنا..
قاطعها مشيراً لشيء مجهول لا تعرف لما أشار إليه هاتفا:
أعتقد اللي انتِ بتسألي عليه هناك.. يا آنسة..
تطلعت لموضوع إشارته. كان مبنى لكلية لا تمت لتخصصها بصلة من الأساس.
توقفت تتطلع نحوه من جديد. وما أن همت بسؤاله حتى استأذنها راحلا. تعقبته حتى إذا ما وصلا لمكان منعزل نسبياً اعترضت طريقه من جديد هاتفة في حنق:
بجد.. كده كتير.. طب حتى سبني اعتذر لك بشكل كويس عن اللي حصل لك بسببي.. بدل ما أنت بتتجاهل وجودي بالشكل ده.. وبدل ما أنا بجري وراك كده!!
توقف منتصر فجأة متطلعاً إليها هاتفا في حنق مكبوت حتى لا يجذب الأنظار:
انتِ فاكرة أن أنا ببعدك عني عشان خايف على نفسي بعد اللي حصل؟
زفر في حنق عندما لاحظ بريق دمع بعينيها الشقية والتي كانت نظراتها اللحظة على غير ما اعتاد. هاتفا في هدوء مفسراً لما ينأى عنها مبتعداً:
أنا بعمل كده عشان مكنش ينفع حد يعرف إن أنتِ البنت اللي أنقذتها فالمظاهرة.. أولاً عشان سمعتك.. ثانياً عشان سيادة العميد لو اتعرف حاجة زي دي هايبقى احراج كبير له ولمنصبه.. ابعدي عني يا آنسة بدور.. وأنا لا عايز اعتذار.. ولا بفكر فيه من أساسه.. أنا كل اللي عايزه إنك تبعدي عني مش عشان أي حاجة إلا مصلحتك أنتِ..
دمعت عيناها هاتفة في ضعف لم يكن يوماً من طبعها ونبرة متحشرجة مهزوزة:
يعني أنت مش زعلان من اللي سببتهولك.. عشان كده بتتهرب مني؟
هز رأسه نافياً وقد أُخذ كلياً بضعفها اللامعتاد والذي أثار مكامن الحنان بداخله. هامساً يحاول مشاكستها:
لا مش زعلان.. وحتى لو كنت زعلان يا ستي.. ما تسبيني اتفلق.. يعني أنتِ من أمتى بيهمك حد من أصله!!
هتفت بابتسامة تحاول أن تئد دمعها قبل أن ينساب على خديها مشاكسة بدورها:
مش للدرجة دي مبيهمنيش حد.. يعني في شوية اهتمام كده مدكناهم للحبايب..
قهقه هاتفا:
طب الحمد لله إني مش فمعسكر الأعداء.. وبابا مش هيوديني ورا الشمس.. فاكرة؟
قهقهت عندما تذكرت يوم أن أمسك بها هي وفريدة منذ أربع سنوات وهددته هي أنها ستجعل أباها يرسله وراء الشمس إن لم يتركهما.
وتطلع نحوها هامساً بلا وعي وضحكاتها قد أذهبت برزانته:
وبقينا من الحبايب كمان أهو..
توقفت ضحكاتها وتطلعت إليه بدورها مصدومة من رده. همت بتوضيح ما تعنيه بالحبايب لكنه تركها مهرولاً مختلطاً بالطلبة من جديد مندفعاً بخطوة سريعة في اتجاه بوابة الجامعة. لتتنبه من صدمتها محاولة اللحاق به لكن بلا جدوى. تريد أن تصحح له مفهوم الحبايب الذي تقصده.. لكنها توقفت عندما تذكرت تأكيده لها على الابتعاد.. وظلت موضعها تتطلع نحوه وهو يغيب لترتسم على شفتيها ابتسامة واسعة.
***
مر على بقائها هنا ثلاث ليال وها قد انتهى العزاء. عليها الرحيل فما عادت قادرة على البقاء بين جدران هذه الحجرة أكثر من هذا. حجرة هذه تذكرها بكل تفاصيله البعيدة المنال منها. لم يعد قلبها بقادر على تحمل وجع فوق أوجاع فراق أبيها الراحل.
نهضت من فوق فراشه الذي انتفضت لحظة أن وعيت أنها تتمدد عليه. كان دخول حجرة وتطلع إلى كل ما يخصه حلم من أحلامها. وها هو الحلم وقد أضحى حقيقة في أحلك لحظات حياتها. يبدو أن المكتوب عليها دوماً أن يخالط فرحها الحزن كتوأمه.
تطلعت لأركان الفراش من جديد. ثم لأركان الغرفة في هدوء. لتسقط عيناها على المشجب الذي يحمل ملابسه. إحدى مناماته وبنطال من الچينز. وقميص سماوي. لطالما أحب ذاك اللون.
نهضت في خطوات متمهلة. ومدت كفها نحو قميصه تحتضنه في وجل. تدثرت روحها بعبق عطره. ليعينها على أوقات البُعاد التي تستشعرها قريبة جداً. لا تعلم لم!!
مدت كفها المرتعش تضع القميص موضعه واتجهت إلى النافذة تتطلع لموضع نافذة حجرتها بالنسبة لغرفته.
ابتسمت في حسرة. لقد كانت نافذتها في مقابل نافذته تماماً عندما كان والدها به بعض من صحة ليختارا السكنى بالطابق العلوي لدارهما. لكن في السنوات الأخيرة عندما بدأت صحته تعتل فضلت الانتقال للطابق السفلي حتى لا يرهقه صعود الدرج. فكرت في تأجير الشقة العلوية لتعينهما على المعيشة. لكنه رفض حتى لا يدخل غريب على دارهما. خوفاً عليها.
تنهدت من جديد وهي تتطلع للحجرة وقد اتخذت قرارها. سيكون اليوم بل الساعة هي آخر عهدها بحجرته. يكفيه ثلاث ليال بعيداً عن حاجياته. عليها العودة لبيت أبيها.
طرقات على الباب جعلتها تنتبه لتدخل نعمة حاملة صينية من طعام. ابتسمت ما أن شعرت بتحسن حال حسن هاتفة:
الحمد لله بقيتي أحسن أهو. ياللاه تعالي كلي.
هتفت حسن في نبرة يغلبها الشجن:
مليش نفس يا نعمة. أنا الحمد لله كويسة. عايزة استأذن بس وأرجع لبيت أبويا.
ودمعت عيناها. فلم تعارضها نعمة بل نهضت لتعود بشيماء التي هتفت في حزن:
ليه يا كده يا حسن!! هو حد زعلك فحاجة يا حبيبتي؟ خليكِ وسطينا. إيه اللي يرجعك البيت دلوقتي؟
هتفت حسن وغصة عالقة بحلقها:
تسلمي يا خالتي. بس كتر خيركم لحد كده. وبعدين أكيد الباشمهندس محتاج أوضته. وحاجاته. كتر خيره. أنا هرتاح لما أفتح بيت أبويا. طاوعيني يا خالتي وحياة الغاليين عندك. ومتخليش المعلم خميس ولا الأسطى ناصر يزعلوا. أنا هرتاح كده.
تنهدت شيماء مؤكدة:
طيب يا حبيبتي. وماله. والله إحنا اللي يهمنا راحتك. نعمة هتنزل معاكي عشان البيت لو محتاج تنضيف. أو ناقصه حاجة.
لم ترغب حسن في المعارضة. فكل ما كان يعنيها اللحظة هو الرجوع لبيتها.
خرجت تستند على ذراع نعمة وفتحت البيت ودخلت ونعمة في أثرها.
ما أن وصل عبق الدار التي تحمل أنفاس أبيها الراحل لداخل رئتيها حتى انفجرت باكية. تتطلع لجوانب البيت وهي لا تدري كيف سيكون عليها التأقلم والعيش هنا وحيدة دونه.
جلست على الأريكة التي كانت تحتل الردهة الكبيرة ونعمة تتطلع إليها في تعاطف تشاركها حزنها دمعاً.
هتفت حسن بصوت متحشرج:
عارفة يا نعمة.. يمكن ناس كتير تقولك.. هو كان عامل لها إيه يعني.. دي هي اللي كانت شيلاه.. مش هو اللي كان شايلها.. يمكن يكون كلامهم صح.. ويمكن عمري ما حسيت أن أبويا فضهري وساندني.. وده اللي خلاني أبقى حماية نفسي.. وأخد حقي بأيدي.. بس اللي ميعرفهوش.. أن النفس اللي كان بيتنفسه جوه البيت ده.. كان بيديني الأمان إني مش لوحدي.. حتى ولو كنت متحامية بحد مش هيحميني.. بس كفاية إني كنت واهمة نفسي ب ده.. دلوقتي خلاص.. حتى الأمان اللي كنت بوهم نفسي بيه راح.. بقى مني للطل.. ضهري مكشوف للدنيا.. عريانة حتى لو كاسيني ميت توب.. ربنا يرحمك يا عم سالم..
ارتفع نحيبها مصاحباً لنحيب نعمة التي تقدمت تحتضن رأس حسن لصدرها تشاركها حزنها.
***
حمل سماحة ذاك الوعاء الفخاري المغطى بإحكام في اتجاه يونس الذي كان جالساً في هدوء يتأمل الشمس الغاربة شاعراً بوحشة عجيبة تكتنف صدره.
ها قد جاء لنجع الحناوي بهدف نسيانها لكنه لا يفعل شيء إلا المزيد من التفكير في أسباب رفض سهام له. أسئلة كثيرة راودت عقله وإجابات بلا حصر زاحمتها. وذاك الخاطر الذي تمنى أن يهدأ قليلاً لم يفعل. بل زادت الفوضى داخل جنبات روحه. كأنه في خضم حرب ضروس لا يعلم لمن الغلبة فيها. لكن الأخطر أن الخصمين المتناحرين هما شطري نفسه. فأيهما المهزوم!! وأيهما المنتصر!! لم يكن هذا ليحدث فارقاً. فبكل الأحوال.. هو يرى نفسه خاسراً.
تنهد بضيق لكنه تنبه لوجود سماحة هاتفا:
خير يا سماحة! فيه حاجة؟
وضع سماحة حمله أمام موضع جلوس يونس مؤكداً:
ده هدية من أم سماحة لچنابك. والنبي جبل الهدية.
ابتسم يونس في شجن:
عليه الصلاة والسلام. هدية مجبولة من يد ما نعدمها. بس يا ترى إيه ده؟
لم يرد سماحة لكن يونس مد كفه رافعاً الغطاء عن الوعاء الفخاري. متطلعاً إلى محتوياته في تعجب وقد بدأ لعابه يسيل من الرائحة الشهية التي ملأت المكان:
وااه.. إيه ده يا سماحة؟ ده ريحته حلوة جوي.
ابتسم سماحة دون أن يعقب بينما مد يونس كفه للملعقة وبدأ يتذوق الفريك المغطى بصلصة الطماطم والمدفون بداخله قطع من السمك. همهم في استمتاع هاتفا أخيراً:
إيه العظمة دي؟ تسلم يدك يا خالة سعيدة.
اتسعت ابتسامة سماحة منتشياً بينما أخذ يونس يتناول الطعام في مزاج عال. وهتف أمراً سماحة مشيراً لموضع قبالته:
تعال مد يدك. هتخسر نص عمرك لو مدجتوش.
أكد سماحة في أدب:
بالهنا والشفا يا بيه. بس أمي حرچت علي وجالت لي البيه ياكله لحاله. محدش يشاركه فيه.
هتف يونس معترضاً:
هاكل الطاجن كله لحالي!
أكد سماحة هازاً رأسه:
ايوه يا بيه. ده علاج چنابك.
تطلع إليه يونس متعجباً:
علاج! ومين جال إني عيان لا سمح الله!
أكد سماحة في ثقة:
أمي هي اللي جالت.
هتف يونس ساخراً:
وچناب الدكتورة خالتي سعيدة. جالت لك عندي إيه إن شاء الله؟
هتف سماحة في ثبات:
جالت إن جلبك عليل. عشج ولا طلشي. واللي جدامك ده أجدع علاج للجلب العليل بالعشج يا بيه.
وضع يونس الملعقة من يده متطلعاً إلى سماحة بحنق والذي وقف في ثقة ويونس يهتف به مهدداً:
أنت بتروح تحكي لأمك على اللي بفضفض لك بيه يا سماحة؟
هتف سماحة في عجالة:
لاه يا بيه. وحياتك ما حصل. هي اللي وعيت لحالك لحالها. لما سمعتك عشية بتغني ع السطح جالت لي البيه عاشج ودواه عندي. واهاااا الدوا. أني ذنبي إيه بجى!
تطلع يونس في سماحة لبرهة. استشعر صدق حديثه فمد كفه وبدأ في التهام الطعام بشهية كبيرة. هاتفا بفم ممتلئ لسماحة:
عارف!! حتى لو كنت جلت لها.. أني مسامحك.. واعي ليه؟
هز سماحة رأسه نافياً ليستطرد يونس وهو يتلذذ بالطعام:
عشان ندوق العظمة دي أولاً. أما ثانياً بجى.. عشان أنا كنت محتاج الدوا ده جوي يا سماحة. محتاج لدرجة إني ممكن آكل الطاجن نفسه بس جلبي يطيب وبالي يرتاح.
تطلع إليه سماحة مشفقاً ما دفع يونس هاتفا به:
روح ياللاه حضر لنا ركوة الشاي عشان بعد الأكلة التمام دي لازم لنا ياچي فنطاسين شاي تجيل نهضموا بيهم.
أكد سماحة في عجالة:
حلا يا بيه. مسافة ما تخلص أكل هتكون أول كبابة شاي بجت فيدك. بالهنا والشفا.
ابتسم يونس يستوقفه مؤكداً:
عارف يا واد يا سماحة لو الوصفة دي نفعت.. هعمل إيه!؟
هز سماحة رأسه نافياً ليستطرد يونس مازحاً:
هعمل براءة اختراع باسم الخالة سعيدة. واسمي الطاجن ده " انساك يا سلام.. انساك هو ده الكلام".
أمسك سماحة ضحكاته منكساً رأسه أرضاً. بيننا قهقه يونس في أريحية كعادته وعاود تناوله للطعام ليغادر سماحة من أجل تجهيز الركوة لصنع الشاي لهضم وصفة النسيان. فربما يكون فيها الشفاء للقلب العليل بحق.
***
تقدمت في وجل. تقدم قدم وتأخر الأخرى. لا تعرف ما عليها فعله. إنها المرة الأولى تماماً التي تجد نفسها مدفوعة لفعل أمر ما دون أن يكون محسوباً بشكل دقيق من عقلها الواعي. لكن مجيئها إلى هنا كان قرار قلبها من الدرجة الأولى. هي تحاول أن تنكر ذلك. لكن كل الشواهد تكذبها.
أصبحت على مشارف داره وقد سبقها عنتر بالفعل. وقفت أمام السياج المنخفض الذي كان يزين المكان أكثر من كونه حماية أو حاجز يمنع مرور أي من كان.
فكرت أن تقف حيث كانت تستتر في الأيام الماضية خلف هذه الشجرة العتيقة لكنها أيقنت أنه ما كان خافياً عليه وجودها. وإلا كيف له أن يبعث لها بخطابه وهو على يقين أنها ستجده وتفتحه. بالتأكيد كان يعلم بوجودها. لتصبح الآن في هذا المأزق الذي لا تحسد عليه.
مرت في اتجاه عنتر الذي كان يدور حول نفسه متعجلاً هديته. طبق الخضروات والفاكهة الثمين. كان هذا التأخر في الظهور من قبل مروان مقصوداً. كان يقف خلف الباب الخشبي يتطلع للفرس المتعجل وكذا لترددها في الدخول في استمتاع عجيب. ثم قرر الظهور فجأة بعد أن رآها تمر في اتجاه عنتر.
انتفض قلبها بين أضلعها ما أن وعيت دفعه الباب الخشبي معلناً عن خروجه.
لما تستشعر اللحظة أنها تريد الركض مبتعدة!! لكنها على العكس من ذلك تسمرت موضعها عندما رأته يضع طبق الخضروات لعنتر الذي ألتهى فيه بسرعة. وكادت أن تفقد وعيها خجلاً عندما نظر إليها مبتسماً في أريحية هاتفا:
أخيراً جيتي.
قررت أن تكون حاسمة ولا مزيد من التلاعب من قبله. هذا يكفي. أكدت لنفسها في حسم ما دفعها لتهتف:
فين الأمانة اللي ليا عندك!
اتسعت ابتسامته هاتفا في نبرة مشاكسة:
بقى دي إزيك.. عامل إيه!! أنت كويس.. مفيش حاجة فيك مكسورة كده ولا كده بعد الوقعة ال..
