الفصل 77 | من 87 فصل

رواية زهور بنت سلسبيل الفصل السابع والسبعون 77 - بقلم منى عبدالعزيز

المشاهدات
21
كلمة
2,722
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 89%
حجم الخط: 18

ممدد على الفراش، لا تعلم هل هو مغمض العينين أم لا. يده على مقدمة رأسه، سارح في ملكوته. ابتسامة تشق وجهه. صوتها يتردد في أسماعه. ابتسامتها التي لا تفارقها. تلك النغزتين على جانبي وجنتيها تزين وجهها. صوتها الحنون الذي خطف لبه. حكمتها في الحديث. درايتها بمكنون من يجالسها. أشعل فتيل بداخله. يهمس بين حناياه متغنيا باسمها. أيام قليلة، أو بالأصح سويعات معرفته بها. شغلت كل تفكيره.

يخرج من ملكوته منتفضا فور سماعه لصوتها خارج غرفته. ليهب واقفا، يسرع بخطواته متجها للنافذة الخشبية المزخرفة بالأرابيسك، المطلة على حديقة المنزل. ينظر من بين ثقوبها. يراها تحلق كالفراشة، يدها بيد من حولها، تعد بيدها طاولة الطعام الأرضية بحفاوة. يتراقص قلبه فرحا وهو يستمع لصوتها تنادي على أحدهم وتشير تجاه غرفته. ليبتعد من مكان وقفته. يجلس على الأريكة بجوار النافذة، قلبه يكاد يخرج من موضعه. لا يعلم ما سبب تلك الانتفاضة بداخله. يسحب نفساً عميقاً ويظفره سريعاً. متسائلاً: هل رأته وهو يتلصص ويختلس النظرات على نساء البيت؟

وأرسلت من يوبخه ويحذره. ليسمح للطارق بالدخول مع تصاعد دقات على باب غرفته. ليقف بسعادة، قدماه تكاد لا تلامس الأرض مع كل كلمة تخرج من بين شفاه الواقف أمامه. يستمع لكلماته بفرحة عارمة. الشخص: الست بتقول لجنابك اتفضل، الأكل جاهز. بسعادة شكره وخرج خلفه، يخطو بخطى واسعة حتى اقترب من مكان جلستها، ويلتف حولها عدة سيدات. يقترب وعلى وجهه ابتسامة تتسع بزيادة. قربه لمكانها.

يهمس لنفسه: ملكة متوجة وحولها وصيفاتها. شمس المغيب أينعت بالرحيل وشمس جمالك أشرقت بقلبي. خيوط الظلام كست الآفاق وسهم عيناك غز وجداني. بعثرتني الأيام ولملمت أنت أحوالي. خطفت الحديث من بين شفتاي وأنا الكتوم الحريص. أتساءل منذ تراقصت مسامعي بالحان كلماتك. نسيم الصباح بروائحه العطرة لم تتخلل أنفاسي كما تخللتها مسك عبيرك. مولاتي، آه لو ترفقي بحالي وتخبريني، هل أنا مستيقظ أم في منامي.

يبتلع ريقه بتوتر فور ابتعاد من حولها من النساء. وتبتسم بوجهه تحدثه. يعلو صدره ويهبط فور سماعه صوتها تناديه باسمه. يتلذذ بجمال وحلاوته مع نطقها له بصوتها، وكأنها تنشد ألحاناً وتنظم بيت شعر. يجلس مكان ما تشير بيدها مقابل جلستها. تحتفل به بضراوة. تمد يدها تضع الطعام أمامه. يلتقطه يضعه بفمه يلوكه مستمتعاً بمذاقه. ينظر أمامه كأن دلواً من ماء سكب فوق رأسه، يخرجه من لذة ما به وتلك الأحلام التي ينسجها خياله. مع سماع صوت من خلفه يحدثها، مثنيا عليها، أو بالأدق يمتدح كرمها وحفاوته به.

تجهم وجهه وانكسرت عيناه بحزن. ينظر أمامه إلى طعام، ينظر له ونيران تنهش به تحرق داخله. وهو يراها تقف مهللة لمحدثها. تلتقطه بين ذراعيه، تربت بيدها على كتفه وتجذبه. يجلس بجوارها. تطعمه بيدها وهو يتحدث عما حدث له بعد رحيله منذ يومين حتى عودته. ليرفع رأسه، يجاهد في ثباته. يتحدث بصوت رزين بعض الشيء وهو ينظر تجاه الجالس أمامه، محاولاً إبعاد نظره عن الجالسة بقربه. يستأذن بالرحيل. ويهب واقفا يخطو تجاه غرفته بخطى واسعة. يتمتم بكلمات غير مفهومة. لم يلتفت لمناداته عليه. يدخل غرفته. يسرع بالوقوف أمام النافذة. يختلس النظرات لهما. وتجحظ عيناه ويضرب بيده على قطع الأرابيسك بالنافذة يكاد يكسرها. وهو يرى من سلبت عقله تقبل جبين جالسه.

