تحميل رواية «زاد العمر وزواده» PDF
بقلم رضوى جاويش
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تنبه لحفيف الأقدام القادم من ناحية الدرج، فألتفت نحوه مدركاً من يكون صاحبه قبل أن تطالعه صورته. ومن يمكن أن يكون مستيقظاً في مثل هذه الساعة قبيل الفجر بدقائق معدودة إلا هو؟ عاصم حفيده الذي تجهز ليندفع نحو المسجد ليؤذن لصلاة الفجر كعادته منذ أن كان طفلاً يرافق أباه مهران، الذي سلم له المهمة ما أن أشتد عوده. تنبه عاصم الحفيد لموضع جده داخل حجرة المكتب، فدلف إليها والابتسامة ترتسم على وجهه هاتفا: "أنت صحيت يا چدي!" وانحنى طابعاً قبلة حانية على جبين جده مستطرداً: "صباح الخير." أكد عاصم في بشاشة: "صب...
رواية زاد العمر وزواده الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم رضوى جاويش
كان قد انقطع عن كلامها منذ أن انقضت الامتحانات، حتى أنه لم يكن يرد على مكالماتها التي كانت تقوم بها في الخفاء حتى لا تدرك جدتها بوجود هاتف معها، فهو الوسيلة الوحيدة بينهما للتواصل.
كادت أن تيأس، ربما هذه هي المرة الخامسة اليوم، التي رنت عليه فيها بأوقات مختلفة ولم يرد، ما الذي يحدث!! أين ذهب! وعلى ماذا ينوي بالضبط!!
همت بمد كفها لإغلاق الهاتف، واخفائه بموضعه الذي اعتادت تخبئته فيه، لتجد رسالة منه على الواتس أب، أسرعت وفتحتها في لهفة، قارئة: اتصلي دلوقتي.
لم تكن بحاجة لطلبه، بل إنها أسرعت وضغطت على اسمه الأوحد الموجود بالهاتف، ليرد في هدوء هامسا: إذيك يا أية!؟
دمعت عيناها، وهمست تجيب: الحمد لله، أنت كويس!! أصل رنيت عليك كتير ومردتش!! قلقت بجد.
تنهد مؤكدا: مفيش داعي للقلق، كل الحكاية إني مكنتش فاضي، ومش عايز اكلمك إلا لما يبقى عندي كل المعلومات، وأقولك اللي فيها.
هتفت بقلق: فيه إيه يا مروان!! أنت كده قلقتني بجد.
أكد لها: بصي يا أية، أنا يوم ما قلت لجدتك إني مش هدخل بيتكم تاني إلا وأنا جدير بكِ، وطبعا من وجهة نظر الحاجة وجيدة، أني واحد عاجز ملقش بكِ، وهي عندها حق، وأي حد هيبقى عايز احسن راجل لبنته، راجل كامل من كله، مش نص راجل مش قادر حتى يقف على رجله.
هتفت به أية: متقلش كده، أنت فعيني راجل، وسيد الرجالة كمان، وعمري ما حسيت إن موضوع رجلك ده فارق معايا، ولا حسسني إني ناقصني حاجة، أنت حاجة كبيرة قوي فنظري يا مروان.
ساد الصمت بينهما، ليتنهد مروان من جديد، هامسا بصوت متحشرج تأثرا: وعشان اللي بتقوليه ده، أنا لازم اعمل اللي قررت اعمله.
هتفت به في اضطراب: قررت إيه يا مروان!؟ عشان خاطري، أوعى تكون حاجة فيها..
قاطعها مروان هاتفا في نبرة حازمة: قررت أعمل عملية، عشان أرجع أمشي على رجلي تاني.
ساد الصمت، الذي قطعته أية متسائلة في ريبة: هو فيه عملية تخليك تمشي تاني!! طب لما كان فيه علاج من زمان! أكيد اللي خلاك متفكرش فيه، إنه..
هتف مروان بنبرة صارمة: مميت.
شهقت أية، وساد الصمت من جديد، قطعه نحيبها هذه المرة، هاتفة في توسل: بلاش يا مروان، عشان خاطري بلاش.
هتف مروان كأنه لم يسمع حرف مما قالت، مؤكدا: الفترة اللي فاتت، كنت منقطع عنك عشان كنت فمصر بشوف إيه إمكانية العملية بعد كل الفترة اللي فاتت دي، وهل فيه أمل فيها ولا لأ!! ومدى الخطورة، والدكتور أكد لي إن العملية لسه في إمكانية لاجرائها، بس نسبة النجاح صغيرة للأسف، ومش كده وبس، ده ممكن أثناء العملية يحصل مضاعفات، ممكن أنها.. يعني جايز مخرجش منها، العملية مجازفة ومخاطرة كبيرة، بس أنا لازم أعملها.
هتفت به أية من جديد، وقد علت وتيرة نحيبها، تتضرع أن ينصت لها، هاتفة في نبرة متوسلة: عشان خاطري يا مروان، لو كنت بتحبني بجد، بلاش العملية دي، أنت سمعت أنت قلت إيه!! ده أنت ممكن تدخل متخرجش!! حد عاقل يقول كده!! أنا عايزاك كده، أنا مش فارق معايا، وحياتي يا مروان بلاش.
هتف بها مروان صارخا: بلاش ليه!! أنا تعبت، لا أنا عايش وعارف أعيش، ولا أنا ميت ومرتاح من نظرات الناس وكلامهم!! قوليلي ايه بلاش!! عشان افضل عاجز، وابقى فنظر الكل نص راجل، قوليلي، بلاش لييييه!!
صرخ بكلمته الأخيرة في قهر، جعلها تصمت ولا ترد بحرف.
ساد جو من التوتر بينهما، لم يقطعه إلا صوت نحيبها الذي تحاول كتمانه، وصوت تنفسه العالي بعد كل هذا الإنفعال، وأخيرا، هتف بنبرة هادئة، مؤكدا في عزم: خلاص يا أية، مفيش حاجة هتغير رأيي، يمكن أكون غلطان، بس في الأخر، مش هيكون اللي الصح، يا إما اعيش زي الناس، يا إما أموت وأنا بحاول، حياة النص نص اللي أنا عايشها دي مبقتش نافعة، يمكن مكنتش فارقة معايا قبل كده، لكن مع ظهوركِ فحياتي، لازم افكر فيكِ، أنا بعمل كل ده علشانك يا أية، عشان أنتِ تستحقي أحسن حاجة فالدنيا.
هتفت أية باكية في قهر: أنا.. أنا خدت أحسن حاجة فعلا، متحرمنيش منها يا مروان.
هتف مروان مؤكدا: يمكن مقدرش أكلمك الفترة الجاية، أنا بجهز أوراقي، عشان العملية هتكون في ألمانيا، فبحضر للسفر وتجهيزات المستشفى والاتفاقات مع الدكاترة، واجرءات كتير.
لم تعقب بحرف، ما جعله يهمس في نبرة حانية: إيه!! مفيش تروح وترجع بالسلامة يا مروان!!
وغير لهجته مازحا، بصوت امرأة من منطقة شعبية: يجعل لك فكل خطوة سلامة يا خويا.
استطاع انتزاع الابتسامة لترتسم على شفتيها، وهمست به في محبة: تروح وترجع لي بألف مليون سلامة.
همس مشاغبا: ليه!!
صمتت باسمة، ولم تعقب، لكنه أصر على الإجابة، هامسا بنبرة جادة هذه المرة: ليه يا أية!! ليه عايزاني أرجع !!
همست في اضطراب: يعني مش عارف!!
همس متسائلا في جدية: عايز أعرف، عرفيني!!
همست أية في أحرف متعثرة: عشان أية عمرها ما حست إنها عايشة ولها حق فالحياة، إلا لما..
همس في محبة: إلا لما وقعت في حجرك من فوق عنتر.
قهقه في سعادة، بينما اصطبغ وجهها في حمرة هاتفة معترضة: مروان!!
هم بالحديث، لتهمس هي في توتر: سلام، حد جاي.
أغلقت الهاتف، دافعة به في سرعة تحت مرتبة سريرها، لتندفع وجيدة للحجرة في ثورة، هاتفة بنبرة غاضبة: جاعدة هنا ولا على بالك، وأني دمي محروج وهطج.
هتفت أية في اضطراب: ليه يا ستي!! إيه في!؟
هتفت وهي تحدقها بنظرات غاضبة، كأنها تلومها لعدم معرفة سبب غضبتها: واد خالك مچاش، معاد أچازته عدي ليه كام يوم، وبرن عليه مبيردش، ومش عارفة إيه في!! من يوم الفجرية بت الهوارية ما دخلت حياته، وهي خربطت راسه.
هتفت في تساؤل: طب وأني بيدي إيه يا ستي!!
هتفت وجيدة في حنق: وأني إيه اللي هستناه منك من أساسه، خليكي ملكومة، وأنا رايحة أشوف إيه اللي أخر واد خالك عن مچيته.
تركتها وجيدة وحيدة، لتتنهد أية في راحة، واتسعت ابتسامتها فجأة عندما تذكرت مزاح مروان الذي قطعته جدتها، لكن عيونها برق بها الدمع، عندما تذكرت ما هو بصدده، فهمست في تضرع: يا رب.
سارت مرفوعة الهامة، مفرودة الكتفين، وهي تدخل إلى الشركة، ما هز ثباتها هذه النظرات التي كانت تتعقبها منذ أن دخلت إلى مقر مجمع الشركات، وحتى مكتبها، الذي ما أن دلفت إليه، حتى تطلعت بجنباته في شوق، لقد افتقدت أوقاتها بين أركان هذا المكتب الصغير، فقد اختارت كل قطعة به على ذوقها الخاص.
تنهدت في راحة ما أن جلست خلف مكتبها تتطلع لكل موضع على سطحه المرتب، تتذكر حماس المرة الأولى، لتبتسم في ثقة، مدت كفها تتطلع لتلك الملفات المتراكمة على أحد جانبيه، تزيل بعض الأوراق الروتينية بتوقيعها المتأخر، نظرا لإجازتها التي طالت، شعرت بافتقادها لأجواء النجع وكل من فيه، مدت كفها نحو الهاتف، وهمن بالضغط على أحد الأسماء، ليرن الهاتف باسم بدور، ابتسمت وفتحت الاتصال، هاتفة في محبة: أهلا بالغلاباوية، أذيك يا..
صمتت فريدة عندما تناهى لمسامعها صوت نحيب بدور الموجع، لتهتف في قلق: فيه إيه يا بدور!! حصل إيه يا بنتي!!
أخذت بدور، تسرد لفريدة كل ما كان من أمر منتصر، حتى هتفت فريدة في تأكيد: بس انا مش مصدقة الكلام ده على منتصر، معقول !!
هتفت بدور في وجع: ما هو ده اللي مجنني يا فريدة، قلبي مش مصدق، وعقلي بيأكد قلبي، لكن الحقيقة اللي قدامي بتقول غير كده، أنا هموت من التفكير يا فريدة.
هتفت فريدة بها: تعالي على إسكندرية على طول، أنت محتاجة تفصلي شوية يا بدور.
أكدت بدور: عليا امتحانات يا فريدة، اخلص بس واجي، انا محتاجة ابعد فعلا.
أكدت فريدة: اهدي بس عشان تعرفي تركزي، وبعدين تعالي.
همست بدور: تمام يا فريدة، اسيبك لشغلك بقى.
همست فريدة: سلام، هكلمك تاني، خلي بالك على نفسك
انهت فريدة المكالمة، وما أن تهم بالخروج من المكتب، إلا ورن الهاتف، ردت فريدة في سعادة وهتفت في ترحاب: القلوب عند بعضها، كنت لسه هكلمك والله.
هتفت نوارة في سعادة: أهلا بأهل إسكندرية العزاز، حمد الله بالسلامة، إسكندرية نورت والنچع ضلم أكيد.
اتسعت ضحكات فريدة هاتفة: إيه الرضا ده كله يا دكتورة!! لا ده إحنا نمسك الخشب بقى ونقول يا ترى إيه السر!!
هتفت نوارة متعجبة: هو أنا باين عليا جوي كده!؟
هتفت فريدة مازحة: شفتي، أنا مكشوف عني الحجاب، واضح إن فيه حكاية ولازم أعرفها.
همست نوارة في سعادة: فيكِ مين يكتم السر!! رائف عايز يجي يطلب أيدي ومنتظر ردي.
هتفت فريدة في سعادة: بجد!؟ إيه الخبر الحلو ده !! بجد رائف بيه انسان محترم وبن ناس فعلا، ربنا يهنيكم.
هتفت نوارة في نزق: بس أنا لسه موافجتش على فكرة !!
قهقهت فريدة هاتفة: أيوه صحيح، ما هو واضح.
هتفت نوارة مؤكدة: ايوه طبعا مش لازما يغلب، هي بالساهل كده!!
أكدت فريدة في نبرة هادئة: عندك حق يا نوارة، اللي بيجي ساهل بيروح بالساهل.
وتبدلت نبرتها مستطردة في فرحة: بس خبر بمليون جنيه، ألف مبروك مقدما يا دكتورة، بس مطوليش ع الراجل فالرد، لحسن يروح ميرجعش.
قهقهت نوارة مؤكدة: يروح فين!! ميقدرش، هو دخول الحمام زي خروجه.
قهقهت فريدة هاتفة: يا عيني عليك يا رائف، والنعمة ما يستاهل اللي هيحصل له منك يا نوارة، ده..
همت بالحديث، ليقاطعها صوت ذو نبرة مازحة جانبها: إيه ده دي الدكتورة نوارة!! سلميلي عليها.
كادت أن تسقط الهاتف من يدها، عندما استدارت نحو ذاك الذي كان يتعقب خطواتها منذ أن خرجت من مكتبها، متجهة صوب غرفة الاجتماعات، لحضور اجتماع هام، مع عملاء جدد تعاقد معها والدها، في فترة غيابها، واخبرها أن شراكتهما سيكون لها انعكاس إيجابي على الشركة في الفترة القادمة، ما اعتبرته بادرة خير، وخاصة بعد أن سحب نزار الغمري، اسهمه بالشركة، بعد ما حدث.
هتفت في نبرة مضطربة، مؤكدة لنوارة: طب يا دكتورة، مضطرة أقفل عشان الاجتماع هيبدأ، وعمك ما يعرفش ياما أرحميني فالشغل، سلام مؤقت، وهكلمك تاني.
أنهت الاتصال، وتطلعت في صدمة نحو ذاك الذي ظهر لها من العدم، هاتفة في لهجة رسمية، وهي تستدير لمقابلته: أهلا يا باشمهندس، خير!!
تطلعت حولها باحثة عنه، هل كان هنا بالفعل!! أم أنها تخيلت وجوده!!
لم تعر الأمر اهتماما، فقد تأخرت عن اجتماعها بالفعل، دخلت غرفة الاجتماعات، وما أن همت بالجلوس موضعها المعتاد، حتى اعتدلت واقفة، وأبوها يدخل الغرفة وخلفه شركائهم الجدد، أو بالأدق، شريكهم الجديد، الذي كان.. ما الذي يحدث!!
تطلع سامر لها كأنه لا يعرفها، ومد كفه يحييها في برود، وحمزة يعرفه عليها، ويبدأ في تعريفه كذلك، هاتفا في نبرة رسمية: الباشمندس سامر شحاته العشري، رئيس مجلس إدارة شركات العشري.
هزت رأسها في تقبل، ولم تنبس بحرف، بينما استطرد حمزة، مشيرا لها في فخر: ودي فريدة الهواري، بنتي والمساعدة بتاعتي، تقدر تقول مديرة أعمالي والمسؤولة عن تعاقدات المشاريع الجديدة.
ابتسم سامر ابتسامة دبلوماسية، قبل أن يهتف في نبرة رسمية بامتياز: تشرفنا أستاذة فريدة، أرجو التعاون بينا يكون مثمر.
استعادت فريدة ثباتها، هاتفة في لهجة امرأة عملية: أكيد يا باشمهندس.
وبدأ الاجتماع ..
قهقه سعفان النادي، هاتفا لنغم أمرا: كفاية بقى يا بت يا نغم، يخربيت خفة دمك.
هتفت نفم، وهي تقطع تفاحة تعطيه بعضها مؤكدة: اضحك يا معلم، محدش واخد منها حاجة، علّي الضحكاية علّي.
ظهر منتصر قادما، يبتسم بدوره، وقد رأي سعفان غارق في ضحكاته، ليهتف منشرحا: إيه الضحك ده كله!! ما تضحكونا معاكم.
أكد سعفان مشيرا لنغم: بت اللذينة دي، مشفتش فخفة دمها، والله يا نغم نسيتي الواحد قرفه ودنيته كلها.
ابتسمت نغم مؤكدة في دلال: خدامتك يا معلم، الله طبعا لازما انسيك أي تعب، ده أنا لو معملتش كده يبقى مليش لازمة بقى!!
هتف منتصر مؤكدا: تدوم الضحكة يا معلم.
هتف سعفان متعجبا: وأنت مش هتدوم ولا إيه!! ما تفك التكشيرة الصعبة اللي على وشك دي، والله السيما بوظت سمعتنا بين الخلق.
قهقه منتصر مؤكدا: الظاهر كده يا معلم، فكرني ارفع عليهم قضية تعويض، اهو اللي يجي من الحكومة كله مصلحة.
أكد سعفان هاتفا: لا يا سيدي، لا عايزين الحكومة ولا اللي يجي منها، الله الغني، يا نحلة لا تقرصيني ولا عايز منك عسل، بقالي سنين، لا الحكومة عرفالي طريق، ولا قادرة توصل لي، ربنا يبعدهم عنا، ويجعل كلامنا خفيف عليهم.
هتفت نغمة مؤكدة: يا رب يا معلم.
سأل سعفان في اهتمام: اخبار العملية الجديدة إيه يا سيدنا!! أنا قلت اسيبك بقى تتعامل بعد ما بينت كرامة فالعمليتين اللي فاتوا، وبيضت وشي.
هتف منتصر في جدية: ولا يكون عندك خبر يا معلم!! سالكة بعون الله، بس انت شخشخ جيبك ع المظبوط، حاكم اللي ماسك منطقة التسليم ده أنا عارفة، منشار، طالع واكل، نازل واكل، مش بيعتق.
أكد سعفان في لامبالاة: إن ع الفلوس، فمقضية ولا يهمنا، المهم العملية تجينا مقشرة من غير خساير، ويبقى حلال عليه.
أكد منتصر: إن كان كده، حط فبطنك بطيخة صيفي، والعملية اعتبرها خلصت.
أكد سعفان في ثقة: طبعا خلصانة، ومعاها حصانة، ده إحنا الباشا كله معانا.
واستطرد ممسكا بجهاز التحكم في سماعات البهو الموجودين به، هاتفا: ياللاه بقى شوفوا حالكم، وسبوني اتسلط مع الست واعيش اللحظة.
استأذن منتصر، ليهتف سعفان في نغم أمرا: ياللاه يا نغم مع الباشا، والنبي تفكلنا التكشيرة اللي على وشه دي، أحسن أنا بتشائم.
ابتسم منتصر، ليهتف سعفان مبتسما بدوره: اهي ندعت أهي، ياللاه يا بت يا نغم، فرفشيلي الباشا ده، عايز صوت ضحكته يوصلي لحد هنا، ويكيفني فشر صوت الست.
أطلقت نغم إحدى ضحكاتها الماجنة، هاتفة في دلال: من عنينا يا معلم، مسافة السكة.
قهقه سعفان، تاركا إياها تجذب منتصر من كفه، لينهض سائرا خلفها في استسلام تام، وابتسامة مرسومة على شفتيه، وما أن اقتربوا من الغرفة، حتى تنحى منتصر جانبا، وجلس متنهدا على أحد المقاعد، متطلعا نحو الأفق البعيد، غير عابيء بتلك التي تقف موضعها، تنظر إليه متعجبة من حاله، سارت لتجلس جواره، ولم تنبس بحرف واحد، وصوت أم كلثوم العاتب يأتيه من البهو، حيث يجلس سعفان:
عيون كانت بتحسدنى على حبي..ودلوقتى بتبكى عليّا من غٌلبى..وفين إنت يا نور عيني يا روح قلبي..
فين !! فين أشكى لك فين!!
عندي حاجات وكلام..فين دمعك يا عين!!
بيريحنى بُكايا ساعات..
بخاف عليك وبخاف تنساني..والشوق إليك على طول صحّانى..
أمسك منتصر هاتفه، يتطلع نحو شاشته، يغالب شوقا يدفعه ليرى صورتها فقط، أو حتى يدخل ليرى حالتها على الواتس أب، لكنه تنهد واضعا إياه جانبا، ودفع برأسه ما بين كفيه، ولازالت أم كلثوم تثير اوجاعه وتنكأ بكلماتها وصوتها الشجي العاتب جرحه النازف بروحه، ما دفع نغم لتضع كفها على كتفه مواسيه، هامسة بنبرة حانية: أنت بتحبها قوي كده !!
انتفض منتصر، متطلعا نحوها، هاتفا في حنق: بحب مين !! وكلام فارغ إيه اللي بتقوليه ده!!
همست نغم متنهدة: يا باشا فضفض، اهو تخرج الهم اللي على قلبك ده، ده باين إنك غرقان لشوشتك.
اندفع منتصر ممسكا عضدها، يهزها في قوة، هاتفا في غضب مكبوت: إياكِ تجيبي سيرة الموضوع ده تاني، أنتِ نسيتي نفسك ولا إيه!! أنتِ..
قاطعته في حسرة، هاتفة ودمع يترقرق بمقلتيها: عارفة أنا إيه يا باشا!! كتر خيرك إنك فكرتني برضو، مع إن الواحد كان بيحاول ينسى.
ترك منتصر ذراعها، وزفر في حنق، مخللا أصابع كفه ما بين خصلات شعره في ضيق، هاتفا في لهجة حاول أن تبدو على هيئة اعتذار: خلاص يا نغم، محصلش حاجة.
همست به، وكأنها نسيت بالفعل، تسأله في لهفة: ألقولي يا باشا!! هي اللي زيي كده ينفع تنحب!!
هتف منتصر مؤكدا: ومتتحبش ليه!! مش بني أدمة!!
هتفت تفسر: يعني، أديك شايف اللي أنا فيه!! ممكن حد يحبني فوسط القرف ده!!
أكد منتصر مبتسما: لو عرف معدنك الطيب، وحبك بجد، مش هيهمك أي حاجة.
ابتسمت في سعادة، هاتفة في فرحة غامرة: ربنا يجبر بخاطرك يا باشا، والنعمة أنا طيبة وبنت حلال، بس لولا الحوجة ما..
قاطعها منتصر: أنتِ إيه اللي جابك هنا يا نغم!! يعني .. شكلك صغيرة وبنت ناس طيبين.
انفجرت ضاحكة على كلماته الأخيرة، ضحكات هيستيرية مخلوطة ببكاء روح موجوعة بلا دموع، واكدت ساخرة: دول ناس طيبين وولاد حلال مصفي، فاموليا معتبرة يا باشا.
لم يعقب منتصر، لتستطرد متنهدة تسرد قصتها: كنا تلت بنات، نصيب أبونا وأمنا من الخلفة، أبويا كان صنايعي وكسبب، بس ولاد الحرام جروه لسكة الكيف، وحبة حبة الدنيا باظت، وبقينا على الحديدة، والكيف ذل أبويا لدرجة إنه..
صمتت وقد غصت بوجيعتها، لكنها استطردت وهي تزدرد ريقها، مبتلعة ألمها كما تعودت، هاتفة: لدرجة إنه بادلنا بالكيف، بقى عنده استعداد يفرط فشرفه قصاد المزاج، أمي مقدرتش عليه وراحت طفشانة، وسابتنا منا له، كنا هنعمل ايه، وإحنا شايفين ابونا بيبيع فينا ويشتري، بقت كل واحدة فينا، تمن لقعدة كيف، ومن أيد لأيد، لقيت نفسي هنا من نصيب المعلم، وأهي ماشية يا باشا.
تنهد منتصر متأثرا بقصتها، وربت على كتفها في تعاطف، وقع ناظرها على كفه الرابتة في حنو، هامسة تسأله: ألا أنت ممكن تحبني يا باشا!!
ابتسم منتصر ونكس رأسه ولم يحر جوابا، لكنها علمت الإجابة هاتفة بها: ده إيه السؤال الغبي ده!! برضو الواحد أحيانا، هو مش احيانا يعني، هو كتير، بينزل عليه شوية غبا، اكسترا بعيد عنك يا باشا.
نهضت مغادرة، وهي تتمايل مع كلمات أم كلثوم، من يراها يعتقد أنها خالية البال، لا يشغلها هما، ولا يؤرقها فكرا، لا يدرك أن ألمها أكبر من أن تعبر عنه، وقد خزلها من كانوا ،من المفترض هم السند والظهر .
تطلع منتصر نحوها مشفقا، وانتفض مغادرا نحو غرفته، هربا من أم كلثوم وكلماتها التي باتت تنغص مجلسه:
غلبني الشوق، وغلبني ..
وليل البعد دوبني..ناسيا هاتفه، الذي تسلل أحد الرجال، وانتشله من موضعه، دافعا به لعمق جيبه، مغادرا في سرعة..
كان يجلس بأحد المقاعد الموجودة، يتطلع نحو جسد راضي المسجى عبر ذاك الحائط الزجاجي، عاري الصدر إلا من لفائف شاش وقطن طبي، تغطي جرح بصدره، وهو غائب تماما عن الوعي.
ما أن وصله اتصال عمه حازم، وأخبره بما حدث لراضي، حتى أتى مهرولا، قاطعا الطريق في اقل عدد ساعات ممكن.
القلق يقتات على قلبه، وأخوه ممدد أمامه بهذا الشكل بلا حراك، خارج لتوه من غرفة العمليات، وقد أخبره الطبيب أن الجرح غائرا، والنزف كان شديد، وهو مشتت ما بين أمرين، أن يخبيء الأمر على أبوه وأمه وألا يخبرهما!! وما بين أخبارها حتى لا يتحمل وحده عواقب التستر عن أمر كهذا!!
ربتت كف على كتفه في تعاطف، جعلته يتنبه لوجود عمه حازم، هاتفا في نبرة مطمئنة: هايبقى كويس باذن الله.
هز يونس رأسه هاتفا: باذن الله يا عمي، بس حضرتك اتصلت بيا وجلت لي متبلغهمش في نچع الصالح، طب ليه!!
أكد حازم: ملهاش لازمة تخضهم على أخوك، وأبوك وأمك مش حمل البهدلة ومسافة الطريق من هناك لهنا، أنا لسه جاي من عند الدكتور اللي بيباشر حالته، قالي حالته مستقره، وخلال ساعات هيفوق ويبقى زي الفل، بس الجرح هيحتاج له فترة عشان يخف، وده طبيعي.
هز يونس رأسه موافقا: يجوم هو بالسلامة، وأني كفيل بيه، بس يطمنا عليه.
ربت حازم على كتفه من جديد: والله هايبقى تمام، والولاد اللي عملوا الكلام ده، جابوهم، أنا مسبتش الموضوع، فضلت متابعه لحد ما بلغوني إن البلطجية دول مرميين دلوقتي فالقسم، وهايتعرضوا ع النيابة، وحقه هايجي تالت ومتلت.
هتف يونس مؤكدا: بس هو يجوم بالسلامة يا عمي، وبعد كده اللي يحصل يحصل.
اندفع نادر، ومعه ناصر يتعكز عليه متعبا، والذي هتف والسعال يشارك كلماته: أخباره إيه دلوقتي!!
هتف حازم رابتا على كتف ناصر: اقعد يا ناصر أنت تعبان، وهو أهو ربنا يسلمه، ده يونس أخوه.
أشار حازم ليونس، ليهتف ناصر في نبرة متأسفة، شاعرا بالخزي: اهلا يا بني، كان نفسنا نشوفك فظرف أحسن من كده، وسامحنا على اللي جرى، كان المفروض إنه ضيفنا وبينا، وعمك حازم موصينا عليه، وربنا يعلم إننا مقصرناش، لكن النصيب بقى.
هتف يونس مؤكدا: ايوه هو فالاول والآخر نصيب، وأني متأكد إنه كان فعنيكم، وراضي ياما شكر فيكم، وجال انكم ناس طيبين ومتتخيروش عن أهله فالبلد، بس كيف ما جلت حضرتك، أهو النصيب، المهم يجوم لنا بالسلامة.
هتف نادر مؤكدا: هيقوم وهيبقى تمام والله، راضي ده أجدع راجل أنا قابلته فحياتي، بس البلطجية دول اتكاتروا عليه، واستغلوا اني مكنتش موجود وابويا تعبان مبينزلش الورشة بقاله شوية، وجدي مكنش موجود فالحارة، فاستفرودا بيه، لكن البوليس جه خدهم كلهم.
تطلع يونس من جديد على جسد أخوه الساكن، ولم ينبس حرفا، يموت قهرا على حال راضي، ولا حيلة له.
رن هاتفه، فاستأذن متخذا ركن قصي، وضغط زر فتح المكالمة، هاتفا: ألو..
همس ذاك الصوت المتحشرج على الجانب الاخر: كيفك يا يونس بيه!!
تنبه يونس أن ذاك صوتها، الذي تحاول أن تغير من طبيعته، لكنها ظهرت جلية عبر الهاتف، ما جعل قلبه يرفرف بين جنباته، مقررا مشاكستها: مين معاي!!
أكدت سماحة هاتفة: أنا سماحة يا يونس بيه، كيفه أخوك، يا رب يكون بخير دلوجت، والله أمي من ساعة ما مشيت وهي بتدعيله ربنا يجومه بالسلامة.
هتف يونس متضرعا: يا رب، هو لسه مفاجش، ربنا يعديها على خير.
همست سماحة: هتعدي يا بيه، وهيجوم كيف الحصان، بس جولي، اتغديت يا بيه!! ده أنت خرچت چري من غير ما تحط لجمة فبطنك.
ابتسم يونس، فاتصالها هون عليه الكثير، وتعجب كيف يمكن لصوت إنسان أن يكون حاجز صد عن احزان العالم فلا تطال قلبه، وإن طالته، يكون ذاك الصوت هو البلسم الشافي لكل اثر خلفته تلك الأحزان!!
همس يونس مؤكدا: والله ما ليا نفس يا سماحة، منظر راضي وهو راجد كده، واچع جلبي، وسادد نفسي عن الدنيا.
حاولت أن تستجمع شتات نفسها الموجعة نيابة عنه، هامسة بنبرة حاولت أن تودعها ثبات تخلى عنها، وهي توصيه: لاه يا بيه، خلي بالك على حالك، عشان راضي بيه لما ربنا يكرمه، ويجوم بألف سلامة، يلاجيك شديد، مطاوعش روحك، وكل لك حاچة عشان خاطري.
فلتت منها كلماتها الأخيرة، لتضع كفها على فمها، مبعدة الهاتف قليلا، تتمنى لو لم يصله توسلها الأخير بهذا الصوت الناعم، الذي يفضح هويتها.
كان هذا كل ما يشغلها، غير مدركة أن ذاك الصوت الحاني الذي كانت تحاول مداراته، هو طوق نجاته من براثن الوجع الذي تتخطفه أشباحه، دافعا إياه ليهمس بصوت متأثر: حاضر، بإذن الله.
ردت مستعيدة صوتها الأجش، لكنها لم تفقد حسها الأنثوي الحاني، شاعرة بالاسى تجاهه: يحضر لك الخير، وترچعلنا بألف سلامة، البيت مضلم من غيرك يا بيه، ربنا ما يغيبك أبدا.
كانت كلماتها تلك، هي القشة التي قصمت ظهر بعير تحمله، ما جعله يهتف بها في صوت عصف الشوق بمجامعه: سماحة، لما أرچع، ليا كلام كتير معاك.
لم تعقب لبرهة، حتى همست في نبرة مرتبكة: تاچي بالسلامة يا بيه، مع ألف سلامة.
أغلقت الهاتف، متطلعة نحوه، وكادت أن تقذف به في حنق، فقد كانت تعتقد كبلهاء أن حديثها معه على الهاتف، وصوته الرحيم ذاك يصل حتى أعمق نقطة بروحها التي اشتاقت ما أن رحل عنها مغادرا، موقظا مكامن الشوق التي كانت تحاول تجاهله دوما في حضرته، فانتقم منها بقسوة في غيابه الذي يعذب فؤادها الملناع ذاك.
قذفت بالهاتف بقعر جيبها، مقسمة أن لا تحادثه على الهاتف مرة أخرى، وليكن ما يكون، غير مدركة أن محادثتها تلك، جعلته يتخذ قرار، كان يدعه لها، معتقدا أن هذا هو القرار الصحيح، لكنه ما عاد قادرا على الاختباء أكثر من هذا، وعليه أن يظهر من خلف استار التغافل التي يستتر خلفها، احتراما لرغبتها، عليه أن يقوم بالكثير، فما عاد يملك من الصبر ما يمكنه على الاحتمال أكثر من هذا.
همست حُسن جوار عمتها تشاكسها، وهي في تيه تام، مترنمة بإحدى الأغنيات، التي كان يعشقها زوجها الراحل: كنت بتحبيه قوي كده يا عمتي!!
تنبهت عمتها متطلعة نحوها بأعين دامعة، هزها الشوق لذاك الغائب الحاضر دوما: محبتش حد قده فالدتيا، عرف يحببني فيه، لدرجة إن بقى عندي فايض من الحب اعيش عليه اللي باقي من عمري لحد ما أروح له.
دمعت عينا حُسن من عمق مشاعر عمتها، التي كانت جلية في كل حرف تنطقه، وسألتها: انتوا اتقابلتوا إزاي يا عمتي!!
بدأ عمتها فالسرد هامسة: كان عمك سعد في إجازة بمصر، وأنا كنت بشتغل في مصنع كبير من بتوع الملابس، وأنا خارجة من المصنع كان هيخبطني بالعربية، قمت بقى ولسه هفتح فيه ماسورة التهزيق اللي قلبك يحبها، لقيته واقف يتأسف ويعتذر، لقيت الراجل محترم، رحت لميت نفسي وسكت، وقلت له حصل خير، سبته ومشيت، لقيته بعدها بساعتين جاي يخطبني من أبوكِ الله يرحمه، وده كان سبب الخلاف ما بنا.
هتفت حُسن: واتجوزتوا برضو!!
أكدت عمتها: قعد يحاول يقنع سالم كتير، مكنش بيقتنع، كان فاكره هياخدني ويبهدلني، ومش هيصوني، وأنا كنت مطلقة، وخارجة من موال صعب مع جوزي الاولاني، ومن غير عيال، عشان مكنش ليا فالخلفة.
تطلعت لها حُسن متعجبة: أومال شعيل ده إيه!!
قهقهت عمتها مؤكدة: ما هي دي المفاجأة، مش أنا طلعت بخلف، وطليقي هو اللي كان مش بيخلف، واهو ربنا نصفني، ورزقني بشعيل من عمك سعد، وربنا فتح عليه كمان وكمان، كان دائما يقولي، مش أني سعد، بس أنت وش السعد عليا، عشت معاه اللي عمري ما كنت أفكر إنه موجود من أساسه، يوم ما مات يا حُسن أنا موت وراه، اللي قدامك دي، فضلت فترة تتعالج بعد ما روح، لحد ما بقيت بصبر نفسي إنه مسافر وأنا هروح له.
سال دمع حُسن، ولم تعقب، لتستطرد عمتها في حنو: اوعي يا حُسن تدي قلبك إلا اللي يستاهله، واللي يقدره على حق ربنا، الراجل لو مقدرش الست اللي معاه، عمرها ما هتحس بالأمان جنبه، وهتفضل طول عمرها تدور ع الامان معاه ومش هتلاقيه للأسف، خدي الراجل اللي يحسسك إنك ست، وانك مالية عينه عن ستات الدنيا كلها، وانك ساكنة ومربعة فقلبه، ومفيش اي قوة فالدنيا تقدر تزعزعك من جواه، الراجل ده تعيشي معاه، وتبقى فعلا ست أنتِ نفسك هتستغربي نفسك، أنا دي!! هو إزاي بيقدر بكلمة يخليني حلوة قوي كده!! وست قوي كده!! و بحبه قوي كده!!
هتفت حُسن مؤكدة: ياااه يا عمتي، ده أكيد كان من نوع خاص من الرجالة، خلاص بقى مبقاش موجود.
أكدت عمتها: لا موجود، بس بقوا فعلا قليلين قوي، عارفة ليه، عشان خالفوا فطرة ربنا اللي خلق عليها البشر من أيام آدم وحواء، الست بتناطح وبقت ند وعند فالراجل، والراجل بقى بيعمل دماغه بدماغ الست.
ضحكت حُسن، لتستطرد عمتها: والنعمة حصل وبيحصل، ما هو كل واحد لو عرف ربنا خلقه للتاني ليه هنرتاح كلنا، الست مودة ورحمة وسكن، والراحل سند وضهر وقوامة، ربنا خلقنا عشان نبقى مع بعض على الدنيا، مش يبقى كل واحد فينا مع الدنيا على شريكه، لما كل طرف نسي دوره اللي ربنا خلقه له، باظ اساس العلاقة و بقت زي ما أنتِ شايفة، بقينا بنقول ع الطبيعي حاجة مش معقولة ونقول ع المش طبيعي، عادي، الدنيا اتقل خيرها، والفطرة اتقلب ميزانها يا بنتي.
أكدت حُسن هامسة: صدقتي والله يا عمتي، يا بختك بعمي سعد، ربنا يرحمه رحمة واسعة.
هتفت عمتها متأثرة: وحشني قوي يا حُسن، وأنا قاعدة كده، بيتهيء لي هلاقيه داخل عليا، وبيناديني فوز، زي ما كان بيحب دايما، عارفة!! أكبر رزق ممكن واحدة تاخده فالدنيا، راجل زي عمك سعد، مفيش أجمل من الواحد يحب ويتحب بجد، ربنا يرزق قلبك الحب اللي بجد يا حُسن.
وصل شعيل في تلك اللحظة، متطلعا نحوهما في تعجب، وقد بدا أنهما باكيتان، فهتف متسائلا: وايش صاير!!
لم ترد أمه، لكنها مدت كفها، ورفعت صوت مغنيها المفضل، صادحا بكلمات أغنيته:
يا طيب الجلب وينك، حرام تهجر ضنينك..مشتاج لك يا حياتي، عسى يردك حنينك..يا شوج عيني لعينك..
وأخذت تردد في انسجام، غير عابئة بوجودهما، ما جعل شعيل يتنبه لحاله الحنين التي تصيب أمه، فنهض في هدوء، وانحنى مقبلا هامتها، قبل أن يستأذن بدوره، وقد تنبهت أن ملامحه تغيرت للحزن بدوره، معتقدة أنه تذكر أبيه بالمثل، لا تعلم أن أمه نكأت جراحه التي يحاول تناسبها بدوره، لكن الجرح حي والأمل في شفائه ضعيف، يحتاج لمعجزة..
على الرغم من كل تلك الدلائل التي حصلت عليها، إلا أنها ما تزال غير قادرة على استيعاب حقيقة أن عاصم بكل هذا الوجوم والصمت الآسر الذي يحيطه، هو شيخ العاشقين الذي لطالما هامت بكلماته التي كانت تصف حال قلبها بشكل تعجز هي نفسها عن التعبير عنه، هو ذاك الشخص، من خلف شاشة هاتفها، الذي تجده يضع كل اقتباسات الكتب والروايات التي كانت تقرأها، معلقا روحها به لا شعوريا، فهذا التطابق في الاختيارات، وانسجام الذائقة، جعله المفضل لها، فتحت صفحة شيخ العاشقين، وإعادة النظر في تاريخ بعض المنشورات، لنتأكد من تاريخ النشر الذي كان مطابقا لقراءتها نفس الرواية موضع الاقتباس، والتي كانت تخط الأسطر المعنية بخط وردي، لأجمل اقتباس بالرواية، لتجده قد بدأ يضع هاشتاج يعكس ذاك اللون المفضل لها، الوردي،
وضعت لتوها تلك الرواية التي كانت تطالعها بالأمس، واستترت خلف أحد الأشجار التي كانت بالقرب، فقد انتبهت أنه بالأعلى يتابعها من خلال نافذته كما هي عادته، لم يخب ظنها، فها هو قادم وما أن وصل غرفة القراءة حتى مد كفه متناولا الرواية التي كانت تطالعها بالأمس، وبدأ في فر صفحاتها في لهفة، تبحث عيناه عن الوردي الذي يتخطف نبضات قلبه، وأخيرا وقع ناظره على الاقتباس الوحيد الذي تعمدت اختياره بالرواية، ليخرج هاتفه ويصور ذاك السطر الوردي، تاركا الرواية بعدها جانبا، مندفعا نحو الأعلى من جديد، تنهدت وتطلعت لصفحة شيخ العاشقين، في انتظار الخبر اليقين، الذي تدرك تمام الإدراك، أنه قادم لا محالة، أضاءت الاشعارات بإشعار قادم من صفحته، لتفتحه بقلب وجل، ليسطع أمام ناظريها اقتباسها الوحيد.
انفجرت باكية، وأغلقت الهاتف لا تريد أن ترى تلك الحقيقة الساطعة كشمس، والتي كانت تحاول إنكارها، لتفرض نفسها جلية تخرج لها لسانها، ساخرة من غفلتها، لتهمس في وجيعة: ليه كده يا علصم، ليه تحملني أنت كمان ذنب قلبك!!
واندفعت تصعد الدرج حتى غرفتها، تتحجج بصداع شديد، تختبئ من الحقيقة أسفل غطاء فراشها الذي تدثرت به، تبكي حال ابن عمها وحالها، تحاول الهرب من حقيقة مشاعر عاصم تجاهها، لكن أين المفر من قلبها ومشاعرها هي!!
ساعات فقط، ساعات قليلة فاصلة عن حلم العمر، اجتماعه وسمية تحت سقف حجرة واحدة، وأن تصبح حلاله، تطلع سمير في أرجاء الحجرة بفرحة يخالطها رهبة البدايات.
حاول أن يبعد ناظريه عن الفراش الذي من المفترض أن يجمعهما ليلة الغد كزوجين، وهو ما يزال مذبذب الرأي فيما عليه فعله بعد ما سمع ما كان بينها وبين أخته سهام.
إنه يهواها، هذا لا شك فيه، ونبضات قلبه التي تتقافز لمجرد ذكراها تلك، تبرهن على هذه الحقيقة الجلية، لكن كرامته تثير مكامن الوجع بداخله، متسائلة، ما فائدة هواك، وقلبها معلق بغيرك!؟
لعن في حنق، وأبعد ناظريه عن كل مظاهر الفرخة المنثورة بالغرفة، مؤكدة أنها غرفة عروسين مقبلين على بداية حياتهما الزوجية، لكنه لن يكون، فقد قرر أنه لن يقربها ما لم يتأكد أنه الوحيد بقلبها، ما يعنيه هو ذاك القلب الذي حلم بامتلاكه منذ وعى أن له خافق نابض بين ضلوعه.
اندفع مبتعدا عن الغرفة، وعن مظاهر الفرح المعبق بها أجواء الدار، فحنة سهام، وحنته كذلك الليلة، ليته ما دخل الغرفة!! ليته ما أثار تلك الحقائق الشائكة بصدره.
ابتعد عن الدار، تاركا إياها للحريم، من أجل مزيد من الحرية في إظهار الفرحة بعيدا عن وجود الرجال، مقسما على الصبر، فما بالغد قد يكون أفضل مما تمنى!!
امسكت بهاتفها، وقلبها تتضاعف دقاته بوتيرة متصاعفة تكاد تصيبها باذمة قلبية، حاولت أو تخفف من وطأة الأمر عليها، وبدأت في الشهيق بعمق، حتى بدأت في تهدئة نفسها، قبل أن تفتح الواتس أب على ذاك الرقم الذي سجلته باسمه، وضغطت على الأحرف باصابع مرتجفة، جعلتها تخطىء موضعها عدة مرات، قبل أن تنهي كلمتها الوحيدة التي خطتها" أنا موافقة"
كانت ترغب في قذف الكلمات والركض سريعا، لكنه كان هتاك، ينتظر على أحر من الجمر ردها، ولم يفلت الهاتف من كفه النهار بطوله، معذبته هي بالانتظار، حتى جادت بالرد في أخره، وبكلمات مقتضبة، جعلته يخط لها، وقلبه لا يقل عن قلبها اضطرابا: " نمرة والدكِ، هتصل به اخد ميعاد، بعد ما افاتح أمي، اللي أنا متأكد انها هتكون موافقة جدا جدا، هتكون أكرم منكِ، كتبتي موافقة بس، 😉"
انفجرت ضاحكة، وتألق الدمع بعينيها فرحا، ولم ترد بحرف، ليستطرد مرسلا: " نوارة، أنا مش عارف اقول ايه، بس فيه كلام كتير لازم أقوله مينفعش إلا لما أشوفك، هتيجي الشغل بكرة؟؟؟؟؟"
فكرت لبرهة قبل أن تكتب:"معتقدش، أنت أول ما تكلم بابا، مش هقدر اجي الشغل تاني، أنت عارف العوايد"
تنهد قبل أن يكتب: " عندك حق، خلاص، نتقابل فبيتكم على بركة الله"
كتبت في سعادة:" على بركة الله"
أرسل لها ملصق يشير بكفه مودعا، لتظل نوارة محملقة في شاشة الهاتف، لا تصدق أن ما جرى، قد حدث بالفعل، تعيد قراءة الحوار بينهما، لتتنهد أخيرا، ضامة الهاتف لقلبها في سعادة مفرطة.
بينما نهض رائف متوجها لأمه، التي وجدها كعادتها تقرأ في المكتبة، دخل مقتربا منها، منحنيا يقبل هامتها، هاتفا في تساؤل: هعطلك عن حاچة!!
أغلقت سميحة الكتاب الذي كانت تطالع، هاتفة في محبة: ولا عطلة ولا حاجة، هو في أهم منك!! وخصوصي لما يكون عندك كلام كتير تقوله..
ابتسم رائف هاتفا: الواحد مبيعرفش يخبي عنك حاچة، بس هو الموضوع أصلا، أنتِ تقريبا حساه، موضوع خاص بنوارة وبيا.
اعتدلت سميحة متطلعة نحو رائف في لهفة، هاتفة في تعجل: قول أن اللي فبالي صح!!
هز رأسه مؤكدا، لتنهض تضمه في سعادة، هاتفة في فرحة غامرة: يا زين ما أخترت، والله من أول ما شفتها وأنا اتمنيتها ليك يا حبيبي، ربنا يتمم لكم على خير، هتكلم بباها أمتى عشان نروح نطلبها!!
أكد رائف باسما: دلوقتي حالا، أنا كنت منتظر موافجتك.
هتفت سميحة مؤكدة: أنا موافقة جدا، موافقة خالص، روح كلمه بقى.
قهقه رائف هاتفا: والله أنا قلت هتطلعي اكرم منها، هتقولي موافقة وبالثلث، مش هي بعتاها كأنها بتشاور روحها.
قهقهت سميحة مؤكدة: أنا كده اطمنت عليها، اصل انتوا الرجالة عايزين واحدة تغلبكم معاها.
ارتفعت ضحكاته وأخرج هاتفه، واستأذن ليحدث والد نوارة، تطلعت سميحة نحوه، تتمنى له دوام تلك الضحكات، والسعادة التي تستشعرها لأول مرة خارجة بصدق من قلب رائف، الذي تعذب كثيرا، ويستحق أن ينل الراحة والحب.
دخل رائف حجرة البيانو، وجلس قبالته، يشعر باضطراب عجيب ما استشعره سابقا، زفر يحاول الحصول على بعض من ثبات، قبل أن ينسخ رقم والد نوارة، وما أن وضعه على زر الاتصال، حتى أضاء اسمه على تطبيق التروكولر، لينتفض رائف مغلقا الهاتف، قبل أن يبدأ الإتصال، ترك الهاتف ونهض يجوب الحجرة، كليث جريح، وما أن تأكد أن أمه ليست بغرفة المكتب، حتى اندفع باحثا عن اوراق نوارة، التي وجدها اخيرا، فأخرجها باحثا عن خانة الاسم، ليسطع أمام ناظريه، نوارة مهران عاصم مهران، الاسم رباعي، ولا ذكر للقب العائلة، لو كان أدرك هذا من البداية، ما سمح لها بالبقاء لحظة واحدة تحت سقف السليمانية، إنها منهم، أي مصيبة حلت به وبقلبه!!
وضع الأوراق موضعها، وجلس مصدوما، يضع رأسه ما بين كفيه، لا علم له كيفية التصرف في هذه الورطة.
رواية زاد العمر وزواده الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم رضوى جاويش
ثلاثة أيام مرت، ولا حس ولا خبر منه، كأن ما جرى محض خيال.
لدرجة أنها كانت تفتح الدردشة على تطبيق الواتس بينهما، ليتأكد لها أنه وعدها بمحادثة أبيها، لتحديد موعد حتى يأتي لخطبتها. وكذا تعيد قراءة ذاك الخطاب الذي تحتفظ به بين طيات كتبها، التي تدرك أن ما من أحد غيرها سيفتحها مستطلعًا.
"ماذا هناك؟ هل هو مريض؟ أو ربما الدكتورة سميحة؟ والاختمال الأكبر هو جده، ربما أصيب بوعكة صحية، دفعت به لتأجيل الأمر قليلاً؟"
"لكن لو كان الوضع على هذه الحالة، لما لم يتصل ليخبرها، أو حتى أرسل رسالة ما ليطمئنها. فقد اتفقنا على عدم الحضور للعمل، وانتهى الأمر. لكنها حاولت الاتصال به، والهاتف مغلق. ولا أحد يصبرها ويخبرها أن الأمر خير. حتى الدكتورة سميحة لا ترد على هاتفها الوحيد."
"إن في الأمر سرًا ما، وعليها اكتشافه. لكن كيف لها ذلك؟"
عقلها مشوش وقلبها مضطرب، ولا حيلة لها إلا الدعاء. فكل ما يعنيها اللحظة أن يكون رائف بخير، وجميع أفراد عائلته.
تناهى لمسامعها صوت سجود، وهي تتغنى من داخل الحمام كعادتها. فقد الكل يستعد من أجل عقد قران سمير وسهام وسمية ومؤمن. النجع كله في حالة تأهب تام، والفرحة تكسي القلوب جميعها، إلا قلبها الذي ما كانت تشغله أمور الهوى وأوجاع العشق. بات منذ عرفته قلبًا آخر لا ينتمي لها، وكأنه لا يعرفها، ولا يعرفها. قلب لا يشبهها أبدًا.
خرجت سجود من الحمام، متطلعة نحوها وهي على هذا التيه، تقف أمام النافذة تحول ناظريها في البراح أمامها، لعلها تهدئ من ثورة صدرها. لتسألها متعجبة:
"إيه يا نوارة، مش هتحضري نفسك عشان نروح بيت عمتك سهام عشان الحنة؟"
هزت نوارة رأسها، وهمست في لا مبالاة:
"آه، هجهز أهو، متقلقيش، لسه معانا وقت."
هتفت سجود:
"طب تمام، يالا عشان نروحوا سوا. وأنا مش بحب أفضل قاعدة بعد ما أخلص لبس، هروح وأسيبك."
ابتسمت نوارة مؤكدة:
"لا خلاص هلبس أهو."
اتجهت نوارة للحمام، لإعداد نفسها لحفل الليلة، وحملت معها أوجاع قلبها الذي لا يعلم لها خلاصًا إلا الله.
***
كانت منكبة على كتبها، تحاول إنهاء كل هذه التفاصيل التي أرسلتها نعمة لها، والتي فاتتها في الشهور الماضية. حين دخلت روبي مهللة كعادتها:
"كل دي مذاكرة، بكفي يا حُسن، عيونك يا حبيبتي."
قهقهت حُسن مؤكدة:
"لازم أخلص، الامتحانات قربت، وأنا مفتحتش كتاب من شهور."
أكدت روبي في عجالة:
"طب قومي قومي، خلينا نخرج شوية، نغير جو، ونأكل أي حاجة. وبعدين ارجعي كلي كتبك، ما دخلني."
أكدت حُسن باسمة:
"مش هينفع، والله المذاكرة كتير قوي، متلتلة يا أختي."
همت روبي بالحديث، لكن تناهى لمسامعهن صوت موسيقى قريبة. تطلعت حُسن في تعجب هاتفة لربى:
"أول مرة عمتي تفتح حاجة غير خليجي."
أكدت ربى متنهدة:
"دي مش فوز، ده شعيل، واضح إن حالة كل سنة هلت."
زمن حُسن ما بين حاجبيها هاتفة في تعجب:
"حالة إيه اللي بتجيله كل سنة؟"
همست روبي:
"يا بنتي بيدخل في حالة نفسية مش مظبوطة ويفضل حابس نفسه الحبسسة السودا دي، عشان كده كنت بقولك تعالي ننزل، اهو لو اتحايلنا عليه، وخاصة انتِ، ممكن يخرج عشان يوصلنا، اهو نحاول نخرجه من الحالة دي بأي طريقة."
هتفت حُسن متسائلة:
"طب ليه أصلًا، اللي يشوف شعيل مش ممكن يصدق إنه ممكن يوصل لحالة زي اللي بتقوليها دي؟"
أكدت روبي متنهدة في وجع:
"إنه العشق، ووجع الفراق."
تعجبت حُسن ولم تعقب، لتستطرد روبي شارحة:
"شعيل كان بيحب بنت زميلته في الجامعة، اتعلق بها كتير، وكان بينهم قصة حب ولا فالأفلام. اجتمعوا أخيرًا وتزوجوا."
