سلسبيل ببطء شديد ترجلت من على الفراش تتحامل على نفسها بعد أن رأت شيئًا بجوار حقيبتها. تئن من الألم، تخطو خطواتها وهي منحنية، تضع يدها على جرحها أسفل بطنها كي تتحمل الألم. تحرك قدمها ببطء، كلما خطت خطوة تهبط دمعة من عينها من شدة الألم. تزحف بقدمها على أرضية غرفة المشفى حتى لا تنقل قدمها بخطوة تؤلمها. تنهدت الصعداء حين اقتربت من حقيبتها. يدها على الطاولة، انحنت تمسك ما رأته لتشهق بصدمة، لترتد للخلف حتى كادت أن تسقط
لدوار أصابها. أحست بترنح جسدها الذي ينتفض. لم تعد ترى شيئًا أمامها. برودة شديدة تحاوطها. صرخة داخلية انتشلتها من دوامة أفكارها. رفعت ما بيدها نصب عينيها تقرأ مرة أخرى. شفتها ترتعشان وهي تقرأ. أسنانها تصطك ببعضها. أصبحت الرؤية معدومة من كثرة الدموع في عينها. تشهق بألم، شهقات متلاحقة وقلبها ممزق ينتفض بداخلها. تحرك رأسها يمينًا ويسارًا غير مصدقة ما قرأته، لتستند على الطاولة بيدها تتحامل بها بعد أن كادت تسقط أرضًا. ظلت
ثوانٍ على تلك الحالة، لترفع رأسها تنظر إلى اللا شيء. صدرها يعلو ويهبط.
سلسبيل: مش قادرة أصدق عينيّ. معقولة اللي مكتوب ده؟ طيب امتى وإزاي عمل ده؟ يارب يارب ليه؟ ليه عملت إيه عشان يحصلي كده وأتصدم فيه بالشكل ده؟ لازم أعرف عمل كده ليه. لترفع نفسها لأعلى غير عابئة بألمها، فألم روحها أقوى وأشد من ألم جسدها، لتكمل. سلسبيل: فين وعودك إن العالم كله لازم يعرف إني مراتك وأم بنتك؟ راحت فين وعودك إنك هتعمل أكبر احتفال في سبوع زهرة والدنيا كلها تعرف إننا متجوزين؟ هو ده الاحتفال؟
هي دي المفاجأة اللي قلتلي عليها وفضلت أتخيلها من كتر ما قلتلي عليها؟ لأ لأ أنا مش مصدقة. أنا لازم أعرف عملت فيا كده ليه؟ ليه يا زياد؟ لتعلو صوت بكائها وهي ترفع تلك الدعوة بيدها، تقرأ ما بها ودموعها تتساقط، وتجر حقيبتها وتتجه إلى الخزانة بالغرفة وتبدل ملابسها بصعوبة بالغة مع تزايد هبوط دموعها التي لا تتوقف. لتعود ممسكة بحقيبتها وتتوجه إلى ابنتها. تنظر لها تارة ولتلك الدعوة بيدها أخرى، تغمض عينيها بقهر، تسأل صغيرتها.
سلسبيل: أصحيح ما قرأت أم أنها تحلم بكابوس وسوف تفيق من نومها؟ تحاملت على نفسها، حملتها وخرجت من الغرفة. تنظر يمينًا ويسارًا تتأكد من خلو المكان وأسرعت في خطاها، تئن بصمت وتضغط على شفتها كاتمة الألم الذي تشعر به، ووقفت قليلاً أمام المصعد لتشعر ببعض الخوف من أن يراها أحد. ل تلتف للجهة الأخرى وتتجه للنزول من على الدرج حتى لا يراها أحد ويمنعها من الخروج.
سلسبيل: أكيد لو نزلت بالاسانسير مش بعيد حد من الدكاترة ولا زميلي يشوفوني. وقتها مش هعرف أخرج. ولا الدكتور حسن. لتبكي بنحيب وتستند على الحائط القريب من الدرج. تلاقيه جنب صحبة وحبيبه. ماهو مش ممكن يسيبه في يوم زي ده. لتعتدل ببطء، رفعت حقيبتها على كتفها وضمت صغيرتها لصدرها، وباليد الأخرى تمسكت بحافة الدرج (الترابزين)
. تضع قدمها على درجة وهي تكاد تصرخ من شدة الألم. ظلت وقتًا على تلك الحالة، تهبط عدة درجات وتتوقف قليلاً تستريح وتلتقط أنفاسها بصعوبة بالغة، لتنتهي من هبوط الدرج. سلسبيل كادت أن تتعرقل عدة مرات لعدم رؤيتها الطريق أمامها من تلك السحابة السوداء التي تقطر دمعًا. تحدث نفسها. سلسبيل: ليه؟ ليه؟ سبب واحد يقنعني باللي عملته ده. فين وعودك ليا؟ فين كلامك؟ ليه الوقت ده؟ بنتك ذنبها إيه طيب؟ لما أنت عاوز تسبني وتبعد ما قلتليش ليه؟
وأنا كنت بعدت. ليه تغدر بيا وتوجعني بالشكل المهين والموجع ده؟ كنت قلتلي خلاص مش عاوزك بحياتي. كان وجعها خفيف عن النار اللي بتحرقني. مليون سؤال جوايا عاوزة إجابتهم منك. لترفع يدها تجفف دمعتها وعدلت صغيرتها على يدها وأخذت نفسها عميقًا. حين وصلت أمام الباب الخارجي للمشفى، تحمد ربها أن لم يرها أو يوقفها أحد. سلسبيل: وهي تتنفس بصوت مسموع للقريب منها. الحمد لله. ألف حمد وشكر لله. ما حدش أخد باله.
