انتهي عقد القران ورحل ماجد الابن بعد وقت مع المأذون ليجلس الرجال يتحدثون في الصالون. وخرجت السيدات لإحدى الغرف. نفين: بقي كل السنين دي صحاب وأكتر من الأهل، ومعرفش غير النهاردة اللي حصل زمان وكمان اتفاجئت بأنكم اتفقتوا على الجواز. أحلام: زمان راح وإنتهي، بس وحياتك معرفش اللي يحي هيجيب المأذون ويصمم على كتب الكتاب غير لما جه. نفين:
ولا ماجد يبق عارف كل حاجة. وكل لما أقوله إيه السر يخلي أحلام تمشي وتسيب البيت في نص الليالي، يقولي معرفش السر عندها هي. واتاريه مولس معاكي انتي والمعلم يحي. أحلام: طلبت منه يومها وحلّفته بيكي وبولاده محدش يعرف حاجة من اللي حصل. وانتي بنفسك كنتي معايا وشفتي اللي عمله، حتى إنه أخدك ومشي وسابني لوحدي. إلينا: ما خلاص يا ماما إيه لزمته العتاب؟
اللي حصل حصل، وعم يحي راجل جدع ويستاهل هو وخالتي أحلام كل خير. ويلا نروح بيتنا، تيتة نامت وهي قاعدة. إلينا تقترب من زهور وتهمس لها: بنت يا زهور ما تيجي تباتي معايا؟ نقعد نرغي وهفرجك على كام حاجة شرياهم لجهازي، إنما إيه واو. زهور: بلاش النهاردة، أنا ميتة من التعب وبكرة عندي محاضرات كتير. إلينا: يابت افهمي! تعالي معايا نخلي الجو للعرسان يكلموا كلمتين كده ولا كده. بلاش تبقي عزول. زهور بعدم فهم:
ي بنتي ميقعدوا يتكلموا زي ما هم عاوزين، أنا هنام. هكون عزول ليه؟ إلينا: يخربيت غبائك! افهمي. لتصمت عند سماع صوت والدتها. نفين: نادي على باب يا إلينا ييجي يسند جدتك. أنا ولا انتي نقدر نسندها. تبسم الجميع على تغير ملامح والدة ماجد وغمزات نفين لهن. تخرج إلينا تنادي على أبيها ويستأذن بعد أن بارك ليحي ويذهب لشُقته وهو يحمل والدته وسط تزمّر نفين ونظرات الخبث من حماتها.
أغلقت زهور خلفهم الباب ودخلت المطبخ وأعدت عشاء على حامل طبق تقديم كبير وقامت بتغطيته وحملته لغرفة أحلام. وضعته على طاولة وأعدت الغرفة جيداً وذهبت إلى أحلام الجالسة بغرفتها. لتخبرها برحيل عائلة أبو بولس وجلوس بدير ويحي يتحدثون. أحلام: طيب، هروح أنا أوضتي وأنامي براحتك. زهور: ستي، عاوزة أقولك على حاجة. إحنا متعودناش نخبي حاجة على بعض، وبرضه مش عاوزاكي تزعلي مني. أحلام: اختفت ابتسامتها. قولي يا بنتي، قلقتيني. زهور:
أنا لقيت شغل ومن بكرة هستلم. ومن قبل ما تقولي حاجة وتزعلي، وحياتك يا ستي أنا عاوزة أشتغل. مش عشان انتي مقصرة ولا حاجة، بس أنا بحب الشغل ومش بحب قاعدة البيت. هما أربع ساعات بس والله بعد الكلية وهرجع البيت أذاكر ومش هقصر. أحلام: فين الشغل ده؟ زهور قصت لها على المقابلة وتعيينها. زهور: إن شاء الله بكرة هيكون أول يوم من الساعة أربعة للساعة ثمانية. هكون أنا وإلينا مسؤولين على جناح خاص بالفندق عن ترتيبه ونضافته. أحلام:
بس يا بنتي انتي. زهور مقاطعة: مبسش، أنا خلاص مضيت يا ستي ومعادش في كلام. لتصمتا عند سماع صوت غلق باب الشقة. أحلام هبت واقفة وبتوتر: شكل بدير ويحي مشيوا. يلا تصبحي على خير. هروح أوضتي أغير وأنام، أنا تعبانة. وبكرة إن شاء الله نكمل كلامنا. زهور قبلتها وباركت لها واتجهت إلى فراشها.