هتفت حُسن مصدومة:
"اتزوجوا؟"
أكدت ربى:
"إيه، اتزوجوا، وكانوا في سعادة منقطعة النظير. ما اعتقد إن في حب امرأة مثل ما حب شعيل رهف. لكن كيف ما بيقولوا، تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن."
تطلعت لها حُسن، هاتفة في تعجل:
"إيه اللي حصل؟"
أكدت ربى، وقد بدا عليها التأثر:
"كانت حامل بشهرها الثالث، تعبت كتير. كانوا مفكرينه تعب الحمل، لكن مع التحاليل والفحوصات، اتأكد أن معها كانسر، وفي حالة متقدمة. وطبعًا مش محتاجة أشرح الباقي، وإيه اللي حصل عشان شعيل يوصل للحالة دي."
هتفت حُسن مصدومة:
"ماتت؟"
هزت روبي رأسها في تأكيد، وتحشرج صوتها هامسة:
"إيه، ماتت، هي وجنينها، ودخل شعيل في حالة نفسية رهيبة، وبكرة ذكرى وفاتها، ودايمًا يدخل في الحالة دي مع اقتراب الموعد."
تسمعا ليصلهما غناء هامس:
"وكأن الوقت في بعدك واقف مبيمشيش
وكأنك كنت معايا، بعدتي ومبعدتيش."
دمعت عين حُسن تأثرًا لحاله، وتطلعت لربى التي بدأت تبكي في قهر.
اقتربت منها حُسن، وضمتها لصدرها مواسية، هامسة متسائلة:
"بتحبيه يا ربى؟"
هزت ربى رأسها إيجابًا، وهي بأحضان حُسن، ليرتفع نحيبها، فيزداد ضم حُسن لها. ومن مثل حُسن يدرك لوعة العشق، وأوجاع العشق من طرف واحد، محبوبه لا يدرك بمعاناته، ولا علم له كيف يقاسي في بعده كما بقربه، لأنه يدرك أن لا أمل في خلق حكاية بينهما.
همست حُسن متسائلة:
"طب ما يمكن هو صعبان عليكِ بس، مش حب يا روبى؟"
أكدت ربى وهي ترفع رأسها من أحضانها، هاتفة:
"لا بحبه، بحبه من قبل حتى ما أعرف أنه عاشق لرهف، بحبه من يوم ما وعيت ع الدنيا وما في إلا شعيل، لكن ما بعرف، ليش ما عم يتنبه لإلي، أني بموت شوقًا وعشقًا، وهو لوح من الثلج، كأنه فقد قلبه برحيل رهف."
ربتت حُسن على كتف ربى في تعاطف، تشاركها وجعها الذي تدركه جيدًا حد المعاناة.
همست ربى تمسح دموعها:
"عطلتك عن درسك، بكفي دموع وأوجاع، أنا هروح أعمل نسكافيه، اعمل لك معاي."
هزت حُسن رأسها موافقة، لتمسك ربى هاتفها، وتضغط على إحدى أغانيها المفضلة. لتدرك حُسن لما تحبها بالأساس، نهضت من موضعها تضغط على زر الاتصال بنعمة، تحاول أن تعرف أية أخبار عنه، عن مالك القلب الذي لا يدرك أنه مالكه من الأساس.
ظل الرنين متواصلًا، ولكن لا إجابة. كانت على وشك إغلاق الخط.
ارتفع الرنين داخل حجرة نعمة، التي ما رغبت في التواصل مع أحد. كانت تبكي وجعًا على حال راضي، تستشعر أن الجميع يطمئنها، لكنها لن تطمئن إلا إذا رأته بعيونها.
ارتفع الرنين، ليندفع نادر لداخل الغرفة، لتدعي نعمة النوم. فيجذب نادر الهاتف هاتفا في حنق:
"كل ده نوم، ما تردي عليه يا إما تقفليه."
كاد أن يضغط زر إغلاق الخط، لكنه رأى اسم حُسن، فلم يدرك إلا وهو يضغط زر التواصل، هاتفا في قلب مضطرب:
"ألو."
ترددت حُسن للحظة، قبل أن ترد على ذاك الصوت الرجولي العميق، الذي رد على الجانب الآخر. إنه صوته. ذاك الاضطراب بخفقات فؤادها يخبرها بل يؤكد لها يقينًا أنه هو. لكن لم يجيب على هاتف نعمة؟!
همست في توتر:
"السلام عليكم، إزيك يا باشمهندس."
هتف نادر في محاولة للثبات بعد أن وصله صوتها الذي لم يكن يتخيل أنه افتقده هذا الحد الذي يقهر وجعًا:
"إزيك يا حُسن، أخبارك إيه؟ بخير؟"
أكدت حُسن وهي متلبكة، وكلمات أغنية ربى تتسلل إليهما، تفقدها ثباتها المبعثر من الأساس:
"مانيش رايداه، ومانيش رايده إلا هو..
ومفيش فايدة، مفيش فايدة..
فالبعد عشقاه، فالقرب عشقاه.."
استجمعت أحرفها، وهي تشعر بالحنق من ربى، التي قررت رفع صوت أغنيتها، في هذا المقطع بالذات. وهتفت:
"الحمد لله، هي نعمة فين؟"
أكد نادر:
"كانت نايمة، ومسمعتش رن الموبيل، رديت بدالها عشان أقولك إني وصلت البحث بتاعك للجامعة مع البحث بتاعها، متقلقيش."
ابتسمت شاكرة:
"تعبناك يا باشمهندس."
أكد نادر:
"مفيش تعب."
وسأل في تهور:
"هو أنتِ مش هاتنزلي تمتحني، ولا إيه؟"
صدمها السؤال، لكنها أجابت في هدوء:
"مش عارفة لسه إيه الظروف، ما الامتحان ممكن يكون أونلاين، ومنزلش."
هتف في شوق لم يستطع مداراته:
"إن شاء الله تقدري تنزلي ونشوفك، ولا الحارة موحشتكيش؟"
هتفت في اضطراب لكلماته، التي كانت تحمل لطفًا غير معتاد، ورقة غير متعمدة، تخرج في سلاسة تطبطب على كتف القلب الذي كان ينتحب في زاوية الصدر منذ زمن بعيد، ولا يعلم بحاله إلا الله:
"وحشتني طبعًا، هو حد ينسى أهله."
دخلت ربى في هذه اللحظة، لتضع أمامها كوب النسكافيه، لا علم لها أنها تتحدث على الهاتف. لتهتف في أريحية:
"كوب نسكافيه وصاية، عشان محدش هيقنع شعيل إنه يخرج إلا انتِ، مش بيرفض لك طلب."
كان كل هذا يصل على الجانب الآخر، يجعل نادر يغلي غيرة وحنقًا، لكنه لم ينبس بحرف واحد، يحاول السيطرة على غضبه الذي يعرف إلى أي حد يمكن أن يصل. لتهتف هي في ارتباك:
"طب أقول سلام مؤقت يا باشمهندس، وهتصل تاني."
هتف في حنق، لم يستطع مداراته:
"آه طبعًا، ما الأستاذ شعيل منتظر، ربنا يعين ويساعد."
لا تعلم هل كان عليها الانفجار ضحكًا، أم البكاء قهرًا لسوء ظنه!! لكنها استأذنته في هدوء حاولت التمسك به حتى أنهت المكالمة، ومن ثم انفجرت ضاحكة ودموع تكلل مقلتيها، وقد استشعرت أخيرًا، أن ثمة غيرة استشعرت ذبذباتها بحديثه، ما أشعرها بفرحة غامرة لم تكن يومًا بالحسبان.
***
وصل لحضور زفاف سمير وسهام، لم يكن ليتخلف عن حضور حفل عائلي بهذه الحميمية. صف سيارته خارج سور الدار، وتلك الزغاريد والموسيقى الصادحة، تصل مسامعه تخبره أن الاحتفال على أشده.
دخل متطلعًا حوله بالحديقة، باحثًا عن سمير والشباب، حتى ينضم إليهم، فقد أخبروه أن اليوم هو يوم عقد القران، وما يوم.. يوم ماذا!! لقد أخبروه الاسم، لكنه نسي ما يعنيه، فقط عرف أنه اليوم الذي يسبق الزفاف.
لا يعلم ما الذي يحدث، تقدم للداخل، وخطى نحو موضع ما بمنتصف القاعة، صوت الطبل والغناء صادح، حتى أن صوته لن يكون ظاهرًا كفاية إذا ما فكر في النداء واستدعاء أحدهم.
تقدم في حذر نحو أحد القاعات، التي ما أن وصل بالقرب من مدخلها حتى اندفعت من داخلها إحدى الفتيات، والتي كانت تتحدث مع أحدهم بالداخل لا تنتبه لموضع خطواتها، فاصطدمت به في شدة. كانت في سبيلها للسقوط، حاول بالفعل إنقاذها، لكن للأسف، فشل فشلاً ذريعًا، لتسقط أسفل قدميه، من يراها اللحظة من على بعد، قد يعتقد أنها تتوسله لأمر ما.
انتفض مندفعًا نحو الفتاة التي ما زالت هناك موضعها أرضًا، منحنياً في ذعر يعتقد أنها قد أصيبت بالضرر، ما دفعه ليهتف متسائلاً:
"أنا آسف يا آنسة، مكنش قصدي، أنا..."
زعقت سجود في غضب:
"انت إيه اللي دخلك هنا من أساسه!!.. المفروض..."
رفعت ناظريها نحو من صدمها، لتخرس وتبتلع لسانها، عندما اكتشفت أنه يوسف. مد كفه ليساعدها على النهوض، لكنها تجاهلت الكف الممدودة، ونهضت تتطلع نحوه في تعجب:
"دكتور يوسف!! هو حضرتك بتعمل إيه هنا؟"
أكد يوسف في براءة:
"أنا جاي أحضر كتب كتاب سمير وسهام، وزي ما أنا سامع أهو، أنا جيت فالوقت الصحيح."
ابتسمت سجود مؤكدة:
"آه الوقت الصح لكن المكان الغلط."
تطلع نحوها لا يستوعب ماذا تقصد، لتؤكد سجود:
"كتب الكتاب فالجامع يا دكتور، لكن هنا حنة الستات."
هتف يوسف مؤكدًا:
"أيوه حنة، سمير قالي تعالى احضر كتب الكتاب والحنة."
قهقهت سجود رغما عنها، ما دفعه ليتطلع فيها متعجبًا، شعرت بالخجل هاتفة:
"اكيد سمير كان يقصد كتب الكتاب، أصل الحنة بتبقى للعروسة، ومش مسموح أصلًا بوجود راجل هنا، ولو حد شافك، هتتقال عليك كلام مش ظريف خالص."
تطلع نحوها في ريبة:
"كلام إيه؟"
ابتسمت مؤكدة:
"هيتقال إنك داخل عشان تشوف الحريم، وهم واخدين راحتهم بيغنوا ويرقصوا، أنت إيه رأيك؟"
اضطرب يوسف متسائلاً في مزاح:
"طب واللي عايز يحترم نفسه، ويكون بين الرجالة، عشان السمعة مش ببلاش، يعمل إيه؟"
اتسعت ابتسامتها مؤكدة:
"اتفضل معايا، أوصل حضرتك للجامع، عشان نلحق كتب الكتاب."
أومأ برأسه موافقًا، مفسحًا الطريق لها، لتخرج من دار عمتها سهام، ومنه للخارج، ينبعها، حتى إذا ما اقتربت من المسجد، إلا وأشارت له مؤكدة:
"آهو الـجامع يا دكتور."
همت بالرحيل، لكن يوسف استوقفها متسائلاً:
"آنسة سجود؟"
تطلعت نحوه مستفسرة، ليهتف متسائلاً:
"هو حضرتك في جامعة إيه؟"
تطلعت نحوه متعجبة للحظة، قبل أن تهتف في هدوء باسم الجامعة، ليهز رأسه متفهمًا، وأخيرًا استأذنها متجهًا صوب المسجد، لحضور عقد القران.
***
رن جرس هاتفها، تنبهت للطريق أمامها قبل أن تتناوله مجيبة في حماس:
"إيه يا فرفر، جاهزة ولا الدنيا معاكي مش تمام؟"
أكدت فريدة على الجانب الآخر:
"كله تمام، ساعة وهكون بالقاهرة ونطلع ع القطر مع بعض، اوعي تتأخري ع المحطة، يا دوب الوقت حاكم أنا عرفاكي."
هتفت بدور ضاحكة:
"لا متقلقيش، مقدرش أتأخر، رغم إني مكنتش عايزة أعدي النجع تاني برجليا، لكن ده فرح سهام وسمية ومينفعش منحضرش."
أكدت فريدة:
"أيوه طبعًا، منحضرش ده إيه، وبعدين مال النجع وموضوع منتصر!! أنتِ بتدخلي الأمور في بعضها على فكرة."
أكدت بدور متنهدة:
"لا يا فريدة، أنا فاهمة إن مفيش علاقة، بس النجع فيه ذكريات كانت معاه، وأنا مش حاسة إني لسه مؤهلة لمواجهة الذكريات دي. مش عايزة أضعف يا فريدة، لسه في حتة جوايا بتقول إن الموضوع بينا منتهاش، وحتة تانية بتلومني إني بفكر فيه من أساسه، وأنا ما بين الدوشة اللي دايرة جوايا دي مش قادرة أقرر، مين فيهم الصح، أنا فين بالظبط!"
هتفت بدور بسؤالها الأخير، بصوت متحشرج، أثار وجيعة فريدة بالتبعية، متذكرة حالها مع نزار، والذي لم يختلف كثيرًا عن حال بدور اللحظة. كان شعورًا مقيتًا، لا ترغب في تجربته من جديد، كانت أشبه بشخص غرقت سفينته بمنتصف بحر هائج، يشير له أحدهم بشط قريب، عليه السباحة نحوه لينجو، لكنه يفضل البقاء بعرض البحر يرتدي فقط سترة النجاة، والتي هي بالأساس مخروقة، وبالنهاية الغرق هو المحصلة.
هتفت فريدة تحاول إنهاء هذه المحادثة التي اتخذت منحى مرهقًا للنفس:
"بقولك إيه، سوقي على مهلك، وخلي بالك على نفسك، واوعي تتأخري ياللاه، وهاتيلي معاكِ سناكس كتير، اوعي تنسي."
ابتسمت بدور، مدركة تمامًا محاولة فريدة تغيير مجرى الحديث الشجي، هاتفة في تأكيد:
"أكيد، أحلى سناكس لأجدع فرفورة، سلام، وإلى اللقاء يا أصدقاء."
قهقهت فريدة، وأغلقت الهاتف، لتترك بدور هاتفها جانبًا، ورفعت صوت المذياع، تحاول أن تتلهى عن ضجيج أفكارها، لكن كلمات الأغنية جذبتها أكثر لتغرق في خضم مشاعرها المتقلبة، ولا تعي لتلك السيارة التي كانت تتبعها منذ وقت طويل. وما أن انحرفت بدور لأحد الشوارع الجانبية، حتى بدأت هذه السيارة في اعتراض طريق سيارة بدور، التي تنبهت لما يحدث، لكنها لم تستطع أن تمنع ما هو كائن.
***
كانت الزغاريد ما زالت على أشدها، والعروسان يترجلان من عربتهما، بعد انتهاء حفل الزفاف بتلك القاعة الفخمة التي كانت تضم عرسان، على غير العادة.
ظلت الزغاريد، تتبعهما مع رش الملح لدفع العين الشريرة عن العروسين، حتى وصلا لحجرتهما. كان من المفترض على العريس حمل عروسه، والدخول بها لشقتهما العلوية حين دفعت سندس باب الشقة ليتفرج. لكن سمير لم يفعل، بل أشار لسمية لتدخل، وتبعها في هدوء، حتى إذا ما أصبحا بالداخل، جذبت سندس الباب لتغلقه دونهما، ليصبحا وحيدان أخيرًا.
لم يستطع أن يتطلع نحوها حتى، تحرك نحو غرفتهما المعدة لهذه الليلة الميمونة، لتتبعه هي صامتة، حتى وقفت على أعتاب الحجرة في وجل، لا تقوى على الدخول، ما دفعه مضطرًا ليهتف آمرًا:
"ادخلي يا سمية."
كان نطقه باسمها مرهقًا على نفسه في الأساس، لكنه استطرد شارحًا:
"وأني هروح أتوضأ تكوني غيرتي عشان نصلي لنا ركعتين لله."
هزت رأسها موافقة، ودخلت تقف في منتصف الغرفة. مر بها عندما فكر أن يخرج للوضوء، فشعر أن لهيبًا من لظى جهنم قد لفح قلبه، ما دفعه ليسرع، مهرولًا للخارج، مندفعًا نحو الحمام، ليلقي بنفسه أسفل الماء المندفع من الصنبور الفضي. من يراه اللحظة يعتقد أنه كان تحت مطر غزير، أغرقه كليًا، لا تحت صنبور حمام بيته، مغرقًا نفسه بهذا الشكل المبالغ فيه، يحاول أن يطفئ نارًا مستعرة، لو غطس ببحر الشمال البارد ما انطفأت جذوتها لحظة.
تنهد في حنق، وتناول المنشفة، يجفف نفسه قدر الإمكان، وخرج ليقف في منتصف الردهة، يفرد المصلى هاتفا بها:
"أني خلصت."
خرجت من الغرفة تضع أسدالها، وأزالت عن وجهها بعض مساحيق التجميل الخفيفة التي كانت تضعها كعروس، والتي ما قلل من إزالتها بعض من جمالها الفطري، الذي أسر قلبه لسنوات طويلة، بل إنها ويا لمصيبة قلبه! أضحت أكثر جمالًا ورقة، تكبله براءة ملامحها عن النطق بحرف واحد، ما دفعه ليوليها ظهره مكبرًا، لتقف خلفه، وقد بدأت صلاتهما. كانت هي تتمنى من الله أن يعطيها القوة والقدرة حتى تكون عند حسن ظنه كزوجة، وهو يعارك مشاعره ليبحث عن أفضل طريقة ليخبرها بها ما المفترض أن يكون وضعهما في الأيام القادمة.. فأي صلاة تلك، التي كانت مجرد وسيلة هروب من مواجهة ما لابد منه ومن المحتم مواجهته.
أنهى صلاته، وهي من بعده بلحظة، ليستدير مواجهًا لها، نكست رأسها حياء، ليهتف بها دون أن يفكر أن يضع يدًا عليها:
"بصيلي يا سمية، لازم أقول لك كلمتين، كانوا في بالي من زمن، ووجهتهم."
رفعت ناظريها نحوه في طاعة، ليترنح قلبه بين جنبات صدره، لكنه استطاع السيطرة عليه بإرادة من حديد، هاتفا بنبرة ثابتة:
"أني سمعت اللي كان بينك وبين سهام في الجامع، يوم ما اتقدمت لك."
شهقت في صدمة، فاغرة فاها، لكنه استطرد وهو ما زال على هدوئه:
"أني مش بلومك على حاجة، ومحدش يقدر يلوم حد على ميل قلبه، ده بيد ربنا، بيجلب القلوب وإحنا مالناش فيدنا حاجة. لكن أني ليا اللي يخصني. أني كنت ممكن أقول متفجناش ونفسخ الخطوبة، لكن اللي منعني حاجتين، أولهم إني واعي لرغبة مؤمن في سهام والعكس، ومكنتش عايز أوجع قلوبهم، والسبب التاني، إني لقيتك راضية، وده كمان هدفك، وبتفكري كيف تبجي زوجة كويسة ليا. لكن اللي يخصني أني، أن أنا مش هقدر أعيش مع واحدة وأني عارف إن قلبها مش ملكي، مش هقدر. عشان كده، أني بـأقولهالك، أني مش هقرب لك إلا لما أتأكد إن قلبك لسمير، سمير وبس. قبل كده، أنتِ على عيني وراسي، مرتي قدام الناس، لكن بينا، خلينا كل واحد في حاله، لحد ما ربنا يأذن."
همت بالحديث بعد ما استوعبت قراره، لكنه لم يمهلها لتنطق حرفًا، وأشار إلى الغرفة الرئيسية هاتفا:
"دي هتبقى أوضتك من هنا ورايح، وأنا هنام في الأوضة التانية، تصبحي على خير."
ونهض من موضعه، هاربًا من أمام سلطان محياها الذي يعشق، ودخل الغرفة مغلقًا بابها على نفسه، يتمدد على الفراش وهو يعلم تمامًا أن لا نوم سيزوره الليلة، وكيف ذلك، وهي معه تحت سقف بيت واحد، كما تمنى عمره كله!!
***
سألت سندس باسل، تطمئن على وصول حازم وتسبيح وبدور، بعد وصول فريدة، التي أكدت أنها اتفقت عليهم جميعًا ليركبوا سويا القطار من القاهرة، للمجيء لحضور حفل الزفاف. لكن لم يصل من المحطة إلاها، والباقون هواتفهم مغلقة، وما من مجيب.
أكد باسل في محاولة لطمأنتها:
"لعله خير، أنتِ عارفة ظروف شغل حازم، محدش عارف إيه اللي حصل خلاهم مش عارفين ياچوا، متجلجيش."
تنهدت سندس في قلق ولم تعقب.
***
دخل كلاهما غرفتهما في دار ماهر الهواري، يتبعهما الزغاريد، حتى أغلق عليهما بابها.
اندفعت سهام في وجل مبتعدة، ليبتسم مؤمن هاتفا:
"مبروك يا عروسة."
همست في وجل:
"الله يبارك فيك."
"ادخلي غيري هدومك، وأني هستناك.."
هتفت سهام في غباء:
"ليه؟"
قهقه مؤمن هاتفا:
"عشان نلعبوا عشرة ضغط، هيكون ليه!! عشان نصلي لنا ركعتين نطلب البركة."
هزت رأسها مستشعرة مدى غبائها، واندفعت منفذة حتى إذا ما خرجت ترتدي إسدال صلاتها، وجدته يجلس موضعه يحرك حبات مسبحته في هدوء وخشوع، ما دفع لصدرها قدر لا يستهان به من الطمأنينة.
رفع رأسه وابتسم دون أن ينطق حرفًا، واستقبل القبلة مكبرًا، لتتبعه في هدوء.
انهيا صلاتهما، ورفع مؤمن كفيه في تضرع، وبدأ في الدعاء بصوت رخيم، جذب الأمان لأحضان قلبها، وهي تؤمن خلفه، عند انتهائه.
استدار نحوها متطلعًا نحوها، وما أن مد كفه ليمسك بكفها، حتى نزعته منه في اضطراب، تطلعت نحوه، تخاف أن يكون قد أغضبه رد فعلها، لكنها وجدته باش الوجه، مقدرًا لحالتها.
مد كفه داخل جيبه، وأخرج منه شيئًا لم تستوضحه، وتحرك في هدوء نحوها، جاذبًا غطاء رأسها، مبعدًا إياه عن شعرها، الذي كانت المرة الأولى التي يراه فيها.
همس في سعادة:
"بسم الله ما شاء الله."
لم تعقب هي، رغم السعادة التي شملتها لأستحسانه، ليمد كفه واضعًا عقدًا ما حول جيدها، تنبهت، لتضع كفها عليه، وهمست في فرحة:
"الله، حلو قوي، أنا بحب اللؤلؤ."
همس بالقرب من مسامعها في عشق:
"عارف، ما هو ده العقد بتاعك."
شهقت في رقة، وتذكرت يوم أن سقطت أمامها وانفرط عقدها، ليستطرد وقد استدار متطلعًا لعمق عينيها، مستطردًا:
"يومها، لميت كل الحبات اللي جرت يمين وشمال، جمعتهم من تاني، وجلت لو لينا نصيب، وبقيتي حلالي، هاديهولك يوم فرحنا."
تطلعت في عشق فاضح لعمق عينيه بالمثل، حتى إذا ما مد كفيه ليحتضن خصرها لم تمانع، وما أن ضمها لصدره حتى غابت هنا، حيث النعيم بين ذراعيه.
***
علت قهقهات سعفان النادي، من بعد الكثير من النكات التي كانت تلقيها نغم، وما أن دخل منتصر إلى موضع اجتماعهما، حتى هتف به سعفان في تساؤل:
"ها، أكيد سبع يا سيد البشوات؟!"
هتف منتصر وابتسامة ظفر مرسومة على شفتيه:
"وهو فيه مرة مكنتش قد كلمتي يا معلم، وطلعت سيد السباع كمان؟!"
هتف سعفان مؤكدًا:
"الشهادة لله، كفاءة يا باشا، قولي بقى إيه اللي حصل؟"
أكد منتصر:
"حصل كل اللي اتفقنا عليه، سلم واستلم، خدنا البضاعة متشفية، واديناهم المعلوم، وحبايبنا في الحكومة واقفين يتفرجوا، ويصفقوا كمان."
قهقه سعفان هاتفا:
"ف فاتني المشهد الجامد ده، بس عندي مشهد أنا عندي مشهد أجدع، حاجة كده من بتاعت زمان، أيام الفن الجميل."
تطلع له منتصر متعجبًا، وهتف متسائلاً:
"مشهد إيه يا معلم؟"
وتطلع لنغم مستطردًا في سخرية:
"هو أنت شغلت البت نغم في السيما ولا إيه؟"
أكد سعفان مازحًا:
"لا، متنفعش، أنا بحب مشاهد العشق والغرام، حاجة كده فخيمة زي أفلام عبد الحليم والست شادية."
هتف منتصر متعجبًا:
"والله حيرتني يا معلم، أنا مش فاهم أنت.."
أكد سعفان ممتنًا:
"بص يا باشا، أنت خدماتك وجمايلك عليا معملهاش راجل من رجالي، اللي بقالهم سنين معايا، وعشان كده قررت أكافئك بمكافأة كده صغيرة، وخصوصي إن أنا قلبي رهيف، وبياثر فيا قوي الراجل لما قلبه يتكسر، قلت ما عاش ولا كان، ده اللي يفكر يكسر قلب راجلنا، نكسر عينه، وقد كان."
تطلع إليه منتصر في توجس، وتطلع إلى نغم لعلها تدرك شيئًا عما يقصده، لكنها أشارت بطرف خفي أن لا علم لها بما يجري، وما نية سعفان بالضبط. لكن حيرتهما لم تطل حينما هتف سعفان في فخر:
"هديتك يا منتصر باشا، رغم إنها مش قد المقام، بس هنقول إيه بقى!؟ القلب وما يريد."
وهتف سعفان بأحد رجاله، ليحضر هدية الباشا، والتي كان على منتصر التحلي بكل درجات ضبط النفس القصوى، عندما تطلع لبدور تقف أمامه، دافعًا بها أحد رجال سعفان، كانت منكسة الرأس، لا تعي من أمرها شيئًا، يداها مكبلتان خلف ظهرها، وعصابة ما موضوعة على عينيها، وأخرى تكمم فاها.
لم يكن يعلم بحال منتصر في تلك اللحظة إلا الله، فعلى الرغم من كل شيء قد حدث، إلا أنه ما كان يتوقع توريطها في هذا الأمر، أو حتى فكر في الانتقام منها لأي سبب.
ظل منتصر متسمرًا موضعه، وسعفان يأمر أحد رجاله، بإزاحة الغطاء عن عيني بدور، وتحرير فمها كذلك. صوت نحيبها قد بدأ يعلو ما زاد من شدة توتره الذي كان يغالب حاله، حتى يظهر شديد البرودة تجاه ما يحدث.
هتف سعفان في فخر:
"جنبك بت العميد حازم الهواري لحد عندك، مش دي حبيبة القلب اللي طلبتها ورفضوك، ولا يهمك، أهي عندك اشبع بيها بالعند فيهم. أنا واحد من رجالتتي يبقى نفسه في حاجة وميطلهاش برضو، ومش أي راجل كمان، ده سيدهم والباشا بتاعنا، والله ما عاش ولا كان اللي يكسر قلبه، أدينا حرقنا قلبهم عليها، واتهنى واتمنى أنت بس."
رفعت بدور رأسها ما أن أزاح الرجل العصابة عن عينيها، وقد تناهى لمسامعها رغم نحيبها، بعض من كلمات سعفان، ما دفعها لتتطلع نحوه، تجول النظر بالمكان، وما أن همت بالصياح، تسأل سعفان لما هي هنا من الأساس، إلا وسقط ناظريها على منتصر، الذي كان يتنازعه مشاعر، لو اجتمعت على رجل لقتلته لتوه، مشاعر تحمل من التناقض ما لا يمكن استيعابه، لذا لم ينبس بحرف واحد، وهو يتطلع لبدور في شوق قاهر، وعشق لا يمكن مداراته، وذعر ممزوج بحنق مغلف بشفقة، تركيبة عجيبة، ومميتة.
لم تصدق عينيها، إنه منتصر الذي يقف هناك، ولم يحرك ساكنًا من أجلها، لكن على الرغم من ذلك، اندفعت نحوه في شوق تحاول الاحتماء به، صارخة باسمه:
"منتصر!"
لكنها تذكرت في منتصف الطريق أن هذا ليس منتصر الذي تحبه، ما عاد ذاك الضابط الشريف الذي كانت على استعداد لمعاداة العالم من أجله، بل أضحى شخصًا آخر، شخص دفع بها إلى هنا لتكون بالأخير مجرد هدية لحسن أدائه، وتعاونهه مع هؤلاء الخونة.
هتف سعفان متعجبًا:
"إيه يا باشا!! المفاجأة معجبتكش ولا إيه؟"
هتف منتصر وقد استعاد الكثير من ثباته، مؤكدًا:
"إزاي يا معلم، دي مفاجأة بمليون جنيه."
تقدم نحو بدور، هاتفا في نبرة تقطر غلا:
"ولاه إيه يا بت سيادة العميد؟!"
تطلعت بدور نحوه في عدم تصديق، محاولة فك وثاق كفيها، فقد كان عندها من الرغبة ما يدفعها لصفعه في قوة، لتشفي غليلها.
جذبها منتصر لترتطم بصدره، هاتفا في مجون:
"مبروك يا عروسة."
تطلعت بدور في صدمة، وصرخت في تحدٍ ما أن استعادت ثباتها:
"ده أبعد من أحلامك."
هتف سعفان في سعادة:
"أيوه كده، هو ده الكلام، أجيب المأذون يا باشا، ونقول مبروك."
تطلع منتصر نحو سعفان، وهتف مؤكدًا:
"مأذون ليه!! ملوش لازمة يا معلم، دي بقت آخرتها معايا، كام ليلة وتترمي لأبوها تاني، يتحسر عليها."
صفق سعفان في فخر:
"الله أكبر عليك يا باشا البشوات، لعب عالي قوي، طبعًا أومال إيه مش باشا يا جدعان، حلال عليك، اتهنى يا باشا."
أكد منتصر لسعفان، وقد اتسعت ابتسامته على وجهه، غازمًا بعينه في مجون:
"طب بعد إذنك يا معلم، عريس بقى وأنت عارف."
وجذب بدور التي بدأت تصرخ في ممانعة وهو يحملها سائرًا بها نحو غرفته، ليهتف سعفان في نغم التي كانت تتابع المشهد أمامها، والغيرة تأكل قلبها، آمرًا إياها:
"قومي يا بت يا نغم فرحي للباشا وزفيه، اعملي لك منظر بدل ما انت قاعدة كده!!"
نهضت نغم، وبدأت في إطلاق الزغاريد والتصفيق، والغناء، تغطي على صوت صرخات بدور المعترضة، ومنتصر متوجهًا بها صوب حجرته، التي ما أن دلفها حتى أغلق الباب خلفهما دافعًا إياه بقدمه في عنف.
دفع منتصر بدور من فوق ذراعيه، لتهتف به في حنق:
"لو قربت مني.."
قاطعها منتصر مقهقها:
"هتعملي إيه!! ولا تقدري تعملي حاجة، وهقرب وآخد كل اللي أنا عاوزه."
هتفت به في نبرة مهادنة، تذكره بالذي كان وهي تتقهقر نحو أحد أركان الغرفة:
"منتصر، أنا بدور، نسيت بدور؟!"
صرخ بها في ثورة:
"ما عشان انت بدور، وأبوك يبقى سيادة العميد، لازم يحصل فيك كده، وابقي سلميلي على الباشا الكبير قوي."
واقترب منتصر وعينيه يملؤهما الرغبة، ما جعلها تصرخ في صدمة، وهو يجذبها نحو صدره، قابضًا عليها بين ذراعيه:
"لا يا منتصر، عشان خاطري يا منتصر."
صرخاتها المتوسلة تصل إلى موضع اجتماع سعفان برجاله، الذي هتف في فخر:
"الله ينور يا باشا، فخر العصابة والعصابات المجاورة."
قهقه رجاله، على تعليق سعفان الأخير، وصرخات بدور المعترضة، تشجيه وتزيد إفراز هرمون السعادة لديه، والصرخات تزداد توسلًا.
رواية زاد العمر وزواده الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم رضوى جاويش
لا تعرف كيف واتتها الجرأة لتأتي إلى هنا، لكنها كانت تريد الاطمئنان عليه بأي ثمن، ومهما كلفها الأمر. طمأنها الجميع، لكنها ما اطمأنت. كان لابد أن تراها بعينها لتتأكد أنه سيصبح على ما يرام قريبًا، كما أوهمها الكل.
تسللت في اتجاه غرفة العناية الفائقة، وتقدمت بقلب وجل وأقدام مرتجفة نحو الحائط الزجاجي الذي يكشف عن فراشه الممدد عليه بلا حول ولا قوة. كان المكان هادئًا تمامًا، وما من أحد هناك، يجعلها تتراجع عن خطواتها التي تدفعها دفعًا لتقف أمام النافذة الزجاجية تطل على جسده الساكن بلا حراك، وكل هذه الخراطيم والأنابيب الطبية تخرج وتدخل لذراعه وصدره. بكت وهمست باسمه: "راضي، قوم عشان خاطري."
سال دمعها الذي غشى الرؤية أمام ناظريها، حتى أنها ما تنبهت لاقتراب أحدهم، والذي سأل في تعجب: "أنتِ مين!؟"
انتفضت مضطربة، لا تعلم ما عليها قوله أو فعله. استطرد يونس متسائلاً: "أنتِ تعرفي راضي؟!"
أومأت برأسها إيجابًا دون أن تنبس بحرف. ما زال الاضطراب يشملها كليًا، فما كانت تعتقد أن تُوضع في موقف كهذا يومًا.
همست أخيرًا، ما أن استعادت بعضًا من ثباتها، واستشعرت تفهم يونس لحالها، فسألته: "هو هايبقى كويس!؟ صح!؟"
أكد يونس، في ثقة: "أيوه هايبجى تمام، متجلجيش، ده فاق..."
هتفت في لهفة: "فاق بجد!؟ الحمد لله."
أكد يونس، وابتسامة تعاطف ترتسم على شفتيه، هاتفا: "أيوه والله فاق، بس هو نايم دلوجت، والدكاترة جالوا هينجلوه بكرة على أوضة عادية، وكام يوم ونخرج باذن الله."
همهمت نعمة في راحة: "الحمد والشكر لك يا رب."
هتف يونس بعد أن أدرك همهماتها، متسائلاً: "أنتِ نعمة مش كده!؟ أصله كان طول الوجت، بيخترف بالاسم ده."
اضطربت نعمة لسؤاله، وهتفت في عجالة: "أنا لازم أمشي، عن إذنك، ولو سمحت..."
قاطعها يونس مؤكدًا على فهمه لطلبها قبل أن تطلبه: "متجلجيش، محدش هيعرف إنك چيتي هنا."
أومأت برأسها في امتنان، وتطلعت من جديد نحو جسد راضي من خلف النافذة الشفافة من جديد، وأخيرًا، ألقت التحية في عجالة قبل أن تندفع راحلة. وكل ما يجول بخاطرها كلمات يونس أخيه، أنه ما كان يكرر اسمًا إلا اسمها. سال دمعها من جديد، وقد أدركت أنها تعشق هذا الراضي الشديد الحمية، مقطب الجبين، حاد اللهجة، ولا ترضى عنه بديلاً.
تبسم يونس وهو يتبعها بناظريه حتى غابت أخر الرواق، وحاد بناظريه نحو راضي، الذي كان في عالم آخر، ما زال يكرر اسمها في أحرف متقطعة، كأنما كان يعلم أنها بالخارج. ليهمس يونس وابتسامته تتسع في سعادة، مترنما: "أهل الحب صحيح مساكين، صحيح مساكين."
***
لم تجف دموعها، فبعد اختفائها ولا يعلم أحد أين ذهبت، غابت كأنها فص ملح وذاب سريعًا بالماء، فلا أثر لها يجعلهم قادرين على العثور عليها.
هتف حازم يحاول طمأنتها، رابتا على كتفها رغم قلقه المضاعف بدوره: "اهدي يا تسبيح، والله هتكون بخير، زمايلي كلهم مش ساكتين، وبيحاولوا تتبع آخر مكان كانت فيه، وإيه اللي حصل."
هتفت تسبيح في نواح: "بنتي بقالها ليلتين بعيد عن البيت ومش عارفة هي فين!! وتجولي أهدى يا حازم!؟ طب حتى أعرف هي فين!؟ لكن الاختفاء المفاجئ ده مخليني أفكر فمليون مصيبة، أنا بموت كل ما دماغي تروح وتودي فواحدة فيهم، وإني ممكن مشفهاش تاني يا حازم."
هتف حازم مصدومًا: "فال الله ولا فالك يا شيخة، هترجع زي الفل، قولي يا رب."
هتفت تسبيح متضرعة في قهر: "يااارب."
كان حازم يقف متطلعًا نحوها، يدرك وجعها، وهو عاجز لا قدرة عليه على التصرف فيما جرت به المقادير.
***
صرخات قوية جاءتها من قلب بهو الدار، جعلتها تسرع مهرولة في اتجاه الدرج، كادت أن تتعثر في اضطراب، والصرخات تزداد شدة. فالصراخ دومًا ما كان يثير توترها منذ حادثة وفاة والديها. هبطت الدرج في هرولة، مندفعة نحو جدتها، التي كانت تولول في صدمة. أخذت أية تهدئها في محاولة لفهم ما يحدث: "إيه في يا ستي!؟ إيه اللي چرى!؟"
صرخت وجيدة في قهر: "منتصر!! منتصر ميعملش كده ابدًا! منتصر راجل وسيد الرچالة، لاه، اللي بينجال كدب."
هتفت أية في اضطراب: "ماله منتصر!؟ عمل إيه!!؟"
هتفت وجيدة في تيه: "لما أتأخر عن ميعاد اجازته، فضلت أدور على حد يوصلني ليه، ما هو مبيردش على تليفونه، زميله جالي، إن منتصر، لاه، مش مصدجة، اكيد كداب."
هتفت أية في حنق، وقد فقدت أعصابها ذعرًا: "منتصر إيه يا ستي ما تقولي، حصل له حاجة بعد الشر!؟"
هتفت وجيدة في ثورة: "يا ريته مات ولا سمعت اللي سمعته، زميله بيجولي إنه باعهم لتجار المخدرات، وبجى منيهم، ومحدش عارف له طريق، وبسببه زميله اتصاب، وما بين الحيا والموت. لاه.. يا ريتني مت جبل ما أسمع اللي جاله ده، بجى منتصر يعمل كده، تصدجيها يا أية!؟"
هزت أية رأسها وقد بدأت في البكاء على حال جدتها، التي كانت تدور حول نفسها كالمجذوبة، لا تصدق ما قيل لها، وكذا تبكي من أجل ما قيل في حق منتصر، الذي تعلم علم اليقين، أنه لا يمكن أن يفعل ذلك، ويجلب العار لهم جميعًا.
هتفت أية، تربت على كتف جدتها في محاولة لتهدئتها: "مش ممكن منتصر يعمل كده يا ستي!؟"
دفعت وجيدة كف أية في غضب شديد، صارخة من جديد: "لاه، زميله بيجولي حصل، حصل.." وأخذت وجيدة، تكرر الكلمة الأخيرة عدة مرات، وهي تلطم خدها في قهر، حتى صمتت فجأة، وتشنجت، وسقطت ممددة أرضًا، تصحبها صرخات أية الملتاعة ذعرًا، على جدتها.
***
كان الصخب بين الطلاب، دائرًا من هنا وهناك، على طول قاعة الدراسة وعرضها، لكنها كانت تجلس كعادتها، تعيش في عالمها الخاص، وهي تضع سماعات هاتفها، تستمع لأغانيها الفرنسية، وتعيش قصصها الخاصة، حتى أنها ما لاحظت أن الضجيج الدائر قد خفت حدته، حتى ساد الصمت بالقاعة فجأة، فتنبهت منتفضة عندما وكزتها إحدى صديقاتها لتبعد عن أذنيها سماعاتها، وقد أدركت أن دكتور المادة قد دخل القاعة ليسود الصمت احترامًا له.
مدت يدها وأخرجت دفتر محاضراتها، وما أن وقع ناظرها عليه، حتى شهقت شهقة مكتومة، وعيونها مفتوحة في دهشة، فمن كان على المنصة هناك، هو يوسف التهامي، بشحمه ولحمه، والذي ظلت عيناه تجول بالقاعة، تبحث عن شيء ما، أو ربما شخص ما. وأخيرًا سقطت ناظريه عليها، ليبتسم ابتسامة واسعة، جعلتها تحاول أن تتخفى بين صديقاتها، تذوب خجلًا، ليهتف في نبرة قوية واثقة، وبفرنسية أنيقة لا تشوبها شائبة: "أنا الدكتور يوسف حسام التهامي، أستاذ الأدب الفرنسي للسنة دي، أرجو أننا نقضي سنة لطيفة مع بعض."
***
تعالت الزغاريد الصادحة خارج شقتهما، ما جعله ينتفض موضعه، يجول بناظريه حوله في تيه، حتى تنبه أين يكون.
نهض من موضعه مسرعًا، خرج من غرفته في اتجاه حجرتها، طرق الباب في هدوء، حتى لا تصل أصوات طرقاته العالية لمن يقف بالخارج. زاد الطرق على باب الشقة قوة، وبدأت القهقهات تعلو عليه، مع إلقاء بعض الملاحظات الماجنة من هنا وهناك، جعله رغما عنه، يدفع الباب بعد أن جرب الطرق عليه بشكل أكثر إلحاحًا، لكن يبدو أن نومها ثقيل لحد ما، حتى لا تسمع طرقاته هذه، ولا حتى يقلق منامها، الطرق على باب الشقة بهذه الطريقة.
تقدم نحو الفراش الذي كانت تحتل أحد جوانبه، تضم لصدرها إحدى الوسائد التي كان يتمنى لو كان قد نال بعضًا من حظها وكان الآن في موضع تلك الوسادة بين ذراعيها. هتف بها في صوت متحشرج، وهو يراها بهذه الرقة، وهذا الإغواء البريء الذي يبدو اللحظة في براءة ملامحها المستكينة: "سمية، يا سمية!"
همهمت في اعتراض، ما جعل قلبه يسقط صريعًا لا قبل له على أن يحيد بناظريه عن هذا الكم اللامعقول من الجمال الرباني الذي أودعه الخالق في هذه المخلوقة التي سلبته لبه منذ اللحظة التي وعى أن له خافقًا بين جنباته.
هتف من جديد، وهو يمد يدًا يدفعها في رفق، حتى تستيقظ، فإذا بها تنتفض في صدمة، متطلعة نحوه، حتى أدركت صوت الطرق على باب الشقة الصادر من الخارج، فهتفت بصوت مرتبك: "أنا جاية حالا، افتح لهم أكون جهزت حالي."
ظل يتطلع نحوها في تيه معجب، حتى هتفت به من جديد، لتخرجه من شروده: "سمير."
كانت تناديه، ولا تعلم أنها زادت الطين بلة، وأغرقته حتى قمة رأسه، في دنيا من عجب، ما استفاق منها، إلا حين هتفت به من جديد، حتى يخرج ليفتح الباب، تاركًا الحجرة لها، لتبدل ملابسها.
اندفعت أمه تعلو زغاريدها، وهي تضع صينية الطعام العامرة جانبًا، وما أن خرجت سمية من الغرفة، حتى تلقفتها سندس بين ذراعيها في فرحة، تدعو لهما بدوام السعادة، والذرية الصالحة، مستأذنة حتى تلحق بالعروس الأخرى، ليتطلع كل منهما للآخر في اضطراب، وقد أصبحا وحيدين مرة أخرى. كان لابد أن يتعامل معها بشكل أكثر منطقية، بعد أن وضع القواعد الليلة الماضية، ما دفعه ليتوجه نحو صينية الطعام رافعًا غطائها الحريري، هاتفا في جوع وهمي: "الله على الحاجات اللي تفتح النفس."
وجلس على أحد المقاعد، وأشار لها في أريحية، آمرًا في ود: "تعالي يا سمية كلي، مش هتفضلي واقفة عندك كده!"
أطاعت وجلست في هدوء قبالته، أصبح يمد كفه يتناول ما يحلو له، يقربه لفمه مع نظرة مطولة نحو وجهها الصبوح، ليكون الطعام أشهد مما هو معتاد، بل أكثر حلاوة بفمه من حقيقته.
تظاهرت أنها تأكل، فما كانت لها الشهية لتناول أي طعام على الإطلاق، ما دفعها لتهمس متسائلة: "أنا جاية أجيب عصير، أجيب لك معايا!؟"
هز رأسه نفيًا، مؤكدًا: "مليش فالعصير والحلويات، لو فيه أي مخلل عندك فالـتلاجة هاتيه."
ابتسمت هاتفة في نبرة صادقة: "ودي أول حاجة أعرفها عنك، وعن عوايدك."
توقفت يده عن إيصال اللقمة التي كانت تحمل لفمه، مصوبًا ناظره نحوها في صدمة، ما لبث أن استفاق منها، وقد عادت إليه من المطبخ تحمل كوب عصيرها، وطبق به بعض المقبلات المالحة، ليعاود تناول طعامه، والذي أصبح أكثر حلاوة اللحظة، على الرغم من أنه يتناوله مع المخلل الحارق، الذي جلبته بيديها!!
***
رنين على هاتفها، جعلها تندفع نحو الغرفة في لهفة، وخاصة أنه رنين ذاك التطبيق الذي تحدثت عليه نعمة من مصر، والذي تحدث عليها نادر المرة الماضية. تمنت نفسها أن يكون هو من يتصل، فقد اشتاقت صوته كثيرًا، لكن ما أن ردت حتى أتاها صوت نعمة المتحشرج، ما جعلها تهتف في قلق، متسائلة: "فيه إيه يا نعمة!؟ كلكم بخير!!؟"
أكدت نعمة باكية: "كلنا كويسين إلا هو يا حُسن."
هتفت حُسن متعجبة: "مين!؟"
أكدت نعمة تشهق في وجع: "راضي يا حُسن، راضي رجالة قدورة ضربوه بالمطوة وهو بيدافع عني."
شهقت حُسن في صدمة، وتعجبت كيف لم يخبرها نادر بهذا الأمر، في المرة السابقة، لكنها تجاهلت الأمر، لا تعلم أن نادر يوم أن كلمها، كان بعالم آخر لا يذكر إلا أنه يحادثها بعد طول اشتياق، وما كان بخاطره إلاها. لتهتف حُسن في اضطراب: "طب هو راضي أخباره إيه دلوقتي!؟"
هتفت نعمة ودمعها يسيل: "فالمستشفى يا حُسن، رحت زورته من وراهم، وكان لسه بالعناية المركزة، لكن يونس أخوه قالي إنه هايبقى كويس، وزمانهم نقلوه على أوضة عادية."
هتفت حُسن مطمئنة: "طب ما هو الحمد لله، هايبقى كويس أهو، وباذن الله يقوم بالسلامة، اهدي بقى."
هتفت نعمة من بين دموعها: "ما هو بعد ما يبقى كويس، أخوه هيخده ويمشوا يا حُسن، هيسبنا ويمشي يا حُسن."
هتفت حُسن في تعاطف، وقلبها يشعر بوجع قلب صديقتها: "نعمة! أنتِ بتحبي راضي!؟"
ارتفع صوت نحيبها، وكان الجواب الأمثل على سؤالها. لتهتف حُسن في مشاركة لوجع صديقتها: "راضي يستاهل قلبك يا نعمة، بس يا ترى هو يعرف إنك..."
أكدت نعمة: "إذا كنت أنا ما كنتش عارفة إلا لما اللي حصل ده حصل، كنت حاسة ناحيته بمشاعر عجيبة أول مرة أحسها يا حُسن، لكن لما شفته كان هيموت قدامي وعشان خاطر يحميني، عرفت إني مقدرش أعيش من غيره، أنا من يومها مش عارفة إيه اللي أنا فيه ده، ولما رحت أشوفه كان قلبي هيوقف لما شفته على سرير المستشفى متربط، أنا بموت من خوفي عليه، ومحدش حاسس بيا."
لكنها كانت مخطئة تمامًا، فمن كان بالباب وسمعها اللحظة، وهو يتجه لحجرتها كي يسألها عن أمور حُسن، وإن كانت ستعود من أجل امتحاناتها النهائية أم لا!
كان من الممكن أن يقلب الدنيا ولا يقعدها عند سماعه اعتراف أخته بحب راضي، لكنه لم يفعل، فقد جعلته تلك المشاعر الذي يكنها قلبه لهذه البعيدة على الخط الآخر، يلتمس لنعمة الكثير من الأعذار للوعة قلبها، ومشاعرها التي لا يد لأحد في منعها أو تقييدها.
هم بطرق الباب رغبة في الحديث لحُسن فقد اشتاق صوتها كثيرًا، لكنه تراجع تاركًا أخته مع صديقتها على راحتها، حتى لا يحرجها إذا ما دخل عليها باكية بهذا الشكل، ولعل حُسن تهدي بعضًا من روعها.
أبتعد عن باب الحجرة، هابطًا الدرج في اتجاه شقة جده، لينتفض في صدمة، ما أن أتاه خبر اختطاف بدور، ولا أحد يعلم أين تكون!؟
***
تطلع نحوها وهي ممددة بهذا الشكل جواره، ليمد كفه جاذبًا عليها الغطاء، مدثرا إياها، لتنتفض في ذعر، وتتقابل نظراتهما، نظراته التي كانت تحمل بعضًا من ندم، مخلوطًا بمحبة، ونظراتها التي كانت تفيض هلعًا ورفضًا.
تطلعت نحو موضعها، لعلها كانت تحلم، وما كان بالأمس لم يكن إلا كابوسًا قذرًا، إلا أن الحجرة، والفراش، و... تطلعت لملابسها في صدمة، والتي لم تكن ملابسها من الأساس، فقد قام أحدهم بتغيير ثيابها، ومن المؤكد أن أحدهم هذا لم يكن إلا... تطلعت نحوه في قهر مدثرًا بثورة عارمة، وانتفضت نحوه صارخة في وجع، تضرب صدره وتخمش وجهه، وهو يحاول أن يكون هادئًا، تاركًا إياها تخرج كل ما بجعبتها من أثر الصدمة، التي عليها تقبلها إن عاجلاً أم آجلاً، فهي منذ قدمت إلى هنا، ما عاد لها أية صلة بالعالم الخارجي، حتى يزهدها هو، ليأمر سعفان رجاله، بنيل ما يحلو لهم من جيفة الضحية، قبل الخلاص منها، وإلقائها لضباع الجبل وضواريه.
أمسك كفيها التي أشفق عليهما من شدة الضربات المسددة لصدره، هاتفا بها: "مكانك بقى هنا، حاولي تتعودي على ده، وخلي بالك أمانك معايا، يعني لو في لحظة قلت إني قرفت منك، هيبقى مصيرك أسوأ من اللي أنتِ عيشاه ده بمراحل، مع إني مش وحش قوي كده، ولا إيه!؟"
قال كلماته الأخيرة في نبرة ماجنة، جعلتها تصرخ به في قرف: "اخرج بره، حالا، اخرج."
صرخت بكلمتها الأخيرة في نبرة آمرة، تنذر أنها على وشك ارتكاب جريمة، ما دفعه ليهتف مهادنًا: "طيب خلاص، خارج أهو، بس راجع لك تاني يا جميل."
بدأت في إلقاء كل ما طالته كفاها نحوه، ما دفعه للهرولة خارج الغرفة، وقهقهاته تعلو في سعادة، ما دفع سعفان الذي كان يمر بالقرب من غرفته، ليهتف ماجنًا بصوت جهوري: "يتمنعهن وهن العايزاتِ."
زادت قهقهات منتصر، على تعليق سعفان، مغلقًا الغرفة خلفه بمفتاح وضعه بجيبه، قبل أن ينضم لمجلس سعفان ورجاله.
***
كان ذاك الرنين المتصل لا ينقطع عن هاتفه منذ البارحة، كان يعلم أنهم لن يهدأ لهم بال حتى يعلموا ما الذي يحدث بالضبط. كان عليه أن يفكر بالعديد من الحجج التي يمكن له أن يسوقها لأجل إقناعهم بما جرى.
فتح الخط أخيرًا، ورد هاتفا في مزاح: "ألو، أيوه يا عيشة، إيه الإزعاج اللي أنتِ عملاه ده، معرفش أنام لي شوية يعني!؟"
هتفت عائشة أمه في حنق: "تصدقي إنك وأخوك عيال باردة، مشفتش ترباية."
هتف يونس مازحًا: "غلطتك يا عيوش، مكنتش فاضية، حامد كان واخدك مننا يا جمر."