لم يكمل كلماته وقد لاحظ اضطرابها وارتفاع الدماء لوجهها خجلاً ليصبح بهذا اللون الوردي القاني ما جعله يصمت متطلعاً لذاك الحسن الرباني سابحاً في ملكوته. همت بالاندفاع مبتعدة إلا أنه هتف يستوقفها:
آنسة "A".. مش دي بتاعتك برضو؟
استدارت تطالعه ليقع ناظرها على سلسالها الفضي الذي يتأرجح منه أول حرف من اسمها أمام عينيه الشقية التي تبتسم اللحظة في عبث.
شهقت وهي تضع كفها تتحسس رقبتها. وتساءلت في تعجب. كيف لم تفطن لغياب سلسالها القريب لقلبها بعيداً عنها! كان ذاك السلسال الفضي الذي يحمل تذكاراً لا ينسى. هو الأعز على روحها فقد كان هدية والديها في عيد ميلادها السابع. ألبسه لها أبوها بيده. وهي لم تكن تخلعه عن جيدها إلا فيما ندر. فقد كان يشعرها بالأمان والطمأنينة دوماً.
هل انشغلت إلى هذا الحد بحكايته ورسائله حتى أنها ما وعيت لفقدانه!
اقتربت في وجل ومدت كفها قرب السلسال المتأرجح ليسقطه على كفها المفرودة في إشارة مبطنة لسقوطها هي لا سلسالها.
بدأت في ارتدائه وهو يتطلع إليها في شغف لمتابعة كل حركاتها التي تصدر عنها في رقة متناهية.
همت بالذهاب ليهتف بها في فضول:
مقلتيش.. حرف "A" ده دلالة على اسمك.. اسمك إيه بقى؟
تطلعت إليه في حياء هامسة باسمها:
آية.
ابتسم فقد كان اسماً على مسمى. كانت آية من السحر والرقة وهي تنطق اسمها بهذا الحياء الذي يربكه وهذه الرقة التي وقع أسيرها منذ اللحظة الأولى.
مد كفه وقد اتسعت ابتسامته هاتفا:
وأنا مروان.. نتعرف بقى على حق ربنا.
نظرت لكفه الممدود إليها رغبة في التعارف مترددة في مد كفها لمجرد سلام عابر. فهي تدرك أن كفها بين أحضان كفه الرجولية تلك ستكون خطوة أخرى نحو الخوض في قصة لا تعرف مداها.
لا تعرف هل هي تضخم الأمر!! أم أنه كبير بالفعل وعليها القلق!!
لكن على الرغم من كل هذه الخواطر المتنازعة داخلها إلا أنها مدت كفها الرقيق الدقيق في اضطراب كان ظاهراً لأعينيه الصقرية التي تتابع كل خلجات نفسها في فضول غير طبيعي.
كان نصف سلام. فقد مدت كفها للاقتران بكفه لكن قبل أن يتم التلاحم كانت قد جذبت كفها الدقيق في سرعة. لكن رغم ذلك.. شعر بالتشبع. نصف سلام كان يكفيه وزيادة. كأنما كانت تعي تماماً أنه لن يحتمل سلام كامل الالتحام بهذا الكف الذي يحمل رقة ونعومة صاحبته التي تتطلع اللحظة في اضطراب حولها. كأنما أدركت فجأة أن عليها الرحيل.
همست في عذوبة وهو ما يزال مأخوذاً بها:
عن إذنك.. أنا لازم أمشي. وشكراً على السلسلة. دي غالية عليا قوي. مكنتش أعرف هعمل إيه لو ضاعت!!
هتف متعجباً:
للدرجة دي! واضح أنها من حد عزيز عليكِ قوي.
لم ترد. واستشعر هو خليط عجيب من مشاعر حنق ممزوجة برغبة في فضول لمعرفة من العزيز المزعوم ذاك!!
لكنه حاول تجاهل هذه المشاعر هاتفا:
أنتِ في كلية إيه يا آنسة آية!؟ واضح إنك لسه بتدرسي!؟
هزت رأسها وهتفت وهي على نصف استدارة تهم بالرحيل:
أنا فنون جميلة. رايحة رابعة فنون جميلة.
لمعت عيونه. كان عليه استنتاج ذلك. تلك الكف الرقيقة التي أسكره منها نصف سلام. لابد وأن تدرس الفنون الجميلة. والجميلة بشكل لا يقبل الوصف.
ابتعدت خطوات هاتفة في عجالة أخرجته من شروده:
عن إذنك.. وشكراً مرة تانية.
هتف في رعونة غير محسوبة:
مش هشوفك تاني!؟
أدارت رأسها في دهشة نحوه. ولم تجب بحرف بل اندفعت راحلة في عجالة. ليظل ناظره معلقاً بموضع رحيلها لبرهة حتى أنه ترك عنتر وحيداً يتناول ما بقى بالطبق حتى يحين موعد مجيء الخفير لأخذه كالعادة. فاقداً الشغف في البقاء بالخارج بعد مغادرتها. دلف للغرفة ليجد نفسه وقد أمسك بفرشاته يضرب بها وجه إحدى اللوحات. ليتركها فجأة جانباً. متطلعاً لكفه التي تركت على باطنها أثر تحيتها. نصف سلام.
***
دخلت إلى بهو الفندق الفخم في تؤدة تتطلع نحو الموضع المتفق عليه للمقابلة الهامة. توجهت من فورها للموضع المعد مسبقاً من قبل العلاقات العامة بالشركة.
تأكدت أن كل شيء في موضعه بلا نقصان. كما أمرت بالضبط. جلست في انتظار ضيوفها والذين ظهروا لتوهم. لتنهض مرحبة في حفاوة.
جلس الجميع وما هي إلا لحظات حتى بدأ حديث العمل. وشرعت هي مع ضيوفها في تبادل الآراء التي تقاذفت في حماسة هنا وهناك. كانت الأمور على ما يرام. وحققت تقدماً هائلاً صوب الهدف الذي تطمح له. كان رهانها مع أبيها أن تستطيع إقناع إدارة هذه الشركة بأمر ما خاص بالشراكة بينهما. ويبدو أنها في سبيلها لتحصل على رهانها.
إلا أن ذاك الخيال الذي مر على طاولتهم وذاك العطر الذي أيقظ الحنين من سباته الطويل داخل قمقم الذكريات المهملة جعلها ترفع ناظريها لمن مروا اللحظة جوار الطاولة. ليتبدل حالها تماماً من النقيض للنقيض.
غاب اللون من وجهها. وحل الشرود والتيه محل يقظتها وتركيزها الفائق.
غابت فريدة المرأة الصلبة. لتحضر فريدة تلك المراهقة التي سمحت للعشق أن يحتل قلبها الغض ويفعل بروحها الأفاعيل.
نظراتها لنزار الغمري وتلك الحسناء تتأبط ذراعه أعاد لها ذكرى بعيدة تنكأ وجعاً بحجم الكون داخل فؤادها الموصوم بعشقه المحرم. دنت الطرف من جديد على تلك الحسناء خارقة الجمال والتي لم تكن إلا زوجته. وابنة عمه. وحبيبته. شاهندة.
تنبهت لنداء أحد الحاضرين لها. والذي على ما يبدو لم يكن الأول. ابتسمت في دبلوماسية معتذرة. واستأذنت لبضع دقائق. اتجهت لحمام السيدات رغبة في استعادة رباطة جأشها والعودة لصورتها الصلبة من جديد.
دفعت باب الحمام وتنهدت في قوة وهي تستند على حافة الحوض الرخامية.
تطلعت لوجهها بالمرآة وعقدت حاجبيها هاتفة لنفسها في عزم:
إيه! شوفتيهم مع بعض.. إيه الجديد! إيه اللي يخليكِ بالهشاشة والضعف ده! لا.. أنتِ مش كده.. أنتِ تخطيتي المرحلة دي من زمان.. مش هنعيده تاني يا فريدة.. سامعة؟
هزت رأسها بالإيجاب لصوت عقلها وداعمها النفسي الوحيد في معركتها مع قلبها الواهن القوي أمام جحافل الحنين والشوق.
فتحت الصنبور الذهبي وغسلت كفيها في محاولة لتخفيف ارتعاشاتهما. وما أن انتهت وجذبت منديل لمسح يدها الرطبة حتى انفرج الباب عن محياها. تلك التي كان لها السبق للفوز بقلبه دونها.
توقفت بدورها أمام أحد الأحواض وتطلعت لمحياها الساحر بالمرآة ودون أن تلتفت لفريدة همست بصوت ناعم أشبه بفحيح الحيات:
أنتِ بقى فريدة الهواري!
استجمعت فريدة كل طاقة الصمود داخلها وردت بنبرة رسمية وعلى شفتيها ابتسامة باردة:
أيوه.. أنا فريدة الهواري. حضرتك تعرفيني.. ودي حاجة جميلة.. بس أنا متشرفتش!
استدارت لها شاهندة نصف استدارة وتطلعت نحوها من قمة رأسها حتى أخمص قدميها هاتفة بنفس النبرة الرخامية:
مش مهم تعرفي أنا مين! برغم إني متأكدة إنك تعرفيني.. ما هو مش معقول العشرة دي كلها مع نزار.. ومتعرفيش مراته، وبنت عمه، وحبيبته!
وضغطت على أحرف كلمة حبيبته التي أخرجتها في بطء مريب من بين شفتيها وكأنما كانت تضغط على جرح سخين دب الورم والقيح بجذوره وأصبح المساس به دون مخدر أشبه باقتلاع جذور الروح من منبتها. لكنها رغم ذلك قاومت لتهتف بصوت ثابت النبرة شعرت بالراحة حينما استشعرته بهذه القوة:
تشرفنا يا مدام. سلامي لنزار بيه. لولا ضيوفي.. لكنت جيت سلمت عليه بنفسي. فرصة سعيدة.
وخرجت فريدة من الحمام في ثبات متجهة صوب طاولة ضيوفها. العجيب أنها رأت نزار يغادر طاولتها في اتجاه طاولته. ماذا كان يفعل بين ضيوفها يا ترى؟
لم تلق بالاً للموضوع. فكان كل ما يؤرقها اللحظة هو استعادة تركيزها على إتمام ما جاءت من أجله. وليذهب نزار وزوجته الحقيرة تلك إلى الجحيم.
جلست على الطاولة مبتسمة لضيوفها وما أن همت بمعاودة النقاش الذي قُطع منذ دقائق حتى هتف أحدهم في بشاشة:
إحنا اتفقنا خلاص. اتناقشنا لما غبتي شوية وخدنا فرصة نفكر في عرضك. وشوفنا إنه عرض جدير بالقبول فعلاً. بلغي الباشمهندس حمزة موافقتنا. وتحديد موعد لإمضاء العقود.
ابتسمت للمرة الأولى في سعادة من صميم قلبها. فقد حصلت على مبتغاها.
شكرتهم في حماسة لثقتهم الغالية التي ستكون في موضعها. وبدأوا في تناول الطعام والذي أخذت في تناوله بشهية تعجبت لها وتلك الابتسامة المنتصرة لم تفارق وجهها الصبوح. حتى أنها وبكل جرأة بادلت نزار التحية بإيماءة من رأسها عندما لوح لها مبتسماً بكأس شرابه. ما أورث شاهندة حنقاً لم يكن خافياً على محياها وهي تلقي بنظرة جانبية نارية لفريدة. تكاد تقتلها غيظاً. لكن فريدة لم تكترث من الأساس وأولت جل اهتمامها لضيوفها حتى انتهت السهرة بنجاح.
***
أيام قلائل ويهل اليوم الموعود. سيعقد قرانها على رجل غيره. ستكون زوجة لآخر. سيموت ذاك الأمل الذي يحييه للأبد. ستُزهق روحه مع كل حرف يكتب بدفتر المأذون مقرباً إياها من رجل سواه ونافياً إياها قسراً من أيامه وأحلامه وأمانيه وحتى من ذاكرته التي لا يملك فيها خاطراً إلا وكانت هي سيدة الخاطر والوجدان. وأميرة كل الذكريات التي كان يجبر عقله على خلق ملف خاص بها وحدها. يخزن به كل ما يتعلق بهذه الزهرة التي أينعت أمام ناظريه مادة جذورها بأرض قلبه ومتشعبة إلى حيث روحه.
خرج من غرفته في آلية محاولاً أن يهدئ من روعه مذكراً إياها بأن رحيله قد حان بدوره. بضع ساعات بعد عقد القران وسيكون خارج نجع الصالح يشق طريقاً آخر بعيداً عن طريقها الذي أصبح معبداً لغيره بحكم شرع الله وسنة رسوله.
مر سريعاً بتلك الردهة الطويلة. لكن تسمرت قدماه غصباً عندما تناهى لمسامعه ضحكاتها المنتشية بالفرحة مصاحبة لضحكات أخواته من داخل حجراتهن.
كانت ضحكات صبوح تشي بسعادة فاضحة لا يمكن إغفالها. سعادة قلب عاشق أصبح قاب قوسين أو أدنى من تحقيق أمل حياته في وصل الحبيب.
تعالت الضحكات من جديد. ليندفع مهرولاً يهبط الدرج في عجالة يتخبط في تيهه يرى عمال الفراشة ومنظمي حفل عقد القران وكأنهم غربان بين ناعقة. وأحبال الإضاءة التي تمتد بطول السراي وعرضها. وكأنها مشانق مدلاة يرى عليها أحلامه وأمانيه تترنح في عذاب. لم يستطع المكوث للحظة أخرى. فخرج مسرعاً يحاول إنقاذ البقية الباقية من ثباته.
***
دخلت نوارة إلى داخل بيت السليمانية متجهة لحجرة مكتب الدكتورة سميحة. طرقت على بابها في أدب لكن ما من أحد بالداخل على ما يبدو. فلا إذن بالدخول جاءها. لكن رغم ذلك قررت الولوج للحجرة في انتظار الدكتورة سميحة. دفعت الباب وتوجهت لمقعد أمام المكتب وجلست في هدوء وهي تضع تلك اللفافة الأنيقة أمامها. تود لو عادت بها لتغسل ذاك الثوب من جديد مخلصة إياه من ذاك العطر الذي نثرته على طياته في لحظة طيش غير متعمدة. لا تعرف ما دهاها لتفعل ذلك! تصرف أحمق من شابة عقلانية تزن الأمور دوماً بميزان التعقل والرزانة.
كانت تحمل اللفافة منذ وعيت لخطئها الفادح كأنما تحمل كفنها على كفيها لتقدمه لأصحاب الثأر من أجل العفو والسماح.
همت بالنهوض لتغادر ومعها اللفافة والتي ستضعها بالاستراحة حتى يحين موعد عودتها لتعاود غسيل الثوب من جديد.
لكنها انتفضت ما أن تناهى لمسامعها نغمات قادمة من مكان قريب لم تعرف أين يكون. تطلعت حولها وقد بدأت تلك الأنغام تعلو في انسيابية ورقة. من أين يأتيها ذاك العزف الملائكي!
تجرأت ونهضت من موضعها تتلمس خطواتها تحاول أن تركز على مصدر الصوت حتى تصل لمصدر العزف. لم تكن يوماً بهذا الفضول تجاه أمر ما. لكن اليوم هو الاستثناء الأول تماماً.
وقع ناظرها على ذاك الباب الجانبي الصغير والذي ما أن تخطته حتى سقطت عيناها عليه. لتنتفض كلياً من قمة رأسها حتى أخمص قدميها.
كان رائف يجلس أمام بيانو أسود ضخم في تلك الغرفة الصغيرة الملحقة بحجرة المكتب. البسيطة الطراز. والمخالفة تماماً لهذه الغرفة الكلاسيكية الراقية التي يقبع البيانو في الركن المتطرف منها ويشغل باقي أركانها مكتبة متوسطة الضخامة وركن به أريكة ومقعدين وثيرين.
كان الوضع لا يمكن تصوره وهي تراه اللحظة أشبه بأحد النبلاء وهو يعزف هذه المقطوعة الشجية والتي كانت تعشق.
كان لا يستهويها الأغاني كسجود. لكن هذه الموسيقى التي تهدئ من أعصابها كانت المفضلة على الإطلاق. ساعتها علمت لم يلجأ كثير من الجراحين العظماء لسماع الموسيقى وهم يجرون عملياتهم الجراحية الدقيقة.
همت بالعودة من حيث أتت. واستدارت بالفعل لتعود أدراجها قبل أن يكتشف وجودها. لكن ما أن همت بخطو أولى خطواتها متقهقرة حتى توقف العزف فجأة وهتف ذاك الصوت الرخيم والذي بات يوترها بشكل كبير:
أظن محدش سمح لك بالدخول يا دكتورة. عشان تدخلي المكتب كده بدون إذن.
