مسعود ترك صباح تواجه مصيرها بين طبيب منعدم الضمير كل ما يشغله هي حفنة الأموال التي تلقاها منه. صباح هزيلة، حزينة، قلبها يدق بعنف خوفًا بعد ترك مسعود لها وذهابه. تجلس ودموعها تسيل على وجنتيها بلا توقف. حتى أتت إليها ممرضة اصطحبتها للداخل. لترتجف وهي ترى الطبيب واقفًا وبجواره ممرضة أخرى، لتتحدث بخوف وهي ترى نظرات الطبيب المشمئزة منها. صباح: أنا أنا عاوزة أمشي. لتنهره الممرضة: مدام، إنتِ خائفة ليه؟ عملتِ كده. صباح:
(تبكي) غصب عني والله، غصب عني. انبِي سيبوني أمشي. الطبيب: خالصينا يا مدام، إنتِ جيتِ هنا يبقى ما فيش تراجع. الأستاذ اللي جابك طلب إننا نخلص كل حاجة عشان يرجع ياخدك. صباح: (تبكي، تومئ برأسها) لتذهب مع الممرضة لتبديل ملابسها وهي ترتجف بشدة، لتعود مع الممرضة مرة أخرى. ويشير لها الطبيب بالصعود على الفراش.
لتصعد مرعوبة وهي ترى الطبيب ممسكًا بيده حقنة كبيرة. لتعدلها إحدى الممرضتين، والأخرى تضع لها جهاز الأكسجين، ويقوم الطبيب بحقنها. وثوانٍ قليلة وتغمض عينها ويبدأ بإجراء العملية. لينتفض وينظر إلى الممرضتين برعب وهو يرى كم النزيف الذي حدث ولا يتوقف نهائيًا. الممرضة: الحق يا دكتور، جهاز القلب وقف. الطبيب: (بفزع) يا دي المصيبة! بسرعة شوفي النبض. الممرضة: ما فيش نبض يا دكتور. الطبيب: (بخوف)
يبتعد عنها، يقوم بنزع القفازات الملوثة بالدم ويلقيهم بالقمامة، ويخطو تجاه صباح. ليعتدل بصدمة. الطبيب: دي ماتت. الممرضة: (بخوف) هنعمل إيه يا دكتور؟ دي رابع حالة الشهر ده. الطبيب: بسرعة ومنك ليها، لبسوها لبسها اللي جاية بيه وهاتصل على الراجل اللي جابها ييجي ياخدها. وبلاش حالات النهاردة، معتش فيا أعصاب. اتصل الطبيب على مسعود، وجد الرقم غير صحيح. أعاد الاتصال عدة مرات، نفس الرد. الطبيب: الراجل طلع نصاب، اداني رقم غلط.
الممرضة: هنعمل إيه في المصيبة دي؟ اللي فاتوا اللي معاهم كانوا بيخلصوا منهم، دي هنعمل فيها إيه؟ الطبيب: جهزوها بسرعة ولفوها كويس بالملاية على بال ما أجهز العربية وأجيبها قدام مدخل العمارة وأرميها في أي حتة مقطوعة قريبة من الأرياف. أهم حاجة حطوا شنطتها وأي متعلقات تانية ليها. الوقت ليل، بسرعة مش عاوز تأخير. ونظفوا العيادة كويس وخدوا يومين إجازة لحد ما نشوف المصيبة دي هترسي على إيه.
مسعود عاد إلى منزله على وجهه ابتسامة ماكرة. يشعل سيجارة ويجلس في أحد الأركان، ينظر في ساعته. ينفس دخان سيجارته وعينه على الباب. ليهب واقفًا ويطفئها في منفضة السجائر ويذهب ليفتح الباب الذي تعلو الخبطات عليه. فور فتح الباب يجد الصافي يدخل مهرولًا ووجهه شاحب وملابسه ممزقة. الصافي: اقفل الباب بسرعة يا خال. مسعود: يغلق الباب. إيه مالك متبهدل بالشكل ده ووشك أصفر؟
الصافي: يرمي جسده على الأريكة يلتقط أنفاسه. مصيبة، مصيبة يا خال. مش عارف هعمل إيه. لو أبويا عرف هتكون وقعة منيلة ومش هخلص من كلام أمي. مسعود: قول يا زفت، حصل إيه؟
الصافي: كنت متفق مع واحد زميلي يساعدني في الامتحانات، يكتب اسمي على ورقة الإجابة. واتفقت معاه على خمس آلاف جنيه مقدم وخمسة آخر يوم في الامتحانات. أدهمله بعد ما اتفقت معاه وخد الفلوس من كام يوم. جه في الامتحان ومرديش يبدل الورقة ولا ردي يديني الفلوس. النهاردة اتمقلت عليا وأنا مش عارف أحُل. بعد اللجنة، وخلى زمايلي ضحكوا عليا. فضلت قطعتُه لحتة مقطوعة وأخدته على خوانه ونزلت فيه ضرب لحد ما قطع النفس. وطب ساكت، خفت وجيت جري على هنا. لملمت حاجاتي وأخدت البيت صباح وارجع البلد.
