الفصل 85 | من 87 فصل

رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الخامس والثمانون 85 - بقلم منى عبدالعزيز

المشاهدات
19
كلمة
6,807
وقت القراءة
35 د
التقدم في الرواية 98%
حجم الخط: 18

قلبي ممزق بنار فراق عهد قطعته على قلبي بعدم النسيان. جسد بلا روح، قلب بلا دقات، عقل رسمت مخيلته بحبيب توارى تحت التراب. عين لم تعد ترى من بعده إلا سواه، أنامل لا تخط إلا باسمه، وورقة لا ترسم إلا بملامحه. عين لا تهنأ بنوم إلا وصورته بين الجفون تنعم بدفئه. ممدة على الفراش تتثأب، تلتفت للجهة الأخرى، تحرك يدها تتلمس الفراش بيدها، تنادي على النائم جوارها. "يحيى يحيى قوم، الفجر بيأذن."

تنتفض جالسة بعد ملامسة يدها للفضاء، تلملم شعرها للخلف، تهبط من على الفراش تخطو تجاه الباب. تضع يدها على فمها وهي تتثأب، تفتح الباب تخطو خارج الغرفة. ترى إنارة المنزل مضاءة، تنادي على زوجها. "أصبحنا وأصبح الملك لله. يحيى ليه ما صحتنيش لما صحيت؟ يحيى يا يحيى فينك؟ أنتي يا أحلام عليكي مخ. أكيد نزل يصلي الفجر بالجامع." تتنهد بحزن وهي تمر من أمام غرفة زهور. "ربنا يوقفلك ولاد الحلال يا زهروان بنت زياد وسلسبيل.

وحشاني يا زهور، البيت من غيرك وحش أوي. مش عارفة كنت هستحمل إزاي أعيش فيه من غيرك. الحمدلله ربنا رزقني بيحيى سند وحمى بعد السنين دي." أنهت حديثها، دلفت للمرحاض، اغتسلت وتوضأت، وخرجت أدت فرضها وجلست تصبح الله وتتلو بعض من القرآن الكريم. مر وقت وهي جالسة حتى شقشق ضوء النهار معلناً عن بزوغ يوم جديد. تقف من جلستها تنظر بساعة الحائط أمامها، تشعر بنغزة بقلبها. مر وقت ولم يعاود يحيى للمنزل.

ظلت جالسة عينها على باب المنزل، يتآكلها القلق. تجوب المنزل ذهاباً وإياباً، تقف خلف النافذة المطلة على الشارع تنظر عبرها على المارة تستمع لأصواتهم. "معقولة يكون راح السوق ولا راح يشق على أهله؟ طيب مقالش ليه؟ بس لا هو متفق معايا هنروح النهارده البيت الكبير. مش عارفة قلبي بينغز عليا وحاسة بخنقة. ياترى فيه إيه حصل؟ لا مش قادرة أصبر أكتر من كده. أتصل على يحيى، قلبي واكلني على زهور أوي. يارب يسترها عليكي يا بنتي."

خطت إلى غرفتها لا تعلم لما هذا الثقل على قلبها. أمسكت هاتفها بيد مرتجفة، ضغطت على رقم يحيى، بعد محاولات أتاها الرد بعد أن هوى قلبها من الخوف. أحلام ببكاء وصوت متحشرج: "الو الو يحيي يحيي." يحيى بلهفة: "الو أحلام." أحلام: "يحيى إنت بخير طمني عليك." يحيى: "عيون يحيى، إهدي يا نور عيني، أنا بخير متقلقيش." أحلام: "صوتك ماله يحيى؟ فيه حاجة حصلت؟ صوتك مش عادته. فيه إيه؟ سبتني وسبت البيت ليه يا يحيى؟

يحيى: "إهدي يا أحلام، أنا مسبتش البيت، أنا في المستشفى." أحلام مقاطعته: "مستشفى ليه؟ مالك تعبان؟ فيه إيه؟ ما تنطق يا يحيى، مش قادرة أتحمل." يحيى: "مفيش أنا... أحلام مقاطعته: "قولي اسم المستشفى إيه." يحيى: "أحلام أنا شو." أحلام ببكاء بصوت مختنق لا يكاد يسمع: "الله يخليك قول اسم المستشفى إيه وفين؟ معتش قادرة أتحمل. دماغي بتودي وتجيب ومش هرتاح إلا لما أشوفك قدامي." يحيى بسعادة من كلام أحلام، أخبرها باسم المستشفى.

