في أحد الأماكن الراقية بمدينة طنطا، بالتحديد في شقة بالدور الرابع ذات طابع أرستقراطي، يقف يتحدث بعصبية: "يعني إيه رحت البيت لقيته مقفول والسوق محدش عارف مكانهم." يكمل بغضب: "خلاص أنا هتصرف." "أعمل اللي قلتلك عليه من غير ما حد يعرف. ورشا لو سألتك قوليها سافرت مؤتمر أسبوع لأمريكا وراجعة." أغلق الهاتف بحزن. أحنى جسده للأمام، وضع مرفقيه على قدميه، وكور وجهه بين يديه يتنفس بوجع. يحدث نفسه بأنفاس لاهثة:
"ليه يا زهور تروحي من غير ما تودعيني؟ هو ده الوعد اللي اتفقنا عليه؟ يا ترى فين أراضيك؟ حصل لكم إيه تختفوا بالشكل ده." "كله منك يا رشا، انتي والزفت عادل. طمعكم هو اللي مخليكم فاكرين إن أي حد يقرب مني يبقى طمعان فيا. أنا هبعد وهسيبلك كل حاجة. خلاص ما عدش فيه سبب أفضل عشانه." ليخرج ورقة من جيب جاكيته يقرأها بصوت مسموع:
"دكتور أحمد، أنا زهور. آسفة إني كتبت لك الجواب ده ومجتش بنفسي أقابلك وأودعك. كنت أتمنى أجي أترمى في حضنك وأشكيلك اللي جوايا. يمكن كلامي أكبر من سني، بس ممكن اللي عشته في حياتي ناس عمرها ستين وسبعين سنة ما عاشوهوش. كتبت لك الجواب ده وبدعي ربنا إنه يوصلك. أنت أنا مخفتش ولا اتهزيت ولا زعلت من كلام خالتي رشا، وكنت هاجي أشوفك زي ما وعدتك كل يوم، بس اللي حصل حاجة خرجت عن إرادتي. كتبت لك عشان أعرفك إني مش هاجي المركز تاني.
متزعلش مني. وقريب أوي هزورك. دعواتك ليا يا أصدق وأحن حد قابلته في حياتي. على فكرة، كل فترة هكتب لك جواب وأبعته على المركز وهدعي ربنا إنه يوصلك انت. هطمنك عليا وهعرفك كل حاجة بعملها. أوعدك هذاكر وأجتهد. دلوقتي هقولك سلام، والجواب الجاي هقولك باقي حكايتي زي ما وعدتك."
ليفتح ورقة أخرى: "وحشتني أوي. النهاردة ليا 4 شهور ما كتبتش ليك. النهاردة أنا كتبت ليك أفرحك إني نجحت وطلعت الأولى زي ما وعدتك في امتحان الترم. وأوعدك هكتبلك المرة الجاية وأبعتلك كل حاجة. سلام يا أطيب وأحن قلب." أحمد ببكاء: "أنا مش صادق يا زهور، أنا آخدك دواء لجروحي. متعرفيش قد إيه تعبان من غيرك. بقالي أربع شهور هموت وأشوفك. أنا هسافر كام يوم وهرجع. هقلب الغربية كلها عليكي. مش هسكت غير لما ألاقيك." ***
زهور وأحلام وبدير وصلوا إلى مكان روحيه. شقة متوسطة في حي شعبي. بعد سلام واشتياق وبكاء سنوات فراق، لتبدأ وصلة عتاب طويلة. أحلام: "هستأذن أنا. يدوب ألحق أروح أفرش الشقة اللي أخدناها." بدير: "ست أحلام، يا ريت تفضلي معانا وتحكيلي كل حاجة. الحقيقة كاملة. أنا ابن مين بالظبط؟ ابنك وابن بكر المنصوري؟ ولا ابن روحيه وابن شفيق الصافي؟ روحيه تضع يدها على فمها، تبتلع رمقها بصعوبة. أحلام بلجلجة: "إيه الكلام ده؟ بدير
أخرج من جيبه مصحف صغير: "احلفي على المصحف ده إنك هتقولي الحقيقة." أحلام تنظر إلى روحيه بخوف تخبرها ماذا تقول. لتقاطعه روحيه. روحيه: "أنا هحكيلك كل حاجة. وأحلفلك هقولك الحقيقة كاملة من غير ما أنقص حرف. اقعد يا ابني واحلف ليا إنك تسمعني للآخر وإنك مش هتسبني لأخر العمر." بدير: "بعد ما أعرف الحقيقة ابقى أشوف."
