أحلام تجول بالشقة ذهابًا وإيابًا، تفرك يديها بتوتر. تجلس تارة وتقف أخرى، تحدث نفسها بعتاب: أحلام: ياتري اللي أنا عملته صح ولا غلط؟ طيب تسرعت بالرد ولا لأ؟ حالته دي واللي حصله ده أنا السبب فيه ولا الصدمة هي السبب؟ هعمل إيه بس يا ربي؟ ياتري هو دلوقتي لسه مصدوم؟ ولا فاق؟ يا رب ساعدني يا رب. فينك يا زهور تيجي تخرجيني من الحيرة دي؟ هنا تذكرت أنها تأخرت عن موعد وصولها، لتنظر على الساعة المعلقة بالحائط.
تجدها تجاوزت السادسة، فتمسك بهاتفها تتصل عليها بقلق وتوتر، تضع الهاتف على أذنها تحدث نفسها: ياتري إيه اللي أخّرك يا زهور كده؟ استرها يا رب. هي كانت قايلة إنها هترجع من الجامعة على أربعة ونص بالكتير. ربنا يجعله خير. يا رب ابعد عنها كل شر ووفقها، دي تعبت كتير أوي. انتهى الاتصال ولم تجب، لتعاود مرة أخرى بعد قليل وتقوم بالاتصال مرة أخرى. تخرج للشرفة بعد ما تم تجاهل الاتصال. تنظر بالطريق تتأكد من قرب وصولها.
زهور أجرت مقابلة العمل وعادت إلى الحارة برفقة إلينا. طوال الطريق شاردة، لما تلك الروحانية التي شعرت بها بهذا المكان؟ الاسم المشابه لاسمها، ذلك الاسم النادر عندما بحثت عنه لم تجد سوى قلة قليلة يحملونه على مستوى العالم. تتساءل: زهور: مش عارفة ليه قلبي بيدق؟ وإيه الراحة اللي كنت فيها وأنا بالفندق؟
سهولة المقابلة والتعيين بسرعة والاتفاق على ساعات العمل أربع ساعات بس، أكون مسؤولة عن جناح خاص بس من كل الفندق وبعدها أرجع البيت. إلينا تحدثها: زهور، زهور سرحانة في إيه؟ بقالي كتير بكلمك وإنتي مش هنا. تنظر لها زهور دون رد، لتكمل إلينا: يلا وصلنا الحارة وردي على تليفونك. اللي مش مبطل رن بقاله ساعة. ترجلتا من السيارة، تخرج زهور هاتفها من حقيبتها.
زهور: دي ستي بتتصل. بقولك يا إلينا لو سألت ليه راجعين مع بعض، قولي لها إننا اتقابلنا أول الحارة. بلاش تعرف دلوقتي موضوع الشغل وربنا يسامحني على الكذبة دي لحد ما أبلغها وحدة وحدة. لتضغط على زر إنهاء الاتصال، ترفع عينها تجاه المنزل، تجد أحلام تقف في شرفة الشقة تنظر للطريق. أحلام فور رؤيتها لزهور تقترب من المنزل، برحت مكانها متوجهة ناحية باب الشقة، تفتحه بلهفة.
زهور صعدت سريعًا الدرج وخلفها إلينا، تجد أحلام واقفة عند الباب. زهور: السلام عليكم. واقفة كده ليه يا ستي؟ أحلام: قلقت عليكي، اتاخرتي أوي. المفروض تكوني هنا من ساعتين أو أكتر. زهور: بتهته، كل يوم هتأخر كده. المحاضرات اتغيرت مواعيدها وكل محاضرة هتكون تلات ساعات وفي عملي وكده. إلينا: إزيك يا خالتي أحلام؟
شيفاني أنا ولا واخدة بالي منك يا زهور، بس إنتي اللي تكلميها. إلينا إيه ولا كأنها واقفة بقالها ساعة تقولك إزيك يا خالتي؟ أحلام: إزيك يا إلينا؟ معلش بقى دماغي مش فيا. بس غريبة يعني راجعين مع بعض؟ إيش لم الشامي على المغربي؟ إلينا: بتهته، أهلاً يا خالتي. اللي واخد عقلك يتهانه. ما أنا شامي ولا حاجة، اتقابلت مع زهور أول الحارة وجينا سوا. عن إذنكم أنا ميتة من التعب، يدوب آخد شاور وأنام.