ينظر في الهاتف الذي أغلق بوجهه بابتسامة، يشكر الله على العوض الجميل بعد سنوات الصبر والشوق الطويل. ظل جالس كما هو، بعد أقل من نصف ساعة صدح هاتفه برنات متتالية. يبتسم وهو يرى اسم المتصل، يقف من جلسته و يخطو عدة خطوات. يقف أمام أحلام التي تقف تتلفت حولها وهي تستمع لصوت رنين الهاتف الذي تحفظه عن ظهر قلب. فور رؤيته أمامها، أسرعت تجاهه، ترتمي بأحضانه تبكي.

يحيى بعالم آخر، يشعر بأنه طائر فوق السحاب، لا يصدق أن أحلام عشق عمره التي عانى سنوات فراقها اليوم هي من ترمي بأحضانة تمطره بكلمات الخوف والقلق عليه. يحيى: "أنا لو قالولي إنك خلاص هتموتي ودي آخر لحظة بعمرك هقولهم موافق، طالما بين إيدين أحلام وفي حضنها." أحلام بخوف اشتدت بضمة، تتمسك بجلبابه من الخلف تكوره بيدها: "بعد الشر عنك، ربنا يديك طولت العمر يارب." تخرج من بين أحضانه تبتسم له وهو يكشر وجهه، تحدثه بصوت مازال

يشوبه الاختناق من البكاء: "فيه إيه؟ جيت المستشفى ليه؟ حصل حاجة للحج الكبير؟ زهور حصلها حاجة؟ طمني الله يخليك." يحيى قبض على يدها، نظر إلى عينيها الباكية، رفع يده الأخرى يجفف دمعاتها: "إهدي مفيش حاجة. تعالي نقعد وأنا أحكيلك كل حاجة. مالك قلقانة كده ليه؟ واديكي متلجة أوي." يجلس يحيى وبجواره أحلام، يحرك يده على يدها يدفئها: "اهدي خالص، لا أبويا ولا زهور حصلهم حاجة. ده ماجد." أحلام: "ماجد؟

يحيى: "أيوه ماجد. اسمعيني للآخر من غير ما تقاطعيني، وانتي هتفهمي كل حاجة." تهز رأسها بالموافقة، ويكمل يحيى حديثه: "أنا مكنش جايلي نوم، قمت لبست هدومي وقلت أنزل القهوة شوية وسيبك نايمة نص ساعة وارجع. نزلت وهناك السهرة أخذتني مع أبويا ومعلمين السوق ووصلت أبويا البيت. وأنا راجع سمعت صوت في شقة ماجد وصريخ إلينا." و ليقص لها كل ما حدث حتى وصوله. أحلام سحبت يدها من بين يديه، هبت واقفة،

تتحدث ببكاء: "زهور مش كويسة يا يحيي. زهور هيحصلها إيه أكتر من اللي حصلها؟ قولي إلينا فين؟ هنا ولا في البيت؟ يحيى: "إهدي بس، زهور بخير متقلقيش." "لا مش بخير، أنا حاسة بكده. مش بخير. بسرعة قولي إلينا فين." "فوق، قاعدة قدام العمليات." أحلام بسرعة: "يا يحيى مفيش، أنا قلبي مش مطمن." تهرول أحلام بجوار يحيى حتى وصلوا مكان جلوس إلينا التي تتحدث مع أحد الأطباء، لتجذبها أحلام من رسغها تحدثها بصوت متقطع من الشهقات.

"إلينا زهور فين؟ ومين الراجل اللي بعتي زهور ليه يا إلينا؟ انطقي." إلينا: "خالتي أحلام أنا أنا معرفش." أحلام: "انطقي متكدبيش! فين زهور؟ ومين الراجل اللي سألك عن سلسبيل وعاوز إيه من زهور؟ ومكانه فين؟ أقسم بالله لو كذبتي في كلمة واحدة ما يكفيني موتك. وريح أبوكي الراجل المحترم اللي طول عمره أخ وصاحب وجار، هو وأمك مشفناش منهم العيبة منك، من غير ما يغمض لي جفن. انطقي من غير لف ولا دوران."