أغلقت أحلام عليها باب الغرفة وأطفأت الضوء واتجهت إلى الباب تغلقه بالمفتاح وتطفئ الضوء. وخطت خطوتين تتجه تجاه غرفة نومها لتجد نفسها معلقة بالهواء. لتصرخ من الخضة وتقطع صرختها بعد سماعها صوت بجوار أذنها. يحي: هش، أنا. متقلقيش، وطي صوتك. حد يسمع يقولوا إيه. أحلام: نزلني يا يحي. ورجعت هنا إزاي؟ يحي يخطو داخل غرفته نومها: لو أطول أفضل شايلك ورجلِكِ متلمس الأرض هعملها. وأنا مخرجتش عشان أرجع. أحلام:
نزلني، ما يصحش كده. زهور نايمة في أوضتها جوة، وكمان مينفعش. يحي وضعها على السرير برفق وعينه على عينها: مينفعش ليه؟ ده اليوم اللي فضلت أحلام بيه طول عمري. لو عليا هاخدك ونروح مكان مافيش مخلوق بالدنيا يقدر يوصلنا فيه. بس مش هتكوني مرتاحة وزهور لوحدها. فكرت آخدكم معايا البيت بس خفتك ترفضي وزهور كمان، فملقتش حل غير أفضل معاكي هنا. أحلام بتوتر: أحاول أن أتكلم. أصل، أصل. يحي ينظر إلى توترها وخجلها بابتسامة يجلس جوارها:
لو خايفة مني، أنا كفاية عليا أفضل أبص لك كده وأشبع من عيونك ومن جمالك. ولو على كلام الناس، الصبح كل الحارة والسوق هيعرفوا بجوازنا، لأن أنا هعمل فرح يقعد تلات ليالي. أحلام بابتسامة خائفة من كلام الناس: لما يلاقوك قاعد هنا ويقولوا كلام طالع نازل. يحي: وأنا راضي يقولوا اللي يقولوه. ما يهمنيش غير إنك تبقي مرتاحة. أحلام بخجل: ربنا يريح بالك وميحرمنيش منك. يحي: ياسلام! إيه الكلام اللي يشرح القلب.
ليرفع كف يدها يقبله بحب شديد وينظر بعينيها ويتحسس وجهها بأصابعه ليطبع قبلة على وجنتها ليشعر بتصلب جسد أحلام ورعشة. ليقترب أكثر يهمس في أذنها: اهدي يا أحلامي، خالص متخافيش. أنا. ليصمت وأحلام تلتف له تومي برأسها. شفتها تهتز وهي تخرج كلماتها. أحلام: أنا، أنا مش خايفة. أنا.
لم تكمل لتجد شفتيها بين شفتيه يقبلها بنعومة. ليتركها ويبتعد عنها يشعر كأنه مالك الدنيا وما فيها. ينظر لأحلام التي تهرب من عينيه هرباً ليضحك بإنتشاء ويجذبها يضمها لصدره بشدة. يحي: لو مت، هموت وأنا أسعد إنسان في الدنيا. أحلام تبتعد عنه وترفع يدها تكور وجهه بين يديها: بعد الشر عنك. ربنا يديك طولت العمر ويخليك ليا. يحي لم يتمالك كل تلك المشاعر والسعادة. يحي:
أحلامي، أنا قلبي مش قادر يتحمل كلامك الحلو ده. أسف، مش هقدر أبعد أكتر من كده. ليكمل باقي كلماته بقبلة عاصفة تحولت إلى قبلات. لتسقط أحلام على الفراش وهو بجوارها. ليبتعد عنها ويهب واقفاً يقوم بتبديل ملابسه ويرميها أرضاً.
أحلام شهقت بخوف فور رؤية يحي يعتليها بعد أن تحرر من ملابسه. لتتخدر أوصالها مع همساته لها يطمئنها. لتتوه بين كلماته وهمساته. لم تشعر بتجاوبها معه. يدها تتمسك بالمفرش تكوره بيدها. ليتعمق يحي بقبلاته. يده تجوب جسدها ليبدأ بنزع ما ترتديه بسهولة ويسر وهي كالمغيبة. جسدها مخدر من حركات يده. فجأة شعرت بألم شديد لتعلو صرخة من بين شفتيها يبتلعها هو بين خاصته. لتهدأ بين يديه ليتعمق بما يفعله فاقد كل ذرات التعقل. وهو يرى ويشعر
بأنه أول رجل يلمسها. بالرغم أنها ليست عذراء. ظل وقت طويل تتأوه من قوته. تهمس باسمه. وهو يتغنى باسمها بين شفتيه. يزيد من قوته كأنه شاب في ريعان شبابه بكل ما أوتي به من قوة يضرب بجسده بداخلها. لتعلو صرخاتها. لا تعلم بأنها بفعلتها تجعله يزيد من قوته. ظل وقت لا يعلم كم مر عليهم وهم بتلك الحالة. حتى شعر يحي بالانتشاء. ينحني يقبل جبهتها ويتسطح جوارها. يتنفس بقوة. ليلتف بعد أن بدأت أنفاسه تهدأ. ينظر لها وهي تضغط على عينيها.