زهور: شور شور يا بنتي، عيشي عيشة أهلك. قولي هستحمى، لكن شور ده مش لايق عليكي خالص. ما يبقاش العشا بصارة وشلولو وتقولي شاور؟ إلينا: استحمة بقى. إلينا ماجد تقول استحمة؟ لا شاور شاور شاور. زهور: ابقي ابعتيلي طبق بصارة أغطس فيه. لتدخل إلينا شقتهم، وأحلام وزهور التي تعالت أصوات ضحكاتهم. أحلام: ادخلي غيري وتوضي وصلي، وأنا هجهز الأكل. تلاقيكي على لحم بطنك من الصبح. زهور: فعلًا، ما دُقتش الأكل. لو كنت صايمت كان أحسن.
أحلام تركت زهور وتوجهت تعد طعام العشاء. زهور ذهبت إلى غرفتها، أبدلت ملابسها وخرجت للمرحاض. لتنعم بحمام لتنتعش، وتوضأت وخرجت تجد أحلام أعدت الطعام على الطاولة. تجلس زهور موجّهة لأحلام، تتناول الطعام بشراهة. لترفع عينها تحدث أحلام، لتزهل من أحلام الشاردة تتلاعب بالطعام ولم تتناوله. زهور: تسلم إيدك يا ستي. الواحد هياكل صوابعه وراه. أحلام: بنفس حالتها تحدثها: ألف هنا وشفا على بدنك يا حبيبتي. زهور: مالك يا ستي؟
مبتأكليش ليه؟ إنتي تعبانة ومالك كده متوترة وحاسة في كلام عوزة تقوليه؟ أحلام: وضعت الملعقة من يدها، أخذت نفسًا عميقًا أخرجته ببطء. محتارة وقلقانة ومش عارفة أعمل إيه. هحكيلك كل حاجة حصلت معايا وقوليلي رأيك أعمل إيه وأتصرف إزاي. زهور: وضعت ما بيدها ووقفت تحمل الأطباق متوجهة للمطبخ. الحمد لله أنا شبعت، هدخل الأطباق المطبخ وأعملنا كوبايتين شاي يعمروا الدماغ وأجي نحكي للصبح ونشوف اللي شاغل جميلة الجميلات الملكة.
أحلام: وأنا هواه. أحلام ابتسمت على كلمات زهور تحدثها: نفسي تكلمي كلمتين جد على بعض. زهور: بالمطبخ، سمعاكي يا أحلاموه. انتهت زهور من جلي الأطباق وعمل الشاي وخرجت تحمل بيدها طبق تقديم عليه كوبان من الشاي، تقوم بتقليبهم، تجلس على الأريكة بجوار أحلام. زهور تمد يدها بكوب الشاي: اتفضلي الشاي يا ستي. احكيلي إيه اللي شاغل بالك وقلقك كده.
أحلام ارتشفت عدة شرفات من الكوب ووضعته أمامها، واعتدلت بجلستها وبدأت تقص كل شيء لزهور منذ صغرها حتى طلب يحي الزواج منها وما ردت عليه به. أحلام: هو أنا أسرعت بالرد وكنت فكرت وبعت الرد مع أبو بولس زي ما قال، ولا إيه رأيك؟ زهور: لا مسرعتيش بقى يا مفترية! الراجل يقولك هنتظر ردك، تقوم تصدميه بالشكل ده؟ يفرفر بين إيديكي؟ وبدل ما تخليكي جنبه، تسبيه وتيجي؟ طيب اعقدي شوية جنبه بالمستشفى لما يفوق، أهو ترد فيه الروح.