إلينا ببكاء قصت كل ما حدث من وقت معرفتها بأن زهور هي زهروان ابنة صاحب الفندق حتى وقفهم أمامها. يقف بذهول، يستمع لما يقال. دون سابق إنذار، رفع يده يصفع الواقفة أمامه تتحدث. تصعق أحلام مما رأت، تلتف تنظر لمن فعل ذلك، وليحيى الذي انقض عليه. أحلام تصرخ بي يحيى: "يحيى سيبه ده." يحيى: "انطقي من ده." أحلام: "دكتور أحمد." أحمد غير عابئ بما يقولون، يمسك يد إلينا يهزها وبصوت مرعب: "انطقي فين زهور وعنوان الراجل ده إيه؟

انطقي اللي هطلع روحك في إيديا." إلينا بخوف أخبرتهم العنوان، ليتركها يحيى من يده ويهرول خلفه. يحيى وأحلام غير عابئ بمناداة أحد الأطباء له، يخرج من المستشفى. يصعد سيارته ويقودها تجاه العنوان، وخلفه أحلام ويحيى بعد أن صعدوا في سيارة أجرة. ليصلوا خلف بعضهم للمكان التي أخبرتهم به إلينا. تقف من باب الغرفة تحاول فتحة، ارتجفت يدها، تلتفت للخلف تستند على الباب بذعر وهي تراه يقترب منها.

ينظر لها بخبث، يفك أزرار قميصه ليكشف عن صدره. تعاود الالتفاف، تستنجد بأحد، تدق على باب الغرفة. تلتفت نصف التفاته، تنظر بعينها، تبتعد عن الباب فور رؤيتها لمن يحاول تطويقها من الخلف. تسرع بالابتعاد عن الباب ليهوي هو عليه ويتأوه من الألم بعد أن ضرب رأسه ويده بالباب. يلتف لها بسرعة يحدثها بغل شديد.

"هههه فرسة فرسة. بصي يا قمر لو فكرة بعمايلك دي هتفلتِ من بين إيديا يبقى بتحلمي. عمايلك دي بتخليني أجنن عليكي أكتر. واديكي شايفة الباب مقفول من برة وعماد ومشي، البيت فاضي علينا والعمارة هو مفهاش صريخ ابن يومين، فخلينا كده حلوين مع بعض وبلاش فرهده." تجوب بعينها الغرفة تبحث عن أي شيء تحتمي به، تبتسم بداخلها فور رؤيتها لحقيبتها. نظرت بطرف عينها عليه وهو يتقدم تجاهها بخبث، لتنحني تلتقط حقيبتها بخفة.

ينقض عليها من الخلف لتلتف بكل قوتها وتضربه بحقيبتها، ليسقط على الأريكة متأوهاً. يضع يده على جبهته يصرخ من الألم، تجحظ عيناه وهو يرى تلك الدماء التي تسيل على وجهه. يصرخ بها يسبها ويقسم بأن يجعلها تبكي من الألم على فعلتها. "لو فاكرة بعملتك دي توقفيني يبقى بتحلمي يا بنت الأحدب. لو كنت عاوزك قيراط دلوقتي مصمم أربعة وعشرين. شايفة الدم اللي بينزل من راسي ده هخلي كل حتة في جسمك تنزله."

تقف متسمرة مكانها، ترى الدم المتدفق بخوف. كلما اقترب منها ترجع خطوة للخلف. ظلت تتحرك حتى التصقت بباب الغرفة، لتغمض عينيها وتتشبث بحقيبتها وسط ضحكاته التي يتردد صداها بالمكان. فجأة صرخت وكادت تسقط أرضاً بعد فتح باب الغرفة من الخارج، لولا يد أحدهم استندت عليها. يخرج من المصعد، عينه تجوب يمين ويسار يبحث عن رقم الشقة. خطى تجاهها فور وقوع عينه عليها. وقف لحظات يشعر بريبة فور رؤيته لباب الشقة مفتوح على مصراعيه.

وقف متردداً، حسم أمره ودخل ليقف متسمراً، ينظر للممدد على الأرض إحدى الغرف قريب من بابها والدماء تحاوطه. يلتفت للخلف فور شعوره بحركة خارج الشقة. يسرع في رؤية ما هناك، لعله من فعل تلك الفعلة. خرج ينظر ماذا هناك، يلتف يمين ويسار، صعد درجات الدرج لم يجد شيئاً. ليسمع صوت صرخة أحدهم يهبط الدرج. فور تأكده من صاحب الصوت، يسرع في هبوط الدرج ليقف أمام البناية يتلفت يمين ويسار. يقف يلتقط أنفاسه، يتلفت حوله وهو يستمع لصوت بكاء.

يسرع تجاهه، يصعق مما يرى. يقطع المسافة في خطوتين، ينظر جالسة على الرصيف بزعر وبكاؤها يقطع نياط القلب. يجلس بجوارها يحدثها بصوت حنون. فجأة جحظت عيناه ودون أن يشعر رفع يده وهوى على وجنتها بصفعة مدوية. ثم جذبها من يدها وأشار إلى عربة أجرة ودفعها تصعد بها وجلس بجوارها. صدره يعلو ويهبط، أنفه تخرج منه أنفاسه كأنه ألهبة نيران في أوج اشتعالها. يخبر السائق بمكان وجهته، يشتد في مسك يدها دون أن يتحدث.