تضمها بقوة. ليبتسم على حالتها وهروبها. يطبع قبلة أخرى على جبهتها ويسحبها لتنام بين يديه. ظل صامتان لا يتحدثان. لا يسمع منهم غير صوت أنفاسهم اللاهثة. كل بداخلة
سعادة تجعله يطير بدير: انتي عارفة كل حاجة عني، إني ابن بكر وروحية، مش ابن شفيق. بس من يومين أمي بتزن عليا أرجع البلد ونعيش في الدوار وأقدم للعمودية، بما إن محدش يعرف إني مش ابن شفيق. والدوار والأملاك مشتركة ما بينهم، وأنا دلوقتي الوريث ليه، وخصوصًا بعد سجن الصافي وجنان نادرة مراته. أنا رافض، لأن ده مش من حقي. وكمان خايف من كلام الناس لما أمي ترجع تعيش بالبلد، وأنا مش خايف عليها.
زهور: بتفكير، بص يا خالي، هقولك رأيي، وفيك تاخد بيه وفيك تسيبه. وافق على كلمها وعيش باسمك اللي اتولدت وكبرت بيه، وبدير ده خالك، ما بينا وبس. ولو على العمودية، في مليون واحد ممكن يتقدم ليها وياخدها. إحنا عاوزين اللي يراعي ربنا وما يتعداش على حقوق الناس. والورث، خده وطلعه لله، أصرف من حق والدتك. حقق العدل ورجع حقوق الناس اللي اتاخدت غصب عنهم. وربنا مع دول العدل، ولو كانت كافرة، يبالك بقى لما تكون عادل وانت حافظ كتاب الله وسنة نبيه.
بدير: كنت متأكد محدش هيريح قلبي بكلامه غيرك. إن شاء الله هفكر فيه. خلينا بقى في الموضوع التاني. في اتنين من كام يوم سألوا عنك، وقالوا إنهم عمامك، وكانوا عاوزين العنوان اللي اتنقلتي فيه. وكمان قالوا إنهم سألوا بالمستشفى اللي كنتي فيها أيام حادثة العربية، وهما اللي ادوني عنوان البيت والمحل، وادوني أرقام تليفوناتهم عشان أبلغهم بمكانك. بعد ما قلتلهم إنكم مشيتوا، وما نعرفش رحتم فين. بصراحة خفت أعرفهم مكانك لحد ما نتأكد إنهم أهلك بجد.
زهور: غورت عينها بالدموع. نجحت في منع نزولها. عمامي؟ أنا معقولة بعد السنين دي كلها طلع ليا أعمام. بدير: هم قالوا إنهم بيدوروا عليكي من سبعتاشر سنة، وإنهم عرفوا بمكانك لما عرفوا اسمك من ضمن طلبة الثانوية العامة، ومن يومها بيدوروا عليكي لحد ما عرفوا العنوان، وبرضه مقدروش يوصلولك. زهور: أرقامهم معاك لسه؟
بدير: أيوه، هبعتهملك على الواتس. أنا كنت عاوز أقول لأمي أحلام، بس فضلت إنتي اللي تعرفي الموضوع في الأول وتقرري تقبليهم ولا لأ. زهور: أنا متشكرة أوي إنك قلتلي، وكويس إنك قلتلي. بلاش ستي تعرف دلوقتي بعد إذنك. يدوب ألحق المحاضرة، وانت كمان تلحق القطار. وهستنى تبعت أرقام التليفونات. لترحل زهور بعد ودعها لبدير. تهمس لنفسها ودموعها لازالت متحجرة: عمامي؟ طيب فين أبويا وأمي؟
ليه عمامي هما اللي بيدوروا عليا، وكمان بقالهم سنين بيدوروا عليا؟ وأبويا ليه مش بيدور؟ وكمان سلسبيل راحت فين؟ هي كمان ليه مش بتدور؟ معقولة تكون اتخلت عني نهائي وشافت نفسها. لتصل لجامعتها بعد قليل، شاردة الذهن. تخطو من الباب الرئيسي دون أن تنتبه لمن يضرب ببوق السيارة خلفها. لتبتعد بعد أن أشارت لها إحدى الطالبات مبتعدة عن ممر عبور السيارات.