روحيه قصت عليه كل شيء من بداية حبها هي وبكر، وتلك الغلطة التي نتج منها كل ما حدث، وإنه ابن تلك الغلطة. تحكي وهي تبكي وصوت متحشرج، تقص له كل شيء، ولما تركت المنزل، وكيف هربت من الدوار، واستأجرها تلك الشقة، وقيامها باستئجار محل وفتحه أدوات خياطة. بدير بذهول مما يسمع ظل صامت فترة طويلة ينظر لشيء. بدير: "من وأنا عيل صغير بسأل نفسي ليه شفيق بيقولي يا ابن روحيه يا ابن الحرام؟
كل ما أقوله يا با. أتاري كنت غبي، بدل ما أسأله ليه بيقولي الكلام ده. أجري عليكي تقوليلي أصله عصبي وزهقان بيعاملك كده عشان تبقى راجل تتحمل المسؤولية. هو اتربى كده وبيربيك زي ما اتربى." "عارفة إيه؟ بعد العمر ده كله أعرف حقيقتي. أنا ابن حرام، ابن غلطة. الكل كان بيقولي ابن روحيه، ابن روحيه. ليا أم وماليش أب. مكتوب في ورقة باسم واحد تاني." "عارفة يعني إيه تعيشي مالكيش أب؟
بتتنادي باسم أمك. عارك ملزمك. عارفة وأنا في المستشفى كان معايا راجل عمره فوق السبعين طول الليل يعيط ويدعي على أمه وأبوه. لما قعدت معاه وفضلت وراه لما حكالي. ليه بتدعي عليهم؟ انت أب ممكن ولادك يعملوا كده؟ ماهو محدش بيدعي على أمه وأبوه كده."
"قالي كلمتين فوقوني. قالي بدعي عليهم من قهري لما تعيش سبعين سنة الكل بينادي عليك بابن الحرام. ينادوك باسم أمك. لما تروح تتقدم لبنت وأنت فرحان إن هيكون ليك بيت وعيلة. وخلاص هتعيش مع الإنسانة اللي اختارها قلبك. وفجأة تلاقي كل حاجة راحت من بين إيديك بسبب عار مالكش ذنب فيه. واحد ووحدة غلطوا ورموك للدنيا تشايلك وتهبدك. يومها بس كل كلمة شفيق قالها ليا، وآخرهم لما هربتني من البلد باسم بدير. ساعتها بس عرفت مين أنا. أنا ابن حرام، ابن روحيه."
زهور تجلس بصمت، ترى ما يقال بذهول. يتردد في أذانها: ابن روحيه، بنت سلسبيل، ابن حرام، بنت حرام. اسمي باسم أب تاني. مين أبويا؟ فين أمي؟ حكايتها متشابهة مع بدير. الفراق، إنه عارف أمه، هي متعرفش فين أمها وأبوها. متعرفش هي بنت حرام زي ما بتسمع؟ ولا هي مين؟ هي زهور؟ ولا زهروان؟ أحلام تبقى مين؟ جدتها فعلاً؟ ولا حد عطف عليها ورباها؟
زهور بنت سلسبيل، زهور بنت سلسبيل. اسم كم كرهته. تود لو تمحوه من أذنها. تسيل دمعاتها دون إرادة منها. لتهب واقفة وتخطو تجاه باب المنزل، تخرج منه بسرعة البرق. أحلام: "زهور رايحة فين؟ زهور زهور."
بدير هب واقفاً، خرج من المنزل بسرعة، ينزل الدرج، يخطو عدة درجات في مرة واحدة، ينادي عليها حتى تقف. ليخرج إلى الشارع، ينظر يمين ويسار، لا يراها. كأنها تبخرت من مكانها. وخلفه أحلام تهبط الدرج تنادي على زهور وهي تتلمس قلبها، تتنفس بألم. سألوا المارة والمحلات بالمنطقة، لم يدلهم أحد عن مكانها. أحلام لم تعد تقوى على الحركة. قلبها ازداد ألمه، جلست على الأرض مكانها بوجهها الشاحب وبكاها الذي يفطر القلوب. التف المارة حولها.
