يهمهم بألم وينادي بين غفوته. "أحلام... أحلام." يصمت، يغوص في نومه، ويعاود النداء مرة أخرى. "أحلام." ظل طوال الليل على تلك الحالة. يستمع إلى همهمات أبيه والشر يتطاير من عينيه. يقسم بداخلة أنه سيذيق من فعل بوالده ذلك، أو بالأخص فعلت. يخرج من غرفة أبيه ويدخل غرفة أمه. "مسا الخير يا أما." "يسعد مساك يا صافي. انت لسه صاحي؟ "ومين هيجيله نوم بعد اللي حصل والفضيحة اللي جرتنا بالبلد. بقي العمدة يحصل فيه كده." "بسخرية
وشماتة في نفسها: أحسن حاجة حصلتله. يا ريته كان اتعمل فيه كده من سنين." يجلس على الكرسي بجوارها. "قوليلي يا أمي مين أحلام دي؟ "أحلام؟ وانت عايز تعرف عنها إيه؟ وتعرف اسمها منين؟ "احكيلي كل حاجة، وهفهمك بعدين كل اللي حصل." روت له كل ما تعلمه عن العلاقة بين أحلام وشفيق، وذهاب شفيق يقف أمام منزلها بالساعات يترجاها تفتح له. "تفتكري تقدر تعمل اللي اتعمل في أبويا؟ "أحلام اللي بتخاف تفتح له، هتعمل كده؟
لا مش أحلام، دي أضعف ما يكون." "والتوفيق وسعاد يبقوا مين؟ "سعاد دي آخر ضحايا أبوك. عمل فيها زي ما عمل في صباح بالظبط، ويمكن أكتر. قتلها." "وتوفيق يبق ابن عمها وخطبها." "وبرضه ما أعتقدش إنه يعملها. ده طفش من البلد يوم ما ماتت. وما يعرفش أصلًا بموتها. لأن أبوك والمخسوف رجب قالوا وقتها إنها هربت مع واحد. وما قدرش يتحمل كلام الناس وطفش من سنين." "أومال مين بس يكون عملها؟ وليه بيقول اسمهم طول ما هو نايم؟
"أحلام طول عمره بيناديها في نومه. وسعاد بقي، تلقيه بيحلم بأفعاله السودة." "يبق كده الكل هيتعاقب. البلد كلها هيتشك فيها. وأقسم بالله لاخليه عبرة للجهة كلها. اللي عمل كده لاشفي منه. نساير نساير، وأوكلها للكلاب. مش أنا اللي اسكت على تار أبويا. وهبدأ بأحلام وأشوف تقدر ولا ما تقدرش." تركته والدته تحدثه بألا يفعل ويجعل بينه وبين أهل البلدة عداوة، وأنه يقترب منهم أفضل.
خرج الصافي ينادي على الغفر ويطلب منهم مراقبة أهل البلدة ومن يشك فيه، ويصطحبوه إلى مخزن مصنع الأعلاف. ليصعد سيارته ويتوجه بصحبة أحد الغفر لبيت أحلام. ليصل بعد دقائق، يترجل من السيارة ويتجه يدق على الباب بعنف. ليقف فجأة ويلتف للخلف وهو يستمع للصوت القادم من الخلف. تقع عينه على فتاة لا تصل إلى قدمه وهي تحدثه بقوة. "أرفع إيدك من على الباب، هتكسره! البعيد إيه؟
مش بيفهم. خبطت مرة واتنين، ما حدش رد عليك. يبق ما فيش حد موجود بالبيت. لكن البعيد بينه أعمى وأطرش، لا بيسمع ولا بيشوف. الباب مقفول بالقفل قدام عينك. بيقول ما فيش حد في البيت. لكن نقول إيه بقي." يلتف إلى الباب، يرى بالفعل أحد الأقفال على الباب. ليغمض عينه ويكور يده بغيظ من نفسه ومن الغفير الواقف جواره. ليعاود النظر للفتاة، يستمع لها وهي لازالت تصفق على يدها وتسب وتنعتة بالغبي.