امسكت ضحكاتها هاتفة: "مش بجولك معرفتش أربي، بس ملحوقة، هتروحوا مني فين انت وأخوك المعدول التاني، قاعدة أني قلبي واكلني عليكم، وما حد فيكم بل ريقي ورد على تليفونه، يجولي مجاش ليه الفرح عشية."
هتف يونس مؤكدًا: "أبدًا يا ستي، أني العربية وجفت بيا ع الطريج، وفضلت ياما مش لاجي عربية تاخدني لنجع الصالح، وفين بقى لما عثرت فحد شد معي العربية لحد بيت جدي ورجعت نمت، وراضي حصل عند المعلم خميس وأهل بيته ظرف مجدرش يفوتهم وينزل يحضر الفرح، أدي الحكاية كلها يا جميل."
هتفت عائشة متسائلة: "طب وأخوك مبيردش على تليفونه ليه!؟ أوعاك تكون بتكدب عليّ يا واد يا يونس، أخوك بخير يا واد!؟"
ازدرد يونس ريقه مؤكدًا في لهجة حاول أن يضفي عليها الكثير من الثبات: "أيوه بخير وزي الجرد كمان، أني لسه مكلمه من يومين، واتفقنا ننزلوا ع الفرح، بس جت الظروف مخالفة، ويا ستي عشان ترتاحي، ميتى ما رد عليّ هديله كلمتين واخليه يكلمك فساعتها، مرضية دلوجت!؟"
تنهدت تحاول تصديقه، هاتفة: "مرضية يا حبة عيني، خلي بالك على حالك يا حبيبي، وربنا يجيبك انت وأخوك بالسلامة، اتوحشتكم."
دمعت عيني يونس تأثرًا، رغم ذلك هتف مازحًا: "إيه ده، جلبك بقى جلب خساية يا عيشة، لاه أني مش متعود على كده!؟"
هتفت عائشة معترضة: "طول عمري يا واد قلبي مفيش فحنيته، بس انتوا عيال جبنات مبيتمرش فيكم."
قهقه يونس مؤكدًا: "أيوه صح، على يدي، جلالة ترباية."
قهقت عائشة، ليهتف يونس مؤكدًا: "بصي، فأجرب فرصة، هجيب لك الواد راضي وناجوا، بس يا رب متطفشيش وتجولي كانوا مريحيني أحسن."
أكدت عائشة في نبرة حانية: "على قلبي كيف الشهد المكرر، تعالوا بس، الكل اتوحشكم هنا."
أكد يونس: "من عيوني يا عيوش."
أغلق الهاتف، وتطلع إليه لبرهة حتى تنهد، وهو يدق على سماحة بلا وعي، رغبة في سماع صوتها الخشن، الذي تتصنعه. ابتسم وهو ينتظر ردها، الذي طال، فقد كانت تتطلع بدورها لشاشة الهاتف الساطع باسمه. وأخيرًا استجمعت ثباتها، وردت بصوتها الأجش المصطنع: "السلام عليكم."
هتف يونس والذي كاد أن ينفجر ضاحكًا ما أن تناهى صوتها لمسامعه: "السلام عليكم يا سماحة، بجولك، جهز الدنيا عندك عشان هاجيب اخوي من المستشفى علينا، تمام."
أكدت سماحة في تأكيد: "اعتبر كله تمام من دلوجت يا يونس بيه، تاجوا بالسلامة."
أكد يونس، وقد رأى الطبيب يتجه نحو الغرفة، فاضطر لغلق الهاتف سريعًا: "الله يسلمك يا سماحة، مع السلامة."
***
كان عليها التمسك بما تبقى من تركيز، حتى تضعه بمذاكرتها، فقد أضاعت الكثير ما بين أوجاع الفراق، وأروقة المشافي. لابد لها من أن تنتبه لما بقي حتى لا تفقد معدل درجاتها الذي كانت تعتمد عليه كي تصل لحلمها في التعيين بالجامعة مثل والديها.
جلست بغرفة القراءة، وفتحت أولى الصفحات لتبدأ في استرجاع المعلومات. غابت عن واقعها قليلًا، وهي مدفونة الرأس بين كتبها ومراجعها، لتنتفض على صوته، ذاك الأشبه بقطرات المطر المنهمر على أرض روحها الجدباء، لتزهر بساتين من فرحة. والذي هتف في فضول لم يكن من عادته يومًا: "بتذاكري إيه!؟"
تلعثمت قليلًا قبل أن ترد مؤكدة: "بحاول ألحق اللي ضاع مني الفترة اللي فاتت."
ابتسم، فتشابك بداخلها الحلم بالواقع في نسيج أشبه بالميلاد الجديد، وهتف مؤكدًا: "بقولك بتذاكري إيه!! مش بتذاكري ليه!؟"
تنبهت أنه على حق، ومنذ متى لم يكن عاصم يحيد عن الحق! بل كان هو الحق ذاته.
ابتسمت بدورها، فكان دوره ليضيع منه طريق المنطق، ويسلب من صدره بعض الخفقات الزائدة عن المألوف في عرف الطب والأطباء. وهمست في تأكيد: "بذاكر نقد أدبي."
هز رأسه متفهمًا، وسأل مازحًا: "مادة سهلة، ولا تحبي أشرح لك!؟"
أكدت مبتسمة: "كويسة، الحمد لله."
أكد عاصم باسمًا: "طول عمرك شاطرة، من وأنتِ صغيرة، كنت دايما الأولى على فصلك، أني فاكر يوم ما طلعتي التانية، جيتي بكيتي النهار بطوله."
همست باسمة، تتذكر بدورها: "أيوه، وأنت مسكتش، فاكر تاني يوم عملت إيه!!؟"
صمت لبرهة، قبل أن ينفجر ضاحكًا بقهقهات عالية على غير العادة. سكبت في فؤادها حلاوة الشهد، مؤكدًا وهو يهز رأسه في سعادة للذكرى: "أيوه، الواد الغلبان اللي طلع الأول ملحقش يفرح، اديته علقة يوميها، خليته يندم ع اليوم اللي طلع فيه الأول، ومعدهاش، صام وفطر عليها."
قهقهت بدورها، ليكون التيه الحلو من نصيبه الآن، عندما هتفت تذكره: "ساعتها جالك استدعاء من المدرسة، وخدت رفد تلت أيام، فاكر."
هز رأسه مؤكدًا، وهتف باسمًا: "يومها أبويا كان هيتجن، مش عارف إني عملت له كده!! عمري ما كنت بتاع مشاكل ولا خناقات، كان ماسك السما بيده لجل ما يعرف سبب ضربي للواد، اللي لا هو من سني ولا عمل لي حاجة من الأساس، وكل ما يسألني ما أجاوبش، لحد ما جلت له أهو كيفي كده، كنت شبه سوكة بالظبط، شكله معجبنيش فضربته."
انفجرت ضاحكة على تشبيهاته، ليشاركها الضحكات بمثلها وأكثر، وهي تدرك تمامًا أن عاصم هو شريك الماضي بكل ما به من براءة، وشريك الحاضر بكل ما به من غموض ووجع، فهل يمكن أن يكون شريك المستقبل، بكل ما يحمله من غيب، لا يعلمه إلا مقلب القلوب.
رواية زاد العمر وزواده الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم رضوى جاويش
تنبه عندما تناهى لمسامعه صوت أنين، فانتفض مندفعا نحو راضي، الذي فتح عينيه أخيراً، متطلعاً نحوه في تعجب، ليهتف يونس في فرحة:
"يابوي، حمد الله بالسلامة يا سي راضي."
همس راضي متأوهاً:
"إيه اللي حصل!؟"
أكد يونس مازحاً:
"لاه مفيش، حاجة بسيطة، شوية بلطجية ضربوك بمطوة وكنت هتروح فيها."
هتف راضي في وهن:
"الحمد لله."
وتنبه فجأة لأمر ما، فهم بالسؤال عن نعمة، وما حدث لها، ليقاطعه يونس مؤكداً:
"متخافش، كله تمام، انقبض على البلطجية، عمك حازم جاب الواجب معاهم، و..."
وصمت يونس مشاكساً أخاه، ليهمس راضي في اضطراب:
"و.. إيه!! إيه اللي جرى!؟ ما تتكلم دغري، حد حصل له حاجة!؟"
أكد يونس مقهقهاً:
"لاه يا خوي اطمن، محدش حصل له حاجة إلا أنت، وخلت قلبي عليك."
همس راضي متعجباً:
"هو أنت مجلتش لأبويا وأمي!؟"
أكد يونس مصدوماً:
"أقول لمين يا مخبل!؟ هي أمك كان هدي لها بال، ولا أبوك قعد مكانه، ما كنت هتلاقيهم كلهم هنا فوق راسك، وسايبين حالهم ومالهم، والجيش اللي وراهم، وجدك وستك اللي محتاجين رعاية كيف العيال الصغيرة."
أكد راضي، رابتاً على يد يونس، الذي كان يجلس على طرف الفراش، مؤكداً:
"عملت الصالح يا يونس."
وابتسم مستطرداً، مازحاً بدوره:
"أول مرة تعمل حاجة عدلة!؟"
هتف يونس حانقاً:
"بجي كده، ماشي يا راضي!! أني جايم أنادي على الدكتور، عشان يكتب لك خروج عشان أعرف أستفرد بيك على راحتي."
أمسك راضي ضحكاته، التي كانت تشعره بالألم موضع جرحه، ويونس يهم بفتح باب الغرفة، هاتفا في نبرة ماجنة، وهو يغمز بعينه:
"على فكرة، هي كويسة."
اضطرب راضي، يحيد بناظريه عن يونس الذي كان يركز النظرة على انفعالات وجهه، هامساً في نبرة محايدة حاول أن يكسوها بالثبات الزائف:
"هي مين!؟"
ابتسم يونس مؤكداً:
"اللي اتغذيت وأنت بتدافع عنها يا سبع!؟"
لم يجبه راضي، ليستطرد يونس بنفس النبرة، مؤكداً:
"واللي كنت قاعد تهلوس باسمها طول ما أنت غايب."
انتفض راضي، متطلعاً نحو أخيه في ارتباك، متسائلاً في تعجب:
"أني!!"
أكد يونس من جديد، وابتسامة على شفتيه:
"أيوة يا سي راضي باشا، وقال حب ومعرفش إيه، ماشي يا عم روميو، هنياله!!"
تطلع راضي نحو أخيه في حنق، مؤكداً بنبرة حاول أن تكون حازمة رغم وهنه:
"بقولك إيه يا يونس!! الحاجات دي مفيهاش هزار، دي أغراض ناس."
تطلع نحوه يونس متعجباً:
"واه، وإيه اللي جاب سيرة الأعراض!! لاه ده أنت دماغك تخينة ولازم نعدلها، أني رايح أجيب الدكتور."
واستطرد وهو يمسك بمقبض الباب، مقرراً:
"صحيح، هي جت زارتك هنا وأنت مش دريان بالدنيا."
كانت الصدمة من نصيب راضي، ليهتف في دهشة:
"جت هنا!!"
لم يرد يونس تاركاً سؤاله المندهش معلقاً بين الدهشة والعجب، وفتح يونس الباب، ليجد صاحبة الحوار ومبتدأه وخبره، أمام الأعتاب تهم بالطرق على الباب مستأذنة، ليهتف يونس مهللاً:
"يا مرحب، اتفضلي."
وتطلع نحو راضي، الذي كان يحاول جمع شتات نفسه، وهو يتطلع نحو نعمة التي كانت تقف في ارتباك بادٍ عليها، لا تعرف ماذا تقول، إلا كلمة واحدة، استجمعت حروفها في صعوبة:
"حمد الله بالسلامة."
رد راضي في خشونة معتادة، رغم لين نبرته التي ما استطاع السيطرة عليها فخرجت لا إرادياً بهذه الصورة، عكس طبيعتها في حضرة صاحبة الجديلة، التي هتفت تهم بالرحيل:
"الحمد لله، أمشي أنا بقى."
هتف يونس يستوقفها:
"لاه تمشي فين!! ده أني ما صدقت إن حد يقعد معاه، لحد ما أروح أدور على الدكتور بتاعه، عشان ييجي يشوف الليلة بتاعته وصلت لفين، ويكتب لنا على خروج بقى."
همست نعمة في اضطراب:
"خروج!!"
هتف راضي حانقاً:
"سيب الآنسة نعمة تمشي يا يونس، هو أنا هاكلني أبو رجل مسلوخة وأنا لوحدي يعني!؟"
أشاح يونس بكفه، كأنه لم يسمع كلام راضي من الأساس، يرد على سؤال نعمة الملتاع:
"أيوة نخرج بقى، ونروح بلدنا، هو إحنا هنجضها هنا ولا إيه!؟"
هزت نعمة رأسها متفهمة، أشار لها يونس، لتتفضل بالدخول، حتى يخرج هو، تاركاً لهما المجال لينفردا، وقد نسي أمر الطبيب، وذهب للكافتيريا، يشرب كوباً من الشاي، مشفقاً عن العشق وناسه، بينما تقدمت نعمة لداخل الغرفة، وجلست على المقعد القريب من الفراش، الذي كان يحتله يونس منذ قليل، تفرك بكفيها في اضطراب، لا تعلم ما يجب عليها أن تقوله أو تفعله، وخاصة وهو يحاول أن يعتدل قليلاً في جلسته، متحاملاً على ألمه، كاتماً تأوهه، وهو يجذب عليه الغطاء ليستر صدره العارِ، مجنباً إياها الحرج، ساد الصمت، لا يقوى على رفع ناظريه نحو محياها، لا يذكر إلا تلك اللحظة التي كان فيها بين ذراعيها، تصرخ باسمه في لوعة، ليكون صوته المردد لاسمه، هو كل ما كان يجول بلا وعيه، فما كرر إلا اسمها الغالي بدوره، كأنها محاولة منه ليطمئنها.
كانت هي أول من أمسك بطرف الحديث، هامسة في نبرة رقيقة يسربلها الاضطراب:
"أنا متشكرة قوي على اللي عملته معايا، وأسفة على اللي حصل لك بسببي."
أكد راضي في نبرة محرجة:
"مفيش شكر ولا حاجة، ده الواجب."
هتفت نعمة فجأة:
"هو أنت هتمشي بجد يا باشمهندس!! يعني مش هتشتغل مع نادر وبابا تاني فالورشة!؟"
هز راضي رأسه مؤكداً:
"أيوة، راجع بلدنا."
هزت رأسها بدورها، تحاول أن تبدو متفهمة لقراره، هادئة ظاهرياً، لكنها داخلياً تموت وجعاً، ترغب في البكاء بلا توقف، وهو يجيب بهذه البساطة، وكأن فراقه لها، بعد أن أدركت كم تهواه، أمر هين على نفسه.
همس راضي قائلاً:
"المعلم خميس والأسطى ناصر ونادر كانوا هنا امبارح، يونس قالي إنهم مكنوش سايبني لحظة، رايحين جايين عليا، ولولا إن نادر كان عليه آخر امتحان يوم اللي حصل، وبقى هو اللي قاعد فالورشة وفاتح القهوة بدل من المعلم والأسطى عشان تعبهم، كان زمانه معايا هنا على طول."
همست مؤكدة، وهي تنهض مغادرة:
"أنا لازم أمشي، حمد الله بسلامتك يا باشمهندس، وربنا يوفقك."
همت نعمة بالتحرك نحو الباب، حينما استوقفها راضي هاتفا:
"آنسة نعمة!"
توقفت تتطلع نحوه، ليهمس في خجل:
"خلي بالك على نفسك."
هزت رأسها ممتنة، وهمست مستأذنة في هدوء، لتغادر الغرفة، تاركة إياه في حيرة من أمره وأمرها، بينما تنبه يونس الذي كان بالبعد جالساً، حتى إذا ما لاحظ مغادرتها، حتى عاد لحجرة أخيه، متطلعاً نحوه وقد أدرك ما يمكن أن يكون حال راضي، بعد أن استشعر حالها، وهي كانت تسرع الخطى مبتعدة.
كان قد فاض الكيل، فما أن انتهى موسم الأفراح الذي كان يملأ الأجواء في النجع، حتى أصبح لزاماً عليها أن ترى ما الذي يجب عليها فعله.
كانت قد قررت أن تلقي الأمر كله خلف ظهرها ولا تعود لنجع السليمانية، وأن تطوي تلك الصفحة من حياتها، وتنظر قبالتها على الطريق الصحيح.
لكنها فجأة عدلت عن قرارها، واتخذت وضع الهجوم خير وسيلة للدفاع، وعليها أن تذهب بنفسها حتى عقر داره، لتواجهه وترى ما الذي حدث بالضبط!؟ .. وما سر هذا الاختفاء الغامض، حتى تقطع الشك باليقين ولا تعاود التفكير في أي احتمال قد يجعلها متذبذبة في اتخاذ قرارها النهائي، بشأن هذه العلاقة التي ما سعت إليها، وما كانت تتوقع يوماً أن يميل قلبها بهذا الشكل لشخص ما.
تطلعت من نافذة سيارتها، وبدأ قلبها في الترنح بين أضلعها، وعبد الباسط يقترب من السليمانية، ووقعت عيناها على تلك التلة التي لطالما انتظرها عليها رائف بفرسه الأدهم، حتى إذا ما اقتربت هبطت التلة حتى يتسنى له السير جوارها حتى يصل بها لموضع الاستراحة، غصت بدمع قهر، وغامت عيناها، وغشتها الدموع عن استطلاع الطريق.
توقف عبد الباسط كما هي عادته، عند مدخل الطريق الطولي الترابي المؤدي لدار السليماني، وتطلعت أمامها من النافذة لتبصر نوافذه البيضاء من موضعها، تشجعت واستجمعت شتاتها، وهبطت مودعة عبد الباسط، تسير في خطى متحفزة باتجاه الدار، التي ما أن وصلتها أخيراً، حتى استشعرت شيئاً غريباً، كان الدار والمكان ككل، ينبئان بخلوه من أهله، تجرأت وتناست الذهاب للاستراحة قبل التوجه نحو الدار، لتهتف على أعتابه، تنادي أصحابه، ليخرج لها الخفير والخادمة، والتي هتفت في سعادة لرؤية نوارة:
"يا مرحب يا دكتورة، طولتي الغيبة المرة دي!"
ابتسمت نوارة مجاملة، وهتفت:
"غيبة إيه بس يا سعدية، ده كلهم تقريباً عشر أيام، بس فين الدكتورة دلال!؟"
لم ترغب أن تأتي على ذكر رائف من الأساس، وكأنها خاصمت اسمه، وحرمت ذكره على لسانها، حتى تدرك حقيقة الوضع القائم بالضبط.
هتفت سعدية:
"لاه أنتِ مدرتيش يا دكتورة!؟"
تنبهت نوارة، ولم تعقب تاركة المجال لسعدية لتقص الحكاية:
"مش البيه الكبير، تعب ونجلوه المستشفى في مصر، ورائف بيه، والدكتورة دلال معاه من يوميها."
سألت نوارة في فضول:
"الكلام ده من إمتى!؟"
أكدت الخادمة:
"من يا جي أسبوع كده!؟"
واقتربت سعدية من نوارة هامسة:
"أني هقولك، أصلك مش غريبة يعني! أصلك قبل ما عبد السلام بيه يتعب بيوم، كان فيه عركة كبيرة جوي هنا، معرفش كانت عن إيه، بس الست والبيه الكبار، وسي رائف كان والعة بينهم.. بعدها تعب البيه الكبير وجريوا بيه، ومن ساعتها لا حس ولا خبر."
هزت نوارة رأسها في تفهم للخادمة، على الرغم من عدم إدراكها لشيء منطقي يُذكر، لتستطرد الخادمة مؤكدة:
"كويس إنك جيتي يا دكتورة، ده إحنا كنا محتاسين، أهو حضرتك فيكِ الخير والبركة برضك."
هتفت نوارة:
"طيب تمام يا سعدية، أنا رايحة الاستراحة، وهشوف أخبار الوحدة إيه، وربنا يسهل."
هزت سعدية رأسها في امتنان، ونوارة تتجه نحو الاستراحة، وعقلها تتصارع داخله الأفكار، ما الذي يحدث بالضبط!! وهل مرض جده مبرر كافٍ لهذا التجاهل العجيب منه!! أما كان من الأولى في مثل هذه الظروف الصعبة، أن تتواصل معاها الدكتورة دلال، لتضمن وجود بديل لها بالوحدة، لإدارتها في غيابها الذي قد يطول!؟
إن الأمر غامض، ويحمل سر ما، عليها اكتشافه عاجلاً أم آجلاً، لأن عليه، سيترتب الكثير والكثير من الأمور..
دخلت الاستراحة، وما أن وضعت حاجياتها جانباً، حتى هل الخفير على الباب هاتفا:
"حمد الله بالسلامة يا دكتورة، النسوان فالوحدة ما صدقوا إن حضرتك جيتي، بجت فوق بعضها، أقول لهم إيه!!"
ابتسمت نوارة، مؤكدة:
"قول لهم الدكتورة نوارة جاية، وهتكون موجودة كل يوم بدل الدكتورة دلال، لحد ما ترجع بالسلامة."
هتف الخفير في امتنان:
"ربنا يبارك لنا فيكِ يا رب، ده الوحدة كان حالها عدم الكام يوم اللي فاتوا، من ساعة اللي حصل لعبد السلام بيه، ربنا يرده سالم."
همست نوارة:
"اللهم آمين."
وتحركت مع الخفير في اتجاه الوحدة، فهي تدرك تماماً أن دوائها المؤقت حالياً هو عملها، حتى تخرس تلك الخواطر التي تنازعها مؤرقة يومها وليلها، وكذلك، لأن هذا الواجب الذي يقتضيه عملها بعيداً عن أية اعتبارات شخصية، فهي لن تدع قلبها يتحكم في مسار حياتها مرة أخرى، وعليها أن تعيد زمام الأمر، ومقاليد الحكم في إدارة حياتها، للعقل وحساباته من جديد.
دخلت لحجرة جدتها، تتطلع لذاك الجسد المسجى قبالتها، أكثر من أربعة أطباء، فحصوا حالتها، وكلهم أجمعوا أن حالتها صعبة، قد تتحسن بالعلاج، لكن ذاك على المدى البعيد، بعد علاج مكثف ومُصنّ.
سال دمعها اشفاقاً، وهي ترى تلك المرأة ذات الجبروت، المطيعة مسموعة الكلمة، في هذه الحالة المتردية.
فتحت وجيدة عينيها في بطء واهن، تتطلع نحو آية في نظرة يكسوها العجز، جعلت آية تشهق باكية في عجز مماثل عن مساعدتها، وهي تراها ممددة هكذا، بجسد نصف ميت، ولسان ثقيل عن نطق الأحرف، تهمهم مثل الأطفال، لطلب حاجتها.
انهارت آية على الأرض، تستند على طرف الفراش باكية جدتها في قهر، التي شاركتها البكاء على حالها بالمثل.
لا تعرف كم مر عليها وهي على هذه الحالة، حتى تنبهت، لتجد وجيدة وقد غلبها النعاس، من أثر الأدوية المهدئة التي تتناولها، ما جعلها تنهض في خفة، متسللة في هدوء باتجاه حجرتها، وهي تحمل هاتف جدتها معها، وما أن دلفت للحجرة، حتى أخرجت نمرة منتصر، وأخذت بالدق على هاتفه، فعليه أن يعلم ما جنته يداه، وأن يأتي في أقرب وقت، ليرى ما حل بجدته، جراء أفعاله، التي لا تصدق حتى اللحظة، أن منتصر بن خالها، ورفيق الطفولة والصبا، قد قام بها من الأساس.
كان هاتفه مغلقاً، لا يستقبل أية مكالمات، ما الذي يعنيه ذلك!! هل ما قالته جدتها وأكدت على صحته، من بعض أصدقاء منتصر، صحيح بالفعل!؟
لم يعد لها ملجأ إلا الله، وهو، مروان ..
اندفعت باحثة عن هاتفها السري، الذي ما عاد من داعٍ لتخبئته، لتفتحه، جاءها إشعارات بعض الرسائل الموجهة منه، آخرها يؤكد عليها رحيله للقاهرة اليوم، للضرورة.
ماذا هناك يا ترى!؟ .. طلبت من الله العون، فلم يعد لديها القدرة على تحمل مزيد من الصدمات، رنت على هاتفه، لعلها تعلم ما الذي يحدث، لكنه لم يرد، ما دفعها لترسل لها رسالة سريعة:
"رن عليا ضروري، أنا هفضل فاتحة الموبيل على طول، متقلقش."
كان عليها أن تقصه عليه كل ما حدث، والذي لم يدر به إلا بعض المقربين جداً في العائلة، لعل ذلك يجعله يحيد عن رأيه، وينسى هذه العملية التي قد .. ولم ترغب في التفكير في العواقب، تاركة الأمر لله.
طرقات على باب شقتهما، جعلتها تندفع لتفتح، فقد كان هو بالتأكيد، فما من مرة خرج فيها، وعاد ليفتح الباب بمفتاح الشقة الذي لا يفارقه، لكنه كان يراعي وجودها، فما كان منه إلا الطرق على الباب، حتى يعطي لها الفرصة حتى تكون بكامل هيئتها، دون حرج له أو لها.
لا تعلم أنه ما كان يتعمد ذلك إلا خوفاً، نعم كان خائفاً أن يتورط أكثر في محياها الذي يعشق، والذي بدأ يعتاده صباحاً ومساء، حتى وهي بكامل حشمتها، فدفاعاته الواهنة في الأساس، لن تصمد أمام طوفان هواها الذي يدك حصون ثباته بقوة، مهدداً بانهيارها.
واليوم لم يكن استثناءً، فقد فتحت هي اللحظة، ليسقط قلبه صريعاً بين قدميه، ما أن طالع هذا الوجه الصبوح الذي تكلله تلك الابتسامة البريئة، والتي خلبت لبه في التو، تحرك مسرعاً للداخل، عندما افسحت له الطريق، هارباً من ضعفه قبالتها، هم بالاندفاع صوب حجرته، التي اتخذها مستقراً بعيداً عن حجرتها، لتهتف به تستوقفه:
"سمير."
انتفض قلبه، من مجرد نطقها لاسمه، في نداء عادي جداً لا يحمل أي دلالات، تسمر موضعه، لتستطرد هاتفة:
"بقولك!"
استدار يواجهها هاتفا:
"خير!!"
اقترحت في هدوء:
"إيه رأيك ننزل ناكل معاهم تحت!؟ بدل ما بياكلوا لحالهم! لو ده يريحك يعني!؟"
ابتسم مؤكداً:
"أني كنت خايف أقولك كده، يكون أنتِ اللي مش حابة، ولسه هايبة، ومخدتيش عليهم."
أكدت في مودة، وهي تتجه نحو الباب:
"طب تمام، يالا ننزلوا دلوقتي، زمانهم هيحطوا الغدا، أهو أساعد عمتي سندس."
استوقفها سمير متسائلاً في حنق:
"تعالي بس هنا!! أنتِ رايحة فين بالعباية دي!؟"
توقفت تتطلع لنفسها في حيرة، فقد كانت تضع غطاء رأسها بالفعل، على عباءة حريرية وردية اللون، محتشمة تماماً، متسائلة:
"إيه فيها العباية! ما هي بكمام، ولابسة تحجيبتي، مع أن محدش غريب تحت!!"
أكد سمير في نبرة تحمل قدراً لا يستهان به من الغيرة:
"ولوه.. افرض حد طب فجأة، غيري العباية دي للون غامق، ويا ريت يكون أسود."
هتفت متعجبة:
"أسود!؟ وأنا عروسة مكملتش أسبوع يا سمير!؟"
أكد سمير هاتفا في ضيق:
"هتفرج يعني!؟ شايلة الأسود للأربعين يعني ولا إيه!؟"
قهقهت رغماً عنها، ليصمت كل ما به، مرهفاً السمع والفؤاد والروح، لهذا الشدو الرباني، الذي اندفع في خفة من هذه الحنجرة الرقراقة.
توقفت ضحكاتها أخيراً، ليخرج من تيهه على كلماتها المهادنة:
"حاضر، هدخل أغير، وأنزل وراك."
أكد في هدوء:
"لاه، هننزلوا سوا."
هزت رأسها في إيجاب، ودخلت لتغيب بضع دقائق، ترتدي عباءتها السوداء التي ما زادتها إلا حلاوة، تطلع نحوها من جديد، ليس لديه ما يقوله، مشيراً إليها، لتسبقه، قبل أن يغلق الباب، ليهبطا الدرج متجاورين.
هلتلت سهام جدته، ما أن طالعتهما، لكنها تنبهت لسمية، لتهتف به متعجبة:
"مين دي يا ولد يا سمير!؟"
أكد سمير:
"دي سمية مراتي يا ستي."
كان وقع الكلمة على مسامعه، له شدو خاص أطربه، وكان وقعه على مسامع سمية مختلفاً، جعل قلبها يتضطرب، مدركة تماماً أن ذاك الزوج له حقوقاً، والتي أعفاها منها طواعية، لأن قلبها كما أدرك ملكاً لغيره.
هتفت سهام في حنق:
"اتزوجت ومجلتش يا ولد!؟"
هتف سمير باسماً:
"مجلتش إيه يا ستي!! ده البلد كلها حضرت الفرح والطبل والزمر فضل للصبح."
هتفت سهام محتجة:
"كمان فرح وأنا محضرش، ماشي يا قليل التربية، والله لأقول لأبوك عشان تتزوج وإحنا مندراش."
وتطلعت لسمية معاتبة:
"وأنتِ يا معدولة، مش تجوليله فين ستك، مجتش فرحنا ليه!؟ ولا ما صدقتي تتزوجي وتخطفي الواد! معلوم، طول بعرض، ودمه سكر طالع لسته."
ابتسم سمير، وقد قلبت الدفة على سمية متطلعاً نحوها، يحثها على مجاراتها، لكن تلك الابتسامة على شفتيه، وهو يتطلع لصدمتها، كأنه يمسك ضحكاته، جعلتها تقرر الانتقام هاتفة به:
"أيوة صح، كيف يا سمير تعمل كده!؟ بجي برضك ستي محضرش فرحنا!؟"
هتفت سهام في امتنان، وكأنها وجدت لها ناصراً:
"أيوة يا بتي، ربنا يبارك لي فيكِ، جوليله الچاحد ده!؟"
وأشارت لسمية هاتفة:
"تعالي يا بتي اجعدي جاري، باينك بت حلال، أني حبيتك، بت مين أنتِ!؟"
أكدت سمية وهي تتطلع لسمير، تشعر بالانتصار:
"أنا بت ماهر الهواري يا ستي! أخت الشيخ مؤمن اللي خد سهام بتكم."
هتفت سهام متعجبة:
"هي سهام اتزوجت كمان!! وأنا أقول البت راحت فين، ومش بترد عليا لما بنادم عليها!؟"
ظهرت سندس من الداخل، لتتطلع للعروسين في تعجب، هاتفة:
"واه، إيه اللي نزلكم من فوق، ده أنا كنت لسه بحضر لكم صينية الأكل بتاعتكم."
هتف سمير مؤكداً:
"الظاهر سمية زهقت مني، جالت لي تعالى ناكل معاهم تحت، جلت لها ماشي."
ابتسمت سندس في مودة:
"وماله يا حبيبتي، كلوا فالحتة اللي تريحكم، ووجت ما تحبوا تنزلوا تعالوا، ووجت ما تحبوا تجعدوا فوق اجعدوا، المهم راحتكم."
نهض سمير ملثماً جبين أمه في محبة، لتربت على صدره في مودة، ليهتف سمير وهو يشم موضع كفها على صدره:
"الجلابية بجت بالتجلية يا سندس، ينفع كده!!"
قهقهت سندس في سعادة، مؤكدة:
"أيوة ينفع، إن كان عاجبك!"
هتف سمير مازحاً:
"عاجبني طبعاً، هو أني أقدر أتكلم، بس شكلك عامل شوية ملوخية عجب، فيها توم من اللي بيخدر الواحد أسبوع لقدام."
جاءته قهقهات سندس من الداخل، لتشاركها سمية، وسهام..
جلس الجميع على المائدة، ما أن حضر باسل من الخارج، والذي أسعده تواجد سمير وسمية على طاولة الطعام للمرة الأولى.
بدأوا في تناول غذائهم جميعاً، لتتنبه سندس لما يفعله العروسان، ضاربة باسل بخفة من تحت الطاولة، ليلحظ ما يجري بدوره، وسمية تقرب طبق المخللات، من سمير، مدركة ما يحب، ما أسعد سندس التي تطلعت لباسل في فرحة، ارتسمت على ملامحه، وهو يرى سمير ينهض لبرهة، قبل أن يعود حاملاً زجاجة من عصير ما، صب كوباً منها، وضعه أمامها، لتبتسم في وداعة للفتة الكريمة، مشيراً للزجاجة متسائلاً:
"حد عايز عصير!!؟"
أكد باسل في هدوء:
"لاه يا حبيبي، بالهنا والشفا على اللي هيشرب."
بدأ سمير في تناول الطعام في شهية، وقد تنبه أن سمية تشعر بالحرج نوعاً ما، ما دفعه ليمد كفه منتزعاً نسيلة منها، موجهاً بها كفه نحو فم سمية، التي ارتبكت، وكفه ممدود أمام الجميع بهذا الشكل.
حمدت لهم محاولتهم إشعارها أن الأمر طبيعياً، ما دفعها لتفتح فمها تتناول ما يقدمه لها، هاتفة به في خجل:
"كل أنت، أنا باكل والله."
لم يعر كلامها انتباهاً، وهو يمد كل دقيقة كفه مملوءاً بنوعية طعام مختلفة عن الأخرى، حتى جعلها تتذوق كل ما كان على المائدة.
هم الجميع بالنهوض، وكذا سمية تحمل الأطباق، لتمنعها سندس معترضة:
"والله ما يحصل، ده أنت لسه عروسة جديدة، يالا خدي جوزك واطلعي ارتاحي لكم شوية."
هتف سمير من كرسي جانبي، وهو يمد قدميه أمامه، مهدلاً ذراعيه عن يدي المقعد، متحدثاً في وهن:
"جوزها اتخدر خلاص، ما جعلنا بلاش الطبيخ الغامق فشهر العسل يا سندي، صحوني على الـ 15 بجى."
قهقه الجميع، وخاصة سمية، التي جعلته قهقهاتها يفتح عيونه المغلقة في تباطؤ، كناعس يخشى ضوء النهار.
نهض في تثاقل، متجهاً للأعلى، لتشير سندس لسمية بالصعود خلف زوجها، وترك ما عاداه.
دخلا شقتهما، لتهتف به سمية:
"أنا هعمل شاي، الواحد يهضم الأكل اللي كله ده كله، أعملك معايا!؟"
هز رأسه موافقاً، لتغيب دقائق، قبل أن تعود لتسلمه كوباً من الشاي، ارتشف منه رشفة ليجده كما يفضله تماماً، سألها:
"ده مظبوط على الشعرة، كيف ما بحب أشربه بالتمام!؟"
همست مبتسمة في تأكيد:
"شاي تقيل، سكر كتير، رغم إنك مليكش فالحلو، بس بتحب الشاي بالذات زايد سكر."
تطلع نحوها، كانت تتحدث وكأنها تعرفه منذ سنوات، شعر برهبة هذه الحميمية تتسلل لقلبه، ما دفعه ليترك الكوب من كفه وهو ما يزال على حاله، متجهاً صوب حجرته، هامساً:
"أني هنام."
نهضت بدورها حاملة كوبه صوب المطبخ، تاركة كوبها جانباً، والذي حملته ودخلت حجرتها، لا تدرك أنها يراقب سكناتها من خلف باب حجرته الموارب قليلاً، حتى غاب محياها خلف بابها المغلق اللحظة، ليغلق بابه بدوره.
كان عليها أن تتحرك، وتحاول التحامل على نفسها، والنزول لمواجهة الناس، يكفيها اختباء وانزواء، سيكلفها مستقبلها الذي بدأ يتسرب من بين أصابعها بعد كم الأحداث الذي مر بها الفترة الماضية.
دخلت الجامعة تسير على استحياء، تحاول أن تبدو لا مرئية، وعلى الرغم من أنها قدمت إلى هنا في صحبة أبيها، الذي كان لديه محاضرات مبكرة اليوم، والذي رفضت صحبته لها حتى مدرجها، كأنها فتاة صغيرة في يومها الأول بالمدرسة، مصممة على السير بمفردها، إلا إنها رغماً عن ذلك، شعرت بالوحدة، وبغربة كبيرة عن كل ما كان مألوفاً لها.
اقتربت من الوصول للمدرج، وما أن وصلت لعتبات مدخله، حتى سمعت خلفها شابين من زملائها، كانا يتهامسان عليها، لا يدركان أنها تسمع همسهما المتخابث:
"مش دي زهرة بت الدكتور ماجد الهواري."
أكد الآخر:
"أيوة هي يا سبدي، عاش من شافها، بعد ما راح دكتور محمد الله يرحمه بعد كتب كتابه عليها بمفيش، شوف جاية إزاي ولا هاممها!؟"
هتف الأول من جديد:
"أيوة والله صدقت، جاية بلبس ملون، وكن اللي راح ده ملوش عازة، نجول إيه بجى .."
كانت قد وصلت لداخل المدرج وهم خلفها، كانت كلماتهم تقتلها في الصميم، وخاصة ملاحظاتهم الأخيرة التي وصلت مسامعها اللحظة قبل أن تجلس على أقرب مقعد قابلها، شاعرة بالترنح، كانت تنوي العودة من جديد حيث أتت، والرجوع لمكتب أبيها لتنتظر انتهاء محاضراته حتى يقلها للعودة.
وصل إشعار ما على هاتفها، ما جعلها تتطلع نحوه، تحاول أن تلهي نفسها عن كل تلك الخواطر التي تداهمها، ليطالعها على شاشة الهاتف، إشعار من صفحته، مدت كفاً مرتعشاً، وفتحتها، لتجد اقتباس الأمس الذي تعمدت اختياره، ينير صفحته:
"يوم ما، ستدرك أيها الحبيب، أنك أنفاس الصدر، وضي العين، والوجع الحلو الذي أدمنته، وأنك ذاك الدرب وحيد الاتجاه، الذي ما عاد يصلح منه رجوع."
لا تعلم لما دمعت عيناها، وهي تقرأ منشوره، الذي لم يكن إلا اختيارها في الأساس.
مدت كفها، كتبت تعليقاً، كانت المرة الأولى التي تفعل فيها ذلك، لكنها وجدت نفسها بلا إرادة تكتب في التعليق:
"يوم ما، ربما لا يأتي ذاك اليوم أبداً، وربما يكون القدر رحيم بنا، ليغير أقدارنا لما فيه هناء قلوبنا الملتاعة، ربما.."
انتفض عاصم ما أن رأى تعليقها، كان يعرف صفحتها، التي تديرها باسم مستعار، لكنها لا تدرك أنه يعرف ذلك، لذا كتبت تعليقها ذاك بأريحية كبيرة، قرأ الكلمات من جديد، واستشعر أنها تعاني صراعاً ما، لذا لم يعِ إلا وهو يضغط زر الاتصال بها، الذي ظل يرن حتى الرنين الثالث، لترد في نبرة تحاول أن تجاهد لتبدو طبيعية:
"السلام عليكم."
هتف عاصم:
"وعليكم السلام، زهرة أنتِ كويسة!؟"
لم ترد، لذا ما كان منه إلا هتف في عجالة:
"بقولك، خليكِ مطرحك وأني جاي آخدك."
همست بصوت متحشرج:
"المحاضرة هتبدأ يا عاصم، وأنا..."
هتف بها، وقد اندفع في اتجاه السيارة بالفعل:
"اخرجي حالاً من المدرج، سمعاني."
هزت رأسها موافقة، وتنبهت أنه لا يراها، فهمست من جديد:
"حاضر."
هم بإغلاق الخط، لتهمس مستطردة:
"عاصم."
هزت جنبات روحه بندائها، ولم يرد منتظراً حين استطردت هامسة:
"متتأخرش عليا."
أكد في ثبات، وقد انطلق بالسيارة بالفعل:
"مسافة السكة."
وكان على قدر كلمته، فأصبح أمام الجامعة في غضون دقائق، ليرن على رقمها، وما أن أجابت، حتى هتف بها:
"زهرة، أني بره الجامعة، أدخل لك!؟"
أكدت في هدوء:
"لاه أنا خارجة يا عاصم."
ظلت عيونه معلقة بباب الخروج، حتى رآها قادمة، فاندفع نحوها، يسير جوارها متسائلاً:
"أنتِ كويسة!!؟"
أكدت وهي تفتح باب العربة، لتستقلها وهي تهز رأسها غير قادرة على الحديث.
كان يحفظها عن ظهر قلب، ما أن يخيم الحزن على أجواء قلبها، حتى يسكنها الصمت، ويغشى السكون دنياها، وتركن إلى كهف ما داخلها، لا تخرج منه بسهولة أبداً.
سارت العربة مسافة بسيطة، حتى توقف فجأة، فخرجت من شرودها، وتطلعت نحو مكان الوقوف، ليترجل من السيارة في اتجاه محل ما، غاب لحظة، وعاد سريعاً حتى لا يتركها وحيدة، استقل العربة، ومد كفه لها، بذاك القمع المغلق، من الحلوى المثلجة، مدت كفاً مرتعشاً في اتجاه كفه، وأخذت القمع، متطلعة نحوه وغامت عيناها بفعل الدمع المترقرق بها، ما زال يذكر أنها الحلوى المفضلة لها، وأنها الوحيدة القادرة على تطيب خاطرها، ابتسمت هامسة:
"متشكرة يا عاصم، بس أنت لسه فاكر! إني بحب الآيس كريم، حتى فالشتا!؟"
هز رأسه مؤكداً، وهمس في نبرة حانية:
"ولا عمري نسيت، شفتك مضايجة جلت مفيش غيره هيخرجك من ضيجك."
هزت رأسها، وهو يدير العربة في اتجاه النجع، عيونه تتبادل النظر ما بين محياها الحزين والطريق، بينما هي تتطلع نحو المثلجات، تبتسم في شجن، هامسة لنفسها، ما عاد كل ما يسعدنا قديماً، يسعدنا الآن يا عاصم.
فتحت الحلوى، وبدأت تناولها على الرغم من عدم رغبتها في ذلك، لكنها فعلت جبراً لخاطره، ما جعله يبتسم في مودة، وهو يتطلع لها، لا يعلم أن أمر قلبها أعظم وجعاً من أن يداويه قمع من حلوى.
دفعت بها عمتها لتفعل ذلك، ولولا معزتها ما جاءت حتى أعتاب حجرته، تطرق عليه بكف مرتجف، لعله يخرج من عزلته، التي فرضها على نفسه، منذ أيام.
ردها من الداخل، جعلها تنتفض خجلاً، تتطلع لعمتها المستترة بأحد الأركان، والتي ربتت على صدرها تستعطفها لتستمر في الطرق، حتى ينهض فاتحاً بابه، خارجاً من عزلته.
طرقت حُسن من جديد، لينتفض شعيل فاتحاً الباب في عنف أجفلها، ابتسم محرجا، ما أن طالعه محياها هاتفا:
"هو أنت يا حُسن!؟ كنت مفكرة الخادم، خير!!"
ارتبكت حُسن قليلاً، وأخيراً استجمعت شجاعتها، هاتفة به:
"هو مفيش أي تقدير ولا تشجيع خالص للغلبانة اللي قاعدة تذاكر دي لحد ما دماغها ورمت!؟"
اتسعت ابتسامة شعيل على تعبيراتها، مؤكداً:
"والله نشجع ونجيب مشجعين المنتخب الوطني يشجعوا كمان، إحنا تحت أمرك."
ابتسمت مؤكدة:
"لاه مش للدرجة دي، أنا بس اتخنقت من المذاكرة وعايزة أخرج شوية، ينفع تخرجنا!!؟"
همهم باسماً:
"تخرجنا!؟ نون الجماعة مين المقصود بيها!!؟"
اتسعت ابتسامتها هاتفة:
"أنا والغلبانة ربي، دي خلاص يا عيني، شوية هتنزل تشحت حد يخرجها."
قهقه هاتفا:
"لاه، مش لهالدرجة، أنا موجود، اجهزوا، وأنا تحت أمركم."
رفعت حُسن هاتفها، تتصل بربي، لتجهز نفسها، حتى يمروا بها ليأخذوها في طريقهم للمول التجاري، والتي صرخت فرحاً، وأعدت نفسها في ثلاث دقائق.
عافت الطعام، فمنذ قدمت إلى هنا، لم تضع بجوفها إلا قليل من الماء، وكأنها ترفض بقاءها على قيد الحياة بعد ما حدث.
دموع عينيها لا تجف، ووجع قلبها يزداد ضراوة، وهي ترى من أحبت، ووهبته القلب والروح، قد تحول بهذه الطريقة الفجة، وفعل بها ما لا يغتفر.
إنها ممزقة ما بين مشاعر كانت له خالصة من دون البشر، وما بين مشاعر أصبحت ناقمة عليه، ملأ الأرض والسماء، وهي ما بينهما تموت قهراً وعجزاً، ولا حيلة لها إلا البكاء والاضراب عن الطعام، لعلها ترحل بعارها، وحبها الآثم الذي ما زال يرتع بين جنباتها.
انتفضت، عندما سمعت صوت إدارة المفتاح بباب الحجرة، بالأدق حجرة التي يشاركها فيها، مغلقاً عليها بابها ما أن يغادرها.
دفع منتصر الباب، ليدخل وخلفه هذه الفتاة الجريئة الطلة، التي تحمل صينية من طعام مغطى، لكن رائحته الشهية، أثارت شهيتها، وأسالت لعابها، لكنها لن تضعف أبداً، هكذا قررت، وهي تحيد بناظريها عن زوارها، تمسح عن وجهها دموع الحسرة في كبرياء أثار إعجاب منتصر، الذي ظل يتطلع إليها في عشق، أشعل غيرة نغم، التي مصمصت شفتيها في حنق، هاتفة بلهجة حادة:
"هو أنا هفضل شايلة الصينية دي لحد أمتى يا باشا!؟ ولا أغور بيها أحسن، عشان مبقاش عازول!!؟"
أشار منتصر لطاولة ما بالقرب من الفراش، لتضع نغم عليها الصينية، هاتفة في نفاد صبر:
"أي خدمة تاني يا باشا!؟ ولا أتكل!!"
أشار لها منتصر ملوحاً كفه في لا مبالاة، لتتحرك نغم في حنق، تقف على باب الحجرة، على الرغم من إغلاقه بابها.
ليقترب من بدور، جالساً قبالتها متنهداً، هامساً في هدوء:
"هتفضلي كده لحد أمتى!! لازم تاكلي."
هتفت بدور في حنق:
"أبعد عني، مش عايزة منك حاجة، كل اللي عايزاه دلوقتي، إني أموت وارتاح منك ومن .."
هتف مقاطعاً إياها، هاتفا في نبرة محبة:
"بعد الشر عنكِ، تموتي إيه!! ده أنا ما صدقت ربنا جمعني بكِ، تقولي أموت والكلام الفاضي ده."
تطلعت نحوه، هو منتصر الذي تعرفه، وليس هو في نفس ذات اللحظة، أيهما تطالع، من منهما الحقيقي، ومن منهما المزيف، أم كلاهما شخص واحد وعليها أن تتعايش مع هذا، وتتقبل ذاك الوضع، حتى يتضح لها حقيقة الأمر، الذي يكاد يذهب بعقلها.
مد كفه يقرب الصينية، رافعاً الغطاء عنها، كاشفاً عن محتواها، مشيراً لعدة صحون، مؤكداً في محبة:
"بصي، الأكلات اللي بتحبيها كلها."
تطلعت نحو الأطباق، كان محقاً، ما ترك صنفا تحبه إلا وكان حاضراً ها هنا.
تطلعت نحوه في اضطراب، إنها حتى ما كانت تعلم أنه يعرف كل ما تحب بالفعل، هل كان يحبها لهذه الدرجة!؟ وهل ما زال يحبها بنفس الدرجة، أم أن تحول حاله، حول قلبه كذلك!!
تنهدت بصوت مسموع، أثار لواعج قلبه بالمثل، وهمست لنفسها، ما الفارق!! كان يحبها!! أو يذكر ما تحب!! هي التي يجب عليها أن تكف عن عشقه، وتخرس دقات هذا القلب الذي لم ولن ينبض لعشق آخر.
مدت كفها نحو الصينية، ليبتسم منتصر معتقداً أنها لانت لكلماته، وستتناول طعامها بالفعل، لكنها ادعت ذلك، وعيناها على أمر آخر، شيء لامع على أطراف الصينية، جذب انتباهها، وقد يكون فيه الخلاص.
ابتلعت اللقمة الأولى في صعوبة، وتظاهرت بالتقاط الثانية من على أطراف الصينية، في ظل سعادة منتصر، بكسرها لاضطرابها عن الطعام، لتنتفض بغتة، مختطفة السكين من موضعها، مندفعة نحو منتصر، تود قتله.
كانت قد اعتلتها، حاملة سكينتها، تضم على مقبضها، موجهة نصلها صوب قلبه الذي عذبها كثيراً، أمسك منتصر ساعدها محاولاً أن يبعد النصل عن صدره، وهي تضغط عليه بقوة، هامساً وهو يتطلع بعمق عينيها، بنبرة أذابت كل دفاعاتها:
"لو ده اللي يريحك يا بدور، هسيب إيدك، عشان ترتاحي."
بدأت كفها ترتجف، وقد أدركت تماماً، أنها غير قادرة على فعل ذلك، حتى لو أتاح لها الفرصة، كانت لحظة شجاعة زائفة من قبلها، تدفع ثمنها اللحظة من كبريائها المهدر على أعتاب عينيه التي تطالعها اللحظة، بتلك النظرة التي أعادتها لذكرياتها الرائعة معه، ما دفعها في لحظة تهور، أن تبتعد، لتوجه النصل نحو قلبها هي، ذاك الخائن الذي يسلم نفسه طواعية لخائن آخر، دون رغبة منها، عليها الخلاص من كلاهما، قلبها ومالكه.
لكن منتصر، كان من الحنكة، ليدرك خطتها، وهي في مثل هذه الحالة من الاضطراب، والتيه، لينتفض باعداً كفها المتشبث بمقبض السكين في استماتة، عن موضع صدرها، وقد انقلب الوضع عكسياً، ليصبح الآن هو المسيطر من عليائه، مشرفاً عليها، ظل يضغط على مجمل ساعدها، حتى شعرت بالألم، ليفقد كفها القدرة على التشبث بمقبض السكين، ليسقط محدثاً دوياً، قطع ذاك الصمت المغلف لوضعهما، وكلاهما غائب تماماً، يسربله التيه، سارحاً في عمق عيني الآخر، حتى اقترب منتصر في بطء ليطبع قبلة حانية على جبينها، جعلت جسدها يرتجف وهي يبتعد ليعاود وصل عينيها من جديد، والذي قطعه منتفضاً، فما عاد له القدرة على تحمل كل هذا الشوق القاهر في حضرتها، متوجهاً نحو الباب، بعد أن تناول السكين من أرض الحجرة، ليجذب الباب لينفتح في شدة، ليطالع نغم، التي ما زالت مرابطة على أعتابه، هاتفا في ثورة، لا تعادل ذرة مما يعتمل بداخله، صارخاً وهو يقذف السكين أرضاً، موجهاً حديثه لنغم:
"لما تبقي تجيبي لها أكل تاني، متحطيش سكاكين لفاكهة وزفت، ركزي شوية!!"
لم تنبس نغم بحرف، بينما اندفع هو لخارج الغرفة، هاتفا في ثورة لم تهدأ:
"ادخلي حاولي تأكليها، ولو مكلتش، مش هحاسب حد غيرك، فاهم!؟"
هزت نغم رأسها متفهمة، لا تعلم ما الذي حدث ليتحول الباشا، لهذه الثورة العارمة، تطلعت بطرف عينيها نحو الداخل، لتجد بدور، ممددة على الفراش، شاردة تماماً، تتطلع لسقف الغرفة في صدمة، وهي تتحسس موضع قبلته على جبينها، والتي استشعرت أنها ما كانت إلا على شغاف قلبها المضطرب، الذي يحاول أن يبعث له برسالة ما، لم يستطع أن يفك شفراتها بعد.
رواية زاد العمر وزواده الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم رضوى جاويش
تنبه سمير وهو يهبط الدرج، عندما رأى سندس تخرج من غرفة المكتب، تمسك بأحد ملفات قضاياها، هاتفا:
"بقولك يا أمي! متعمليش حسابنا فالغدا، أصلك عمي ماهر عازمنا النهاردة ع الغدا معاهم، وهاخد سمية وأروح."
أكدت سندس:
"أيوه يا حبيبي عارفة، ما هداية مسكت فيا أنا وأبوك عشان نيجي بس مينفعش، أنت عارف منقدرش نسيب ستك أو حتى نغير مكانها، بتضايج."
أكد سمير وهو يطبع قبلة على جبين أمه:
"فيك الخير والبركة يا حضرة الأفوكاتو، ركزي بس أنتِ فالقضية، عايزين إعدام أقصد براءة."
قهقهت سندس وهي تضربه على كتفه في سعادة، متطلعة نحوه في فخر، هامسة وهي تربت على صدره بحنو:
"مبسوط يا سمير!؟"
أكد في عجالة:
"هكون مبسوط أكتر من كده إيه يا أم سمير!؟ الحمد لله."