تسمرت موضعها لبرهة قبل أن تستدير لتصبح بمواجهة ظهره هاتفة بنبرة حاولت أن تودعها الكثير من الثبات:
خبطت على الباب ومحدش رد. دخلت أستنى الدكتورة سميحة. عشان أشكرها وأرجع لها الهدوم بتاعتها.
تنبه عند هذه النقطة واستدار لمواجهتها بدوره بعد أن كان يهمل الاستدارة نحوها أو ربما كان يتجنبها. فمنذ تلك الليلة التي سقطت فيها بالترعة. وهناك شعور غامض تجاه هذه المرأة يجعله ينأى بنفسه بعيداً عنها كلياً. لا يدرك كنه ذاك الشعور. هو ليس نفوراً أو حنقاً. ربما بعض الفضول. والذي يتعجبه. فمنذ متى أثارت فضوله النساء أي من كن!
أشارت للفافة الموضوعة بغرفة المكتب على الطاولة المنخفضة ما استرعى انتباهه ليخرج من خواطره المربكة نحوها محاولاً صب جل تركيزه على ما كانت تهتف به اللحظة هاتفا:
معلش. أنتِ كنتِ بتشاوري على إيه؟
أكدت من جديد وقد بدأت نبرة صوتها في الاهتزاز قليلاً مع اقترابه ليستوضح ما تعنيه. كان قريباً منها من جديد. ليعاود عقلها بث تلك اللحظات التي كانت بينهما في الاستراحة ما دفع الدماء لوجنتيها في اضطراب.
هتف ببضع كلمات لم تدركهم. شعرت أن شيئاً ما قد صم أذانها لتهتف في ارتباك محاولة إنقاذ الموقف مظهرة أنها في قمة تركيزها هاتفة بكلمات عشوائية:
آه.. أنا مشفتهاش وقلت أسلم عليها.
تطلع نحوها ونظرات عينيه العميقة تلك تذهب بقدرتها الهائلة على التركيز أدراج الرياح هاتفا ونصف ابتسامة ارتسمت على شفتيه أضاعت ما تبقى من عقلانيتها المعتادة:
أنا كنت بقولك أنا هبلغها شكرك بالنيابة عنك. ردك ملوش أي صلة باللي قلته يا دكتورة.
كان محقاً تماماً. وكان عليها أن تحترم ذاتها وتلملم ما تبقى من ثباتها المبعثر وترحل في كرامة. بأنف شامخ كعادتها.
هتفت في ارتباك:
طب تمام.. كويس.. أرجع أنا الوحدة. عن إذنك.
ما أن همت بالاندفاع هاربة حتى تعلق كعب حذائها بأحد أطراف البساط الصوفي الممتد أرضاً. ترنحت. لحق بها في سرعة. متشبثاً بكفيها متنبهاً ألا يلمسها قدر المستطاع. يكفيه ذكريات تلك الليلة وهي ترتجف بين ذراعيه والتي ما زالت تؤرق مضجعه. لكن ما أن تمالكت نفسها أخيراً. حتى أصبح كلاهما وكأنه يتشبث بكفي صاحبه على ظهر سفينة تترنح في صخب بين الأمواج العاتية.
اكفهما متلاحمة بقوة وكأنما أقسمت أن هذا هو ملاذها الأخير.
تطلع كل منهما للآخر في صدمة. كان رائف أول من قطع صمتها هاتفا في نبرة ساخرة:
حوادثك كثرت. أنتِ لازم لك غفير خصوصي يحرسك زي ضلك يا دكتورة.
انتزعت كفيها من أحضان كفيه واندفعت تغادر الغرفة في اضطراب تاركة إياه ينظر صوب الباب لبرهة قبل أن يحيد ناظريه صوب تلك اللفافة الرقيقة التي وضعتها على الطاولة هناك. تقدم منها وفتحها بيسر ليطالعه ذاك الثوب العزيز الذي أعارها إياه ليعود إليه محملاً بالمزيد من الذكرى. ذكرى قديمة لم يندمل جرحها. وأخرى جديدة تحمل توقيع ذاك العطر الأثر الذي انتشر عبقه ما أن فتح اللفافة ليخترق جدار عزلته الذي فرضه القلب على حنايا الروح ويستقر هناك في رحابة ليجد الموضع والسكن.
***
لم تطأ قدماه شقة أبيه منذ دخولها إليها. كان يبيت ليلته ويقضي أيامه في شقة جده بالأسفل. لم يرها منذ أن حملها بين ذراعيه ليضعها على فراشه بدافع خفي لا يعلم منبعه من الأساس. منذ هذه اللحظة لم يدخل حجرة وقد علم الآن أنها أصرت على العودة لبيت أبيها بعد انتهاء أيام العزاء.
دخل غرفته وتطلع في كل أرجائها كأن أحد قد أبدلها بأخرى. تعجب من ذاك الشعور الذي اعتراه لمجرد بقائها في الغرفة لثلاث ليال شعر أن الغرفة تبدلت كلياً. على الرغم من أنها حجرة بكل تفاصيلها وكما تركها يومها بالضبط. لم يتغير موضع حذاء أو تحرك كتاب على مكتبه.
لكن.. لكن ماذا.. تقدم للفراش. فراشه الذي احتضن جسدها. مد كفه يتحسسه في وله عجيب. حتى أنه انتفض لمجرى أفكاره وخواطره.
هم بمعاودة لمس الفراش لتدخل أمه هاتفة به:
يا نادر.. أطلع أغير لك ملاية السرير وغطاه. وأنضف لك الأوضة قبل ما تنام فيها.
هتف نادر وهو يولي أمه ظهره متشاغلاً عنها. محاولاً السيطرة على نبرة صوته. وكذا استيعاب تلك التغيرات المريبة التي يستشعر حدوثها مسببة فوضى غير مستساغة بداخله:
طب استني يا ماما.. أنا أصلاً هلبس ونازل. وخدي راحتك.
هتفت شيماء مؤكدة:
طب تمام.. ناديني وأنت نازل بقى.
أومأ برأسه إيجاباً وما أن رحلت أمه حتى أغلق الباب خلفها وتوجه نحو خزانة الملابس مبدلاً ملابسه في عجالة. فقد كان على يقين أن أمر ما يحدث له بهذه الغرفة وعليه الرحيل منها وعدم العودة إلا بعد أن تزيح أمه كل أثر لها. وخاصة ذاك الأثر الذي تركته على فراشه. وقعت عيناه على الفراش من جديد ليكتشف شيئاً ما خافت اللمعان بين طيات الغطاء.
تقدم ماداً كفه نحوه رافعاً إياه أمام ناظريه وقد زم ما بين حاجبيه يتذكر. أين رأى هذا العقد الرخيص من قبل!
كان عقد ذهبي أو كان كذلك قبل أن يتحول لذاك اللون الرمادي بعد أن فقد بريقه. يتدلى منه مجسم على شكل مصحف. يبدو أنه يحمل شيئاً ما بين ضلفتيه المنغلقتين بشدة.
تطلع للعقد في ريبة وهو على يقين أنه ملكها. فقرر أن يضعه بجيب سرواله حتى يعيده إليها إذا ما رآها في ذهابه أو إيابه.
اندفع من الحجرة كمن يطارده شبح ما. غير مدرك أنه يحمل التعويذة نفسها بجيبه. وما عاد هناك مفر من الهروب.
رواية زاد العمر وزواده الفصل التاسع 9 - بقلم رضوى جاويش
خرجت من الوحدة الصحية منهكة كليا في سبيلها للاستراحة. فقد أنهت لتوها بمساعدة الدكتورة سميحة ولادة كانت متعسرة منذ الصباح الباكر. وأخيراً منّ الله عليهن بالفرج، ووضعت المرأة طفلة جميلة.
كانت ابتسامة الراحة ترتسم على محياها وقد استشعرت أنها أبلت بلاء حسناً في القيام بواجبها على أكمل وجه يداً بيد مع الدكتورة سميحة، التي اعترفت بنفسها أن لها الفضل الأول بعد الله في قيام هذه المرأة سالمة وطفلتها.
ما أن خطت خطوتين في اتجاه ذاك الطريق الترابي الطويل في اتجاه الاستراحة حتى ظهر سامر مبتسماً في بشاشة:
"السلام عليكم. أزيك يا دكتورة؟ النجع منور بوجودك."
ابتسمت بدورها في دبلوماسية:
"الحمد لله يا باشمهندس. منور بأصحابه."
هتف مازحاً:
"يعني أطلع أنا منها؟"
لم تعِ ما يقصد حتى هتف مؤكداً:
"طب أنا مش من أصحابه يا دكتورة. أنا من قرايب أصحابه ينفع."
تنبهت أنه يقصد أنه ليس من سكان النجع وإنما من زائريه مثلها، مجرد ضيف على أصحاب دار السليمانية.
وتعجبت كيف يكون سامر بكل بشاشته تلك صديق ذاك العابس الذي تعتقد أنه لو ابتسم لتشقق وجهه من شدة عبوسه.
كان سامر يسير جوارها يصحبها حتى الاستراحة. لم تكن تول الأمر اهتماماً، بل كان عقلها مشغولاً بشخص آخر. والذي ظهر كأنما استدعاه خاطرها، ليظهر أمامهما متطلعاً إليهما في حنق.
هتف رائف ممتعضاً موجهاً حديثه لها:
"يا دكتورة إحنا هنا في نجع، مش ماشيين على كورنيش النيل؟ المكان هنا ليه نظام لازم ناخد بالنا منه. أنتِ جاية فشغل مش عشان نتسامر. ولا إيه يا سامر؟"
هتف بسؤاله الأخير موجهاً حديثه نحو سامر الذي تصلب موضعه مبهوتاً من هجوم رائف غير المبرر عليهما بهذا الشكل. لكن نوارة ما كان لها أن تصمت وهي تراه يتجاوز معها في الحديث بهذا الشكل. لذا هتفت في حنق وبلهجة رسمية ونبرة حادة:
"حضرتك ملكش تقولي أعمل إيه ومعملش إيه! ده لا يخصك. ولا ليك معايا كلام فيه من أساسه. الوحيدة اللي لها الحق ده هي الدكتورة سميحة. وكمان في حدود شغلي معاها وبس. أما فيما يخص الباشمهندس سامر، إذا كان عادي معاه طريقة التعامل دي فده يخصه. ويمكن تكون الجرابة اللي ما بينكم تخليه يسامح. لكن أنا مش ملزمة إني اتجبلها لأي سبب. عن إذنك."
اندفعت نوارة مبتعدة عن موضعهما وما أن وصلت للاستراحة التي كانت على بعد عدة خطوات مغلقة بابها خلفها بعنف حتى تطلع سامر نحو رائف ممسكاً ضحكات متشفية كادت أن تنطلق من حلقه عندما حامت تلك النظرة القاتمة على محيا رائف والأشبه بنظرة سفاح قبل ارتكابه جريمته بلحظات معدودة. ما دفعه لينطلق مبتعداً، تاركاً رائف يتطلع نحو الاستراحة التي يدرك تماماً أن قاطنتها النارية الطبع لن تمرر الأمر مرور الكرام. بل ربما يصل إلى مسامع والدته، وهو يحاول أن يتجنب حدوث ذلك. لا يعرف لما، لكنه لا يحب أن يصل لوالدته ما يجري من معارك باردة بينهما.
تنهد في ضيق وهو لا يدرك لمَ يفعل ذلك؟ لما هذه العدائية الشديدة في تعامله معها؟
منذ تلك الليلة التي تشبثت فيها بأحضانه ذعراً، وفي عتمة الأجواء، أضاء داخله قبس من سراج لفرحة مشوبة بالقلق. لا يعلم لم الفرحة؟ ولا يدرك على ماذا القلق؟ لكنه يستشعرهما بقوة منذ هذه الليلة، وخاصة وهي بقربه، أو بالأخص كلما تعمد قربها. عليه أن يعترف أن هذه النوارة، أنارت بمحياها دروب البهجة بمدن روحه المقفرة منذ سنوات طوال. وعطرها الذي كان أنيسه على الثوب المعار لها، ذاك قصة أخرى.
سار بقدم متثاقلة بعد اعترافه بهذه الحقائق دفعة واحدة حتى توقف أمام باب الاستراحة وما أن هم بطرقه حتى فتحت هي في عنف. تطلعت إليه لبرهة قبل أن تندفع للخارج وهي تحمل حقيبة يدها ومعطفها الأبيض.
هتف بها متسائلاً:
"على فين؟"
تجاهلته وهي تمر الجسر الخشبي في هدوء، فتجربة واحدة للسقوط كفيلة بجعلها تنتبه قبل أن تخطو خطواتها عليه. تعقبها مستطرداً:
"عربيتك لسه موصلتش؟"
أكدت وقد عبرت الجسر بسلام تمد الخطى متجاهلة الوقوف والنظر إليه لتحادثه. بل إنه ظل كمن يعدو خلفها وهي تهتف في ثقة:
"هاخد أي عربية من ع الطريج، مهياش حكاية يعني."
قطع عدة خطوات دفعة واحدة ليسبقها معترضاً طريقها هاتفا:
"مش هيحصل. هتستني عربيتك يا إما هوصلك أنا."
توقفت تتطلع إليه بنظرات نارية هاتفة في هدوء مريب:
"ده أمر.. ولا إيه بالظبط؟!"
تنهد مؤكداً:
"لاه يا دكتورة مش أمر. اعتبريه رجاء. مينفعش تاخدي أي عربية من ع الطريج الساعة دي. أنتِ تعتبري أمانة."
هتفت في حنق مندفعة في طريقها:
"محدش أمنك عليا يا رائف بيه. وأنا أجدر أحمي نفسي كويس. عن إذنك."
اندفعت عنه مبتعدة. كان يعلم أن هذه الرأس المتحجرة لن تلين، لذا تركها مندفعاً ليحضر سيارته لاحقاً بها.
وما أن خرج للطريق باحثاً عنها حتى أبصرها تركب سيارتها التي وصل بها عبدالباسط منذ لحظات.
ضرب على المقود في غضب فهو يعلم تماماً أنها قد لا تعود بعد فعلته المتهورة. ما الذي دفعه لهذه الحماقة؟ هو لا يدري. كل ما كان يدركه لحظة أن رآها تسير في أريحية جوار سامر أن شيئاً ما أطبق على أنفاسه. ولم يهنأ إلا بعد أن أطلق سهام حنقه في وجهيهما ليورثه ذلك ندماً وقلقاً على رد فعلها وموقفها حيال الأمر. هل تراها تعود؟ عليه أن ينتظر، ليرى.
تطلعت للمبرد. كان على الرغم من امتلائه بعد أن استهلكت بعض ما كان به طوال الفترة الماضية، لكنها ما زالت تستشعر عدم الأمان. لقد ملأ المعلم خميس وعمها ناصر المبرد والبيت بكل ما قد تحتاجه ووجدت كل ما هي بحاجة إليه متوفراً دون أن تطلب.
كانا على علم أنها لن يكون بمقدورها النزول وفتح ورشة أبيها بعد وفاته بأيام. لكن يبدو أن حتى رفاهية الحزن ما عادت تملكها، وعليها الخروج من تلك الشرنقة التي اصطنعتها لنفسها الفترة المنصرمة.
مدت كفها تتناول جوالها القديم ودقت على رقم ما هتفت به ما أن رد صاحبه:
"محروس. أنا نازلة أفتح الورشة دلوقتي. هتكون معايا ولا أدور على عمال تاني؟"
هتف محروس بحماسة:
"لا يا ست الكل معاكِ طبعاً. خلينا نرد شوية من جمايل الأسطى سالم علينا. الله يرحمه."
أكدت في نبرة حازمة:
"طيب. أنا نازلة أفتح الورشة وهستناك. ولو قدرت تجيب معاك عامل ولا اتنين يبقى كتر خيرك. عندنا شغل متأخر كويس إن أصحابه صبروا عليه لما عرفوا بالظروف ومش عايزين نقصر معاهم."
هتف محروس:
"ربنا يسهل واقدر أجيب حد يساعد. ومتقلقيش بعون الله سداد."
هتفت في نبرة رسمية:
"تسلم يا محروس. ده العشم برضه. ياللاه متتأخرش. سلام."
أنهت مكالمتها مع محروس ووضعت غطاء رأسها على عباءتها السوداء ومدت كفها تتناول مفتاح الورشة.
تنبه ناصر لها وهي بطريقها لورشة أبيها فهتف بها متعجباً:
"على فين يا حُسن؟"
فتحت باب الورشة بالفعل وردت على ناصر:
"بفتح ورشة أبويا يا اسطى. فيه شغل متعطل ولازم يخلص."
