شفيق فقد عقله، كل يوم تأتيه تهديدات عدة. أحيانًا تأتيه رسائل تليفونيه، وأخرى رسائل بريدية. أصبح مشتتًا دائمًا، شاردًا. لا يخرج من مكتبه إلا للذهاب لمنزل أحلام. يحدثها، ترأف بحالته وتوافق على الزواج به. لا يجد منها سوى كلمة واحدة: إنها متزوجة. هذا يجعله يثار من الغضب، وظل يفكر في مكيدة تجعلها بين يديه. شفيق: أكتر من عشرين سنة وأنا بتعذب، نار بتقيد في جسمي. عقلي معدش بيفكر غير فيها. قلبي قفل عليها، وهي قاعدة مربعة فيه.
وتيجي بكل بساطة كده تقول: متجوزة واحد تاني. واحد يتمتع بيها وأنا لا، واحد غيري بينام في حضنها، ينام ويقوم على جمالها وأنا محروم منها. واحد تنادي عليه باسمه بشفايفها، وأنا بحلم بأنها بتنادي باسمي ليالي. عشرين سنة كل ليلة وهي مجافيني النوم، وهي بتنام مع غيري. وحياة حبك اللي مكلبش في ده، قالها وهو يشير على قلبه. لتكوني ليا الليلة قبل بكرة، لجيبك لحد عندي، وإنتي بتقولي: شبيك لبيك، أنا بين إيديك.
رحل شفيق وعلى وجهه ابتسامة خبيثة، ينظر أمامه ويهز رأسه ويشير بعينيه التي لمعت بعد أن جمع خيوط خطته في رأسه. شفيق: هههههه، قلت لك هجيبك يعني هجيبك. بس في فرق يا أحلام، في فرق. الأولى بمزاجي، والتانية غصب. ويا ويلك من الغصب عندي، يا ويلك. ظل يتمشى طول الطريق من منزل أحلام للدوار، وهو عاقد يديه خلف ظهره، يضحك بين الحين والآخر. حتى وصل للدوار، ينظر الغفر لبعضهم ببلاهة وهو يضحك دون سبب.
صعد شفيق مسرعًا لغرفة روحية لبدء تنفيذ خطته. ليقف مكانه ويبعد يده عن الباب، وهو يستمع لزوجته نادرة تهدد روحية وتطلب منها أموال وسيغة. حتى أنها سلبت خاتم ذهب في خنصر يدها بالقوة. ليكز على أسنانه مما سمع، ليرتد سريعًا للخلف ويهبط إلى مكتبه، ينادي على ذراعه الأيمن رجب. *** نادرة خرجت من عند روحية، عينها تلمع من السعادة وهي تضع الخاتم في إصبعها. لتجد من يشير لها، تسير في اتجاهها وتغلق الباب خلفها.
نادرة بلهفة: في إيه يا أم محمود؟ مالك وجفة في الضلمة كده؟ وجفتي قلبي. أم محمود تمسك يدها مبتعدة عن الباب. تبلع ريقها بخوف تتحدث وهي تحرك يدها: العمدة، العمدة شافك وإنتي عند الست روحية. وسمع كل كلامك. ونزل وهو بينادي على كلبه الوفي رجب. ومن ساعتها وهم بيتدودو ومش باين ليهم صوت. نادرة: تصق صدرها بخوف من انكشاف خطتها. تسرع بإجراء مكالمة هاتفية. نادرة: خلي بالك من الطريق يا أم محمود. أي حركة بره شوريلي عليها طول.
بعد عدة مرات، أتاها الصوت بالإجابة. نادرة: الو يا مسعود؟ بقالي ساعة برن عليك، كنت فين ده كله؟ مسعود بلهث: أنظر بجواري، مافيش. كنت بس مشغول شوية. نادرة: مشغول في إيه السعادي؟ ومالك بتلقف نفسك كأنك كنت بتجري؟ مسعود: مافيش حاجة. التليفون كان فوق وطلعت السلالم بسرعة. نادرة بشك: مش موضوعنا دلوقتي. شفيق سمعني وأنا بهدد روحية ونزل المكتب وبيتدودو مع رجب يجيهم ساعة دلوقتي.