يرتد للخلف مغلق زجاج النافذة ويطلق سباباً لمرات متتالية. يقترب من فراشه يرمي نفسه عليها. يتقلب يميناً ويساراً. يجلس ويتمدد مرة أخرى. جسده مشتعل كالجمر. يتساءل بين حالاته: ما حل بك بك يا رؤوف؟ من متى وأنت تترك قلبك يتحكم بك؟ ماذا حدث لك؟ أين عقلك؟ ماذا أنت فاعل بنفسك؟ أتترك نفسك لتلك الموجة تسحبك بداخلها؟ أم ستجدف بعكس التيار؟ رؤوف بحيرة

يجيب على الأسئلة بأخرى: ويش دراني أنا. تائه حيران لا أعلم ما بي. لا أعرف من أنا. أتساءل متى وأين حدث ذلك؟ كيف تسللت لداخلي؟

سأجن مما أنا به. يومان، يومان فقط. لم ينته أحدهم وأشعر بمعرفتها منذ نعومة أظافري. صوتها يجعل أنغام القيثارة تشدو بأذني. ابتسامتها تخجل الشمس من سطوعها. خطفت لبي قبل قلبي. مشغول بها. صوتها لا يفارقني حتى في نومي. يصلني طنينه بمرقدي. لم أشتق لإنسان مثل اشتياقي لها. أشتاقها فور التفاتي وابتعدي عنها. وما زاد الطين بله غيرتي. نعم أغار عليها من ولدها. من اقترابه منها. من لمسته له. ترحيبه به. من ابتسامتها بوجهه. نيران تشتعل بقلبي وروحي. عقلي يكاد يجن. ما تلك الحالة التي تنتابني؟

لم أحتاج لمخلوق على الأرض كما أحتاجها. لم أفتقد الابتعاد عن عشيرتي كما أفتقد قربي لها. يسحب نفساً عالياً كتمه بداخله. أخرحه بضيق من صدره وهو يجلس على الفراش. يحدث نفسه مرة أخرى. رؤوف: تريث يا فتى، هل جننت؟ أم مسك شيطان؟ ما هذا الهراء الذي تتحدث به؟ أنت ضيف على منزلها. أهذا غض بصرك الذي نشأت وتربيت عليه؟ أهذا نظير استقبالهم وترحيبهم لك ومعاملتهم الحسنة معك؟ هذا رد الجميل؟ هذا وعدك لحالك بأن تغلق قلبك ولا تفتحه لبشر؟

منذ متى أصبحت متهوراً؟ أين عقلك يا رؤوف؟ أين هو؟ رؤوف: لا أعلم كيف أشرح لك ما أنا به، لكن أنا لم أحتاج إلى أحد كما أحتاجها. كل خلية بجسمي تريدها.

يجيب نفسه: أخبرك أنا بما لا تجيب به نفسك حتى تفيق من تلك الأوهام. كفاك خداعاً وتوهماً. أنت تتوهم، صديقي، وحدتك التي تعيشها. كم الصدمات التي مررت بها. فراغك العاطفي. بعدك عن عائلتك. احتياجك لامرأة جعلك تتوهم ما أنت به. فبمجرد عودتك لحياتك وعملك سوف تضحك على كل هذا وتسب حالك كثيراً على تلك الأوهام.

رؤوف بغضب يتحدث مرة أخرى: لا تقل إنني متوهم بعد ما مررت به وهذا وهم سأفيق منه بعد عودتي لحياتي وعملي. لا لا، أقسم بأن تلك المشاعر حقيقية، لا أكذب ولا أتجمل، ولا هي مشاعر مراهقين. أعلم أن منذ نعومة أظافري بعيداً عن والدي وإخواني. تعودت على بعدهم، قليل ما أشتاق لهم. كل منهم له حياته الخاصة. والدي مع أولاده وزوجاته، وأمي مع رجلها وأبنائها، وكل منهم في عالم بعيد عني. لا تقل لهذا أحتاجها لفقداني والدي ورأيت دلالها لوحيدها

جعلتني أتمنى قربها للحصول على ما فقدته طوال حياتي. لا والف لا. تربيت في كنف جدتي لوالدي عوضتني الحنان. لم أشعر ببعد أمي عني يوماً. تركت لي حلالاً لا يعد. عندما شعرت لي احتياجي لامرأة تزوجت. لكن مشاعري تجاهها كا كانت بتلك القوة التي تجتاحني وتزيد من إصراري على ما سأقوم به.