لتبتعد قليلاً عن المستشفى. أشارت إلى تاكسي، صعدت إليه وهي تئن من الألم. كفكفت دمعاتها حتى لا يرتاب بأمرها السائق. سلسبيل: صعدت إلى التاكسي بصعوبة بالغة. السائق: على فين يا مدام؟ سلسبيل: فندق زهروان المعادي، لو سمحت. السائق: ياااه، بعيد أوي يا مدام. دي أقل حاجة ساعة من هنا لهناك. سلسبيل: بحدة طفيفة. أجرتك اللي هتطلبها هتأخدها كاملة. اتفضل امشي عشان منتأخرش. السائق: ليه العصبية دي يا مدام؟
على العموم مش هنختلف. العداد هو اللي هيحدد المبلغ. لا تظلميني ولا أظلمك. سلسبيل: جات عليك أنت كمان تظلمني. ما الدنيا كلها ظلماني ولسه بتظلم فيا. قالتها هامسة وبحرقة. من سمع نبرة صوتها كان يبكي من شدة الألم والوجع والحزن به. لتشرد سلسبيل وتتساءل: لما ترك لها الدعوة وكيف دخل الغرفة ولم تشعر به؟ وهي تشعر به فور دخوله عليها. أي مكان! ومن دخل الغرفة ووضع الدعوة وهي لم تغفو إلا قليلاً؟
لترفع تلك الدعوة أمام عينها بقهر، تعيد تقرأ ما بها لتزرف دموعها. لتتلاش الرؤية أمامها ولم تعد ترى الكلمات من كثافة الدموع. السائق: اتفضلي يا مدام وصلنا. لم يجد أي رد، ليلتفت لسلسبيل. السائق: وصلنا يا مدام، يا مدام، يا مدام وصلنا. لم يجد أي استجابة، ليكمل: استغفر الله العظيم. ليضع يده على كلاكس السيارة ويقوم بإطلاق البوق عدة مرات بصوت قوي. وأعاد مناداتها.
سلسبيل: انتفضت انتفاضة قوية وأفاقت على صوت بوق عالي افتعله السائق كي يرد عليه. سلسبيل: أسفة سرحت شوية. لتلتفت حولها تجد أنها وصلت أمام باب الفندق. لتعود النظر للسائق. سلسبيل: حسابك قد إيه؟ سلسبيل: تفتح حقيبتها تخرج جزلانها وتخرج الأجرة. اتفضل بس لو سمحت ممكن تستناني هنا خمس دقائق ومش هتأخر عليك. السائق: متتأخريش يا مدام. الوقت متأخر ويدوب ألحق أعمل كام مشوار قبل ما أروح. سلمي: متقلقش خمس دقائق ومش هتأخر.
ترجلت سلمي من التاكسي تقف أمام الفندق تنظر له بحزن تتذكر كلمات زياد حين أتى بها أحد المرات واصطحبها في جولة داخله وتلك الليالي التي مكثوها بأحد أجنحته وقضائهم أجمل أيام حياتها في ذلك الجناح الذي شهد على لحظاتهم سويًا ومعسول الكلام الذي ألقاه زياد عليها. كم سعدت وقتها. شعرت بأنها تلمس السحاب بيدها. لتتنهد بألم، فكل ذلك وهم كان سراب. وتوجهت لداخل الفندق.
سألت عن مكان قاعة أفراح المكتوب اسمها بدعوة الزفاف التي وجدتها بجوار حقيبتها. سلسبيل: لو سمحت قاعة اللؤلؤة من أي اتجاه؟ العامل: أشار إليها أحد العاملين على مكانها. طلب منها مسئول الأمن دعوة الفرح. رفعت يدها بالدعوة. وقفت على باب القاعة متسمرة مكانها. قلبها يكاد يقفز من قفصها الصدري. دقات زادت. دقاته. صدرها يعلو ويهبط من شدة الحزن والصدمة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!