زهور خرجت من المنزل، تعدو بسرعة حتى وصلت إلى شارع صغير. جلست على درجات سلم لأحد البيوت الخاصة، تبكي بخوف. لأول مرة تخرج وحدها. اليوم تعرت أمام حالها. جلست تلتقط أنفاسها، عينها مثبتة على الأرض أمامها، تهز جسدها للأمام والخلف، تحدث نفسها. زهور: "أنا بنت مين؟ بنت زياد؟ ولا أبويا مين؟ سلسبيل أمي؟ ولا مش أمي؟ زياد أبويا؟ ولا لا؟
حبانه يا زهور. جبانة، وطول عمرك هتفضلي جبانة. لما حد كان بيقولك بنت سلسبيل كنتي متبقيش عارفة تردي." فجأة فتح الباب وخرج شيخ عجوز مستند على عكاز خشبي. يجد زهور جالسة، ممانعة لا تتحرك. ينادي عليها، أيضاً لا تجيب. عينها تدمعان. اقترب منها الشيخ، جلس جوارها. الشيخ: "أنا ليه حاسس إنك تايه ومش عارفة فين بيتك؟ زهور: "لا رد. دموعها تسيل على وجنتيها." الشيخ: "اتكلمي يا بنتي. مالك؟ طيب انتي بتسمعيني ولا لا؟ زهور:
"هزت رأسها بدون أن تتكلم." الشيخ: "طيب مالك؟ انت اسمك إيه؟ طيب بنت مين؟ أهلك فين؟ طيب تعرفي بيتك فين ولا لا؟ زهور: "معرفش أنا بنت مين ولا اسم أبويا إيه. الناس بينادولي زهور بنت سلسبيل." الشيخ: "يا سلام! زهور وسلسبيل. إيه الحلاوة دي. زهرة وعين من الجنة. بسم الله ما شاء الله." زهور ببكاء نظرت للشيخ: "هو يعني إيه ابن حرام؟ ويعني إيه ملاكش أهل؟ الشيخ: "افهم الأول إيه الحكاية وأنا أفهمك."
زهور قصت حكايتها التي تعلمها، وقصتها لها أحلام. الشيخ: "بصي يا بنتي، انتي لسه صغيرة. في كلام انتي مش هتعرفيه إلا لما تكبري. بس أنا اللي فهمته من حكايتك إن سِتّك صدقت بكلامها. انتي بنت حلال.
وهقولك كلمة: مسيرك تكبري وتعرفي الحقيقة، وسر الغايب يتعرف. وكمان انتي فيكِ تعرفي أصلك وأهلك بعلمك وتفوقك. لما الدنيا كلها تعرفك ويشاوروا عليكي بدل ما كانوا بينادوا عليكي زهور بنت سلسبيل، هينادوكِ الدكتورة زهور أو العالمة زهور. خالي بالك، الإنسان مش بابن مين وأبوه وأمه مين، لكن طبعك وأدبك وأخلاقك وتدينك وعلمك، هو ده قيمتك." زهور: "وقفت، لازم أرجع لستي. تلقيها قلقانة عليا. أنا جريت وسبتها ومتعرفش أنا فين." الشيخ:
"تعرفي بيتكم؟ زهور: "أيوة. أنا عارفاه. متشكرة أوي." عادت زهور إلى العمارة التي تقطن بها روحيه، وجدت أحلام جالسة أمام البناية تبكي بشدة وحولها عدة أشخاص. زهور: "اقتربت منهم، نادت بصوتها: ستي."