ليخرج من الغرفة سريعا. يقف ينادي عليه بعد رحيله مسرعاً وسط دهشته من عدم الرد عليه. يجلس بجوار والدته الشاردة تنظر في أثر الراحل. تفكر كيف كان منذ قليل وتلك الابتسامة التي زينت وجهه وحالته وعبوسه بعد عودة ولدها. وائل: ماله ده؟ إيه حصل له؟ حتى أنا جايب له أخبار حلوة وأمانة كان موصي عليها زهور. روحية: زهور؟ أنت قبلت زهور؟ فين؟

تعالي هنا قولي يوم بليلة. يوم بليلة معرفش عنك حاجة. جالك قلب تمشي ومتعرفنيش انت فين وبتعمل إيه؟ يوم بليلة دماغي هتشت مني وقلبي قايد نار من خوفه عليك وفكري يودي ويجيب. وأسأل عليك الغفير. يقول لي نزلت مصر قبل الفجر. وائل اقترب منها قبل يدها واعتذر لها وبدأ يقص عليها سبب رحيله دون إخبارها. وائل: متزعليش يا غالية، هحكيلك كل اللي حصل. يعود بذاكرته قبل يومين، يشرد قليلاً قبل حديثه.

جفاه النوم بعد استماعه لحديث رؤوف الذي قص لهم كل ما حدث له. وعن مساعدته زهور له بالهرب. نيران اندلعت بداخله. قلبه ينبض بسرعة. يجوب الغرفة يشعر بضيقها عليه. رغم اتساعها. يخطو تجاه خزانة ملابسه يفتح إحدى ضلفها. يبحث عن شيء أسفل ملابسه. حتى وجدها. لتتسع ابتسامته فور وصوله لمبتغاه. يمسكها بين يديه يتجه لفراشه. يتمدد عليه يفتح يده يخرج صورة صغيرة لزهور من أيام مدرستها الثانوية. أثناء مساعدتها في الالتحاق بها. احتفظ بواحدة. لا يعلم سبب تلك الرغبة حينها. تنهد بحزن متذكراً كلمات والدته عن فرق السن بينهما. وشخصية زهور القوية.

لينهض من على فراشه ويبدل ملابسه. ويضع عباءته على كتفه. ويهبط لأسفل وهو لازال ممسكاً بتلك الصورة بيده. يخرج من منزله يسير بالطريق. ليراه الغفير المخصص بحمايته يسير خلفه. حتى ساقته قدماه لمنزل أحلام. يجلس أمامه على إحدى الأرائك الخشبية. يتنفس رائحة تنعش القلب. أشعرته براحة كبيرة. يلتفت لمن يقف بالقرب منه. يحدثه. وائل: شامم الريحة الحلوة دي؟

الغفير: شامم يا حضرة العمدة. دي ريحة ورد مسك الليل جاية من مشتل الورد اللي وراء البيت. وائل يقف ويخط تجاه مصدر تلك الرائحة بدهشة. يسأل الغفير. وائل: مشتل إيه؟ ومن إمتى فيه مشتل وراء البيت وأنا معرفش؟

الغفير: ده بقاله يجي سبع ثمان شهور. بنات سيد أبو علي مواجرين الأرض بتدرس في الزراعة ابصر إيه كده وعاملين مشتل للورود ومشتل للأعشاب الطبية. وكل يوم والتاني. تجي عربية تاخد الورد ده وتمشي. بس بقالها كام يوم مجتش العربية ولا البنات جم على المشتل زي عادتهم. وائل: ياه ده أنا بعيد قوي عن البلد معرفش الموضوع ده إزاي ومين سيد أبو علي ده وبناته.

الغفير: ده رجل طيب غريب عن البلد ساكن قرب جامع عفيفي. والست أحلام أجرت له الأرض. وشيخ علي شيخ الجامع هو اللي بباشر معاه كل صغيرة وكبيرة. وبيستلم الإيجار ويبعته للست. وائل: أيوه أيوه افتكرت من سنتين تلاتة الموضوع ده. بس أول مرة أعرف بوجود المشتل وأشم الريحة الجميلة دي. الغفير: الريحة دي من كام يوم يا بيه لما جينا هنا. نشقوا على الدار بعد صلاة العشاء. بس جنابك ملحقتش تشمها عشان دخلت البيت على طول ومشيت على طول.

