الفصل 74 | من 87 فصل

رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الرابع والسبعون 74 - بقلم منى عبدالعزيز

المشاهدات
20
كلمة
3,201
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 85%
حجم الخط: 18

زيدان يجوب الغرفة ذهابا وإيابا، ممسك الهاتف في يده، ينظر به كل ثانية، يكاد يسقط أرضا من القلق. قدماه لم تعد تحملاه. ضربات قلبه سريعة، يشعر بالاختناق والبكاء، يعض شفتاه. يكتم أنينه من العجز، يتلفت حوله، جالس بشقة خالته، لم يدخلها غير مرات لا تتجاوز أصابع يديه. اليوم هو حبسها حبيس غرفة، نعم متسعة لكن تطبق على روحه. إنارة خافضة. تحيطه ذكريات لم يعشها، ينظر بعين مرغوة بالدموع.

على تلك الصور المعلقة بالحائط حوله، يدور حول نفسه. يتلفت بكل زاوية. صور لطفولة شقيقه. فرت دمعة هاربة. سحب نفس عميق، كتمه بداخله. يصرخ بصوت مكتوم: "باااه". موجعة، فالحنين غلبه. لذكرى يوم قضاه مع زياد بمفردهم، واعترافه بحبه لابنة عمه. هذا الحب الذي جلب كل هذه المتاعب. يلوم حاله على أنانيته، فضل حبه لابنة عمه وشروط.

عمه المجحفة في حق والده وشقيقه، حتى يتزوج من هواها قلبه. نعم، لازال يهيم بها عشقا. ولعل حبه أصبح عشق مجنون ليلى. لكن في تلك اللحظة فقط شعر بجدران الغرفة يطبقون عليه، يكاد يخنق. أغمض عينيه، تتدحرج دموعه متتالية. وما أصعب تلك الدموع. تحرق كل جزء تتدحرج عليه. ما بهم اليوم هو وحبه السبب به هكذا، يجوب بعقله.

أحن جزعه، يضع يديه على ركبتيه، يتنفس بصوت عالي. يرفع جزعه لأعلى، يصرخ بصوت عالي. ليفتح باب الغرفة، يلتفت لمن دخل، يسرع بخطواته، يرتتمي بأحضان. _زهروان الأم فتحت باب غرفة شقيقتها لحظة دخولها لمنزلها. حنينها لشقيقتها الكبرى التي ربتها منذ صغيرها. كانت أمها وأبوها وكل عائلتها. حرمت حالها من الزواج حتى اطمأنت عليها، زوجتها لمن أحبته. ضحت بميراثها عندما تعثر عبد الرحيم وباعت ميراثها وأعطته لها تساعد عبد الرحيم.

عندما واجهتها لما فعلت ذلك، منزل والدهم هو آخر ذكري لهم. أخبرتها بأن سعادتها لديها أهم من كل أموال الدنيا.

انتقلت لتعيش في منزل بالإيجار حتى لا تكون عبء عليها وعلى زوجها. راعتها كما ترعى الأم رضيعها. تعود بذاكرتها في إحدى الليالي كانتا جالستين على طاولة بعيدة عن الأنظار في إحدى الحفلات. التابعة للشركة. وأثناء جلوسهما، أتى زوجها وهمس لها برغبة أحد رجال الأعمال الأغنياء الزواج من شقيقتها. بعد أيام من إقناعها، وافقت. وتزوجت ذلك الشخص، ولكن لم يرزقها الله بأطفال. تمر.

الأيام والسنين ولم تنجب زهروان. يمرض زوجها ويصبح قعيد الفراش. تمرضه زهروان لأكثر من خمس عشر سنة. تفيق يوما على أسوأ خبر موت زوج شقيقتها. ومرضها بعدوى فيروسية. جعلتها مصابة بمتلازمة تؤدي إلى ضمور عضلات جسدها مع التقدم بالعمر. لم تستطع تمريضها ولا رعايتها. لم تستطع رد جميلها وتضحياتها. انهمكت بزوجها وأبنائها. عندما طلبت إحدى بناتها ترعاها، رفض زوجها.