ليقترب منها ويحدثها بعنف وهو يجذبها ممسكًا برسغها. يقربها منه وجهًا لوجه، لتقع عينه على عينها. يشعر بالندية منها وثباتها. تقوم بحك أسنانها ببعضها مصدرة صوتًا بهم، كأنها تهدد بسلاحها. تنطر يده من يدها وتكمل سبه. ليقترب منها الغفير ينهارها. ليشير له الصافي وهو لازال عينه على عين الفتاة. ليبعد يده عنها ويعتدل في وقفته. يحدثها بصوت رخيم.
"خلاص حصل خير، متأخذناش. ما أخذناش بالنا. عندك حق تزعلي على الباب. بس بقي انتي مين، ومالك ومال الباب والبيت واللي فيه؟ تضرب يديها ببعضهم. "الله ما طولك يا طولت البال. بص يا عم، انت شكلك كده زي المثل اللي بيقول: الجسم جسم فيل والعقل عقل نملة." "بنت، انتي اتعدلي بكلامك. فهمة سؤال وردي عليا من سكات. تعرفي أحلام اللي ساكنة هنا فين دلوقتي؟ ولا لأ." تنظر له من فوق لتحت بسخرية.
"الست أحلام تعبانة وفي المستشفى في طنطا بقالها كام يوم. عاملة عملية. يلزم حاجة؟ أبلغها للست أحلام." "تعبت له وعملية إيه؟ من امتى الكلام ده؟ "من يومين. تعبت. نقولوا للتعب بلاش تجي اليومين دول، أصل في تور هييجي يخبط على الباب، ولازم نكون في شرف استقباله." نفذ صبره من حديث الفتاة. "بنت، انتي بطلي كلامك المستفز ده وتقولي أحلام في أي مستشفى." تنظر له بعدم اهتمام. "ممنوع الزيارة، وخصوصًا للغرب." يرحل وهو يشير للغفير.
"يلا، دي بنت لسانها متبري منها. اللي يشوف طولها ما يشوفش طولت لسانها. اللي عاوز حشة من لغلوغه." تنظر له الفتاة وتلتف لفتح الباب وهي تسبه. ترفع قدمها على الأرض، تقف على أطراف أصابعها، تحاول فتح الباب لتصرخ وهي ترفع من على الأرض لأعلى.
تحاول تخليص نفسها لتجد من يديرها له ويضحك على رعشتها وانتفاضها بين يديه. ليديرها له ببطء وهو لازال يحملها، يضحك بقوة على خوفها الظاهر على وجهها. لينزلها ببطء وهو يسند ظهرها على الباب ويحاصرها بجسده. تفتح عينها فور ملامست قدمها للأرض. تنظر له بغضب. ليقربها لصدره ولازالت عينه على عينها. "كلمة واحدة كمان وهرفعك تاني، ووقتها هعلقك على الباب ده. فبلاش تختبري صبري. قولي أحلام فين." "ببعض
الهزة بصوتها: ابعد، ولو انت راجل بجد، حاول مرة تانية." "بلاش. من شوية كنتي عاملة زي الفرخة المدبوحة." "خدتني على خوانة، وأنا مدياك ضهري. لو كنت راجل كنت عملتها وانت واقف قدامي." ابتعد عنها وهو يضحك. "لا، فصيحتك بالكلام مش حلوة وبس." "هسيبك وامشي. وهزور أحلام قريب قوي." ليتجه إلى سيارته ويصعد بجوار ه الغفير ويرحل بعد أن أشار لها وهو يضحك بصوت عالي، ويطلق بوق سيارته. يحدث الغفير. "مين البنت دي؟
"دي زهور، تبق ستي أحلام." "زهور." يحدث نفسه: "البت عليها جوز عيون يخبلوا. متعرفش لونهم إيه؟ شرطة. العين تهوس. من دلوقتي لما تكبر، ودوار البنات يجيها، هتكون إيه؟ فرسة. آه لو كانت كبيرة شوية كنت جوزتها وقتي." "يا عمدة، يا عمدة." "في إيه؟ بتنادي ليه؟ يلا، كمل حكايتها." يقص الغفير كل ما يعرفه عن زهور، وعن كره إحدى بائعات السوق لهم. "البياعة دي تكون عندي بالليل في شقة المصنع." "اعتبرها جات يا عمدة."