همست به:
"ربنا يسعدك كمان وكمان يا حبيبي، ويديك على قد طيبة جلبك، وأشوف ولادك بين إيديا كده عن قريب."
ابتسم سمير، ابتسامة مضطربة، وربت على كتفها، مندفعا نحو أسفل الدرج، متهربا من نظرات أمه، وهو ينادي زوجته:
"ياللا يا سمية اتأخرنا!! أنا جعاااان."
ظهرت سمية أعلى الدرج، كان من الطبيعي أن يغض الطرف، حتى يحفظ قلبه المترنح ذاك من التمدد صريعًا بساحة صدره لمرآها بهذا الحسن الفطري، الذي لا تتكلف جهدًا لإظهاره، لكن عيون أمه المتطلعة نحوهما اللحظة، والكاشفة لكل شاردة وواردة، جعلته يتطلع ملء عينه نحوها، مبتسمًا في سعادة ما أن وصلت حتى موضعه، ليهتف مازحًا:
"ليه التأخير ده كله!؟ ما إحنا جعانين، ده أنا صايم من يومين، عشان العزومة دي."
قهقت سندس، مازحة:
"والله نسايبك ليقولوا مجوعين ولدهم وجاي ياكل عندنا."
ابتسمت سمية مؤكدة:
"والله ماما عاملة له الحلو كله، دي قعدت تقولي، سمير بيحب إيه واعمله إيه!؟ ياكل وينبسط على راحته."
هتفت سندس:
"والله فيها الخير هداية، ربنا يديها الصحة، وتسلم يدها، سلميلي عليها، وعلى سهام، العزومة الجاية ليها ولمؤمن بإذن الله، بس أخلص القضية المعجزة دي."
هتفت سمية:
"على خير إن شاء الله."
هتف سمير مازحًا، وهو يندفع لخارج الدار، وخلفه سمية:
"ركزي يا سندس، الإعدام أقصد البراءة."
قهقهت سندس، وكلاهما يغيب عنها.
سارا جنبًا لجنب، على طول الطريق الترابي، الواصل بين دار التهامية ودار ماهر الهواري، حتى إذا ما وصلا، ووقفا على الأعتاب، وما أن هما أن يعلنا عن وجودهما، حتى سمعا صوت عبدالله، صارخًا من الداخل في اعتراض:
"أنا مليش صالح، أنا جعان."
وفجأة ارتفعت لعنات هداية، التي تعقبت عبدالله، وهو يهرول خارج المطبخ، حاملاً زوجًا من الحمام المحشو، والمعد لعزومة أخته وزوجها، ملتهما إياه في شهية، ما دفع كل من سمير وسمية للتطلع لبعضهما برهة، قبل أن ينفجرا ضاحكين على أفعال عبدالله، الذي تنبه لوجودهما، ولم يبال، بل هتف في سعادة بفم ممتلئ:
"يا مرحب بالعرسان، اتفضلوا."
وهتف مستدعيًا أمه:
"يا أم مؤمن، سمير وبتك جم أه، يالا أكلينا بقى، بدل المجاعة اللي إحنا فيها دي."
قهقه سمير لأفعال عبدالله من جديد، خاصة حين اندفعت هداية من داخل المطبخ، تعدل من هندامها، فاتحة ذراعيها تستقبل ابنتها في شوق ومحبة:
"يا جلب أمك، والله اتوحشتك يا حبيبتي، تعالي معايا ع المطبخ نخلصوا، لحسن فيه البيه ياكلنا حيين."
ارتفعت ضحكات سمير، وهداية تتطلع لعبدالله، الذي أجهز على الحمام، في لحظات، لتتنبه هداية هاتفة:
"ازيك يا سمير يا حبيبي، اتفضل، معلش، والله الملكوم ده خلى راسي تندار."
هتف سمير باشا:
"ولا يهمك، حجة برضك، كلنا جعانين."
تطلعت هداية في اتجاه سمية في عتب:
"وه، جعانة جوزك ليه!؟"
تطلعت سمية نحو سمير عاتبة:
"هتجيب لنا الكلام أه، والله هو اللي قالي لو فطر متأخر مش هيعرف يتغدى، صح!؟"
هتف سمير مازحا:
"لأ."
تطلعت سمية نحوه باسمة، ليتراجع عن كذبه مؤكدا:
"الصراحة صح."
هتفت هداية باسمة:
"حالا يا حبيبي أحط الأكل، وبالهنا والشفا على جلبك."
هتف عبدالله معترضًا:
"أيوه بالهنا والشفا لجوز بتك، لكن ولدك لأ، ماشي يا حاجة مااااشي."
تطلعت إليه هداية بنظرة حانقة، هاتفة به آمرة:
"قوم نادم على أخوك ومرته، خليهم ينزلوا عشان ياكلوا."
اعترض عبدالله، لتهتف سمية رابتة على كتف أمها مهدئة:
"أنا طالعة أسلم عليها، وننزلوا كلنا للغدا، ونحصلك ع المطبخ يا حاجة هداية."
هزت هداية رأسها في تفهم، وهي تندفع للمطبخ لتنجز ما خلفته ورائها، دافعة سمير ليجلس بأحد المقاعد مع عبدالله، حين صعدت سمية لحجرة مؤمن وسهام.
هتف مؤمن وهو ممدد على فراشه، يتطلع لسهام التي تعدل من هندامها أمام المرآة في عشق:
"اللهم بارك، كيف البدر."
ابتسمت في حياء لتعليقه، لينهض متجهًا نحوها، وما أن أصبح قبالتها، حتى انحنى مقبلاً جبينها في محبة، تطلع لعمق عينيها في هيام، وما أن اقترب أكثر ضامًا إياها، حتى دق الباب، هاتفة سمية من خلفه:
"إيه يا اللي هنا!؟ مش كفاية عسل بقى!؟"
قهقهت سهام لمزاح سمية، هاتفة من خلف الباب:
"لأ واضح أن سمية اتعدت من سمير بسرعة، جايين والله."
قهقه مؤمن مؤكدا على تعليق سهام، فما كانت سمية بهذه الجرأة، والمرح من قبل، كانت دومًا خجولة صامتة، لكن يبدو أن لسمير تأثير كبير عليها بالفعل، وهي نفسها لم تكن تدرك ذلك، إلا حين جاءتها ملاحظة سهام تلك، والتي فتحت الباب تستقبلها في حفاوة، ومؤمن من خلفها، ما أن طالع محياها، حتى احتضنها مقبلا إياها في محبة أخوية خالصة، لتهتف سمية مازحة لمؤمن:
"يالا بينا على تحت، أحسن عبدالله مجنن أمك، وسمير مستنيكم."
اتسعت ابتسامة مؤمن مؤكدا:
"وهو من متى عبدالله مريح أمك!؟ ده صوت صراخها بسببه جايب آخر النجوع."
قهقه الجميع، وهم يهبطوا الدرج نحو موضع سمير، متطلعين لعبدالله الذي احتل موضعه على المائدة قبل الجميع، ما زاد من ارتفاع ضحكاتهم على أفعاله.
توجهت سمية نحو المطبخ، تقف بجوار أمها، لتساعدها في تحضير المائدة، لتهمس لها هداية في نبرة أم تطمئن على ابنتها العروس الجديدة، في حياتها الزوجية المستحدثة:
"أخبارِك إيه يا سمية!؟ سمير كويس معاكِ كده!؟"
أكدت سمية في صدق:
"سمير مفيش منه والله يا ماما، طيب وابن حلال بجد ويتمنى لي الرضا أرضى."
هتفت هداية رافعة كفيها للسماء هامسة:
"الحمد والشكر لك يا رب."
وتطلعت نحو سمية مستطردة:
"والشهادة لله، سهام أخته ممتخيرش عنه، ربنا يبارك لكم يا بتي، بس جوليلي، وأنتِ عاملة إيه معاه!! أوعاكِ يا سمية تجصري فحاجة، ده له عليكِ الطاعة يا بتي وحسن التبعل، واعية لكلامي يا بتي!"
هزت سمية رأسها في تفهم، تحاول أن تتشاغل بحمل بعض الأطباق، لتستكمل هداية نصائحها الذهبية كأم:
"الست الشاطرة يا بتي، جوزها يكرمها جراط، تكرمه جراطين، يشيلها على كفوف الراحة، تشيله فحبابي العين."
هزت سمية رأسها في إدراك من جديد، لتدخل سهام المطبخ قاطعة حديثهما، هاتفة:
"أنا جاية أساعد أهو، ومتجوليش عروسة ومعرفش إيه، ما هي سمية بتساعد أهي!"
ابتسمت هداية مؤكدة:
"لأ مش هجول، تعالوا ساعدوا، عشان نأكل الغيلان اللي بره دول قبل ما ياكلونا."
جلس الجميع على المائدة، كل جوار عروسه، وماهر وعبدالله على طرفي الطاولة، ساد جو من المرح والحديث المتبادل من هنا وهناك، وخاصة المزاح على أفعال عبدالله، الذي كان ينهض متناولاً الطعام من هنا وهناك، ليأكل في استمتاع رهيب، تطلع عبدالله لكل عريس، وعروسه تهتم به، وتضع له بصحنه الطعام، وأحيانًا تضع له من صحنها، إمعانًا في الاهتمام والمحبة، حتى أمه، تهتم بأبيه دونه، ما دفعه ليهتف صارخًا:
"مليش صالح، جوزوناي."
قهقه الجميع، لتهتف هداية:
"إيه يا واد يا مخبل أنت!؟ إيه في!؟"
هتف عبدالله مفسرًا:
"يعني كل واحدة جاعدة تأكل في جوزها وأني مفيش اللي تأكلني، لو كان الجواز كده يبقى جوزونوني بقى."
قهقهت هداية وماهر كذلك، والذي هتف:
"عايز تتجوز عشان تلجى اللي تأكلك، طب هو أنت عاجز من أساسه!! ما أنت جايم بالواجب وزيادة."
قهقه سمير، واضعًا بعضًا من طعامه على صحنه، هاتفا به:
"ولا تزعل يا سيدي، ودي هدية مني لك، بالهنا والشفا."
ليهتف مؤمن باسمًا، وهو يضع فردة من الحمام بصحنه:
"ودي مني أنا، يالا هيص يا عبدالله باشا."
بدأ عبدالله في التهام العطايا باستمتاع، لتهتف هداية في مزاح:
"الله يكون في عونها اللي هتجوزك، دي هدوج المر."
أكد عبدالله:
"دي هدوج الشهد، ما أنا هاكلها معايا."
قهقه الجميع ليهتف ماهر مازحًا:
"وأنت هتسيب لها حاجة!؟"
أكد عبدالله بفم ممتلئ:
"لأ، برضك مرتي، لازم أوعالها."
هتفت هداية:
"أول مرة تقول حاجة عدلة."
ليتطلع الجميع نحو عبدالله، الذي كان في عالم آخر، وقد أصابته التخمة، جالسًا على كرسيه متنهدًا، وكأنه كان في سباق عدو طويل المسافة، لترتفع الضحكات من جديد.
ارتفع رنين هاتفها، الذي لم تتنبه له، فهي ما اعتادت أن تسمع رنينه مرتفعًا من قبل، اندفعت نحو غرفتها، تفتح الخط قبل أن يغلق، فهي تدرك تمامًا أنه مروان، صاحب النمرة الوحيدة بهاتفها، والذي أنار اسمه على الشاشة اللحظة، كما أنار بقلبها شوقًا قاهرًا له، هتفت ما أن فتحت الخط:
"ألوو، ألوو، مروان!"
هتف بها مروان في شوق:
"عيون مروان."
تنهدت ودمعت عيناها، وقد ألجم الشوق لسانها عن النطق بحرف، إلا أن دموع عينيها قالت كل ما كانت ترغب في قوله، احترم صمتها المقدس، حتى تنهدت هي محاولة أن تدير دفة الحوار، هامسة:
"كنت فين بقى اليومين اللي فاتوا!؟"
أكد مروان:
"كنت فالقاهرة، أنتِ عارفة بقى التحاليل والأشاعات والكلام ده بياخد وقت قبل تحديد ميعاد السفر."
هتفت في دهشة:
"أنت لسه مصمم على موضوع العملية دي يا مروان!؟ خلاص بقى، عشان خاطري أصرف نظر، أنت أكيد عرفت باللي حصل لستي وجيدة، وبرضو عن سبب واللي حصل من منتصر!!"
هتف مروان في ثبات:
"ربنا يشفيها يا رب، بس إيه دخل عمليتي فاللي حصل ده كله!؟"
هتفت أية مؤكدة:
"ليه مليون دخل!؟ إذا كنت عايز تعمل العملية عشان كلمة اتقالت لك من ستي، فخلاص، ربنا خد لك حقك يا مروان، وإذا كان عشان كانت ستي بتقارنك بمنتصر، فأهو محدش عارف أراضيه ولا حقيقة اللي عمله من أساسه، يعني يا مروان أنت على حالك دي كافي وأنا راضية والله، عشان خاطري بلاش العملية دي، أنا خايفة يا مروان."
انفجرت أية في البكاء شاهقة، لم يعقب مروان بحرف حتى هدأت تمامًا، فهمس مؤكدًا:
"بصي يا أية، أنا مش بعمل كده عشان جدتك أو منتصر أو أي مخلوق، منكرش إن ده كان الحافز اللي خلاني أفكر جديا فالموضوع، لكن لما اتخذت القرار النهائي كان عشاني أنا وأنتِ يا أية، مبقاش يهمني حد غيرنا، لا يهمني مين اللي يقول ومين اللي يعيد، كل اللي يهمني ارجع مروان، وابقى جدير بأية وبس."
همست أية باكية:
"بس يا مروان، عشان خاطري.."
همس مروان مقاطعًا إياها، متنهدًا:
"عشان خاطري أنا، بلاش تجيبي سيرة الموضوع ده تاني، الموضوع منتهي يا أية، أنا راجع بكرة بإذن الله، وعايز أشوفك، ينفع!؟"
همست مضطربة:
"مش عارفة!! هشوف."
همس باسمًا وبنبرة شقية:
"طب شوفي بسرعة عشان أنتِ وحشتيني جدًا، بقالي فترة طويلة مشفتكيش، أية .. بحبك."
همست في خجل، وبأحرف مضطربة:
"أنا لازم أقفل دلوقتي."
ابتسم مجيبًا:
"اقفلي، بس لازم أشوفك قبل ما يتحدد ميعاد السفر لألمانيا."
همست من جديد:
"إن شاء الله."
أغلقت الهاتف، وقد حزمت أمرها، فما عاد لها مخرج آخر للخروج من هذه المعضلة، إلا ما انتوت فعله، والذي كانت تؤجله ليكون هو الحل الأخير، من وجهة نظرها.
كان الطريق قد أوشك على الانتهاء، وراضي يكسوه الصمت منذ منتصف الرحلة تقريبًا، هائمًا في عالم آخر، يتطلع من النافذة كأن الدرب بجديد عليه، يتطلع إليه في تركيز عالٍ ليس من عادته، ليتطلع إليه يونس في تعجب، لكنه لم يعقب بحرف، بل مد كفه ليفتح الإذاعة، لعلها تخفف بعضًا من شرود ذاك التائه، على صوت المذياع، لتصدح ليلي مراد متغنية:
يا مسافر.. وناسي هواك..
ريداك والنبي ريداك..
كررها يونس بصوت شجي مع الأغنية، متطلعًا نحو راضي، الذي انتبه مع الكلمات كأنها رسالة ما، بعثت له على لسان تلك التي تركها خلفه بالقاهرة.
هتف به يونس مازحًا:
"إيه!! مش هترد على ليلي ولا إيه!؟ ريداك والنبي ريداك.."
هتف راضي متعجبًا:
"ليلي مين!؟"
هتف يونس في غيظ:
"ليلي مراد اللي فاتها وراك يا خفيف."
هتف به راضي مشيحًا بناظريه نحو النافذة من جديد:
"والله أنت فايق وواخدني سلاوتك، أنا تعبان، قدامنا كتير!؟"
تنهد يونس مؤكدًا:
"لأ، خلاص أه، خطوتين ونكون فنَجَع الحناوي."
وصمت يونس ولم ينبس بحرف بعدها، حتى انحرفت العربة، لتدخل لذاك الطريق الترابي الطويل، ومنه لدار الحناوي مباشرة.
أطلق يونس بوق العربة، مرتين، حتى ظهرت سماحة على البوابة الخشبية، فتحتها على مصرعيها، لتدخل العربة، حتى يصفها يونس بالكاد لتقصير المسافة على راضي قدر الاستطاعة.
تطلع يونس نحو سماحة في محبة ظاهرة لا يمكن أن تخطئها عين لبيب، لكنه تدارك الأمر هاتفا في لهجة حاول أن يجعلها عادية:
"إيه الأخبار يا سماحة!؟ كله تمام!!"
هتفت سماحة بصوتها المزيف:
"كله تمام يا يونس بيه!؟ زي ما طلبت بالظبط."
تطلع راضي لسماحة من البعد، لبرهة قبل أن يبعد ناظريه عنها، ويونس يفتح باب السيارة، مسندًا إياه، توجع راضي، وهو يحاول الخروج من العربة حتى استقام، سنده يونس لعدة خطوات، حتى وصولا للدرج المفضي للدور العلوي، فهتف به راضي:
"أنت موديني على فين!؟ ما أقعد تحت!!"
هتف به:
"لأ، تحت مبقاش ينفع، هبقى أفهمك بعدين، مكاننا فوق، تعالى."
حاول راضي الصعود، لكنه لم يقدر، ما دفع يونس لينحني حاملاً إياه بين ذراعيه، ما دفع راضي ليتطلع إليه متعجبًا:
"أنت بتعمل إيه يا مخبل!! أنا تجيل عليك."
هتف يونس به:
"لأ تجيل ولا حاجة، دول كلهم كام سلمة ماهماش جبل يعني هطلعه."
وتطلع يونس نحو راضي مازحًا، وهو يصعد به الدرج في هدوء:
"واتمختري يا حلوة يا زينة، يا وردة من وسط جنينة."
أمسك راضي ضحكاته، هاتفا بيونس:
"هتبطل ولا أنزل ويتفتح الجرح، وتبقى أنت السبب."
لم يعر يونس كلام راضي التفاتا، وهو يصل لقمة الدرج المفضية للداخل، مستطردا، وهو يقلد أحد الأفلام الكوميدية:
"ده أنتِ هتموتي الليلة دي."
ضربه راضي على كتفه، هاتفا به في حنق:
"نزلني والله أنت عيل ماسخ."
قهقه يونس، بعد أن وضعه على أحد المقاعد الوثيرة، هاتفا به:
"ليه بس كده يا بو الروض، هو كده آخرة خدمة أستاذ راضي لوية بوز، يا ساتر، أنا عارف بتحب فيه إيه ده، والنعمة نعمة نفسها حلوة."
هتف راضي منزعجًا:
"يونس، بكفاياك."
هتف يونس مؤكدًا:
"خلاص يا عم، هو أنا جلت إيه يعني!؟"
هم راضي بالحديث، لكن سماحة وصلت حاملة صينية الطعام، التي أعدتها الخالة سعيدة على شرف وصول راضي، تنبه يونس لوجودها، فاندفع نحوها حاملاً عنها الصينية التي همت بالدخول، لوضعها جانبًا، لكن يونس منعها، هاتفا بها:
"هات يا سماحة، كتر خيرك على كده، أنزل جهز لنا الشاي."
هزت سماحة رأسها في طاعة، لا تعرف لما يحاول أن يصرفها عن التواجد بالأعلى في ظل وجود أخيه.
هتف راضي ما أن رحلت سماحة:
"مين دي يا يونس!؟"
هتف يونس مهمسًا:
"دي حكاية العمر كله يا واد أبوي."
هتف به راضي متعجبًا:
"أنت بتكلم روحك، يا بني بقولك مين سماحة ده!؟ أنا مسمعتش بيه قبل كده!؟"
هتف يونس مفسرًا:
"بص، سماحة دي حكاية كبيرة قوي، هحكيهالك بعدين، ما إحنا مبقالناش إلا الحكاوي، بس دلوقتي، لازم تاكل وتتغذى كويس."
رفع الغطاء عن صينية الطعام الشهية مؤكدًا:
"بقولك إيه!؟ أكل خالة سعيدة، أم سماحة، إيه بقى حاجة كده مفتخرة، هتجومك ترمح رمح، وتبرطع كيف الحمار الحصاوي."
هتف به راضي ممتعضًا:
"حمار حصاوي!! متشكرين يا مؤدب."
قهقه يونس، وهو يمد كفه في شهية نحو الطعام، مقربًا الصينية من راضي، حتى يستطيع مد كفه، متناولًا الطعام في شهية فعلية، كانت غائبة عنه منذ أيام، ليبتسم يونس، وهو يدرك ذلك، متمنيًا له الشفاء العاجل، حتى يستطيع أن يواجه سماحة بكل ما يرغب دون مداربة، وإنهاء تيه قلبه الذي عانى كثيرًا بدروب العشق، حتى اهتدى أخيرًا لشط هواها، وأرسى مركب فؤاده.
قفزت رُبى في سعادة ما أن استطاعت أن تفوز بهذه الدمية الرقيقة، لتتسع ابتسامة شعيل لسعادتها، متطلعًا نحو حُسن، متسائلًا:
"مش عايزة تلعبي!؟"
أكدت حُسن باسمة في حياء:
"لأ، مليش فالألعاب والكلام ده، كفاية رُبى تلعب لينا إحنا الاتنين."
همس شعيل، الذي كان يتطلع لربى مؤكدًا:
"رُبى فتاة بالعشرين، لكن قلبها قلب طفلة ما تخطت العاشرة."
همست حُسن باسمة في حسرة:
"يا بختها، ده رزق كبير إن قلب الواحد منا يفضل قلب طفل، لا يكره ولا يحقد ولا.."
هتف شعيل متحسرًا بدوره:
"ولا ينفجر بالحب والفقد."
نكست رأسها صامتة، فوجيعة قلبه كانت جلية اللحظة أمام ناظري كفيف، وما كان عليها أن تقف مكتوفة الأيدي، أمام وجع بهذا القدر، فهتفت مستفسرة:
"تقصد رهف!؟"
تطلع شعيل نحوها في هدوء، كان يدرك أنها بالتأكيد قد سمعت عن حكايته ورهف وما كان، سواء من أمه، أو حتى من ربى التي لا تحمل للدنيا هما هناك.
هز رأسه مؤكدًا في صدق:
"نعم، رهف لم تكن فقط حبيبة، كانت عمر كامل، بحلوه ومره، عرفتها من كانت بنت الخامسة عشرة، ومن اللحظة اللي وقعت عيني عليها، قلبي تعلق فيها، كأني لقيت توأم الروح اللي عم يحكي عنه الشعراء والكتاب بحكاياتهم، قصتي برهف، قصة عمرها يزيد عن الخمسة عشر عامًا كاملة، كلها ذكريات في مجملها رائعة، كيف أنسى كل هذا وأعطيه ظهري!! هذا منطقي!؟"
أكدت حُسن في هدوء:
"لأ طبعًا، محدش قال تنسى ولا تحذف أجمل ذكريات عمرك، بس محدش يرضى إنك تموت وراها."
تنبه لكلمات حُسن، فتطلع لها في حنق، لتهتف به مؤكدة:
"إيه!؟ مستغرب إني صريحة معاك!! أيوه اللي بتعمله ده ملوش إلا مسمى واحد بس، إنك خايف."
هتف ممتعضًا:
"خايف!! شو هاد، من شو راح أخاف أنا!!"
أكدت حُسن هاتفة في ثبات:
"خايف قلبك يتفتح من تاني، خايف تحب تاني، خايف من الفقد تاني، عشان كده قافل على نفسك، وقاعد تبكي على أطلال حبك وذكرياته اللي كانت."
تطلع نحوها في صدمة، وكأنها عرت حقيقة مشاعره، التي كان يخفيها حتى عن نفسه، هكذا بكل سهولة، ما دفعه ليهتف مناديًا ربى في حنق:
"رُبى، يالا خلصنا، بدنا نروح."
هتفت ربى التي اقتربت منهما، هاتفة في اعتراض:
"ليش لنروح هلا، لسه بكير، ما.."
قاطعها شعيل حانقًا:
"خلاص خلصنا، بكفي تصرفات مثل الأطفال، إمتى راح تكبري!!"
تطلعت ربى نحوه في صدمة، ماذا فعلت لتستحق كل هذا التقريع!!
لمعت دموع الحرج بعيونها، وهمست في هدوء قاتل:
"حاضر، راح أصير كبيرة عشان أرضيك يا حضرة السلطان."
واندفعت نحو موضع السيارة، تطلعت حُسن نحو شعيل في أسى، فقد صب جام غضبه على رأس المسكينة، التي ما اقترفت إثمًا من الأساس، وتركته يقف وحيدًا، تتبع ربى للسيارة، وهو لا يعرف ما عليه فعله، سوى ذاك الشعور بالذنب الذي يكتنفه اللحظة، وصل السيارة بدوره، ووقعت نظراته على ربى، التي كانت تجلس بالمقعد الخلفي، وهي التي كانت تتشاجر من أجل الجلوس بالمقعد جواره، عيونها دامعة، تنظر طوال الطريق من النافذة، صامتة تمامًا على غير عادتها الثرثارة التي كان يملها أحيانًا، ويستحسنها أوقاتًا أخرى.
مد كفه، وشغل بعض الموسيقى، أخذ يقلب من هنا وهناك، حتى أتى بإحدى الأغاني خاصة، وبدأ في تشغيلها، كان يعلم أن ربى تحب هذه الأغنية، كانت تقريبًا المفضلة لها، والتي كانت تطلبها دومًا ما أن تكون معه بالسيارة لأي غرض، لا يدرك أنها ما كانت لتفعل إلا رغبة في توصيل رسالة قلبها العاشق، لقلبه الأصم عن نداءات حبها الصاخبة، لكن لا حياة لمن تنادي، وها هو اللحظة، يزيد الطين بلة، وينكأ جراح قلبها الحية، والتي لن تندمل أبدًا، إلا بوصل قلبه.
تطلع نحو صورتها بالمرآة، لعلها قد هدأت قليلاً، وخفت نوبة بكائها، لكنها على العكس، قد زاد سيل دمعها على خديها، وكلمات أغنيتها الأثيرة، تتكرر مؤكدة:
أتنفسك مثل الهوا ..
وأحتاجك لجرحي دوا..
ما دمت أنا وأنت سوا ..
من دنيتي ماريد شي..
أخذني من دنيا الأنام ..
خليني في حضنك أنام..
دقات قلبي لك كلام ..
يحكي لك الشوق اللي بي..
هتفت فريدة مستفسرة:
"معقول يا طنط كل ده لا حس ولا خبر!! هو فيه إيه!؟"
هتفت تسبيح باكية:
"هموت من خوفي عليها يا فريدة، طب بس أعرف أي حاجة، أو حد يطمني يجول فين!؟ أو يمكن حازم عارف ومش راضي يجول!؟ والله ما عارفة يا بتي، إيه في!؟"
هتفت فريدة مطمئنة:
"بإذن الله خير يا طنط، طالما لسه مفيش أخبار، يبقى أكيد خير، والله بدور هترجع زي الفل."
تحشرج صوتها بكلماتها الأخيرة، فرفيقة عمرها غائبة لا يعلم أحدهم لها موضعًا، بكت كثيرًا في وحدتها على بعادها، لكنها تدعي الثبات أمام الآخرين، أغلقت الهاتف مع زوجة خالها، عندما تناهى لها محياه.
قابلته في الرواق المفضي إلى مكتبها، كأنه كان بانتظارها، ابتسمت في هدوء، متطلعة نحوه، وما أن وصلت موضعه، حتى أومأت له في ترحاب، وهي تفتح باب مكتبها، لتدخل داعية إياه ليلحق بها، هاتفة:
"اتفضل يا باشمهندس!! أنت كنت مستنيني ليه!؟ فيه حاجة!!?"
أكد سامر متعجبًا:
"هو لازم يبقى فيه حاجة عشان آجي أشوفك!! كنت فاكر إننا بقينا أصحاب!!"
هتفت فريدة متعجبة:
"أصحاب!؟ قصدك زملاء، معارف، مش صحاب!?"
هتف سامر باسمًا:
"يمكن خانني التعبير، بس أي صلة بكِ تسعدني مهما كان مسماها، أو وصفها."
ارتبكت لهذا اللطف، كانت هجومية في حديثها، هي تعرف، وتعمدت ذلك، لكن طريقته في امتصاص توترها، واحتواء شدتها التي ما هي إلا غلاف حماية من الأساس، تجعله رغما عنها، مفضلاً بشكل كبير، ما دفعها لتشير للمقعد المقابل لمكتبها، ليجلس في امتنان.
هتف يفتح باب حديث كعادته:
"شفتي اللي حصل فالمنَاقصة امبارح!!?"
هزت رأسها نافية، ليستطرد هاتفا في حماس:
"شركة نزار الغمري خسرت المناقصة اللي بتكسبها كل سنة، لدرجة إن باقي الشركات بقوا عارفين إنها بتاعتهم، ومكنش حد بيقدم لها."
تنبهت فريدة، فقد استطاع جذب انتباهها، لكنها أظهرت الكثير من الثبات كعادتها، وهي تنهض لصنع بعض القهوة، من أجلهما، هاتفة في نبرة عادية:
"وايه المشكلة لما شركة تخسر مناقصة، بتحصل عادي."
هتف سامر في حماس:
"لأ طبعًا، المناقصة دي قايم عليها شغل شركة الغمري لسنة قدام، يعني الموضوع فيه خسارة، وخسارة كبيرة."
مد كفه يتناول منها كوب القهوة مستطردا في تعجب:
"المدهش بقى، مش فالمكسب أو الخسارة، اللي يلفت النظر، إن في كذا شركة صغيرة دخلوا المناقصة بعرض مشترك، بس عشان خدوا بها من شركة الغمري، ليه، وعشان إيه!! محدش عارف، بس شكله مزعل الناس كلها."
هتف سامر بكلماته الأخيرة، بنبرة ذات مغزى، ما دفعها لتهتف في هدوء، متجاهلة إدراكها لما يرمي إليه:
"ربنا يسهل للجميع، جدي ربنا يديله الصحة دائمًا يقولي.."
وتنحنحت تحاول تقليد صوت جدها ولهجته الصعيدية:
"السوق عامل كيف البحر، غدار، ساعات موجة عالي، وساعات تانية، موجة مطاوع ومهاود المراكبي."
تطلع لها سامر في دهشة، وهتف حين انتهت في مزاح:
"إيه ده!! بتتكلمي صعيدي حلو قوي، قولي تاني كده!؟ أعد من فضلكِ."
قهقهت فريدة رغما عنها، هاتفة به:
"أعد إيه!؟ هي وصلة أم كلثوم هغنيها، وبعدين عاجبك الكلام الصعيدي بتاع جدي، تعالى اسمعه بنفسك."
تطلع لها سامر متعجبًا:
"إزاي!؟"
هتفت فريدة مؤكدة:
"جدي عازمك النهاردة تشرب معاه الشاي، لما عرف إنك من عيلة العشري، أصر على بابا إنه يعزمك فالبيت، ولو كنت طلعت على حمزة بيه على طول قبل ما تجيلي، كان زمانك عارف، ومش مستغرب كده."
هز سامر رأسه موافقًا على حديثها، وقد اتسعت ابتسامته في سعادة، لا يعرف لها سببًا إلا إنه يزداد اقترابًا من محيطها الحميم.
رآها أخيرًا، تجلس لغرفة القراءة، بعد أن حبست حالها ليلتين داخل حجرتها، لم تخرج منها إلا لماما، ما دفعه ليتبعها إلى هناك، همس بالتحية في هدوء، وجلس قبالتها، تلك المبعثرة المشاعر في حضرتك، المرتبكة حد توقف النبض بشرايينها، وهو جالس هناك يتطلع إليها بهذا الشكل الذي ما عاهدته، انتفض كل ما فيها، وعاصم يسألها دون مواربة:
"إيه اللي حصل فالجامعة يا زهرة!؟"
هزت رأسها نافية أن يكون هناك ما حدث من الأساس، مؤكدة ذلك في نبرة مرتجفة، أكدت عكس ما تدعيه:
"هيكون إيه!؟ محصلش حاجة!!"
هتف من جديد مؤكدًا:
"الجامعة طول عمرها مكانك المفضل، بعد أوضة الجراية دي، ليه كنت زعلانة جوي كده، لما كلمتك، إيه في !؟ حد ضايجك جولي!!"
اضطربت ولم تجب، ليزيد من حصارها هامسا في نبرة أشد قهرًا على نفسه من ذبحه بسكين ثلم:
"افتكرتي محمد الله يرحمه!؟"
زاد اضطرابها أضعافًا، ولم تنطق حرفًا، ليتها تنطق، ليتها تقول نعم، أو حتى تنفي ذلك ولو كذبًا وتهدي بعضًا من حنقه، وتسكن بعضًا من نيران غيرته المستعرة اللحظة بحشاه، لكن صمتها القاتل ذاك، يذبحه من الشريان إلى الشريان، ولا عزاء له إلا أنه عاشق لها مهما لاقى منها، ومن صمتها وسكونها وضعفها، هو عاشقها وما بيده حيلة إلا أن يكون عاشقًا وكفى.
تنهد وما وعى إلا وهو ينهض من موضعه، ينحني مسندًا جسده كله على مشط قدمه، وهمس بها بلهجة حازمة:
"بصي لي وجولي إيه في !؟ والله لأهد الدنيا على راس اللي زعلك، بس أعرف هو مين."
ما كان لها بعد كلماته تلك، إلا أن ترفع رأسها، متطلعة إليه بعيونها الدامعة عشقًا وقهرًا، مؤكدة وهي تتشبث بنظرات عينيه الحانية، لا ترغب في أن تطلقها، كغريق يتمسك بقشة النجاة، هامسة:
"شوية كلام غلس يا عاصم، لمجرد أن الناس شافتني لابسة ملون حتى ولو ألوان غامقة مش أسود، على محمد الله يرحمه، وحاسة إن حلم التعيين فالجامعة راح ومش قادرة أجمع كل اللي فاتني والامتحانات خلاص، وفوق ده كله، زعل بابا وماما عليا، وأنا مش عارفة أعمل لهم حاجة إلا إني أبين إني كويسة، لكن الحقيقة إن الدنيا كلها مكركبة، أنا تعبانة قوي يا عاصم، أنا.."
لم ترد بكلمة، بل بشهقات متتالية، جعلته يتطلع إليها، يود لو يجذبها بين ذراعيه، يخبئها عن العالم، يدثرها في أمان بعيدًا عن سطوة أوجاعها على قلبها المرهف.
همس بصوت متحشرج، كانت المرة الأولى تمامًا الذي يتناهى لمسامعها، من حنجرة عاصم الرخيمة، مؤكدًا على تأثره:
"بصي يا بت عمي، أنتِ مين!؟ أنتِ زهرة ماجد عاصم الهواري، أنتِ في حد ذاتك حاجة كبيرة قوي، لا هينقص منها كلمة سمعتها من واحد معدوم الأدب، ولا هيزيدها منصب دكتورة فالجامعة شيء، أنتِ زهرة وكفاية قوي، وعيالي يا زهرة!"
هزت رأسها متفهمة، وقد برقت عيناها لكلماته الداعمة، هم بأن يمد كفه، ليمسح عن خديها دمعها، كما كان يفعل بها صغارًا، لكنه تنبه أنهما ما عادا أطفالاً، وأن زمن الطفولة قد ولى بغير رجعة، وأن قيود البالغين قد فرضت على كليهما، ما دفعه ليعيد كفه قسرًا لجانبه من جديد، يطيب بخاطرها المكسور، وقد كادت أن تفوز بلمسة من الحبيب، قد تطيب الروح المجروحة بعدها.
ما أن دخل منتصر إلى ذاك البهو الذي يتخذه سعفان مستقرًا له، حتى هتف به يستدعيه في أريحية:
"الباشا حقنا، ما تنورنا يا عريس، ولا النص الحلو واخدك مننا!؟"
ارتفعت ضحكات منتصر مؤكدًا:
"ولا ألف ولا مليون يا عمنا، مفيش أجدع من صحبة الرجال، بس أهي شوية تفاريح كده."
قهقه سعفان، رابتا على كتف منتصر الذي كان قد جلس جواره مؤكدًا:
"حقك يا باشا، بس نشوف شغلنا بقى!!"
أكد منتصر متلهفًا:
"عنينا للشغل، وصحابه، خير!! شكل الموضوع فيه عملية جديدة عن قريب، صح!؟ ولا أنا شميت غلط!؟"
ارتفعت ضحكات سعفان من جديد:
"لأ، مظبوط، المناخير الميري مخيبتش يا باشا."
هتف منتصر معترضًا، عند ذكر عمله السابق:
"طب ليه السيرة دي ع المسا يا معلم، ربنا يجعل كلامنا على صحابنا البعدا خفيف عليهم."
ارتفعت ضحكات سعفان مؤكدًا:
"على رأيك، هي دي سيرة برضو تتجاب وإحنا بنتكلم على عملية مكن زي اللي جاية دي."
هتف منتصر في لهفة:
"شوقتني يا معلم، إيه!؟ ما ترسيني معاك ع الليلة!"
أكد سعفان في ثبات:
"كله جاي لك على نار هادية، بس اصبر بس لما أضبط المواضيع، وأنت فيها، ده أنت أساسها كمان."
هتف منتصر مكبرًا:
"أيوه بقى ع الكلام اللي يوزن النافوخ، والنعمة أنت مفيش منك يا معلم سعفان، انجزنا بس فالحوار، لحسن الواحد بقاله شوية حلوين قاعد كده ووخم، مالوش إلا الأكل والنسوان."
نهض منتصر مغادرًا، ليستبقيه سعفان معترضًا، مع دخول نغم للبهو متجملة، وعلى الرغم من ذلك، لم تلفت نظر منتصر لوهلة، هاتفا:
"الله، ما كنا حلوين وقاعدين مع بعض!؟ على فين العزم يا باشا!!"
هتف منتصر مازحًا:
"مش لسه بقولك شوف لنا شغلانة، بدل الحريم!؟"
قهقه سعفان عندما علم بوجهة منتصر، التي لم تكن إلا صوب غرفته المشتركة مع بدور، مؤكدًا:
"حقك يا باشا، عيش أيامك عيش لياليك، وليك مني زفة لحد أوضتك من البت نغم."
امتعضت نغم، التي دفعها سعفان هاتفا في أمر:
"قومي يا بت زفي الباشا لحد أوضته، زفة إيه بقى، متتوصيش."
هتفت نغم في حنق:
"ما خلاص بقى يا معلم!! هي صورة!؟ داخل أوضته هنزفه، خارج منها هنزفه، أنا مش عارفة والنعمة على إيه!!"
قهقه سعفان هاتفا:
"والنعمة صدق نزار أباني، لغيرة النسوان فعل الخنجر(ي)..!"
قهقه منتصر متسائلاً:
"ألا إيه الخنجر(ي) ده يا معلم!؟"
أكد سعفان وهو يسحب أحد أنفاس نارجيلته في عمق:
"ده أخو الواد الفنجري اللي بيقف زي الثور بره ع البوابة."
انفجر منتصر مقهقها، هاتفا:
"باين أن الصنف عالي قوي يا معلم!؟"
رفع سعفان إبهامه، مؤكدًا على كلام منتصر، الذي هتف به متسائلاً في مزاح:
"اسمه إيه يا معلم!؟"
أكد سعفان في مرح:
"ألبسلي الشفتشي، بس يا واد اختشي."
قهقه منتصر، ملوحًا قبل مغادرته:
"أحلى مسا، ع الناس الكويسة."
لوح سعفان هاتفا في مزاح:
"بنسوار، أورڤوار."
قهقه منتصر من جديد، وهو يتجه لغرفته، التي فتح بابها بمفتاحه الذي يحتفظ به بجيب سترته، يتطلع نحو موضع الفراش، متوقعًا أنها تحله كالعادة، لكنه كان شاغرًا منها، دخل مغلقًا الباب خلفه، ليستمع صوت داخل الحمام، فتذكر أنه قد حلق ذقنه في الصباح، تاركًا ماكينة الحلاقة، على الرف الموجود فوق الحوض، ما دفعه ليهرول في اتجاه الحمام، يطرق بابه في عجالة عدة مرات متتالية، ليرتفع صوت بدور من الداخل معترضًا:
"إيه!! مش خارجة."
تنهد في راحة، وهتف من الخارج مازحًا:
"براحتكِ ع الآخر، بس لو مخرجتيش في خلال ٣ ثواني، هدخل أقتحم الحمام، وقد أعذر من أنذر، هااا، هبدأ العد، واحد.. اثنين.. ثلا.."
لم يكمل العد، حتى انفرج باب الحمام عن محياها الشاحب، الذي زلزل كيانه، هاتفا وهو بموضعه:
"أنتِ كويسة!؟"
لم تجبه، أو حتى تطلعت نحو ذاك الذي يربكها، سائلة نحو الفراش، لتتدثر بغطائه، ليسألها من جديد:
"أنتِ تمام!!"
لترتاح من إلحاحه، هزت رأسها مؤكدة أنها بخير، ليتنهد في راحة، قبل أن ينهض متوجهًا نحو الحمام، غاب فيه لدقائق قبل أن يخرج، وقد بدل ملابسه لملابس النوم، متوجهًا نحو تلك الأريكة الجانبية، متمددًا يوليها ظهره، تاركًا إغلاق النور من عدمه، من اختيارها، اتخذت قرارها ومدت كفها تغلق ضوء الأباچورة الموضوعة جانبًا، ليسود الظلام، تاركًا كلاهما، يموت شوقًا لصاحبه، ويموت قهرًا من أجل مشاعره المتطرفة تلك.
دخلت في هدوء للمكتب، حتى تنتقي إحدى الروايات التي قد تساعدها ولو قليلاً على السهر حتى يتسنى لها متابعة الحالة التي جاءت منذ ساعة، ويبدو أن الأمر قد يطول معها، ولن تضع طفلها قبل الفجر بأي حال من الأحوال.
تطلعت نحو الأرفف في تيه، فقد كان هو من ينتقي لها دوماً الروايات، تذكرت كيف اختارت يوم أن قدمت إلى هنا في بداية عملها كتابًا عن البستنة وأصول الزراعة، معتقدة أنه رواية شيقة، جذبته من الرف في غمرة اضطرابها في حضرته، وكادت أن تولى هاربة من أمامه، فكم كانت أيامها تنأى عن الوجود معه في مكان واحد، فلم اللحظة تفتقد محياه حد الوجع لهذه الدرجة!!
دمعت عيناها حتى غشتها الدموع عن رؤية الكتب أو قراءة أسماءها، ما جعلها تنهض نفسها في صلابة، كانت طبعًا أصيلاً فيها، وبدأت في التطلع نحو أسماء الروايات، فوقع ناظرها على رواية"قصة حب" غصت من جديد، بدمع كبرياء كانت تحاول وأده، اختارت أخيرا رواية كانت قد رأت زهرة تقرأها منذ مدة قصيرة، وتعشمت أن تثير إعجابها، ضمت الرواية لصدرها، وكادت أن تغادر، لكنها سارت بلا وعي نحو غرفته الخاصة الملحقة بالمكتب، مدت كفها لتفتح الضوء، ليطالعها البيانو الخاص به، القابع هناك وحيدًا، يفتقد صاحبه مثلها تمامًا، تقدمت نحوه، ورفعت غطاء الأصابع البيضاء، لامستها في حرص، كأنها تلامس أصابعه هو، ذاك الغائب معدوم العذر، الحاضر حد الوجيعة، المتنازع فيه، قلبها وعقلها، ما يدفعها للجنون، هي الممزقة بينهما، المنزوعة الإرادة حد الخضوع لهوى ما كان لها أن تسكن له، هذا الحد.
تأوهت في كبرياء كاد أن يقتلها، ودمعاتها تتساقط في رقة، تعانق آثار لمساته على أصابع آلتها الناطقة بمكنون قلبه، تخبرها بما فعله الغياب، تعزف لحنًا مختلفًا تمامًا، عن ألحانه، لحنًا يحمل عنوان، التيه عشقًا.
أغلقت غطاء المفاتيح، تحاول أن تنهي وصلة الوجيعة تلك، وهي تخرج من الغرفة، تطفئ ضوئها خلفها، متجهة لخارج المكتب في اتجاه الاستراحة، التي دخلتها، تتمدد على فراشها في أريحية، وقد بدأت تقرأ أولى صفحات روايتها، التي جذبتها بالفعل نحو أحداثها، لا تعي لذاك المتربص، الذي بدأ يتسلل لها من تحت أعقاب بابها، يقترب منها في حذر بالغ، حتى لا تتنبه وهي غارقة في القراءة، والخطر المحدق المطل من تلك العيون المشقوقة، يقترب منها.
تسللت تلك الحية، زاحفة على أحد أعمدة الفراش، باحثة عن الدفء تحت غطائها.
ارتفعت صرختها، لتشق عنان السماء، وقد أدركت حين رأت الحية تحت غطائها، أنها هالكة لا محالة.
رواية زاد العمر وزواده الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم رضوى جاويش
تسلل ليرى من الذي يقبع داخل الاستراحة، تاركًا الضوء مسرجًا. ما أن طالع محياها الذي اشتاقه حد اللانهاية، حتى كان عليه أن يستدير مغادرًا، فليس من اللائق استراق النظر بهذا الشكل المخزي.
لكنه انتفض ما أن هم بالرحيل، عندما علت صرخاتها. لم يدري بنفسه إلا وهو يندفع نحو الاستراحة، دافعًا بابها بقوة، مهرولًا نحو الحجرة التي تمكث بها. وما أن خطى عتباتها، أبصر تلك الحية تتسلل من فراش نوارة، فولت هاربة.
بشكل لا إرادي، اندفع نحوها مذعورًا، وهي تضم كاحلها بهذا الشكل. إذن فالأمر لم يمض بسلام.
ولم يشعر إلا وهو يحملها مسرعًا نحو الخارج، ومنه إلى داخل الدار. صعد درجاتها في عجالة، وهي بين ذراعيه شبه فاقدة للوعي، هاتِفًا بها في اضطراب، يحثها على البقاء واعية:
"نوارة، نوارة، خليكي معايا، فوقي متناميش."
دفع باب حجرته، يمددها على فراشه، مندفعًا يحضر الإسعافات الممكنة. هبط الدرج نحو المطبخ، جاذبًا بعض قطع الثلج من المبرد، وعاد كالمجنون نحو غرفته. جلس أسفل أقدامها، وما زال يهتف باسمها في لهفة. لا يعلم ما إذا كان الثعبان سامًا أم لا، لكنه لن يدع ذلك للصدفة. ربط ما فوق مكان اللدغة بقليل، ومسد على موضع اللدغة بقطع الثلج لتقليل سريان السم بالدم.
ونهض مندفعًا من جديد، نحو السيارة التي كانت بالقرب. لينطلق بها نحو الوحدة الطبيبة لإحضار المصل. لدغات الأفاعي والعقارب، الذي أصر على إحضاره للوحدة عند تجهيزها، لأي طارئ. والحمد لله أنه فعل.
ما أن اندفع لداخل الوحدة، حتى استوقفته إحدى الممرضات، لكنه لم يتوقف. ما دفعها لتهرول خلفه، تخبره أن الحالة التي تتابعها الدكتورة نوارة على وشك الوضع، وهم يبحثون عنها ولا يجدونها بالاستراحة.
"المريضة حالتها إيه!؟"
"تمام يا رائف بيه، ودكتورة نوارة جالت إن وضعها طبيعي، والولادة طبيعية بإذن الله."
"اتولي الحالة، لحد ما أرچع لك، سمعاني."
هزت الممرضة رأسها في طاعة، وهو يبحث كالممسوس داخل خزينة الدواء. وما أن وجد مبتغاه، اندفع تاركًا إياها، لخارج الوحدة نحو الدار من جديد. صعد الدرج، وحضر المصل، ومنه لموضع نوارة. أعطاها المصل، وجذب الغطاء على جسدها. متطلعًا نحوها في شوق قاهر. لم يكن يدرك أنها ملكت عليه الروح والفؤاد، إلا عندما ابتعد عنها كل هذه الفترة. كان يخشى رؤيتها، فهو يعلم أنها ستطالب بالكثير من التفسيرات. ويرغب في رؤياها حد المعاناة. تناقض رهيب يمزق ثباته، يحرمه راحة البال.
نزع نفسه من أمام محياها المستكين ذاك، مندفعًا من جديد للوحدة، لينهي ما بدأه من أمر الحالة التي تنتظره هناك. والتي ما أن يسر لها الله وضعها، حتى عاد من جديد لنوارة. دخل الغرفة، واضعًا كفه على جبينها، يتأكد أن حرارتها مستقرة. ليجذب أحد المقاعد التي كانت بالقرب، جالسًا قرب فراشها، يتمنى أن تمر الساعات القادمة على خير، وليكن ما يكون بعدها.
رنت حُسن على ربى، تطمئن عليها بعد ما حدث من شعيل، الذي وصل البيت مندفعًا في هرولة، جعلت أمه تسأل حُسن متعجبة، عن حاله. لتخبرها حُسن بما حدث، قبل أن تدق عليها اللحظة بعد دخولها حجرتها، لتطيب خاطرها.
"نعم حسن، إيش في!؟"
"أنتِ لسه بتعيطي يا ربى!! عشان خاطري كفاية بقى، أنا حاسة بالذنب على اللي حصل."
"ما تحملي نفسك أي ذنب، هاد ذنبي أنا وذنب محبتي ل إله، لك ايش أنا سويت، من شان يعمل في هيك."
"قلت لك يا ربى أنتِ معملتيش حاجة، أنا اللي عملت، أنا اللي الظاهر أخترت التوقيت الغلط، ودست على جرحه القديم، كنت فاكرة إني بعالج، اتاريني زودت الطين بلة."
"مو فاهمة عليكِ!! شو قصدك بچرحه القديم وانك كنت بتعالچيه؟!"
"واجهته يا ربى، قلت له فوشه إنه خايف، عشان كده بيستخبى ورا مشاعر الفقد لرهف، وعايش فيها لحد دلوقت."
"خايف!؟ من شو ممكن يخاف!؟"
"أهو قالي نفس إجابتك دي، وقالها وهو متنرفز ومش عاجبه كلامي، سبحان الله لايقين على بعض فعلا."
قالت حُسن كلمتها الأخيرة، في نبرة ساخرة، ما دفع ربى لتهمس في قلة حيلة، وبنبرة طفولية:
"عم تسخري مني حُسن، الله يسامحك!!"
"لا والله، بس فعلا هو قالي كده، ولما جاوبته، قامت الدنيا."
"ليش إيه قولتي من شان تقوم الدنيا وتطلع شيطانينه!؟"
"قلت له إنه بيداري ورا مشاعر زعله على رهف الله يرحمها، عشان خايف إنه يحب من تاني، ويعيش الفقد من تاني، فقال خليني فالحال اللي أعرفها احسن من تجربة اللي معرفهوش."
"يا ويلي، قولتيله هيك، هالحين أنا مو مستعجبة من رد فعله، لك هو معذور بهيك ردة فعل لكان."
"لا مش معذور، يطلع ليه زعله عليكِ!؟ أنتِ إيه ذنبك!! أنا كنت السبب في زعله، مخرجش قرفه ليه عليا!؟ اشمعني أنتِ!!"
"بلكي عارف إني راح أقدر حاله، وما راح ازعل ولا أكبر القصة، شوية بكا ودراما، وخلاص، وبيرجع شعيل حبيب الروح."
أخرجت ربى تنهيدة شوق، جعلت حُسن تصرخ فيها حانقة:
"لا كده مش هيرجع شعيل حبيب الروح، هتفضل ربى ملطشة الاستاذ شعيل، اللي بيفرغ فوق راسها قرفه، لازم يبقى لك وقفة، إذا كنتِ عايزاه يحس بكِ، ويقدر قربك منه، وتبقي غالية عليه."
همت ربى بالرد، فإذا بها يأتيها رنين آخر، يبلغها أن هناك من يتصل. تطلعت لشاشة الهاتف، لتصرخ في حُسن في اضطراب:
"حُسن، ألحقي، شعيل عم يتصل!؟ شو سوي!! شو سوي!؟ .. هااا.. راح رد عليه!!"
"اوعي تردي، اوعي، خليه كده، عارفة لو رديتي، هيصالحك بكلمتين ملهمش لازمة، وأنت طبعا هتصالحيه، وخلصت، لا.. خلي عندك مبدأ، وخليه يعرف إن زعلك صعب، عشان ميكررهاش."
تنهدت ربى، هامسة:
"خلاص، وقف رن."
"شوفتي، مش مكلف خاطره يستني لحد أخر رنة، كرامته وجعته إنه رن من الأساس، هو عنده كرامة، وأنتِ عندك إيه، زبادي خلاط!؟"
"شو، زبادي خلاط!؟"
"معلش اتقغلت شوية، ده يا ستي مشروب عندنا فمصر، هبقى اعملهولك، بس بقولك، اوعي اعرف انك رديتي عليه، لحد ما أقولك كده تمام، وشعيل استوى، اطفي عليه ليشيط."
قهقت ربى هاتفة:
"والله هاد ما وصفة حب أبدا، هادي وصفة للانتصار في شى معركة حربية."
"مدقيش يا ستي، أهي كلها وصفات."
قهقت ربى من جديد، ليصل لحُسن على جوالها، اشعار بكالمة على أحد التطبيقات، لنتأكد أنها نعمة، فهتفت سريعا بربى:
"بقولك يا ربى، مضطرة اقفل دلوقتي، في مكالمة جيالي من مصر."