وأرسل فلذة كبدها زياد، طفلها الصغير الذي لا يقوى على رفع يده. يرعى خالته المريضة. بكت بقهر، ظلمت أعز اثنين بحياتها. شقيقتها وابنها. ثلاث عشر سنة قضاها طفلها مع خالته. أصبح شاب يافع قوي الشخصية. تزوج بأموال عمله راتبه الذي يتقاضاه من عمله في فندق خالته، وعمله بشركات والده. رفض رفض قاطع مساعدتها له. تزوج بفتاة كان يعشقها، لا يخجل من اعترافه بحبه لها. كم غارت في تلك الفترة من اهتمامه بها. أحد عشر شهر مدة زواجه. كم تندم الآن بعد فوات الزمن من المشكلات التي فعلتها مع زوجته.

كم تتمنى من رجوع الأيام والسنون، وتعتز منها، تدعو الله بعودة حفيدتها. تتنفس رائحة ولدها. تحنو عليها. تعوضها عن سنوات شقها وحرمانها من والدها. تجلس على الفراش. تتلمس موضع نوم شقيقتها، تبكي بقهر. ترفع قدمها وتتمدد مكان شقيقتها. تمد يدها للكمود جوارها، تسحب إطار بع صورة لشقيقتها وولدها. تغمض عينيها. بعد فترة طويلة تنظر لهما. _أحلام ويحيى ممددان على الفراش، يحاوط يحيى أحلام بيده، وأحلام تضع رأسها على صدره.

أحلام: يحيى، تفتكر زهور فين دلوقتي؟ من وقت وائل ما طمنا عليها لحد دلوقتي. مش عارفين مكانها وبتعمل إيه. يحيى: متقلقيش يا أحلام، مش دكتور حسن. اتصل من شوية وطمنك عليها. ليعتدل مرة واحدة، جاذب يده من حول خصرها. الا قوليلي يا ست أحلام. دكتور حسن ده عرف نمرتك منين؟ ولما رديت أنا؟ يقولي بكل برود. لو سمحت. أنا طالب الست أحلام وعاوز أكلمها. هو فاكرني سوسن ولا إيه؟

أحلام: والنبي أنت فايق يا يحيى، هو ده وقته. وأنا إيه عرفني، هو عمل كده ليه. بس أكيد زهور هي اللي عطته الرقم. يحيى: والله لولا مسكت نفسي عشان عارف قلقك على زهور. لا كنت رايح ليه لحد المستشفى مخرج عيني من مكانهم. مش هنسي كلامه ليكي وهو بيقولك. لسه زي ما انتي يا ست أحلام. متغيرتيش زي القمر وصغيرة. أحلام: بضحك، والله ما قادرة. أنا كنت في إيه ولا إيه. ولا سمعته ولا رديت عليه. عقلي مع زهور. يحيى: مش خلاص اطمنتي عليها؟

متقلقيش، زهور صاحبة حق وجدعة والكل حواليها. وأنا بلغت كام راجل تبعي هيقتروها في كل مكان هتروحه، وأي حاجة غريبة يحسوا بيها هيبلغوني. أحلام: مش عارفة ليه قلقانة عليها. يا حبيبتي، في يوم واحد مر عليها سنين وجع وحزن، سنين حرمان. عرفت حاجات عقل رجالة كبيرة يشت منها. قلبي وجعني عليها. عيلة صغيرة اتصدمت صدمات متتعدش ولا توصف.