مسعود: هب واقفًا من مكانه. رجب لازم نخلص منه. وشفيق لازم ينشغل بكام مصيبة ورا بعضهم كده يلبخوه، يطيروا النوم من عينه لحد ما نضرب ضربتنا ونمشي. ماهو مش بعد عشرين سنة تخطيط يضيع مننا كل حاجة. نادرة: أنا خايفة يعمل حاجة كدة ولا كدة. إنت عارف إنه نابه أزرق وبحوره غميقة. مسعود: حطيله حباية من اياهم، ومتقلقيش. مش هيفكر في حاجة خالص. كام يوم لحد ما أشوف له مصيبة تريحنا منه. أغلقت الاتصال مع مسعود.
نادرة: يواه عليا، نسيت أسأله على العيال. عاملين إيه؟ صباح والصافي. تعاود الاتصال مرة أخرى ليرد عليها مسعود بنفس اللهث. نادرة: خبريه يا مسعود، مالك؟ كل ما أكلمك ألاقيك بتاخد نفسك بالعافية. فيك إيه؟ مسعود: أبداً، مافيش حاجة. اتصلتي تاني بسرعة كده ليه؟ حصل جديد؟ نادرة: لا، ماحصلش حاجة. كنت هسألك على صباح وصافي عاملين إيه؟ وصباح بتروح الكلية ولا مقضياها فرجة على التليفزيون وفسح. مسعود
ينظر بجواره ويتحدث بلجلجة: صباح، صباح زي الفل وبتروح كل يوم الجامعة. واصافي كمان بيروح مدرسته. حتى هو عنده درس وصباح لسه راجعة من كليتها من ساعه ومريحة في أوضتها. نادرة: طيب كويس. خلي بالك منها يا مسعود. البت حلوة، أحد يلعب في عقلها كده ولا كده. مسعود: هاه، لا متقلقيش. صباح جدعة وتربيتك. محدش يقدر يضحك عليها. نادرة: كويس. طمنيني لما تصحى والصافي يرجع. هتصل على تليفوناتهم وأطمن عليهم بنفسي.
مسعود: ماشي. هقفل أنا بقي عشان ألحق أشوف هعمل إيه في حكاية رجب. أغلق مسعود الهاتف وعاود النظر لجوارة وهو ينظر لها برغبة عارمة. ليغلق الهاتف نهائيًا وينقض كالذئب الجائع على فريستها. بعد وقت، ابتعد عنها، جلس على حافة الفراش يلتقط أنفاسه، وعاود النظر إليها مرة أخرى. مسعود: أمك بتسأل عليكي وشوية وهتتصل. قولي لها إنك جيتي من الجامعة وريحتِ شوية والصافي في درسه. صباح: تهز رأسها ببعض الخوف. أنا... أنا...
مسعود بمكر: اللي حصل ده معتش يتكرر. أنا طوعتك بيه بعد ما لقيتك تعبانة وحالتك صعبة، خفت عليكي. صباح: مش عارفة إيه اللي حصل. أنا كنت كويسة قوي، وبعد ما شربت العصير اللي في التلاجة، معرفش إيه حصلي. مسعود: ما أنا شربت منه. وأخوكي قالها وهو ينظر إلى درج الكومود بجواره وتلك الحبات. صباح: أنا خايفة يحصل كده تاني. هعمل إيه وهصرف إزاي؟ أنا هرجع البلد. مسعود بسرعة: ترجعي إيه دلوقتي؟
لا، أمك ممكن تشك فيكي، وخصوصًا الامتحانات قربت. أنا بقول لو حصل حاجة تاني هوديكي للدكتور، بس بلاش البلد دي خالص اليومين دول.