"ماشي لكان بدك اسكر، من لقى أحبابه، نسي أصحابه، سلميلي علبهن، باي."
أغلقت ربى، لتلحق حُسن، تتصل بنعمة، التي ردت في سرعة:
"حُسن، شفتي يا حُسن، جايلي عريس وبابا وجدي موافقين عليه."
همت حُسن بالرد عليها، لكن تلك الطرقات على باب نعمة، والتي أذنت لصاحبها بالدخول. لينفرج بابها عن محياه، وقد كان متلهفًا منذ زمن لمثل هذا الاتصال، كان بالأحرى يترقبه دوما، وها قد جاء، ولن يجعل هذه الفرصة تضيع عليه، كما فعل فالمرة الماضية، وندم على فعلته، التي ظل يتعذب بعدها شوقًا لسماع صوتها.
دخل نادر، متطلعًا لنعمة في براءة مصطنعة، متسائلًا في تعجب:
"أنتِ بتكلمي حد !؟ دي حُسن!!"
"أيوه حُسن، تسلم عليها!؟"
"أه، اديهالي."
سلمته الهاتف، وجاءها هتاف أمها، فترك الغرفة ملبية. كان الحوار الدائر يصل لمسامع حُسن، ولا تعلم كيف استطاعت قراءة رسائل اللهفة في صوت نادر بهذا الوضوح، ما جعل قلبها يرفرف بين جنبات صدرها في سعادة، جعلت الأحرف تهرب من لسانها، عندما هتف مرحبا:
"السلام عليكم، إزيك يا حُسن!!"
"الحمد لله يا باشمهندس، أخبارك!؟"
"تمام، إحنا مش هنشوفك ولا إيه!؟"
"أه أكيد جاية، عشان الامتحانات بإذن الله."
"أو عشان خطوبة نعمة، أيهما أقرب!؟"
"المهم هي توافق."
"ومتوافقش ليه !؟ شخص كويس ومناسب، ولا أنتِ إيه رأيك!!"
"رأيي إنها تبقى متقبلاه، وراضية بيه، عشان هي اللي هتعيش معاه."
"قصدك تبقى بتحبه!! "
"أه .. ليه لأ !؟"
"على فكرة يا حُسن، أنت نسيتي معايا حاجة مهمة قوي."
صمتت حُسن متعجبة، وقد اتخذ الحوار منحى عجيبًا يخصهما، بعد أن كان الحوار ينصب على نعمة وعريسها المنتظر. وأخيرًا همست في ارتباك:
"حاجة إيه المهمة اللي ممكن أكون نستها معاك يا باشمهندس!؟"
"قلبك، أقصد سلسلتك اللي على شكل مصحف، فكراها!؟"
كاد أن يسقط الهاتف من يدها، وهو يخرج لها عقدها القديم، الذي فقدته بعد وفاة والداها، وقلبت عليه البيت رأسًا على عقب ولم تجده، ليكون هناك بحوزته، وهي لا تدري. تراه فتح ضلفتيه، ورأي صورته متربعة هناك، بجوار صورتها!!
كادت أن تبكي، وهي تراه يؤرجح العقد أمامها على الشاشة، هامسًا بنبرة لم تسمعها منه من قبل أبدًا:
"ارجعي بقى يا حُسن، عشان.."
لم يكمل كلامه، فقد اقترب صوت نعمة، التي كانت تحادث أمها، فأدرك أنها على وشك الوصول للحجرة، ما جعله يخفي عقدها بجيب سترته، مسلمًا الهاتف لنعمة، بعد أن ألقى عليها التحية في عجالة، مندفعًا لخارج الغرفة، تتبعه نظرات نعمة المتعجبة، والتي سألت حُسن في فضول:
"هو نادر ماله يا حُسن!؟ طالع يجري كده ليه!؟"
لم تكن حُسن هنا من الأساس لتجيبها، كانت بعالم آخر من التيه، يشملها العجب من رأسها حتى أخمص قدميها. هل ما حدث منذ قليل كان واقعًا!؟ أم كان دربًا من خيال!؟ مجرد رغبة اختلقها عقلها وحولها لقصة يرضي بها ذاك الوهم الجميل بقربه ذات يوم، والذي ينمو داخلها كما نما حبه من قبل وما زال يستشري بكل كيانها كمرض عضال لا شفاء منه!؟
طرقات على باب الحجرة جعلته ينتفض متحسسًا سلاحه الذي لا يفارقه، وتنبهت هي أيضًا لكنها لم تعقب. وهو يجيب على الطارق في حنق:
"مين!؟"
"المعلم سعفان عايزك يا باشا."
تنهد متتصر، ماسحًا وجهه بباطن كفه، يحاول أن يستفيق بعد ليلة مقلقة، كمثيلاتها السابقات، اللاتي لم يذق فيهن طعم النوم الهانئ، منذ وطأت هذه المذعورة المدعية النعاس، عتبات تلك الحجرة.
"قوله جاي حالا."
نهض على عجالة، نحو الحمام، محاولًا قدر استطاعته، تجاهل محياها الرقيق المسجى بإحضان فراشه دونه. لحظات وخرج من الغرفة، لتسمع صوت استدارة المفتاح بالباب، فعلمت أنه أغلق عليها باب الحجرة كعادته.
تنحنح منتصر وهو يدخل على البهو الذي احتله سعفان، هاتِفًا في قلق:
"صباح الخير، إيه يا معلم!؟ باين الموضوع مستعجل بالقوي!؟"
"صباح الفل، العملية اللي قلت لك عليها وجبت، تعالى أقعد جنبي هنا عشان افطمك على كل حاجة، لأن الليلة كلها هاتبقى فحجرك."
"في حجري إزاي!؟"
هم سعفان بالشرح، لكن نغم دخلت مقاطعة:
"أنا رايحة بقى يا معلم."
"على فين العزم!؟"
"أنت نسيت ولا إيه يا معلم!؟ ما أنا قايلة لك إمبارح، إني رايحة اشتري الحاجات اللي نقصاني، وبقالي فترة عيزاهم، وانت قلتلي روحي."
"ايوه، صح، طب روحي بس متتأخريش."
"عيوني ما معلم، مسافة السكة، هروح مع الواد سيد وأرجع على طول."
هز سعفان رأسه متفهمًا، مشيحًا بيده، حتى ينهي الحديث معها حتى يعود لحديثه مع منتصر، الذي تطلعت نغم نحوه، هاتفة في دلال:
"وأنت مش محتاج حاجة يا باشا، آومر، حتى ولو للبرنسبسة اللي جوه، اللي شكلها مطولة معانا."
"ايوه يا نغم، يا ريت شوية هدوم بيت بقى على ذوقك، عشان كفاياها بقى خدت من حاجتك كتير."
"ماشي يا باشا، وماله، كله عشان خاطرك."
مد منتصر لها يده، بحفنة من النقود، تكفي وتفيض، ما جعلها تبتسم أخيرًا. ليهتف بها سعفان في حنق:
"ما تخلصي بقى يا بت، عايزين نشتغل."
"من عنايا، أديني ماشية أهو."
ما أن تأكد سعفان أن نغم رحلت مبتعدة، حتى عاد لحديثه مع منتصر، هاتِفًا:
"الراجل اللي جي النهاردة، من أهم الناس اللي هنتعامل معاهم، ويمكن يفتح لنا سكك كتيرة، مكناش نقدر نطولها، الراجل ده، محدش يعرفه، بس كونه إنه يجي لحد هنا، ده.."
"أنت مش قليل يا معلم، ده أنت المعلم سعفان النادي على سن ورمح، يجي طبعا ميجيش ليه! وبعدين هو عارف إن محدش هيقضي مصلحته إلا أنت وإلا مكنش جه لحد عندك."
"أنت صح، بس الموضوع كبير، وأنا مش عايزه يضيع من إيدي، وبقالي فترة بعس على حاجة جديدة، وما صدقت، عايزك بقى تبقى معايا، عشان يعرف إن الداخلية فجيبي، ويطمن إن الدنيا معايا حلاوة."
"طبعا يا معلم، معاك وفضهرك، هو جاي أمتى!؟"
"جاي النهاردة، جهز نفسك بقى."
نهض منتصر، هاتِفًا في تأكيد:
"ولا تشيل هم يا معلم، اعتبر الموضوع بقى فجيلك، وانت حاطط رجل على رجل، سبها ع الباشا."
"ايوه بقى، هو ده اللي أنا مستنيه."
هتف منتصر ملوحًا، وهو ينهض منصرفًا، ليجهز نفسه. دخل منتصر لحجرته، تنبهت أنه يفتح الباب، فتدارت تحت الغطاء. استشعرت حركة بالحجرة، ما جعلها ترفع ناظريها ببطء تستطلع ما يحدث، لتجده واقفًا جوار خزينة ملابسه، يبدل ملابسه. شهقت في صدمة وهو يبدلها في أريحية معتقدًا أنها نائمة، فتنبهت أنها متيقظة. ابتسم بلا أي رد فعل، حتى أنهى إعداد نفسه، متجهًا نحو الباب. وهي ما زالت تستتر تحت الغطاء. توقف للحظة متطلعًا نحوها، ما دفعها لا إراديًا، لترفع ناظريها من خلف الغطاء في هدوء، لتتقابل نظراتهما. تنهد سائرًا إليها، ما جعلها تشعر بالذعر، فتغطي وجهها من جديد. مال على الفراش، ساحبًا الغطاء عن محياها، متطلعًا نحو عمق عينيها، هامسًا في نبرة حانية:
"اوعي تخافي يا بدور، طول ما منتصر معاك اوعي تخافي منه أبدا."
وهم بالابتعاد، فتشبثت لا إراديًا بذراعه، لا تعلم كيف طاوعتها يدها، وتعلق به كفها بهذا الشكل، كأن قلبها هو من يستجديه البقاء. هامسة:
"أنت رايح فين!!"
ازدرد ريقه في صعوبة، وتصلب جسده لمستها، مديرًا رأسه متطلعًا نحوها، متجاهلًا سؤالها، هاتِفًا:
"نغم جيالك دلوقتي، هتنزل تشتري حاجات، شوفي تحبي إيه، وقوليلها تجبهولك."
ارتخت كفها، مطلقة سراحه، ما دفعه ليتجه مهرولًا نحو الباب، الذي ما أن وضع كفه على مقبضه، حتى تطلع لها من جديد، هامسا:
"لا إله إلا الله."
"سيدنا محمد رسول الله."
فتح الباب، مندفعًا للخارج، لتتطلع له نغم التي ما أن أيقنت من ابتعاده، حتى دخلت الغرفة لبدور، لتقوم باللازم.
هتف يونس في حنق، عندما وجد سماحة بالأعلى، تتجه صوب راضي، الذي ناداها من أجل مساعدته في التحرك من فراشه، حتى الخارج. متسائلًا:
"سماحة، ايه اللي چابك هنا فوج!!"
"راضي بيه نادم علي، بعد ما حطيت لكم صينية الفطور، لچل ما اسنده عشان يخرج يُفطر."
"طب ياللاه على تحت، ومتطلعش هنا تاني."
هتف راضي، الذي تحامل على نفسه، وقد أصبح قادرًا على السير بشكل ثابت نوعًا ما، متعجبًا من أفعال يونس:
"إيه في يا يونس!! وما تخليه يسندني."
"لاه، سماحة لشغل الحراسة بس، هم انزل على تحت يا سماحة، ومشفش وشك فوج تاني، واعي لحديتي."
هزت سماحة رأسها في تفهم، على الرغم من تعجبها مما يفعله يونس، ولم تجد له مبررًا، ما دفع راضي يهتف في حنق:
"أنِـي بجى اللي مش واعي للچنان اللي بتعمله ده!؟ هو ايه في يا واد أبوي!! ماله الواد ده، جاعد تحاچي عليه كده ليه!؟ وكل ما انادم عليه، تفز من مطرحك كيف اللي لدعته عجربة، ده شوية ونجعدوه ونشتغلوا مطرحه، وكمان سايب له هو وأهله الدور التحتاني كله، فيه إيه يا يونس!؟"
هتف راضي بتسأله الأخير في تخابث، مستطردا بنفس النبرة:
"والله لو واحدة من إخواته البنات كبيرة شوية لجلت إنك منظر عليها، لكن ده الكبيرة فيهم متاچيش ١٣ سنة، ولما طلعت هنا فمرة تچيب لنا معملتش اللي عملته لما لسماحة بيطلع!! إيه يا واد أبوي، عجلك مين واخده!؟"
"سماحة."
انتفض راضي متعجبًا:
"واه، الچنان الرسمي بدأ، هو.."
"هو مش راچل، ارتاح.."
تطلع راضي نحوه يكاد يفقد عقله:
"مش راچل كيف يعني!؟ يا مثبت العجل والدين يا رب."
"سماحة بت، لابسة توب الرچال، عشان تاخد بالتار من ولاد نچم اللي هنا فالنچع، وتحمي روحها من غلاسة الخلج، هي وأخواتها الصغيرين وأمها."
تطلع نحو راضي، كأنه يحكي قصة اختلقها ليسخر منه كعادة يونس المرحة، لكن نبرة الصدق التي تقطر من كلماته اللحظة، أكدت على حقيقة ما يفوه به، ما دفع راضي ليهتف متطلعًا نحوه:
"أنت بتتكلم چد يا يونس!؟"
هز يونس رأسه في تأكيد، ولم ينبس بحرف. وأخيرًا هتف:
"أنا كنت ناوي اجولها إني عارف تبجى مين وايه !؟ وكنت هطلب منها الچواز!؟ لولا موضوع تعبك."
"چواز يا يونس!؟ مش تعرف تبجى مين وبت مين، وايه اللي بينها وبين ولاد نچم دول!؟ مش يمكن وراها مصيبة تچرك وراها!؟"
"أنِـي عارفها وده يكفيني، كل ده ياچي بعدين، المهم عندي إنها تبجى من نصيبي، وأجدر احميها هي وأخواتها."
"كد كده بتحبها يا يونس!! من ميتا!؟ وراح فين حب سهام اللي فت الدنيا كلها وراك بسبب رفضها ليك!؟"
ابتسم يونس مؤكدًا:
"كنت غلطان، مكنش حب يا راضي، كان وهم اتعلجت بحباله الدايبة، لكن مع سماحة، الحكاية غير يا أخوي، حاچة واعرة جوي، وحلوة جوي، جصة ملهاشي وصف، إلا أني مش بحس بالراحة إلا وأني معاها، هي على شكلها وهيئتها اللي كيف الرچالة، بس خلتني عاشجها، كأنها أچمل واحدة نضرتها عيني."
"أنِـي كنت فاكر إنك عمرك ما هتعشج بعد سهام، جلت يونس جلبه اتعذب، وخلاص حرم، ومش ناويها تاني."
"ومن ميتا العشج بالكيف والمزاج يا واد أبوي!؟ ده حاچة كده كيف الجضا المستعجل!؟ چاتك كيف ومنين!؟ والله ما تعرف، إلا يوم ما تلاجي نفسك غرجان ولا أنت داري، ولا كان فيه نية من أساسه."
واستطرد يونس مازحًا:
"كيف ما لجيت حالك مع حبايبك بتوع مصر!؟"
"أنِـي ملجتش حالي مع حد!!"
"ما دام تحب بتنكر ليه!! ده اللي يحب يبان فعينيه."
زفر راضي في حنق، ليستكمل يونس في نبرة صادقة:
"عيش يا راضي، وخلي جلبك ياخد براحه، واوعى تضيع النعمة دي من يدك، البت ريداك صدجني، ومتعلجش خوفك على تچاربي، كل واحد فينا ليه حياته ودنيته وظروفه، وحالي ميشبهش حالك،. لا جلبي يشبه جلبك، عشان وچعي حتي لازما يبجى شبه وچعك، ربنا بعتني على هنا هربان من الوهم اللي كنت عايش فيه لچل ما أجابل العشج اللي بحج، وأنت ربنا بعتك على مصر عشان تلاجي جلبك معاها، كله متجدر يا واد أبوي بكفاياك مكابرة، العشج مبيتعاندش، ولو عاندته محدش هيخسر إلا أنت."
أنهى يونس كلامه، مادا كفه نحو الطعام، ليتتبه أن راضي شاردا بشكل كبير. ليهتف به يونس مازحًا:
"ما خلاص يا عم روميو، مد يدك كل عشان تخف ونروحوا نخطبوهالك، جال مش بيحبها جال!؟"
تطلع إليه راضي حانقًا، ما دفع يونس لينهض واضعًا لقمة بفم راضي هاتِفًا في مرح:
"كل ياللاه، عشان تغور من هنا، عايز اتچوز أني مش فاضي لك."
"طب إيه رأيك!؟ هاچي اعمل مشروعي هنا، واجعد على جلبك."
"تصدج بايه!؟ أنت عيل غتت!! وأني غلطان إني تاعب حالي عليك، والله لمن بكرة لهاخدك لأبوك وأمك يصطفلوا فيك، وعيش حياتك بجى يا عم الشهم، مع اخواتك هناك."
"خلاص يا عم، بهزر معاك من نفسي، وعلى فكرة بجى، أني بجيت كويس، وخلاص همشي أروح نچع الصالح، أتوحشت أبويا وأمي وعايز اشوفهم، جبل ما اشوف هعمل إيه."
"في إيه!!"
لم يعقب راضي، ولكن اتسعت ابتسامته في سعادة.
دخل سامر لبيت زكريا الهواري، استقبله حمزة في حفاوة، وكذا هدير التي أشادت بوالدته التي كانت تربطها بها علاقة زمالة، في فترة ما من فترات الدراسة. ليؤكد حمزة على انتظار زكريا له في حجرته بالأعلى، فكما يعرف الجميع، لا يستطيع زكريا مغادرة حجرته، بعد أن زادت مضاعفات العملية الجراحية التي أجراها بقدمه منذ زمن، ومع تقدم العمر، أثر ذلك على قدرته على السير بسهولة، أو صعود وهبوط أي درج. حاول حمزة إقناعه بنقل حجرته للطابق السفلي، حتى يتسنى له التحرك بالأسفل بشكل أكثر يسرًا، ومشاركتهم بوجباتهم والخروج للحديقة. لكن زكريا رفض ذلك تمامًا، كان كل ما يرغبه هو البقاء بالشرفة، متطلعًا للبحر، والاستماع إلى روائع أم كلثوم، وكفى.
عدة طرقات على باب الحجرة، ومن بعدها دفع حمزة الباب، مشيرًا لسامر أن يتبعه حتى الشرفة، التي كانت بها فريدة، تجلس بالقرب من جدها في أريحية. تعجب لها سامر، فهي هنا، أكثر بساطة من هذه المرأة العملية، التي قابلها في نجع السليمانية وكذا في الشركة، ما جعل قلبه يخفق في اضطراب. ما أن هتف حمزة مؤكدًا على وصل سامر:
"سامر العشري هنا يا عمي، اسبكم مع بعض وأستأذن أنا، لأن عندي مشوار مهم چدا، هحاول أنچزه بسرعة، متمشيش يا سامر إلا لما أرچع."
هز سامر رأسه في طاعة، ليلق حمزة التحية مغادرًا. تنبه زكربا، متطلعًا نحو ذاك الشاب الباش الوجه، الذي يقف قبالته اللحظة، ما دفعه لا إراديًا أن يبتسم بدوره، مشيرًا له، لينضم لمجلسه وفريدة، هاتِفًا في ترحاب:
"اتفضل يا باشمهندس، حد هايتعزم فبيته!؟"
اتسعت ابتسامة سامر، وهو يجلس قبالة زكريا وفريدة التي تجاوره في حميمية، هاتِفًا في نبرة هادئة:
"تسلم يا زكريا بيه!!"
"لاه، بلاها بيه وباشا، يا تجول يا حاچ زكريا، يا إلا تجول يا چدي، ما أني فمجام چدك العشري الله يرحمه."
"الله يرحمه."
"هو حضرتك كنت تعرف جد الباشمهندس سامر!؟"
"يووه، اعرفه بس! ده أني اشتغلت معاه كمان، وليه عليا چمايل ياما."
"العفو يا زكريا،.."
"يا جدي."
"أنت تعرفي اللواء مختار السداوي الله يرحمه!! "
"أه يا جدي، سمعت عنه من حضرتك وبابا كتير، ده انتوا على طول تشكروا فيه وتترحموا عليه."
"ايوه هو چدعة، سامر بجى يا ستي، اللواء مختار الله يرحمه يبجى چوز خالته."
"بجد !!"
"والدنيا فعلا صغيرة يا جدي، تخيل مين بيشتغل مع خالة الباشمهندس سامر، في نجع السليمانية، نوارة بنت عمي مهران، بتشتغل مع الدكتورة سميحة العشري، بدربها هناك."
"الدنيا صغيرة يا بتي."
وتطلع نحو سامر هامسا:
"هي دي خالتك الصغيرة، اللي سابت إسكندرية كلها، لما راحت تتدرب فالصعيد، وندهتها النداهة هناك، ومرچعتش من بعدها."
"والدة، ما الست كانت زي الفل لما شفتها هناك !؟"
ابتسم سامر ولم يعقب، بينما همس زكريا في محبة:
"نداهة العشج يا بتي."
"إزاي مش فاهمة!؟"
"راحت هناك نچع السليمانية تدرب، داكتورة صغيرة والحماس واخدها، عشجت كبير السليمانية، ومن ساعتها مرچعتش إسكندرية تاني، أهلها مكنوش موافجين ع الچوازة دي."
"ياه، معقول، مع إن دكتورة سميحة ميبنش عليها كده خالص، شكلها عملي قوي، وبتحب شغلها بشكل كبير جدا."
"وده إيه دخله في إن قلبها يختار اللي يحبه، معتقدش في تعارض بين كونها إنسانة بتحب شغلها وعملية في التفكير، وبين قلبها واختياراته، أنا بحس الست اللي من نوع خالتي دي، لما بتحب، بيبقى حب العمر."
"ايوه صدجت، ما يوجع إلا الشاطر."
"بالظبط كده."
"وه يا فريدة، فين واچب الباشمهندس، يجول علينا إيه، بُخلة ولا إيه!؟"
انتفضت فريدة تحضر كل ما لذ وطاب، تاركة سامر بصحبة جدها ليسامره.
كان الجميع يجلس حول المائدة، كانت قبالته كما كان مكانها دوما، يرنو الطرف إليها، كل ما سنحت له الفرصة، يطمئن أنها تتناول طعامها، لا تتظاهر بهذا. كان الصمت يسود على غير العادة، كل واحد منهم، يشرد في عالمه، تأخذه خواطره وأفكاره لدنيا أخرى، بعيدًا عن ذاك الجمع الذي يضمهم. قرر أن يحرك الماء الراكد، فهتف عاصم في لهجة تقريرية:
"فاكرين السفرية اللي كانت چياني من فترة!! "
اطلق تساؤله، الذي لم يكن برئ أبدًا، يرغب في الاستمتاع بملاحظة رد فعلها، وقد أصبح تقاربهما الفترة الماضية، دافعًا له ليدرك حقيقة ما وصلت إليه مشاعرها. وقد كان على حق، فما أن أطلق ذاك التساؤل المراوغ، حتى ارتجفت كف زهرة التي كانت تحمل ملعقتها، تحاول أن تظهر ذاك الثبات الوهمي، الذي لا تمتلك. ليستطرد وقد تأكد أنه جذب انتباه الجميع:
"معروض عليا سفرية تاني، وبمرتب أحسن، ومكان أحسن، إيه جولكم!؟"
سعل عاصم الجد، هاتِفًا في حنق:
"مش كنا بجيناه الحديت ده يا عاصم، بلا سفر بلا غربة ملهاش عازة!!"
"أيوه يا عاصم، بلاش يا حبيبي خليك معانا هنا."
"ايوه كلام چدك وستك صح، إيه عازته يعني!! ولا إيه يا مهران، ما تجوله!"
"دي حياته وهو حر فيها، يبني مستجبله زي ما يحب، ولو دي فعلا رغبته، أني مليش اجوله لاه."
"طبعا كلام أبوك صح يا عاصم، دي حياتك وأنت اللي تقرر، بس إيه لزمته يا حبيبي، وكل حاجة عندك هنا، ملوش لازمة الغربة."
كان الكل يدلو بدلوه، ويعطيه من نصائحه، لكن هو لم يتنبه لأي من كان إلاها، تلك التي تأسر القلب والروح، ولا يحيد عن محياها البصر، والتي تركت أدوات المائدة جانبًا، تضم كفيها لبعضهما أسفل المائدة، تفركهما في اضطراب، وهي تستمع إلى هذه التفاصيل التي تعتصر صبرها من أجل احتمالها.
واستطرد ماجد في تخابث، وقد كان على علم أن عاصم يرغب في الزواج من زهرة، وطلبها بالفعل، لكن بعد ظهور محمد رحمه الله، فقرر أن يلعب نفس لعبة عاصم، وهو يقرر في نبرة ماكرة:
"طب حتى أجل قرارك، لحد ما تتخطب زهرة!"
تنبه الجميع واشرأبت الأعناق نحو مجلسه، ليستكمل هاتِفًا:
"زهرة جالها عربس إمبارح!! ولد إيه زي الفل، ظابط من ولاد زمايلي القدام، بس.."
كان عاصم يستمع والنيران تغلي في عروقه غيرة وقهرًا، لا.. لن يدعها من جديد، لتكون ملكًا لغيره، فلا عاش بعدها، تلك اللحظة التي يسمح فيها لمثل هذا أن يتكرر، لذا صرخ منتفضًا، ليتطلع له الجمع في تعجب، وقد خرج عن طوره، وهدوئه المعتاد، زاعقًا في تمرد:
"زهرة مش هتكون لغيري."
"الله أكبر."
بينما اتسعت ابتسامة زهرة جدته، وانشرح ماجد الذي أيقن أن خطته قد نجحت في تحريك راكد عزمه، بينما نظر كل من مهران وتسنيم لبعضهما في تعجب، فقد كانت المرة الأولى التي يعلن فيها عاصم عن رغبته في الاقتران بابنة عمه. أما سجود فقد كانت تتابع المشهد في استمتاع تام، فقد كانت على علم خفي، بمشاعر عاصم تجاه زهرة، فقد سمعته ونوارة، الغائبة عن هذه اللحظة التاريخية تبيت في مقر عملها، يتحدثان عن هذا الأمر، واشتركت معها في تحريك مشاعر زهرة وإثارة غيرتها، في أثناء وجود فريدة بينهم.
الكل كانت عيونه مسلطة على عاصم، ومفاجأته، وما من أحد، تنبه لتلك التي تمور كبركان على وشك الانفجار، تظهر الهدوء القاتل على مقعدها، وبداخلها تثور المشاعر، وتتنازع الرغبات، حتى سألها أبوها في أريحية، مبتسمًا:
"أنتِ إيه رأيك يا زهرة!!"
وكان أوان انفجار البركان، وتناثر الحمم بكل موضع، وهي تصرخ بكل قهر العالم الذي يكتنفها اللحظة، لتظهر عكس ما تبطن، وهي تزعق عاليًا:
"لااااا، عاصم لااااا، إلا عااااصم."
ظلت تكرر رفضها، تضع كفيها على وجهها، تهز رأسها في اعتراض تام، في رغبة لحجب عيونها عن ناظريه، التي اتسعت حدقتيهما عن آخرها، في صدمة لهذا الرفض العلني الجارح، الذي ما توقعه منها في أسوأ كوابيسه، ما دفعه، بعد أن تسمر موضعه لبرهة، يحاول أن يستوعب ما يحدث، أن يهرول للخارج، ليسقط كرسيه محدثًا دويا قويًا مصاحبًا لصرخاتها، التي اجتمع على أثرها والديها وزهرة الجدة لتهديئتها، بينما ساد الوجوم على وجهي مهران وتسنيم، والديه، وسجود أخته، التي نكست رأسها حزنًا على حال أخيها، بينما تطلع عاصم الجد، نحو موضع اختفاء حفيده المجروح اللحظة، وقد أيقن، أن ذهابه الآن، قد يكون ذهاب بلا عودة.
اطمأنت أية أن جدتها تناولت دوائها، وخلدت للنوم في هدوء، لم تكن حالتها تدعو للتفاؤل، فلم تتحسن ولو حتى قليلًا، رغم الاعتناء بعلاجها، وجلسات العلاج الطبيعي المواظبة عليها.
توجهت نحو حجرتها، وبدلت ملابسها، وخرجت في هدوء وبخطوات ثابتة نحو داره، كان عليها إنهاء هذا الأمر على أكمل وجه، حتى يعرف كل منهما موضعه من حياة الآخر. توقفت بالقرب من السياج الذي لطالما شهد وقوفها مستترة خلف هذه الشجرة الضخمة تتطلع إليه في ترقب، وقلبها يخطو خطواته الأولى على درب عشقه، الذي يبدو أنها وصلت منتهاه اللحظة، وهي تعبر نحو باب الدار، لتطرقه في وجل. تعلم علم اليقين أن ما من أحد بالداخل إلا أمه، التي تركته وأبوه لإنهاء التحاليل والتقارير الطبية، قادمة إلى هنا لإعداد المكان لأجل عودتهما.
افرج الباب عن محيا ثريا، التي ارتفع حاجباها في تعجب، عندما طالعت أية على أعتاب دارها، بعد كل ما كان.
"ممكن ادخل!؟"
"اه طبعًا يا حبيبتي تعالي اتفضلي، بس مروان مش.."
"أنا مش جاية لمروان يا طنط، أنا عارفة إنه مش هنا، أنا جاية لحضرتك."
تطلعت ثريا في تعجب لأية، متسائلة:
"خير يا أية !؟ هي چدتك كويسة !؟"
"لا، لسه على حالها، بس الموضوع يخص مروان وعمليته."
"مالها عملية مروان !! وأنتِ أصلا تعرفي إزاي عن العملية دي !؟ ده محدش يعرف من.."
"أنا ومروان كنا على تواصل كل الفترة اللي فاتت دي يا طنط، وأنا عارفة إن مروان عايز يعمل العملية دي بسبب الكلام اللي سمعه من ستي، زي ما أنا عارفة إن العملية دي فيها خطورة على حياته، قوليله بلاش يا طنط، قوليله اللي زعلك كلامها ربنا انتقم لك منها، وبتدوق من نفس الكاس، وحالها يصعب ع الكافر، واللي أنت بتعمل ده كله عشان خاطرها، وعشان تبقى كامل جنبها، هي اللي مش كاملة."
عند هذه النقطة غصت أية بالقهر والدموع المجتمعة بمآقيها، لتمد ثريا لها يدًا، تحمل كوبًا من الماء، تناولته أية بكف مرتجف، رشفَت منه بعضًا، واضعته على الطاولة قبالتها، ونظرات ثريا المشفقة تتبع كفها المرتجف، الذي وضعته بأحضان كفها الآخر، تضمهما لحجرها، وهي تستطرد مفسرة في نبرة حاولت أن تكسوها بالثبات، وقدر كبير من الشجاعة حتى تستطيع أن تخبرها بما تعتزم أعلامها به اللحظة، هاتفة:
"حاولي تقنعي مروان يا طنط إنه يرجع عن رأيه، أنا مش أية اللي هو متخيلها، أنا شكل حلو بس لكن روح خربانة، وجسم... جسم مشوه."
تطلعت نحوها ثريا في صدمة، ولم تعقب، ما دفع أية لتنهض في هدوء، تفتح سحاب ردائها، لتكشف عن جانب جسدها الأيسر كله، والذي علته الندوب والقروح، بطول الذراع، ممتدًا للكتف، نزولًا للصدر، وحتى آخر جزء مكشوف لثريا.
"اللي حضرتك شيفاه ده، واخد جنب جسمي الشمال كله، لحد رجلي تحت، واللي برضو حاولت ستي تعالجه مع كذا جراح تجميل، وده أخر حاجة وصلولها."
وابتسمت في مرارة:
"يعني اللي أنا فيه ده بعد التجميل، هاترضي تجوزي إبنك لواحدة متنفعش ست، مفيش راجل هيستحمل يبص لجسم مراته وهو بالشكل ده، هاترضي!! طب هو هيطيق!؟"
نهضت ثريا في ثبات، وعلى وجهها ابتسامة هادئة، واقتربت من أية تسترها هامسة:
"لو على أمه، فهي راضية ومبسوطة كمان، كفاية إنه يبجى مرتاح معاكِ، أما موضوع هو يطيج دي فدي بتاعته هو مع إني عارفة إنها مش هاتفرج معاه، وافتكر إن أوانها فات جوي يا أية، لأن مروان بيحبك، ولا هيهمه حاچة من اللي جلتيها دي، ولا هتغير في قرار العملية، ولو كنتي فاكرة إن ده ممكن يغير يعني، يبجى لسه متعرفيش مروان."
ربتت ثريا على كتف أية في محبة، دافعة بها إلى الحمام آمرة في نبرة حانية:
"أدخلي بقى اغسلي وشك، عشان مروان على وصول."
انتفضت أية في اضطراب، هاتفة في أحرف متلعثمة:
"على وصول!! يبقى لازم أمشي، أنا.."
"أنتِ إيه!! "
انتفضت أية في توتر، بينما قهقهت ثريا، منحنية تقبل مروان هاتِفَة به:
"حمد الله بالسلامة يا حبيبي، فين بابا !؟"
"أيوه يا ثريا، كل يبحث عن ليلاه!! بره روحيله."
"يعني اطرج من سكات، ماشي."
تطلعت ثريا نحو أية، التي كانت تقف في ارتباك، لا تقوى على رفع ناظريها نحو مروان، رابتة على كتفها في حنو، قبل أن تتركهما تسير صوب الخارج، لتطمئن من سيد على آخر أخبار العملية. ليهتف مروان بأية التي كانت ما تزال على حالها المتبعثر في حضرته، هامسا:
"إزيك يا أية!!"
كانت عيونها ما تزال تنظر أرضًا لا جراءة لديها لتتطلع صوبه، ما دفعه ليقترب بمقعده رافعًا رأسه نحو وجهها المنكس متطلعًا لعينيها الدامعة، هامسًا في شوق:
"وحشتيني."
تطلعت نحوه، هامسة في أحرف ترتجف خجلًا:
"وأنت كمان."
ثم تنبهت فجأة مؤكدة وهي تهم بالرحيل:
"أنا لازم أمشي، ميعاد الدوا بتاع ستي جه."
"كنتِ هنا ليه يا أية !؟"
توقفت متسمرة موضعها، واستدارت تواجهه هاتفة:
"أسأل طنط ثريا، هتقولك كل حاجة يا مروان، يمكن اللي تقوله، يخليك تغير رأيك فحاجات كتير عايز تعملها."
واندفعت لخارج الدار، ألقت التحية على ثريا وسيد في عجالة، قبل أن تهرول لدارها، وقد أزاحت عن صدرها حمل كالجبال، قد يغير مجرى أمور كثيرة.
منذ عادوا من زيارة أهلها، وهو يستشعر اضطرابها، وانزوائها الدائم بحجرتها على غير العادة. تعجب من كونها تحاول تجنبه، فقد أعتقد أن تلك الزيارة، من شأنها التقريب بينهما أكثر، وخاصة وقد تنبه بنظراتها نحوه عبر المائدة عدة مرات، واهتمامها كذلك، بكل شاردة وواردة أثناء تلك الوليمة التي أقامها أبويها على شرفهما. لكن يبدو أنه كان مخطئًا، وما كان كل ذلك إلا رغبة في إظهار مدى توافقهما، لجعل الجميع يدرك أنهما زوجان سعيدان. شعر بالضيق لذاك الخاطر، على الرغم من أنه صارح نفسه في شفافية، مؤكدًا أنه يقوم بنفس الأمر تمامًا، أمام أهله بالأسفل. كلاهما يدعي عكس ما يشعر به، كلاهما يعيش في كذبة كبيرة تتغذى على ادعائهما سعادة مزيفة، غير موجودة من الأساس.
تنبه مرهف السمع، أنها خرجت من غرفتها في اتجاه المطبخ في مثل هذه الساعة، ربما هي جوعى، أو تشعر بحاجتها لمشروب ما يساعدها على النوم!! .. إذا ما كانت تشكو الأرق مثله!؟.. هل هذا ممكن !! ولما السبب يا ترى!!
لم يتاح له الوقت للاستمرار في التساؤل، فقد انتزعه منها، صوت تأوه، وتلك الصرخة المكتومة التي جعلته ينتفض من فوره صوب المطبخ. اندفع نحوها، حينما أدرك مجريات الأمر في لحظة، فقد أسقطت في لحظة غفلة، بعضًا من الماء الساخن على قدمها.
انحنى في عجالة، يفحص موضع الإصابة، دافعًا طرف قميصها الحريري المثير، عن قدمها. كان الوضع ليس بخطير، ما دفعه لحملها في سرعة في اتجاه غرفة نومها، ليمددها على الفراش، مهرولًا في اتجاه أحد الأدراج، التي يحتفظ فيها ببعض الأدوية، مخرجًا أحد المراهم المخصصة لعلاج الحروق، ليعود إليها في عجالة، جالسًا أسفل قدميها، وقد بدأ في نشر المرهم، وهو في عالم آخر تمامًا، مأخوذًا كليًا بجسدها المرمري، الذي يتفحصه اللحظة، غير قادر على كبح جماح عينيه، لتحيد مبتعدة عن محياها.
أنهى عمله، وهو في تيه، لا يعلم أين يكون. همست سمية به في رجاء:
"سمير، في شوية ماية سخنة اتنطرت على دراعي."
وأشارت لموضع هناك، بالقرب من كتفها البض، أعاد فتح المرهم، ومد كفه مرتعشة ببعضه، ووضعه مكان ما أشارت، وعيونه معلقة بعيونها في حوار عاشق مسربل بعشقه حد اللامعقول. كانت نظراته رغبة، وكانت نظراتها دعوة، وما كان هو بقادر على رفض دعوة مثل هذه، ليقع المرهم من كفه، مادًا إياه نحو خصرها، يقربها إليه في شوق طاغ، وهي تبسط كفيها على صدره، لا ترفض الدعوة دافعة، ولا تجذبه مقبلة، معتصَرَة إياه في هيام طاغ، وقد أسقط كل دفاعاته، معلنًا الاستسلام التام.
ترجلت في سرعة من تلك العربة، التي توقفت للحظة واحدة، قبل أن تندفع راحلة دونها، هرولت في اتجاه مدخل البناية، تحاول أن تتستر من بوابها، الذي كان يتطلع إليها وإلى مظهرها الغير مألوف، بتلك الملابس الغير معتادة على قاطني البناية، والتي جعلته يهتف بها في غضب يستوقفها، وهي تركض مندفعة نحو المصعد، لتستقله على عجل، قبل أن يلحق بها ويدرك هويتها.
وصلت في لحظة إلى الطابق المنشود، واندفعت مثل المجنونة، على الرغم من حذائها ذي الكعب العالي، نحو باب شقة تحفظه تفاصيله عن ظهر قلب، تدق عليه كالممسوسة التي تعتقد أن الشياطين في أثرها، حتى أن قاطنيه، أصابهم الذعر، لتأتي تسبيح من الداخل، تحاول أن تهرول قدر استطاعة قدمها، لتفتح الباب لذاك الطارق الأحمق، الذي يكاد يحطمه، وقبل أن يوقظ حازم، الذي لم يذق النوم للحظة منذ اختفاء ابنتهما، يسهر الليل بطوله في مقر عمله، على اتصال دائم بكل زملائه المكلفين بمتابعة حادث اختفاء بدور ابنته، والذي انتفض بالفعل، مانعًا تسبيح من فتح الباب، آمرًا إياها بالتستر، حتى إذا ما فتح الباب بغتة وهو يحمل سلاحه، سقطت أمامه هذه المرأة، التي نهضت في سرعة عجيبة، مندفعة نحو بهو الشقة، تتطلع نحوها في عدم تصديق، أنها هنا بين أركان هذا المنزل من جديد.
"أنتِ مين !؟"
أزالت المرأة ذاك الشال الذي كان يغطي ملامحها، لتشهق تسبيح في صدمة، وكذا حازم، الذي اندفع يتلقفها ما بين ذراعيه وهي تهوى فاقدة الوعي، وعلى شفتيها رجاء واحد:
"بابا، إلحق منتصر."
رواية زاد العمر وزواده الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم رضوى جاويش
كانت تتمدد على الفراش قبالتهما، بعد أن أحضرا لها طبيبا جارا بأحد طوابق البناية، والذي أكد على وجوب الراحة واعطاها بعض المهدئات، فمن الواضح أنها قد تعرضت لضغط عصبي ونفسي شديد، في الأيام القليلة الماضية، هو ما اوصلها لهذه الحالة التي كانت عليها اللحظة، وهي ترتجف مرددة اسمه بأحرف مرتعشة، ما دفع حازم ليهتف بتسبيح في عزم:
خليكِ جنبها، أنا لازم انزل حالا اشوف إيه اللي بيحصل بالظبط، يا ريتها فايقة كنت سألتها، لكن واضح إن الموضوع كبير.
هزت تسبيح رأسها في تفهم، وما أن دخل حازم يكمل ارتداء زيه الميري، حتى اندفعت تسبيح من باب الحجرة هاتفة باسمه في عجالة، ما دفعه ليهتف في ذعر متسائلا:
بدور فيها حاجة!!
أكدت تسبيح مطمئنة:
لا لسه نايمة، بس لقيت الورقة دي فاللبس العجيب اللي كانت لبساه، يمكن تفيدك قبل ما تنزل.
انتزع حازم الورقة في لهفة من كف تسبيح، قارئا إياها في عجالة، وما أن انهاها، حتى جلس منهارا على طرف الفراش، هامسا في اضطراب:
سيدنا محمد رسول الله.
تطلع نحو تسبيح، هامسا في خزي:
ظلمناه.
كانت عيني تسبيح دامعة بالفعل، وهي تهز رأسها توافقه الرأي، لكنه انتفض سريعا في اتجاه الخارج، مؤكدا:
أنا لازم ابلغ رسالته للقادة، لازم ألحقه بأي طريقة.
تنهدت تسبيح وهي تمسح دمعها الذي سال على خديها، متناولة الورقة الملقاة على الفراش، لتتطلع إليها من جديد، تجري عيونها على الكلمات التي خطها منتصر سريعا:
"حازم بيه، بلغ اللواء مراد الفنجري، أن الميعاد المتفق عليه، اتقدم بقى النهاردة، خليه يتحرك أول ما توصلك الرسالة دي.
ملحوظة تخص حضرتك: بنتك كانت فالحفظ والصون، الحمد لله اللي قدرني على حفظ الأمانة الغالية، وردها غالية، أمانة عليك، لو حصل لي حاجة، بلغ ستي بالحقيقة كلها، لا إله إلا الله."
طوت تسبيح الرسالة، وسارت حتى حجرة ابنتها، تتطلع نحو جسدها المسجى بلا حراك، إلا همسها المحموم باسمه، لتشهق باكية، هامسة بتضرع من أعماق قلبها:
يا رب أحفظه، يا رب نجيهولها يا رب.
***
همهمت قبل أن ترفرف رموشها في تكاسل، وهي تفتح عيونها تتمطا في سعادة، تطلعت نحو الجانب الأخر من الفراش، لكنه لم يكن هنا، ابتسمت في هدوء معتقدة أنه هرب من جوارها، ينام بحجرته، بعد ما كان بينهما البارحة، همت النهوض، لتتأكد أنه هناك، لكن صوت إشعار رسالة ما أتاها، تناولت هاتفها، لتجد رسالة منه، كانت رسالة صوتية، هتف فيها بصوت كان من الواضح أنه يحاول العثور على ثباته بلا جدوى:
"السلام عليكم، بصي يا سمية، أنا اضطريت أسافر الصبح بدري، السفرية دي كنت مجهز لها من فترة، مش عشان حاجة، و.. واللي حصل إمبارح ده، اوعدك مش هيتكرر، أنا فرضت نفسي عليكِ وكسرت وعدي معاكِ.. ف.. يعني، المهم.. خلي بالك على حالك، ولما أرجع نبقى نتفاهموا.. سلام عليكم"
ابتسمت رغما عنها، كانت تتوقع منه ردة الفعل تلك، لذا لم يكدرها الأمر مطلقا، اتسعت ابتسامتها وهي تعيد سماع الرسالة المسجلة مرة أخرى، واعترفت أنها تسمعها لا رغبة في التأكد من معلومة ما، بل لأنها اشتاقت صوته، ذاك الأحمق الذي يعتقد أنه فرض نفسه عليها، لا يدرك أن الماء المغلي ذاك ما كان إلا حجة اختلقتها حتى تقرب بينهما سبل الوصل، ولقد نجحت الخطة رغم بدائتها بنجاح، قهقهت رغما عنها، وهي تتذكر أن ذاك الماء الذي اسقطته عمدا على قدمها، لم يكن ساخن من الأساس، ولو تنبه ولو قليلا لأدرك ذلك، لكنه كان بعالم أخر، مفتون بها كليا، ما أثار بداخلها كوامن الفخر الأنثوي، وهي تتذكر نظراته وهمساته لها، وهي بين ذراعيه، كم كان حانيا ورائعا ومغرم بها حد الهوس، حتى أنه لم يكف عن ترديد اسمها للحظة وهي بأحضانه كأنه يتأكد أن ما يحدث، حقيقة واقعة لا حلم من أحلام منامه.
تنهدت في راحة، وتطلعت للهاتف في شقاوة، لا تعرف متى أصبحت بهذا الانفتاح وهذه الأريحية!؟ .. يبدو أن سهام كانت على حق حين قالت، أن سمير قد صب عليها بعض من صفاته، لتصبح صورة منه، وكم أسعدها هذا كثيرا، فهذا الرجل الرائع يستحق امرأة تماثله روعة وبهاء، لتهبه ما يستحق.
تطلعت من جديد للهاتف، وتساءلت، هل عليها الرد على رسالته الحمقاء تلك!؟ .. استشعرت أنها لابد أن تفعل، حتى لا يعتقد أنها تجلس اللحظة تبكي على ما جرى، ويرسم له خياله العجيب ذاك، الكثير من القصص التي لا أصل لها، غير مدرك أن ليلة البارحة كانت أروع لياليها وأكثرها سعادة، وأن عليه أن يترك ذاك الحمق الذي تفوه به عن فرض نفسه عليها، مدركا أن ما من امرأة حرة، تهب جسدها لرجل إلا وقد وهبته قلبها مسبقا، فالجسد ما هو إلا شيك مؤجل الدفع، لمحبة وود كان هو أساس الشراكة الروحية بينهما، وقد حان أوان استحقاق الشيك، وكان عليها أن تدفع عندما تأكد لها بل عندما تيقنت أنها لم تحب غير هذا البعيد الحاضر، الذي تتمنى لو كان هنا اللحظة، حتى تعلمه كيف يمكن لامرأة أن تهواه بكل ما في الكلمة من معنى، وأن تمضي له صك امتلاك قلبها وعقلها وجسدها، عقد مفتوح المدة، بلا شروط سوى المودة والرحمة اللتان تعلم أن قلبه يحمل منهما الكثير لأجلها.
ضغطت زر تسجيل رسالة، هامسة في نبرة تقطر شوقا:
"سلام عليكم يا سمير، مجلتش ميتا راجع عشان نتفاهموا!! أصل عندي كلام كتير جوي عايزة اجولهولك، بس لما تاچي بالسلامة، اتوحشتك"
همست بكلمتها الأخيرة وابتسامة صافية ترتسم على قلبها قبل شفتيها، وارسلت الرسالة، التي تلقاها سمير في عجالة، مبتعدا عن الرجال الذين يرافقهم، واضعا سماعات الأذن احتياطيا، قبل أن يستمع لرسالتها في لهفة، ليتوقف عند الكلمة الأخيرة متسمرا، ما دفعه ليخلع السماعات عن أذنيه، يضع إصبعه يهزه بأذنه، يستجلي السمع، لا يصدق ما سمعه من الأساس، ليضع السماعة من جديد، والتي كان يشك في جودتها، قبل أن يعيد الرسالة الصوتية، وقد أيقن أنها قالت "اتوحشتك".. كاد أن يهلل فرحا، لكنه تمالك أعصابه، وهو ينضم للرجال من جديد، جسده بينهم، لكن عقله وقلبه وروحه بموضع أخر، حيث مالكة الفؤاد، يتذكر لحظاته معها البارحة، فيكاد يطير شوقا إليها، عائدا محملا باللهفة، لكنه يعود لصوابه من جديد، معتقدا أن ما تريد أن تخبره به، يؤكد على ظنه، لكن كلمتها الأخيرة التي تؤكد على شوقها تظهر عكس ذلك، ظل ما بين ظنونه متخبطا، ما أنقذه إلا تلك الكلمة التي تعلق بها فؤاده، يتمنى لو كانت حقيقة لا محض أوهام.
***
رفرفت رموشها تحاول استيعاب ذاك الضوء الذي وقع على ناظريها، لتنتفض ما أن أدركت أنه ليس ضوء نهار اعتقدت أن شمسه لحقت بفراشها لتوقظها، بل كان ضوء ذاك الكشاف الطبي الذي كان يفحصها به في اهتمام بالغ.
تطلعت نحوه في تعجب، ودارت ببصرها في جولة سريعة حول تفاصيل المكان الذي لم تره من قبل، ما جعلها تهتف في اضطراب:
أنا فين !!
هتف رائف في نبرة هادئة:
في أوضتي يا دكتورة.
تطلعت إليه في حنق:
بأعمل إيه في أوضتك يا رائف بيه!؟
ابتسم في هدوء:
مضطر، وإلا كنت سبتك فالاستراحة مع التعبان!
تنبهت، وشردت للحظة، لتاتيها كل ذكريات الليلة الماضية، وكان أخرها صوته المذعور، وهو يحملها بين ذراعيه، الذي كان يدعوها لتظل واعية، ما جعل وجهها يكتسي بالحمرة خجلا، تناقضت تماما مع تلك النظرات التي ترمقه بها، والتي تحمل بعض العدائية المخلوطة بشوق لم تستطع إخفائه، ما دفعه ليأمرها في لهجة حانية:
ارتاحي، أنتِ لسه بتتعافي.
نهضت في اندفاع بعيدا عن فراشه، تبحث عن حذائها، وكان ذاك أكثر شيء غبي تقوم به، اتسعت ابتسامته وهو يرى حالتها، هاتفا:
يا دكتورة، أنا جبتك هنا حافية، جزمتك تحت فالاستراحة.
تنبهت أنه على حق، ما دفعها لتترك له الغرفة بأسرها، تسير حافية القدمين في اتجاه الخارج، ما دفعه ليستوقفها هاتفا:
يا دكتورة، ميصحش تخرجي كده، اللي هيشوفك هيجول إيه طيب!!
تنبهت لصحة كلامه، على الرغم من ثورتها المستعرة بين جنبات روحها لمرآه، لا رغبة لديها اللحظة إلا الهرب من أمام سطوته على قلبها، حتى تستعيد قدرتها على جداله، وهي متسلحة بكامل أسلحتها في مواجهته، لكن يبدو أنه متعجل على تلك المكاشفة، ما دفعها لتستدير لتصبح قبالته نماما، هاتفة بلا مراوغة:
يجول اللي يعجبه يا رائف بيه، أنا مبيهمنيش راي حد ولا كلامه، طالما معملتش حاجة غلط، لا هستخبى ولا هدارا.
كان قد تنبه لكلماتها الأخيرة، مستشعرا أنها تريد فتح الموضوع الخاص بهما، ما دفعه ليقول في هدوء:
طب تعالي اقعدي ونتفاهم.
همت بالرحيل معلقة:
نتفاهم على إيه يا رائف بيه!! معدش فيه حاجة نتفاهم عليها من أساسه، وأي اعذار مهما كانت مش هتبقى مبرر كافي بالنسبة لي على اللي عملته.
اندفع خلفها قابضا على رسغها يستوقفها، ما جعلها ترتد للوراء في قوة، كادت أن ترتطم بصدره، لكنها فضلت الاصطدام بالحائط جانبها، لتتأوه في وجع، وهو يعاتيها في حنق:
إيه!! عاملة زي الجطر، واخدة فوشك مش سامعة لحد، اسمعيني، وجاوبي كده، إيه اللي أنا عملته!؟
هتفت به في ضيق، رغم محاولتها السيطرة على غضبها:
جواب غرامي، وطلب جواز، وانتظار رد بالقبول، وجبلنا، طلبت نمرة بابا، بعت ومن بعدها لا حس ولا خبر، أرن وابعت رسايل مفيش أي رد فعل إلا الصمت الرهيب، كأني أنا اللي كنت بجري وراك، يكون فمعلومك، أنا رجعت هنا بس عشان ده شغلي، والشغل ملوش دخل بالمواضيع الشخصية.
هتف بها، ما أن ساد الصمت بينهما للحظة تلتقط فيها أنفاسها المتقطعة لسردها كل تلك التفاصيل دفعة واحدة، دون راحة:
خلصتي كده!!
أكدت بإيماءة من رأسها، ما دفعه ليهتف مؤكدا:
مكنتش برد عشان كان لازم الكلام اللي هيتجال ده يبجى جدام عينك، مش مرمي فشات ملوش قيمة.
هتفت ساخرة:
حتى لو اللي بتجوله صح، مع إني مش شايفة عذر كافي، لكن ع الأجل تجول إن فيه ظروف وهتتصل لما الدنيا تتحسن، أو..