تقدم منها ناصر هاتفا:
"اقعدي معززة مكرمة فبيتك ونجيب عمال يخلصوا الشغل بدل وقفتك وسطهم. وبعدين.. هو إحنا قصرنا معاكِ فحاجة؟"
ابتسمت حُسن في شجن:
"لا والله ما قصرتوا أبداً. بس لحد أمتى؟ كتر خيركم على كده. ومتقلقش يا أسطى. أنا بميت راجل. أخلص بس الطلبية اللي كان المفروض يسلمها المرحوم وبعدين أبقى أشوف الظروف."
تنهد ناصر ولم يعقب. لكن بداخله إعجاب لهذه الفتاة التي تقف بكل تلك العزة والكبرياء، رافضة أن يمد لها يد العون شفقة على حالها. عاد ناصر لورشته.
لتعاود حُسن ترتيب بعض الأمور داخل ورشة أبيها لحين وصول محروس وبدء العمل الذي تشربت أسراره من كثرة مخالطتها لأبيها في أوقات عمله.
تنبهت أن القهوة ما زالت تبث آيات القرآن الكريم احتراماً لرحيلها الغالي. فاندفعت باتجاهها تطلب كوباً من الشاي وتلقي التحية على المعلم خميس. الذي استقبلها في ترحاب متعجباً وهي تمد كفها تحول قناة المذياع هاتفة:
"ما تفتح لنا حاجة يا معلم. سلطن الزباين."
تطلع لها هاتفا:
"ليه كده يا حُسن. برضو الأصول عشان أبوكِ."
هتفت حُسن مقاطعة:
"أديك قلت أبوكِ. وبعدين القرآن عايز اللي يسمع له يا معلم. والزباين جايين يفرفشوا بكلام ولعب طاولة. يعني الأغاني أحسن."
تنهد خميس وقد اقتنع بوجهة نظرها وما أن همت بإلقاء التحية متجهة من جديد نحو ورشتها حتى اصطدمت بنادر وهو في طريقه لداخل القهوة مهرولاً.
تراجع خطوات متطلعاً نحوها. كانت المرة الأولى التي يراها فيها منذ فترة. تقريباً منذ تركت حجرته لدار أبيها.
ما الذي يعتريه اللحظة ليقف هكذا كالمصلوب لا ينطق بحرف في حضرتها!
تحركت هي مندفعة في اتجاه الورشة التي وصلتها تحاول التشاغل عن مشاعرها المبعثرة كحبات العقد التي انفرط عقالها.
وخاصة وهو يقف كالمشدوه هناك وتلك الأغنية لصباح تنساب كلماتها فيما بينهما، متواطئة لفضح مشاعرها وتعريتها أمام ناظري قلبه. لعله يدرك:
"عاشقة وغلبانة والنبي.. عاشقة وتعبانة والنبي.. مقدرش أفوته والنبي.. ده أنا كل حتة فتوبي.. دايبة.. دايبة.. دايبة فهوى محبوبي.."
مدت كفها لبعض الأدوات وأدعت العمل على بعض القطع. ولم تشعر إلا والدموع تنساب رغماً عنها. فقد نكأت كلمات الأغنية جرحاً حياً لن يندمل ما حيت. محدثه يقف هناك يتطلع إلى حيث موضعها. ولا يحرك ساكناً.
وصل حازم وتسبيح وبدور لسراي الهوارية ليستقبلهم الجميع بالترحاب. كان لابد لهم من القدوم لحضور عقد قران زهرة. وكذا حمزة وفريدة مع اعتذار هدير لتظل مع أبوها زكريا. فلم يكن عليه من السهل الحضور كل هذه المسافة. مع وعد بالحضور عند تحديد موعد الزفاف.
اجتمع الفتيات في حجرة سجود ونوارة والعروس زهرة التي كانت متزينة على أجمل ما يكون، تشع بهاء وسعادة.
اندفعت بدور توصل هاتفها بإحدى السماعات المكبرة للصوت وضغطت على إحدى الأغاني هاتفة في حماسة:
"إيه احنا هنقعد كده ولا إيه؟ ياللاه انتِ وهيا. عايزين نخلي العروسة تحرم تجيبنا في فرحها."
انفجرت البنات ضاحكات. لتندفع بدور جاذبة شالاً تزمه حول خصرها لتبدأ في التمايل والفتيات يصفقن في جزال.
هتفت فريدة مشجعة:
"لسه مفقدتيش مهاراتك يا بدور. والتطور واضح."
قهقهت الفتيات على تعليق فريدة العملي بشكل ساخر. تعليق يصلح لجو المكاتب، أكثر من كونه تعليقاً على رقصة.
جذبتها بدور لتشاركها لكنها تمنعت في خجل مكتفية بالتصفيق. بينما نهضت سهام لتبدأ الحجرة في الاشتعال حماسة لنزول منافس لبدور لا يقل مهارة عنها.
حاولت سهام جذب سمية لتشاركهن لكنها هتفت لسهام:
"أنتِ بتهزري. أرقص إيه! والله الشيخ مؤمن لو عرف ليقطع رجبتي."
أكدت سجود مطمئنة:
"ومين هيروح يجول له يعني؟ احنا بنات في بعضنا. ياللاه جومي."
اضطربت سمية تهز رأسها رفضاً إلا أن بدور كانت الأسبق على جذبها بعد أن شعرت بالتعب وقررت استبدالها بأخرى حتى تظل حلبة الرقص عامرة.
شهقت سمية في خجل وهي تقف أمام الفتيات المشجعات بالتصفيق لها. وسجود اندفعت تضع شالاً حول خصرها لتبدأ في التمايل على استحياء، حتى زال الخجل رويداً، لتظهر مواهبها الدفينة التي أبهرت الجميع. ما جعل الفتيات يعلقن في تعجب:
"وتجولي مبتعرفيش؟ أه منك."
تطلعت نوارة نحو دعاء التي كانت تجلس في أحد المواضع في عزلة هاتفة بها:
"إيه يا دعاء؟ مش ناوية تيجي ولا إيه؟"
ابتسمت دعاء في هدوء مؤكدة:
"أجي فين يا دكتورة؟ خلي اليوم يعدي على خير. السرايا قديمة متستحملش الزلزال اللي أنا هعمله لو فكرت أهز لي هزتين."
قهقهت البنات على تعليق دعاء التي شاركتهن الضحك في تسامح مع النفس لتؤكد عليها زهرة في رجاء:
"يالاه يا دعاء. ورينا المواهب بقى. مفيش واحدة هاتخرج من هنا من غير ما ترقص."
تنهدت دعاء وهي تنهض متجهة لوسط الدائرة التي صنعتها البنات لمجلسهن وهتفت ساخرة وسمية تمد لها يدها بالشال الذي كانت تضعه حول خصرها:
"شال إيه اللي انتوا جايبنهولي ده؟ أنا عايزة ملاية أربطها على وسط البلد ده."
قهقهت الفتيات على مزاحها وهي تربط أحد الشالات على خصرها الممتلئ وصدحت الموسيقى التي اختارتها، وبدأ السحر.
شهقت الفتيات ما أن بدأت دعاء رغم جسدها الممتلئ بالنسبة لبعضهن في التمايل برشاقة على أنغام الموسيقى. ارتفعت حماستهن وعلا تصفيقهن. وهتفت بدور مبدية إعجابها مازحة:
"أيوه يا دوعة يا جامد يا قوي."
علت ضحكات البنات. إلا أن نوارة مالت نحو سجود هاتفة:
"أنا رايحة أطل على عاصم أشوفه خلص تجهيز شنطته لسفره النهاردة. يمكن يكون عايز مساعدة. وأمك مشغولة فالتحضير للكتاب مع باقي الستات تحت."
هزت سجود رأسها متفهمة وهي مندمجة مع رقص الفتيات تصفق في استمتاع ولم تدرك إحداهن أن سمية كانت بالقرب حتى أنها سمعت كلامهن. لتنهض وقد استشعرت دواراً عجيباً يكتنف قلبها.
متى قرر السفر؟ ولما لم تدرك إلا اللحظة مصادفة؟ وهل كان سيسافر دون أن تودعه حتى؟ لم يا عاصم؟
نهضت تستأذن في هدوء لا يتفق مع ذاك الوجع الذي يمور داخلها كبركان.
ما أن خرجت من الغرفة حتى انسابت دموعها رغماً عنها وهي في سبيلها للرحيل إلا أن القدر كان رحيماً بها لتلتقيه وجهاً لوجه وهو في سبيله لحجرته لإعداد حقيبة سفره وإلقاء نظرة أخيرة على محتوياتها. هتف ما أن رآها:
"ازيك يا سمية؟ مالك. إيه في؟ في حد زعلك؟"
هزت رأسها نفياً. لكن ما أن رفعت ناظريها نحوه حتى زاد نحيبها واندفعت هاربة من أمامه. حتى أنه تعجب مما فعلت. لكنه لم يلق للأمر بالاً. وتوجه نحو حجرته يحاول أن يتجاهل ذاك المرح القادم من داخل غرفتها.
جلس أمام حاسوبه وبدأ في الكتابة بقلبه قبل أصابعه تلك المشاعر التي يجيش بها صدره اللحظة:
"في الصدر فؤاد يحترق قهراً.. حبك ونبضه بعضاً من هشيمه المتطاير." وزيله شيخ العاشقين. إلا أنه وقبل أن يضغط زر النشر انتفض فجأة ما أن اندفعت أخته نوارة لداخل حجرته ليزعق في سخط معاتباً:
"حد يدخل كِده من غير استئذان يا دكتورة!"
هتفت به نوارة في حنق:
"استئذان! اومال الخبط اللي كان ع الباب ده ومردتش كان إيه؟ ده أنا اتخضيت عليك والله."
هتف وقد هدأت حدة نبرته:
"حصل خير. كنت سرحان شوية."
هتفت نوارة تحاول أن تخفي تأثرها برحيله:
"ظبطت شنتطك ولا محتاج مساعدة؟"
هتف عاصم مؤكداً:
"كله تمام يا دكتورة."
"المهم.. أنا عايز أوصيك على جدي. خدي بالك منيه يا نوارة. وأي حاجة جوليلي. أوعي تخبي عليا."
هتفت نوارة في هدوء:
"حاضر يا شيخ عاصم. بس أنت خلي بالك من نفسك. وحاول تنسى يا عاصم. خلاص مبقتش بتاعتك. ولا ليك."
تنبه عاصم نحوها منتفضاً هاتفا في اضطراب:
"أنتِ قصدك إيه؟"
تنهدت نوارة. تلك التي لم تكن تعطي بالاً لمشاعر الهوى. مؤكدة في شجن:
"أنت عارف أنا قصد مين يا عاصم."
ومدت كفها لحاسوبه الذي أمال شاشته قليلاً عندما اندفعت للحجرة مشيرة نحو كلماته على شاشة الحاسوب والتي لم يكن قد نشرها بعد. هاتفة:
"ده اللي قصدته يا شيخ العاشقين."
اضطرب عاصم. لتستطرد هي مقتربة من أخيها رابتة على صدره في حنو. هامسة:
"محدش يعرف غيري. يوم ما استلفت منك اللاب مكنتش غادرت الصفحة وشفتها. ربنا يعينك على جلبك."
ابتسم عاصم هاتفا في شجن:
"ومن متى ليك في حكاوي الجلوب يا نوارة؟"
همست نوارة في شجن مماثل:
"نوارة لها جلب يا عاصم. بس عمري ما هخليه يتحكم فيا. عارفة إنه مش بيدنا. بس أنا هخليه في يدي."
هتف عاصم متحسراً:
"يا ريت نقدر. مكنش حد غلب."
وابتسم منهياً حوار الشجن هاتفا:
"ربنا يبعت لك واد الحلال اللي يستاهل جلبك. وربنا يعينه."
قال كلمته الأخيرة مازحاً لتتطلع إليه نوارة بنظرة حانقة قبل أن تنفجر ضاحكة.
غادرت الغرفة تاركة إياه ليعود أمام حاسوبه من جديد. ضاغطاً زر النشر متطلعاً لصفحة الحاسوب وقد انكشف سره.
مر النهار وهم على ما هم عليه داخل أرض جده الزراعية التي قرر الاعتناء بها بعد كثير من الإهمال واستغلال المستأجرين بلا عائد مادي يذكر.
اعتدل من انحنائه يمسح قطرات العرق المنسابة على جبينه. ليتنبه لسماحة الذي كان يتجادل مع رجل ما يبصره على البعد.
اندفع في اتجاه موضعهما مقترباً. وما أن أصبح على وشك الوصول هتف بسماحة في تعجب:
"إيه في؟"
توقف كلاهما مع وصول يونس ليهتف سماحة في حنق:
"البيه عايز ياخد المية لحاله كأن مفيش حد غيره عيسقي زرعته غيره."
هتف الرجل في محاولة للتبرير:
"ده دورنا فالريّة. انت بتجول شكل للبيع ولا إيه؟"
هتف يونس في مهادنة:
"خلاص. فضيناها."
وقاطعه سماحة حانقاً:
"فضيناها كيف يا بيه؟ م.."
هتف يونس يقاطعه في حزم:
"خلصنا. فضيناها. ياخد دوره ونبقى احنا نروي وراه."
وأشار يونس للرجل في هدوء:
"روح يا واد عمي شوف حالك. وخلينا نشوفوا حالنا."
هتف الرجل ممتناً وهو ينظر في استعلاء لسماحة:
"تسلم يا يونس بيه."
اندفع الرجل راحلاً يراعي مصالحه تاركاً سماحة يغلي غضباً وهو يضرب وجه الأرض بفأسه دون أن يولي يونس اهتماماً ما دفع يونس ليهتف مستفسراً:
"هو إيه في؟ من ميتا لينا فالعراك ووجع الراس يا سماحة؟"
اعتدل سماحة حانقاً:
"إلا مع ولاد المحروج دول."
هتف يونس مستفسراً:
"ليه؟ ده أنت بتتكلم كأن بينك وبينهم تار."
اضطرب سماحة مؤكداً:
"لاه. تار إيه يا بيه لا سمح الله!! بس ولاد ناجح دول. ضلالية وياكلوا مال النبي."
ابتسم يونس هاتفا:
"وانت ايش عرفك؟"
أكد سماحة:
"يعني هعرف منين يا بيه؟ أهي الناس بتجول. وكلمة من هنا على كلمة من هناك. أهو بنعرف اللي فيها."
أكد يونس:
"متخدش في بالك من كلام الناس. الناس مبتبطلش كلام من أساسه. ياللاه شد حيلك خلينا نرجعوا. أنا جعت وشكل الخالة سعيدة عملالنا طبخة زينة ترم البدن."
ابتسم سماحة مؤكداً:
"معلوم يا بيه. ده هي متوصية ع الآخر. بالهنا والشفا."
تنبه سماحة أنه لم يطلب طاجن السمك بالفريك منذ آخر مرة تناوله. فهتف به مستفسراً:
"متوحشتش طاجن السمك يا بيه؟!"
قهقه يونس:
"إن جيت للحج يا سماحة. اتوحشته جوي."
أكد سماحة بنبرة متحسرة:
"كان علاجي لأمي ملوش عازة!!"
أكد يونس مقهقها:
"تصدق نفع."
هتف سماحة في انشراح:
"وااه. بتجول الحج يا بيه؟"
أكد يونس في هدوء:
"بجالي فترة في حالة غريبة. لا عارف ده كويس ولا لاه. بس اللي بجي فارق معايا مش إنها رفضتني. اللي فارق بجد هي رفضتني ليه؟ بس لما قعدت أفكر شوية جلت لنفسي مهما كان السبب. هو إن ربنا مش رايدها من نصيبي. جلبي وجعني آه منكرش. لكن اللي حاسة دلوجت إن خلاص أنا.."
صمت ساد لبرهة قبل أن يستطرد مؤكداً:
"مش عارف أنا إيه؟ بس أنا أحسن يا سماحة. أحسن بكتير. الظاهر طاجن الخالة سعيدة له العجب."
انشرح سماحة ولم يعقب بحرف ليهتف به يونس:
"يالاه بينا. العتمة داخلة. خلينا نرجعوا نشوفوا حالنا. وأكل الخالة سعيدة اللي ريحته واصلة لحد هنا."
اتسعت ابتسامة سماحة منحنياً يلتقط فأسه سائراً خلف يونس الذي اندفع في اتجاه دار جده.
كانت قدومها إلى النجع فكرة موفقة. على الأقل ابتعدت قليلاً عن كل تلك الأماكن التي تراه بها ولا يمكنها أن تقربه. فما عادت كرامتها تحتمل مثل هذا التجاهل من قبله. فليكن. حتى ولو كان هذا من أجل صالحها لكن ليس بهذا الشكل القاسي والعديم اللياقة. إشعارها أنها هي التي تركض خلفه جعلها تشتعل حنقاً. فلم يخلق بعد من هو قادر على كسر كبريائها أو جعلها تتذلل من أجل علاقة لا رغبة له فيها.