لتخطو تجاه مدرج دفعتها، تجلس مكانها، ليأتيها نفس الطالب الذي يخبرها بأن تترك مكانه وتذهب لمكان آخر. لطلق لسانها العيار، تسبه. زهور: بقولك إيه، المرة اللي فاتت وقلت زميل وظروفه كده، لكن تسوق فيها وكل مرة تعملهم، وعاوزني أصدقك؟ بس للأسف انت غبي. المرة اللي فاتت جيت لابس نظارة نظر، المرة دي جاي بنظارة شمس. فروح يا شاطر بعيد واعمل المقالب دي مع حد تاني. وبحذرك تتمادى في مقالبك البايخة دي معايا، أو تقرب مني. مفهوم.
ليرحل الشاب من أمامها بحرج بعد كشف لعبته ونظرات زملائه له. ليعم الصمت بعد دخول أحد الدكاترة يلقي محاضرته.
الدكتور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أنا الدكتورة حبيبة الرشيدي، هدرس ليكم مادة الإنشاءات، وبعد كل محاضرة هطلب منكم بحث تقدموه ليا المحاضرة اللي بعدها. هوضح كل اللي مطلوب في البحث ونتناقش فيه. الغرض من البحث ده توسيع معرفتنا، وكمان المناقشة بتوسع الإدراك، وبنستفاد كلنا من المعلومات اللي بقوم بيها كل واحد ببحثه. دلوقتي هنشرح المحاضرة. ليمر الوقت والطالبة كان على رؤسهم الطير من شرح حبيبة.
انتهت المحاضرة وأخبرتهم ما تريد في البحث. وأعطت كل طالب حرية اختيار المصدر الذي يبني عليه بحثه. مر اليوم على زهور سريعا، واتجهت إلى الفندق بعد لاستلام عملها. لتبدأ زهور أول أيام عملها بسعادة وروحانية تحاط بها فور دخولها للمكان الذي خصص لعملها. أحلام: فاقت على دقات على باب الغرفة، لتشهق بصوت عالي، ليفزع من جوارها، ليهمس مهدئها. يحي: أحلام، اهدي، مالك، جر إيه. أحلام:
تشير للباب وتهمس: زهور بتخبط على الباب، ومش عارفة إنك بايت هنا، هتقول علينا إيه. يحي: يقبل وجنتها، اهدي، زهور عاقلة وهتفهم الوضع. ويا ستي متقلقيش. لو عاوزاني أفهمها إني هعيش معاكم لحد ما تتجوز وتروح بيت عدلها، وبعدين آخدك ونطير في مكان نعيش أنا وإنتي وبس، نعوض سنين حرماني منك. أحلام: البنت برة، بلاش كلامك ده. يحي: ابتعد عن أحلام، هبط من على السرير، لتشهق أحلام وتخفي وجهها بيدها.
يحي: هههههههه، ليرجع مكانه ويضم أحلام، يقبلها على شعرها بسعادة من خجلها، كفتاة صغيرة لازالت في السادسة عشر من عمرها.
يحي: وهو لازال يضمها، عارفة امبارح لما قلتلي إنك موافقة على الجواز، من كتر الفرحة مقدرتش أتحمل ووقعت من طولي. كنت واعي لكل حاجة، كل كلمة قلتيهالي وانتي بتفوقيني، وحتى في المستشفى كلامك اتحفر جوة قلبي. كنت عاوز وقتها أقولك إني واعي وحاسس بيكي، بس خفتك تخافي وتتحرجي مني. كنت فرحان بكلامك وانتي ماسكة إيدي ودموعك نازلة على وشك بتحرق بقلبي. لولا كنت عاوزك تخرجي اللي جواكي، كنت قمت حضنتك ومخرجكيش أبداً.
