سلسبيل وقفت متسمرة مكانها تري زوجها يجلس بحوار فتاة لم تري وجهها، أصوات الأغاني لكبار المطربين تصدح بالمكان. تغمض عينها بألم فور سماعها تلك الغنوة التي كانت تشدو له بها كل صباح. استجمعت شتاتها أخيراً وأتت تقترب من مكان جلوسه، لتقف مكانها فور وقوع عينه عليها. لتنظر له نظرة عتاب، عينها تحدثت بمكنون ما بجوفها.
سلسبيل: طول الطريق وأنا بكدب الكلام اللي قريته، وأقول لا يمكن زياد جوزي وحبيبي اللي يوم ما اعترفلي بحبه قال عايزك بالحلال. معقولة أنت زياد اللي أنا حبيته؟ ابتسمت بسخرية. لا لا يمكن تكون أنت زياد، كان راجل. أنت جبان طماع، واحد تاني أنا معرفوش. تلتقط أنفاسها، جسدها ينتفض بشدة، أسنانها تصطك ببعضها.
جف حلقها، تحاول أن تبلع ريقها من شدة جفافه، أصابتها مرارة في حلقها لا يوصف. عيونها تسيل منها أنهار من الدموع، خرجت من دون صوت بكاء. ترفع عينها بعينه تبكي على حالها، تنظر للجالس نظرة كلها اتهام وقهر. إنكسر نظرها للطفلة على يدها وترفعها له مرة أخرى.
سلسبيل: تنظر له تسأله عملت كده ليه، غدرت بيا ليه. من كام ساعة كنت بتوعدني وتقسم إن الدنيا كلها هتعرف بجوزنا وبنتك هتعمل ليها احتفال الكل يتحاكى بيه. تدور بعينها بالقاعة، هو ده الاحتفال؟ لتنظر لابنتها، بنتك اللي مبقاش لها عمر ساعات. بعتها هي كمان. لترفع عينها مرة أخرى إليه، راح فين وعدك، كلامك، حبك؟ إيه اللي غيرك من كام ساعة كنت طاير من الفرحة بزهرتك. سبتها ليه ولمين؟
نظرت له بحزن، نظرة مطولة كأنها تشبع عينها من ملامحه. ورفعت يدها بصغيرتها تدير وجهها ناحيته، تشير برأسها له، وبعدت عينها عنه والتفت وخرجت من القاعة.
خرجت تجر أرجلها بصعوبة بالغة، تبكي بحرقة. وقفت على بعد خطوات من القاعة تتنفس بصعوبة، تدعوا ربها أن يكون كل ذلك كابوس وستفيق منه. لترحل تجر أذيال الخيبة بعد تأكدها من حقيقة ما رأته وهي تقرأ اسم زوجها زياد وبجواره اسم عروسة نهال. لتفتح عينها بزهول، لم تلاحظ اسم العروس إلا الآن، إنها تلك الفتاة ابنة عمه التي طالما أخبرها أنه يمقتها وهي سبب الخلاف مع والده، وكم أخبرها عن غرورها وخبثها. ما غير رأيه لما تزوجها؟
أيعقل أن يكون خدعها بكلامه وكان يحب ابنة عمه وعندما سنحت له الفرصة تزوجها؟ أم أن هناك خطب ما في سر الزواج السريع. وصلت أمام التاكسي، التفت مرة أخرى للخلف تنظر لباب الفندق، تمني نفسها بأن ما رأته غير حقيقي، أو لعلها تجده خرج خلفها يطالبها بالسماح. أغمضت عينيها بحزن شديد، تنهدت بسخرية على حالها. صعدت للتاكسي، أملته العنوان وهي تئن من الألم، لا تعلم أيهم يؤلمها جسدها أم ألم روحها. أفاقت من ذكرياتها على صوت خالتها.
سلسبيل: يلا وصلنا. ترجلت مع خالتها من القطار متوجهين إلى مكان لأول مرة تخطوه، مع ماض مؤلم وحاضر مبهم ومستقبل مجهول. زياد خرج من الغرفة يرد على أخيه الكبير ونيران تحرق جوفه، قلبه ينغزه بشدة. زيدان: يلا يا زياد الزفة هتبتدي. زياد: تنهد بضيق شديد ويده تتحرك على قلبه. أنا خلاص جهزت. ذهب زياد مع شقيقه الأكبر ومعه أقربائه وخلفه شقيقه زايد. وصلوا إلى الجناح التي يتم تجهيز العروس بها.
خرجت شقيقاته ووالدته، قبلته والدته، رأت دموعه تتراقص في عينيه. اشتدت في احتضانه، تربت على كتفه وتتلمس ظهره بحنان أمومي كبير. خرج زياد من أحضان أمه بعد أن همس لها بشيء في أذنها جعلها تنظر له بخوف شديد. خرجت إليه عروسه تبتسم، ابتسم ابتسامة لم تصل لعينيه. بعد زغد شقيقه له. توجه إليها، أخذ يدها لتضع يدها بيدها وتوجه بها إلى مكان الاحتفال وسط عزف الفرقة الموسيقية.