أحلام: أهو أنا مكنتش خايفة غير من نقوزتك بالكلام، اهو زي ما فكرت بتنقوزي عليا. زهور: بس إنت قلقانة يا جميل وباين عليكي الخوف. طيب ما إحنا فيها أهو، قومي غيري وأنا كمان ونروح نطمن عليه. أحلام: شُف البنت بتقول إيه؟ مستشفى إيه اللي عاوزانا نروحها السعادي؟ إحنا قربنا على نص الليل. زهور: يعني لو مكنتش قربت على نص الليل كنتي وافقتي إننا نروح؟ أحلام: شُف البت بتوقعني بالكلام إزاي. أنا اللي غلطانة إني بتكلم مع عيلة.
زهور: ههههههه خلاص يا ست العرايس، نكلم جد بقى. المفروض نتطمن عليه وخصوصي إنك سبتيه في المستشفى لوحده ومشيتي. مش عاوزة تطمني عليه؟ أحلام: أنا قايمة أخش أوضتي، أنا اللي أستاهل إني عملت كبيرة وباخد رأيك. زهور: بجدية، بس أنا مش بهزر. فعلاً مكنش ينفع تسيبيه لوحده وتمشي. المفروض كنتي استنيتيه يفوق وتشوفي الدكاترة هيقولوا إيه. وأقل حاجة كنتي اتصلتي بعم ما حد رحله.
أحلام: بخوف وتوتر، ما أنا فضلت قاعدة شوية لحد ما ابنه جه ومشيت من غير ما يشوفني. اتحرجت وكمان هقعد إزاي وبأي وش هقابله. ليصمتوا على صوت خبطات عالية على الباب، واحد ينادي على أحلام بصوت عالي. لتجذب زهور حجابها وتذهب خلف أحلام التي تقف عند باب الشقة، تفتح فاها. زهور: ستي واقفة كده ليه؟ لتقف بصدمة مما ترى. يحي يقف وجواره ثلاث رجال، واحد منهم يشبه لحد ما، والآخر بدير، والثالث ماسك بدفتر، وخلفه عائلة أبو بولس.
يحي يقطع الصمت: قلت أجيب المأذون والشهود ونكتب الكتاب قبل ما تغيري رأيك. زهور تمسك يد أحلام المتسمرة مكانها، تنظر إلى يحي باستغراب وتبتعدا عن الباب وترحل به وبمن معه. زهور: اتفضل اتفضل يا عم يحي، اتفضلوا يا جماعة. يحي يدخل أولًا وهو يشير لمن معه بالدخول، يقترب من أحلام يهمس لها: مقدرتش أصبر، لو عليا كنت جيت من بدري بس الدكاترة ما وافقوا يخرجوني، وبدير وصل وقومت المأذون من النوم.
أحلام تتركه وتخطو مهرولة لغرفتها بتوتر، تجلس على حافة الفراش ممسكة به، كان أحد سيخطفها. تدخل زهور الغرفة: ستي، إنتي لسه ملبستيش؟ يلا. الراجل قاعد على نار برة كل ده وأنا اللي بقول بتغير هدومها. أحلام: هو اللي أنا فيه ده حلم ولا علم؟ ويحي بره هو والماذون ولا بيتهيألي؟ زهور: ستي أبوس إيدك ركزي معايا. مش الراجل فاق، إنتي تفرفري؟
يلا البسي بسرعة وتعالي. المأذون مستعجل وبيقول عم يحي شاله هيله بيله من على السرير. إيه اللي بلحق؟ فين بطاقتك أوديهاله لحد ما تيجي. أحلام تشير على جزمتها دون أن تتحدث بكلمة. لتذهب زهور وتأخذها. زهور: متتأخريش، هوديها وأجي ألاقيكي غيرتي اللبس. أومأت أحلام لها وظلت مكانها تتصبب عرقًا. زهور: ستي، يلا معتش وقت. زهور أعطت المأذون بطاقة أحلام وذهبت تقف بجوار إلينا، يهمسان معًا ويضحكان على كلام المأذون.