حتى عندما قررت هي إظهار عدم الاهتمام، اختفى هو في ظروف غامضة. لا تعلم أين تراه يكون. ما اضطرها لتسأل صديقتها لتستفسر من خطيبها عنه. لتدرك أخيراً أنه في إجازة.
سارت بمحاذاة الترعة التي كانت تقطع النجع من أوله حتى أخره. ولامت نفسها أنها تفكر فيه من الأساس. فهي هنا لكي تنسى كل ما يتعلق به.
لكن عاودها التفكير فيه من جديد قسراً. لماذا ظهر بحياتي؟ هكذا تساءلت. كانت بالمنصورة على وشك التخرج. لما انتقلت للقاهرة كي تقابله بعد كل هذه السنوات؟ هاجس ما بداخلها يخبر أن قدر ما قد يجمعهما. لكن كيف لذلك أن يحدث وهو يدفع بها بعيداً عن طريقه؟ أي قدر ذاك الذي يمكن أن يجمع شخصين لا يتقاطع طريقهما؟
تنبهت لحركة قريبة. اعتقدت أنها أحد الحيوانات المربوط بحكم العادة لإحدى الأشجار. لكن فجأة ظهر أمامها ذاك الفرس الذي توقف قبالتها نافراً في قوة محركاً رأسه الضخم لتتراقص غرته لتفزع هي معتقدة أنه يستعد لمهاجمتها فانتفضت في ذعر تركض مبتعدة. لكنه لم يدعها بل استمر في الركض خلفها، لتبدأ من سرعتها. ترغب في الصراخ أو النداء على أحدهم لإنقاذها لكن بلا جدوى. فصوتها محشور بحنجرتها ولا سبيل لديها إلا الركض كالمجذوبة التي يتعقبها أطفال القرية بالحجارة والضحكات الساخرة.
وصلت أخيراً لذاك السور المنخفض واندفعت من شق طولي به لداخل تلك الأرض التي تحيط بدار ما. وقفت تلتقط أنفاسها في تتابع محموم معتقدة أن ذاك الوحش قد تاه عن طريقها وما عاد يركض بأعقابها لكنها كانت مخطئة فها هو وقد علم مكانها وتسلل مثلها من ذاك الشق الطولي وكأن أحدهم يخبره بموضع اختبائها.
ركضت من جديد بلا هدى.
لكنها فجأة اصطدمت بأحدهم لتشهق في ذعر. رفعت رأسها للحظة محاولة الاعتذار عن اقتحامها باحة المنزل بهذا الشكل وكذا تقديم العذر المناسب لذلك وهو تعقب ذاك الفرس الجامح لها. لكنها شهقت من جديد في صدمة أكبر ما أن وجدت ذاك الذي كان يحتل مخيلتها منذ دقائق كما احتل أحلامها في منامها وتفكيرها في يقظتها.
هتفت في نبرة متقطعة:
"منتصر!!"
تطلع إليها في وجل ونظراته تحمل مشاعر مختلطة معجونة بشوق هائل لها.
انفجرت باكية فجأة لا تعلم ما دهاها لتبكي هكذا بهذا الشكل المقهور ما أن وقعت عيناها على محياه! نحيبها علا وجبينها مستند على قائم صدره. كأنما لو ابتعدت لحظة لسقطت من فورها. كانت ذراعاه متصلبة جوار جسده لكنه في لحظة ضعف رفعها قليلاً رغبة في ضمها إليه موقناً أنه ما عاد قادراً على تجاهل مشاعره التي تفتك به منذ قابلها من جديد. كان يحاول التباعد قسراً لكن قلبه وروحه التي تهفو إليها كان لهما رأياً آخر مغايراً تماماً عن صوت تعقله الذي جعله يخفض كفيه لتستقر على جانبي جسده من جديد.
همس محاولاً بكلماته إبعادها عن صدره الذي حفر جبينها فيه دروباً من أزهار وحنة:
"يعني يا ربي سبتلها القاهرة بحالها عشان أهرب منها ألاقيها محصلاني على هنا!؟ طب أهرب منها أروح على فين بس!؟"
أبعدت جبينها في هدوء ورفعت عيونها الدامعة نحوه فترنح قلبه كالسكير أمام سطوة الدمع ولم يشعر إلا وهو يمد كفه التي استطاع السيطرة عليها سابقاً لكنها خذلته هذه المرة لتمسح خط الدمع الذي شق دروب الخد الوردي. لتهمس هي بصوت متشنج مرتبك الأحرف:
"سبت القاهرة بسببي؟ للدرجة دي مش ط.."
هتف في شوق مقاطعاً:
"وحشتيني."
شهقت ولم تعقب بحرف ليستطرد:
"جيت هنا عشان أصبر نفسي. بس خلاص مبقاش عندي طاقة أبعد."
همست في صدمة:
"هااا.."
أكد في نبرة أنبأتها بمكنونات قلبه:
"بحبك يا بدور."
هتفت في صدمة أكبر:
"أنا! بتحبني أنا؟"
أكد مبتسماً وعيناه لا تفارق محياها المصدوم:
"أيوه أنتِ يا غلباوية. طلعتي عيني ووجعتي قلبي."
هتفت من جديد غير مصدقة:
"أنا! أنت بتهزر صح؟!"
قهقه متسائلاً:
"هو سيادة العقيد معاكِ هنا مش كده؟"
هزت رأسها في تيه مؤكدة. ليستطرد مؤكداً:
"طب أنا هعدي عليه بكرة بإذن الله."
هتفت مستوضحة في بلاهة:
"ليه؟"
ابتسم هاتفا في سخرية:
"تفتكري ليه؟ عنده واحدة مجنونة عايز أخلصه منها وأبتلي نفسي بها."
شهقت في فرحة ليهتف متطلعاً إليها في عشق:
"تفتكري توافق؟"
تطلعت إليه ولم تعد تدري يمنها من يسراها فما كان منها إلا الاندفاع هاربة تعود أدراجها بعد أن اختفى الفرس الأشهب الذي كان يتعقبها والذي تمنت اللحظة لو توسع عناقاً وقبلات لأنه كان السبب في هذا اللقاء الذي جعلها تطير اللحظة على السحاب سعادة. فغداً.. سيأتي إليهم لخطبتها. غداً يوم تحقيق الأحلام. تنهدت في فرحة غامرة وهي تضع كفها على صدرها تربت في حنو على ذاك القلب الذي يكاد يقفز من بين الضلوع فرحاً. ليهدأ ويستكين حتى تحين لحظات السعادة الحقة بقربه أخيراً.
تعالت الزغاريد تضج بها جدران سراي الهوارية فقد تم عقد القران لتصبح زهرة شرعاً وقانوناً حرم الدكتور محمد عزام. ارتفعت الأصوات بالتهنئة مصاحبة لمزيد من الزغاريد. وتاهت بين هذه وتلك آهاته وأوجاعه وهو يتطلع إليهما اللحظة. تجلس هي جوار زوجها في فرحة لا يمكن أن تصفها أحرف الكلم. حتى هو.. محمد زوجها كان رغم وقاره لا يستطيع إخفاء فرحته بالمثل. إنه لا يلومه. وكيف ذلك وقد أضحى زوج تلك التي كانت ومازالت بمثابة حبة العين وشغاف القلب!! لقد امتلك الغالية والنفيسة وفاز بالزهرة الندية. هنيئاً له. وتعساً لي.
تسلل في هدوء صاعداً لحجرته يتمم على أغراضه ويتأكد من جاهزية حقائبه. يفعل ذلك في آلية وتيه تام لا يدرك ماذا وضع داخلها أو ماذا خفف عنها.
فما عاد يهمه من الأساس. تحدوه الرغبة في تلك اللحظة إلى ترك كل شيء خلفه حتى حقائب الهم تلك. والرحيل خال الوفاض حتى من ذاكرة وجيعته. لكنه يعلم أنه حتى لو ترك حقائب الأغراض فمن يزيل عن كتفيه حقائب الوجع التي تنقض ظهر عزمه!!
لا يعلم كم غاب بحجرته لكن هذا الصخب بالأسفل قد قل زخمه فقرر استطلاع الأمر قبل أن يودع الجميع راحلاً. هبط الدرج في هدوء متطلعاً حوله ليجد أمه تجلس بجوار عمته سندس.
هتف متسائلاً:
"هم الناس مشوا بسرعة كده؟"
غام وجه تسنيم وهي ترى ولدها مستشعرة قرب رحيله عنها دون أن تنطق بحرف لتهتف سندس في أريحية:
"اه يا سيدي. العريس صمم ياخد العروسة وأبوها وأمها وباقي البنات. جال إيه.. عازمهم بره. خليه يتغرم بقى. إحنا عملنا اللي علينا ودبحنا وقدمنا الأكل للناس بره. ياللاه.. عريس بقى وعايز يفرح عروسته. عجبالك يا عاصم."
تطلعت تسنيم لملامح وجه ولدها الجامدة التي لا تشِ بذاك الصراع الذي يفتك به وهز رأسه في امتنان لعمته وسأل في هدوء قاتل:
"فين جدي؟"
همست تسنيم أخيراً مشيرة لباب القاعة المتطرفة بعيداً عن ضجيج الحفل:
"هناك فالقاعة الجبلية يا عاصم. روحله يا حبيبي."
هز عاصم رأسه في طاعة وتحرك في آلية باتجاه القاعة التي فتح بابها ودلف لداخلها ليجد جده يجلس متطلعاً من نافذتها التي تكاد تصل حافتها السفلية للأرض.
وقف عاصم في صمت مهيب خلف مقعد جده المدولب يستمع لموسيقى ليل نجع الصالح الشجية التي تأتيه عبر أصوات جنادب الليل ونقيق الضفادع وتراقص سعف النخيل في إغراء وغواية لأنجم السماء القابعة بالأعلى والتي سيفتقدها بشدة.
وضع عاصم كفيه على كتفي جده المهدلين ليرفع الجد كفه المغضن رابتاً على أحدهما هامساً في وجع:
"خلاص نويت يا عاصم!!"
همس عاصم:
"خلاص يا جدي."
هتف الجد محاولاً استبقائه للمرة الأخيرة:
"طب كان لازماً النهاردة يعني؟ ما تأجل سفرك كمان يومين."
هتف عاصم مؤكداً:
"والله ما بخطري يا جدي. الشركة اللي هشتغل فيها هي اللي حددت ميعاد السفر وحجزت وبعتت ليا التذاكر. يا دوب أسلم عليكم واخد طريقي للمطار. وربنا يسهل لنا."
ربت الجد على كف حفيده من جديد هامساً بشجن:
"تروح وترجع بالسلامة. ربنا يسلم لك طريقك يا ولدي."
حرك عاصم مقعد جده مبعداً إياه عن النافذة حتى لا يضر به هواء الليل الذي انتصف تقريباً وبدأت تشتد برودة نسائمه مسدلاً ستائرها متوجهاً به إلى حجرته.
كانت تسير بتلك الخطوة العسكرية كما أمرها أخوها ما أن أشرفت على دخول الشارع الرئيسي تحاول الهرولة بمشيتها حتى لا يعترضها أحد هؤلاء العاطلين المجتمعين على ذاك المقهى الأكثر حداثة من مقهى جدها. تنبهت أنه يتعقبها فتنفست الصعداء في غيظ فما عادت قادرة على تحمل المزيد من الحماقات وتقمصتها روح حُسن الثائرة لتنتفض مستديرة نحوه هاتفة بلهجة حاولت أن تودعها كل ثقتها هاتفة في حنق:
"كفاك بقى لحد كده. أنت متعبتش؟"
تطلع إليها ذاك الغريب متعجباً لا يدرك ما دهاها وهتف في ذهنه منشغل متجاهلاً حنقها:
"تعرفي فين حارة الشمندورة؟"
هتفت بحنق زادت وتيرته:
"لا ده أنت قاصدها بقى."
هتف بحدة مماثلة وقد تنبه لحديثها المحتد:
"إيه فيه؟ هو السؤال حُرم؟ خلاص بلاها."
واندفع باتجاه المقهى متسائلاً بصوت عالٍ بعض الشيء:
"السلام عليكم يا رجالة. فين حارة الشمندورة؟"
هتف صبي المقهى ساخراً وقد أبصر نعمة تقترب في اتجاههم لدخول الحارة:
"شمندورة إيه بس يا باشا!! ما القهوة دي أحسن من غيرها يا بلدينا."
توقفت نعمة في غيظ تتطلع لذاك الأحمق وقد تذكرت تحذيرات نادر بألا تثير المشاكل على أساس أنها قادرة على ذلك من الأصل. همت بالاندفاع مبتعدة إلا أن صبي المقهى هتف مغازلاً:
"الجميل زعل ولا إيه؟"
توقفت تبحث عن سبب لائق يدفعه ليخرس لسانه عنها. لكن كان ذاك الغريب الأسرع أمراً إياه:
"خليك معايا أنا وسيبك من الحريم."
هتف صبي المقهى مستفسراً:
"إيه هي تخصك ولا إيه؟"
هتف الغريب مؤكداً:
"أيوه تخصني. سيبها فحالها وخليك معايا."
لكن يبدو أن ذاك الغبي لم يكتف من حماقته هاتفا في سخرية متطلعاً نحو نعمة والتي كانت قد استدارت مغادرة بالفعل:
"وجايباه وراكِ كمان!!"
لم يعد بمقدورها الصمت على سخافات ذاك الحقير وهمت بالعودة والاندفاع نحوه تخرسه وليكن ما يكون. إلا أنها توقفت موضعها متطلعة إلى ذاك الغريب الذي انتفض ممسكاً بصبي المقهى في ثورة هادرة يهزه بقوة هاتفا:
"جايبة مين وراها يا عويل أنت؟ شكلك عايز تغير ديكور سحنتك البهية دي؟"
انتفض صاحب المقهى يلوذ عن صبيه هاتفا مهادناً:
"معلش يا بيه. عيل عبيط ميقصدش. أهدى بس وروق. تعالى أشرب لك حاجة تطري على قلبك."
دفع الغريب صبي المقهى باشمئزاز وهتف مؤكداً:
"معيزش أشرب حاجة. سألت سؤال. عندكم رد قولوا. فين حارة الشمندورة؟"
أشار صاحب المقهى مؤكداً:
"على طول وخد أول يمين هي دي حارة الشمندورة. بس أنت رايح لمين هناك؟"
لم يجبه الغريب بل حمل حقيبته التي تركها جانباً عند إمساكه في تلابيب الصبي مندفعاً يتخذ إشارات الطريق حتى تنبه أنها كانت تسبقه بخطوات. لم يعرها التفاتا محاولاً التركيز بطريقه عندما ظهر أحد الشباب منسلاً من جماعته التي كان أفرادها يفترشون مدخل الحارة ناشرين الفوضى والفساد. اقترب منها ذاك الشاب بصفاقة هامساً:
"مش ناوي تحن بقى يا جميل؟"
هتفت به نعمة في اضطراب:
"أنت حرمتش يا قدورة؟ شكلك نفسك فعلقة من إيدين نادر أخويا ترد لك عقلك زي كل مرة."
هتف قدورة وهو يمسك بذراعها في لهفة:
"بس استني بس. مال طبعك حامي كده؟"
جذبت ذراعها من كفه في غضب هادر وما أن همت برفع كفها لصفعه حتى توقف ذاك الغريب بينهما هاتفا في حمية:
"عنك يا ست البنات. معدمتيش الرجالة عشان متلاقيش اللي يربي النجس ده."
تراجعت نعمة خطوات للخلف في استغراب وهذا الغريب يلوذ عنها رافعاً كفه ليسقط على جانب وجه قدورة صافعاً إياه صفعة مدوية تردد صداها بالحارة كلها.
ساد الصمت مما أثار انتباه المعلم خميس من داخل قهوته لينهض من موضعه خلف البنك بثقل ليقف على أعتاب المقهى متسائلاً بصوت جهوري:
"فيه إيه؟ إيه اللي بيحصل؟"
استفاق قدورة من صدمة الصفعة التي تلقاها على يد ذاك المجهول مندفعاً يمسك بتلابيبه آخذاً بثأره إلا أن ظهور المعلم خميس لجمه.
اندفعت نعمة في اتجاه جدها تلوذ به بينما أنزل قدورة كفيه عن الغريب ناظراً إليه في غضب مكبوت يتوعده بنظراته المشتعلة.
تجاهله الغريب في لامبالاة متجهاً حيث كان يقف المعلم خميس متطلعاً للافتة المقهى متسائلاً:
"السلام عليكم يا معلم. ألاقي فين ورشة الأسطى ناصر خميس؟"
هتف خميس مؤكداً:
"خير يا بني. أنا أبوه."