وصلوا لمكان جلوسهم، بعد أن سلم على والدي العروس ووالده الذي ربّت على كتفه بقوة وكأنه يوصل إليه رسالة معينة. جلس بجوار عروسه، قلبه يقفز من مكانه من الحزن. يدعو ربه أن ينقذه من تلك الزيجة. يشعر بضيق في أنفاسه، جسده ينتفض كلما اقتربت منه الجالسة بجواره. تحدثت بتبتسم أو اقترب منه أحد يبارك له.
ليزيح دمعة زرفتها عيناه فور وقوع نغمات أغنيته المفضلة التي تشدو بها محبوبته، لينغزه قلبه بشدة. فكل ما حوله يذكره بها. يلتفت بعينيه يجوب المكان. أغمض عينيه وفتحهم عدة مرات لينظر بزهول على باب القاعة، ليثبت عينه على الباب بصدمة وهو يرى زوجته تحمل على يدها طفلته. قلبه يكاد يخرج منه نار اشتعلت بداخله وهو يرى دموعها تسيل على وجنتيها ونظرات الاتهام في عينها وتلك الأسئلة بها، وعاجزاً عن رفع تلك الاتهامات. عنده ينظر لها بأسف.
زياد: حتى أنتِ يا محبوبتي تصعبين الأمور علي. أنا من حرمت منكي ومن بنيتي. أنا من ذبح بسكين بارد. نعم أعلم أنك مصدومة ومجروحة. آه لو تعلمي كم عانيت اليوم. آآآه من تلك النظرة التي تمزقني، حزن عيناكي، تلك الدموع التي بها تحرقني. آه من ضعفي تجاهك، خوفي عليكي وعلى ابنتي هو الذي يكبلني ومكتف يداي. نعم أعلم جرحك الغائر الذي لا يقل عن جرحي.
ليغمض عينه. آه لو تعلمي كم عانيت من تهديدات والدي لي بطلاقك وتمسكه أن أطلقك أمامه وعلى يد مأذون. روحي سحبت من جوفي، تلبدت حواسي، فقدت هويتي بعدم اقتران اسمك باسمي. لو تعلمي كم التهديدات التي تلقيتها حتى أوافق، لما وافقتِ الآن تعاتبتِ، كنتِ ضممتيني لأحضانك مواسية لي. تخففي عني كم الألم والحزن. هددني بحرماني مما يملك وأنه سيغضب علي...
حتى بعد رفضي لكل أموالي لعائلتي للبقاء معكِ محبوبتي. هددني أبي بتدميرك، بتلفيق الاتهامات تجاهك. لم أعبئ وظللت على موقفي ليفعل ما لن أقدر عليه بقتلك. هنا لم أتحمل أبي أثناء غضبه يفعل ما يقوله دون تراجع. جحظت عيناه وهي تنظر له نظرة مطولة كأنها تودعه للأبد. قلبه سيخرج من مكانه وهو يريها ترفع ابنتها تجاهه وتدير وجهها الصغير له، ليهب واقفاً يريد أن يلحق بها. أوقفته. يد عروسه تصلب جسده. أراد أن يبعد يدها عنه.
أراد أن يصرخ بها. زياد: أنا لا أريدك زوجة لي، أريدها هي من ملكت قلبي، حبيبتي، معشوقتي، نبض قلبي. من تزوجتها هي أم ابنتي. أريدها وأريد ابنتي، أريد أن أشم ريحها، أن أتنفسها. ليعاود الجلوس مرة أخرى مكانه وعينه لازالت على باب القاعة. ليجوب بعينه في أروقة القاعة ليجد والدته بجوار والدته وشقيقاته. لينظر له نظرة مطولة. زياد: نظر إلى أبيه. نزلت دمعة من عينيه. أشار إلى أخيه وهو يمسك قلبه بيده.
اقترب منه أخيه همس في أذنه كلمات وصمت. وعينيه على أبيه. لم يتحرك. أنتظر أخيه يكمل كلامه. لم يتكلم. هزّه حتى يكمل. مال على الحافة الأخرى للكرسي. صرخ أخيه بوجع وقهر، فقد سمع آخر كلمات أخيه. زياد: لاااااااااااااااااا لا يا زياد لا. هرج ومرج في كل القاعة. لم يقو والده على الوقوف وعين ابنه مازالت مصلته عليه. صرخات زوجته وأبنائه. اقتربت منه زوجته. زهرة (والدته) ارتحت؟ عملت اللي أنت عاوزه.
حسبي الله ونعم الوكيل فيك. حرمته من مراته اللي حبها طول عمرك. قاسي عليه. مش هسامحك. طول عمري حرمته من مراته وأهو ربنا حرمنا منه... ابني البار. صرخت وسقطت أرضاً. تصلب لم يقو على الكلام. ينظر لعين ابنه. وعروسه بجواره. تصرخ به وتهزه. وأخواته ينادون عليه. أسرع الكثير من المدعوين، يحملون جسد ابنه يذهبون به إلى أقرب مستشفى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!