الفصل 47 | من 87 فصل

رواية زهور بنت سلسبيل الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم منى عبدالعزيز

المشاهدات
16
كلمة
1,712
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 54%
حجم الخط: 18

مرت الأيام وزهور تواصل الليل بإنهار تذاكر دروسها.

بدير يمر عليهم يوميا. يذهب مع زهور إلى مدرستها ويعاود معها. تكونت صداقة بينهما. قص لها عن حياته، أخبرها عن حبه الذي لا يزال في قلبه لإلين ابنة ماجد. تطور الأمر إلى إخباره عن حياته بالحارة ومساعدة ماجد ويحي. انبهرت زهور بما قاله لها عن يحي وعن حبه لامرأة ورفضه الزواج من غيرها، وعن صداقتهما وتواصلهما سويا حتى الآن، وهو من يدير له محل الخضار في السوق بجانب تجارته الكبيرة وتواضعه مع الجميع رغم أنه من أكبر رجال السوق. زهور أيضا قصت له ما مرت به في حياتها وعن الطبيب أحمد وكيف تذهب إلى المركز تقف بالقرب منه حتى تراه.

بدير: ليه كل ده؟ ما تدخلي تقابليه وتطمني عليه بنفسك؟ وكمان سؤال، ليه الدكتور أحمد؟ زهور: لو قلت لك معرفش ليه متعلقة بيه؟ يمكن عشان حكايته وحزنه على أولاده، ويمكن على معاملته ليا. بس اللي متأكدة منه إن أول مرة أحس بحنان الأب كان معاه. أول مرة أخدني في حضنه، شعور غريب حسيت بيه. من وقتها عاهدت نفسي أن أعرف أخباره وفي نفس الوقت أطمّنه. كل شهر في نفس اليوم والميعاد ترسل له خطاب تحكي له فيه عن كل ما تقوم به.

مرت أيام الامتحانات التي لم تخلُ من تنمر الفتيات عليها لتتشتت وتفشل في إجابتها. رغم اهتزازها داخليا إلا أنها تحملت ما يقومون به. ثباتها الانفعالي يُحسد عليه. وأثناء فترة الاستراحة بين المواد ذهبت لتغتسل وتهدي من غضبها على ما قامت به بعض الفتيات وإهانتها قبل بدء الامتحان. وأثناء خروجها من اللجنة لتُصدم من قيام أحداهن بغلق الباب عليها من الخارج. ظلت وقت واقفة مكانها تستوعب ما حدث. إنها لم تؤذِ واحدة منهن ولا تعرف بعضهن. مر وقت طويل وهي تشعر بدوران الأرض أسفل قدميها. لأول مرة تطلق لدموعها العنان.

يمر الوقت وبدأ امتحان المادة الأخيرة. ماذا عليها أن تفعل؟

زهور تهاوت كل حصونها. شعرت بالغثيان. المكان أصبح يضيق عليها. تلتقط أنفاسها بصعوبة. استندت على الحائط خلفها تدعو ربها بداخلها. قلبها تسارعت دقاته. رفعت يدها للسماء بمساعدتها. تحاملت على نفسها. ضربت الباب بيدها بقوة لتقف منتصبة بفرحة وهي ترى الباب يفتح أمامها لتخرج بسرعة البرق. تصعد درجات السلم بسرعة حتى وصلت إلى مكان لجنتها لتدخل تعتذر من مراقبي اللجنة وتخبرهم بما حدث وعيناها قد لا ترى من يقف أمامها، ليرأفوا بحالها ويدخلوها وسط ذهول الفتيات. لتجلس مكانها تجفف دموعها. قرأت بعض آيات القرآن. أحضر لها المراقب أوراق الامتحان لتبتسم بفرحة رغم توترها وانتفاض جسدها. سمت الله وبدأت في كتابة اسمها على ورقة الإجابة.