لتقف أحلام بسرعة، تتلفت حولها، اختل توازنها، كادت تسقط. التقطتها يد زهور، لتخطفها أحلام بين يديها تضمها بقوة. صوت نحيبها أبكى من حولها. بدير نظر إليهما، جفف دموعه، واقترب من والدته، قبل رأسها، وأمسك يدها. شكر من يقفون على مساندتهم، وطلب من أحلام الصعود هي وزهور للأعلى. رفضت زهور، وأصرت على الذهاب إلى منزلهم الجديد. بعد فترة قصيرة، أنهت زهور من ترتيب الأغراض، جلست بجوار أحلام التي لازالت تنظر لزهور وتبكي بصمت. زهور:
"سامحيني يا ستي، أنا تعبتك باللي عملته، بس غصب عني مقدرتش أتحمل. وأوعدك من النهاردة هتعلم وأشتغل وهخليكي تفتخري بيا. ومش أنا اللي هدور على أبويا ولا أمي، هم اللي هييجوا لحد عندي." أحلام:
"يا بنتي، أقسم بالله إنتي بنت حلال. بس أنا معرفش إيه اللي حصل لهم. غير جواب لقيته بعد أمك ماراحت تجيب شهادة ميلادك وراحت ما جت. الجواب والأوراق والفلوس وشهادة ميلادك لقيتهم في شنطتها. ومن يومها وأنا شايلالهملك لحد ما تكبري وتوعي وتقدر تفهمي. وأديلك كل حاجة." زهور: "أوعديني يا ستي، لما أكبر وأدخل الجامعة تحكيلي كل حاجة ومين أهلي." أحلام: "أوعدك يا بنتي."
عدت الأيام والسنين، وزهور وفّت بعهدها لنفسها ولجدتها. تعمل بائعة في محل بعد المدرسة، وداومت على حفظ القرآن الكريم. داومت على إرسال خطاباتها للدكتور أحمد على التوالي. مرت سبعة سنوات من عمرها، وأصبحت في الصف الثالث الثانوي. بالرغم من معاناتها من بعد المسافة بين مدرستها القديمة وبين المنطقة التي تقطنها مع جدتها. أول عامين عانت من تنمر زميلاتها عليها، وخاصة أبناء الأثرياء الغيرون من تفوقها وجمالها.
مرضت أحلام بشدة، جعلها المرض طريحة الفراش. ضاق الحال بهما. أصبحت زهور تعمل نهاراً في السوق، وفي المساء تقف في محل روحيه بأجر زهيد. في إحدى الأيام وهي جالسة تبيع الخضار، وجدت من يقف أمامها ينظر لها.
ليقشعر بدنها بخوف شديد من نظراته بعد انتهائه من شراء ما أراد. تفاجأت به يمسك يدها أثناء دفع ثمن المشتريات. لتبعد يدها بسرعة وتهب واقفة. وبيدها الأخرى قامت بضربه على وجهه ولعنته. تجمع الكثيرون من الباعة من الرجال وتهاوشوا مع الرجل. لولا تدخل بعض الزبائن لإنهاء المشكلة. زهور: استغفر الله العظيم. ناس معندهاش أخلاق. راجل شايب وعينه زيغة، عاوز حش رقبته.
إحدى البائعات: نص رجالة السوق هيجننوا عليكي يا زهور. من أكبر معلم لأصغر بياع يا بنتي. وفقي على واحد منهم يسترك ويحافظ عليكي ويشيل من عليكي الحمل. إنتي وستك. اللي يوم كويسة وعشرة محجوزة بالمستشفى. زهور: نظرت لها نظرة ألجمتها. لأقف من مكاني. أنا خلاص خلصت البضاعة اللي قدامي. يدوب الحق أروح لستي المستشفى.
البائعة: فكري في كلامي. أنتم ولايا وأغراب. ولا ليكم أهل ولا عزوة. محتاجين راجل يأخد باله منكم. لو ستك جرالها حاجة لقدر الله، هتعملي إيه وهتروحي فين؟ مين هيرضي يسكنك في بيته وإنتي بنت ولوحدك. وكمان لا مؤاخذة إنتي ملكيش أب ولا أم.
أنا لو منك اختار معلم من المعلمين الكبار اللي هيموتوا عليكي. وأجي زيه هيعيشك ملكة ويلبسك حرير ومصاغ من ساسك لراسك. ووقتها هتكوني الست زهور مرات المعلم الكبير. مش زهور بنت سلسبيل بياعة على فرش بالإيجار. وآخر اليوم تروحي بيومية وشوية طماطم وخضار لو باتوا هيحمضوا. زهور: بسخرية. وعلى كده يا أم كريم رأيك اختار مين من المعلمين؟
البائعة: اختاري أغناهم وأكبرهم بالسوق. المعلم جابر. راجل ملو هدومه ويحتكم على نص تجارة السوق. غير الأملاك والعمارات والعربيات. حتى الفرش ده في ملكه. شوفي بقى هتبقي إيه وتنتقلي إزاي من بياعة على الفرش لصاحبة الفرش نفسه.