مازال على هيئته لا يتحدث، فقط ينظر بطرف عينه على الجالسة بجواره تبكي بشهيق. يجز على أنيابه بضيق، يخرج هاتفه أجرى اتصال هاتفي وأغلقه، يخبر السائق بالاسراع. بعد وقت توقفت العربة بالمكان. ترجل من السيارة يجذب الجالسة بجواره بعنف. يخرج من جيب بنطاله ميدالية مفاتيحه، يفتح الأقفال بأحدهم، يفتح الباب على مصراعيه وهو مازال يمسك براسغها. يخط للداخل وينظرها من يده، يشير لها بيده ويحدثها بصوت أجش مختنق.

تنزل كلماته عليها كالصاعقة، تنظر للمكان بذهول وهي ترى كم الأشجار والورود بالمكان. تنزل على ركبتيها جاثية تبكي بقهر. يسرع بسيارته، يطلق بوقها ليبتعد سائقي السيارات أمامه ويفسحوا الطريق أمامه حتى وصل العنوان الذي سمعه. يهبط من سيارته، يدلف البناية وقبل أن يضغط على زر المصعد، التفت على صوت من يحدثه من الخلف. "دكتور أحمد استنانا، احنا جاين معاك." يضغط على زر المصعد، يشير لهم بالدخول ويدلف خلفهم.

يضغط على زر الصعود ورقم الطابق دون أن يتحدث بكلمة، فقط عينه على لوحة التحكم بالمصعد لا تحيد عنها حتى توقفت بالطابق المنشود. يخرج أولاً فور توقف المصعد، يسرع بخطواته يبحث عن رقم الشقة التي أخبرته به إلينا. يسرع في دخول الشقة أولاً، يرتد للخلف فور وقوع عينه على المدد على الأرض. يلتف مع صرخات أحلام المتتالية ومحاولة يحيى تهدئتها وهي تشير على حقيبة زهور الملقاة أرضاً.

ينحني أحمد يلتقطها، وقبل أن يرفعها، وجد من يمسك يده ويحدثه بأمر. تسللت من بينهم بعد تلقيها اتصال هاتفي، خرجت من الباب الخلفي للقصر دون أن يراها أحد. تقف أمام القصر تشير إلى عربة أجرة تخبره بالمكان الذي تريده. تصعد العربة وتجلس بالخلف تحدث نفسها بصوت واضح. يسألها السائق هل تحدثت وتهز رأسها وتخبره بلا. "ياترى حصل إيه؟ عمو يطلب مني أقبله في المكان ده؟ وليه صمم محدش يعرف؟

ربنا يستر قلبي مش مطمن، حاسة فيه حاجة وحاجة كبيرة كمان." السائق: "فيه حاجة يا أستاذة؟ بتكلمني؟ غدير: "لا بس ياريت تزيد السرعة شوية." يومي السائق برأسه ويهمس لنفسه: "ربنا يستر، قرافة وبتكلم نفسها. أنا كان مالي ومال المشوار ده بس ياربي. ربنا يعدي المشوار ده على خير." غدير لازالت على حالها تتسأل ماذا حدث، وما تلك الأصوات التي سمعتها أثناء حديث عمها لها.

قلبها يدق بسرعة مع تخيلها لما قد يحدث، تدعو ربها بأن يخلف ما يحوب بعقلها. يتوقف السائق أمام المكان التي أخبرته به ويخبرها. تنظر حولها تجده يقف بعيداً عدة أمتار عن المكان. غادير: "وقفت ليه هنا؟ لسه موصلناش المكان." السائق: "يا أبلة الله لا يسيئك انزل اتمشي الشوية دول على رجليكي. أنا مش هقدر أكمل لجوة." غادير: "ليه ان شاء الله؟ أنا قلتلك العنوان وحضرتك وفقت، يبقى تكمل الاتفاق ودخلني للمكان إلا لو كنت مش عاوز حسابك."

السائق: "يعني إيه؟ بعد المسافة دي كلها غير تلبيشت جسمي، وانتي نازلة كلام مع نفسك مش عاوزة تدفعي تمن المشوار." غادير: "هو كده عجبك ولا مش عجبك، هتكمل كان بها، هتاخد حسابك تالت ومتلت. مش هتكمل يبقى خلاص، هنزل ومفيش ولا مليم." السائق: "أولاً أنا ميهمنيش الفلوس، بس هكمل مروءة مني عشان متمشيش في الحر ده المسافة دي كلها. وكمان ممكن حد كده ولا كده يطلع لك. بس بلاش تكلمي نفسك الله يكرمك، خليكي كده قمورة بنفسك لحد ما تنزلي."