يحيى: حكمة ربنا مالناش فيها يد. قدر وربنا كتبه. ظهر الحقيقة قدامها، واحمدي ربنا. إنها عرفت كل حاجة بالوقت المناسب والصح. ولسه وائل رانن عليكي من ساعة قبل ما يرجع البلد. أحلام: الحمد لله، ربنا يطمنا عليها. يحيى: إيه، هنفضل طول الليل نتكلم وناسية إننا لسه عرسان جداد. أحلام بخجل من كلماته: والله أنت فايق ورايق، هو ده وقته. يحيى: ههه، طبعًا وقته ونص. ينحني، مقبلها، ويحاوطها بيده. يبتسم على خجلها الذي لا ينتهي.

_زهور خرجت من المستشفى سريعا، تخطو بخطى مهرولة.

على وجهها علامات الدجر، صدرها يصعد ويهبط. تقسم بداخلها بأن تنتقم من كل من آذوها على طريقتها. أخرجت هاتف روحية من جزلانها وأجرت اتصال هاتفي، وأغلقت. بعد أن أخبرت من اتصلت به ما تريد. أشارت لسيارة أجرة، صعدت بها. أخبرت السائق بمكان وجهتها. شاردة فيما سمعت. حزينة على ما تفوهت به، لكن تشجع حالها وتهدئ من روعها، تطمئن حتى وصلت لوجهتها. ترجلت من السيارة بعد دقيقة كاملة تلتقط أنفاسها وتظفرها لتشجع حالها. وقفت قليلا تنظر إلى

الفندق من الخارج. تتذكر ذلك اليوم الذي رغبت في التقاط صور لمدخل الفندق وتعرف زايد عليها ومناداتها باسم سلسبيل. أيام قليلة مرت على ذلك اليوم. جعلتها تعاني أوجاع يشيب لها الولدان. كلما خطتت خطوة تجاه المدخل. قلبها تزداد شدة ضرباته. لتقف تتلو بعض الآيات القرآنية.

والأدعية. استدعت شجاعتها، رفعت وجهها، دخلت تخطو. تجاه الفندق، تسير بثقة، تحاول أن لا تشتت حالها بما تراه من الداخل. تجبر عينيها أن لا تحيد عن وجهتها حتى. وصلت. للاستقبال. وقفت بهدوء وثقة، وبصوت خرج متزن وبثقة، سألت موظف الاستقبال عن مكان مدير الفندق. ليسألها. الموظف. عما تريد من المدير. فهو ممكن أن يساعدها. زهور: أشارت له بالاقتراب وهمست بالقرب منه. زهور: خمس دقايق، واستقالتك تكون على مكتب المدير. لترفع صوتها: مفهوم.

نظر الموظف لها وأطلق ضحكة عالية لفتت أنظار بعد رواد الفندق القريبين، وأيضا زميلته الواقفة بجواره. تسأل عما يضحك. ليخبرها بما أخبرته به زهور. زهور تعقد يديها على صدرها، تضرب بقدمها الأرض. تنظر للموظفين بنظرة تفحصية. لتعادل بوقفتها، تضرب بيدها. على مكتب الاستقبال، وبصوت دب الرعب بالاثنين. من يسمعه يقسم بأن من أخرجت هذا الصوت ليست فتاة ابنة العشرين ربيعا، وإنما هي امرأة فوق الأربعين.

زهور: خمس ثواني بعد ما أنهي كلامي، مش عاوزه أشوف وش واحد في فيكم هنا، مفهوم.

تركتهم وتوجهت إلى مكان وقوف أحد العاملين. أخبرته بمكان مكتب المدير. ليشير لها على مكانه. وتتجه ناحيته. تخطو خطوة والثانية، تقف مرة واحدة، ملتفة للموظفين. تجدهما ينظران لها بذهول. تشير لهم بها وهي تنظر بساعة يدها وترحل من مكانها. تتجه إلى مكان إشارة العامل لها. تدخل إلى المكان، تجد فتاة جالسة على مكتب منكبة على عملها على جهاز الكمبيوتر أمامها.