الماذون: أقسم إني ما شفتش زي الجوازة دي. الماذون يحمل من فوق فراشه بملابس نومه، والعروس تصدم بعقد قرانها، والشهود أبناء العروسين. ليضحك الجميع، بما فيهم أحلام التي خرجت من الغرفة فور وقوع عين يحي عليها. ليهب واقفًا، يخطو إليها قاطعًا المسافة في خطوة واحدة، كأنه يسبق الريح. يمد يده لها، لتضع أحلام يدها بتوتر وخجل من نظرات الجميع المصوبة عليها. يخطو يحي بها ويجلسها بجوار المأذون، وهو يجلس من الناحية المقابلة.
يحي: اتفضل اكتب الكتاب يا شيخ. ليبدأ المأذون في قول خطبة قصيرة، ليقطعه يحي: يحي: اخلص يا شيخ واكتب على طول عشان تلحق تكمل نوم. الماذون: التف لأحلام، ليزهل مما يرى: بسم الله ما شاء الله، ليك حق يا معلم يحي إنك تصمم على الزواج. الماذون: ما عندكش أخت تجوزهالي، ينوبك فيا ثواب؟ لينفجر الجميع في الضحك، وخجلت أحلام وكسرت نظرها لأسفل. يحي بعصبية: يا خبراية يا شيخ محمود، خالصنا واكتب الكتاب وروح كمل نومك، الله لا يسيئك.
المأذون وعينه على أحلام: ردي ورايا يا ست الستات. يحي: استغفر الله، الله ما طولك يا روح، إنجز يا شيخ واكتب الكتاب واتكل على الله بدل ما تتكل على الآخرة. بدير بضحكة: صبرت سنين مش قادر تتحمل عشر دقايق. يحي: أنا أصبر العمر كله، بس عجبك كلامه اللي يفور الدم. ابن يحي ماجد وعينه على أحلام: ماهو معذور يا حج، ماهو ما فيش حد يشوف الجمال ده كله وميكلمش. يحي: ولا أعقل، والله أتصل على مرتاتك يجوا يقندلوا عشتك.
ماجد الابن: وعلي إيه، خلصنا يا شيخ، خلينا نرجع سلام لبيوتنا. الماذون: حوط إيدك يا معلم في إيد الست أحلام، منديل يا جماعة. رددي خلفي يا ست أحلام. الشيخ: قولي زوجتك نفسي على كتاب الله وسنة رسوله، وعلى الصداق المسمى بيننا. رددت أحلام خلفه. الشيخ: قول ورايا يا معلم يحي. الشيخ: قل وأنا قبلت زواجك على كتاب الله وسنة رسوله. الشيخ: بارك لكم وبارك عليكم وجمع بينكم بخير.
لينتهي عقد القران، وتقوم نفين ووالدة ماجد بإطلاق زغاريت، وخلفهم زهور تطلق زغرودة عالية، ليتف لها الجميع، ومنهم ابن يحي ينظر لها بفم مفتوح وعيون جاحظة، يقترب منها كالمغيب. زهور أنهت ذلك الصوت فور اقتراب ابن يحي منها، لتقف خلف إلينا. زهور: يالهوي، الحقيني يا إلينا، ابعد يا عم. الماذون: بعد إذنك يا معلم يحي، تخلي ولدك يقوم بإيصالي للمنزل. يحي: ماجد وصل الشيخ لبيته وروح لبيتك. ابن يحي: طيب، عرفونا طيب مين القمر.
أحلام: دي زهور بنت بنتي. ليلتفت لها ماجد الابن: ماهو النحلة بالحلاوة دي، أكيد النتاج يكون عسل. يحي: امشي يا ابن العبيط بدل ما أخذلك عنيك، وطمن جدك إني كتبت الكتاب خلاص. استأذن بدير أيضًا بالرحيل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!