زهروان زياد عبد الرحيم. فتحت الورقة وبدأت تدون إجابتها على الأسئلة. أحنت رأسها على ورقة الإجابة لم ترفعها إلا بعد الانتهاء من حل جميع الأسئلة. بالرغم من مرور ربع الوقت عليها محبوسة بالحمام إلا أنها استطاعت حل جميع الأسئلة على آخر وقت. أعطت ورقة الإجابة للمراقب ووضعت رأسها على الطاولة أمامها لتجهش بالبكاء بصوت سمعه الجميع. لتعاطف معها بعضهن والأخريات يبتسمن بسعادة بالغة. لتقترب منها بعضهن تشمتن بها ويتنمرن عليها.

رفعت زهور وجهها لأعلى وعيناها قد كستها الحمرة. كفكفت دمعتها وابتسمت بغصة. اقتربت من إحداهن. وقفت تنظر لها من أعلى لأسفل. زهور: ما تفتكريش عياطي ده عشان اللي عملتوه فيا. لا، وإني اتأخرت على اللجنة. لا، ده من فرحتي بأني قدرت أحل الامتحان كامل من غير ولا غلطة. لتقترب منها أكثر: افتكري كلامي وعلمي عليه. أوله: إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا.

والتانية: كما تدين تدان. خلي الكلمتين دول حلقة في ودنك. ومن ناحيتي، هفضل ليل نهار أدعي ربنا يقتص ليا منكم. ومش هقول غير حسبي الله ونعم الوكيل فيكم كلكم. حسبي الله ونعم الوكيل. لتنحن تلتقط أشياءها وتخرج وسط ذهول الواقفات. لتقف على بعد خطوات منهن تحدثهم دون النظر إليهن. زهور: الحمد لله إن ده آخر يوم ليا معاكم ومش هقابل وشوشكم بعد كده.

لتذهب وهي تهبط الدرج بجسد خالٍ من الحياة. تهبط الدرج بملامح وجه شاحبة لتخرج تجد بدير كالعادة يقف ينتظرها ليصدم وهو يراها تقترب منه بتلك الهيئة. ات يتحدث ويسألها ما بها ليبتلع سؤاله بحلقه وهو يرى هيئتها ليشفق عليها. يتساءل بداخله عما حدث لها. هل أخفقت بإجابتها؟ أم حدث لها شيء بالداخل؟

تردد كثيرا هل يسألها أم ينتظر عودتهم إلى المنزل. ليحسم أمره وينتظر عودتهم. ليلتف ويبتسم لها وألقى كلمات يضحكها بها. لا يجد أي رد فعل لها. يلتف بين الحين والآخر طوال الطريق. تخطو جواره وعيناها زابلة. تخطو كإنسان آلي موجه يعلم الطريق. ليرأف بحالها يشير إلى عربة أجرة. اقترب منه أخبره بالعنوان الذي يريده. ساعدها بالصعود بالخلف وهو صعد بجوار السائق.

دقائق ووصل العنوان الذي أخبره به. ليهبط سريعا يفتح لها باب السيارة. تهبط منها وهي بنفس هيئتها. أمسكها من يدها يخطو بها لداخل المكان. تمشي خلفه دون أن تلتفت أو تسأله أين هم. تخطو خطواتها خلفه كالمغيبة عن الواقع. ليقف أمام غرفة يدق على بابها. يسمح له بالدخول. لترفع عينها وهي تستمع إلى صوت الواقف أمامها. ليسقط ما تضمه بيدها وترتمي بأحضان. تبكي بقهر. ليشتد بضمها يبكي هو الآخر.

بكر ترك زهور جالسة واستأذن وخرج من الغرفة تاركاً لها بعض الخصوصية. بعد وقت طويل من بكاء الطرفين خرجت زهور من بين أحضانه تنظر له وهو يزيح عبراتها من على وجنتيها بابتسامة تملأ وجهه. أمسكها من يدها وأجلسها جواره على الأريكة ليتحمحم مرات متتالية يحدثها.

أنا جوايا عتاب وشوق مالهمش مثيل ولا وصف. بس شوقي غلب عتابي. هخلي العتاب لبعدين ونسيب الشوق يعوض السنين الطويلة دي. عايز أعوض اللي فات وأفضل أسمع صوتك. ال من كتر ما هو وحشني مش عايزك تبطلي كلام نهائي.