لصمت متذكراً حديثها. أحلام:
ممسكة بيد يحي وتبكي: يحي، كنت أتمنى أكون شجاعة وأحكيلك الكلام ده وانت قاعد قصادي، لكن ما باليد حيلة. عاوزة أقولك إن كلامك هزني، اعترافك بحبي ليا طول السنين دي خلى قلبي ينتفض. حسيت بصدق كلامك من صوته والوجع اللي فيه، وقد إيه انت تعبت السنين دي. رفضك إنك تجوز واحدة تانية وتفضل عايش على أمل إني أرجع وأعترف بحبك. يحي، أنا اكتشف إني كنت بحبك، ورفضي ليك كان عشان خوفي من الجواز نفسه. في حاجات كسرتني زمان خلتني برعب قرب أي
راجل مني، حتى لو السلام اللي عيشته خلاني بترعب من فكرة إني أجوز وراجل يلمسني. يحي، سامحني على سنين تعبتك فيها، وسامحني إني كنت السبب في نومك دي. اعذرني، أنا لازم أمشي. زمان أهلك جاين، وأنا مش عاوزة يحصل ما بينا كلام يبعدنا عن بعض مرة تانية.
يحي: أخرج أحلام من حضنه، ينظر لها بحب. يحي: أحلامي، أوعدك إني هكون أبوكي، ابنك، حبيبك، عشيقك، جوزك، هكون كل دول. بس دلوقتي هكون جوزك وبس. ليعتليها مرة واحدة، يغوصا معاً في دوامة عشق، كل منهما يتغنى للآخر ويعزف معزوفة باسمه. زهور: وجدت رسالة على الواتس بالأرقام الذي أخبرها بهم بدير. تنظر لهما بتردد، لتغلق الهاتف فور سماعها صوت المشرف على عملها يتحدث معها.
المشرف: انتم هتكونوا مسؤولين عن الجناح ده. أي تقصير أو شكوى توصل منكم هتتفصلوا نهائياً. الجناح ده لشخصية مرموقة، سكن دائم. الينا: تحت أمرك يا مستر هاني. هاني: زهور، انتي هتكوني تحت الاختبار لحد مستر حازم ما يوافق ويمضي العقد معاكي. زهور: أومأت برأسها لتحمل أدوات التنظيف وتدخل مع الينا للجناح الخاص بعملهم. تدخل الينا وزهور إلى أكبر جناح بالفندق. الينا: شاهقة: يالهوي! إيه ده؟ هو الديكور اتغير امتى؟
أنا لسه من يومين كنت هنا. زهور: يا بنتي قولي بسم الله ما شاء. الينا: باسم الرب بس. أنا مستغربة، ده كل حاجة اتغيرت بالسرعة دي. أنا هجنن من الجمال ده، ولا الانتيكات دي. لو واحد في بيته مش هيعمل الجمال ده. زهور: تضع ما بيدها من أدوات تنظيف. الحمام فين. الينا: إحنا هنبدأ بالغرفة الأول، وبعدين الحمام. الجناح كبير وهيأخد شغل كتير. زهور: أنا عاوزة أظبط هدومي، مش واخدة على الحجاب الصغير.
الينا: إحنا بنات زي بعض. عدلي الحجاب هنا عادي. زهور: لا مش هينفع هنا. ممكن المشرفة تدخل، ولا مستر هاني يدخل يفتش ورانا، وحرام يشوفني من غير حجاب. الينا: أشارت لها على مكان الحمام هنا على جنب.
لتدخل زهور الحمام، تذهل من جماله. أعوذوا من الخبث والخبائس. لترفع حجابها، وذلك الجاكت التي ترتديه، لينساب شعرها الطويل بلونه البني اللامع يقترب من الأرض. لتقوم بلفه عدة مرات ووضع ربطة الشعر جيداً عليه، وترتدي حجابها وتعقده بعناية شديدة، وتدخله أسفل ملابسها كي تضمن عدم ظهور جزء منه إذا انفكت عقدته مرة أخرى. لترتدي ذلك الجاكت مرة أخرى وتخرج لتجد صديقتها. زهور: الين، بتعملي إيه.
التفت إليها الين ممسكة بقطعة من الشوكولاتة تود أن تأكلها. الينا: في إيه يا زهور، خضتني. بعمل إيه يعني، دي شوكولاتة هأكلها. زهور: بس ده ما يصحش، وحرام أصلاً. الينا: حرام ليه؟ دي واحدة نفسي راحت ليها، وفي كتير أوي. ما فيش حد هيلاحظ لو واحدة ولا اتنين نقصوا. زهور: لا، في مشكلة كبيرة. لازم تستأذني صاحبها. ثانياً، يا ستي نفسك راحت ليها، واحنا مروحين نعدي على محل الشوكولاتة نشتري، لكن ما ناكلش حاجة حرام.