زهور: وقفت أمام المكتب، تضرب بيدها عليه. ترفع الجلسة نظرها للأعلى، ترجع ظهرها للخلف، تسأل زهور عما تريد. الموظفة: أفندم، تلزم خدمة. زهور: تشير على باب مغلق بالقرب من مكتب الموظفة. ده مكتب مدير الفندق. الموظفة: اممم، وحضرتك بتسألي ليه. زهور: هتعرفي بعد ثانية واحدة. لتتركها زهور وتتجه ناحية الباب، وسط سخط الفتاة وصوت مناداتها على زهور وصل لمسامع زايد بالداخل.

هالة الموظفة: استنى عندك، حضرتك رايحة فين، هي وكالة من غير بواب. ومالهاش صاحب. زهور: دون أن تلتف لها. حالا هتشوفي صاحبها. تفتح الباب وتدخل للمكتب، ليهب زايد واقفا. هالة: أسفة يا فندم، الأنسة دخلت بالطريقة دي. حالا هبلغ الأمن يجوا يخرجوها. زهور توجهت إلى المكتب، تسير بخطى ثابتة حتى وصلت بجوار زايد، الذي ابتعد لا إراديا عن مكان وقوفه. لتجلس زهور على الكرسي أمام المكتب، تضع جزلانها أمامها.

ترجع ظهرها للخلف. تشير إلى هالة. اتفضلي اطلبي الأمن. وبعدها استقالتك تكون قدامي، انتي والاتنين بتوع الاستقبال. هالة واقفة تنظر بذهول لزايد المتجمد مكانه، لا يتحرك أو ينبس بكلمة واحدة! زهور: هتفضلي واقفة كتير؟

اتفضلي، نفذي اللي قلت عليه. واه، قبل ما تمشي، بلغى مدير الحسابات ومدير العاملين والعلاقات العامة والاصطف كامل على اجتماع بعد ساعة في قاعة من قاعات الفندق. واتصلي بالمحامين المسئولين عن المشاكل القانونية. وقبل كل ده، جميع ملفات وحسابات وإيرادات الفندق تكون قدامي هنا. يلا، اتفضلي، نفذي اللي قلتلك عليه. هالة تنظر لزايد الواقف، ينظر لزهور دون حركة أو تعليق على كلامها. تحمحم، لينظر لها، ولا تجد استجابة.

زهور: هتفضلي واقفة كتير؟ يلا، اتفضلي، اعملي اللي قلت عليه. واه، مدير أمن الفندق ومدير المشتريات يكونوا هنا. هالة: زايد باشا، هو في إيه بالظبط؟ أنفذ كلام الآنسة ولا أطلب لها الأمن؟ زايد: كما هو، لا يتحرك أو ينطق بكلمة. كل ما فعله وضع يده على المكتب، أحنى رأسه، يسحب نفس عميق وراء الآخر.

زهور: أوامرك تأخذيها مني أنا. الباشا بتاعك مالهوش صفة هنا، من الساعة دي، لأن خلاص صاحبة الفندق رجعت، وهتستلم الفندق وسلسلة الفنادق التابعة له. هالة: ها، هي مين؟ زهور بعصبية: هبت واقفة تضرب المكتب بيدها. اللي قلت لك عليه، نفذيه بالحرف الواحد وحالاً. هتعرفي مين صاحبة الفندق. التف زايد تجاه هالة، أشار لها بالخروج وتنفيذ ما طلبته زهور. خرجت هالة بعد أن أشار زايد لها، وسط حديثها لنفسها.

تتساءل عن هوية الفتاة، وعن ماهية زايد الواقف لا يتحرك أو يتنفس. أمسكت هاتف المكتب وقامت بالاتصال بمن طالبتهم ليحضروا لمكتب المدير العام، وأيضاً باقي الموظفين، أخبرتهم على مكان الاجتماع بقاعة من قاعات الفندق. أغلقت الهاتف سريعاً، وسط سماعها صوت عالٍ خارج من المكتب. اقتربت من باب المكتب تستمع لما يقال، لتضع يدها على فمها وهي تستمع كلمات زايد وزهور التي علا صوتها، تقسم بالانتقام منه ومن جميع أفراد عائلته.