يصل الصافي للسوق بعد قليل وينزل الغفير، يخطو تجاة الداخل، يسأل على إحدى البائعات حتى وصل لمكانها. ليقترب منها مناديًا عليها ويحدثها وهو يشير لمكان السيارة الواقفة بالقرب من مكان السوق. يحدثها قليلاً ويرحل متجهًا إلى السيارة مرة أخرى. الصافي فور صعود الغفير جواره. "قلتلك إيه؟ وعرفت مكان المستشفى؟ "أيوه جنابك عرفتها. وبعد ما تخلص اللي قدامها هتحصلنا على شقة المصنع زي ما حضرتك أمرت."
عاد الصافي إلى البلدة بعد تأكيد الغفير على كلام البائعة أن أحلام بالعناية المركزة وأن الزيارة ممنوعة بعد ما ذهب عدد من الباعة يزورونها ورفضت الإدارة دخولهم. عاد اليوم وحضرت البائعة إلى مصنع العلف وصعدت خلف الغفير للشقة، تتلفت حولها مبهورة من الأثاث. تتلفت حول نفسها لتقف وهي ترى الوسيم الذي خرج عليهم من الغرفة. "أهلاً وسهلاً يا سكرة، نورتي الشقة."
سكرة تخطت الثلاثين من عمرها. جسدها ممشوق. جميلة لحد ما، ملامحها مقبولة. تغير من أحلام لجمالها الفتان الذي لا يتغير مع كبر عمرها. من يراها يفتن بها ولا يعيرها هي اهتمام. "أهلاً بيك يا عمدة. الشقة منورة بوجودك."
الصافي يشير إلى الغفير بالخروج ويجلس على أقرب كرسي، ويشير إلى سكرة وهو يتفحص جسدها بجرأة. وهي تتقدم إليه ليشير لها بالجلوس أمامه على الأرض. لا يفصل بين جلستها على الأرض وبين قدم الصافي غير بضع سنتيمترات فقط. تنظر له بجرأة وهو يتأكلها بعينيه. "آمر يا عمدة." عينه مسلته عليها. ينزل يجلس بجوارها، يضع يده على كتفها. "قولي كل اللي تعرفيه عن أحلام والبنت اللي معاها."
"زهور. قطيعة تقطعها البنت. عاملة زي أم أربعة وأربعين. لسانها متبري منها. وقدرة وقوية." لتقص عليه كل شيء من أول قدومهم للسوق حتى اليوم. تنتهي من الحديث. "عايزك كل يوم تجيبيلي أخبارها أول بأول. وأول ما الزيارة تفتح والناس تروح ليها، تبلغيني فورًا." "من عنيا يا عمدة. يلزم خدمة تانية؟ ينظر لها بجرأة ويقف يحذبها إليه، يقبلها. وأمسكها من يدها يجذبها خلفه لأقرب غرفة. بعد وقت طويل رمى نفسه على الفراش يتنفس بلهث.
"كل يوم لما تخلصي شغل تعرفيني أول بأول أخبار أحلام وزهور. ونقعدوا مع بعض قاعدة حلوة زي دي." "من عنيا يا عمدة. من عنيا." هب واقفًا، ارتدى ملابسه سريعًا، وأشار لها بارتداء ملابسها، وخرجا معا وخلفهم الغفير. ليذهب كل منهم في اتجاه، ويعود الصافي للدوار. يذهب لغرفة والده يلقي نظرة عليه ويخرج لغرفته. يضحك بصوت عالي بعد تذكره لكلمات زهور له. "صغيرة وبالشكل ده، لما تكبر هتكون إيه؟
صاروخ، صاروخ." ليلقي بنفسه على الفراش، وهو لازال يضحك. ليغمض بعد قليل عينه ويذهب في نوم عميق.