مسعود: (بخبث) لو رجعت البلد أول واحد هيشكو فيه أنت. فخليك هنا كام يوم. اخرج واسهر عادي مع صحابك عشان محدش يشك فيك. إنت ضربت الواد فين بالظبط عشان أروح أشوفه عايش ولا حصله حاجة ونلحقه لو لسه في الروح. الصافي: أنا أنا معرفش اسم المنطقة. أنا كنت ماشي وراه، كل اللي في دماغي اضربه وخلاص. مخدتش بالي من المنطقة. مسعود: ما فيش علامة كده ولا كده؟ الصافي: أيوه، خدت بالي وأنا بجري وجاي على هنا. سوبر ماركت اسمه جورجينا.
مسعود: فين ده؟ طول عمري عايش في طنطا، أول مرة أسمع الاسم ده. على العموم، ادخل غير هدومك وكُل لقمة. أنا خارج عندي شغل مهم وشوية وراجع. أوعك تمشي وتسيب البيت لحد ما أرجع. الصافي: حاضر، حاضر يا خال. بس فين صباح؟ تحضر العشاء من ساعة ما جيت مشفتهاش ولا سمعت صوتها. مسعود: (بلجلجة) هه، صباح خرجت تزور واحدة صحبتها قبل ما تسافر البلد. ادخل إنت وشوية وهاجيلك.
دخل الصافي غرفته وأغلق خلفه الباب. جسده ينتفض، يشعر بالاختناق. يذهب في اتجاه النافذة، يفتحها قليلاً ويقف يستنشق هواءً طلقًا. ليصعق.
بعد دخول الصافي إلى غرفته، أسرع مسعود إلى غرفته، يخرج حقيبته ويسرع بالخروج من الشقة ويصعد سيارته ويرحل. ممسكًا بهاتفه وينظر إلى البناية وعلى وجهه ابتسامة ماكرة ونظرة خبيثة. ليرى الصافي يقف في الشرفة، يرفع يده ويشير له بيده. يضع يده بالقرب من جبهته ويرفعها لأعلى. وينطلق بسيارته سريعًا وهو يضحك بهستيريا.
الصافي شعر بأن قدميه لا تحمله. مسعود، نظراته وسلامه الغريبة تبعث الريبة في نفسه. ليترك غرفته متوجهًا إلى غرفة مسعود. يبحث في محتوياتها، ليصعق مرة أخرى وهو يرى الخزانة خاوية من ملابسه إلا من بعض الأشياء القديمة. لينتفض على صوت بوق سيارة شرطة، فيفزع من مكانه ويخرج من المنزل مهرولًا مغلقًا الباب خلفه.
رحل الصافي من الشقة مهرولًا للخارج، يتجه إلى أعلى الشقة. يقف فوق سطح البناية، يرى بوضوح الطريق. ليهدأ قليلاً ويلتقط أنفاسه وهو يرى العربة تبتعد عن المكان. ليهبط الدرج كأنه يسبق الريح. يدخل للشقة ويغلقها جيدًا خلفه ويسرع في ضم أغراضه جيدًا. ويجلس في انتظار شقيقته. يقوم بالاتصال بها فوق العشرين مرة ويرسل الرسائل بأنه سيخبر والدهم بتأخرها بالخارج دون أن تخبره، وعليها العودة حالًا للذهاب إلى البلدة قبل المساء.
ظل طوال الليل في انتظارها. لم تعد. ليغفو في مكانه. ويستيقظ على اتصال هاتفي في ساعات الصباح الأولى. ليقوم مفزوعًا مما سمع. ليسرع بالخروج من الشقة. ليتعركل بحقيبة ملابسه في طريقه للباب. يصل إلى المكان الذي أخبره به المتصل بعد قليل. يقف بخوف ورعب. عيناه لا تتوقف عن الدموع من هول ما سمع. عقله لا يتحمل ما سمعه. كيف حدث ومتى حدث؟ تهالت عليه الأسئلة. يجيب عليها بصعوبة بالغة من بكائه.