زهور: تنظر له بفرحة. مع إني كنت بشوفك كل فترة. أجي أقف قدام المركز لحد ما أشوفك. كل مرة بمسك نفسي عشان ما أضعفش وأجي أرتتمي بحضنك وأشتكيلك من الدنيا واللي بتعمله فيا. بقيت خلاص هنادي عليك بابا أحمد. بكتمها وبضغط على بقي بإيديا عشان ما تطلعش وتسمعها. أحمد: أنا كل يوم بانتظر جوابك على نار. لدرجة بقيت مقيم هنا. ركبت كاميرات بكل شبر وربطهم على تليفوني عشان أول ما جوابك يوصل أضمن محدش يخفيه.

زهور: كنت بكتبلك كل يوم اللي بيحصل معايا أول بأول وأجمعهم وأبعتهم. وأفضل أدعي ربنا إنهم يوصلوك. كنت بطمن عليك وبفرح لما أعرف أخبار نجاح عملياتك. وفرحت أوي لما عرفت بالمستشفى الجديدة بتاعتك. أحمد: كل ده كان ناقصه أنتِ تكوني جنبي. كلمة بابا كنت بحلم بيها وأنتِ بتقوليها لي. ليعتدل بجلسته ويلتف لها: سيبك من اللي فات. المهم إنك جنبي دلوقتي. عايز أسمعك. قولي كل أي جواكي. ما تخليش حاجة جواكي إلا لما تقوليها.

زهور: قصت له كل شيء حدث معها وما عاشته من وقت ما وعى على الدنيا ومعاناتها. أخبرته عن أشياء أخفتها عن الجميع. عن كم التحرش الذي تعرضت له في السوق والتنمر عليها. مناداتها باسم والدتها واتهامها بأشياء لا تعلمها. أطلقت لروحها العنان لتبكي سنوات عمرها السابعة عشر. تخرج ما بجعبتها من ظلم ووجع وقهر. سعادتها بأقل القليل. ظلت تبوح بكل شيء وهو يستمع لها. يبكي على بكاها. يبتسم على ابتسامتها. حتى انتهت من سرد كل شيء عنها.

ليقف بغضب: أنتِ إزاي تسكتي على حقك؟ تعالي معايا هنروح نقدم بلاغ في البنات دي. زهور: بابا ياريت تهدي. أنا اشتكيتهم للي ما بيضيعش عنده حق مظلوم. اشتكيت لربنا. اللي عملوه فيا وفوضت أمري لله فيهم وفي كل اللي ظلمني. أحمد: ونعم بالله العلي العظيم. ربنا ياخد لك حقك منهم يا بنتي.

زهور: وأنا دعوتك دي بالدنيا وما فيها. ودلوقتي حاسة براحة. كان جبل وانزاح من على قلبي. تعرف من كام يوم كنت حاسة بهموم الدنيا على كتافي. بعد ما خرجت كل اللي جوايا وأنا حاسة بسعادة ملهاش مثيل. أحمد: أنتِ بريئة أوي يا زهور. بريئة وطيبة وقلبك نقي. بالرغم من كل اللي عشتيه وحكتلي عنه إلا أن إيمانك بربنا كبير. ربنا يباركلك يا بنتي ويعوض سنين تعبك. زهور: يارب. أنا لازم أمشي. تلاقي ستي قلقانة عليا. أنا اتأخرت أوي. خالي بدير.

لتصدم من عدم وجوده. أحمد: خرج من بدري مستنينا برة. زهور: وقفت استاذنت منه. همشي أنا دلوقتي وهجيلك كل فترة أطمن عليك. أحمد: لا خلاص. أنا عرفت العنوان وكل يوم هاجي أزورك. مش هفضل على أعصابي عشان أطمن عليكي. ليخرج هاتف من جيبه: اتفضلي ده. زهور: إيه ده. أحمد: ده تليفون. خليه معاكي عشان أطمن عليكي منه. وبلاش تخرجي من البيت الفترة دي لحد ما أجهز ليكم سكن قريب من هنا.