زهور: امم. المعلم جابر اللي أصغر أحفاده قدي في السن. لا نسيتي دي حفيدة ابنه. وماله ما يجرالش حاجة. وأهو المعلم مقتدر. مجوز فوق الثلاثين مرة. وعنده أربعين عيل غير الأحفاد. بس قوليلي حلوتك هتكون إيه والمهر اللي هيدفعه كام؟ البائعة: أعدم عنيا لو كنت هاخد حاجة. دي محبة لله في لله. إنتي حبيبتي. كنت بتمنى تبقي مرات ابني. بس مالهوش نصيب.
زهور: بصي يا أم كريم. قولي للمعلم جابر ليا شروط. لو نفذها أنا هوافق عليه. وأولها يجي يطلبني من ستي هو وولاده. ويعملي فرح كل السوق يكلم بيه. ويكتبلي تلات محلات باسمي هدية الخطوبة. والفرش ده بالذات قبل منهم. ويعيشني في قصر. ولو ستي وافقت لازم نعمل سنة خطوبة ندرس فيها بعض. البائعة: حايلك حايلك. إيه الطلبات دي كلها؟ وكمان إنتي عاوزة كبير السوق كله يروح يتقدملك إنتي وياخد ولاده؟ وهيطلبك من مين يا حلتها؟
بابا السفير ولا ماما سلالة الحسب والنسب؟ زهور: باستفزاز وقلبها يكاد يتمزق من الألم والإهانة. ابتسمت ابتسامة ساخرة. لا. هيطلبني من ستك وتاج رأسك أحلام. البائعة: هبت واقفة. همت تضرب زهور على وجهها. رفعت يدها لأعلى لتظل مثبتة مكانها. تحاول نزعها من بين يد زهور. لم تقو. رفعت الأخرى تهوي بها على وجهها. لتجد يدها الاثنتين معلقتين في الهواء.
أعلت صوتها ليتجمع البائعات. يحاولن فك تشابكهم. وبعد محاولات فكت زهور حصار يد البائعة بين يديها. تصرخ بها البائعة بغضب وتسبها بأبشع وأقبح الألفاظ النابية. البائعة وهي تسب زهور وتهددها: النهاردة آخر يوم ليكي على الفرش وفي السوق كله. ابقي وريني هتقدري تبيعي قشاية في السوق من تاني. ومن الساعة دي تمشي ومش عاوزة أشوف وشك بالسوق اللي بعد كده. هيوحشك ديتها شوية ماية يترشوا في وشك. وبعدها وريني بقى هتشرطي إزاي وقتها.
زهور بعيون تكاد تشتعل من الغضب. تحاول فك حصارها من بين يدي باقي البائعات. زهور: أنا مبتهددش. فاهمة ولا لا؟ ومن غير ما تقولي ده آخر يوم ليا في السوق. هاخد حسابي ونسبتي النهاردة ومش عاوزة أتملي بسحنتك البهية. البائعة: مالكيش حاجة عندي. ويلا بدل ما أنادي على كريم واللي معاه يرموكي برة السوق.
زهور: انحنت. فتحت أحد الأدراج أمامها وأخرجت منه نقود. وقامت بعدها أمام زهول الواقفين جميعاً. لترفع يد البائعة وتعطيها المال المتبقي. زهور: دول حقي على تعبي طول اليوم. وإنتي مقضياها مشاوير ومرقعة. وأنا طالع عيني مع الزباين. ودي نسبتي في المكسب. أنا همشي وقدام الكل أهو بشهدهم عليكي. لو حصلي حاجة يبق إنتي وابنك المسؤولين على اللي حصلي. ومن غير السلام عليكم.