وائل: هز رأسه وأكمل خطواته حول المشتل بانبهار. ليصدح صوت هاتفه. يخرجه من جيب جلبابه. يفتح بسرعة وهو يرى رقم هاتف والدته هو الظاهر على شاشة الهاتف. يصمت نهائياً وهو يستمع لصوت المتحدث. ويهرول عائداً لمنزله وهو ما زال يستمع للمتحدث. يصعد سيارته ويبعد الهاتف قليلاً كاتم الصوت بيده. أخبر الغفير بذهابه للقاهرة لأمر هام. يخبر والدته. روحية: هاه؟ ما تحكي مالك سرحان في إيه؟

وائل: ابتسم لها ووقف من جلسته ومد يده يساعدها بالوقوف. تعالي ندخل المكتب أحكيلك كل اللي حصل هنا. الخدمين والغفر مش هناخد راحتنا. دلفوا إلى غرفة المكتب، أغلقه خلفهما وجلس بالقرب من والدته. وائل: زهور اتصلت بيا وقالت إنها محتاجاني في موضوع ضروري ومهم ومش عاوزة حد يعرف بيه. فضلت أكلمها لما وصلت العنوان اللي قالت عليه. عملت كل كلمة قالتها ونفذتها زي ما اتفقت معاها. روحية: إيه هو الكلام ده وإيه هو الموضوع؟

وائل يقترب بشدة منها: زهور عرفت أهل أبوها. وتقولي زهور راحت ليهم. الناس دي واقعة في ضيقة غريبة، الله أعلم أمتى هيخرجوا منها. بيتهم وشركاتهم اتحرقوا، ربنا نجاهم على آخر لحظة. روحية: ماتحكي كل حاجة. أنا مش فاهمة نص كلامك. قول كل اللي تعرفه من غير ما تنسى حرف.

وائل: بعد ما وصلت زهور للمحطة وتأكدت من القطار طلع، وأنا جاي بالطريق رن عليا عمي يحيى. وعرفته إن زهور ركبت القطار، وساعتين بالكتير وتوصل. بعدها رجعت البلد. زهور اتصلت بيا وكلمتني بعد ما كلمتني وعرفت إنها وصلت، كانت محتارة تتكلم بالألغاز. مفهمتش حاجة منها. بليل لما اتصلت بيا حكتلي على كل حاجة حصلت.

زهور: خالي وائل، اسمعني بس، ماتردش عليا. في موضوع مهم جداً محتاجالك فيه. اسمعني للنهاية، وبعدها قول كل اللي أنت عايز تقوله. لتقص له مقابلتها بحسن، صديق والدها. وتفاجأت بوجود عمها. وقصت ما أصابه حتى وصولها للمستشفى. روحية: وزهور عملت إيه؟ واتعرفت إزاي على باقي أهلها؟ وفرحوا بيها؟ ولما كل اللي حيلتهم راح، زهور رجعت الحارة ولا راحت فين؟

وائل: زهور متعرفتش غير على عمها وجدها وصاحب أبوها. هحكيلك اللي عرفته بس اصبري على رزقك. لما راحوا المستشفى، عمها دخل في غيبوبة وكان تعبان ومرهق. صديق والدها أخدها لمكتبه تستريح لحد ما يفوق عمها، وحكت اللي حصل ده. زهور: دخلت المكتب جسمي ينتفض. شكل عمي وكلامه الغريب. ولما كشفوا عليه وشفت جرح كبير في صدره وحروق على إيديه، قلبي وجعني عليه أوي. دموعي نزلت من غير ما أشعر بيها. عمي حسن قرب مني، لقيته

بيبكي بصوت عالي وبيقول: "فعلاً اللي خلف ماماتش". فيكي كتير من زياد يبان قوي، بس هو أضعف ما يكون. قلبه طيب، مع إني كتير كنت بحس قد إيه إنه غامض. حاجات كتير جداً معرفتهاش غير من جواب سابه ليا بعد وفاته. وقتها معرفتش أزعل منه ولا أحزن عليه أكتر ما أنا حزين. عرفت منه ما تحكمش على إنسان بمجرد موقف حصل ما بينا. اتعلمت منه حاجات لو كان عايش وقتها استحالة كنت عرفتها، أو بمعنى أدق مكنتش شغلت بالي إني أعرفها. منها الأسرار اللي

محدش يعرفها غيره. وكمان كنت فضلت بتهم والده بظلمه وهو السبب في موته. شهور بعد وفاته وأنا على الحال ده. لحد في يوم وأنا بزور قبر زياد زي كل يوم من وفاته، ولحد النهارده وأنا بزوره بشكل يومي. في اليوم ده كان جوايا كره لأبوه ميتوصفش. قرأت جوابه فوق العشرين مرة ومفهمتش هو يقصد إيه. وأنا قريب من قبره لقيت واحد قاعد على الأرض وساند راسه عليه. أول ما عرفت هو مين، لفيت وكنت ماشي. وقفت على صوت بينادي عليا.