قليلًا وبدأت التحقيقات. قبل ذلك بساعات، أثناء خروج الطبيب معدوم الضمير هو وإحدى الممرضتين يحملون جثة صباح. لفت انتباه أحد المارة صدى صوت هاتف لا يتوقف عن الرنين في تلك اللفافة التي يحملونها. ليتوار خلف أحد أعمدة الإنارة. ويراهما يتهامسون بخوف من سماع أحد تلك الرنات، خاصة في ذلك الوقت المتأخر من الليل والهدوء بالطريق الجانبي الذي تقبع به العيادة. ليصدم وهو يرى قطرات الدم التي تتساقط من اللفافة أثناء انشغالهم بوضعها في
حقيبة العربة. ليسرع في لفت انتباه بعض المارة والجيران بصراخهم. وخاصة بعد محاولة الطبيب الصعود إلى السيارة والهرب منه. ليتجمع الكثير من الجيران ويتم القبض عليه. لتبدأ التحقيقات معه. وبعد معرفة هوية الفتاة من متعلقاتها الشخصية. وأثناء البحث في المتعلقات، يصدح صوت الهاتف مرة أخرى بعدة اتصالات متواصلة. ويصمت بعد وقت من معرفة هوية المتصل. تم أخذ الرقم من الهاتف قبل تسليمه للطب الشرعي لمعاينته والاتصال بهاتف آخر.
عودة للتحقيقات. المحقق: اسم وسنك وعنوانك وعلاقتك بالمجني عليها. الصافي: (بلجلجة وتوتر) الصافي شفيق، عمري سبعة عشر سنة. تبق أختي. المحقق: آخر مرة شفتها كان امتى؟ الصافي: الصبح قبل ما أروح للامتحانات. هي صحتني وفطرتني ورحت الامتحان. ولما رجعت ما شفتهاش. المحقق: عملت إيه لما مالقتهاش؟
الصافي: الأول سألت خالي عليها. قال إنها راحت لواحدة صحبتها. ولما اتأخرت اتصلت عليها أكتر من مرة وغفيت وأنا قاعد. لحد ما جالي اتصال بالمصيبة دي. المحقق: إنت طبعًا عرفت بال حصل وإن المجني عليها ماتت وهي بتعمل عملية إجهاض. تعرف مين يكون والد الطفل ده ولا لأ؟ وخصوصًا إن الدكتور اعترف بأن فيه شخص أربعيني هو اللي وداها تعمل العملية وطلب يجهضوها ودفع المبلغ بزيادة وعطاه رقم تليفون ومشي.
الصافي: لا معرفش مين ده. بس لو وصفه لي ممكن أعرفه لو كان قريب لنا أو حد من زمايلنا. المحقق: مين عايش معاكم بالبيت غيرك إنت وياها؟ الصافي: إحنا عايشين في شقة خالي. هو ابن خالة أمي. الأول كنا عايشين مع أخويا بس خالي أقنع أمي إننا نعيش معاه عشان أخويا ومراته ما يزهقوش مننا ومن طلباتنا. المحقق: تعرف أصحاب اختك كويس؟ الصافي: أيوه. مالهاش غير بنت واحدة من بلد جنبنا عايشة في المدينة الجامعية.
المحقق: تفتكر يكون اللي عمل العملة دي مع أختك يكون مين؟ الصافي: معرفش والله، معرفش. صباح بتخاف من خيالها ومش بتروح كده ولا كده. من البيت للجامعة والعكس. المحقق: طيب خالك فين؟ مجاش معاك؟ الصافي: معرفش فين هو. خد شنطة هدوم ومشي من بدري. ليستمر التحقيق وتحولت القضية للنيابة واتصل الصافي على والديه.
بعد التحقيق والتحريات وتحول القضية للنيابة، تم حبس الطبيب والممرضتين على ذمة القضية. وقدوم تقرير الطب الشرعي بوجود علامات تعذيب على الجثة. وأثبتت التحريات أن صباح ظلت لأيام لم تغادر المنزل. أمرت النيابة بتفتيش المنزل القاطنة به للبحث عن أي أدلة توصل للرجل الذي اصطحبها لعيادة ذلك الطبيب. تم تفتيش الشقة بعناية ليجدوا الصدمة الأولى. في غرفة صباح لم يجدوا شيئًا سوى اختبار حمل في سلة مهملات بجوار مكتبها.