الينا: انتي بتحلمي يا بنتي. النوع ده بمبلغ خرافي، مرتب شهرين تلاتة. زهور: هو لازم تجيبي كمية؟ اشتري على قدك. وكمان إيه عرفك البتاعة دي فيها إيه؟ مش ممكن تكون نوع من أنواع الخمور زي ما بنسمع. الينا: هههههههههههه، خمور إيه يا زهور؟ شوكولاتة فيها خمور. زهور: حطي اللي في إيدك مكانها وبلاش كلام كتير بينا. نخلص شغلنا. الينا: بس أنا فتحتها وأكلت منها حتة وحرام تترمي في الزبالة، هاكلها وخلاص والرب يسمحني.
زهور: خد الورقة معاكي، وأول وآخر مرة تمدي إيدك على حاجة. إلين: وهي تقوم بأخذ الورقة من سلة القمامة. هعمل إيه بالورقة؟ ما خلاص البسكوت هنبدله بواحد تاني وخلاص. زهور: عشان تشتري واحدة بدالها، ويوم ما تيجي هنا تحطيها مكانها. إلين: وهي مزهولة من كلام زهور. أنتي مجنونة يا بنتي، أنتي عارفة الشوكولاتة غالية قد إيه، وغير كده أنا مفلسة، لسه بدري على ما أقبض، وبرضو مش هعرف أشتري أي حاجة، أنا عندي التزامات وجمعية.
زهور: وهي تبدل شرشف السرير. ولا يهمك، أنا هشتريها من مرتبي، لسه ما صرفتهوش، بس دي أول وآخر مرة. إلين: وليه التعب ده؟ ما خلاص أنا أكلتها ودي واحدة والعلبة مليانة أهو. زهور: ولو دي اسمها سرقة، وأنا شاهدة عليكي، يبقى شركتك فيها، ولازم أشارك في إرجاعها بما إني شاهدة على كده. أنهت من ترتيب السرير وظلت تعمل بجد وهي تتحدث مع زميلتها حتى وصلت إلى الحمام ودخلته مرة أخرى. وبعد الانتهاء منه، رفعت ساعة يدها لتشهق.
زهور: إلين، بصي أنا هستعمل الحمام، هتوضأ، بس الظهر هيفوتني لو استنيت لما نخلص خالص. إلين: طيب اتوضي، ده مش حرام يعني؟ دي شوية ميه والفندق بيحاسب عليها، مش العميل يعني. زهور: مش بيدفع فاتورة وبيكون منها الكهرباء والمياه، أنا هتوضأ وأصلي، بس ياريت تخلي بالك لو مستر هاني يجي، تنبهيني عشان أنهي صلاتي، لأنه مش ينفع يشوفني بصلي.
أنهت زهور الوضوء وجففت المياه بعد وضوئها وخرجت تنظر يمين ويسار. حتى وجدت مكان ينفع أن تصلي فيه. خلعت ما ترتديه بقدمها وشرعت في صلاتها بخشوع وتأنٍ حتى انتهت منها وجلست قليلاً تسبح الله. وقامت تكمل عملها بدقة وإتقان. قليلاً حضر المشرف عليها مع المدير يراجعوا خلفها هي وإلين ليشيدوا بتنظيمهم للغرفة. خرج الجميع من الجناح بعد التأكد من تنظيمه جيداً ولا شيء ينقصه.
يجلس أمام مكتبه يعمل بجد على جهاز اللاب توب أمامه ليهتز هاتفه بإشعار خاص ليرفع رأسه سريعاً. يمسك هاتفه ينظر ما به. يرجع برأسه للخلف معتدلاً بجلسته، وضع هاتفه أمامه يرى ويسمع ما وصله. "أنتم هتكونوا مسؤولين عن الجناح ده، أي تقصير أو شكوى توصل منكم هتتفصلوا نهائياً. الجناح ده لشخصية مرموقة سكن دائم." "تمام يا فندم، إن شاء الله هنكون عند حسن ظن حضرتك."
تدخل فتاتان يحملان أدوات تنظيف لغرفته نومه بالفندق. لفت انتباهه صوت تلك التي تتحدث فور دخولها جناحه الخاص. تضع ما تحمله في يدها من أدوات ممسكة بحجابها. إلين: الحمام منين تعرفي؟ الفتاة الأخرى: أنتي عايزة الحمام ليه؟ إحنا هنبدأ بالغرفة الأول. الفتاة الأولى: محتاجة أظبط هدومي، أنا مش متعودة على الحجاب الصغير ده ومحتاجة أظبطه. الفتاة الأخرى: ما تظبطيه هنا عادي يعني، إحنا بنات زي بعض.