زهور فتحت القفل بصعوبة ويدها تهتز، حتى نجحت ودخلت للبيت وجسدها ينتفض. ظلت واقفة خلف الباب عدة دقائق تلتقط أنفاسها لتهدأ، وتتجه إلى غرفة النوم تلقي بنفسها على الفراش بإرهاق شديد من قلة النوم وإرهاقها بالعمل بالسوق. لتغمض عينها وتنام. وتصحو كعادتها على أذان الفجر. تفيق بكسل وتذهب لدورة المياه وتستحم، وبعد قليل تخرج تصلي فرضها. وقامت بفتح الصندوق وإخراج باقي الأموال به بعد عدها. وضعتهم في حقيبة والدتها ومعها بعض الملابس لها ولأحلام يرتدونها لعدة أيام. خرجت من المنزل بعد سماعها صوت زميلاتها في السوق وصعدت تجلس بجوارهم على العربة بعد تأكدها من غلق الباب جيدًا.
ذهبت إلى السوق أولًا لتنهي بيع حصتها من الخضار والفاكهة. وتذهب إلى مركز القلب واتجهت مباشرًا إلى غرفة العناية. تنظر بلهفة لسرير جدتها التي لازالت مغمضة العينين. وقفت قليلًا تنظر لها، لتفيق على صوت خلفها ويد توضع على كتفها. لتلتف بسرعة لتهدأ من أنفاسها المتسارعة، وهي ترى من فعل ذلك. "هو حضرتك يا دكتور أحمد؟ "كويس أن حضرتك هنا. عايزة أتكلم مع حضرتك ضروري." قالتها بتلاحق دون التقاط أنفاسها.
"اهدي، اهدي، خدي نفسك في الأول وتعالي على المكتب." قالها وهو يقلدها وهي تلتقط أنفاسها. بابتسامة صغيرة على تقليد الطبيب لها، تومي برأسها وتذهب خلفه بعد أن ألقت نظرة على جدتها. دخلت للغرفة، أشار لها بالجلوس. فتحت حقيبتها وأخرجت ما بها من متعلقات. ينظر لها الطبيب بذهول وهو يرى ما تخرجه: كيس مغلق، وملابس مطوية، ونقود. مدت يدها بالنقود وتحدثت.
"اتفضل حضرتك، دول كل الفلوس اللي فضلت من مصاريف العملية. بس لو سمحت، عايزة حضرتك تسمحلي أفضل هنا جنب ستي. بلاش حكاية أروح وأجي أزورها بمواعيد الزيارة. هاجر أوضة هنا أنام فيها، ولما ستي تفوق وتخف يبق نخرج." بضحكة: "تأجري أوضة؟ لا يا ستي، احنا مش فندق عشان تأجري. كده كده جدتك لما تفوق هتتنقل أوضة عادية. فانا هسمحلك تفضلي فيها لحد ما تفوق."
"وشيلي الفلوس دي، خلاص حساب العملية اتقفل بالمبلغ اللي دفعتيه. وليكي لسه خمس آلاف جنيه من المبلغ اللي دفعتيه. وادي يا ستي الوصل والفلوس." تنظر له بشك. "متسألنيش كده. أيوه، المبلغ كله كان 38 ألف جنيه التكلفة الرسمية للعملية. فعملنا تخفيض وخلناه 35 ألف. يبق فاضلك من الأربعين ألف خمس آلاف جنيه. اتفضلي." "ممكن حضرتك تخليهم معاك؟ هما دول اللي يضيعوا مني. وبعدين هاخدهم لما نخرج."
مد الدكتور أحمد بعد ما اقتنع بكلامها لياخذ المال. تقف تتجه إلى باب الغرفة. "كده خلصنا يا دكتور. أنا سألت وعرفت التكلفة وأنك خفضتها من مئة ألف. وحضرتك خفضتها. وأنا قلتلك قبل كده فيه ناس أحق مننا. الحمد لله مستورة." قالتها وخرجت من المكتب. بذهول: "ضحكت عليا أم لسانين. ههههههه. ذكية بنت الـ... ". ليضع المبلغ في درج مكتبه ويغلقه ويخرج خلفها يتابع مروره على مرضاه.
لتقع عينه عليها، تجلس في زاوية تخرج أكل من الكيس وتلتهمه بمتعة. ليقترب منها براوية ويخطفه من بين يديها ويضحك على هيئتها. يحدث نفسه: "ما الاستمتاع والسعادة التي تحدث له فور كلامه معها." ليلتف خلفه بعد أن أشارت له زهور وتقوم بخطف الأكل من يده وتضحك بقوة عليه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!