رحلت زهور. وبمجرد أن ابتعدت قليلاً عن السوق شعرت بوجود أحد يخطو خلفها. لتسرع بخطاها. حتى وصلت لشارع مكتظ بالناس والباعة الجائلين. لتختفي بين بعض النسوة من يقمن بالشراء. عينها تجوب المكان لترتعد أوصالها وهي ترى نفس الشخص الذي أمسك يدها بالسوق بالصباح يبحث عنها. ظلت واقفة بين النسوة بعد أن وضعت إحدى الملابس التي أمسكتها من العربة المتجولة لتخفي ملابسها التي ترتديها. وكانت عبارة عن شال شتوي طويل. وسحبت حجاب بلونه ووضعته
على رأسها. قامت بدفع المبلغ الذي طلبه البائع دون جدال. واستغلت التفاف الشخص بالبحث في المحلات. وعاودت أدراجها للخروج من الشارع. وأشارت لعربة تكتك وأخبرته بالاسراع حتى ابتعدت عن المكان. لتصل إلى محل روحية وترجلت من العربة. وأعطته ما طلبه. وأسرعت بالدخول إليه وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة.
تجلس أحلام بالمحل مع روحية وبدير، الذي أطلق لحيته أصبح أكثر تديناً. يعمل في مصنع حلويات نهاراً وليلاً. يقضي معظمه في المسجد أو يساعد روحية بشراء مستلزمات المحل. رفض الزواج نهائياً. قامت روحية بالتبرع له بإحداها بعد مرضه الشديد. زهور بوجه شاحب وصوت حاولت إخراجه بصعوبة. ألقت السلام. زهور: السلام عليكم. ستي إنتي خرجتي ليه من المستشفى؟ أنا كنت هغير هدومي وأجيلك.
أحلام: الحمدلله بقيت كويسة وصحتي اتحسنت وبقيت زي الفل. هفضل ليه قاعدة هناك؟ وكمان خلاص بقي أسبوعين على الامتحانات. لازم تقعدي من الشغل وتذاكري دروسك براحة وبهدوء. زهور: أنا كده كده سبت الشغل عشان الامتحانات. ومتقلقيش. أنا بذاكر كويس. وإن شاء الله الفترة دي هلم المنهج كامل. لتلتف إلى روحية. وكمان هاخد إجازة من الشغل عند ستي روحية لحد ما أخلص الامتحانات. وخالي بدير هيستلم مكاني. صح؟
بدير: إن شاء الله يا دكتورة زهور. يلا من دلوقتي. خدي أمي أحلام واتفضلوا من غير طرود. مش عاوز أشوفكم نازلين الشارع نهائي لحد الامتحانات. وأي حاجة تعوزوها تتصلوا بيا. وإن شاء الله هتلقوها بالتو واللحظة عندكم. أحلام ابتسمت له وربتت على كتفه. وهي ترى فيه ملامح بكر وطيبته وقلبه الأبيض المتسامح. تدمع عينها وتحدثه. ربنا يبارك فيك يا بكر. طول عمرك شهم.
روحية نكست وجهها للأرض. تساقطت دموعها بعد رحيل أحلام وذكرها لبكر. لتغوص بذكرياتها معه. تتذكر كلماته لها وحبه ومشاعره الصادقة. تحمله المسؤولية تجاهها بعد ما حدث بينهم. اعتذاره لها على ما حدث. حتى بعد ما خذلته عدة مرات. إلا أنه أخبرها في إحدى زياراتها السرية له بالسجن بحبه وعشقه لها. ومسامحتها له على خذلانه والمتواصل من أفعاله.
زهور صعدت إلى منزلهم مع أحلام تمسك بيدها. أحلام لاحظت توتر زهور أثناء عبورهم الطريق والتفاتها حول نفسها. وعينها التي تجوب بالشارع بين وجوه المارة. وتلك الملابس التي تضعها على ترتديها. لتبلغها بالسؤال. أحلام: من غير لف ولا دوران ولا حجج. قولي اللي حصل دغري كده. بدل ما أعرف بطريقتي.
زهور تبتلع رمقها. تنزع ما ترتديه فوق ملابسها وحجابها. هحكيلك كل حاجة من طق. عشان حجتين. أولهم إني متعوجتش أخبي عليكي حاجة. والتانية. لأن مش هينفع تروحي السوق مرة تانية بعد اللي حصل. لتجلس أحلام تستمع لها بإنصات. لتضرب على صدرها بعد وصف الشخص الذي أمسك يدها وتباعها بعد ذلك. لتنهض من مكانها بخوف. تقترب من النافذة. تنظر من خلفها على الشارع. تتفقد المارة والجالسين على المقهى. تتأكد من عدم تتبعه لها.