وفي غرفة مسعود يجدوا سوطًا كبيرًا معلقًا على أحد حوائط الغرفة. وبتفتيش الأدراج وجدوا مجموعة من الأقراص. وبقراءة الأغلفة الخاصة بها تأكد أنها منشطات جنسية نسائية قوية المفعول. لتتأكد الشكوك حول مسعود وتصدر النيابة أمرًا بالقبض عليه.
علم شفيق بما حل بابنته. أغشي عليه من الصدمة وقلة النوم لأيام. نادرة فقدت ذرات عقلها فور علمها بأن مسعود هو من فعل بابنتها تلك الأفعال وهو السبب في وفاتها. تركت الصافي وشفيق في المستشفى وذهبت تجاه منزل خالتها والدة مسعود لتبحث عنه. لعله مختفي بها وتنتقم منه. لتذهب وتفتح بالمفتاح الذي أصر عليها مسعود بأخذه في إحدى المرات التي قبلتها بها لإعداد خطتهم تجاه شفيق للانتقام منه.
تبحث عنها بجميع الغرف لتقف جاحظة وهي ترى ثوراً لها بغرفته الخاصة، لكل لقاء لهم وخاصة الأخير وهي عارية تماماً وبأوضاع مخلة معه تلك الليلة المشؤومة. وخطاب على الفراش لتسقط على الفراش بقهر وهي تقرأ كلماته، صدمة وراء صدمة لتنهار حصونها بعد علمها ببيع جميع ممتلكاتها التي باسمها، حتى الأموال بالبنك حولها لحسابه بالتوكيل التي مضت عليه من أيام.
ليغشى عليها بعد قراءتها للخطاب، ظلت على حالتها ساعات حتى أفاقت تشعر بصداع، لتقوم مترنحة وتقوم بإشعال النار في الغرفة وإلقاء الخطاب بها وتخرج للذهاب للمشفى عند شفيق وصافي، منهارة لا تعلم ماذا تفعل. اتفق شفيق وولده أن يكتموا نبأ ما حدث لابنته عن أهل البلدة، وأنها توفيت بحادث سيارة. ليعودوا إلى البلدة بها تجمع الكثير من أهل البلدة والبلدان المجاورة. ودفن الجثة والعزاء وسط همسات المعزين عن الحادث الذي علموه من الجرائد.
مرت الأيام والشهور، نادرة حزينة على ضياع كل أملاكها والثروة التي كانت بين يديها تتأكلها النيران بداخلها. تدخل أم محمود عليها تجدها مغشي عليها، لتخرج هلعة تنادي على شفيق وولده ليسرعا لغرفتها. الصافي كان الأسرع يجد والدته ممددة على الأرض ليسرع بحملها ووضعها على الفراش. شفيق صعد رغماً عنه بعد طلبه من أحد الغفر يذهب لإحضار الطبيب. قليلاً حضر الطبيب وبعد الكشف على نادرة.
الطبيب: متقلقوش دي حاجة طبيعية للزيها وخصوصاً لأن سنها كبير والحمل في الوقت ده خطر عليها. صدمة وراء صدمة تلقاها شفيق ليشير إلى ابنه بتوصيل الطبيب وإلى أم محمود، إيا ليقف ينظر إلى نادرة التي فاقت، نظرة أرعبتها. لينقض عليها يلف يده حول رقبتها، يقوم بخنقها. شفيق: حامل حامل يا فجرة انطقي من سكات. مين الفاجر اللي نمتيله يا يا ساقطة انطقي قبل ما أقتلك وأدفن عارك. نادرة تحاول فك يده حول رقبتها تتنفس بصعوبة.
نادرة: شفيق روحي هطلق ابعد هقولك هقولك مسعود مسعود السبب. شفيق أبعد يده ورجع للخلف بصدمة. شفيق: مسعود عمل كل البلاوي دي في بنتي وكمان مراتي حامل منه. نادرة تلتقط أنفاسها. نادرة: مكنتش بوعيي خدارني وأنا بزور العيال وعمل عملته قبل وفاة صباح بكام يوم. لينقض عليها مرة أخرى يشد في طبق يديه على رقبتها، كادت تلتقط أنفاسها لولا تلك التي ضربت شفيق من الخلف بعصا غليظة أفقدته توازنه ويسقط أرضاً.