هتف الغريب ماداً كفه محيياً في مودة:
"أهلاً يا معلم. أنا راضي الحناوي. اللي كلمكم عني سيادة العقيد حازم الهواري."
تطلع خميس إليه في تيه لحظة لكنه تذكر فجأة ما أخبره به ناصر. أن حازم أوصاه بأحد أقربائه سيأتي للتدرب على صيانة العربات بورشته. لابد وأنه هو. ما دفع خميس يهتف مرحباً:
"أهلاً.. أهلاً يا بني. شرفت. تعالى اتفضل."
كانت نعمة التي كانت ما تزال تراقب المشهد عن كثب. عيناها تتفحص ذاك الغريب الذي ظنت أنه يتبعها إلى هنا مغازلاً. ليصبح هو ملاكها الحارس حتى وصولها لمقهى جدها.
هتف خميس ما أن استقر راضي قبالته على أحد المقاعد موجهاً حديثه لنعمة:
"يا نعمة. روحي اندهي لأبوك. شوفيه فالورشة ولا فوق. قوليه راضي الحناوي قريب عمك حازم وصل وقاعد مع جدي ع القهوة."
هزت رأسها في أدب دون أن تنبس بحرف لكن عيونها ظلت معلقة بذاك الذي كان يجلس منكس الرأس في حياء وما رفع ناظره متطلعاً إليها وجدها يحادثها حتى. من يراه اللحظة وهو بكل هذا الحياء لا يمكن أن يتصور أنه من أثلج صدرها منذ دقائق بصوت لطمته المدوية على وجه قدورة. ويا لها من لطمة!!
رواية زاد العمر وزواده الفصل العاشر 10 - بقلم رضوى جاويش
دخل المعلم خميس شقته ليهتف بنعمة وكذا ناصر وشيماء الذين تحلقوا حول المائدة في انتظار وضع صحون العشاء:
إيه الدماغ دي!؟ حجر صوان.. والله ما فرق حاجة عن جده زكريا.. وعمه حمزة.. حتة دماغ صعيدي إيه!!.. ملهاش حل..
قهقت نعمة مؤكدة:
أه والله.. ما حد شاف زكريا ولا عاشره أدي.. من قبل جوازه ببدور الله يرحمها.. مكنش يقبل على نفسه لا لقمة ولا هدمة مدفعش تمنها لو هيموت من الجوع.. كانت نفسه عزيزة قووي..
أكد خميس:
أهو ده شرحه.. أقوله وأنا معدي ع الورشة.. تعالى يا راضي اتعشى معانا.. وده أبدا.. اجيبه يمين احلف شمال.. مفيش فايدة..
ابتسم ناصر مؤكدا:
الشهادة لله واد أخلاق وعينه مبتترفعش عن الأرض.. بيجلنا زباين حريم أشكال وألوان.. مرفعش عينه فواحدة فيهم.. دول حتى بيخافوا منه..
قهقت شوشو هاتفة:
ليه هياكلهم!!
أكد ناصر ضاحكا:
لا.. بس طريقة كلامه معاهم شديدة.. والنسوان عايزة ال..
هتفت شوشو تقاطعه في حنق:
عايزة إيه!
انفجر كل من نعمة وخميس في الضحك.. ليهتف خميس ساخرا:
جالك الموت يا تارك الصلاة..
هتف ناصر يحاول الخروج من المأذق الذي وضع نفسه فيه متصنعا الحنق:
يا بت يا نعمة.. فين العشا!!.. هو إحنا هنتسحر ولا إيه!؟..
هتفت نعمة من داخل المطبخ وقد تركت ما كانت تصنع تسترق السمع لحديثهم عن راضي في اهتمام:
حالا أهو يا بابا.. الأكل جاي..
وبدأت بالفعل في تحضير المائدة.. أكدت عليها أمها هاتفة:
روحي نادي على أخوكِ يطلع يتعشى.. وأنا هجيب باقي الأطباق..
اندفعت نعمة تضع غطاء رأسها بشكل عشوائي لتطل من الشرفة هاتفة تستدعي نادر.. لكن من ظهر من داخل الورشة كان راضي الذي رفع ناظره لثانية واحدة حتى يعلم من أين يأتيه النداء.. قبل أن يخفض ناظريه تأدبا هاتفا يبلغها:
نادر راح مشوار سريع وراچع.. خمس دجايج وأول ما يوصل هجوله يطلعلكم..
هتفت نعمة:
شكرا..
هز رأسه واندفع لداخل الورشة من جديد.. لتتطلع لموضع غيابه لبرهة قبل أن تعود للداخل..
انشغل راضي بتلك القطعة التي كان يعمل عليها لكنه تنبه لصوت امرأة يصله مرتفعا عن طبيعته.. ترك ما كان يعمل عليه وخرج من الورشة متطلعا حوله يحاول استطلاع مصدر الصوت فإذا بها حُسن تهتف في حنق لشخص ما.. اندفع نحو ورشتها هاتفا في حزم:
إيه في يا ست حُسن!؟..
هتفت حُسن في ضيق:
ببيع اللي بنتعب فيه بخسارة يا باشمهندس راضي..
تطلع راضي لمحروس متحدثا في هدوء:
أنت اللي بتسوج لها البضاعة.. مش كده!؟
هز محروس رأسه في إيجاب يتوجس من ظهور راضي الذي لم يكن فالحسبان.. فبعد ما أشيع عما فعله بقدورة والكل يخشاه..
هتف راضي مؤكدا:
يبجى أنت المسؤول عن..
هتف محروس مقاطعا في اعتراض:
مسؤول عن إيه يا باشمهندس!!.. ده سوق وعرض وطلب.. والبضاعة متجبش أكتر من كده.. ده أنا كارمها عشان ظروفها و..
اندفع راضي ممسكا بتلابيه هاتفا:
ابلع لسانك ومتنطجش بولا كلمة تاني وإلا هطفحهولك.. أنت هتچبي عليها بمالها يا عفش..
هتف محروس بأحرف مهزوزة يحاول التملص من قبضة راضي:
خلاص يا باشمهندس.. هطلب سعر أعلى ولو مرضيوش هرجع لها البضاعة..
هتفت حُسن مؤكدة:
أيوه كده تمام.. يا تعلي السعر يا ترجع البضاعة..
هز محروس رأسه موافقا واندفع ينفذ ما طُلب منه.. مخلصا نفسه من راضي الذي تركه يرحل في سلام هاتفا لحُسن:
نصيحة لوچه الله يا ست حُسن.. الواد ده متشغليهوش معاكِ.. اسمعي مني.. ده ضلالي.. ويكون فمعلومك.. البضاعة تساوي أكتر من اللي كان عايز يديهولك.. بس هو مخنصر من الفلوس وحطهم فچيبه..
تنهدت حُسن وهتفت متحسرة:
طب وهعمل إيه بس يا باشمهندس!!.. محوجاله.. والله ما عنديش مانع ياخد سمسرة أو عمولة ع التسويق للبضاعة بس كده هو ناهبني.. وأنا لسه عندي هم ما يتلم لازم يتسدد.. كان فيه اقساط وفواتير على أبويا الله يرحمه.. كل ده هيجي منين!..
همس راضي مؤكدا:
سبيها على الله.. كله هيتعدل..
همست حُسن:
ونعم بالله..
وصل صبي القهوة الذي أرسله راضي لشراء بعض الشطائر من أجل العشاء.. تناولهم منه هاتفا بها:
ياللاه بسم الله..
وفتح كيس الطعام مادا كفه يقدم إليها بعض الشطائر لتهتف في حرج:
بالهنا والشفا يا باشمهندس.. ده واجب عليا.. ده أنت من ساعة ما وصلت الحارة ومجملتكش فحاجة.. اعذرني بقى.. ما أنت شايف بنفسك.. طول النهار فالورشة بخلص أموري..
أكد عليها راضي:
مدي يدك متكسفنيش.. أهو يبجى عيش وملح..
مدت حُسن كفها في حرج تتناول من راضي ما جاد به من شطائر عشائه.. ليصل نادر في تلك اللحظة ليرى راضي مندفعا من داخل ورشتها في اتجاه ورشتهم وبكفه كيس الشطائر التي تحمل هي بعضها تقف على باب ورشة أبيها وقد بدأت في تناولها بالفعل..
لا يعرف ما الذي جعل ذاك الشعور السام يسري في شرايينه ويتوغل ليستقر بقلبه دافعا دمائه لتغلي غضبا.. مستشعرا قهرا عجيبا جعله يندفع صوب الورشة متطلعا لراضي الذي استقبله في بشاشة مبلغا إياه برغبتهم في تواجده بالأعلى..
حاول السيطرة على غضبه وكبح جماح غيرته التي كانت تعمي عينيه عن رؤية حقيقة الأمور.. تلك الغيرة التي لا يعلم حتى اللحظة أنها ها هنا كامنة بين طيات نفسه.. تنخر في ثباته..
هتف براضي متسائلا:
هو في حاجة عند حُسن!؟.. أصل شايفك جاي من عندها..
أكد راضي في أريحية وهو يقضم بعض من شطائره:
لاه خير.. بس شكل الواد محروس ده مش هيچبها البر.. واضح إنه بياخد عمولة لنفسه من الباطن.. ويبيع لها البضاعة بملاليم..
هتف نادر في حنق:
والله هي اللي غاوية تعب.. قلنا لها اقعدي معززة مكرمة ونجيب لك عمال تفهم فالشغلانة وحد واعي يدير الشغل.. رفضت.. وقالت فلوس أبويا وماله.. وديونه في رقبتي..
أكد راضي مدافعا:
حجها.. هي حرة فمالها.. والشهادة لله.. الست حُسن دي ست ب مية راچل.. دي صنف من الحريم مبجاش موچود منه دلوجت يا نادر.. حُسن دي صنف نااادر..
تطلع إليه نادر في حنق ولم يدرك ما كانت ترمي إليه كلمات راضي.. كانت الغيرة ما تزل تغشى بصيرته عن إدراك حقائق الأمور رغم ظهورها جلية أمام ناظريه.. ترك راضي بالورشة واندفع في اتجاه بيت جده لتقع عيناه على حسن التي جلست أمام ورشة أبيها تتناول شطائر راضي ما أورثه حنقا مضاعفا ليتطلع إليها في غضب مكبوت مهرولا نحو درج بيت جده..
تطلعت من فوق سطح السراي لعلها تلمحه قادما.. كان يسربلها شوقا هائل لمرآه قادما لطلب يدها.. لقد علمت بقدومه اليوم في البارحة بعد أن هربت من أمامه حياء.. عندما وجدت رقم غريب غير مسجل لديها يرن على هاتفها.. لتفاجأ به..
أخبرها أنه اتصل بوالدها وحدد موعد بعد صلاة الظهر لمقابلته.. وها هي تنتظره ترافقها فريدة.. لقد كانت الوحيدة التي على علم بما ينتويه منتصر اليوم..
تجرأت ودقت على جواله ليرد في سرعة مازحا:
والله ما هربت.. أنا جاي أهو.. ده إيه البنات دي!؟.. أنت ما صدقت يا سيد!!
قهقهت مؤكدة:
أيوه بقى.. ويكون في علمك.. أنا علقة وزنانة ورخمة..
أكد منتصر مبتسما:
على قلبي زي العسل..
وغير نبرته متحسرا:
وربنا يعني بقى..
أكدت بدور ضاحكة:
ياااارب.. بص يا بني عشان نبقى على نور من أولها.. أكيد أنت عملت حاجة منيلة فحياتك عشان ربنا يبتليك بيا..
قهقه مؤكدا:
والنعمة ما عملت حاجة.. ده انا غلبان.. بس عادي.. لو كان وجودك في حياتي تكفير عن ذنب حتى لو معملتوش أنا راضي يا بدور..
ساد الصمت بينهما ولم تعقب.. فقد دمعت عيناها.. ولم تدرك بما يمكن أن تجيبه.. وهل هناك كلمات يمكن أن تعبر عن احساسها في تلك اللحظة من الأساس!!
همس متعجبا:
بدور.. رحتي فين!؟
همست بصوت متحشرج تأثرا:
انا معاك يا منتصر..
همس مؤكدا بعشق:
وها تفضلي معايا يا بدور..
تطلع لبوابة السراي فهتف مسرعا:
طب اقولك سلام مؤقت.. عشان أنا وصلت..
أكدت بدور:
ما أنا عارفة.. شيفاك..
تطلع منتصر حوله رافعا ناظره لأعلى ليبصرها تطل عليه من سطح السراي ليهتف على الهاتف أمرا:
مجنونة والله العظيم.. انزلي طيب بدل ما تخدي ضربة شمس.. الشمس النهاردة حامية..
أكدت بدور في محبة:
طب لما تدخل الأول..
قهقه مؤكدا:
والنعمة هدخل.. ده أنا لو معتقلني مش هيحصل فيا كده!!..
قهقهت بدور هاتفة:
عريس يا بوي.. طخه بس متعوروش يابوي..
ارتفعت ضحكاته هاتفا:
طب على ذكر السيد الوالد.. اقفلي بقى عشان هرن عليه أبلغه إني وصلت.. سلام..
استوقفته بدور هاتفة:
منتصر!!
همس في محبة:
يا نعم..
همست بدور في حروف مبعثرة:
أنا.. أنا..
هتف منتصر يستوقفها حتى لا تكمل:
أنت إيه بس!؟ أوعي تنطقيها دلوقتي.. جاية تقوليلي الكلمة اللي مستني اسمعها بقالي زمن وأنا داخل اقابل أبوكِ..
أكدت هاتفة في مزاح:
أيوه عشان تديك دفعة وتدخل بقلب جامد..
أكد هو ساخرا:
يا بنتي أنت متعرفيش إن العبد لله يروح فيها.. ده أنا لو سمعتها دلوقتي هدخل اقعد قدامهم زي خيبيتها.. أصل المواضيع دي بتقلب معايا بغباوة كده على شوية تخلف على كرشة نفس وزغللة في العين.. واحتمال يطلبوا لي الإسعاف يا النجدة..
قهقهت بدور وهمست في لهفة:
يا عيني يا بني.. طب ياللاه سلام.. عشان تكلم بابا تبلغه بوصولك..
هتف فيها مدعيا الحنق:
مصلحجية..
قهقهت من جديد وهي تغلق الهاتف ليضغط أزرار هاتفه مؤكدا لحازم على وصوله خلال دقائق..
بينما تنهدت بدور في راحة وابتسامة واسعة ترتسم على شفتيها شاركتها إياها فريدة في سعادة وهي تقترب منها تضمها في فرحة هاتفة:
ألف مبروك يا بدور.. ربنا يتمم لك على خير.. باين عليه بيحبك بجد وشاريكِ.. وأهو دخل البيت من بابه.. يعني فعلا راجل.. ربنا ييسر لكم الحال..
هتفت بدور في تضرع:
يا رب يا فريدة.. يا رب.. ويرزقك أنت كمان بابن الحلال اللي يستاهلك..
ابتسمت فريدة في شجن مؤكدة:
لا انسيني أنا خاالص.. أنا حياتي بقت فالشغل وبس.. مواضيع الحب دي قفلت عليها بالترباس من زمان..
تنهدت مستطردة وهي تجذب يد بدور:
بقولك ايه!! تعالي نتسحب زي زمان ونتصنت عليهم ونشوف هيقولوا إيه!؟
هتفت بدور في اضطراب:
لا يا فريدة.. أخاف حد يشوفنا من ولاد عمي مهران.. وخصوصا عاصم.. شوفتي عامل إزاي!؟.. أنا خفت منه..
قهقهت فريدة ساخرة:
بقى بدور بتخاف!! طب كويس والله..
ثم استطردت في جدية:
بس على فكرة.. عاصم انسان محترم وكويس جدا.. هو بس عشان ملتزم ومش بتاع ضحك وهزار أنت شيفاه شديد.. بس هو انسان ممتاز..
همهمت بدور هاتفة:
إيه يا فرفر.. عينك من الشيخ عاصم ولا إيه!؟
قهقت فريدة مؤكدة:
شوف أنا اقولها إيه تقولي إيه!! يا بنتي أنسي.. أنا مفيش فحياتي إلا الشغل وبس..
لكزتها بدور مازحة:
طب ما تفكري بس.. ده الشيخ تقيل كده وعليه هيبة تسرع.. اللهم بارك..
انفجرت فريدة ضاحكة وتطلعت نحو بدور تهز رأسها مؤكدة أن لا فائدة ترجى من ابنة خالها تلك.. فقررت النهوض وتركها وحيدة إلا أن بدور لم ترغب فالبقاء مفردها يتآكلها القلق من الاجتماع الدائر بالأسفل ما دفعها لتلحق بفريدة مجتمعة بالفتيات استعدادا لتلك المأدبة المقامة على شرف زوج زهرة الدكتور محمد عزام..