زهور: متخافيش يا ستي. أنا عرفت أهرب منه. وكمان مش هيقدر يوصل لينا. محدش يعرف المكان هنا. حتى بتوع السوق محدش يعرف العنوان هنا. متقلقيش. أحلام: الحذر واجب. ياما قلتلك بلاش تروحي السوق. أنا لما رجعت هناك معنديش شغلانة غيرها. هي دي اللي أعرفها من أكتر من عشرين سنة. ماليش غيرها. لو كنت أعرف أشتغل حاجة تانية ما كنتش أترددت. بس إنتي ليه توقعي كلامي وتروحي؟
أنا بلبس نقاب على وشي. محدش يقدر يعرفني. لكن إنتي روحتيلهم برجليكي. وشك باين وعيونك بتجنن الكل. كام مرة فهمتك. داري وشك. بلاش يبان منه حاجة. أدي نتيجة عندك وصلنا لفين. من هنا ورايح لبسك بناطيل واسعة وهدوم واسعة. هفصلهالك على إيدي. وحجاب طويل يخفي جسمك ووشك ده مش عاوزة يبان منه ولا حتة. فهمة؟ ومافيش نزول من البيت نهائي لحد الامتحانات ما تخلص. ومرواحك ومجيك رجلي على رجلك. فهمة.
زهور: أومأت برأسها وذهبت إلى المطبخ تعد الطعام لها ولجدتها. أحلام جلست على الأريكة الوحيدة المتهالكة الموجودة بالمكان. أسندت رأسها للخلف. أغمضت عينيها. عادت بذاكرتها لشهر قبل مرضها. وهي تجلس بالسوق تبيع لأحد الزبائن. لتتفاجأ بمن يقف أمامها. ينحني لأسفل يحدثها بمكر وهو يقترب منها. الشخص: عاش من شافك يا أحلام. معقولة بعد السنين دي أشوفك من تاني وأقابلك.
أحلام تنظر له. دب الرعب بقلبها. بصوت مهزوز. حاولت لا تبين له معرفتها بهويته. أحلام: مين إنت؟ وأنا أعرفك ومنين تعرف أنا مين؟ وأحلام مين اللي بتقول عليها؟ الشخص: بضحكة ماكرة. سبع سنين وأنا رايح جاي أسأل عليكي. أغيب أغيب وأجي أسأل بنفسي. مش بتكل على حد. لحد ما عرفت إنك أحلام ورجعتي للسوق. وإنتي لبسة البتاع اللي على وشك ده. وزي ما وصلت ليكي هنا هوصل للي أنا عاوزه. واللي ما أخدتهوش من سبع سنين هاخده. وقريب أوي.
رحل بعد أن أخذ ما قام بشرائه ودفع مبلغ كبير لها ورحل.
أحلام شعرت بدوار شديد. الأرض تحيد بها. قلبه تعالت سرعاته. ضاق نفسها. تسحب الهواء بصعوبة. التقطت زجاجة المياه وحبات الدواء بجوارها بصعوبة. حتى هدأت قليلاً. لتفكر كيف الهرب منه. وكيف تعود لمنزلها دون أن يعرف مكانها. لتأكدها من مراقبته لها. لتنتهز هروب إحدى البائعات ترتدي نفس نقابها. وتترك مكانها لزميلة لها وذهبت مع تلك البائعة. وصعدت بجوارها بتكتك وسط السوق. ليصدم حسها وهي ترى ذالك الشخص جالس بسيارته بالقرب من مدخل
السوق والمخرج الوحيد للخروج من السوق. لتحمد ربها أنه لن يأخذ باله منها. لتترجل على بعد أمتار من مكان عربته. تتجه تختفي بين الناس. تخطو من شارع لآخر. حتى وصلت إلى مكان معيشتها. ليحدث ما ليس متوقع. لا يتحمل قلبها ذالك الكم الهائل من التوتر والخوف. لتسقط أرضا فور وصولها درج البناية التي تقطن بها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!