الأولى: ممكن المشرفة ولا مستر هاني يدخل يفتش ورانا ويشوفني وأنا من غير حجاب، مش يصح وحرام. الثانية: الحمام في جنب ده. الأولى: دخلت الحمام ليقف بذهول مما رأى. ليغض بصره مسرعاً يستغفر ربه، يستمع فقط للصوت دون النظر إلى الهاتف. يستمع إلى كل كلمة بدقة بالغة. بالفندق. وقف ينظر إلى هاتفه بانبهار مما سمع. وراء ابتسم. هل يعقل أن يوجد أحد ورع بتلك الصورة؟
تخاف أن تكون شريكة في سرقة قطعة شوكولاتة، وهناك يسرق الكثير. لا يخاف أبداً. أغلق هاتفه ورجع إلى عمله مرة أخرى. شارد في تلك الفتاة يردد اسمها بين شفتيه. أفاق على صوت بجانبه يحدثه. الشخص: الملف اللي حضرتك طلبته، وفي شخص من السفارة طالب يقابل حضرتك. عبد الرؤوف: ضع الأوراق على الطاولة، ودخل المندوب اللي بالخارج. واطلب السائق يجهز بالسيارة، بعد نصف ساعة هنعاود الفندق. السكرتير: تحت أمر حضرتك.
خرج السكرتير ودخل مندوب السفارة. المندوب: السلام عليكم يا طويل العمر. عبد الرؤوف: عليكم السلام، حياك الله خوي. اتفضل، شو صار ها المرة؟ إنذار ولا ترحيل؟ المندوب: لا هايك ولا هيك. اجلس يا خي، بدي أخبرك ليش جدمت ليك من غير موعد، في أمر هام محتاج أخبرك بيه. عبد الرؤوف: اتفضل خبرني شو السالفة، وياريت ما يكون طق حنك وخلاص، لاني دماغي ضايج. المندوب: إن شاء الله خير، لا يكون في بالك شر. السالفة زوجتك.
عبد الرؤوف: مو زوجتي صارت. المندوب مقاطعاً: الله يطول بعمرك، اترك اكمل حكياتي، ولو ما كانوا ظراف، انحاش وأنا أرجع وأخبر السفير وينجل ما تريد للمملكة. أومأ برأسه دون الرد. المندوب: وصل للسفارة أن زوجتك تريد أن ترجع لتجيم معاك، وأخذت الموافقة من صاحب السمو وبدها تعاود، وأبلغنا بأخبارك وأي معاد بدك تستجبلها. عبد الرؤوف: خوي، ها كفيت حديثك ولا في شي؟ المندوب: لا، كفيت. وبدي أفهم شو رأيك.
عبد الرؤوف: لا، موافق. وبدي توصل اعتراضي وتخابر سيادة السفير بكلامي عدل. بدي تخبره مرة مو موافق، وكفيت. ما صار بطلت زوجتي من زمان، وهاي الطالعة الثالثة. المندوب: كيف الثالثة وهي ما تدري؟ رؤوف: لا تدري عدل كل شي، لكن هي عميانه عن الحقيقة. تريد ترجع بعد ما درت نجاح مشروعي واستجراري بمصر، وبجيت زين بدونها. رايدة تنعم مرة بالحلال تبعي، دريتها ولا ما دريتها.
المندوب: طول عمرك حلالك مرة، وجابتلك من أشهر وأغنى عائلات المملكة، وحلالك وايد مرة زايد. وهي بنت عممتك وحلالها وايد مرة. ليش صار تطمع هيك؟ رؤوف: لا، مو طمع في الحلال، لا دي طمع غيرها تكون ليها نصيب فيه، لكن أنا كرهت كل الحرمات مرة.
مابدي أريهم ولا أسمع صوتهن. هي انحاشت وجت ما ضاجت، والربع بعد عني ورجعت بكيانه بعد ولدي ما طاح وسامحتها مرة وعشرة. انحاشت مرة ثانية وجالت دراستي وجامعتي وممتي. ماراح أصبر على فراجهم، وانحاشت ورادت للمملكة وتركتني بجهري على والدي اللي فرحان بيه وايد، يا خي والله هاذول يكفرن العشير والنار بدوهن مرة جنه. المندوب: هههههههههههه، هن يكفرن العشير، لكن بدونهن الجنة ما تصير. رؤوف: هههههههههههه، لا تصير، وايد الجنة مرة حلوة.