مرت الأيام، شفيق أصبح طريح الفراش بسبب تلك الضربة القوية جعلته يصاب بشلل، ومع كم الصدمات التي تلقاها في فترة وجيزة فقد النطق. نادرة تدخل كل ليلة أمامه ببطنها التي تكبر تهمس له أن الأيام دول أمه حملت من الصافي أبيه بعد اغتصابه لها وقتله والدها وتشردها هي وأخواتها وموت أمها قهراً بعد اتهامها بأنها خائنة. تخبره بكل مصائبه وكم اغتصب فتيات وكم واحدة ماتت بين يديه، آخرهم سعاد. شفيق كاد يجن مما تخبره به، وخاصة آخر حادثة له.
أصبح لا يقوى على الحركة، حتى يوم والدتها وسماع صوت صريخها ليحاول النهوض، يضع يده على صدره ويجر إحدى قدميه وفمه الذي أصبح معوجاً، ليظل يخطو ببطء حتى وقف بالقرب من الغرفة ينظر للتي تخرج من الغرفة بحقد وتوعده لها بالانتقام منها.
يسمع صرخات طفل ليختل توازنه وكاد يسقط، ليدخل لها بعد رحيل الداية، يغلق الباب خلفه ويتوجه ناحية الفراش الممددة عليه نادرة غافية، ينظر بجوارها يجد الصغير نائم بجوارها ليقترب منه يضع يده على وجهه الصغير يكتم أنفاسه حتى يتأكد من موته. ابتعد عنه ينظر لنادرة بحقد، يقسم لها بداخله بالانتقام منها، يتوعدها بأن يتركها عايشة ويسقيها العذاب بأضعاف مضاعفة. الصافي استقر بالبلدة خوفاً من اكتشاف أنه سبب موت زميله كما اعتقد.
مرت الأيام عليه، اقترب منه أحد الغفر أصبح صديقه الصدوق، يذهبا معاً. أخبره بكل ما حدث الأيام والشهور الذي كان بعيداً عن القرية. كان حزيناً بخبر حمل والدته خوفاً من إنجابها شريكاً له بالثروة. كان سعيداً جداً عندما علم بموت الصغير. اقترب من أبيه وبدأ بالذهاب معه لتلقي العلاج في إحدى العيادات الخاصة بحالته حتى شفي، ليس كالسابق، لكن استطاع شفيق السير جيداً وينطق الكلام بفهم.
شفيق: أول شيء فعله بعد شفائه ذهابه إلى منزل محبوبته، يدق بابها ويترجاها الزواج به، فهي المرأة الوحيدة التي يثق بها. مرت الشهور وهو بتلك الحالة، دبر مكيدة للخادمة أم محمود وقتلها دون أن يشعر به أحد، وقام بحرق غرفتها حتى لا يكتشف أمره. نادرة أصبحت تغلق بابها بالأقفال عليها خوفاً من انتقام شفيق الذي يتلذذ برعبها. صافي: أصبح لديه خبرة في أحوال البلدة. مرت الشهور والسنوات حتى مرت خمسة عشر عاماً.
أحلام بالسوق أصبحت صديقة للجميع، مخزن أسرارهم، الكل يحب مشاركتها الحديث. كونت صداقة بسيدتين، إحداهما أكبر منها والأخرى في عمرها، يذهبن معاً ويعودن معاً، ينتظرن حين دخولها لبيتها وإغلاقه خلفها، يوصلونها لمنزلها في طريقهن بعربة كارو يجلسن فوقها، وفي الصباح تنتظرهن أيضاً أمام منزلها. وكثيراً بالداخل خوفاً من شفيق ومراقبته لها.
زهور أصبحت حديث الجميع، تلك الفتاة الجميلة التي تقيدها جدتها أحلام، بالرغم من استقرارها بعض الشيء في العمل وحب الناس لها، إلا أن تلك الغيرة والحقد جعل يومها لا يخلو من المشاكل التي تتجنبها إلى حد ما، خاصة بعد قيام البائعة بسوق القرية بقص كل ما حدث لأحلام بالقرية وأن زهور ابنة غير شرعية قدمتا للبلدة سوياً. وبعد عدة أيام هربت أمها وتركت مسؤولياتها.
أحلام التزمت الصمت في البداية، ولكن لم تحتمل وتلك الشمطاء تتفنن كل يوم في قول الأكاذيب عن سلسبيل. وطفح الكيل بها عندما أطلقت على الصغيرة اسم بنت سلسبيل، وكما العادة الكلمة السيئة هي الدارجة، أصبح ذلك الاسم هو لقب زهور، بنت سلسبيل هو الاسم التي تنادى به الصغيرة.