كانت المحاضرة قد بدأت لتوها لكن طرقات على باب قاعة المحاضرات جعلت دكتور المادة يتنبه نحو الباب الذي انفرج بشكل مبالغ فيه وظهر من خلفه ذاك الكرسي المدولب وصاحبه..
تطلع المحاضر لذاك الذي اقتحم المحاضرة بهذا الشكل وهتف به متسائلا:
خير!! أي خدمة!؟
شهقة مكتوبة ندت عنها ما أن أدركت ماهية الطارق.. لم يكن إلا مروان على كرسيه المدولب.. ماذا يفعل هنا!؟..
كادت أن تفقد وعيها ذعرا.. هل جاء خصيصا من أجلها!؟.. يبدو أنه فقد عقله كليا ليأتي إلى هنا لكي يراها بعد أن امتنعت عن الحضور أو حتى الاقتراب من حديقة داره.. كانت قد اتخذت عهدا على نفسها أن تبتعد قدر استطاعتها عن هذه القصة.. وذاك الشاب الذي تعلم تمام العلم أنها.. إن لم تبتعد عنه.. فسيكون مصيرها جرح قلبها لا محالة..
هتف مروان في ثبات وثقة:
آسف يا دكتور على التأخير عن ميعاد المحاضرة.. دي أول مرة حضور ليا.. وأوعد حضرتك مش هتتكرر..
تطلع له المحاضر متسائلا:
هو أنت معانا هنا!؟..
أكد مروان في هدوء مبتسما:
أيوه يا دكتور أنا طالب فنون جميلة.. لكن الحضور كان بعافيه شوية زي صاحبه..
وأشار لوضعه على كرسيه وهو يلقى بكلماته الأخيرة ما دفع المحاضر ليبتسم لخفة ظل مروان وهز رأسه في قبول لعذره مشيرا سامحا له بالدخول..
تحرك مروان بكرسيه ولم يعر للنظرات المتطفلة أي اعتبار.. كان كل ما يعنيه هو معرفة موضع جلوسها.. ليكون الأقرب له..
لحسن الحظ لم تكن القاعة بها مدرج لا يمكنه الصعود على درجاته بمقعده دون مساعدة أحدهم.. كانت القاعة عبارة عن قاعة درس بسيطة جعلت من حركته أكثر حرية..
وقعت عيناه على موضعها أخيرا.. ليجدها تحاول التخفي.. تتدارى قدر استطاعتها كأنما تدرك أنه يبحث عنها وقررت جعل المهمة أكثر صعوبة عليه من تلك الأيام والليالي التي قضاها باحثا عن طريقة حتى يستطيع الوصول إليها من جديد.. فما عادت رسائله بسرج عنتر توتي ثمارها.. فقد كانت تعود له كما ذهبت..
أوقف كرسيه محاذيا لموضع جلوسها حتى يستطيع أن يراها من مكان استقراره..
تابع المحاضر درسه لكنه ما كان اهتمامه منصبا على ما يقول.. بل جل اهتمامه كان منصبا على تلك التي تجلس هناك أخذة بمجامع الفكر ولب الفؤاد بين كفيها الرقيقتين.. وهي لاهية تماما عما تحدثه به من أوجاع.. وما يعانيه قلبه في بعادها..
دخل حازم القاعة على عاصم الجد جالسا جواره هاتفا:
يا عمي.. الظابط اللي جاي عشان يخطب بدور.. اللي كلمتك عليه.. لسه مكلمني دلوقتي وجاي فالطريق..
ابتسم عاصم مؤكدا:
ألف مبروك يا حازم يا ولدي.. اللهم بارك.. الفرح لما يهل بيهل بالكوم.. ربنا يجعل البيت كله مليان فرح..
ابتسم حازم رابتا على كف عاصم هاتفا في مودة:
في حياتك يا عمي..
هتف عاصم متسائلا:
تعرفه أنت العريس ده يا حازم!؟.. ما أنت بتجول ظابط!؟..
أكد حازم:
ايوه يا عمي.. ظابط كويس.. كان خدم مع لوا زميلي واحنا في اسكندرية وكان دايما بيشكر فيه وفأخلاقه.. أنا اتنقلت المنصورة.. وهوه كمان اتنقل برضو.. بس معرفش إيه اللي لم الشامي ع المغربي.. وجاي يخطب بدور دلوقتي!؟..
هتف عاصم:
في اسكندرية!.. يعني چاي من أخر الدنيا عشان يخطبها هنا!؟.. والله فيه الخير برضك..
هم حازم أن يصلح له المعلومة إلا أن هاتفه ارتفع رنينه ليتطلع لشاشته ليسطع اسم الضيف جليا.. هتف حازم:
الضيف وصل يا عمي..
أكد عاصم:
يتفضل يا ولدي.. خليه ياچي على هنا نجعدوا معاه جبل دوشة العزومة اللي چاي لها عريس زهرة..
هز حازم رأسه موافقا وخرج لبعض الوقت ليعود ومعه منتصر لداخل قاعة عاصم..
جلس كلاهما أمام عاصم الذي ابتسم في استحسان لمنتصر هاتفا في ترحاب:
شرفت السرايا والنچع كله يا حضرة الظابط.. خير إن شاء الله..
تنحنح منتصر في احراج هاتفا في ثبات على قدر استطاعته:
طبعا خير يا حاچ.. أنا چاي اتشرف وأطلب ايد الآنسة بدور بنت سيادة العميد.. يمكن يكون جال لحضرتك إنه مش أول مرة يشوفني.. شافني جبل كده ف..
هتف عاصم مقاطعا:
ايوه يا حضرة الظابط جالي.. فاسكندرية.. يعني على كده تعرف عيلة الهواري كلها هناك.. زكريا واد عمي و حمزة الهواري.. دول رچال أعمال كبار هناك..
تطلع منتصر لحازم لحظة وهتف مؤكدا لعاصم:
ايوه طبعا يا حاچ.. نار على علم هناك.. دول من أكبر عائلات اسكندرية.. بس أنا..
هتف عاصم مقاطعا من جديد:
أنت بتتكلم صعيدي تمام.. شكلك خدمت هنا فترة.. ولا أنا غلطان!؟
تطلع منتصر لحازم يطالبه بالتدخل ليهتف حازم مؤكدا:
منتصر صعيدي يا عمي.. منتصر من هنا من نجع الصالح..
ضاقت عينى عاصم وتطلع نحو منتصر في محاولة لمعرفة أين يمكن أن يكون قد رآه لكنه لم يستطع الاستنتاج فهتف متسائلا في توجس:
من هنا.. من بيت مين يا ولدي!؟..
أكد منتصر في أريحية:
من بيت أبو منصور يا حاچ عاصم..
امتقع وجه عاصم.. وساد الصمت للحظة قبل أن يتمالك عاصم أعصابه في قدرة وخبرة اكسبتها له السنين هاتفا في ثبات:
أحسن ناس.. بس أنت ليه چاي لحالك يا حضرة الظابط!؟.. يعني كنت فاكرك غريب جلت ميعرفش عوايدنا وچاي لحاله يتعرف فالاول.. لكنك من النچع وعارف إنك لازما تاچي مع ناسك..
تنحنح حازم محرجا بينما اضطرب منتصر مستجمعا شجاعته هاتفا:
هايحصل طبعا يا حاچ.. العيلة كلها هتكون عندكم.. بس أنا جلت أچي امهد الطريج.. وأعرفكم..
هز عاصم رأسه يزعم موافقته هاتفا:
طب تمام يا ولدي.. وماله.. أدينا عرفنا واتشرفنا بك.. وإحنا مستنظرين ناسك يشرفونا..
تطلع منتصر نحو حازم الذي لم يعقب بحرف وقد أدرك أن هناك أمر ما دفع عمه ليتصرف بهذا الشكل.. على الرغم أنه لم يخرق الأصول أو قواعد الذوق.. لكنه كان شديدا بعض الشيء..
نهض منتصر مستأذنا في هدوء ليهتف عاصم خلفه:
متنساش يا حضرة الظابط.. ناسك كلهم.. وسلامنا لستك.. الحاچة وچيدة.. جولها عاصم الهواري بيجولك.. الأيام بتدور..
تطلع منتصر نحوه في تعجب عندما جاء على ذكر جدته.. بالتأكيد يعرفها كما يعرفها كل أهالي نجع الصالح.. لكن ماذا كان يقصد بكلمته الأخيرة!؟.. ماذا كان يقصد بأن الأيام تدور!!.. أي أيام!!..
هز منتصر رأسه في تيه.. ورحل لخارج السراي لا يعلم ماذا هناك!..
لكن كل ما عليه فعله هو إعلام جدته برغبته في خطبة بدور.. وليكن ما يكون..
تطلع حازم لعاصم هاتفا في تعجب:
هو فيه حاجة يا عمي!؟.. أصل الحوار كان ماشي كويس مع الولد وفجأة حسيت إنك شديت عليه..
هز عاصم رأسه موافقا وتنهد مؤكدا:
عارف ده يبجى مين!؟.. ده منتصر واد چعفر أبو منصور.. اللي كان عايز يجتلني من سنين وضرب سيد واد عمك بالنار وصابه فيده اللي لسه لحد دلوجت تعبانة.. واللي سيد اتنازل عن المحضر ضده..
هتف حازم في صدمة:
يااااه ده عمر.. ده أنا كنت لسه فأول خدمتي هنا.. فاكر يا عمي!!..
ابتسم عاصم مؤكدا:
ايوه طبعا.. واتكعبلت أيامها فالبت تسبيح.. وخدتها معاك وأنت ماشي..
قهقه حازم مؤكدا:
ايوه يا عمي.. ولسه متكعبل وحياتك..
أكد عاصم مقهقها:
مصدجك.. عيال سهام أختي دول يكعبلوا بلد.. عيلة مچانين..
ارتفعت ضحكات حازم مؤكدا:
طب حاسب يا عمي لتسبيح تسمعنا..
أكد عاصم هاتفا:
يا عيني على ظباط الداخلية الشداد..
استمرت ضحكات حازم مؤكدا:
من خاف سلم يا عمي..
أكد عاصم وقد اتسعت ابتسامته:
ايوه صدجت.. مع الحريم بالذات.. ربنا يسلمنا كلنا يا واد أخوي..
علت ضحكاتهم من جديد.. لكن ما أن ساد الصمت حتى هتف حازم مستفسرا:
يعني كده خلاص الجوازة باظت يا عمي!؟
تنهد عاصم مؤكدا:
والله لو چاب ناسه وچه.. يبجى كدها.. والواد أنت بتجول عليه اخلاج وچدع.. يبجى ليه لاااه..
تساءل حازم:
طب لو مقدرش يقنع عيلته يا عمي.. وجه يطلبها تاني!؟.. الواد فعلا كويس.. أوافق!؟..
هتف عاصم متعجبا:
هتدي بتك لراچل چايلك بطوله يا حازم!! ملوش كبير يرچع له ويترد عليه!؟.. يا ولدي ده اللي ملوش كبير بيشتري له كبير.. وبعدين إحنا ليه ندي بتنا لراچل أهله مش موافجين عليها.. ناجصها إيه!؟.. بناتنا ميتاجلوش بالدهب..
واللي ياخدهم يتجلهم بالغالي.. والفرحة بها تبجى كبيرة.. سامعني يا حازم!!..
هز حازم رأسه موافقا على كلام عاصم الذي كان كلام لا يقدر بثمن..
انتهت المحاضرة ليبدأ الطلاب في المغادرة تباعا.. كانت تنازعها نفسها ما بين التلكوء حتى تعرف كيف سيغادر مفرده دون مساعدة.. وما بين الاندفاع هربا حتى لا يتعقبها وهي التي ما خالطت شبابا منذ دخولها الجامعة..
ظلت تتابع صراعها الداخلي في اضطراب حتى وجودته يرحل دون حتى إلقاء نظرة نحوها.. لم تكن تدرك أنه نال ما اشتهى.. ولم يحد بناظريه عنها طوال زمن المحاضرة..
تحرك نحو باب القاعة في هدوء.. وما أن خرج حتى انتفض خفيره يساعده حتى الوصول لسيارته التي كان الخفير قد صفها جانبا بمكان قريب..
تطلعت نحوه دون أن يدرك لتتأكد أن كل شىء على ما يرام.. ومن ثم اندفعت بدورها نحو عربتها التي كانت منتظرة بالخارج يأخذ خفيرها قيلولة بسيطة حتى انتهاء محاضراتها..
اندفعت السيارتان ليتلاقا بشكل منطقي على الطريق صوب النجع.. لتصبح كلتاهما بمحاذاة الأخرى..
تنبه مروان متطلعا من نافذة مقعده الخلفي لعربتها وهي تحتل مقعدها الخلفي كذلك.. ابتسم عندما تلاقت نظراتهما بلا اتفاق.. كانت ابتسامة شفتيه جذابة لكن ابتسامة عينيه كانت حكاية أخرى.. مزيج من شقاوة مخلوطة بإصرار دفعها لتبعد ناظريها عنه متشاغلة بإحدى الروايات تدفن وجهها بين ضلفتيها.. تدعي تجاهل ما يحدث.. عندما حاول سائق عربتها تجاوز سيارته.. ما دفع مروان ليحرض سائقه هاتفا:
إيه.. أنت هتسيبه يسبقك ولا ايه!؟
تحفز الخفير وضغط على دواسة البنزين لتسرع سيارته.. ليعانده خفيرها مسرعا بدوره..
كان سجال ما بين أسرع ومسرع.. تعالت فيه ضحكاته وهو يخرج رأسه من نافذة مقعده صارخا في حماسة.. لتنتفض هي بمقعدها لصرخاته الحماسية الأشبه بصيحات أحد فرسان الروديو.. أو الكاوبوي.. وهو يعتلي فرسه الجامحة محاولا السيطرة عليها وترويضها.. ما دفع الضحكات لشفتيها وهي تحاول أن تخفيها.. تدفن وجهها بين صفحات روايتها حتى لا يفطن خفيرها لما يحدث..
وأخيرا.. عندما اقتربا من مدخل النجع وجدته يعطي إشارته لسائقه أن يبطىء من سرعة سيارته بالقدر الكافي الذي يجعل سيارتها تمر أمامها.. حتى تسبقه..
لتتوقف سيارته بعد دقائق معدودة خارج باب داره.. استقبلته ثريا في سعادة.. فهي تدرك أن هناك شىء ما يدفع ولدها لينفض تلك العزلة عن كاهله ويبدأ في استعادة حيويته من جديد..
هتفت به ثريا في فضول:
ايه أخبار الكلية!؟.. تمام!؟..
اشار لها رافعا إبهامه وعلى شفتيه ابتسامة واسعة لم ترها مرتسمة على وجهه منذ زمن بعيد.. حتى أنه هتف مطالبا بالطعام..
دمعت عيناها فرحا.. ذكرها ذلك بالأيام التي كان يدخل فيها للمنزل من تدريبه يتضور جوعا.. صارخا مطالبا بالطعام..
هتفت في فرحة:
من عنايا يا فنان.. الغداء چاهز بس أنت تأمر.. أحضر لك تصبيره لحد ما بابا يرچع ولا هتاكل أنت!؟
همهم لبرهة قبل أن يقرر الاكتفاء بالتصبيرة لتزداد فرحتها أضعافا.. فقد مر وقت طويل جدا منذ أن جمعتهما طاولة طعام واحدة..
فدوما ما كان زاهدا في الطعام غير راغب فيه.. وإذا ما تناوله.. كان يكتفي بالنذر اليسير..
وضعت له بعض من مقبلات ولحقته بها إلى غرفته لتجده يجلس إلى لوحاته وألوانه.. وضعت الطبق في هدوء وتركته مغلقة الباب خلفها ولأول مرة تغادر حجرته وعلى شفتيها ابتسامة مشرقة لا دمعات منسابة على خديها..
شهقت في ذعر عندما اصطدم جسدها بجسد شخص ما كان يتعمد اخافتها لتنتفض متطلعة إليه.. قهقه في مشاكسة عندما نظرت إليه تعاتبه على افزاعها بهذا الشكل هامسة:
كده برضك!؟.. حرام عليك يا سيد مبقتش حمل الخضة دي..
همس متطلعا نحوها:
بقى الباسمهندس ثريا على سن ورمح.. يركب الهوا كده..
والله وراحت عليك يا باشمهندس..
قهقهت متجهة نحو الردهة ليتعقبها مستفسرا:
أنتِ متغيرة النهاردة.. فيه إيه!؟.. حاسس أن وراكِ حكاية..