المندوب: بعيد عن السالفة، مابدك تطلع مع الربع، نطق حانك ولا مرة، مشتاقين نسامر ونجدي يوم مع الشباب. رؤوف: وهاي علي خابر الشباب، وأنا هنتظرك تخابرني. المندوب: ولا بدنا تعطيس كييف الأيام هادولا. رؤوف: ولا ال بدك إياه بيصير، خابر الربع، وأنا متحمس ومنتظرك تخابرني بالموعد. المندوب: هههههههههههه، ولا جاتك طاير من بكير ومعاي الربع كلياتهم. يلا سلام، يدوب الحج أخابر السفير يبلغ جوابك، وأخابر الشباب ونجتمع عندك بدارك.
رؤوف: أنا تركته واستجريت بفندق زهروان المعادي. أخدت جناح خاص أمس، وجهزته كييف ما بدي. هاد عنوانه، أعطيه للشباب، وأنا منتظركم. المندوب: ليش هديت دارك، وتجيم في فندق؟ رؤوف: كرهتها وايد، ما بحس فيها بالأمان، وماهدتها. تركتها بكل ما فيها، أنا انحاشت عنها. كل يوم تفتيش وشغل مخابرات تجول داير خاليه. المندوب: حرص، ولا تخون، ممكن يكون حد يسمع عليك يا خي، دير بالك زين، صار ال صار بسبب كلمة جلتها في وقت غضب.
رؤوف: الحمد لله، وعسى أن تكرهوا شيئاً. المندوب: يلا سلام عليكم، انتظر مخابراتي اليوم. نتسامر الليلة بعيد عن الربع، ومن باكر نخابرهم. رؤوف: بالمهالي صديج. رحل مندوب السفارة، وجلس عبد الرؤوف ينظر إلى هاتفه، وعلى وجهه ابتسامة لاول مرة منذ أشهر. يبتسم ليدخل عليه سكرتيره الخاص. المساعد: السيارة جاهزة جنابك.
رؤوف: لبس نظارته الشمسية، وأرجع كرسيه للخلف، وهب واقفاً، واضعاً هاتفه في جيب جلبابه شديد البياض، وأمسك مسبحته وخرج من المكتب. بعد قليل، إلى مكان إقامته الدائم بفندق زهروان المعادي. ليصعد مباشرة إلى جناحه الخاص، يفتحه ويدلفه. ليبتسم وهو يستنشق تلك الرائحة العطرة، يجلس على الأريكة بإرهاق، يغمض عينيه، يتنهد بتعب، ليغفو. لحظات ويفيق على صوت رسالة على هاتفه. ليفتح عينيه بتعب، ويخرجه من جيبه. يفتح ويقرأ الرسالة.
وما هي إلا برهة ووصل له إشعار آخر بتسجيل صوتي. ليستمع له ولصاحبته بإشمئذاذ، ويغلقه قبل الانتهاء منه. ويقف متجهاً إلى المرحاض، ليبتسم وهو يتذكر تلك الفتاة التي رآها على هاتفه. ليخرج بعد أن أنهى استحمامه، ويتجه مباشرة تجاه الطاولة، يمسك هاتفه ويفتحه على تسجيلات الكاميرات، ويتسطح على الفراش، ينظر إلى الهاتف بابتسامة واسعة وهو يشاهد ويسمع كلام تلك الفتاة التي جذب حديثها لزميلاتها.
ليغمض عينيه ويسقط الهاتف من يده، ويذهب إلى ثبات لم يخلُ من كابسة اليومي وصوت أنين حزين. لا يفارقه طوال عامين كاملين. يهمس بنومه منادياً على شخص ما، ليفيق وهو يتصبب عرقاً، ويتنفس بأنفاس متلاحقة، كأنه يجري بماراثون للجري حتى كادت تقطع أنفاسه من هول ما رأى. ليجلس مستغفراً ربه عدة مرات، ويهبط من على فراشه متجهاً إلى المرحاض، يتوضأ ويقيم الليل. حتى أعلن لصلاة الفجر، وبعد انتهائه من الصلاة.
عاود لفراشه ممسكاً بهاتفه، يعاود فتحه، وتتسع ابتسامته وهو يسمع حوار زهور مع إلينا. ليغفو مرة أخرى حتى الصباح.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!