هتف يقاطعها، ونظراته معلقة بنظراتها:
حتى لو مكنتش هتصل خالص !!
اضطرب بؤبؤ عينيها، الذي أصبح أشبه ببندول الساعة، حائرا ما بين جئة وذهاب، وهمست بصوت متحشرج:
مش هتتصل خالص، إيه غيرت رأيك، لما عرفت إنك ملكت موافقتي، راحت الزهوة، وجت الفكرة، ولا إيه اللي حصل يا دكتور!!
استشعرت أنها تحط من كرامتها بعد أن اخبرها بتراجعه عن رغبته في الاقتران بها، ما جعلها تهم بالاندفاع مبتعدة، مستطردة:
ع العموم، مبجاش يلزمني أعرف أي حاجة، وحتى شغلي هنا، بعد ما ترجع الدكتورة سميحة هعرف اتصرف فيه، مع السلامة يا رائف بيه، وابج...
لم يمسك رسغها من جديد ليستوقفها، بل هتف بكلمات كانت كفيلة بأن تسمرها موضعها بلا حراك، مؤكدا:
حتى لو قلت لك، إن بسبب موضوعنا، كنت هخسر اعز اتنين في حياتي، جدي والدكتورة سميحة!؟
ساد الصمت للحظة، قبل أن تستدير نحوه، تتطلع لمحياه الذي أضحى أكثر شحوبا، منذ لحظة لقائه بها بعد استيقاظها، كان يبدو منهكا ومحطما، كيف لم تنتبه لكل علامات الارهاق والوجع البادية على قسمات وجهه بكل هذا العمق!!
لكن رغم ذلك، وجدت نفسها تقترب منه، تتطلع لعمق عينيه في جبروت هاتفة بنبرة أشد عزما من الفولاذ:
لا يا دكتور، ميخلصنيش تخسر حد عشاني، والراجل اللي مدخلش بيته بالرضا والتهليل كمان، ميشرفنيش إني ادخل بيته من أساسه، ولا حتى تلزمني معرفته.
ساد الصمت والنظرات لازالت على اتصالها، عيونها صارمة تقسو، وعيونه تحاول أن تبوح بسر ما، لكنها تأبى إلا التطلع نحوها بشوق جارف يدرك تماما، أنه سيكابد اضعافه ما أن تولي راحلة.
قطعت هي ذاك الاتصال بينهما، واندفعت تهرول للخارج، غير آبهة بقدمها الحافية، فذاك الوجع الذي استشرى بقلبها، كان كفيلا أن ينسبها الدنيا بأسرها.
دخلت الاستراحة، تحمل حاجياتها، لتجد عشرات الاتصالات على جوالها من سجود، وكذا عبدالباسط، الذي اتصلت به، لتتأكد أنه ينتظرها بالخارج، لتلحق به عائدة لدارها، مؤكدة لنفسها أن هذه هي رحلتها الأخيرة لنجع السليمانية.
***
دخل يونس قلب دار أبيه يسند راضي في هوادة، وما أن شاهدتهما عائشة حتى اندفعت نحوهما في صدمة، صارخة في يونس:
إيه فيه !؟ أخوك ماله يا واد !
هتف راضي مطمئنا:
أنا كويس يا حاجة متجلجيش.
هتفت في ذعر:
كويس كيف واخوك مسندك كده!!
هتف يونس مازحا:
طب اها، سبتهولك يمشي لحاله عشان تعرفي إنه بجي كويس.
سار راضي ليجلس عند أقرب مقعد ما أن تركه يونس، لتهتف بهما عائشة في حنق:
ما تجولوا فيه إيه يا ولاد حامد!! إيه اللي جرى!!
اندفعت دعاء من الداخل، متطلعة لما يحدث، فإذا بها ترى راضي على حاله، بشحوب وجهه، ربتت على كتفه في حنو هامسة به:
ايه فيه يا راضي!؟ أنت كويس!!
هز راضي رأسه مؤكدا، وعلى شفتيه ابتسامة:
أني كويس، لكن اطلعي على يونس، هو اللي مش هيسلم من أمك دلوجت.
قهقهت دعاء وهي ترى أمها تمسك جريدة النخيل التي كانت ملقاة جانبا، عند مدخل الدار، ما دفع يونس ليركض وهي وراءه هاتفة في ثورة:
هتجولي إيه اللي جرى لأخوك، ولا اعلجك على مدخل النجع يا واد حامد!!
هتف يونس، وهو يحاول أن يتحاشى ضربات الجريدة، التي كانت تلوح بها:
ابنك عمل لنا فيها شهم، ودخل فعركة، انضرب فيها بمطوة، واهو الحمد لله بجي تمام جدامك أهو.
شهقت عائشة في صدمة، هاتفة في ذعر:
يا حبيبي يا بني.
لكنها استعادت ثورتها سريعا، وبدأت تركض خلف يونس من جديد:
ومجلتش ليه يا وحل البرك، وأني اللي كل ما أسألك عن أخوك، تجولي بخير بس مشغول، وعيب يا عيشة هو أني هكدب عليكِ، ماشي يا يونس، والله أدبك علي.
هتف يونس الذي تفادى أحد ضرباتها بأعجوبة:
أدب اكتر من كده يا عيشة!! اهدي بس!! ما هو زي الجرد جدامك أهو، الحج عليا إني مرضيتش أخضكم عليه!!
هتفت عائشة في حنق:
جرد فعينك، ده راضي ده سيد الرجالة.
شاكسها يونس مؤكدا:
جرد برضك، مش بيجولوا الجرد فعين أمه غزال!!
استشاطت عائشة غضبا:
أمه يا جليل الترباية!! والله لازما تتأدب من جديد بس لما اطمن على أخوك اللي جاعد جوه تعبان.
هتف يونس مؤكدا:
والله ما حد تعبان غيري!! بجولك إيه يا عيشة، أني عايز اتجوز.
تسمرت عائشة موضعها، وتطلعت نحو يونس في صدمة، وهتفت أخيرا:
بجد يا يونس، عايز تتجوز يا حبيبي !؟
أكد يونس مازحا:
أيون، حالا، عايز اتجوز يا أم يونس، والواد راضي عايز يخطب، قبل ما تطير منه العروسة.
هتف راضي من الداخل:
مليكش صالح براضي، خليك فجوازتك.
هتف يونس مؤكدا:
لاه، والله هو جالي، عايز يخطب، ولازما يلحج يتجدم لها.
هتفت عائشة مستعيدة طبيعتها النارية:
ايوه بجى، منين العرايس دول، ليه مش نجع الصالح، أبجى عرفاهم وعارفة عويلاتهم، ولا انتوا طالعين لأبوكم يا ولاد حامد، زي الجرع تمدوا لبره !!
هتف يونس ساخرا، مشيرا لأخوته الذين كانوا يشاهدون ما يحدث بينه وأمه في استمتاع، تتعالى ضحكاتهم، ويرتفع تصفيقهم عندما تطال عصا أمهم يونس، فيصرخ متوجعا:
هو كل ده ومد بره يا عيشة!?
قهقه إخوته، لتندفع عائشة من جديد خلفه، لتطاله جريدتها، ليصرخ متألما، ويرتفع التصفيق من جديد، ليهتف يونس:
بجولك إيه يا عيشة، اعملي فيا ما بدالك، بس چوزيني اللي رايدها.
توقفت عائشة، تاركة الجريدة من يدها، مقتربة منه، متطلعة نحو عينيه التي كان تلمع عشقا، وهمست في نبرة حانية:
أنت عاشج صح يا يونس!!
هز يونس رأسه مؤكدا:
جذبته لاحضانها في فرحة، هامسة في فخر، وهي تربت على ظهره بقوة:
والله وچه اليوم اللي هتخطبي فيه لولدك البكري يا عيشة، مبروك يا حبيبي.
قبل يونس جبينها هامسا في محبة:
الله يبارك فيكِ يا غالية، ومتنسيش الواد راضي.
قهقهت مؤكدة:
أنت الأول، هو إيه كلكم هترحوا مني نوبة واحدة.
هتف يونس مازحا:
إيه، هو إحنا هنبتدي شغل الحموات من دلوجت ولا إيه يا عيشة!!
ضربته على صدره في قوة:
وأنت هدافع من دلوجت ياخويا، لا بجولك إيه، والله لو ما دخلت دماغي كده، ما اجوزهالك، هو انت جليل، ده أنت الباشمهندس يونس حامد الحناوي.
قبل يونس جبينها من جديد مؤكدا:
هتعجبك والله، بس أنت جولي لأبويا، واقنعيه بطريجتك يا عيوش، فهماني أنت يا چامد!!
ضربت على صدره من جديد في خجل:
بطل قلة حيا يا واد، الظاهر لازما نچوزوك صح عشان نخلصوا من طولة لسانك.
هلل يونس، وهو يحتضن أمه في محبة:
الله أكبر
ليهقهقه إخوته، ويعلو التصفيق من جديد.
***
دخل يتلفت في هدوء، لتنهض أمه نحوه في عجالة، تربت على صدره في محبة كأنما تواسيه على ما حدث، ابتسم لها في محبة مماثلة، محاولا ألا يظهر تأثره، رغبة في ألا يثقل عليها بهمه الذي ناءت بحمله روحه، لكنه لم يشتك لمخلوق، همست به في نبرة متعاطفة:
متزعلش يا حبيبي، هي اللي..
هتف عاصم مؤكدا:
هي زي الفل، ومغلطتش، حقها تختار اللي يريحها، لا هو عيب ولا حرام اللي عملته.
وصل مهران لتوه، ليصله كلمات عاصم، ما دفعه لبربت على كتفه في إكبار مؤكدا:
صح، ولدك كلامه مظبوط، حقها تختار، تجبل أو ترفض.
هتفت تسنيم ممتعضة:
محدش جال حاجة فالكلام ده، لكن رفضها ميبجاش بالطريقة دي، كن ولدي ك..
قاطعها مهران في حزم:
خلصنا يا تسنيم، عاصم راجل تمام، وألف بنت تتمناه، وهي كان لها ظروف تعبها اللي مرت، ولها عذرها، إن مكناش إحنا اللي نعذروها مين اللي يعذر يا أم عاصم!!
تنهدت تسنيم ولم تتفوه بكلمة، رغم عدم اقتناعها بكل ما قاله مهران، لكن عليها أن تبتلع لسانها، حتى لا تكدر ولدها أكثر من هذا.
هتف عاصم مؤكدا عليها:
بجولك يا دكتورة، أوعي الموضوع ده، يخرب اللي بينا وبين عمي ماجد وعمتي إيمان، كل شيء قسمة ونصيب فالأول والأخر.
امتعضت تسنيم من جديد، ولم تعقب على حديث ولدها الذي لاقى استحسان مهران، الذي هتف بولده:
والله عين العجل يا عاصم، واد أبوك صحيح، إلا صلة الرحم! وبعدين إحنا عايشين فبيت واحد، يعني لازما ناخد الموضوع ببساطة.
هتف عاصم مؤكدا:
وعشان اللي قلته ده يا بابا، لازما أبعد شوية، هروح اجعد عند واحد صاحبي يومين كده، وبعدين أبجى أرجع أجهز أمور السفر، وأشوف حالي.
لم يعقب مهران إلا بالربت على كتفه مؤيدا، لكن تسنيم هي من اعترضت هاتفة:
لاه، مفيش سفر ولا غربة، ليه يعني!! ما خلاص اللي حصل حصل، وكل واحد ينام ع الچنب اللي يريحه، لكن بعد سفر، بلاها يا عاصم، روح اجعد لك يومين عند صاحبك ده، غير كده لاه.
ربت عاصم على كتفها مطمئنا، وهو يندفع في اتجاه الدرج، حتى حجرته ليجمع بعض من حاجياته، فتح بعض الأدراج، متناولا منها ملابسه وبعض أغراضه، ليسقط هذا الكيس الثمين، الذي كان يخبئه بعمق ذاك الدرج الأخير، وتذكر أن ما به قد ابتاعه من أجلها، عندما كانا سويا يوم توصيل فريدة حتى محطة السكك الحديدية، تطلع نحو العلبة الثمينة لبرهة، قبل أن يلق بها من جديد، بعمق الدرج ويغلقه بمفتاح خاص، لا يملك غيره نسخة منه، يحتفظ فيه بكل ذكريات طفولتهما معا، كأنها كنز لا يطلع أحد على موضعه، ها هو في سبيله لترك كل هذا خلف ظهره، والمضي قدما، على الرغم من يقينه أنه لن يستطيع أن يفعل، فذاك الهوى الذي يكبل روحه، بطوق من جمر وذكري، لا يمكن كسره.
تنهد وهو يحمل حقيبته في اتجاه الباب، لكنه عاد متقهقرا نحو النافذة، وألقى بناظريه تجاه غرفة القراءة، غاب في عباب الذكريات لفترة، وعاد مندفعا نحو الباب، هابطا الدرج، في اتجاه غرفة جده، الذي كان يعلم أنه بانتظاره.
طرق الباب، ودخل باحثا عنه، حتى وجده على كرسيه يتطلع للخارج، وهتف في ثبات، دون أن يستدير:
أنت جيت يا عاصم!!
تقدم عاصم نحو جده، ومال مقبلا جبينه في محبة خالصة، هامسا:
ايوه جيت يا جدي، وماشي تاني، هغيب شوية، وارجع اشوف أحوال السفر اللي اتأجل كتير ده.
تنهد عاصم الجد، رابتا على كف حفيده التي ترتاح اللحظة على كتفه، هامسا:
روح يا ولدي، يمكن الغيبة هي الدوا، أصلك الغياب بيعلم الواحد منا حاجتين، يا أما الشوق ولهفة الرجوع، يا أما الفرجة بلا رجعة، الغياب.. درس للي متعلمش يعرف قيمة اللي جدامه، أو حتى كان عايز يعرف قيمة نفسه، غيب يا عاصم، رغم إني واعي، إنك مش مطول.
همس عاصم مبتسما في شجن، يحاول مشاكسة جده:
متأكد قوي أنت يا جدي!!
همس عاصم الجد، وهو ما يزال يتطلع للأفق البعيد، رافعا كفه أمام ناظريه:
ايوه، متأكد كيف ما واعي لكفي دي قصاد عيني، طريقك هنا يا عاصم، جدرك ممدود فالأرض دي، ومهما بعدت هتلاقي اللي يشدك، ممنهاش مهرب يا عاصم، صدج كلام جدك، كل ما هتحاول تنزع جدرك من الأرض دي، هتلاقيه متبت بزيادة، واللي حصل ده، حاجة فسلسلة، نهايتها هنا، زي ما كانت بدايتها هنا.
ساد الصمت، وعاصم يتطلع نحو موضع تطلع جده، يجمعهما الاسم والصفات وكذا الحلم الذي يراود كلاهما واحد.
ربت عاصم على كتف جده من جديد، ملثما هامته، قبل أن يلقي التحية في عجالة، ويرحل في هدوء دون أن يستوقفه جده عن مسيرته، ألقى التحية على الجميع بلا استثناء، ليستوقفه عمه ماجد، رابتا على كتفه في معزة حقيقية، هاتفا:
متزعلش يا عاصم، عشان خاطر عمك، سامح.
ابتسم عاصم مؤكدا:
محصلش حاجة يا عمي، ده حقها، وكل شيء قسمة ونصيب، وربنا يهدي الحال.
ربت ماجد على كتفه من جديد في إكبار، ليلقي عاصم بالتحية مغادرا.
وصلت نوارة بعد رحيله ببعض الوقت، كانت قد اتصلت بسجود، فاخبرتها بكل ما حدث باكية، لتندفع ملقية التحية في عجالة، في اتجاه الغرفة التي تضم الفتيات، دفعت بابها في شدة، باحثة عنها، وما أن طالعت سجود، التي كانت تجلس باكية في أحد أركان الغرفة، وكذا زهرة التي كانت تقف أمام النافذة، بمحياها المستكين ذاك، تقف هناك متطلعة حيث غاب عاصم منذ ما يقارب النصف ساعة، وهي على حالها، شاردة لا تنبس بحرف.
أغلقت نوارة الباب في عنف، كان بها من الغضب ما يكفي ويفيض ليدفعها لقتل أحدهم، فلتوها قد أنهت علاقتها بنجع السليمانية وكل ناسه، وبداخلها طاقة وجع تملأ الكون، لتأتي هنا وتسمع بما حدث لعاصم، من هذه الحمقاء هناك، والتي هي على يقين أنها تعشق أخيها بكل ذرة في كيانها، لذا هتفت في نبرة منخفضة تحمل بطياتها ثورة قاهرة:
عملتي كده ليه!! سبب واحد يخليكِ تعملي كده فعاصم يا زهرة!!
لم تجب زهرة إلا بدموع انسكبت في غزارة، لتصرخ نوارة في حنق:
اطجي، جولي عملتي كده ليه فواحد بيعشق التراب اللي بتمشي عليه، هان عليكِ عاصم جوي كده، سبب وااااااحد بس، جووولي.
صرخت نوارة بكلماتها الأخيرة، في ثورة عارمة، ما دفع زهرة لتصرخ بدورها، هاتفة في نبرة تحمل وجيعة كون بأكمله:
ما عشان هو عاصم، كان لازم أعمل كده.
صرخت من جديد وهي تشهق باكية في قهر:
قوليله ميمشيش يا نوارة، لو بعد زهرة هتموت، قوليله يرجع، عشان خاطري، خليه يرجع.
هتفت نوارة، والتي أنساب دمعها رغما عنها، وعلى الرغم من ذلك، هتفت في نبرة حازمة:
سبب واحد للي عملتيه، ويمكن أجدر أكلمه عشان يرجع.
اضطربت زهرة، وفركت كفيها في توتر، لكن بالأخير، انهار السد وتوالت الاعترافات.
***
كان الأمر يسير على ما يرام، ذاك العميل الهام، قد أتى لعقر دار سعفان، بقلب هذا الجبل الحصين، ومنتصر بجانبه يجلس في ثبات جوار سعفان، يقوي مركزه، ويجادل مدعيا مصلحة سعفان، يسجل كل اتفاقتهما دون أن يدري أحدهما، يتطلع لساعته بطرف خفي، يراقب عقاربها في قلق مخفي، لا يظهره قدر استطاعته.
لكن فجأة، وبلا مقدمات، وقد كان منتصر قد فقد الأمل، واعتقد أن تعب الشهور الماضية ضاع هباء، صرخ أحد رجال سعفان، المنوط بهم حراسة أركان المخبأ، مؤكدا في نبرة مصدومة:
الحكومة هنا يا سعفان بيه، الحكومة محاوطة الجبل كله، ده معاهم قوات تسد عين الشمس، تقول طالعين حرب.
صرخ سعفان به في ثورة:
طب غور من وشي، يا جلاب المصايب.
تطلع ذاك العميل نحوه في ثورة هاتفا:
كانت أكبر غلطة إني أجي هنا، كل واحد مسؤول عن نفسه.
وأشار لرجاله، ليحاوطوه في حرص شديد، يحاولوا الخروج به، من هذا الكمين بلا خسائر.
هتف منتصر في سعفان مدعيا الاضطراب:
إيه يا معلم، العمل إيه!؟ هنقعد كده، لازم نتصرف، الضرب اشتغل بره، وشوية وهنلافيهم بينا هنا.
هتف سعفان في منتصر أمرا:
تعالى نجيب بت سيادة العميد، خلينا نلاعبهم بيها شوية، ونساوم بها لحد لما نلاقي لنا مخرج.
هم منتصر بكشف نفسه، وكان يعلم أنه هالك لا محالة، ورجال سعفان يحاوطونه لهذا الشكل، وستكون نهايته الفعلية عندما يكتشف عدم وجود بدور، والتي كانت نغم تحتل موضعها بالحجرة، التي كان قد ترك مفتاحها معها لأي طارئ، والتي أنقذت الموقف اللحظة، عندما ظهرت فجأة هاتفة في نبرة متحدية:
مش هتلاقيها يا معلم.
تطلع سعفان لها في ريبة، هاتفا في حنق:
يعني إيه يا بت!! ودتيها فين!!
هتفت نغم في تحدي:
غورتها من هنا، كانت واقفة لي زي اللقمة فالزور، وواخدة الباشا مننا، قلت كفاياها كده.
هتف سعفان في ثورة، وضرب النار يتعالى من الخارج مقتربا، وكأن الحرب قد قامت:
يا بنت**** اعمل إيه فيكِ دلوقت!! دي كانت هتبقى الورقة اللي هنلاعب بيها الحكومة اللي بره دي!! والله ما تستاهلي إلا إنك تغوري أنتِ كمان.
هتف منتصر عندما رأى سعفان يتحسس سلاحه، مشفقا على نغم التي وضعت نفسها أمام فوهة المدفع، لانقاذه:
معلش يا معلم، دي برضو نغم!!
انتزع سعفان سلاحه وأطلق النار عليها في برودة أعصاب، هاتفا:
سعفان ملوش عزيز، تغور ويجي ألف غيرها.
واندفع مبتعدا وخلفه رجاله، نحو أحد المخابئ، ومنتصر يتلقفها نغم ما بين ذراعيه وهي تتوجع، هامسا بها في حنق مكبوت:
عملتي ليه كده!!
همست مؤكدة، وابتسامة موجوعة مرسومة على شفتيها:
أنت فيه ناس مستنياك، أنا مين مستنيني!! ربنا ينجيك لحبايبك يا باشا، وادعيلي كل ما تفتكر نغم، إن ربنا يقبل توبتي، سلام يا باشا.
شهقت في ألم، لتسلم الروح، جز على أسنانه في غيظ، واسبل جفونها، واندفع نحو موضع اختفاء سعفان ورجاله، متعجبا كيف لم يدعه سعفان ليلحق به، لاح له ظل ما يندفع في اتجاه معين، فتتبعه في إصرار، ليجد نفسه وجها لوجه مع سعفان، داخل أحد الحجرات التي ما رآها من قبل، وهو الذي كان على يقين أن ما من موضع قدم، لم يستطلعه بهذا المخبأ.
قهقه سعفان عندما لاحت الصدمة على وجه منتصر، الذي تنبه متطلعا نحو سعفان، هاتفا:
إيه ده يا معلم!! كانت فين الاوضة دي!!
أكد سعفان في نبرة ملتوية:
أنا مهما آمنت لك، عمري ما كنت هسلمك كل أسراري، ودي واحدة منهم.
ساد الصمت، وقد استشعر منتصر بحسه الأمني أن سعفان قد كشف حقيقته، فهم بالاندفاع دافعا نفسه لخارج حدود الغرفة، لينجو بنفسه من فخ ما استشعر أنه يحاك له، لكن سعفان ضغط على أحد أزرار جهاز تحكم كان يحمله في يده، ليغلق ذاك المدخل الخفي، ليصبح كلاهما أسيرا داخل تلك الحجرة، هاتفا في منتصر ساخرا:
إيه يا باشا!! على فين العزم، الخن ده احسن من غيره، ولا إيه!!
نهض منتصر متطلعا نحو جهاز التحكم الذي كان يملكه، ولم يعقب موجها سلاحه نحو سعفان في ترقب، بينما هتف سعفان في سخرية من جديد:
الله، السلاح الميري ظهر أهو!! والله بعودة..
هتف منتصر في حزم:
مش هتموت إلا برصاصة منه، ده وعد مني.
هتف سعفان مقهقها، يؤكد بلا مبالاة:
بس هو أنا مقلتلكش، مش ده بس سري الوحيد، فيه سر تاني حابب أعرفك عليه، ما أنت حبيبي بقى.
واقترب متطلعا نحو عمق عيني منتصر، هامسا في نبرة رجل فقد عقله، غير مبال بسلاحه الذي يقف بينهما:
إحنا الاتنين هنموت، أه.. ما أنا مش هروح لوحدي، سيادتك لازم تشرفني، عشان كده عايز اقولك، أن الريموت ده فيه زرارين، واحد يفتح الباب ويخرجك للحياة، والتاني تذكرة للأخرة، بضغطة عليه، ينفجر المكان باللي فيه، ونقول اورفوار للدنيا وقرفها.
باغته منتصر منقضا عليه، يحاول أن ينتزع من كفه جهاز التحكم، قبل أن يضغط على زر التفجير، لكن واثناء الصراع المحتدم بينهما، وكل منهما يحاول نزع سلاح الأخر، انطلقت من السلاح، عدة رصاصات، سقط كلاهما أرضا، ملتصقين، رغم الدماء المتناثرة على جسد كل واحد منهما، لكن المعركة على نزع جهاز التحكم كانت قاهرة، انتهت بصوت انفجار مدوي، زلزل الجبل في قوة.
رواية زاد العمر وزواده الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم رضوى جاويش
اندفع وحيد في اتجاه حازم الذي كان يقف اللحظة على باب غرفة العمليات، هاتفا في لهفة، بعد تأديته التحية العسكرية:
"إيه الأخبار يا فندم؟!"
أشار حازم نحو غرفة العمليات، مؤكدا في حزن:
"حالته خطيرة، ربنا يسلمه وينجيه."
ساد الصمت بينهما، ووحيد يهمس في تضرع، هامسا في اضطراب:
"أنا حذرته، قلت له دي عملية انتحارية، قالي وماله، معرفش ليه كان مستبيع قوي كده، كأنه بيرمي نفسه فالنار بأيديه!"
تطلع حازم نحوه في صدمة، ليستطرد وحيد صديق منتصر:
"حتى يوم ما اتصابت، سحبني بعيد عن الضرب، مسكت في أيده، وقلت له بلاش، عشان يتراجع، مسمعنيش طبعا، وبعدها فضلت محبوس هنا فالمستشفى على أساس إن حالتي خطيرة، وإن هو السبب في إصابتي، وإني بين الحيا والموت، وده كله باتفاق مع اللواء الفنجري، عشان يعرف يدخل فعمق العصابة ويقنعهم، الموضوع ده إحنا شغالين عليه بقالنا شهور يا فندم، ده بسببه سبنا كام عملية تعدي من أيدينا، نسربها لمنتصر، عشان يثقوا فيه، كانت طالعة من نافوخنا، بس كله يهون، عشان سعفان النادي ده واللي معاه يوقعوا."
ربت حازم على كتف وحيد في إكبار، هاتفا في فخر:
"ربنا يحميكم يا بني."
هتف وحيد:
"متشكر يا فندم، يا رب يقوم لنا منتصر بالسلامة، هو حضرتك قريبه!؟ أصل محدش هنا غير حضرتك، ولا انتوا مبلغتوش حد من قرايبه!؟"
ابتسم حازم، مداريا غصة بقلبه، يهز رأسه في تأكيد:
"أه لسه مبلغناش، بس تقدر تقول كده إني قريبه وبلدياته."
ليستطرد وحيد في أريحية:
"منتصر دائما كان بيجيب سيرة حضرتك بكل خير."
ابتسم حازم ابتسامة شجية، وحاد بناظره في اتجاه باب غرفة العمليات، يتمنى لو كان بمقدوره اقتحامها، ليدرك ما يحدث بالداخل، ويسمع ما قد يطمئن قلبه، ويريح أعصابه التالفة منذ أتاه الخبر، وهو بصحبة اللواء الفنجري.
عادت تقف تتطلع نحو الأفق البعيد، لا قدرة لديها على مواجهة نوارة وهي تدلي باعترافات بطول سنوات العمر بأكمله، هامسة من بين شهقات بكائها:
"من وإحنا صغيرين، وعاصم كان كل حاجة، ولسه كل حاجة ليا، لكن هو عمره ما حسسني إلا إني بنت عمه اللي بيخاف عليها زيك انت وسجود، في أولى جامعة، اعجب بيا شاب، كان فعلا كويس، وصحابه بدأوا يوصلوا لي رسايل إنه بيحبني وعايز يتقدم لي، بس انا مكنتش برد، كان عاصم موجود وكنت بقارن بِه كل واحد يقرب مني، وفجأة عرفت إن الشاب ده بباه اتوفى فاليوم اللي كانوا هيكلموا بابا عشان يجي يخطبني، ساعتها سمعت أصعب كلام ممكن واحدة تسمعه، وشوفت نظرات من زمايلي، كأني أنا السبب فموت والده، وبدأوا يتغامزوا ويتلامزوا عن زهرة النحس، اللي واكلة ناسها، اللي الشاب ملحقش حتى يكلم أبوه عشان يخطبها، واللي أهله كلهم رفضوا يتمموا الموضوع بعد فترة من وفاة بباه عشان أنا واحدة شؤم وهم مش ناقصين حد من العيلة يجراله حاجة تاني."
ساد الصمت، وتعجبت نوارة كيف لم يعرف أحد بهذه التفاصيل التي ترويها، وتطلعت لسجود في حزن، ولم تعقب، بينما استطردت زهرة تمسح دمعها عن وجنتها، هاتفة:
"وجه محمد، كان انسان محترم وطيب قوي، حبني بجد، كنت بحاول أوهم نفسي إني بحبه، يمكن أقدر أخرج عاصم من قلبي وعقلي، وأحب راجل أنا عارفة ومتأكدة إنه بيحبني، وحاولت انسى اللي حصل مع الشاب الأول، وموضوعه، وأخرج أي خوف من جوايا، من أن اللي حصل ده ممكن يتكرر، وفعلا عدت الخطوبة على خير، فرحت مش عشان أنا فرحانة به، لكن عشان الذنب اللي لذقوه فيا مش صحيح، انا مش نحس، انا مش السبب في موت حد، أنا بنت زي أي بنت نفسها تحب وتتحب، لكن للأسف أتكرر الموضوع مع محمد واللي قعدت شهور بحاول اتعافى من الصدمة بعد موته، ولسه ذنبه حساه مطوق رقبتي، واللي لما حاولت انزل الجامعة عشان احاول استأنف حياتي، وانسى الارتباط والجواز، واركز فدراستي، أول ما رجعت، سمعت نفس الكلام تاني، والمرة دي بقى، مكنش بيتقال من ورايا وبيوصلني، لا بقى بيتقال وهم مصرين إنه يوصلني، وخلاص أنا بقيت مصدقة كلامهم، أنا فعلا واحدة نحس، وأي حد هيقرب مني عشان يفكر يرتبط بيا، هيكون مصيره الموت."
ساد الصمت من جديد لبرهة، تحاول فيها التقاط أنفاسها، لتستطرد بعدها:
"ولما عرفت إن عاصم بيحبني، حاولت أبعد بكل طريقة، بس أبعد إزاي وده حلم حياتي اللي اتمنيته من ساعة ما وعيت ع الدنيا، حاولت والله ومقدرتش، بس لما فكر إنه يتقدم لي محستش إلا وأنا بصرخ بالرفض، وأنا هموت وأقول أه، ايوه، يا ريت، أنا كنت مستنية اللحظة دي من زمان قوي، ولما جت مكنش ينفع تقولي اه، عارفة يعني إيه يا نوارة، حلم حياتك يتحقق قدام عينك في لحظة، ومتبقيش طيلاه وأنتِ اللي تبعديه عنك!!"
جاء السؤال لنوارة في مقتل، فقد كانت تسألها انك كانت تدرك هذا الشعور أم لا، وهي الغارقة فيه حتى الثمالة، يموت قلبها قهرا اللحظة، على فراق ذاك الذي ما دق الفؤاد لغيره، وما شرعت نوافذ الروح إلا له وحده، أنساب دمع نوارة رغما عنها، وهزت رأسها بلا وعي، مصدقة على كلامها، لتستطرد زهرة مقهورة:
"مكنش ممكن أتخيل أن عاصم ممكن يحصل له حاجة يا نوارة، عشان ده عاصم، عارفة يعني إيه عاصم !! لو حصل له حاجة، عمري ما هسامح نفسي، ده لو قدرت أعيش بعده ثانية واحدة، لأني عارفة إن روحي متعلقة بيه، ولو راح هروح معاه."
وصرخت مؤكدة لنوارة، هاتفة بالاعتراف الأروع، وبنبرة قوية كأنها أخيرا تزيح ذاك الثقل الذي كان جاسما على قلبها:
"أنا مش بس بحب عاصم، أنا بعشق النفس اللي بيتنفسه، التراب اللي بيمشي عليه، كنت ممكن اضحي إنه يكون لواحدة غيري أو إني أكون لواحد غيره، ولا يحصل له حاجة تمس شعرة منه."
وشهقت شهقة قهر، نابعة من أعماق صدرها، هاتفة بنبرة موجوعة، ممزوجة بعشق قاهر:
"إلا عاصم يا نوارة، إلا عاصم."
اندفعت نوارة نحوها، تتلقفها بين ذراعيها، لتبكي كل منهما بأحضان الأخرى، ترتفع شهقات زهرة في وجع مطالبة نوارة:
"قوليله يرجع يا نوارة، هتقوليله صح، أنت وعدتيني!!"
هزت نوارة رأسها في إيجاب وربتت على كتفها في محاولة لتهدئتها، هامسة:
"حاضر يا زهرة، حاضر .. إهدي بس وكله هيبجى تمام."
طرقات على الباب، ودخول إيمان متطلعة للفتيات في ريبة، ما جعلها تندفع نحو زهرة، تضمها بين ذراعيها، متسائلة:
"هو فيه إيه يا بنات!!"
هتفت نوارة مؤكدة، وهي تمسح دموعها، مشيرة لسجود لترك الغرفة لزهرة وأمها، مؤكدة:
"مفيش حاچة، زهرة تحكيلك."
خرجتا سويا، نوارة وسجود التي ناولت هاتفها لأختها، لتضغط زر الإرسال، لتلك الرسالة المسجلة بكل هذه الاعترافات، لرقم واحد فقط، عاصم.
صعد الدرج مترنحا، يقدم قدم ويأخر الأخرى، لا يعرف كيف سيواجها، حتى بعد رسالتها المطمئنة تلك، يشعر باضطراب اللحظة، وهو يضع مفتاح باب الشقة في موضعه، وما أن هم بفتحه، حتى كانت هي الأسبق، لتجذب الباب، لتطالعه بمحياها المتجمل، ابتسم في سعادة واهنة، لتبادله الابتسامة بمثلها بل أكثر إشراقا لمرآه، هامسة في رقة:
"حمد الله بالسلامة."
همس بدوره:
"الله يسلمك."
أشارت نحو المائدة التي أعدتها عندما علمت بقرب مجيئه من أمه، فمنذ رسالتها الصوتية التي ارسلتها، لم تسمع منه حسا أو خبر، هز رأسه متجها للمائدة، ورغم عدم رغبته في تناول الطعام، إلا أنه جلس إكراما لها، حاول أن يمد كفه، لأي صنف من صنوف الطعام الشهية، لكنه كان يشعر أنه ليس على ما يرام، تنبهت سمية أنه يدعي تناول الطعام، لكنه لم يضع لقمة بفمه، همست في فطنة:
"شكلك تعبان!!"
نهضت في عجالة من موضعها، تضع كفها على جبينه، ليرتجف من لمستها، وهي تشهق في قلق، بعد أن تأكدت أن حرارته مرتفعة بالفعل.
ربتت على كتفه، هامسة:
"شكلك خدت برد چامد، جوم أرتاح وأني هعمل لك حاچة سخنة."
همس وهو ينهض في وهن:
"متتعبيش روحك، أني عايز أنام وبس."
توجه نحو الحمام، غاب فيه لبضع دقائق، وما أن خرج، حتى هم بالتوجه نحو غرفته المعتادة، ليجدها تمسك بعضده، توجه خطواته المتمهلة، نحو غرفتها، التي من المفترض أن تكون غرفتهما المشتركة، هامسة في هدوء:
"مكانك هنا."
تنبه لما تفعل، لكنه كان قدر من التعب، أفقده أية قدرة على أي جدال.
أجلسته متكئا على الفراش، غابت لبرهة، قبل أن تعود بإحدى جلابيبه المنزلية النظيفة، مدت كفها تساعده على خلع ما كان يرتديه، مبدلة إياها بما أحضرت، فردت غطاء صوفي ثقيل، دثرت به جسده، وجلست على طرف الفراش، تضع إحدى حبات الدواء بفمه، مع رشفات من كوب الماء، الذي كان هنا بجانبه، وجواره ماثل كوب من اليانسون الدافىء، الذي يبدو أنها أعدته أثناء غيابه في الحمام، والذي رفعته، تساعده على ارتشاف بعضه، حتى أشار لها لتتوقف، فما عاد قادرا على تناول المزيد.
اطاعت ليسحب نفسه تحت الغطاء، حملت الأكواب للمطبخ، وأعادت ترتيب المائدة من جديد، بعد أن أعادت الاطباق بكاملها لأوعيتها، لتعود للغرفة، تشعر بخجل فطري من مشاركته الفراش للمرة الأولى، بعد ليلتهما الموعودة تلك، وعلى الرغم أنه غير واع، إلا أنها تستشعر أن جو الغرفة معبق بحضوره، مدثر بأنفاسه، ما جعلها تتعجب، كيف لنفس الغرفة، التي قضت بها كل هذه الفترة وحيدة، أن يتبدل احساسها بها كليا، بهذا الشكل العجيب، لمجرد وجوده بها، مستشعرة هذا الانس الرحب، الذي سربل روحها بقربه!؟
تسللت في هدوء أسفل الغطاء، بعد أن خلعت عنها مئزرها، تنام على ظهرها تتطلع للسقف، وهي متسمرة على طرف الفراش، حتى تدع له حرية التحرك، لكنها غيرت وضعها، لتنام على جنبها، متطلعة نحوه، حيث محياه الغائب معظمه أسفل الغطاء، مدت كفها من جديد، تستطلع حرارة جبينه، وقد بدأ يرتجف، ارتجافات خفيفة، ما دفعها لتقترب، قلبها مفطور على حاله، ولا تعلم كيف انحنت بالقرب من مسامعه، هامسة في حنو، وهي تمسد على جبينه، الذي بدأ يتفصد عرقا:
"أنا هنا يا سمير!!"
وكأنه وحتى بعقله اللاواعي، أدرك قربها، واستمع لهمسها المطمئن، ليستدير ببطء، دافنا رأسه بصدرها، لتضمه إليها، محتميا بين ذراعيها، من هلاوث الحمى، دافعا ذاك البرد الذي ينخر عظامه، بدفء قربها الحار.
كادت أن تجن، غاب هذه المرة في زيارته لدار أبيه، على خلاف العادة، تشعر بشوق هائل لمحياه، ورغبة في الاستئثار بحضوره، فما كان لها الفرصة طوال فترة بقاء أخيه راضي هنا، على البقاء معه وحيدة كما كانت العادة دوما.
قررت الذهاب للأرض على غير العادة، فقد منعها النزول إليها، لا تعرف لذلك سببا، لكن بفطرتها استشعرت أنه اكتشف سرها، منذ كان بالقاهرة، وهو يحدثها على الهاتف بالالغاز، كانت قد قررت أن تصارحه بكل حكايتها، وليكن ما يكون، فهو بعد الكثير من المواقف، تأكدت أنه الرجل الذي يمكنها الاعتماد عليه، وإلقاء سرها بعمق صدره.
تنهدت بطريقها، وهي تعلم أنه سيثور غاضبا، إذا ما علم بنزولها الأرض، لكن ما أن جاءها أحد العمال الموجودين بالأرض، ليخبرها أن بغياب يونس، ما عاد العمال على عهدهم، وتكاسل بعضهم عن عمله، والبعض تقاعس عن الحضور من الأساس، ما دفعها لتقرر النزول في جولة تفتيشية مفاجئة، مخالفة لأمره، رغما عنها، لأن بخلاف تمرد العمال، كان هناك مشكلة في ميعاد الري، كان يمكنها التجاهل لو كانت تعلم ميعاد لمجيئه، لكنها لا تعلم متى سيعود، ولا قدرة لها على رفع هاتفها لتسأله مثل هذا السؤال، أو بالأحرى، لا قبل لها على سماع صوته يأتيها مشاكسا، وعاتبته بينها وبين نفسها، على عدم اتصاله، موفرا عليها الحرج، ومهدئا لصراع قلبها وعقلها الذي لا يهمد للحظة.
كانت على مشارف الأرض، وشاهدت بعينها ما يحدث من البعد، فلا أحد من العمال يعرفها، فلم يهتم أحدهم لأقتراب ذاك الرجل المسربل بجلبابه، والذي لا يخلع عنه عمامته صيفا أو شتاء، وما أن وصلت لحدودها بالفعل، حتى وقفت تصرخ في صوت جهوري:
"هو إيه!! إن غاب الجط، إلعب يا فار!!"
انتفض العمال، ما دفعها لتهتف مستطردة:
"طب يكون فمعلومكم مفيش يومية النهاردة، واحمدوا ربكم إني مخصمتش من اللي فات، ريحوا بجى ع الأخر، بلا شغل بلا يحزنون، اجيبلكم شيشة ونجلبوها جعدة فرفشة وأنس!"
هتف أحد العمال متحججا:
"ما هم جافلين علينا المية، نعملوا إيه يعني!!"
هتفت سماحة متسائلة:
"مين دول!! الرية النهاردة من نصيب أرض يونس بيه!!"
هتف عامل أخر:
"ولاد نچم، هم عشان يونس بيه مش موچود، واكلين حج أرضه فالمية."
اندفعت بلا هوادة، في اتجاه أرض أولاد نجم، متناولة أحد الفؤوس في يدها، هاتفة بأحد أبناء هذه العائلة، والذي كان يقف بالقرب من أطراف الأرض الفاصلة بين أرضيهما، زاعقة في حنق، بصوت خشن جهوري، احترفت تصنعه منذ زمن بعيد:
"هو الچيرة ملهاش حج عنديكم!! ولا انتوا صح من ميتا بتعرفوا الحج من أساسه!!"
هتف الرجل من أولاد نجم، حانقا:
"ما تلم نفسك يا واد أنت، عامل لي نفسك فيها صاحب ملك، لما يبجى ياچي صاحب الأرض، يبجى يتكلم!! مش باعت لنا ديله."
هتفت به صارخة في حنق:
"أنا ديل يا ديل الكلب أنت!"
ورفعت فأسها، لتهوى به على رأس الرجل، لكن الرجل استطاع تفادي ضربتها، دافعا بالفآس بعيدا، وما أن هم بالاستباك معها، حتى تجمهر العمال حائلين بينهما، دافعين سماحة لترحل عائدة للدار، تتوعد لذاك الأحمق، بصوت عال مهددة بقتله، والذي كان عليها الخلاص منه، منذ زمن بعيد.
كان يجلس بالمقعد الخلفي للسيارة، تاركا أمر القيادة لعبد الباسط، فما كان له القدرة على التركيز في القيادة، وكل ما يمر أمام ناظريه اللحظة، هي وذكرياتها معه، والتي كانت بطول العمر كله.
فتح صفحته، يبثها أوجاعه كالعادة، ليكتب قلبه بأحرف من وجيعة:
"في الصدر فؤاد يحترق قهرا، حبكِ ونبضه بعضا من هشيمه المتطاير."
نشر الخاطرة، وأغلق الهاتف، بل إنه قطع اتصال الانترنت عنه، رغبة في عدم ازعاجه، يكفيه ما فيه من ألم يعتصر روحه، يكاد يزهقها.
شرد في الطريق، وتاه مع الذكريات التي تصهر تحمله وصبره، كحمض حارق، ما أخرجه من التيه أكثر في خضمها، إلا رنين الهاتف الذي نسي إغلاقه بالمثل، كانت نوارة، تطيل الرنين بشكل غير معتاد، وضع سماعات الأذن، وقرر الرد، فيبدو أنها ستلومه على رحيله دون أن ينتظر وداعها حتى.
رد في هدوء:
"ايوه يا نوارة، أنا عارف .."
هتفت به في لهفة باكية، ضاحكة في آن واحد:
"والله أنت ما عارف حاچة!!"
تعجب عاصم لتصرفها ذاك، الذي لم يكن من طبيعة نوارة الرزينة، والتي هتفت أمرة في عجالة:
"افتح الواتس ضروري، واسمع الرسالة اللي بعتتهالك سچود، والإختيار لك بعد كده يا عاصم، سلام."
ما هذا الحنون!! أعاد تشغيل شبكة الإنترنت على هاتفه، لتتدافع الاشعارات في سرعة، ليلمح من بينها، اسمها، يبدو أنه تعليق على خاطرته، فتح صفحته في عجالة، ليتطلع لتعليقها في لهفة، هامسا بكلماته في وجل:
"وأني أحمل حبك بين جنبات روحي، تاج على مفرق فؤادي، كما تحمل أعواد الكبريت موتها فوق رأسها، لكني لا أبالي، فأنا التي ما عاد يهمها، إن كان حبك هو البلية أم العطية، يكفيني أني أحبك، فبربك عد إليّ، فبالصدر فؤادا يحترق شوقا لقربك، يا شيخ العاشقين."
أعاد قراءة الخاطرة عدة مرات، لكن عقله المشوش ما استوعب ما المقصود بكل هذا، وماذا تعني هذه الخاطرة التي كتبتها لصاحب الصفحة، بالضبط!!
تذكر في أثناء تيهه، رسالة سجود على الواتس، فدخل في عجالة وما أن فتح الرسالة، حتى انتفض عندما أتاه صوتها وتوالت اعترافاتها ما دفعه ليهتف بعبدالباسط الذي تنبه مذعورا، بأن يقف على أحد جوانب الطريق، لينزل من السيارة، ليعيد التسجيل من بدايته، يدور حول حاله في اضطراب، لا يصدق ما يسمع، حتى إذا ما انتهى، صعد السيارة أمرا عبدالباسط باتخاذ طريق العودة لنجع الصالح على وجه السرعة، وقد اخذ يتطلع من جديد، لخاطرتها، ليدرك أنها كانت على علم بأنه شيخ العاشقين، وكل تعليقاتها السابقة ما كانت إلا رسائل إليه، أدرك فحواها اللحظة، لتدمع عيناه فرحا.
كانت تقف تصنع لها كوبا من النسكافيه، هي تحمل أحد كتبها، تكرر بهمس بعض من النقاط الهامة التي عليها حفظها، دخل المطبخ ليجدها لا تعره اهتماما، هل ذاك توهما، أم أنها تتجاهله فعلا!!
همس مناديا، في تردد:
"حُسن!"
تنبهت أنه هنا، فاعتدلت متطلعة نحوه، فتنهد في راحة، هي لا تتجاهله إذن بل كانت مأخوذة بما تحفظ، ما زاده شجاعة، ليسألها في نبرة مترددة الأحرف:
"أنتِ بتكلمي ربى؟!"
هزت رأسها في تأكيد دون أن تنبس بحرف، ترتشف أولى رشفات مشروبها، تستمتع بتردده وحيرته، مستشعرة أنها أعطت ربى النصيحة السليمة تماما، ليتها أحضرت هاتفها من الغرفة معها، لكانت سجلت لها هذه اللحظة التاريخية، وهي تراه بكل هذا الارتباك.
هتف من جديد، متسائلا:
"هي بخير ! بدج عليها ما بترد!؟ هي بتكون .."
قاطعته حُسن متعجبة:
"أنت لسه بتسأل ي ترى لسه زعلانة ولا لأ!!.. يعني بقالها كام يومين لا حس ولا خبر، وهي اللي كانت بتملى البيت صياح وهزار، وتقولي لسه زعلانة!!"
ابتسم ابتسامة شجية:
"أي صدجتي، البيت ما إله طعمة بلاها، في چو كئيب مخيم على الدار في غيابها."
همست حُسن متخابثة:
"على الدار بس!"
لم يرد شعيل، ساد الصمت ليتحرك جالسا على تلك المائدة الدائرية، قاطعه هو هاتفا في عجالة، كأنه يعترف في نوبة شجاعة فاجأته:
"أنا خايف فعلا يا حُسن."
تنبهت، واقتربت تجلس قبالته، تضم كوبها بين كفيها، ولم تعقب، تاركة إياه الفرصة ليتم اعترافه، قبل أن يفقد الشجاعة المؤقتة التي واتته، مستطردا في اضطراب:
"أنا خايف، بس مش من التجربة، أنا خايف عليها، على ربى."
تنهد مستكملا:
"ربى تستحق حد أفضل، ما يكون حامل آثار تجربة مريرة بأعماقه، يمكن يكون لها تداعيات على علاقتي بها، انا رجل يكبرها بحوالى ١٢ سنة، لي خبرة مع النساء، كانت تجربة عمر بأكمله، خرجت منها محطم، كاره، كئيب، ومنعزل، غير راغب في الحياة، والتي اعيشها باهتة بلا لون، أما ربى فصغيرة، حلوة، نارية، مزاجية، طيوبة، بقلب من ذهب، وروح طفلة و..."
هتفت حُسن بأعين دامعة:
"وبتحبك."
تطلع شعيل نحو حُسن في صدمة، لا يعلم لما اعترته، على الرغم من كونه مستشعرا لذلك من زمن، لكن أن يأتيه الأمر اللحظة بشكل تقرير واقع لا ريب فيه، فذاك هو الصدمة نفسها.
رد ما أن جمع شتات نفسه، هامسا في اضطراب:
"بتحبني!! أنا .. المفروض.."
همست حُسن:
"ليه دايما عندكم مفروض ومش مفروض، الحب مش بيخضع لقوانين و افتراضات، هي بتحبك من سنين، ولا أنت داري من أساسه، قافل على قلبك، وعايش في الماضي وسايبها تتعذب وهي بتحاول ترضيك، عارف ساعة ما عرفت سبب زعلك، اشفقت عليك، ربى بتعاملك بقلب أم عندها استعداد تغفر وتسامح، وأنت قاعد هنا تقول صغيرة و كلام ملوش عندي إلا مدلول واحد بس، إنك لسه خايف أو بتتهرب من المسئولية تجاه مشاعرها."
هتف شعيل:
"انا فعلا حاسس بالمسئولية تجاه مشاعر ربى، لكن عمري ما اتهرب منها، ربى ربيبتي، حملها كتفي وكبرت على كفي، ولا يمكن اخذلها أبد."
همست حُسن وهي تنهض حاملة كتابها، هاتفة به في تأكيد:
"اتعشم يا شعيل، ربى ما تستاهلش منك إلا إنك توارب باب قلبك شوية، وأنا متأكدة إنها هتفتح الباب ده وهتلاقيها فجأة قاعدة ومربعة جوه، وبتقولك شعيل، بدي بوظة."
قهقه شعيل وحُسن تقلد ربى، لتشاركه الضحكات، وما أن همت بالتوجه لغرفتها، حتى هتف شعيل يستوقفها:
"حُسن!! أنا ممتن لك كتير."
ابتسمت ليستطرد هامسا في تخابث:
"نردهالك فالافراح!! مش بتقلوها كده يا ناس مصر!"
وغمز بعينه عند ذكر ناس مصر، وكأنه يرمي لأمر ما، جعلها تتورد خجلا، مندفعة نحو غرفتها، مغلقة بابها خلفها، وبصدرها يتردد صدي خفقات قلبها المدوية.
أما شعيل فدخل غرفته، والابتسامة تعلو شفتيه في راحة عجيبة، مد كفه متناولا جواله، وأرسل اغنية لطيفة لربى، التي ترددت اتفتحها أم لا.. ارسلت لحُسن تستشيرها، لتقهقه حُسن في سعادة، وهي تكتب لها:
"افتحيها، واسمعي وقوليلي بعت اغنية إيه، ومترديش إلا لما يكلمك يعتذر لك."
أكدت ربى على تنفيذ نصائحها، وقد ارسلت لها اسم الاغنية التي ارسلها، ما جعلها تتطلع نحو الباب، وصدى الأغنية نفسها يتردد حتى غرفتها، لتتنهد في سعادة، وهي تتساءل بدورها كما المغني:
"يا طيب الجلب وينك، حرام تهجر ضنينك..مشتاج لك يا حياتي، عسى يردك حنينك..يا شوج عيني.. لعينك .."
وصل لداخل السراي، يقفز من السيارة حتى قبل أن تتوقف، ليتطلع إليه عبد الباسط متعجبا، فما كانت تلك الطبيعة المتهورة من سمات عاصم أبدا.
اندفع يعتلي الدرج، وما أن وصل لتلك الردهة التي تصل لحجرة الفتيات، حتى وجد نوارة وسجود في انتظاره، مشيرات إليه ليدخل لحجرتهن المشرعة الباب، والتي خرجت منها أمها لتوها، متطلعة نحوه في ابتسامة هادئة، تاركة إياه يطرق الباب المشرع، هامسا من خلفه، في نبرة ثابتة نسبيا، وقلب وجل ينتفض بين جنبات صدره:
"ممكن أدخل؟!"
انتفضت عندما اتاها صوته، تدور حول نفسها في اضطراب، وأخيرا جذبت غطاء رأسها تضعه بأكف مرتجفة، وهي تهمس بصوت مرتعش الأحرف:
"اتفضل."
دفع الباب بقدر ما يدخله، وتركه منفرجا، متطلعا نحو أختيه وأمها، ليفهمن مقصده، منسحبات من أمام باب الحجرة التي كن يعسكرن أمامها منذ دقائق.
كانت توليه ظهرها، تفرك كفيها في اضطراب مجنون، نبضات خافقها المرتلة لإسمه، تصم آذانها كطبول حرب بدائية، شاعرة باقتراب خطواته من موضعها، لترتجف كل خلية من خلاياها، وصوته الشجي النبرة، الذي طالما أسرها كليا، يهمس باسمها، بشكل يتناهى لمسامعها للمرة الأولى:
"زهرة."
ما كان لها الشجاعة لتستدير لمواجهته، لكنه أمرها في رفق:
"لفي كده وبصيلي."
لا تعرف كيف اطاعت، لتستدير في هوادة، منكسة الرأس، لا قبل لها، لتتطلع لمحياه الذي تعشق.