تبتعد سريعاً عن المكتب وهي تسمع صوت أحد يدق على باب مكتبها. تسمح لمن يدق على الباب ليدخل، مدير الحسابات ومن معه. يقفوا مصدومين من الصوت وهم يرون باب المكتب فتح. ووقف فتاة تشير بيدها وتصرخ بصوت عالٍ. زهور: اتفضل برة الفندق، ومش عاوزة أشوفك هنا مرة تانية. وأنا بنفسي هراجع كل حسابات الفندق، ووقتها المحاكم بينا. ذهل الجميع من خروج زايد مطأطأ الرأس. ظل الجميع يتبعه بأنظارهم حتى خرج نهائياً من المكتب، ليلتفوا على صوت قوي.

زهور: حضراتكم واقفين كده ليه؟ سايبين أشغالكم وواقفين تتفرجوا. يلا الكل يتفضل على مكتبه، الشو خلص، وإنتي يا هانم، عملتي اللي قلت لك عليه. هالة: أيوه يا فندم، كل اللي أمرتي بيه حصل، والأساتذة موجودين بالقاعة الكبيرة بالفندق، الأستاذ مدير الأمن والحسابات. زهور: والمحامي فين؟ مش قلت لك يجي معاهم. هالة: بلغته يا فندم وهو بالطريق. زهور: اتفضلوا على القاعة، وأول ما المحامي يوصل بلغني. زهور خطتت أمام الجميع تخرج

من باب المكتب وسط تساؤلهم: من تلك الفتاة؟ وقفت زهور فجأة والتفت لهم، تحدثهم بحدة. زهور: هتفضلوا واقفين تتهامسوا كتير؟ اتفضلوا قدامي، وورونا طريق القاعة منين. هالة: اتفضلي يا فندم، القاعة بالدور الأول. خطوا جميعاً تجاه الدرج يصعدوا خلف زهور التي تصعد الدرج بهدوء وثقة، لتستمع لأحد يتحدث خلفها.

الشخص: مين دي اللي يشوفها ويشوف طريقتها يحلف دي قوة عبد الرحيم بيه الغمراوي. أنا اشتغلت سبع سنين عنده بالشركة قبل ما زايد بيه ينقلني لهنا.

تصل القاعة، يفتح الأمن لها الباب، تخطو للقاعة رافعة وجهها لأعلى، اتجهت للمكان المخصص لها، وقفت بكل شموخ وأشارت للجميع بالجلوس. تمسك المايك وعينها تجوب القاعة حتى وقعت على أحدهم لتبتسم بروية، ولتسحب نفس عميق تخرجه بأريحية. ترفع المايك أمامها، تخطو عدة خطوات حتى وقفت بمنتصف المكان المخصص لها. زهور: كلكم بتسألوا أنا مين والاجتماع ده كله ليه. أولاً: أنا مين؟ أنا زهروان زياد الغمراوي، صاحبة ومديرة سلسلة فنادق زهروان.

تصمت وسط تعالي أصوات الجميع. ودخول. _تجمع الشباب الأربعة بعد خروجهم بحازم من المستشفى بصعوبة قاتلة. توجهوا إلى محل ملابس في منطقة شعبية، اشتروا أكثر من قطعة مختلفة الألوان والأشكال. ينظر كل منهم للآخر بنظرات تنم عن استيائهم بصعوبة بالغة. أبدل حازم ما يرتديه، وارتدى قميصاً فضفاضاً وبنطالاً من الجينز.