هتفت نافية:
الحكاية مع إبنك.. ويا ريتني أعرف فيه إيه.. بس اللي متأكدة منه أن الموضوع فيه إن..
تطلع لها سيد متعجبا:
يعني إيه!؟ مش فاهم..
اقتربت هامسة في رقة:
مروان قلبه دق.. واضح إنه بيحب يا سيد..
همس بدوره متعجبا:
مين!؟.. تعرفيها!!
هزت رأسها نفيا هامسة:
لا.. يا ريت.. بس جلب الأم ميخيبش أبدا.. ابنك عاشج.. وهي اللي جاعد يرسم صورها على لوحاته.. وأول حرف من اسمها.. وكمان نزل الكلية بتاعته النهاردة..
تطلع لها سيد مبهورا لتتابع في حماسة:
تخيل بقاله سنتين مش عايز يعتبها وكل سنة بنقدم اعتذار وميدخلش الامتحان.. ألاجيه فچأة بين يوم وليلة عاوز يروح.. وهيدخل الامتحان السنة دي..
هتف سيد مستفسرا:
طب محاولتيش تعرفي منه بشطارتك تكون مين!! أنا خايف عليه تكون بنت بتلعب به.. أو حتى متعرفش ظروفه وتتصدم وتبعد لو عرفت.. وأنت عارفة ده هايبقى إيه.. صدمة ممكن يتعرض لها.. إحنا في غنى عنها يا ثريا..
تنهدت هاتفة في عتب:
ربنا يعديها على خير وبلاها تخوفني.. أنا ما صدجت إني فرحت شوية وأنا شيفاه بيرچع مروان الجديم من تاني..
ربت سيد على كتفها معتذرا وقد أبصر بريق دمع يترقرق بمآقيها اقترب يطبع قبلة على جبينها مطيبا خاطرها.. ليصدح صوت موسيقى كلاسيكية دوما ما كانت سلوى مروان وهو يرسم.. ما دفع سيد ليقترب من ثريا مازحا:
تسمحيلي بالرقصة دي يا هانم!؟..
هتفت به ثريا مازحة تقلد فردوس محمد في أحد افلامها مجيبة على استيفان روستي:
ما ترقص ياخويا.. هو حد منعك..
ما أن هم سيد بالتعليق ضاحكا حتى على شدو لإحدى أغاني الغرام من داخل حجرة ولدهما..
تطلع سيد إليها لبرهة قبل أن ينفجر ضاحكا هاتفا في تأكيد:
ده عاشق وغرقان لشوشته كمان.. أغاني حب!!.. اممم.. وقفل مقطوعات باخ وبحيرة البجع اللي هوس بها راسنا طول النهار!؟ الحالة مؤكدة يا ثريا يا أختى..
قهقهت ثريا مؤكدة:
شكل البچعة خطفت قلبه..
ابتسم لها سيد وهو يرى سعادتها وانشراح قلبها والذي غاب عنها منذ حادثة مروان فلم يشأ أن يلق ببذور القلق بجوف صدرها وهو يستمع لكلمات الأغنية التي كانت تأتيه اللحظة من داخل حجرة وحيده..
إذا أنتِ تركتيني.. وبطلتي تحبيني..
والله لأخلي عيني ما تعود تشوف..
وإذا أنتِ فليتي.. يعني انخرب بيتي..
شو بعمل بحالي.. مش معروف..
ابتسم سيد لثريا من جديد دافعا بها لتحضير الغذاء وكل ما كان يشغل باله هو قلقه على مروان من تلك التجربة التي لا يعلم إلى أي مدى قد تدفع بحياته.. بعد كل معاناتهم مع تجربته الأخيرة التي ما زال أثرها حي لم يندمل جرحه..
جهز سماحة ركوة الشاي لينضم إليه يونس جالسا قبالة النار يحاول الحصول على بعض الدفء.. قرب الشتاء على الرحيل لكن ما زالت هناك لفحة من برودة تخالط هواء المساء خاصة في مكان مكشوف لحد كبير مثل مجلسهما بسطح دار الحناوي..
مد سماحة كفه بكوب الشاي ليونس والذي تناوله مرتشفا إياه في استمتاع مؤكدا:
عليك كباية شاي يا واد يا سماحة تعدل برج بيزا المائل..
اتسعت ابتسامة سماحة على ظلال نار الركوة في عتمة الليلة الشتوية هاتفا في سعادة:
بالهنا يا بيه.. الف هنا..
على عواء بعض الذئاب من عدة أماكن متفرقة بالنجع..
ليهتف يونس مؤكدا:
ديابة الچبل نازلة النچع چعانة..
تنهد سماحة هامسا:
الچوع كافر يا بيه.. لا ليه دين ولا ملة.. بيخلي الصاحب يخون صاحبه والأخ ينهش فأخوه..
تطلع يونس إليه هامسا:
أنت منين يا سماحة!؟
هتف سماحة متعجبا:
منين كيف يا بيه!؟.. بلاد الله لخلج الله..
أصر يونس على سؤاله هاتفا:
جصدي.. انولدت فين!؟.. فين ناسك!؟.. وبلدك اللي چيت منيها!؟..
أكد حماسة:
والله ما وعالها يا بيه.. أنا من سن الحداشر وانا مطلوج أدور على أكل العيش لأمي وأخواتي بعد ما أبويا مات وسابهم فرجبتي.. معرفتليش دار ولا مطرح إلا داركم.. ولا بلد إلا نچع الحناوي..
تطلع إليه يونس في إكبار متسائلا:
طب وكنت بتشتغل فإيه على كده!؟..
أكد سماحة:
فكله يا بيه.. معمار شوية.. وفأرض الناس شوية.. فجهوة ع الطريج شوية.. وأهي كانت بترزج..
سأل يونس:
أنت عندك كام سنة يا سماحة؟
هتف سماحة:
والله يا بيه م الهم ما فاكر.. بس يعني تجريبا كده ياچي ٢٢ سنة..
هتف يونس في شجن:
أنت صغير جوي ع الهم ده..
ومد كفه رابتا على كتفه في قوة هاتفا:
بس أنت چدع يا واد وكدها..
تصلب كتف سماحة تحت كف يونس ما استرعى انتباهه معتقدا أنه زاد من شدة ضرباته المشجعة والتي يبدو أنه لم يحتملها ما جعل جسده يتصلب بهذا الشكل.. رفع كفه عن كتف سماحة متعاطفا هاتفا في أريحية:
تعرف يا سماحة.. أنا عمري ما فتحت جلبي لحد إلا لأخويا راضي ربنا يمسيه بالخير ويسهلهاله مطرح ما راح.. أنت الوحيد يا فجري اللي بحكيلك وبشكيلك معرفش ليه!؟.. مع أن كان ممكن أرفع التليفون وأجعد ارغي مع راضي بالساعات بدل الخلجة العفشة اللي بطلع لها كل ليلة دي..
همس سماحة في قلة حيلة منكس الرأس:
الله يسامحك يا بيه..
قهقه يونس هاتفا:
شوف عامل فيها مؤدب كيف!؟.. اللي يشوفك دلوجت ميشوفك وأنت هتاكل واد نچم وإحنا فالأرض.. والله لولا ملحجتك لكنت فلجت الراچل نصين..
ساد الصمت لبرهة ولم يعقب سماحة ما جعل يونس يتعجب هاتفا:
ريحت فين يا واد!؟ عجلك خدك على فين!؟..
واستطرد مازحا:
إيه عجلك بيوزك وجلبك مش مطاوعك وناوي تجوم تطخه عيارين ولا إيه!؟..
لم يعقب سماحة على مزاح يونس بل هتف بنبرة هادئة:
بجولك يا بيه!! هو أني ينفع أوصيك على حاچة!؟..
تطلع له يونس في دهشة متسائلا:
حاچة إيه!؟..
همس سماحة مؤكدا:
أمي واخواتي البنات.. أمانة في رجبتك يا يونس بيه..
انتفض يونس موضعه هاتفا بصوت متحشرج تأثرا:
واد يا سماحة.. إيه في!؟.. أنت وراك إيه يا حزين!! انطج..
أكد سماحة في نبرة هادئة ثابتة:
مفيش يا بيه.. هيكون إيه يعني.. أني لا وراي ولا جدامي.. على فيض الكريم كيف ما چنابك واعي.. بس العمر مش مضمون.. جلت أوصيك عليهم.. مش هأمن عليهم حد غيرك..
تنهد يونس زافرا في راحة هاتفا:
منك لله يا بعيد.. سيبت مفاصلي.. اعملي دور شاي تاني اعدل دماغي اللي جلبتها.. جال أوصيك ولا موصيكش..
هتف سماحة وهو يزيد من نيران الركوة:
سماح يا بيه.. ده أنت جلبك رهيف جوي..
أكد يونس متحسرا:
ايوه.. مچبناش ورا إلا الجلب الرهيف.. وحكاويه..
أكد سماحة مادحا:
والله دي احلى حاچة فيك يا بيه.. جلبك الرهيف ده.. ربنا يزيدك طيابة..
همس يونس في شجن:
جول خيابة.. خدنا إيه من طيابة الجلب إلا وچعه..
تطلع له سماحة هامسا:
ما تغني يا بيه!!
خلي الليلة الطويلة دي تعدي.. والجلب يدفا بالغناوي.. أهي سلوة اللي مش طايل.. يمكن فالحلم ينول..
تطلع إليه يونس لبرهة متعجبا من حديثه ثم بدأ في الشدو الشجي:
أنا بعت الدموع.. الدموع والعمر..
طرحت چنايني.. فالربيع.. الصبر..
وجلت أنا عاشج.. سجوني.. كتير المر..
كان يقف بشرفته متطلعا للأفق المظلم الأشبه لصدره بتلك اللحظة.. سيخلف هذه الأرض وتلك السراي ورائه هربا من حلم ضائع بغية السلوى في بعاد ينسيه بعض من أوجاعه كما يأمل..
تنهد زافرا في قوة قابضا على سُوَر الشرفة يهم بالدخول ليتناول حقائبه ويرحل مودعا أهله.. فقد حانت اللحظة التي كان يتحاشاها رغم إدراكه باقترابها..
ما أن هم بالدخول حتى تناهى لمسامعه أصوات بالأسفل قرب مدخل السراي الداخلي.. على ما يبدو.. عريس زهرة مغادر.. يقف بالخارج ليودعه الجميع تاركينها معه وحدهما.. كان مقتربا منها يتطلع إليها في سعادة بينما تنكس هي رأسها في حياء.. كان من الواضح أنه يسمعها بعض من كلمات الغزل قبل أن ترتبك هي مبتعدة لداخل السراي فيندفع هو لركوب سيارته راحلا..
كان المشهد قاتل.. كأنما سكين طعنت بخاصرته واستمر نصلها زاحفا كحية سامة ليمزقه قهرا من الشريان إلى الشريان..
ما عاد للتحمل موضع بصدره.. وما عاد للصبر محلا بقلبه.. وعليه الرحيل قبل أن يموت كمدا..
اندفع للداخل جاذبا حقيبتيه في عنف هابطا الدرج حيث وجد الكل مجتمعا يحكي عن السهرة الرائعة..
تطلع الجميع إلى ذاك الذي ظهر بأعلى الدرج حاملا أمتعته وما أن أصبح تقريبا بينهم حتى هتف عمه ماجد في ضيق:
برضو مأجلتش سفرك يا عاصم...
هتف عاصم في هدوء مصطنع:
أوامر الشركة يا عمي.. مليش يد ف الموضوع..
هز ماجد رأسه متفهما بينما هتف مهران:
استنى هاچى أوصلك..
هتف سمير كذلك:
وانا كمان هروح معاك يا عاصم..
رفض عاصم مؤكدا:
لاااه محدش يتعب نفسه.. واحد صاحبي چاي ف الطريج مسافر معاي أخوه.. هيوصلنا.. ملوش عازة تعبكم..
واتجه نحو أمه تسنيم التي بدأت في النحيب وكذا أختيه نوارة وسجود منحنيا يقبل هامتها هامسا:
مش عايز اشوفك بتبكي.. هو أنا يعني رايح فين!؟ كلها كام شهر وهتلاجيني عندك.. ادعيلي بجى وبلاش بكى.. وبعدين هي فين ستي!؟..
هتفت زهرة بدورها متأثرة:
ف أوضتها..
تطلع عاصم اليها يتشبع من ملامح وجهها التي سيفتقد لكنه أدرك أنها أصبحت ملكا لغيره فأبعد ناظريه هامسا:
بالمناسبة.. ألف مبروك.. ربنا يسعدكم..
هتفت زهرة بدورها:
الله يبارك فيك.. وعقبالك يا عاصم..
هز رأسه شاكرا واندفع تجاه حجرة جده مودعا جدته.. لكنه لم يقدر على وداع جده.. الذي طلب منه ألا يأتيه لحظة رحيله مودعا.. فقد كان يكره لحظات الوداع دوما..
لحظات وخرج متطلعا للقاعة التي بها جده.. لكنه لم يتجرأ على الدخول إليها.. كان يخشى أن يضعف ويلغي الأمر برمته.. وهو بحاجة ملحة للرحيل بعيدا..
وجد الجمع لم ينفض بعد.. فبدأ بالسلام عليهم فردا فردا.. حتى إذا ما جاء دور سمير إلا وتشبث به مدركا أنه ما قرر الرحيل إلا فرارا من قلبه الذي أودعه تلك الزهرة هناك.. لكنها ما كانت تدرك أن بين كفيها فؤاد غال اثقله هواها..
أرتفع النحيب من هنا وهناك ليندفع هو لخارج السراي جاذبا نفسه من بين ذراعي سمير مهرولا لا قبل له على البقاء لدقيقة أخرى وحمد الله أن صاحبه قد وصل بعربة أخيه أخيرا فألقى بنفسه داخلها.. محاولا أن لا يستدير ملقيا نظرة أخيرة على مستقر أحلامه وأرض أمانيه الضائعة..
حاول أن يشارك في الحديث الدائر بين صاحبه وأخيه الأكبر على قدر استطاعته.. لكنه لم يستطع أن يتفوه بحرف.. واحترم أصحابه صمته.. مدركين حجم الاحساس بالوحشة الذي يكتنفه اللحظة وهو في سبيله لمغادرة أهله لمجهول لا يعلم عنه شيئا..
لم يعِ عاصم ألا وهو يخرج جواله ليخط على صفحته بعض كلمات كانت محاولة منه لبث مشاعره المحترقة على الصفحات ربما يكون في البوح بها بعض التعزية عن ما يكابده..
"لما كلما هم القلب أن يخط على صفحة الحياة كلمة.. أحبك.. أجدني أغمس القلم بمداد الوجع وماء الروح الشحيح.. ليكتب تأبينا لأمل أزهقت روحه غفلتك المرة.. عما يقاسيه الفؤاد المفطور"
نشر الخاطرة.. ورفع رأسه عن شاشة جواله لتقع عيناه على جمع من البشر متجمهر على ضفة الرياح الكبير خارج حدود النجع الشرقية..
انتفض متسائلا:
إيه في!؟..
هتف صديقه:
الظاهر حادثة..
مرت عربتهم بين الجمع المحتشد في صعوبة لتسقط عيني عاصم على العربة التي كان منتصفها تقريبا غارق مغمور بالمياه ليهتف في صاحبه:
وجف.. اركن بسرعة..
هتف صديقه:
إيه في!؟.. إحنا كده هنتأخر على ميعاد الطيارة يا عاصم..
هتف عاصم أمرا:
بقولك وجف حلا..
توقف صديقه بالعربة ليترجل عاصم منها مسرعا أمرا إياهم:
روحوا انتوا.. وأني هحصلكم.. متأخروش روحكم..
غاب وسط الجمع الذي كان يتطلع للعربة الغارقة متحسرا على من كان فيها والذي لا يعلم أي منهم أن كان ميتا أو ما زال حيا..
ما أن أبصر عاصم السيارة عن قرب حتى تأكد له أنها سيارة محمد زوج زهرة.. لم يتوان لحظة عن الاندفاع نحو المياه ملقيا نفسه سابحا في اتجاه باب السيارة.. رغبة في إنقاذه.. حاول البعض منعه من الإقدام على هذه الفعلة المجنونة.. لكنه غافل الجميع واستطاع القفز والوصول للسيارة والتي ما أن حاول فتح بابها للدخول إليها.. ونجح في ذلك بالفعل.. إلا وبدأت المياه في ابتلاع السيارة بكاملها.. كأنما هي هوة من الجحيم قد فُتحت..
صرخ الناس في رعب وتعالت الصيحات والحوقلة من هنا وهناك.. فقد كان الجميع على يقين أن لا أمل هناك في نجاة أحد من ركابها..