صباح فتاة جميلة ممتلئة بعض الشيء، شديدة الشبه بأمها في جمالها، في الثامنة عشر من عمرها. دائمًا مسعود يناديها بنادرة، حبه الأول من ضحى بمبادئه ليساعدها في انتقامها من عائلة شفيق. تمكن منه شيطانه وانتقم من محبوبته التي حلم بها طول عمره بابنتها شديدة الشبه بها، بوضع منشطات في شرابها جعلها غير مدركة لأي شيء سوى راحة جسدها.
شفيق قام من على الفراش: أنا هغير وأروح مشوار. قومي وغيري إنتي كمان وروحي على أوضتك قبل ما صافي يرجع ويشوفك هنا، وخليكي على طبعتك. وأنا هصرف بالموضوع ده وأشوف حل إنه ما يتكررش مرة تانية. صباح: أومت برأسها وقامت من على الفراش بألم في جسدها. قلبها يكاد يقف من الخوف والخجل. لملمت ملابسها وتوجهت إلى غرفتها، رمت حالها على الفراش تبكي بألم وخوف، لا تعلم متى وكيف وصلت لما حدث.
مسعود بعد خروج صباح، فتح الكومود وأخرج ما به ووضعه في خزانة ملابسه وأغلقها بالمفتاح، وعلى وجهه ابتسامة خبيثة. يربت على الخزانة: خليك هنا، محتاجك كتير الأيام اللي جايه. ليرتدي ملابسه ويمسك بهاتفه ويجري اتصالًا هاتفيًا ويخرج من منزله متوجهًا إلى مكان لتنفيذ خطته في الخلاص من رجب. *** أحلام بعد أن انتهت من إطعام زهور وبدلت ملابسها، وضعتها على الفراش وذهبت إلى الخزانة وأخرجت حقيبة سلسبيل تتلمسها وأفرغت محتوياتها أمامها.
أحلام ببكاء: يا ريتني ما كنت شلت الشنطة بالدولاب. يمكن كنتِ فتحتيها وشوفتي الظرف وشهادة ميلاد البنت اللي فيها، وعرفتي إن زياد مظلوم. وما كنتِ مشيتي كده، لا معاكي حاجة ولا تعرفي الطريق. حتى التليفون مش موجود. كنت اتصلت على حد بطمن عليكي، وأنا لا حافظة رقم ماجد ولا نيفين. يا رب يطمني عليكي يا سلسبيل وترجعي لبنتك بالسلامة. تنظر للنقود أمامها: دول أمانة. هعمل إيه وهصرف إزاي؟
والبنت كل يوم محتاجة غيره ولبس وأكل وشرب وعلاج. لو فضلت أسحب منهم وأصرف، هيجي يوم ويخلصوا. لازم أتصرف وأشتغل. أي حاجة آخد منهم قرشين، أتصرف بيهم في أي مشروع، والباقي أشيله على جنب لحد سلسبيل ما ترجع، وربنا يقدرني والمبلغ اللي هصرفه أرجعه من تاني مكانه. تسمع صوت بالخارج ينادي عليها ويدق الباب دقات خفيفة. لتضع محتويات الحقيبة مرة أخرى فيها، وتضعها بالخزانة وتغلقها وتتوجه للخارج.
أحلام: تخرج من الغرفة تعدل في غطاء رأسها. اقتربت من الباب بخوف. مين بينادي؟ لم تجد ردًا. عادت سؤالها: مين؟ مين؟ مين؟ أيضًا لم تجد استجابة. تجلس على أول أريكة تقابلها بوهن، تشعر بانقباضة في قلبها. لتستعيذ وتقف متوجهة للحمام، قامت بالوضوء وظلت تصلي وتبكي في صلاتها، تدعو الله بالستر والصبر وأن يقويها ويعينها للخير ويبعد عنها وعن الصغيرة السوء. ظلت تدعو الله وتبكي حتى شعرت براحة في قلبها وهي تردد أدعية.
يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين. يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين. اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي.
لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض ورب العرش. يا رب عليك باللي رايد بيا شر، يا رب ابعده عني والهيه في نفسه. يا رب أنا راضية بالمكتوب عليا، وحمدًا لك وشكرًا لفضلك، وعارفة ومتاكدة بحكمتك باللي حصل. هون عليا يا رب وقويني على اللي جاي، وطمن قلبي على اللي غابت. أنهت دعاءها وظلت جالسة تسبح الله فترة، وقامت بعدها تطمئن على الصغيرة وتنام بجوارها بعد شعور راحة غريبة في قلبها. ***
وائل مع كبار تجار السوق، تم نقل جميع محلاتهم لمنطقة سوق العبور. وبمساعدة يحيي له، فتح محل يبيع به الخضار والفاكهة. علمه كل أمور العمل والشراء والبيع. كان سعيدًا بعمله وصلاح حاله، ولكن اشتياقه لروحية أمه هو ما يؤرقه، وبعد المسافة بين عمله والحارة جعله يرجع بوقت متأخر. أصبحت رؤيته لإلين قليلة جدًا، يستسرق فيهم النظر لها صباحًا، وأحيانًا يتحجج بأي شيء ويذهب لمنزلهم حتى يراها.
عدت الأيام والشهور، وأخيرًا استجمع قواه واعترف لها بحبه. كاد يموت فرحًا بعلمه بمحبتها له. أخبرها بأنه سيتقدم لها ليتزوجها، لكن خوفها من رفض أهلها بسبب الدين أرقهم، ليقرر طلب المساعدة من يحيي حتى يفيده بما يفعل. شفيق بعد أن سمع تهديد نادرة لروحية نزل للمكتب. شفيق يحدث نفسه: يا ويلك يا نادرة من اللي هعمله فيكي، بس الأول أخلص من اللي شاغل بالي، وبعدين أروقلك وأوريكي مين شفيق، وهيعمل فيكي إيه.
نادى على رجب وأخبره بخططه وما يريد منه تنفيذه. شفيق يجلس على كرسي بجوار مكتبه وأمامه رجب، يهمس له بخطته. بص يا رجب، أنت عارف أنا بثق فيك قد إيه. محدش يقدر ينفذ اللي عاوزة غيرك. رجب: تحت أمرك يا حضرة العمده. شفيق: هتروح لبيت أحلام، عاوزك تنزل فيه وتجيب البت الصغيرة من غير ما تحس، وتسيب ليها الورقة دي وتيجي طوالي على الشقة فوق مصنع العلف. وبعدين هقولك تاني تعمل إيه في الخطة اللي هنعرف بيها غرمنا.
بعد خروج رجب، خرج شفيق ووجد الخادمة تعد الطعام ونادرة تجلس وتشير له بالجلوس جوارها ليأكل من الطعام التي تأكل منه وهو ينظر لها بشك. ظل يأكل دون أن يتحدث، وقليلًا ما نهض من على الأكل ودخل لغرفة نومه ورمى نفسه على الفراش ليذهب في نوم عميق. خرج رجب من الدوار، وبعد خطوات منه شعر بمن يمشي خلفه، استدار ليرى وجهه وما يريد، ليسقط أرضًا غارقًا بدمه في مكان مهجور، ليتركه القاتل مرميًا على الأرض ورحل سريعًا.
اليوم يوم الجمعة، وقف شيخ المسجد على المنبر يتلو آيات من القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، وعن عذاب وحرمانية قصف المحصنات، وأخرج من جيبه شهادة ميلاد وقرأ الاسم على مسامعهم. عد يومين ولم يأتِ لا حس ولا خبر، وشفيق شعر بحدوث خطب ما. لتنقلب البلد رأسًا على عقب بعد العثور على جثة رجب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!