ينظر لما يرتديه باشمئزاز. خرجوا أربعة، يمشون على أقدامهم حتى ابتعدوا عن الشارع الرئيسي، يتوقفوا أمام عربة تقف عند مدخل منزل بسيط. ترجل من بداخلها، أشار لهم بالصعود خلفه. يصعدوا أربعة على درجات الدرج المنهدمة بصعوبة حتى وصلوا أمام باب مفتوح. خطوا للداخل، يلتفتون في كل أركان المنزل بذهول. يشير لهم بالدخول وغلق الباب خلفهم. يجلس على مقعد وحيد بالمكان، يضع قدم على الأخرى، يحدثهم بصوت رخيم.

الشخص: الشقة دي هنفضل فيها سواد الليل، وإن شاء الله من الفجر هنتوكل على الله وهنمشي على مكان آمن. زين ينظر للمتحدث من رأسه لأخمص قدميه. يخطو تجاهه، يتوقف بالقرب منه، يضم يديه لصدره. زين: ممكن بقى تعرفنا حضرتك مين، ومكان إيه اللي هنروحه، ومين اللي اداك الحق تتكلم وفوضك؟ الشخص: بابتسامة عريضة، هجاوبك من آخر سؤالك. مين فوضني واداني الحق بالكلام؟ جدك عبد الرحيم وعمك زايد. مكان إيه اللي هتروحه؟

إن شاء الله بكرة هتشوفه بنفسك، ومتأكد إنه هيعجبك أوي. لينظر إلى وجوههم ويكمل حديثه. ينزل قدمه ويقف، يخطو تجاه الباب ويتوقف قبل خطوات من الباب، يلتف لهم. الشخص: آه، نسيت سؤالك الأول، أنا مين؟ أنا يا سيدي الفاضل، أبقى وائل المعداوي. يلا بعد إذنكم همشي أنا. أجيب أكل تأكلوا لقمة تسندوا نفسكم. يخطو خطوة أخرى، يتوقف مسنداً باب الشقة، يلتف لهم يحدثهم. وائل: آه، كنت هنسى أهم حاجة جدك أكد عليها.

الشباب الأربعة بصوت واحد: إيه هي؟ وائل: موبايلاتكم تجبوها أسلمها له وأنا رايح أقابله. زاهر بعصبية: وإحنا إيه اللي يخلينا نصدقك؟ ونتأكد من كلامك إزاي؟ وائل بهدوء: أكيد حضرتك دكتور زاهر. أمم، تقدر تتأكد بنفسك، بس للأسف مش هينفع تتصل بتليفونات أي حد من عائلتك بأي رقم من تليفوناتكم. ثانياً، الرقم الوحيد اللي هتقدروا تتواصلوا به مع عائلتكم هو رقم تليفوني أنا. حمزة بعصبية زائدة عن الحد: مين أنت عشان تكلمنا بالشكل ده؟ وائل

بهدوء مميت وابتسامة سامجة: متهيأ لي قلت لحضرتكم من شوية، أنا وائل المعداوي. ليضرب يديه ببعضهما. أخ، نسيت أهم حاجة فعلاً، عندك حق. عرفتكم بيا غلط. أنا غلطان، حقكم عليا. معاكم العبد لله، العمدة وائل شفيق المعداوي. بعين جاحظة وأفواه مفتوحة مما سمعوا، يقف الأربع شباب مذهولين مما سمعوا. يفيقوا على صوت غلق باب الشقة.

ينظرون إلى الباب تارة وإلى بعضهم تارة أخرى. حازم لازال ملتزماً الصمت حتى خرج وائل من المنزل دون أن ينبس ببنت شفة. توجه إلى باب المنزل، مد يده على مقبض الباب، يفتحه ليبتعد، ضارب الباب بقدمه ويصرخ منادياً على وائل بصوت جهوري. حازم: ووائل، هقتلك! افتح الباب بقول لك! يقترب الجميع منه ليوقفوه على ما يفعله من ضرب باب المنزل بقدمه ومناداته بهذه التهديدات. يكفيهم ما هم فيه الآن.