زهور: التليفون هدية مقبولة. بصراحة نفسي فيه من زمان. لكن السكن لا. أنا ولا ستي هنوافق. كفاية إن نطمن على بعض كل يوم. أحمد: الكلام ده نكلم فيه بعدين. دلوقتي أخرج أشكر الراجل المحترم اللي رجعك ليا تاني. خرجا سويا توجهوا إلى مكان جلوسه.

بدير جالس على كرسي بالقرب من المكتب. عاد بذكرياته قبل وقت. بعد أن أوصل زهور لمدرستها. وطوال الطريق تخبره بأنها كم اشتاقت للطبيب أحمد وإلى اهتمامه بها. ليوصلها إلى المدرسة ويشير إلى عربة أجرة. وبعد وقت وصل إلى أمام المركز. دخل إليه طلب مقابلة الطبيب أحمد. وبعد قليل سمح له بمقابلته. ليخبره أول ما جلس أمامه. أحمد: اتفضل. قولي بتشتكي من إيه. بدير: مش أنا اللي بشتكي. دي واحدة أنت غالي عليها. هي اللي بتشتكي.

أحمد: مش فاهم تقصد إيه ومين دي اللي بتكلم عليها. بدير: زهور. أحمد هب واقفاً: زهور؟ هي فين؟ بقالي سنين طويلة بدور عليها. هي فين؟ تعرفها منين؟ عاملة إيه؟ تعالي وديني ليها. بدير قص له كل شيء وأعطاه العنوان وطلب منه أن يحضر بعد انتهاء الامتحان. ليعود مرة أخرى إليه بعد خوفه من تلك الحالة التي رآها عليه. فاحضرها إلى الطبيب أحمد لأنه الشخص الوحيد التي تحتاجها زهور في تلك اللحظات التي تمر بها.

بعد الشكر والامتنان ذهب بدير وزهور مع الوعد برد الزيارة سريعا. مرت عدة أيام وزهور من منزلها إلى محل روحية. يومها أصبح فارغ. تقرأ وردها اليومي. تتواصل مع الطبيب أحمد على الهاتف. حتى حان موعد إعلان النتيجة. وفي أحد الأيام صباحا وهي لازالت نائمة تفيق على اتصال هاتفي لتمسك هاتفها تتحدث وهي ناعسة. زهور: الو. أحمد: مبروووووك يا دكتورة زهور. ألف مبروك. زهور: مين معايا؟ ودكتورة إيه؟ مافيش دكاترة هنا.

أحمد: زهور، انتي لسه نايمة؟ النتيجة ظهرت. لترمي الهاتف من يدها وهي تسمع أصوات الزغاريد بالخارج. لتخرج مسرعة تجد بدير وروحية وأحلام. روحية تطلق الزغاريد. بدير: مبروك يا زهور، نجحتي وطلعتي التانية على محافظة الغربية، والأولى على طنطا، والخامسة على مستوى الجمهورية. زهور: (بعدم استيعاب وهي تنظر لهم ببلاهة، تشير على نفسها بغير تصديق) أنا؟ أنا نجحت؟ لتلتف ناحية الباب تجد أحمد يدخل منه مسرعاً. أحمد: (يلتقط أنفاسه بصعوبة)

كده تقلقيني عليكي. زهور: (تقف تنظر لهم جميعاً) هو أنا بحلم ولا اللي بتقولوه ده حقيقي؟ أحلام: (تقترب منها) مبروك يا حبيبتي، مبروك يا غالية، ربنا مخيبلكيش تعب. زهور: يا جماعة، أكيد فيه غلط. أنا إزاي طلعت من الأوائل؟ أنا مش مصدقة وداني. أحمد: بنتي طول عمرها متفوقة وشاطرة، أكيد هتطلع من الأوائل كعادتها. مرت الأيام وزهور تتلقى المباركات. لتأتي مرحلة التكريم على مستوى محافظة الغربية للمتفوقين.

ويحضر الاحتفال لفيف من رجال أعمال المحافظة، وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، وعدد من أعيان المحافظة. أثناء التكريم، وأثناء وقوفها مع زميلاتها، فوجئت بمن يقف خلفها ويقترب منها يتحدث بفحيح.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...