أخرج هاتفه، وبدأ في تشغيل اعترافاتها، هاتفا في نبرة متحشرجة:
"الكلام ده صحيح!!"
شهقت باكية، وهزت رأسها في ايجاب، أغلق صوتها على التسجيل، ملقيا الهاتف جانبا، أمرا إياها:
"ارفعي راسك لفوج وبصيلي يا زهرة."
هزت رأسها رافضة، ودمعها ينساب على خديها في غزارة، لكنه هتف بلهجة أمرة صارمة، يحاول السيطرة على ارتفاع نبرة صوته:
"بصيلي."
اطاعت في هوادة، ترفع ناظريها إليه في تردد، وما أن تلاقت نظراتهما، مبصرا ذاك العشق الجلي بأعماق روحها، النافذة اللحظة من بين خصاص نظراتها الخجلى نحوه، حتى ألتقط نفسا عميقا لصدره، كأنما عادت له الروح بعد غياب، وهمس دامع العينين:
"لو اللي جولتيه لإخواني ده صحيح، وده اللي فدماغك، واللي خلاكِ تبعديني عنك وأنا اللي كنت هموت رضا منك، أحب أجول، لو أخر حاچة فحياتي ممكن أعملها إنك تكوني ليا، فأنا راضي، ومش راضي وبس، ده أني هكون محظوظ كمان، لأنك هتكوني حلالي، هموت..."
صرخت واضعة بلا وعي باطن كفها على فمه حتى لا يكمل، فما عادت تحتمل كلمة الموت شاخصة بينهما، ليغلق ناظريه، للمستها لشفتيه بهذه الرقة، رفعت كفها تبعده في حياء لفعلتها، ليتركها مهرولا للخارج، لتستوقفه متسائلة:
"عاصم، رايح فين!!"
هتف مؤكدا، غير قادر على الاستدارة إليها:
"رايح أطلبك من عمي تاني."
هتفت تلحق به مؤكدة:
"لا، مش موافق."
استدار لها هاتفا بعزم:
"يبجى هطلبك تالت ورابع وعاشر ولو حكمت، هتچوزك غصب."
واقترب متطلعا لعينيها هامسا في عشق:
"لأن معنديش استعداد أبعد عنك تاني، مبجاش في جلبي مكان لوچع تاني، فرحي روحي بجربك يا زهرة."
هزت رأسها في إيجاب، ودمع عينيها يسيل مؤكدا على قدر ذاك الهوى الذي تحمله بين طيات فؤادها، ليندفع خارج الحجرة، مطالبا بقربها من جديد.
ضغط زر تشغيل الأغاني، وجلس خلف مقود السيارة في سلطنة بالغة، متجها نحو نجع الحناوي، وقد أفضى بكل ما في جعبته لأمه، والتي وافقته على الاقتران بها، شريطة أن تراها وترى أمها، ووعدها بترتيب ذلك في أقرب فرصة، لكن بعد أن يفاتحها في رغبته أولا.
كان يطير على جناح السعادة، يدفعه شوقه لمحياها الخشن، وادعائها الصلابة التي يدرك بشكل عجيب، أنها صلابة هشة، تخفي خلفها قلب عامر بالمحبة والحنان الدافق، الذي يشتاق التمتع به حد اللامعقول.
هو نفسه لا يعلم من أين اتته هذه الثقة، في ذاك الشعور الواثق، لكنه على يقين منه، ابتسم عندما لاحت أمام ناظريه اللحظة، بعض ذكرياتهما ومشاكساته لها، لكم اشتاق محياها،. الاستئثار بصحبتها مستمتعا بمحاولتها الحثيثة للعب دور الرجال، في جلبابها الفضفاض، الذي يدرك أنه يخفي الكثير من أنعم الله، وكذا عمامتها التي لا تخلعها والتي تخفي تحتها ذاك الغجري الذي اسر قلبه من نظرة ما تكررت.
تنبه فجأة لذاك التجمهر بالطريق المؤدي للنجع، يبدو أنه حادث ما قد وقع هنا، ويبدو أن الأمر جلل، فالشرطة كلها هنا، ما دفعه ليتخذ طريقا فرعيا، بعيد عن ذاك الزحام، حتى يصل لدار جده الحناوي، ولو في فترة أطول قليلا من المعتاد.
قطع المسافة المتبقية على الدار في بطء وحذر، لضيق ذاك الطريق الفرعي، لكنه وصل بفضل الله لوجهته، وما أن ترجل من السيارة مغلقا بابها، يدفعه الشوق دفعا ليهرول للداخل، إلا واستوقفه وصول سيارة الشرطة لتقف في محازاة سيارته، هاتفه به تستوقفه، يسأله الضابط الذي ترجل منها بدوره:
"أنت يونس حامد الحناوي!!"
أكد في ايماءة من رأسه، مؤكدا وهو يهتف:
"ايوه يا بيه، خير!!"
هتف الضابط، بنبرة حازمة:
"مطلوب القبض على المدعو سماحة جابر القناوي، اللي شغال عندك خفير، بتهمة قتل مرعي نجم."
تطلع يونس إليه في صدمة، فاغر فاه، والضابط يأمر عساكره، بإحضار المدعو سماحة، على وجه السرعة.
رواية زاد العمر وزواده الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم رضوى جاويش
هبط الدرج في هدوء، وكان الجميع يتطلعون له متعجبين من وجوده بينهم، فقد رحل منذ فترة وجيزة على أساس أنه سيبقى مع أحد أصدقائه، ما الذي حدث ليدفعه للعودة من جديد، هابطًا الدرج على هذه الهيئة المنشرحة، هاتِفًا بعمه بثبات:
"أنا بتجدّم لك تاني وأطلب إيد زهرة يا عمي."
جَلَتْ إيه!؟
كان عاصم الجد، يتطلع للمشهد من ركن قصي، يبتسم بسعادة، لطلب عاصم، الذي كان يعلم أنه لن يتوقف حتى ينال مبتغاه، ويغرس جذور زهرته بأرض عمره القادم.
هتف أبوه مهران بحنق:
"خلاص ما بجيناه الموال ده يا عاصم، هي..."
قاطعه عاصم مؤكدًا:
"هي موافقة."
هتف ماجد متعجبًا:
"موافقة إزاي!! مش..."
استوقفته إيمان، بضغطة خفيفة على عضده، جعلته ينظر إليها مستفهماً، لتشير إليه بطرف خفي، أن نعم، زهرة ابنتك موافقة على الارتباط به، ما جعله يتطلع لعاصم بمحبة:
"وأنا كمان موافق يا عاصم، هلاقيلها أحسن منك فين!؟"
اتسعت ابتسامة تسنيم، وهي تشاهد اتساع ابتسامة ولدها وسعادته التي تقفز جلية من عينيه، ما جعلها تصدح بزغرودة مرتفعة، ليهتف مهران وقد اتسعت ابتسامته بدوره، لا يعلم ما يحدث بالضبط، لكن سعادة عاصم التي غمرت الأجواء حوله، وصبغت الجميع ببعض من آثارها، جعلت أبيه يفتح ذراعيه متلقفاً إياه بفرحة، هاتِفًا بسرور:
"ألف مبروك يا حبيبي، ربنا يتمم لك على خير."
جذبه ماجد بين ذراعيه، مهنئًا بدوره، بينما ارتفع صوت الزغاريد صادحًا من إيمان وتسنيم، اندفعت الفتيات سجود ونوارة على أعتاب الدرج العلوي، متطلعتين لما يحدث بفرحة غامرة، أما تلك العروس المعنية، فقد كانت في عالم آخر، لا تصدق أن حلم العمر، يتحقق أمام ناظريها كما تمنت، بل أروع مما تمنت وحلمت يومًا.
انسل عاصم من بين ذراعي عمه، متجهاً نحو جده، الذي كان يراقب المشهد باستمتاع، وما أن وصل لموضعه، حتى انحنى يقبل هامته بمحبة صافية، ما دفع عاصم الجد، ليجذبه بمودة، مطوقاً إياه بين ذراعيه، هامساً له بحبور:
"حمد الله بسلامة جلبك من توهته ووچعه يا حبيبي، من هنا ورايح مفيش إلا الفرح، ألف مبروك يا عاصم."
همس عاصم دامع العينين:
"الله يبارك فيك وفعمرك يا چدي."
تلقفته زهرة الجدة بين ذراعيها بسعادة تباركه بدورها، لتهتف بهم جميعًا متسائلة:
"هنجوز العرسان فين بقى!؟"
هتف عاصم الجد مؤكدًا:
"هنا مكانهم، هيكون فين يعني!؟ فالاوضة الكبيرة اللي فوج."
وتطلع لزهرة بمحبة، فبادلته ابتسامة متفهمة، فهذه هي نفسها، الغرفة التي جمعتهما لأول مرة منذ زمن بعيد، حين دخل عليها رغبة في أن يشفي غليل انتقامه، لتداوي هي قروح روحه التي خلفها الحقد، ببلسم العشق.
تطلع الجميع لعاصم الكبير بتعجب، ليهتف ماجد مشاكساً:
"الاوضة دي مقفولة ومحدش بيعتبها يا حاج عاصم، ده أنت حرمتها علينا كلنا لما نزلت قعدت فالاوضة اللي تحت!! إيه هو الموضوع فيه خيار وفقوس ولا إيه!!."
أكد عاصم الكبير مؤكداً بابتسامة:
"أيوه فيه!! لك شوج فحاچة!؟."
أكد ماجد مازحاً:
"لا يا حاج، سلامتك."
ليهقهق الجميع، ليربت عاصم على كتف جده بامتنان، والذي تطلع لحفيده بإكبار هاتِفًا:
"شد حيلك وظبط الاوضة لحد ما العروسة تخلص امتحانات ونفرحوا بيكم."
لتعلو الزغاريد من جديد، معلنة أخيراً على اقتراب اجتماع قلبين، ربطهما العشق برباطه منذ زمن بعيد.
***
هتف بتساؤله بأريحية وبفرنسية أنيقة، وهو يقف بثقة على منصة الدرس، متطلعاً لتلاميذه بثبات:
"انتوا إيه رأيكم في اللي عمله سيرانو بطل روايتنا!؟ هل كان صمته عن الاعتراف بمحبته، خطأ أم صواب!؟"
تطلع نحو طلابه، يرجو الإجابة، لم ينطق أحدهم بحرف، وقعت عيناه عليها، ليجد أنها الوحيدة التي هتفت بتعجل، وبفرنسية جيدة:
"خطأ."
كانت ما تزال متأثرة، بما حدث مع زهرة وعاصم، لذا أدركت أن كتمان مشاعر الرجل عن امرأة يحبها، حتى لو كان عنده بعض الشك على تقبلها لهذه المشاعر، خطأ فادح في حق نفسه وحقها.
ابتسم يوسف ببساطة، متسائلاً:
"لماذا!؟."
أجابت بهدوء، رغم اضطرابها الداخلي، واستشعارها أنها ورطت نفسها:
"لأنه ظلم نفسه وظلمها، تخيل أن مجرد دمامة وجهه قد يجعلها تعافه، لا يعرف أن طبيعة المرأة مختلفة وتفكيرها يختلف في الأمور العاطفية عن الرجل، لو كانت أدركت كل هذا الحب العظيم من جانبه، لرأته أروع الرجال، وما تنبهت لأي نقص في مظهره الخارجي، وظلمها لأنه لم يعلمها بحبه ويعطيها حق الاختيار."
ابتسم يوسف لإجابتها، هتف متطلعاً لتلاميذه، أمراً إياهم:
"السؤال ده هتكون إجابته، البحث المطلوب منكم الترم ده، كل واحد يجاوب باللي شايفه من وجهة نظره صح، شكراً.. تقدروا تتفضلوا."
وأشار لباب المدرج الدراسي، وعاد ليجمع حاجياته، والتفت نحو موضعها فتنبه أنها في سبيلها للمغادرة مع إحدى صديقاتها، فهتف يستوقفها، منادياً:
"آنسة سجود!."
تنبهت بدورها، واستأذنت من رفيقتها، لتعود لموضعه، متسائلة بحرج:
"خير يا دكتور يوسف!؟."
ابتسم بهدوء كعادته، معدلاً من منظاره الطبي أمام عينيه الزيتونية:
"أكيد خير، أخبارك وأخبار العيلة الكريمة!."
هزت رأسها مؤكدة:
"كله تمام."
تطلعت حولها باضطراب، ما جعله يسألها متعجباً:
"فيه حاجة!؟."
أكدت بهدوء:
"لا أبداً، أصل وقفتنا كده الصراحة، يعني.."
هتف يوسف قاطعاً:
"مالها وقفتنا، هو أنا مش الدكتور بتاعك!!."
أكدت سجود بثبات، رغم أنها تنصهر خجلاً من الداخل:
"آه طبعاً، بس وقفتنا مع بعض، وخاصة إن دي مش المرة الأولى، اللي تناديني فيها، مخلي الزملاء يعني..."
هتف متسائلاً:
"هم مش عارفين إننا قرايب ولا إيه!!."
أكدت باسمة بحرج:
"ده كده الموضوع هيبجى أصعب يا دكتور!! أكيد لا.. أنا مجلتش لحد أننا جرايب، لأنهم فاكرين أننا.."
وتوقفت عندما استشعرت أنها تمادت في كلامها، فقررت الرحيل فوراً، لكنه استوقفها متسائلاً بفضول:
"إننا إيه!!."
أكدت باضطراب:
"إن حضرتك شاب ومش متجوز، ودكتور المادة، وكمان تكون جريبي، كده أنا بأكد لهم إن فيه بينا مشروع ارتباط، وده..."
هتف مبتسماً:
"ده حاجة جميلة، أصل الصراحة مش ناوي أكرر غلطة سيرانو."
تسمرت نظراتها على محياه، ما جعل ابتسامته تتسع بسعادة، لكن سجود لم يسعها إلا الاندفاع مبتعدة، لا تقدر على النظر خلفها لذاك الذي توقف يتطلع إليها، وعلى شفتيه ابتسامة رضا.
***
طرقات أحذية قادمة بطول الردهة ما جعل حازم يتنبه بصحبة وحيد، ليجد أن اللواء الفنجري، ومعاونيه بصحبته، قادمين نحو غرفة العناية الفائقة التي انتقل لها منتصر بعد عملية طويلة استغرقت عدة ساعات.
هتف اللواء الفنجري باهتمام:
"ها، إيه الأخبار! والولد عامل إيه دلوقت!!."
أكد حازم بنبرة مرهقة:
"والله يا فندم الحالة مش مطمئنة، الدكتور اللي أشرف على العملية أكد أن موضع الرصاصات كان حرج، ونزف كتير، وربنا يسلم."
تنهد اللواء الفنجري، وهو يتطلع عبر النافذة الزجاجية، نحو جسد منتصر المسجى، مؤكداً بنبرة تحمل كم كبير من الفخر:
"الضابط ده قدم لنا خدمة عظيمة، وعمل اللي مقدرش حد يعمله، ربنا ينجيه."
همس حازم:
"أمين يا رب، بس هو إيه اللي حصل بالظبط، عشان يبقى حالته كده!!."
هتف اللواء الفنجري:
"والله إجابة السؤال ده عند منتصر نفسه، انت عارف إحنا بتبقى مخططين لحاجة، والوضع على الأرض ممكن يضطرك لحاجة تانية خالص، وواضح أن ده اللي حصل، بس إيه بالظبط، محدش عارف، إلا إن في انفجار كبير حصل، وفجأة لقينا منتصر بإصابته، وسعفان ميت جنبه!!."
واستطرد اللواء الفنجري هاتِفًا:
"شكلك تعبان قوي يا حازم، لازم تستريح، إحنا عايزينك بصحتك."
أكد وحيد بأدب:
"بعد إذن سعادتك، حضرتك روح استريح، وأنا قاعد هنا مش هتحرك، والدكتور قال منقدرش نحكم قبل مرور 48 ساعة، وبإذن الله خير."
ربت اللواء الفنجري على كتف حازم مطمئناً:
"يالا، تعالى معايا، نقابل الدكتور، نشوف الوضع النهائي إيه، وننزل سوا، أنت روح وأنا راجع المديرية تاني، الدنيا مقلوبة بعد العملية."
هز حازم رأسه، عاملاً بنصيحة اللواء الفنجري، عائداً لبيته، لتستقبله تسبيح بلهفة، هاتفة به متسائلة بعجالة:
"أخباره إيه! طمنيني يا حازم متسبنيش كده."
كان صامتاً تماماً لا ينبس بحرف، وهو في اتجاه حجرة بدور، فتح بابها بهدوء، مقترباً من فراشها، كانت ما تزال على حالها، تغط في سبات عميق، بسبب تلك الأدوية التي كتبها لها الطبيب.
جلس على طرف الفراش، ممسداً على جبينها وجانب وجهها، وقد دمعت عيناه رأفة واشفاقاً على حال ابنته، وحال ذاك الذي يقف ما بين حد الحياة والموت، لا يعلم مخلوق ما قد يكون مصيره.
ربت على كتفها، ونهض مغادراً الغرفة باتجاه غرفته، وتسبيح ما تزال تسأله متلهفة تكاد تموت قلقاً:
"ما ترد يا حازم، منتصر أخباره إيه!! مش كفاية مكنتش بترد على مكالماتي."
هتف حازم متنهداً:
"مش لما أكون عارف حاجة أبقى أقولك، الولد حالته حرجة يا تسبيح، الوضع ميطمنش، ادعي له."
دمعت عينا تسبيح متضرعة:
"يا رب يا حازم، يا رب."
***
هم العساكر بالاندفاع لداخل الدار، إلا أن يونس اندفع يقف قبالة باب الدار، هاتِفًا بالضابط بنبرة حازمة:
"يا بيه ميصحش كده، البيت فيه حريم، ثواني أخش أديهم خبر، وأدخلوا زي ما تحبوا، وخلي العساكر يحاوطوا الدار لو حضرتك شاكك إن ممكن حد يهرب كده ولا كده."
تنهد الضابط بنفاذ صبر، هاتِفًا بحنق:
"إحنا مش فاضيين للكلام الفاضي ده، ادخل يا بني هاتي لنا اللي اسمه سماحة ده وتعالى."
اندفع العسكري وخلفه بعض من زملائه عنوة لداخل الدار، ليخرج الأمر من يده، يتطلع بترقب نحو الداخل، وصرخات أخوه سماحة تثير حفيظته، متوقعاً ما بين وأخرى جذبهم لسماحة، ليلقى بها لتهمة لا يصدق أن في إمكانها ارتكابها، حتى ولو كانت على وشك ذلك منذ أمد بعيد، لكنها وعدته بألا تفعل، ولا يعتقد أبداً أنها قد تخلف وعدها.
اندفع العسكري للخارج خالى الوفاض، وخلفه زملائه، هاتِفًا لضابطه بتأكيد:
"محدش جوه يا فندم، الحريم وبس."
تنهد يونس، متنفساً الصعداء، فما كان قادراً على احتمال رؤيتها تساق بين العساكر، وتلقى بسجن الرجال، بين المجرمين وقطاعي الطرق، هتف به الضابط محذراً:
"لو متسترش على الغفير بتاعك هاتبقى حطيت نفسك في وش المدفع، سلمه أحسن للكل."
هتف يونس متعجباً:
"يا بيه إني لسه واصل من مشوار كنت غايب لي فيه ياجي أسبوع، وحضرتك لما وصلت، كنت واعيلي بنفسك وأنا لسه واصل، هعرف منين إيه اللي عمله الغفير الفجري ده!! وبعدين هستر عليه ليه يا باشا، كان من بقية أهلي!! ما يغور بعيد عنا طالما هييجي من وراه وجع الراس."
تنهد الضابط بقلة حيلة، عندما أدرك صواب منطق يونس، ما دفعه ليهرول نحو سيارته الميري مغادراً.
ظل يونس يتطلع نحو العربة حتى رحلت، ليستدير واقفاً على أعتاب الدار بأدب، هاتِفًا بهدوء:
"انتوا بخير يا خالة سعيدة!؟."
اندفعت سعيدة من الداخل، تهرول نحوه، هاتفة بترحا:
"يا مرحب يا يونس بيه، رجعت ميتا!!."
هتف وعيونه تحاول أن تصل لمحياها بالداخل، لكنه كف عن ذلك احتراماً لحرمة الدار، هاتِفًا بهدوء:
"توه واصل، هو إيه اللي جرى!!."
همت سعيدة بالإفصاح عما حدث، مؤكدة على براءة سماحة مما اتهموه به، لكن صوت حازم من الداخل، أخرسها أمراً:
"خلاص ياما، البيه لازم يعرف كل حاجة."
شهقت سعيدة ما أن خرجت سماحة، على هيئتها الأنثوية، التي كانت تظل بها طالما هي بين جدران الدار، وهذا هو سبب دخول العساكر وخروجهم دون سماحة، الذي لم يكن هنا من الأساس، بل كانت هنا نسخته الأنثوية بديلاً عنه.
ساد الصمت، وهي تقترب من موضع أمها ويونس، الذي لم يحرك ساكناً، يتطلع نحوها بصدمة، لا لعدم معرفته بحقيقتها، بل لأنها تبدلت كلياً، المرة الوحيدة التي رآها فيها وهي تتمايل أمام مرآة غرفة نومه، تحتضن جلبابه بمحبة، لم تكن بهذا البهاء الذي طلع عليه اللحظة، سمراء سمرتها تسكر العابد، وعيونها نظراتها ألف مهر جامح، لم تعرف يوماً الترويض، تقترب منه بخطوات ثابتة، لتزداد نبضات خافقه عن طبيعتها، رغم ادعائه الثبات، حتى أصبحت قبالته، لتنسحب أمها بهدوء مبتعدة، تبعتها سماحة بناظريها حتى غابت، لتعود متطلعة إليه من جديد، هامسة بهدوء:
"حضرتك عايز تعرف إيه اللي حصل!! اتفضل وأني أحكيلك كل حاجة، بس قبل أي كلام، أكيد حضرتك بتجول هي مين دي من الأساس!!.. أنا.."
قاطعها يونس، متطلعاً نحوها بمحبة:
"سماحة!."
تطلعت إليه بنظرات كستها الصدمة، ليؤكد:
"أيوه، كنت عارف، مش هكدب عليك وأقول من أول يوم، ما أنت كنتِ حابكة الدور تمام، بس بعدها بشوية، عرفت إنك.."
لم يستطرد وصفها بالرجل، فذاك الحسن الرباني الذي يربكه قبالة ناظريه، من الصعب نعته بصفة الرجولة مطلقاً، لكنه استطرد هاتِفًا:
"لكن اللي عايز أعرفه، ليه!؟ وسماحة ده فعلاً اسمك!؟."
هزت رأسها، وأشارت لإحدى الغرف، ليدخل إليها جالساً لأحد مقاعدها، لتجلس قبالته، هاتفة بلهجة تقريرية:
"ليه!! دي حكاية طويلة جوي يا بيه، لكن سماحة ده مش اسمي، أنا سماح جابر الجناوي."
ابتسم يونس مؤكداً:
"سماح من سماحة مفرقتش كتير!!."
هتفت بلهجة موجوعة، مؤكدة:
"لأ يا بيه، الفرج كبير جوي، الفرج ده هو اللي خلاني عملت اللي عملته، وبقيت مكانه."
هتف يونس متسائلاً:
"مكان مين!؟."
أكدت سماح:
"مكان أخويا."
تذكر يونس بطاقة الرقم القومي التي كانت تحمل اسمه، وفيه بعض الشبه منها، كأنها كانت تقلده رجلاً، منسلخة من كينونتها كأنثى، دافعة بنفسها لمعترك الرجال، متخذة مكان أخيها، للذود عن أمها وأخواتها الصغيرات.
هتف يونس متسائلاً من جديد:
"وهو فين دلوقتي!؟."
تنهدت مؤكدة:
"عند ربه، الله يرحمه."
تطلع يونس نحوها بريبة، متسائلاً بنبرة قلقة:
"انقتل مش كده!!."
همست نافية:
"لأ، مات من الجهر يا بيه."
تساءل يونس:
"يعني مش ولاد نجم اللي قتلوه، وأنتِ جيتي النجعة هنا تاخدي بتاره!! كيف ما وعيت لك يوميها وأنتِ بتتسحبي وواخدة السلاح، وطالعة بيه بره الدار في عز العتمة!!."
أكدت سماح:
"لأ هم يا بيه، بس مش كل الجتل بيكون بالسلاح، ضحكوا عليه، وشاركوه بكل مالنا فعربيات نقل، وبعدها جاله العربيات عملت حادثة وخلاص معدش فيه شراكة، ومليش حاجة عندينا، أخويا ده كان هو اللي باقي لنا بعد أبويا الله يرحمه، بس كان صاحب مرض، مكنش ينفع ينزل الأرض يشتغل فيها، وميجدرش على متابعتها، لاف عليه واحد من ولاد نجم، وعمل له البحر طحينة، وجاله بيع الأرض وشاركنا بمالها فعربيات النقل، مكسبها مضمون، وترجع لك الفلوس في ظرف مافيش وفوجيها المكسب، وتجعد مرتاح تصرف على أمك وأخواتك البنات، أنا كنت يوميها في ثانوية عامة، وكان كل همي أدخل كلية عدلة، عشان أعرف أشتغل بها، وأشيل شوية من الحمل اللي على كتاف أخويا، لكن مفيش شهر والتاني، بعد ما دخلت كلية تجارة بشوية، حصل اللي حصل، وغدروا بأخويا اللي جلبه مستحملش، وراح فيها."
همس يونس:
"لا حول ولا قوة إلا بالله."
استطردت سماح وهي تزدرد ريقها بتأثر، لاحظه يونس على غير عادتها الصلبة:
"راحت كل حاجة، أخويا، راجلنا الوحيد، والفلوس والأرض، حتى الدار اللي كانت لمَّانا."
هتف يونس متعجباً:
"مالها دي كمان!!."
أكدت سماحة باسمة بوجيعة:
"ولاد نجم جابوا اللي يثبت إن أخويا باعها لهم، وكان معاهم أوراق بيقولوا بها كده، لكن أنا متأكدة إن سماحة ميعملهاش، إلا الدار اللي كانت لمة لحمه، وورثنا من ريحة أبويا، اللي بنى الدار دي بيده، لكن مين يثبت بقى، انطردنا من الدار، وبقينا على فيض الكريم، وبعد ما كنا معززين مكرمين وأصحاب دار وملك، بقينا كيف كلاب السكك، مش لاجيين العيش الحاف."
تنهد يونس يزفر بقهر، يكاد يندفع حتى دار أولاد نجم أخذاً بثأرها، وليكن ما يكون.
ساد الصمت للحظة، وأمها تدخل حاملة صينية بها كوبين من الشاي، وكوب من الماء، وضعتها ورحلت، ليمد كفه بمودة، حاملاً كوب الماء لها، هامساً بتفهم:
"اشربي لك شوية ميه، واعي إن الحكاوي كلها وجيعة."
تناولت منه كوب الماء باضطراب، وقد كادت أن تسقط بعض منه، ارتشفت بعضه، ثم وضعت الكوب قبالتها على الطاولة، ليمد كفه بهدوء، متناولاً الكوب، يشرب بعدها مرتويًا، لتغض الطرف، عن هذه الرسالة التي يرسلها لها، ليهمس هو:
"طب عملتوا إيه، وعشتوا كيف!! وكيف جيتوا على هنا من أساسه، وكيف معرفوش انتوا مين أساسه، واسمك هو اسم أخوكِ!!."
أكدت سماح:
"يا بيه عدوتنا مش مع ولاد نجم كلهم، مع مرتضى نجم بس، هو اللي نصب على خويا وراح بسببه، ومحدش يعرف أخويا من ولاد نجم غيره، وأنا لما عرفت هو فين، جيت بأخواتي وربنا عثرنا فدار الحناوي، عشان تلمنا، وجعدت ألف وأدور لجل ما أعرف هو فين، بس كان مسافر، غار بره مصر، ولما وعيت لي يوم ما كنت واخدة السلاح وخارجة، كان يومها رجع بس بعدها غار تاني، وأنا كنت وعدتك يا بيه، إني معملش حاجة تضيع أمي وأخواتي، ولا تسئ لك كمان، وأني نفذت."
هتف متسائلاً رغم علمه بالإجابة:
"يعني أنتِ ملكيش يد في قتل مرعي نجم!؟."
نفت مؤكدة:
"لأ يا بيه، مليش صالح، بس هو يعني.."
هتف يونس يتعجلها:
"يعني إيه!!."
همست منكسة الرأس:
"أصلك واحد من العمال جاني من كام يوم، وجالي إن العمال مكبرين دماغهم عن الشغل عشان حضرتك كنت غايب، فروحت الأرض، وهناك اتعاركت مع اللي اسميه مرعي ده، عشان كان قاطع المية عن الأرض."
نهض يونس حانقاً بعد أن أمسك نفسه حتى انتهت من اعترافها كاملاً، صارخاً بثورة:
"تتحرج الأرض على صاحبها، أنتِ.."
قاطعته بعجالة هاتفة:
"بعيد الشر.."
وكأن كلمتها التي أطلقتها بعفوية شديدة، استشعرت الحرج بعدها، مطرقة الرأس بحياء، كانت هي الماء البارد الذي أطفأ نيران غضبه، التي أشعلها عدم طاعتها له، ونزولها الأرض على غير رغبته.
ما جعله يتنهد، جالساً من جديد، هامساً بنبرة ساخرة:
"يعني يا بت الناس حلو كده اللي بيحصل ده!؟ طب أجيب أمي تخطبك فين دلوقتي!؟ فالأوضة وهي جيبالك عيش وحلاوة!!."
فغرت فاها واتسعت عيونها عن آخرها، تتطلع إليه كالبلهاء لا تصدق ما تفوه به لتوه، ليهتف مازحاً:
"أهو بالخلجة اللي واعيالها دلوقتي دي، احتمال أصرف نظر من أساسه!!."
تنبهت هامسة بصوت متحشرج، متردد الأحرف:
"بتجول تخطبني!! تخطب مين جنابك!؟."
تطلع يونس حوله مازحاً، وهتف مؤكداً:
"هو فيه هنا غيرك،!! أيوه يا ستي تخطبك أنتِ، موافقة ولا هتغلبينا، أنا لسه شارب من كبايتك، يعني هفضل أجري وراكِ لحد ما أقطع نفسك، وهتوافجي برضك."
دمعت عيناها وهي تتطلع نحوه، لا تصدق أن أروع أحلامها يمكن أن يتحقق هكذا في طرفة عين، لكنها همست بتيه:
"طب والمصيبة اللي تهمني فيها دي يا بيه !!."
هتف مازحاً:
"لما يبجوا يلاجوا سماحة اللي بيقولوا إنه قتل ده، يبجوا يسلموا لي عليه!؟ وأنتِ لا تروحي ولا تيجي لحد ما نشوفوا موضوع ولد نجم ده هيرسى على إيه!!."
هزت رأسها موافقة، ليهمس مشاكسًا:
"هو أنتِ كان لازم تعمليلي فيها سبع البرمبة!! كان زمانا بنبلوا الشربات ونرفعوا الرايات."
اضطربت سماحة، لا تعرف لنظرات عينيها موضعاً، وهو يحاصرها بنظراته المشاكسة، ما دفعها لتندفع هاربة من أمام سطوة نظراته، باتجاه غرفتها، ليرول بدوره لخارج الدار ومنه للطابق العلوي، يصلها بالأسفل شذوه في سلطنة، وهو الذي كان قد قاطع الغناء لفترة طويلة، ها هو يصدح بما يعتمل بقلبه، مرسلاً لها رسائل من عشق على أجنحة الكلمات العذبة، التي يترنم بها اللحظة:
"وأدي اللي مش عاملينله حساب..
العشق سكرنا..
وإحنا اللي قولنا الحب عذاب..
وبيبانه سكرنا..
بنت اللذينا..
جدرت علينا..
سكنت فأفكارنا.."
***
رنات متتابعة على هاتفها، ويبدو أنها ليست المرة الأولى التي تصدح فيها، ما دفعها لتركض نحو غرفتها، حين تناهى لمسامعها الرنين، لترد بلهفة:
"ألوو.."
تسلل تنهد من الطرف الآخر، وهمس بنبرة مشتاقة:
"أخيراً رديتي، كنت فاكر إني هدخل أوضة العمليات قبل ما أسمع صوتك."
هتفت آية بصدمة:
"هو خلاص!! أنت داخل العمليات دلوقتي!!."
أكد مروان هامساً:
"آه، ده أنا مأخرهم لحد ما أسمع صوتك، عايزة يكون آخر حاجة أسمعها قبل ما أدخل العملية."
بكت ولم تعقب، ما دفعه ليستطرد بعشق:
"آية!! أنا داخل العملية وعارف إن ربنا مش هايخذلني، بس لو بفرض وده كان اللي ربنا كاتبه، ومخرجتش من..."
هتفت آية بنبرة مذعورة:
"لا يا مروان عشان خاطري متقولش كده!! هتطلع وتبقى زي الفل."
أكد هامساً:
"بإذن الله، خلي بالك من نفسك، وعايزك تعرفي حاجة مهمة قوي."
همست تسأل من بين دمعاتها:
"خير!!."
همس بشوق طاغٍ:
"إني عمري ما حبيت حد زي ما حبيتك يا آية."
شهقت باكية، وهمست تسأله:
"حتى بعد اللي عرفته عني!! أكيد والدتك حكت لك عن.."
قاطعها مؤكداً:
"ولا يفرق معايا، أنا لما حبيتك، حبيت فيك قلبك وروحك، وأنتِ عمرك ما بصيتي لعجزي وحال رجلي، بل بالعكس، معاكِ رغم نقصي، كنت دايماً بحس إني راجل كامل في نظرك، وكان ده يكفيني."
همست بشوق:
"أنت راجل وسيد الرجالة كمان، اوعدني إنك ترجع لي يا مروان."
همس متنهداً:
"بأمر الله، ادعيلي، واوعديني أن مهما حصل تفرحي، عايزك دايماً فرحانة يا آية."
همت بالحديث، لكنها استمعت لبعض الحديث بلغة أخرى يبدو أنهم يعجلونه، مما زاد من انقباض قلبها، وهو يستأذنها مؤكداً على صدق توقعها:
"بيستعجلوني، لازم أروح دلوقتي، أقولك مع السلامة."
سال دمعها مدراراً، وهي تهتف بوجع:
"مع ألف سلامة، في حفظ الله."
هم بغلق الهاتف، لكنها صرخت باسمه تستوقفه:
"مروان!."
استشعرت من ارتفاع صوت أنفاسه على الجانب الآخر، أنه ما زال يسمعها، لتهمس بعشق:
"بحبك."
ارتفع صوت تنهده، مغلقاً الهاتف وقد كان له ما أراد، أن يكون صوتها، وهذه الكلمة التي تمنى سماعها كثيراً، هي آخر ما يربطه للواقع، قبل أن يذهب في رحلة لعالم الغيب، لا يعلم إلا الله، إن كان له عودة منها، أم ستكون هذه رحلته لمحطته الأخيرة!؟
***
دخلت تحمل صينية الطعام، تضعها على فخذيه، وتجلس على طرف الفراش، هاتفة بتودد:
"يالا كل يا واد يا راضي، أنت محتاج تشد حيلك، عايزة عايزك ترجع راضي بتاع زمان."
ابتسم راضي مؤكداً:
"من عنينا يا عيوش، هناكل ونرمي العضم ونبقى تمام، مع إن يونس كان عامل الواجب بس أنا اللي مكنش ليا نفس للأكل."
هتفت به عائشة متسائلة:
"هو البت اللي رايدها يونس دي زينة يا راضي!! أنت عارف يونس قلبه طيب، خايفة تكون ميلت عجله ولعبت عليه!؟."
أمسك راضي ضحكاته، على اعتقاد أمه، فكيف ذلك، وهي ترتدي ملابس الرجال، حتى أنها تتعامل مع يونس كأنها رجل، ولا تعلم أنه اكتشف سرها، لكنه همس لأمه مؤكداً:
"متجلجيش يا عيشة، والله بت حلال وزي الفل، وبميت راجل، وكفاية إن يونس بيحبها بجد، وجلبه متعلق بها، أنا عمري ما وعيت ليونس فرحان كده إلا وهو بيتكلم عنها."
ابتسمت عائشة، فعادة ما تثق في عقل راضي وسداد رأيه، وهمست تشاكسه:
"وأنت ميتا تفرح يا حبيبي!!."
اضطرب راضي، هامساً:
"أنا فرحان وأني معاكِ أهو، هعوز إيه تاني!!."
تساءلت بخبث:
"يعني البت اللي لحقتها في مصر دي، واتشحنت عشانها الشحنة دي، مش في بالك، وعايز تخطبها كيف ما قال أخوك!!."
لم يعقب راضي، مدعياً الانشغال في تناول الطعام، كانت أمه تتطلع إليه، تحاول سبر أغوار نفسه، وهي أدرى الناس به، متى ما حاول أن يخفي شيئاً، يدعي الانتهاك في أمر آخر تماماً، ما دفعها لتهتف به بأمر ودود:
"بصلي هنا لما بكلمك، أتوحشت الأكل فجأة!!."
رفع راضي ناظريه متطلعاً لها، ما دفعها لهمس وهي تتطلع لعينيه بمحبة، هامسة:
"بتحبها يا راضي!؟."
ما استطاع أن يحيد ناظريه عن ناظري أمه المحاصرة لروحه، والتي استطردت بنبرة دافئة:
"العشق مش عيبة يا حبيبي، ده فرحة وعيد، فرح جلبك يا راضي، العشق نعمة."
ابتسم راضي رزينة:
"وكمان عرفتي اسمها!؟."
أكدت عائشة باسمة:
"والله ما أعرف اسمها، ولا أعرف عنها حاجة غير إنها بت الناس الطيبين اللي يعرفهم عمك حازم وبيعتبرهم أهله، واللي قعدت عندهم في مصر."
تطلع لها راضي هامساً:
"اسمها نعمة، وفآخر سنة في كلية آداب، وبنت الأسطى ناصر اللي عمي حازم بيعتبره أخوه، وهم فعلاً ناس طيبين ومشفتش منهم إلا كل خير."
همست عائشة باسمة:
"يبقى على خيرة الله، شد حيلك أنت بس وإحنا نخطبهالك، بس بقولك، هي هتيجي تقعد معانا هنا، تفتكر أهلها يرضوا، ولا أنت بقى اللي هتروح معاهم هناك!؟."
هتفت عائشة بتساؤلها بخباثة، ما دفع راضي يؤكد بهدوء، وهو يلوك لقمة دفعها بفمه:
"لا هنا ولا هناك، أنا هكمل هنا الدور الثالث عند يونس، وهبني مركز الصيانة على الطريق هناك، عشان نرجع الحناوي أجرب للطريق من هنا، وأبقى مع يونس."
ربتت عائشة على كتفه مشجعة:
"وماله يا حبيبي، مع إنكم هتبعدوا عني، بس كفاية عليا تكونوا بخير."
ربت راضي على كفها بمحبة، لتنهض مندفعة تحاول أن تفض ذاك العراك بين أولادها، تاركة راضي، وقد راح مع ذكرى ذات الجديلة، التي اعترف بينه وبين نفسه، أنها عاشقها بحق.
***
اندفع نزار داخل غرفة الاجتماعات التي تضم جميع المساهمين في الشركة، كان اجتماع طارئ يضم الكل، لاتخاذ قرارات حاسمة فيما يخص بعض الأمور.
تطلع الكل إليه بتعجب، كيف يقتحم عليهم حجرة الاجتماعات بهذا الشكل، وهو ليس من المساهمين، وغير مرحب به هنا من الأساس.
هتف له حمزة بنبرة رسمية:
"خير يا نزار بيه!! برغم أن طريقة دخولك المكان مش بتدل على أن حضرتك ناوي أي خير!! بس وماله.. أمر!!."
هتف نزار متطلعاً لفريدة التي جلست بلامبالاة، هي لا تنكر أنها انصدمت في دخوله بهذه الطريقة المسرحية، لكنها اللحظة وعندما وقع ناظرها عليه، تأكدت أنها ما عاد يعني لها شيئاً، وما عاد القلب يخفق عند رؤياه كما اعتاد.
كان يراقب رد فعلها في تلك اللحظة، سامر الذي كان يجلس قبالتها مباشرة، ولم يحرك ساكناً، تجاه أفعال نزار، الذي هتف بجرأة شديدة، متطلعاً لفريدة لبرهة، ثم لسامر بنظرة عجيبة، قبل أن يعاود النظر لحمزة من جديد، هاتِفًا بنبرة قوية:
"أنا جاي أصلح غلطة كبيرة، في حق الآنسة فريدة، وأطلب إيدها من حضرتك، قلت إيه!!."
تطلع الجمع لبعضهم بغرابة، لكن رد فعل فريدة، هو ما حسم الأمر.
***
دخلت للحجرة، ما جعله يتنبه أنها غادرت الفراش منذ فترة دون أن يع، فيبدو أن الحمى كانت قد سيطرت عليه البارحة، ليغيب في سبات عميق، تخلله الكثير من الأحلام.
تطلع نحوها وهي تقترب، حاملة صينية وضعتها على الكومود الملاصق لموضعه، وتطلعت نحوه بمحبة وعلى شفتيها ابتسامة رقيقة، وهمست:
"حمد الله بالسلامة، بقيت أحسن دلوقتي!!."
جذب نفسه ليرتفع جذعه قليلاً مسنداً ظهره على الوسادة خلفه، وهز رأسه بإيجاب رداً على سؤالها.
جلست على طرف الفراش، ومدت كفها تتحسس جبينه، ومنه انخفض كفها ليعانق جانب وجهه، وهي تؤكد:
"لا ده كده عال، الحرارة نزلت، بس متفتكرش أن.."
قاطعها ماداً كفه، لتنام بوداعة على كفها التي كانت ما تزال موضعها، وقرب باطن هذه الكف الرقيقة ملثماً إياها بعشق، لم تسحب هي يدها، بل نكست نظراتها حياء، ليمد هو يده الأخرى، تحت ذقنها، ليرفع وجهها مرغماً ناظريها على التطلع نحوه، هامساً:
"إيه الموضوع المهم اللي قلتي عليه فالڤويس، وكنتِ عايزاني فيه لما أرجع!!."
لم تحيد نظراتها عنه، على الرغم من أن الخجل يتملكها، لكنها همست برقة:
"كنت برد على الرسالة اللي أنت بعتها، يا ترى الرسالة وصلت وفهمتها، ولا أقول تاني!!."
ابتسم مؤكداً:
"لأ، جولي تاني، أصلي أنا في الحاجات دي عجلي تخين، وفهمي على كدي."
همست متطلعة نحوه:
"أنت سيد الناس."
ارتجف قلبه لكلمتها المباغتة، وتطلع نحوها بنظرات عشق مفضوح، لتستطرد مؤكدة:
"أيوه يا سمير، أنت سيد الناس، وسيد الرجالة كلهم، لأن مفيش راجل يعمل اللي عملته، وأنا ربنا بيحبني إني كنت من نصيبك."
كان يستمع إلى كلامها بسعادة غامرة، تصف أخلاقه وتمتدح أفعاله، لكن أين قلبها من الأمر!!
مدت كفها تتناول طبق الحساء من على صينية الطعام، وبدأت ترفع الملعقة العامرة لفمه، والتي كان يتناولها فاغراً فاه في كلمة مرة، وهو مشدود عيونه معلقة بمحياها الذي يعشق، يتمنى من صميم فؤاده، أن تنطق بكلمة عشق تبل بها ريق القلب الذي طاق إلى وصلها.
أغلق فمه، مكتفياً، وهمس بهدوء:
"هاجوم أخد دش، ريحة الحمى ماسكة فالهدوم."
نهضت من موضعها، مفسحة له الطريق، ترنح قليلاً وهو ينهض من موضعه، لتنحني واضعة الخف المنزلي بأقدامه، ليندفع مبتعداً عن تأثيرها المهلك برقة على أعصابه.
أنهى حمامه، وقد نسي أن يأخذ ملابس نظيفة بصحبته، لكنها لم تنس، فتلك الطرقات على الباب، ثم الكف التي امتدت بجلبابه، هاتفة:
"مخدتش هدومك وأنت داخل."
تناول ملابسه من كفها، التي اختفت سريعاً من خلف الباب، لكن ما أن أكمل ارتداء بعض ملابسه، حتى وجدها تشرع الباب قليلاً، هامسة بتساؤل متردد:
"عايز مساعدة."
تظاهر أنه يناولها إحدى القطع لتحملها عنه، وما أن مدت كفها، لأخذها، حتى كان هو الأسبق، ليجذبها للداخل، لتشهق بصدمة، وقد وجدت نفسها مدفوعة لصدره، تطلعت نحوه باضطراب، ليسقط قطعة الملابس، محتضناً خصرها بتملك، مقرباً إياها نحوه أكثر، مطوقاً جسدها بين ذراعيه، هامساً بالقرب من مسامعها، وهي تدفن وجهها بأضلعه، بنبرة متحشرجة تضج شوقاً:
"أنا توك اللي خفيت."
رفعت ناظريها نحوه بتردد، وهمست بنبرة عاشقة لم تخطئها أذن قلبه:
"اتوحشتك."
ضمها إليه أكثر، وأخيراً، حملها بين ذراعيه، دافعاً الباب بقدمه لينفرج، مندفعاً بها حتى غرفة نومهما، وعيونهما تتواصل في هيام لم ينقطع.
***
هتفت نعمة بأمها بضيق:
"مش وقته يا ماما، أنا داخلة على امتحانات ومش عايزة حاجة تشغل دماغي، لما أخلص نبقى نتكلم فى الموضوع ده."
هتفت جدتها نعمة مؤكدة:
"ما هو العريس مش هيستنى، هو مش بيقول يتجوزك بكرة، هو عايز بس رد، عشان يبقى ربط كلام، والواد شاري ومستني ردك قبل ما يسافر."
هتفت نعمة الحفيدة بضيق، وهي خارجة من باب المطبخ، حاملة أطباق الغذاء، لتضعها بعنف على المائدة، مؤكدة بحزم:
"يبقى يسافر بقى، ويسبني فحالي، أو يروح يشوف له شوفة تانية."
دخل ناصر وخميس، اللحظة من باب الشقة، لترتبك نعمة مندفعة نحو المطبخ، والتي ما أن رأتها شيماء أمها، حتى اتسعت ابتسامتها متشفية فيها هاتفة:
"كلتي لسانك دلوقتي، أول ما أبوك وجدك وصلوا، لكن عاملة علينا إحنا سبع البرمبة!!."
همت شيماء بالخروج من المطبخ حاملة آخر الأطباق، لتجد نعمة تنكمش موضعها، لا رغبة لها في الخروج لتناول الطعام من الأساس، لتجذبها شيماء خلفها، هامسة لها بمحبة:
"يا بت تعالي، مش هنديله كلمة إلا بعد موافقتك."
سارت نعمة خلف أمها، لتجلس بعد أن تجمع الكل حول المائدة، وما أن بدأوا الطعام، حتى هتف ناصر من جديد:
"عريسك جاني النهاردة تاني يا نعمة، بيستعجل الرد، طولنا ع الراجل، وهو عايز يرتب أموره، عشان خلاص سفره قرب."
امتعضت نعمة ولم ترد بحرف، ليهتف خميس مؤكداً:
"العريس الصراحة ميتعيبش، أهله ناس طيبين، وأخلاقه عالية، وكمان حالته المادية كويسة، يعني تمام من كله، عريس ع المازورة."
دخل نادر اللحظة من الخارج، واندفع يجلس بينهم على المائدة، هاتِفًا بمزاح:
"بس أنا مش موافق يا معلم، كان على المازورة كان ع الفرازة، أنا مش موافق إنه ياخد نعمة."
تطلعت نعمة نحو أخوها بتعجب، بينما هتفت نعمة الجدة بدهشة:
"ليه يا بني، توقف سوق أختك، طالما النصيب جه."
هتف نادر وهو يقذف لقمة نحو فمه باستمتاع، متطلعاً نحو نعمة أخته مازحاً:
"مش لما يبقى فعلاً النصيب يا ستي!! النصيب خلاص دق ع الباب، والصراحة كده أنا موافق وبالتلاتة."
تطلع ناصر نحو نادر، هاتِفًا بحنق:
"إيه الفوازير دي!؟ ما تنطق على طول، وتقول فيه إيه!؟."
أكد نادر، وهو يغمز بعينه لنعمة بمشاكسة:
"راضي الحناوي، كلمني النهاردة، طالب إيد نعمة، إيه قولكم!؟."
انتفضت نعمة بسرعة، مهرولة نحو غرفتها، لا تصدق أنه أخيراً تحرك، فقد كان الضغط عليها شديداً لقبول هذا العريس، كان صدرها يعلو ويهبط، مقيماً الأفراح بساحة الروح، دقات فؤادها تعلو بسعادة لا توصف، لكنها انتفضت حين أتاها طرق على الباب، دخل نادر متطلعاً لاضطرابها اللذيذ، واقترب مشاكسًا:
"كلهم رفضوا بره، مش عارف ليه!."
رفعت نظراتها إليه بصدمة ممزوجة بالدموع، إلا أنه عاجلها فاتحاً ذراعيه مهنئاً، قبل أن تنفجر باكية:
"وافقوا والله، كنت بضحك معاكِ."
شهقت باكية بين ذراعي أخيها، الذي لم يظهر حنو كهذا من قبل، هامساً بها بمحبة خالصة:
"هو الصراحة راجل جدع ويتحب، وأنا جاوبت بالنيابة عنك، وقلت له شد حيلك وتعالى، وإحنا مستنينك، بعد ما هي تخلص امتحانات."
رفعت رأسها تمسح دموعها، ليستطرد نادر مشاكسًا:
"عشان المذاكرة وكده يعني!!."
امتعضت براءة، ليقهقه نادر مؤكداً:
"خلاص، نجيبه على ملا وشه، بلا امتحانات بلا يحزنون."
اتسعت ابتسامة نعمة، وهي تخبئ وجهها بأحضان أخيها من جديد، والذي تنهد بسعادة، وعيونه معلقة بخصاص نافذة تلك التي حملت الفؤاد معها، وغادرت تاركة له اللوعة.
***
دخلت حجرتها، تحاول أن تتغلب على أوجاع روحها بأهازيج الفرحة المنتشرة بالسراي منذ أن تم إعلان خطبة عاصم وزهرة، ابتسمت بشجن وهي تتمدد على فراشها، تشعر بخواء رهيب يخيم على ذاك البراح بصدرها، لا تعلم هل كان هذا القرار الذي اتخذته فيما يخص علاقتها برائف، صحيح أم به بعض الإجحاف والظلم!؟
للمرة الأولى يغلبها التردد، وتنازعها الحيرة قراراتها الحاسمة، وهي التي ما ترددت لحظة في قرار ما، كانت امرأة باترة لكل ما يقلق راحتها، أو ينغص صفو حياتها، لكن هذه المرة الأمر مختلف، والقرار ليس قرار عقلها الذي ما خزلها يوماً، إنما قرار هذه المضغة الخافقة بين جوانحها، والتي تخالف طبيعتها الحاسمة كلياً، بترددها المقيت الذي يكاد يدفعها أحياناً إلى حافة الجنون، متمنية لو كان باستطاعتها دفع كف يدها بين أضلعها، وانتزاع ذاك المتمرد على قرارات عقلها المطواع.
تنهدت من جديد، تحاول أن تفكر، ما عليها فعله لإنهاء هذه الفترة العصيبة من حياتها بأقل الخسائر الممكنة، ونهضت تبحث بين كتبها على كتاب ما تدفن به بعض من أفكار عقلها المشوش على غير عادته، مدت كفها تسحب ذاك المرجع الهام، الذي كان عليها مطالعته منذ مدة، لكن العمل بنجع السليمانية امتص وقتها، جلست تحمله بين يديها، تشعر بالحنق، متسائلة، لما كل ما فكرت في الابتعاد عن هذا النجع وناسه، تجرها الأفكار قسراً إلى هناك!!
فتحت المرجع الضخم، لتسقط منه فجأة، تلك الرواية التي أعطاها لها يوم أن أرسل فيها خطاب الاعتراف بعشقها، والتي تذكر أنها لم تقرأها حتى، بعد أن وعيت للخطاب، وتناسيتها، كيف لم تتنبه وتعيدها إليه!؟
مدت كفها ترفعها عن الأرض، ليسقط منها بالتبعية جواب الاعتراف، فضته بأكف متمهلة، وقد قررت أن تقرأه للمرة الأخيرة، قبل أن تمزقه، لا تعرف ما الداعي من الأساس، لتعذيب الذات بهذا الشكل!! لكنها فعلت، وبدأت في القراءة، لتنساب دموع عينيها دون وعي، أنهت الخطاب ودفعت به بطول ذراعها، لكن الورقة عاندتها لتعود فتسقط في حجرها، تطلعت لها نوارة ما بين ألق دمعها بنظرة مشوشة، لتتنهد ممسكة بالخطاب، لتضعه من جديد بين ضلفتي الرواية سميكة الغلاف، والذي شهقت عندما تمزق الغلاف الخلفي تاركاً فراغاً بين الغلاف الورقي الداخلي والغلاف الخارجي السميك، فكرت في لصق الغلافين وينتهي الأمر، لكن هذه الورقة المطوية الموضوعة هنا، لم ترها من قبل.
مدت كفها لتخرج هذه الورقة المطوية بحرص، وبدأت في فضها، عيونها تجري على اعترافات فتاة ما، تبرئ فيها ساحة أحد الأشخاص، والذي ما أن وقع اسم نوارة عليه حتى شهقت بصدمة.