وائل فور خروجه من المنزل بعد إلقائه تلك الكلمات، خطى خارج المنزل يغلقه من الخارج بالمفتاح، ويسند رأسه على الباب من الخارج، يضع يده على قلبه يهدأ من روعه، ليفزع على صوت ضرب أحدهم الباب بعنف ومناداة أحدهم عليه، مطلق وابل من التهديدات والسباب. يهبط الدرج سريعاً، محدثاً حاله.

وائل: الحمد لله خرجت على آخر لحظة. لو كنت فضلت ثانية كمان، كأنهم زمنهم كلوني وحلوا ورايا. بسم الله ما شاء الله، الواحد فيهم قد الحيطة. عضلات بطول وعرض. ليضحك خارجاً من المنزل. الله يخرب بيت أفكارك يا زهور. كنت هضيعيني. قونا على الباقي يا رب. سحب زاهر حازم، محاوطاً بيده من خلف الباب، يوقفه على ما يفعله وسط تذمر حازم وهو يحاول فك حصاره من أخيه الذي يحاوطه بجسده.

حازم: سبني يا زاهر، سبني أخرج من هنا. عجبك كلام اسمه إيه ده؟ سيبني خليني أعرفه حجمه. لازم أخرج. حمزة: ما تهدأ يا أخي. مش عمي قايل لك على المصيبة اللي إحنا فيها؟ ناسي بمجرد خروجك من هنا هيتقبض عليك، مش بس عليك، هيتقبض علينا كلنا. بتهم ظلم، فاهم معنى الكلام إيه؟ حازم على نفس غضبه: أنا ما يهمنيش يتقبض عليا. أنا اللي غلطت، وكنت السبب في المصايب دي. وأنا لازم أتحمل نتيجة غلطي. زين جلس

على الكرسي الوحيد بالمكان: لازم نتروى بشويش، ونفكر بهدوء. نعتبرها فترة تحدي واستجمام. وأكيد جدك وعمك ليهم وجه نظر بده. حمزة: عمك وجدك ده مربط الفرس. يعرفوا الـ... كان هنا منين عشان يثقوا فيه؟ لا، مش بس ثقة، ده الباشا مش باين من الأرض وعمل سبع رجالة في بعض، ويهددنا. زاهر يبحث بعينيه عن مكان يجلس به، يتلفت يميناً ويساراً. تقع عينه على فراش أرضي وعليه متكأ. يشير بيده تجاهه. زاهر: شايفين اللي أنا شايفه ده؟

أقطع دراعي ما كان كل ده مقصود. جدو وبابا مهما وصل بهم الأمر، استحالة يوصل تفكيرهم لده. عندي شعور قوي إن فيه حاجة مش مفهومة. زين: كله محصل بعضه. وأنا من رأيي نهداء. نعتبر اللي إحنا فيه فترة استجمام نجمع فيها أفكارنا، وندرس كل حاجة حصلت معانا ونرتب الأحداث. وبعدين نتناقش في كل صغيرة وكبيرة. ووقت ما نلاقي حل، ومش أي حل، لا، حل جذري ونهائي يخرجنا من المصايب اللي إحنا فيها، ونخلص منها نهائي.

جلس الأربعة على الأرض بعد خلع نعالهم، تمددوا على الفراش بعد أن حاولوا الجلوس عدة مرات. لم يستطيعوا لشعورهم بعدم الراحة. بعد قليل سمعوا صوت رنين هاتف قريب منهم. وقف حمزة، يخطو تجاه الصوت حتى وصل لمنضدة بوسط المكان، نظر عليها وجد هاتف صغير ذو ماركة قديمة. أمسكه ووقف مذهولاً مما مكتوب بشاشته، يلتف للجميع. حمزة: العمدة المعداوي باعت رسالة، بيقول كم اجهزوا، قدامنا ساعة ونمشي، هو خلاص آمن الطريق. إيه ده؟