مرت الأيام وزهور أصبحت في السابعة وبدأت دراستها بالمدرسة، وللقدر دائماً نصيب، أصبحت مشهورة بين المدرسين لذكائها، وبحكم تعاملها بالسوق بالبيع والشراء أصبحت جريئة بالتعامل لا تخاف من أحد. تذهب للمدرسة صباحاً، وبعدها تذهب إلى السوق تساعد جدتها في العمل، وأوقات كثيرة تعمل بدلاً منها في الإجازة.
مرت الأيام وازدادت جمالاً في سن التاسعة، ختمت حفظ القرآن كاملاً وحفظت ألفية ابن مالك والأحاديث النبوية، حصلت على جوائز كثيرة بالمسابقة الرمضانية. أحلام: مرضت في أحد الأيام، تركتها زهور وخرجت ليلاً تجري تجاه إحدى العيادات الخاصة تطلب من الطبيب القدوم معها للكشف عليها. الطبيب أتى معها بعد الكشف على أحلام التي تئن من الألم. أخبرها الطبيب بضرورة ذهابها للمشفى لعمل بعض التحاليل الطبية.
زهور بالرغم من صغر سنها الذي لم يتجاوز العاشرة من عمرها، بعد انتهاء الطبيب من الكشف على أحلام، خرجت خلفه وأشارت له بالجلوس وجلست أمامه تناقشه في مرض أحلام، لم تهتز أو تبكي أمامه وهو يخبرها. زهور: قولي يا دكتور لو سمحت كل حاجة بصراحة، حضرتك شاكك بإيه وستي عندها إيه بالضبط. الطبيب ينظر لها كأنه يخبرها بأنها لازالت صغيرة لتعرف. زهور: قول يا دكتور أنا مش صغيرة، ستي تعبانة عندها إيه بالضبط وحالتها كويسة ولا خطرة.
الطبيب: مهو مافيش حد كبير هنا أتكلم معاه. زهور: أنا أهو قدامك بقولك قول، أنا وستي مقطعين من شجرة ما ناش غير بعض، فقول كل حاجة من غير ما تقلق ولا تخاف عليا. الطبيب: بصي يا بنتي أنا مشفق عليكي، انتي ممكن متفهميش كلامي ده معناه إيه، بس كل اللي أقدر أقوله إن جدتك لازم تروح مستشفى وتعمل فحوصات وتحاليل كتير وأشعة عشان نتأكد الأول. زهور: حضرتك شاكك بإيه. الطبيب: صمت قليلاً، ومع إلحاح زهور.
الطبيب: بصي يا بنتي جدتك بالتأكيد عندها تعب بالقلب واحتمال كبير مع الأعراض اللي بتحكي عليها إنها تعمل عملية، فلازم تلحقي توديها مستشفى عشان الحالة متتدهورش أكتر من كده. زهور: ابتلعت لعابها بصعوبة، تحجرت الدموع بمقلتيها. زهور: حضرتك تعرف مستشفى كويسة أعمل ليها تحليل والأشعة فيها؟ حضرتك شايف الحال.
الطبيب: المستشفيات الحكومية مزدحمة وما فيهاش الإمكانيات اللازمة، لازمنا مستشفى كبيرة، حتى معهد القلب مش هينفع معانا الفترة دي لأن الحالة متتحملش انتظار، فمفيش غير مستشفى متخصصة بالقلب. زهور: أروحها، اديني العنوان وأنا أوديها. الطبيب: بس دي غالية ومصارفها كتير. زهور: مفيش حاجة تغلى على ستي، حتى لو بعنا البيت ده. الطبيب: نظر لها بفخر وسعادة بكلامها وقوة تحملها، ينظر لها يرى محاولتها التمسك بعدم هبوط دموعه ليبتسم لها.
الطبيب: استعدي وجهزي جدتك وأنا هجيب عربيتي وأجي نوديها لأقرب مستشفى متخصص بالقلب في طنطا. دقائق خرج الطبيب يحضر سيارته وتوجهت زهور إلى غرفة أحلام التي تلتقط أنفاسها بصعوبة كبيرة. أخرجت زهور صندوق من أسفل السرير وفتحته بمفتاحه بعد أن أخذته من أسفل الوسادة، لتخرج مبلغاً مالياً كبيراً وقامت بوضعه وفوقه ملابس لأحلام بحقيبة والدتها، تلك الذكرى الوحيدة منها. لتخطو زهور تجاه معاناة أصعب في حياتها المريرة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!