تبتسم له على كلماته وتهز رأسها بالموافقة. تشير له على المكان الذي يمر منه وتنظر من النافذة حتى وصلت إلى مقصدها. تخبره بالتوقف، تخرج من جزدانها مبلغ مالي وتعطيه له وتترجل من السيارة وهي تشكره. تخطو باتجاه المكان، تقف بعد دخولها تضع يدها على فمها وهي ترى وتسمع عمها يقف ظهره لباب المكان. يشير بيده تجاه قبر مكسو بالورود، يتحدث بصوت وهن مقهور.

زايد: "سلسبيل اللي بتتهميها بأنها عديمة الأخلاق، بأنها سبب اللي حصلك، بتلعني فيها وبتسبيها. سلسبيل آخر كلمة نطقت بها كانت اسمك سلسبيل اللي عمالة تلعنيها، لمجرد كذبة وإنتي صدقتيها. سلسبيل ماتت من عشرين سنة زي النهارده، ماتت مقدرتش تتحمل خبر موت أبوكِ." يقترب منها، ينزل ببطء، يجثو على ركبتيه، يتلمس الاسم المنحوت. "عارفة يعني إيه الإنسان اللي بتحبه وبتعشقه يموت؟

العالم يقف عند اللحظة دي، حياتك كلها بتقف معاه. عقلك مش بيتذكر غير اللحظة دي. كل ذكرياتك معاه هي اللي عايشة بيها، ووصيته هي اللي عايش عشان تنفذها ليه. عارفة يعني إيه تكوني عايشة وميتة بنفس الوقت؟

عارفة يعني إيه بتتقطع جواك مليون حتة وإنت بتفتكر أول مقابلة وأول دقة قلب، أول كلمة ونظرة عينيه وابتسامته الجميلة اللي تخليك تبتسم كل ما تفتكرها. لما كل ده يروح من قدامك ويروح لغيرك وترضي بقضاءك وتحاول تعيش، فجأة الأمل يتجدد قدامك وترسم بخيالك قصور الرمل وتيجي موجة عالية تمحي اللي بنيته. عارفة معنى إنك تدفن كل ده تحت التراب بإيدك وتعيش؟ متبعد كل ده بكل وقاحة جاية تقولي عليها قدامي إنها."

يكور يده، يجز على أسنانه يكاد يطحنهم من شدة الضغط عليها. يتكلم بصوت مكتوم من بين شفتيه. "مش قادر أنطقها. سلسبيل أهي قدامك أهي. العنها زي ما كنتي من شوية نازلة تلعني وتقسمي بكرهك ليها." تزحف على ركبتيها، ترمي على قبر والدتها، تضمه بيدها تبكي وهي تقبله. دموعها تنزل كشلال لا يتوقف، تتحدث بصوت يكاد يسمع.

"من يوم ما وعيت على الدنيا وأنا بلعن فيكي. عشرين سنة وأنا بنادي باسمك كأنك عار ووصمة لازقة بيا. كل يوم أحط راسي على المخدة وأنا بدعي عليكي. كل يوم بتهمك بأنك سبب عذابي وقهرى. كل يوم بلعنك ألف لعنة ولعنة. مفيش مرة جه في بالي إنك تكوني ميتة ومدفونة تحت التراب. كنت بتهمك بالطمع، بتهمك بتهمة غير اللي قبلها. كل تعبي ووجعي اتهمك إنك السبب فيهم. سامحت زياد ونفذت وصيته وحقدت عليكي وأنا بقرا مذكرات وكل كلمة حب قالها ليكي. كنت بحلم باليوم اللي هشوفك وتاخديني بحضنك. دلوقتي أنا بحضن قبرك بدل حضنك. عشرين سنة والكل بيتهمك بأقذر الاتهامات وإنتي هنا مدفونة تحت التراب. ااه يا أمي ااه يا أمي."

ترفع رأسها تنظر للجالس أمام القبر، يسند على حافة القبر يبكي وشهقاته تتردد بالمكان. "احكلي عنها. ماتت إزاي؟ وعرفت مكانها إزاي؟ ومين اللي دفنها هنا؟ وليه ناديت عليا باسمها أول ما شفتني قدام الفندق، طالما كنت عارف بموتها؟ يرفع رأسه، ينظر لها نظرة طويلة، يتحدث وهو يضع يده على قلبه ويسقط أرضاً.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...