ده بعت رسالة تانية، بيقول نسيب تليفوناتنا هنا أأمن لينا. ولو حابين أكل معين نكتبه في رسالة، وهو يصرف في الموضوع وهيجيبه. زاهر: ماليش نفس. بس قوله يعدي على أي صيدلية يجيب الأدوية اللي هقولك عليها عشان حمزة. نسيت خالص أجيبها واحنا بطريقنا لهنا. زين: أي أكل مش فارق، بس أهم حاجة القهوة. مش قادر أفتح عنيا، وأنا لو نمت مش هقوم من التعب ولو بعد أسبوع. حازم: مش عاوز أي حاجة. مين له نفس يأكل في المصايب اللي نازلة علينا دي؟

حمزة أرسل رسالة بطلباتهم وعاد يجلس مكانه. تمدد على الفراش وضع رأسه على متكئ من الموضوع وأغمض عينه. يفكر بما حدث منذ بداية يومه. يتذكر ما مر به منذ أمس، مقابلته الغريبة لابنة عمه، وتلك الطريقة الغريبة التي قبلها بها. تشق ابتسامة وجهه وهو يتذكر توبيخها له. يتلمس تلك الوشوم بيده، تختفي ابتسامته ويجز على أسنانه. "بقي أنا شبه الحمار وقصاص الحمير يحلق ليهم نفس حلقتي. آه لو أشوفك."

زين شارد بملكوته يتذكر زوجته التي منذ عقد قرانهما وهي تتجنبه. حتى تجمع العائلة تتخلف عنه. أغمض عينه بحزن يحدث نفسه: "إن شاء الله أول ما المشاكل تنحل، أطلقها وأسيبها لحال سبيلها وأتمنى لها تعيش بسعادة مع اللي اختاره قلبها."

يتذكر كم حاول معها وصبر سنوات عليها لعلها تلين. طلب منها ألاف المرات أن يخرجوا سويا يقضوا بعض الوقت معا. أو تناول الطعام لم توافق نهائيا. لو طلبها للجلوس معا يتناقشون في حياتهم، ترفض رفض قاطع وتخبره بأن يتفق مع والدتها. ليقسم بأنه سوف ينسى حبها ويعتصر قلبه ولن يتنازل عن كرامته. ليقرر أن ينفذ ما عقد عليه قبل أن يرحل للمكان الذي يحدثهم عنه وائل. زاهر: فور تمدده على الفراش غط في نوم عميق.

حازم: يلوم نفسه على طيبته وثقته العمياء فيمن حوله. أقسم أن يتعامل مع الجميع بحذر ولا يعطي ثقته لأي إنسان على وجه الأرض. بعد ساعة أو أكثر نهضوا من مكانهم على صوت رنين الهاتف. يفتح حمزة الصوت، يأتيه صوت وائل يخبرهم بالهبوط للأسفل، فقد حان موعد رحيلهم. وحثهم على ترك هواتفهم قبل رحيلهم. فعل الأربع شباب كما أخبرهم به وهبطوا الدرج. بعد غلق الباب، وجدوا سيارة تقف أمام باب المنزل ووائل جالس بها أمام عجلة القيادة.

صعدوا بها. زين جلس جواره وجلس الآخرون بالخلف. انطلق وائل بالسيارة وسط سخط الجميع من حجمها وضيقها وسرعتها البطيئة. مر أكثر من نصف ساعة على رحيلهم ليمد وائل يده بكيس به عصائر وبعض الوجبات السريعة. أخذها زين ووزع على الجميع. تناولوها دون حديث، ليلتف وائل لهم بضحكه عالية. وائل: هههه نوم العوافي يا غمراوية. ربنا يعيني على اللي جاي. والله يسمح يا زهور على أفكارك السوداء.

بعد قيادة لأكثر من ساعتين وبالقرب من مدخل القرية، توقف بالسيارة بجانب الطريق. هز زين الجالس جواره، ليفيق من نومه هو واخوته.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...