إذن هذا هو سبب شجاره مع أمه وجده، وعار كوني من الهوارية، والذي كان السبب في عدم قدرته على المجيء لطلب يدها للزواج!!
انتفضت مسرعة، فعليها الذهاب لنجع السليمانية، فوراً.. ستحنث في وعدها هذه المرة، بعد أن أقسمت أنها لن تطأ قدماها ثراه من جديد، لكن لهذه الضرورة القصوى أحكام.
اندفعت تستدعي عبد الباسط بعجالة، متعللة أن هناك حالة حرجة تستدعي تواجدها هناك، حيث مقر عملها، الذي حمدت ربها أنها لم تخبر أحداً بتركها له.
أمرت عبد الباسط على طول الطريق، بالإسراع، حتى إذا ما اقتربت، وقعت عيونها على تلك التلة التي كان رائف ينتظرها عليها كل صباح فوق فرسه الأدهم، غصت بدمع وغامت الرؤية من جديد، وفجأة بدأت في السعال، ماذا يحدث هنا!؟
تطلعت من النافذة وهي على مشارف الطريق الترابي المفضي لدار السليمانية، أن الجو ملبد بالدخان، وما أن توقفت السيارة على بداية الطريق، حتى أبصرت بالفعل أعمدة من الدخان تخرج من داخل الدار، وصرخات النساء وركض الرجال من هنا وهناك، يؤكد أن الحدث جلل، لتترجل بسرعة من العربة، مندفعة تركض باتجاه دار السليمانية، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
رواية زاد العمر وزواده الفصل الثلاثون 30 - بقلم رضوى جاويش
لا تعلم ما الذي يحدث بالضبط، ولا من بالداخل، لكن كل ما استطاعته، هو الاندفاع للداخل في غفلة من الرجال، الذين كانوا يحاولوا جاهدين، السيطرة على ألسنة اللهب التي بدأت في إخراج لسانها للجميع من نافذة الطابق السفلي بالخصوص.
وضعت طرف حجابها على أنفها تمنع استنشاق الدخان، ظلت تركض في اتجاه حجرة الجد عبدالسلام السليماني. دفعت باب حجرته ولم تجد أحد، تراه أين ذهب، في مثل هذا الظرف!؟
قررت الركض في اتجاه الطابق العلوي، الذي لم تصله ألسنة النيران لكن الدخان كان يعبق الأجواء بالأعلى. دفعت باب حجرة الدكتورة سميحة، لكن الباب كان مغلقا، هل تغلقه وهي ليست بالداخل!! تذكرت يوم أن سقت في ماء الترعة، كانت نائمة بفعل حبوب منومة، هكذا ذكر رائف، وأنها تغلق عليها بابها، فلم يستطع أن يدخل ليستعير من ملابسها.
تأكدت اللحظة أن الدكتورة سميحة بالداخل، ما دفعها لدفع الباب في قوة، عدة مرات بقدمها حتى ينفتح. كان معدل الأكسجين بصدرها يتناقص، لكثافة الدخان المتصاعد من الحريق الذي بدأ ينتشر في الطابق السفلي. دفعت من جديد، بكل قوتها، لينفرج الباب أخيرا، لتجد الدكتورة سميحة مستلقية على فراشها بالفعل. اندفعت تحاول إفاقتها، بكل ما لديها من عزم لإنقاذها، لكن لا جدوى، فيبدو أن الدخان قد عبء رئتيها، بجانب تأثير المنوم. حاولت من جديد لكنها أيقنت أنها النهاية.
لكن.. ظهور رائف فجأة، قلب الموازين. دخل ملثما يسألها في لهفة:
"أنت بخير !!"
هزت رأسها رغم شعورها ببعض الاختناق، ليندفع حاملا أمه، في اتجاه الخارج أمراً نوارة في اهتمام:
"خليكي ورايا على طول، هحاول أوصل لطريق بعيد عن النار."
أطاعت في هدوء، وكأن لها خيار آخر، إلا البقاء بقريه، حتى النهاية.
هبطا الدرج في هوادة، والذي بدأ يئن في انزعاج، والنيران قد أمسكت ببعضه. ألتصقت نوارة بظهره، تحاول الاحتماء من صهد النيران، الذي طالهم وهم يحاولوا النجاة للخروج، يضم جسد أمه لصدره، كأنما انقلبت الأدوار لبرهة من الزمان، ليأخذ كل منهما دور الآخر.
لكن أخيرا، بدأ الطريق يتضح للخارج. ترى الناس خلف الأدخنة والنيران، كأنما هم سراب، يتقافزون مهللين لرؤية رائف، ظافراً بنجاتهما. هتفت به مشيرة لحجرة جده، متسائلة وهي تزعق:
"جدك مش فأوضته، راح فين !؟"
هتف رائف زاعقاً:
"بره، لحجوه."
استراحت، أن هذا الشيخ الكبير قد تم إنقاذه، فما كان ليحتمل مثل هذه الأدخنة، تدخل إلى رئتيه، وخاصة وهو عائد من المشفى منذ فترة قصيرة. لكن، وفي لحظة ما، تنبهت، أن حقيبتها التي نسيت خلعها عند اندفاعها لداخل الدار، قد سقطت منها. تلك الحقيبة، التي تحمل دليل براءة عائلتها وأحد أفرادها، والذي وصمت بالعار لأجل حملها لقبها، لسبب مجهول لم تكن تعلمه. ما دفعها لتتراجع عائدة للأعلى من جديد، وليكن ما يكون.
تنبه رائف وهو على أعتاب الخروج من الدار بصحبة أمه، أنها تركت موضعها خلفه، وعادت للأعلى من جديد. صرخ بها أمراً إياها لتعود:
"نوارة، ارجعي، السلم مش هيستحمل، والنار مسكت فالدور الفوقاني."
لم تكن تسمعه من الأساس، كان كل ما يجول بخاطرها اللحظة، هو إيجاد حقيبتها قبل أن تطالها النيران، فيبدو أنها سقطت منها، دون أن تعي، عند محاولتها فتح باب حجرة الدكتورة سميحة. خلعت عنها غطاء وجهها، فما عادت قادرة على التنفس، وملأ الدخان رئتيها، وبدأت الرؤية تهتز أمام ناظريها.
لكنها أخيرا وجدت الحقيبة، ملقاة أرضا، أمام الحجرة. تناولتها وحاولت أن تعود أدراجها، لكن ألسنة اللهب حاصرتها وبدأت تأكل في درجات السلم الذي يفضي للدور السفلي. حاولت أن تعود أدراجها، بطول الردهة المفضية للغرف الداخلية، لتجد غرفة متطرفة لحد ما عن باقي الغرف بابها مفتوح. دفعت به، مهرولة للداخل، وهي تسعل في شدة، لتتجه نحو الشرفة، لتفتحها على مصرعيها، تتطلع نحو الأسفل، وهي تحاول استجماع بعض الهواء النقي ليدخل رئتيها. لكن كانت لها النيران التي جاءت على الطابق السفلي، لها بالمرصاد.
طل رائف على باب الحجرة، والذي لا تعرف كيف ظهر اللحظة، ولا كيف استطاع الوصول إليها من الأساس، وهو يتدثر بغطاء من الصوف، من رأسه حتى أخمص قدميه، مندفعا نحوها، مدركاً لحالة الاختناق التي بدأت تتملكها بعد كل هذا الوقت محاطة بالدخان وادخنة الحريق. خلع عنه كمامة أنفه المبللة بالماء، واضعا إياها حول أنفها، وكذلك دثرها بغطائه الصوفي، محاولا العودة بها من جديد، لأول الردهة في اتجاه الدرج. لكن ألسنة النيران صعدت حتى وصلت تقريبا لأعتاب الحجرة، التي ما رأيتها مفتوحة من قبل، ولا تعرف لمن تكون، وهي التي صعدت لهذا الطابق عدة مرات.
ما عاد لدى رائف خيار آخر. جذبها نحو الشرفة، وتطلع نحوها في نظرة غريبة، ما كانت قادرة على تفسيرها في خضم هذه الفوضى، قبل أن يجذبها لأحضانه عنوة، مطوقا جسدها بذراعيه، دافعاً بجسديهما لخارج الشرفة، ليسقطا معا، ويغيب كل منهما عن وعيه، فاقداً الاتصال بالعالم الخارجي، إلا من صوت سرينة ما، لا يعلم أحدهما إن كانت سرينة لسيارة إسعاف أخرى، غير تلك التي حملت الدكتورة سميحة، لإسعافها، أم عربة المطافئ، والتي عادة ما تأتي بعد أن تلتهم النيران كل شيء!!
انتفضت فريدة من موضعها في ثبات، هاتفة لأبيها في ثقة:
"باشمهندس حمزة، حضرتك تقدر تاخد الأساتذة كلهم لقاعة الاجتماعات التانية، عشان معتقدش أن وقتهم يسمح بالمسرحيات دي."
هز حمزة رأسه مؤكداً صدق كلامها، متطلعاً نحو نزار في نظرة حانقة، يرغب في قتله اللحظة لو ترك العنان لغضبته الصعيدية، لأرداه قتيلاً بموضعه، لكن ما ذنب هؤلاء!! وكيف ستكون سمعة الشركة وتقييمها أمام ناظريهم. أشار للجميع ليتبعه، وهو على ثقة تامة بقدرة فريدة على وضع ذاك الأحمق بموضعه الصحيح، حتى يكف عن سخافاته.
توقفت أن يغادر الجميع بصحبة أبيها، لكنه ظل موضعه لم يتحرك قيد أنملة، متطلعاً نحوها ونزار في نظرات تحمل ترقب عجيب. هتفت به فريدة:
"باشمهندس سامر، مش هتلحق بالاجتماع!!"
هتف سامر في هدوء:
"عندي الأهم يا آنسة فريدة، وبعدين أنا عاجبني المكان هنا، كله طراوة، تقدري تقولي ساقع وبارد."
قال جملته الأخيرة متطلعاً نحو نزار، الذي وقف كالتمثال لم يحرك ساكن. حاولت أن تمسك ضحكاتها قدر استطاعتها من تلميح سامر، متطلعة نحو نزار هاتفة:
"خير يا باشمهندس نزار، ايه العروض العجيبة دي والدخلة المسرحية المبهرة دي!!"
هتف نزار متعجباً:
"مش أنتِ بتحبي الحاجات دي قلت افاجئك!"
هتفت فريدة متعجبة:
"وأنتِ عرفت اللي بحبه من مين وامتى!! يا باشمهندس بنات الناس ميتخطبوش بالطريقة دي! بنت الناس اللي أنت جاد معاها، وعايز فعلاً ترتبط بها، ليها بيت أهل تخبط عليه وتطلبها منهم، وعن طريقهم هتعرف هي موافقة ولا لأ، اعتقد دي الأصول اللي اتربينا عليها ولا إيه!!"
هتف بها نزار:
"كنت فاكر ان حاجة زي دي هتسعدك وترد لك اعتبارك بعد اللي حصل من فترة."
قهقهت فريدة في وجع:
"ترد لي اعتباري في أوضة اجتماعات شركتنا قدام خمس أشخاص، ومراتك شهرت بيا بطول إسكندرية وعرضها، لا بجد فعلا عايز ترد اعتباري!! رد اعتباري الحقيقي كان يجي بعد الموضوع ما انتشر مباشرة وبتكذيب منك شخصيا، وانت كنت تقدر تعمل ده، لكن كانت مصالحك مع مراتك تتعارض مع إعلان براءتي من اتهاماتها المخجلة، ايوه مخجلة زي ما كان حبي لك عار على قلبي، زي ما كان اعترافي لك بحبي عار على كرامتي."
تطلع لهما سامر في صدمة، لتهتف فريدة في قوة، مؤكدة:
"ايوه كنت بحبك يا نزار، من أيام ما كنت لسه عيلة عندي اربعتاشر سنة، كنت بحاول ألفت انتباهك كتير، ولما ملقتش فايدة، وعرفت انك هتخطب بنت خالتك، جيت لك لحد عندك وقلت لك إني بحبك، مش ده اللي كنت جاي تقوله وتساوم عليه يا نزار باشا، مش ده اللي كان مخليك تجري ورايا بعد ما اتاكدت انك خدت اللي انت عاوزه من بنت خالتك، خدت الفلوس منها ادور ع اللي بتحبني بقى، بس حابة اقولك حاجة، الطمعان في كل حاجة، بيخسر كل حاجة، وبيطلع بمفيش."
هتف نزار حانقاً:
"يعني إيه!!"
انتفض سامر حين أحس أن عليه التدخل:
"يعني مفهومة، لو عندك ذرة كرامة تتكل ع الله من سكات، لأن طلبك مش هنا."
هتف نزار صارخاً:
"كل إسكندرية من بكرة، مش هيبقى لها سيرة إلا أنتِ، إما قفلت لكم الشركة دي وقعدتكم في بيوتكم، ولبست أبوكِ الصعيدي الترح.."
لم يكمل نزار تطاوله، بعد أن لكمه سامر بقوة افقدته توازنه، لينحني سامر ممسكا بتلابيه، يساعده على الاستقامة، هاتفا به وهو يهزه في غضب هادر:
"لحد هنا وتوقف معوج وتتكلم عدل، فاهمني، الراجل اللي بتطاول عليه ده أشرف واحد، وبنته دي من أنضف البنات اللي عرفتها، ولو ملمتش نفسك عنهم يا نزار، اقسم بالله ما هخليك تبات في إسكندرية ليلة واحدة، بعد ما هطلع لستة البنات اللي أنت كنت بتبزهم عشان أهاليهم مش هيقدروا يوقفوا قصادك، أنا كنت بره مصر ولسه راجع، واللي سمعته عنك بعد رجوعي والله يوسخ ايدي اللي ماسكة ببدلتك، بس للضرورة أحكام."
وصرخ سامر زاعقاً، وقد زاد من هزه بشدة:
"فريدة الهواري غير يا نزار يا غمري، تيجي عندها وتعمل استوب لقذارتك، واتاكد تماما أني اللي فات ده كان لعب عيال، لكن فريدة الهواري يوم ما هتختار، هتنقي راجل بجد، مش معدوم الرجولة زيك."
قال سامر كلماته الأخيرة، دافعاً بنزار الذي ترنح قليلا، قبل أن يشير سامر للباب، أمراً إياه بالمغادرة، دون أن ينبس بكلمة، لينفذ نزار في طاعة، دون أية معارضة.
تطلع سامر نحو فريدة، التي كانت تحبس دمعها في محاولة لتبدو قوية، هاتفا وهو يعيد تعديل هندامه، مقترباً منها:
"عيطي يا فريدة، عيطي وارتاحي، ولو عايزة تبقي لوحدك، .."
صمت ولم يعقب، ما دفعها لتتطلع إليه، ليهمس مازحاً:
"مش هسيبك وهفضل على قلبك، وأؤوي زي ما تحبي، وأدي كم البدلة أهو، امسحي فيه زي ما أنتِ عايزة."
همست مازحة من بين دموعها التي بدأت تنساب بالفعل:
"كم البدلة ليه!! مفيش مناديل!!"
همس بمحبة للمرة الأولى يظهرها جلية بعيداً عن أي هزل، وهو يمد لها عضده مؤكداً:
"دراعي أهي يا فريدة، تمسحي فيها دموعك، تسندي عليها راسك، أو تتعكزي عليها فمشيتك، هي لكِ أنتِ، ومش هتكون لغيركِ أبداً."
شهقت في رقة، وازداد انهمار دموعها، ومدت كفها لتضعها على عضده، متشبثة به، ليضم العضد لصدره وعلى وجهه البشوش ابتسامة رضا وسعادة غامرة، لتهمس به فريدة وهما على أعتاب الحجرة مغادرين:
"هنرجع نحضر الاجتماع."
أكد مازحاً:
"أه، اجتماع قمة مهم جدا، بس لأتنين بس، أنا وأنتِ، وعلى فكرة، أنا مستأذن من الحاج زكريا ووالدك، عشان نخرج سوى، عشان فيه كلمتين سر عايز اقولهملك، فأسمحيلي اعزمك بقى على شوية سندوتشات كبدة انما ايه، عجب!! بعدهم تلت أيام نزلة معوية، وكله يبقى تمام."
انفجرت ضاحكة، هاتفة وهي تتأبط ذراعه، لخارج الشركة:
"لو على تلت أيام مش مشكلة، بسيطة."
أكد مازحاً:
"مش كده بزمتك."
ارتفعت ضحكاتهما، وهي تركب السيارة جواره، وقد أدركت الآن، مرسى مركب قلبها الذي ظل تائها لفترة طويلة في خضم بحار الهوى، حتى وجد أخيرا المرفأ.
مر أكثر من أسبوع على إجراء العملية، ولا خبر يطمئنها على ما يحدث هناك. كلمة واحدة تعطيها الأمل أنه خرج سليماً معافى.
أمسكت بهاتفها، تحاول الاتصال على هاتفه من جديد، بعد مرات عدة، لا تذكر لها عدداً، وما من مجيب. اعتصرت الهاتف بين كفيها، تشعر أنها في سبيلها للانهيار. عملية مروان، وخبر وجود منتصر بالمشفى، بعد عملية خطيرة، كادت أن تودي بحياته، وما زال تحت مؤشر الخطر، وحالة جدتها التي لا تتحسن، والتي لم تستطع تركها، والذهاب مع بعض من رجال العائلة، للاطمئنان عليه، بعد إعلامهم بما جرى مع منتصر، الأمر الذي كانت تتكتم عليه جهات عمله، رغبة في الحفاظ على أمنه، حتى يستعيد وعيه.
بكت، وسلاميات كفيها قد برزت من شدة ضغطها على الهاتف، هامسة في تضرع:
"يا رب قومه بالسلامة، أنا عمري ما طلبت حاجة لنفسي يا رب، مات أبويا وأمي قدام عيني، وسلمت، جسمي بقى مشوه، وسلمت، ستي كانت بتعاملني وحش وقاسية عليا شوية، وكانت دايما بتعايرني أني خلفة شؤم، عشان بابا كان أقل من أمي ومكنش عاجب ستي جوازها به، واللي جه غصب عنها، واضطريت توافق عليه عشان متتفضحش، وسلمت، بس مروان يا رب، أنا مش هقدر، لو حصل له حاجة، أنا .."
وشهقت باكية في وجع، صارخة:
"يا رب."
هز تضرعها أركان روحها، مرتجفة في وجيعة تسربل فؤادها المقهور قلقاً عليه، لتنتفض متطلعة نحو شاشة الهاتف، التي سطعت بنمرة غريبة. ترددت في الرد، لكنها تماسكت وعدلت من نبرة صوتها المتحشرج بكاءاً، وردت في ثبات وهمي:
"ألووو."
هتف بها على الجانب الآخر، صوت امرأة تكاد تطير فرحاً:
"أية أنا ثريا مامت مروان، العملية نجحت الحمد لله، معلش مكناش عارفين نوصل لك، عشان نبلغك، وكانت حالته حرجة فالأول، بس هو فاق اهو اخيرا وعايز يكلمك."
ارتعشت يدها الممسكة بالهاتف، لا تصدق ما تسمع، تجري الدموع أنهارا، تصنع أخاديد بطول خديها، ليأتيها صوته أخيرا، هامساً في وهن:
"إزيك يا أية!!"
شهقت ولم تستطع الإجابة، وكل ما طاله صوتها المتضرع الباكي، الذي ما توقف عن ترديد كلمة واحدة، وهي ساجدة:
"الحمد لله يا رب، الحمد لله."
ابتسم، ابتسامة واهنة، فقد كانت هذه الإجابة تكفيه وزيادة.
هتف عاصم الجد، متطلعاً نحو الحديقة القبلية، متسائلاً وهو يتناول إفطاره بصحبة حفيده:
"خلاص، النجاشين والصنايعية، جايين النهاردة يظبطوا الاوضة يا عريس!!"
اتسعت ابتسامة عاصم في سعادة، مؤكداً:
"ايوه يا جدي، كلها ساعة ويوصلوا."
هتف عاصم الجد متسائلاً من جديد:
"طب سألت العروسة، كيفها فإيه!؟ ولا غشيم كيف جدك!!"
ابتسم عاصم مؤكداً:
"لا عاش ولا كان، مين ده اللي غشيم، ده انت ابو المفهومية كلها!! وع العموم، سألتها وجالت اللي اختاره على ذوقي هيعجبها."
ونكس نظراته يتخفى من سخرية جده التي يعرف أنها ستطاله اللحظة، ما دفع عاصم الجد لينفجر مقهقها، هاتفا في مزاح:
"سيدي يا سيدي، ده أنت نلت الرضا السامي، بدري جوي."
هتف عاصم الحفيد، يتنهد ساخراً:
"كل ده وبدري يا جدي، ده أنا كنت خلاص!!"
قهقه عاصم الجد من جديد، ساخراً:
"وااه، إحنا فينا من كده، لاه ولدنا شديد، ولا إيه!!"
هتف الجد بتساؤله الأخير، في نظرة مرتابة، ما جعل عاصم الحفيد يؤكد باسمًا:
"شديد يا جد وحديد كمان."
ربت عاصم الجد في قوة، على ظاهر فخد حفيده، أمراً في محبة:
"طالما شديد كده، تعال وريني، هتسند جدي كيف!!"
هتف عاصم الحفيد متسائلاً:
"على فين يا جدي، طب قول عايز إيه وأني أجيبهولك، وخليك مرتاح."
أكد عاصم مؤكداً:
"في حاجات مينفعش حد يجيبها لحد، هو اللي لازما يجيبها لحاله، يمد يده وينزعها من الدنيا نزع، ولو هيمسك فخناجرها يا ولدي، وميسيبهاش إلا وهي طايعة، وهو واخد اللي رايده وزيادة."
هز عاصم الحفيد رأسه موافقاً جده، ومد كفه يسنده للداخل، ليهتف عاصم الحفيد متعجباً:
"طب مجلتش على فين يا جدي!!"
لم يجبه عاصم على سؤاله، بل أمره:
"نادي على ستك زهرة، ستك ها بلاها تلاكيك."
قهقه عاصم، هازاً رأسه في طاعة، ونادى على جدته، لتظهر من الداخل، بعد عدة نداءات، هاتفة في تعجب:
"إيه في إيه!! ليه الغاغة دي كلها!؟"
هتف عاصم الحفيد، مؤكداً:
"أنا مليش صالح يا ستي، جدي اللي جالي أنادم عليكِ."
هتف عاصم الجد مازحاً:
"اخس عليك، بتبعيّني كده عن أول محطة."
تقدمت زهرة ودون أن يطلب، مدت كفها تسند الكف الآخر لعاصم في محبة، هامسة به:
"رايح على فين يا عاصم، قلبك يتعب من السلم."
هتف عاصم الجد أمراً في محبة:
"بسي تعالي، تبعيني ياللاه."
اقترب عاصم الحفيد منهما، هاتفا:
"طب تسمح لي يا جدي."
تطلع عاصم الجد نحو حفيده، متسائلاً، لينحني عاصم الحفيد، حاملاً عاصم جده في سهولة، صاعداً به الدرج خوفاً على قلبه من المجهود، لتصعد زهرة ورائهم في هوادة، ليهتف عاصم الجد مازحاً:
"الواد بيعمل بروفة ع الفرح."
قهقه عاصم الحفيد، وزهرة كذلك، والتي وصلت متنهدة أخيرا، أمام حجرتهما القديمة، التي انزل عاصم جده قبالة بابها، مخرجاً مفتاحها من جيب جلبابه، ليفتح الباب في هوادة، دافعاً باب الحجرة، سامحاً للهواء النقي أن يدخل أولا، على الرغم من أن الحجرة، يتم تنظيفها بشكل دوري، ثم تغلق من جديد.
أعطت زهرة لعاصم، عصاه التي لا تفارقه، إذا ما اضطر لترك كرسيه، متوكئاً عليها، والتي حملتها عنه، أثناء صعودهم الدرج.
ليضرب بها الأرض، متخطياً عتبة الحجرة، ما جعل زهرة تبتسم لذكرى بعيدة، يوم عرسهما المزعوم، عندما ارتجفت لسماع صوت عصاه وهو يدلف إلى الحجرة، لتبدأ بينهما المواجهة.
دخلت زهرة، وظل عاصم الحفيد على الأعتاب في تأدب، تطلع عاصم الجد لكل ركن من أركان الحجرة، وابتسامة عريضة مرسومة على شفتيه، وأخيراً وقع ناظريه على زهرة، التي كانت تتطلع إليه في محبة خالصة، كأنما تقرأ أفكاره، لتتسع ابتسامتها بالمثل.
اقترب منها متسائلاً في همس:
"فاكرة!"
مشيراً نحو النافذة، مستطرداً:
"أول مرة شفتك فيها بفستان الفرح كان هناك، يومها قولتيلي متقدرش تقرب لي، وأني خدتني النخوة الكدابة، وازعج وأجول، هي اللي هتيجي لحد عندي."
قهقهت، ليستمر مؤكداً:
"عشت أيام زي النيلة، ليالي وأنتِ وجاري ومش طايل حتى نظرة رضا."
همست زهرة مازحة:
"أنت اللي جبته لروحك."
أكد هامساً في محبة:
"طب دي أحلى حاجة جبتها لروحي، اتعذبت بس كفاية عليا إنك نسيتيني العذاب كله، ودوجت الشهد على يدك."
وأشار للأريكة هامساً من جديد:
"فاكرة! يا زهرة زاد.."
تعالت ضحكاتها، وهي تتطلع إلى موضع الأريكة، حيث تمدد يوماً واضعاً رأسه على فخذها، لتقرأ له رواية "كبرياء وتحامل" بأنفاس متقطعة، وأحرف مهزوزة خجلاً.
همس عاصم الجد من جديد، متطلعاً لكل ركن بالحجرة:
"مفيش ركن فالأوضة دي مفيهوش ذكري بيني وبينك."
هزت زهرة رأسها دامعة، وهمست وهي تشبك كفها بعضده، تستند إليه:
"حتى لما كنا بنتخاصم، مكنش حد فينا كان يقدر يبعد عن التاني، نقعد نحرجم لحد ما نتصالح."
همس عاصم الجد ماجناً:
"فاكرة كنت بعمل إيه!!"
قهقهت هامسة، وهي تهز رأسها مؤكدة:
"كنت تعمل نفسك بتتقلب فالسرير، وأنت بتقرب لي بضهرك، حد يتقلب فالسرير بضهره بس يا عاصم!!"
قهقه عاصم ولم يعقب، لتستطرد هامسة:
"تفضل تتقلب، لحد ما ضهرك يخبط فيا، وأنا بقى مبقاش نايمة، قاعدة مستنياك، لحد ما توصل بالسلامة، و.."
توقفت، فتطلع لها بنظرة ماجنة، لم تخف الأعوام أو السنين توهجها، ما دفعها لتنفجر ضاحكة، منكسة رأسها خجلاً، هامسة:
"ما أنت عارف."
أكد مشاكساً:
"لاه معرفش، نسيت، فكريني كده!!"
أمسكت ضحكاتها، هامسة:
"لحد ما تحضني، وتقولي مش خلاص، صافي يا لبن، أقوم أنا بقى ما أصدق، أدخل في حضنك، واقولك حليب يا قشطة."
همس عاصم في نبرة ماجنة:
"وكانت بتبقى ليلة عسل وزيدة."
قهقهت زهرة ولم تعقب، لكن عاصم الحفيد الذي كان ما يزال واقفاً على أعتاب الحجرة، تاركاً المساحة لجده وجدته لاسترجاع ذكريات الماضي هو من هتف مشاكساً:
"مش كفاية كده، ولا أروح أنا أجيب اتنين لمون!!"
قهقه عاصم الجد، متعكزا للخارج، وبجانبه زهرة، مسلماً المفتاح لحفيده، هاتفا:
"خد يا خويا المفتاح، غيران مننا، طب بس يا رب تعرف تعمل نصنا."
وتطلع نحو زهرة التي كانت تمسك ضحكاتها، مستطرداً:
"والنعمة عيال خايبة، طالعين لمين العيال دي يا زهرة!! إحنا مكناش خايبة كده!! طب ده أنا.."
قاطعته زهرة محذرة، من استطراده في ذكريات ماجنة ليس من اللائق ذكرها:
"عااااصم."
صمت على مضض، متطلعاً لعاصم الحفيد الذي كان يمسك ضحكاته بالكاد، مؤكداً وهو يغمز له بإحدى عينيه:
"هبقى أقولك بعدين، بيني وبينك كده."
أسندت زهرة هامسة في عتب:
"تقوله إيه يا عاصم، ميصحش كده!"
همس عاصم الجد لها:
"الواد عريس، مش نفطمه من دلوقتي."
أمسكت زهرة ضحكتها هامسة:
"لا ملكش دعوة به، سيبه بس يشوف اللي وراه، خليه يخلص الأوضة ويتلم فيها هو وعروسته، ويبقوا يصطفلوا سوى زي ما أنا وأنت اصطفلنا."
ألقى عاصم الجد بتعليق ماجن آخر، ما دفع زهرة لتنفجر ضاحكة، قبل أن يقترب عاصم من جديد، حاملاً جده، معيداً إياه لموضعه على كرسيه، لتجلس زهرة جواره، وصوت أم كلثوم شادياً في عذوبة:
"والحب، الحب عمره ما جرح، عمره، عمره ما جرح..ولا عمر بستانه طرح..غير الهنا وغير الفرح."
تعالت الزغاريد في دار ماهر الهواري، ما أن أعلمهم مؤمن بحمل سهام، لتصدح هداية بزغاريدها في سعادة، هاتفة في بهجة:
"ألف مليون مبروك، عجبال ما تجومي لنا بالسلامة، وعجبال سمية بتي يا رب."
أمن الجميع خلفها، بينما هتف عبدالله مازحاً:
"أني مش عارف ليه الرجالة متحملش هي كمان!؟ والله أني لو حامل لكنت اتشرطت واتفردت على كيفي!!"
تطلع إليه الجميع في صدمة لم يتنبه لها وهو يوجه حديثه نحو سهام هاتفا:
"بقولك إيه يا سهام!! نتفج من دلوقتي، اللي نفسي فيه، هقولك عليه، تقولي بتوحم يا جيني على طول، لحسن والله ولدك ده هطلع عينه لما أشوفه.."
قهقه مؤمن على أفعال أخيه، وكذا سهام وماهر، بينما هتفت هداية في صدمة:
"عوض عليا عوض الصابرين يا رب، ولدي عايز يبقى حامل عشان يتشرط ع الأكل!! هو إحنا حرمينك يا واد، بس قولي، مانعين عنك الأكل، وحابسينك فالكرار، مع الفيران!!"
ارتفعت قهقهات الجميع، وعبدالله يتطلع نحوها في لامبالاة، هاتفا:
"خلاص يا عم، بصي يا سهام، اللي تتوحمي عليه أني جابله، اعملوا لي حساب معاها، بس يا رب يكون واد عنده دم، ويتوحم على حاجة تستاهل، مش كلام فاضي ملوش لازمة."
هتفت هداية في حنق:
"كمان عايزها تتوحم على مزاجك، الله يكون فعونها من دلوقتي، اللي ربنا يكتبهالك."
هتف عبدالله مؤكداً:
"متجلجيش، هجيب واحدة بتفهم فالأكل، ونتوحموا سوا، ولا الحوچة."
قهقه الجميع، وهداية تضرب على رأسها في قلة حيلة من أفعال عبدالله.
كان يجلس على مصلاه، ينهي تسبيحه يشعر أن الأيام الماضية أيام ثقال، ما مرت به من قبل، يتمنى من الله أن تمر بسلام.
رن هاتفه، مد كفه في عدم رغبة فالرد، لكنه استشعر بحسه الأمني أن الأمر جلل، فرد بسرعة، متلهفاً:
"ألووهتف وحيد من الجانب الآخر: السلام عليكم يا فندم، آسف على ازعاج جنابك، بس حبيت ابلغك إن منتصر فاق الحمد لله."
هتف حازم في سعادة:
"فاق!! اللهم لك الحمد والشكر .."
أكد وحيد في نبرة مبتهجة:
"الدكاترة بيقولوا دي معجزة، ده مكنش عندهم أمل فالحالة، بس ربك كريم يا فندم."
هتف حازم من جديد:
"اللهم لك الحمد والشكر، حد من أهله اللي بلغناهم جه!!"
أكد وحيد ممتعضاً:
"أه يا فندم، تلات رجالة كده، معرفش يقربوا له إيه جم بعد ما حضرتك مشيت، قعدوا شوية، وواحد منهم بيت امبارح، وكان لسه ماشي من شوية هو كمان، وقالوا هايجوا تاني لان عندهم مصالح هيخلصوها الأول، طالما موال تعبه مطول."
تنهد حازم هاتفا:
"طيب يا حضرة الظابط، أنا جاي حالاً، وحمد الله بسلامته."
اغلق حازم الهاتف، ونهض في عجالة يرتدي ملابسه، فإذا بتسبيح تدخل عليه الغرفة مهرولة:
"حازم، حازم."
انتفض مذعوراً:
"في إيه!! بدور كويسة!؟"
هتفت تسبيح باكية:
"تعالى إلحق، بدور فاقت."
تطلع مصدوماً نحوها، شرد لبرهة، ما دفعها لتسأله قلقة:
"مالك فيه إيه!! أنت كويس!؟"
همس حازم يعلمها:
"لسه مبلغني دلوقتي، منتصر كمان فاق."
تطلعت تسبيح نحوه، وأخيرا شهقت باكية، اقترب منها، يضمها بين ذراعيه، رابتاً على ظهرها في حنو، هامساً:
"معلش، كانت أيام صعبة ع الكل، روحي خليكي معاها، وأنا هكلم الدكتور سامي جارنا، يجي يبص عليها، يشوف إيه الأخبار."
رحل الطبيب الذي جاء على عجل، وكتب بعض المهدئات الخفيفة، والاهتمام بالغذاء والراحة، والبعد تماماً عن أي توترات أو منغصات.
دخل حازم، جالساً على طرف فراش بدور، هامساً في محبة:
"كده برضو تخضينا عليك يا بدور، بقيتي كويسة دلوقتي!!"
هزت رأسها في وهن، هامسة بصوت قادم من أعماق سحيقة:
"لحقت منتصر يا بابا! ده من بيودعني كأنه رايح ومش راجع، شوفته وهو بيلبس الصديري الواقي من الرصاص، بعيد عن عيني، هو .."
همس حازم رابتاً على رأسها في تعاطف:
"متخافيش، بقى كويس، كان تعبان زي حالاتك، ولسه فالمستشفى، بس بلغوني إنه فاق، تحبي تيجي معايا نزوره."
تطلعت في شك نحو والدها، ليهز رأسه موافقاً، هاتفا في ود:
"حتى نشكره يا ستي ع اللي عمله معاكِ، ولا إيه!!"
هزت رأسها باسمة، ونهضت بمساعدة أمها، لترتدي ملابسها، في عجالة، ترغب في الاطمئنان عليه بشدة، بعد كل ما كان.
هتفت سندس وهي تضع هاتفها جانباً، تنضم إليهم على المائدة في سعادة، مبشرة:
"سهام حامل، لسه مبلغاني حالا."
وتوجهت نحو سمية وسمير بحديثها:
"عجبالكم يا ولاد."
هتف باسل مهللاً:
"ربنا يقومها بالسلامة، ونفرح بعوضها يا رب."
أكدت سهام الجدة معاتبة، وهي توجه حديثها لسمير:
"جوم اعمل بلجمتك، وجيب لنا حتة عيل نلعبوا بيه!!"
نكست سمية رأسها حرجا، بينما هتف سمير مازحاً:
"حاضر من عنايا، أخلص الغدا، واطلع أجيبهولك من فوق يا ستي، أنت تؤمري."
أمسك الجميع ضحكاتهم، بينما شاكسته سمية، من تحت المائدة، ضاربة قدمه بقدمها، ليتطلع نحوها، عاتبته بنظرات لائمة على أقواله، بينما رد عليها بنظرات ماجنة، جعلت الدماء تصعد لوجنتيها خجلاً، تضع نظراتها بطبقها، في محاولة لاستيعاب جرأته، فلربما تنبه أحدهم لنظراته.
رفعت الملعقة لفمها وبدأت في تناول غذائها تحاول تجاهله، إلا أن عيونها سقطت عليه من جديد، ليبدأ مشاكساته، ما دفعها لتستأذن متعللة بأمر ما نسيته على الموقد، مؤكدة على أنها نالت كفايتها من الطعام، ظلت تقف على الدرج المفضي للطابق العلوي، حيث شقتهما، مدعية أنها فتحت الباب ودخلت، لتسمع سمير يهتف بعدها مباشرة:
"تسلم ايديك يا حاجة سندس، اطلع أني أرتاح شوية."
هتفت الجدة سهام مشاكسة:
"ومالك ياخويا متسربع ليه كده!! أيوه مش قادر على بعد العروسة!!"
ارتفعت ضحكات سندس وباسل بأريحية، ليهتف سمير ماجناً:
"أيوه بجى، لكِ شوك فحاجة يا سهام، كنك غيرانة، إيه رأيك ادور لك على عريس!!"
هتفت سهام حانقة، مصحوبة بضحكات سندس وباسل:
"فشرت، أني أتجوز بعد حسام الله يرحمه."
وانقلبت لهجتها فجأة هاتفة في وداعة:
"بس تصدق يا واد يا سمير، اتوحشته جوي."
هتف باسل وسندس:
"الله يرحمه."
هم سمير بالتحرك نحو الطابق العلوي، لتهتف به سهام من جديد:
"على فين العزم يا واد، كده تسبني وأني بتحدت معاك.." وتطلعت نحو باسل وسندس مؤكدة؛ "أني جلت لكم دلعكم فيه مش ها ييجي بخير، اهااا، رايح فين بجى وسايب أم أبوه تهاتي كده!!"
هتف سمير مازحاً:
"رايح أجيب لك العيل اللي نفسك فيه يا ستي!!"
أمسك كل من سندس وباسل ضحكاتهما على قول ابنهما، لتهتف سهام مؤكدة:
"طب روح، بس جوام، تنزل طوالي، أجري ياللاه."
ليهتف باسل مازحاً بدوره:
"متعوجش يا سمير، يومين ونلاقيك نازل بالعيل."
تطلعت له سندس لائمة، إلا أن سمير هاتف مازحاً:
"عيني، أي خدمة تانية، انتوا تأمروا."
ارتفعت ضحكاتهم، ليتركهم مندفعاً للأعلى في عجالة، ليفاجأ بسمية تنتظره على باب الشقة جاذبة به للداخل، ليهتف بها في مجون مازحاً:
"إيه متوحشاني جوي كده!!"
ضربت صدره في رقة، تشعر بالاضطراب هامسة:
"بقولك يا سمير!!"
همهم وهو يقترب منها، يضمها إليه في محبة، لتهمس بأحرف مترددة:
"على سيرة حمل سهام، والعيال وكده."
حملها مندفعاً نحو حجرتهما، هاتفا في مزاح:
"ياجوا العيال، هو إحنا ورانا غيرهم."
قهقهت وهي محمولة بين ذراعيه، لتصمت ضحكاتها ما أن وضعها على طرف الفراش، مقترباً منها في عشق، لتستطرد دافعة بالكلمات التي تسد حلقها، هامسة:
"سمير، أني حامل."
توقف عن الاقتراب منها، متطلعاً نحو عمق عينيها الدامعة فرحة، مصدوماً ومشدوهاً في آن واحد، ليهمس بصوت متحشرج، وكفه تمسد على جانب وجهها في مودة:
"أنتِ متأكدة!!"
هزت رأسها في إيجاب، وكأنه كان ينتظر تأكيدها ذاك، ليطبع قبلة عميقة على جبينها قبل أن يندفع كالمجنون لأسفل، صارخاً في جنون:
"حصل والنعمة حصل، أني راجل مرتي متنزليش كلمة الأرض أبدا."
تطلع إليه كل من باسل وسندس في تعجب، بينما هتفت سهام الجدة ساخرة:
"أهو عرج الجنان طفح عليه."
ليستطرد سمير مستطرداً في صراخه المفعوم بالفرحة:
"جلت لكم طالع أجيب العيل، نزلت بيه، حد شاف كده!! هو أني أي راجل ولا إيه!!"
قهقه باسل على أفعال ولده، بينما نهضت سندس، تطوقه في سعادة مهنئة، أما سهام الجدة فتطلعت نحو سمير في محبة، هاتفة به أمراً:
"والله طلعت جدع يا سمير، وبتسمع كلام ستك، تعالى أما ابوسك يا واد، تعال."
قهقه سمير لأقوال جدته، مندفعاً إليها، يقبلها قبلة عميقة على وجنتها، ما جعلها تدفعه عنها هاتفة في حنق:
"حاسب يا واد طقم السنان، اهاا هيتخلع عجبك، متتعفاش علي يا واد باسل، الله يكون فعونك يا سمية يا بتي."
قهقه الجميع على أقوالها، ليندفع سمير نحو شقته من جديد، ليجد سمية ما تزال موضعها، لم تتحرك، ليندفع متمدداً جوارها، ملقياً رأسه بين ذراعيها، لتهمس به في فرح:
"مبسوط يا سمير!!"
أحاط خصرها بذراعيه، هامساً:
"مش مبسوط عشان الحمل يا سمية."
ورفع رأسه متطلعاً نحوها بنظرات تقطر عشقا، مستطرداً في هيام:
"أني فرحتي فالأساس، إن العيل ده منك."
دمعت عيناها فرحة، وجذبت رأسه لأحضانها من جديد، هامسة وهي تعنيها بكل خلجة من خلجات روحها:
"بحبك يا سمير."
رفع رأسه منتفضا، يتطلع نحوها مشدوهاً، لتهمس من جديد، في نبرة صادقة، تتطلع لعمق عينيه في وجد:
"أيوه بحبك، وعمري ما حبيت ولا هحب حد غيرك، أنت الأول والأخير فقلب سمية، وأي حاجة كانت قبلك وهم، ولا ليها أساس، بحبك."
وسال دمعها يكمل روعة ذاك الاعتراف الصادق، ما دفعه ليعتصرها بين ذراعيه، ضاماً إياها لأحضانه، فلتوه أيقن أنه اكتمل بمحبتها، وأن الليلة هي ليلتهما الأولى كعاشقين قبل أن يكونا زوجين.
كان يجلس خلف البنك بديلاً عن جده الذي صعد لتناول غذاء مبكراً والخلود للراحة قليلاً، فما عاد لديه القدرة على المداومة بالجلوس لفترات طويلة لداء ألم بفقرات ظهره. سمع تهليل بعض صبية الحارة والذي عادة ما يحدث عند دخول عربة فارهة لعمق الحارة، وخاصة لو كان من يستقلها شخصاً معروفاً بينهم.
تطلع خارج حدود المقهى، ليجد عربة كان يعرفها جيدا، مرت به للتو، كانت عربة شعيل ابن عمة حسن، إذن فقد عادت.
لا يعرف ما الذي دهاه ليتسمر موضعه كالتمثال، لا يحرك ساكناً، رؤيتها من موضعه وهي تترجل من السيارة، أمام بيت أبيها، جعله يستشعر أنه في حلم، وهو يراها قبالة ناظريه اللحظة، بعد شهور مضنية من التيه والبعاد.
اقترب كالمشدوه المنوم مغناطيسياً من موضع توقف السيارة، وما أن أصبح قبالتها، حتى هتف في جديته المعتادة:
"حمد الله بالسلامة يا حسن، مصر نورت."
تطلعت نحوه، وغامت عيونها بالدموع، والتي رأى ألقها ينير مقلتي عينيها العسليتين، وأخيراً وجدت صوتها، واستجمعت أحرف الكلم، هامسة:
"الله يسلمك يا باشمهندس."
هم بالتحدث من جديد، ليهتف شعيل مازحاً:
"ومفيش حمد الله بالسلامة لشعيل ابن عمتها!؟"
اضطرب نادر على غير العادة، متنبهاً أنه نسي وجوده بالفعل، ما أن وقع ناظريه عليها، نسي الدنيا بأسرها إلا محياها الذي اشتاقه، ما جعله يندفع نحو شعيل، مساعداً إياه على حمل بعض حقائبها في اتجاه باب البيت المكون من طابقين، والمغلق بابه بسلسلة من حديد، متناولاً مفتاح القفل من جيبه والتي كانت قد استأمنت أمه على نسخة منه، تراه اللحظة لما يضع نسخة مفتاح دارها، بسلسلة مفاتيحه!!
لا تعلم أنه، ما أن أخذه الوحشة حتى فتح الباب، ودلف للداخل في غفلة من الجميع، يتطلع لكل أركان الدار، لعله يلمح بعضاً من طيفها هناك، يسكن ذاك الوجع الذي استشرى بروحه لغيابها.
دفع الباب الحديد، والذي أصدر صريراً معتاداً، وفتح باب الشقة بالدور السفلي، دافعاً بالحقائب لداخل الشقة، مؤكداً في هدوء، وهو يتطلع نحو شعيل:
"طبعاً انتوا منبهتوش على مجيتكم، كنا نظفنا البيت قبل ما تيجوا، عشان كده اتفضلوا معايا، اقعدوا فشقة جدي، لحد ما نتصرف."
هتفت حسن مؤكدة:
"مفيش داعي، انا هنضف البيت."
أكد نادر في حزم:
"أنتِ لسه جاية من السفر تعبانة، تنضفي إيه!!"
هتف شعيل متفقاً:
"كلام الباشمهندس مظبوط يا حسن، إحنا قررنا السفر بسرعة، وجاية للامتحانات، لازم تستريحي."
هزت رأسها في طاعة لكلام شعيل، ما دفع دماء الغيرة لتغزو شرايين نادر، الذي هتف في محاولة لضبط النفس:
"الحمد لله إنك بقيتي بتسمعي كلام حد، والدماغ الناشفة خفت شوية."
هتف شعيل مازحاً:
"متتعشمش يا باشمهندس، الدماغ لسه على حالها والله، بس دي من الحاجات المميزة لحسن."
لم تخفف كلمات شعيل من نار الغيرة التي أمسكت بتلابيب عقل وقلب نادر، الذي قرر الاندفاع مبتعداً، باتجاه بيت جده، في انتظار قدومهما خلفه لاستضافتهما.
منذ أن أعلنت عن حقيقتها، ما عادت تظهر أبداً، معتصمة بالدار وجدرانه، ولا تصعد للأعلى كما السابق، لتحضر له طعامه، وتعدل من أمور الشقة.
كانت بالنسبة له سماحة الرجل، وهي بقربه، أفضل من كونها سماح الفتاة التي تنأى عنه، ولا لم يرها منذ طلبها للزواج، فهربت خجلى من أمام ناظريه.
لم يعد يطيق، فهتف من الأعلى:
"يا خالة سعيدة!!"
طلت أمها من الطابق السفلي، مجيبة ندائه:
"نعم يا يونس بيه."
هتف بها:
"يونس بس يا خالة، أني بجيت فمجال سماحة الله يرحمه."
همست سعيدة في إكبار:
"الله يعز أصلك يا حبيبي، والله نفس العزة وربنا العالم، طولة العمر لك يا بني."
هتف يونس:
"أمين يا خالة، بجولك.. أني عايز ع الغدا طاجن سمك بالفريك."
انتفضت سماح من الداخل، وهي تتسمع حواره مع أمه، وما أن أتى على ذكر طاجن السمك بالفريك، حتى انتفضت في حنق، في اتجاه الباب، لتخرج زاعقة في اعتراض:
"عايزه ليه!! مش بجاه الحديث ده يا سي يونس!!"
اتسعت ابتسامته، فقد نجحت خطته في إخراجها من مخبئها، والظهور أخيراً، هاتفا مشاكساً لها:
"نفسي فيه يا ستي، أنتِ إيه اللي مزعلك!!"
هتفت أمها تؤيد رأيه:
"ايوه نفسه راحت له، أنتِ إيه اللي مزعلك دلوقتي!!"
هتفت سماح في حنق:
"مش هو ده الطاجن اللي كنتي بتعمليه عشان ينسى العشق اللي كان!!"
كان يونس يتطلع نحوها، مبتسماً في سعادة، وهو يرى دلالات غيرتها عليه، وعدم رغبتها في ذكرى محبته القديمة لسهام، لتهتف سعيدة في فطنة أم:
"يا خايبة، أبوكِ كان دايماً يجولي، طاجن السمك ده، لو عليك عفريت هيطلعه، إلا العشق لو متمكن فالقلب ولا إيه ينزعه."
تطلعت نحو أمها لبرهة، ثم تطلعت نحو يونس، الذي كان يتطلع نحوها وبناظريه نظرات عشق فاضحة، لتهمس به بصوت متحشرج، وأمها تنسحب بهدوء من موضعها للداخل، تاركة كلاهما:
"يعني أنت نفسك رايحة لطاجن السمك بجد!!"
هز يونس رأسه مؤكداً، لتهم بالاندفاع للداخل، ليستوقفها هاتفا:
"على فين!!"
أكدت في حماسة:
"هروح اعملهولك بيدي، ميكنش نفسك فحاجة وما تجيش."
همس يونس في محبة:
"هيبقى أحلى طاجن سمك، بس اتوصي عشان تتأكدي، أن كلام أمك صح، وكيف ما جالت لو عليك عفريت بيطلعه، إلا العشق لو كان متمكن فالقلب، ولا إيه يجدر ينزعه، وأني عشقي لكِ، ما ينزعه إلا خروج الروح يا سماحة."
سال دمعها، لا تصدق أنها تسمع منه مثل هذا الكلام الذي كان أبعد من أن تتخيله في أروع أحلامها، كان يتطلع لها مشدوهاً، فهذه هي المرة الأولى التي يبصر فيها تأثراً أنثوياً منها، كانت دوماً تتصنع الصلابة الذكورية، لكنها اللحظة أنثى كاملة من رأسها حتى أخمص قدميها، أنثى خلبت لبه وسبت قلبه، وما عاد له عنها غنى في حياته. هبط درجتين من السلم، ثم وعى أنه لو اقترب فلن يكون له القدرة على الابتعاد من جديد، ما دفعه ليتقهقر من جديد، عائداً درجتي السلم، هاتفا في حنق:
"منك لله يا سماح يا بت أم سماحة، كان زماني دلوقتي متأهل وداخل دنيا، مش متشعلج فحبال الهوى لا عارف اطلع ولا انزل، أجول إيه، بس صبرك علي، كله هيخلص."
اتسعت ابتسامتها رغم دموعها، هاتفة في دلال:
"كلامك كله ماشي، محدش يرد لك كلمة يا سي يونس."
هتف يونس وهو يصعد مهرولاً مبتعداً عنها، هاتفا في حنق:
"بجولك إيه يا بت الناس، ادخلي الله لا يسيئك، ومش عايز سمك بالفريك، ولا سمك بالدجيج."
هتفت سماح متعاطفة:
"طب عايز ايه!"
هتف يونس وهو يغلق باب شقته، زاعقاً في قلة حيلة:
"يونس عايز يتجوز، جوزوني يا حكومة، يا رب يلاقيوا الجاتل يا رب."
قهقهت سماح بعد أن وصلها بعض من صدى كلماته، لتقرر صنع طاجن السمك بالفريك، لعله يطيب بعض من خاطره.
تطلعت حولها في تيه للحظة، حاولت النهوض لكنها شعرت بألم متفرق بجميع أنحاء جسدها، عادت لتستلقي من جديد، متطلعة للسقف، تحاول استرجاع ما حدث بين كل هذه الفوضى، ليتمثل أمام ناظريها مشهدهما الأخير معاً، وهو يضمها بذراعيه ليسقطا سوياً، ويغيبا عن الوعي. تنهدت فتجمع بخار الماء، داخل ذاك القناع الأكسجيني الذي كان يغطي معظم ملامح وجهها، نزعته مبعدة إياه، ونهضت في تثاقل، تبحث في اضطراب عن حقيبتها. دخلت الممرضة في تلك اللحظة، لتسألها نوارة في لهفة:
"هو الناس اللي جت معايا كويسين!!"
أكدت الممرضة:
"اه الحمد لله، الست الكبيرة كويسة بس تحت الملاحظة، وابنها في قسم العظام، عنده بعض الكسور، وحضرتك اهو كويسة الحمد لله."
هزت نوارة رأسها في محاولة لإخفاء قلقها على حال رائف، متسائلة:
"طب فين شنطتي!!"
أكدت الممرضة:
"موجودة في أمانات المستشفى، حضرتك وأنتِ خارجة تقدري تستلميها."
نهضت نوارة، واستلمت حقيبتها، واتجهت نحو قسم العظام، حيث علمت رقم حجرته، وفي هدوء وبقلب مضطرب، وضعت كفها على مقبض باب حجرته، تتطلع نحو جسده المسجى، غائب عن الوعي، وكفه وذراعه التي كانت في جبيرة من الجبس، معلقة بشكل يمنعه عن تحريكها.
شعرت بغصة في حلقها، ودموع محبوسة بمقلتيها، فتحت حقيبتها، وأخرجت الخطاب، ومدت كف مرتعش، تضع الخطاب بجيب سترته، بعد أن صورت الخطاب كنوع من أنواع الحفظ لحق من حقوقها، وتحركت مغادرة، تحاول التواصل مع عبدالباسط، لتعلم أين يكون، للعودة لنجع الصالح، بعد أن أخذت منه الوعد، حتى لا يخبر أحدهم بما حدث بنجع السليمانية، وترك هذه المهمة لها.