عبد الرحيم: على فين يا حسن؟ ماشي كده من غير ما تزور صاحبك زي كل يوم؟ ولا عشان أنا موجود؟ على العموم، أنا كنت هاجي أزورك بالمستشفى وأكلمك. يقف من جلسته ويقترب من حسن، الذي اقترب منه يقف أمامه. فين بنت ابني يا حسن؟

أنا ما خليت مكان إلا ودورت فيه. بلد مرات زياد رحتها، ملقتهاش أثر. أهل أبوها أكدولي مشفهاش من يوم وفاة أبوها. أنا دورت في أماكن كتير ممكن ألاقيها فيها. حسن، أبوس إيدك عرفني طرقها. قال ذلك وهو ينحني على يد حسن يقبلها. حسن يسحب يده ويتحدث بحدة: وده تكفير ذنب ولا ناوي تتخلص منها؟

زي ما تخلصت من أبوها زمان ووديته لخالته، عشان كنت بتستعر من شكله سنين وعمرك ما حسسته إنه ابنك ولا مرة أخذته بحضنك. مافيش غير أوامر وبس. فاكر كام مرة وجعته؟ كام مرة جرحته؟ كام مرة كره نفسه بسبب معاملتك ليه؟ لا مش معقول. عاوز تريح ضميرك بعد ما كنت السبب في موت زياد بسهولة كده؟ وهو تربي بنته كتعويض. عبد الرحيم ينظر لحسن، برغم من حزنه من كلماته الجارحة، لكن سعيد بداخله. اهتز قلبه بقهر مع تزايد اتهامات حسن له.

عبد الرحيم: عمري ما استعريت من زياد، بالعكس. دايماً كنت بقول هو وش السعد عليا وعلى خالته زهروان الله يرحمها. كنت بتفائل بيه. أصرّيت ييجي يشتغل بالمجموعة، عشان بتفائل بوجوده. الصفقة اللي يحضرها، كنت بكسبها. إمكّن ده مالوش علاقة بالفال ويكون نصيب، بس أنا شفت بنفسي معجزات حصلت بوجوده. هحكيلك حاجة محدش يعرفها غير أنا وزهروان الله يرحمها وزيدان ابني كان شاهد. وعشان زيدان كتوم ومش بس كده، استحالة يقول حاجة لحد ما دام أنا قلت له متقولش.

حسن: هو إيه السر ده؟ عبد الرحيم: زهروان الله يرحمها كانت بتأمن بالـ "فال" قوي. وللأسف أنا كتير اتكلمت قدامها عن البركة والمكاسب اللي ربنا فتحها علينا من وقت ولادته. وزهور شفيت من مرضها وخفت بفضل ربنا ورضاها بعجز زياد. تعرف ليه سميته زياد؟

مع إني كنت واعد عبد الرحمن أسمي الولد على اسمه. عشان لما اتولد الدكتور بلّغني إنه فيه حدبة في ظهره. وقتها قلت له لو ينفع أعمله عملية تجميل وهو لسه طفل. كانت صدمة، قالي للأسف الحدبة استحالة تتشال أو يقلل حجمها. أنا قلت ده نزل زايد، الحمد لله اسمه زايد مش ناقص. وسميته زياد. جات ليا المكتب وطلبت مني أقنع زهور مراتي إنها تديها زياد تربية بعد وفاة جوزها، لأنها متأكدة إن زهور هترفض نهائي.

وعملنا خطة: زهروان تطلب بنت من البنات تعيش معاها. وطبعاً أنا هرفض، لأن من المستحيل أوافق بنت تخرج برة البيت لوحدها، يبال لو نامت. وقتها زياد كان خارج من موضوع الجراحة والتشوه اللي حصل له ونفسيته تعبانة جداً، وخصوصاً لما أخواته حبوا يرفهوا عليه وهو افتكر هزارهم تريقة عليه. الدكتور اللي كان يعالجه هو قال زياد قاله هو حابب يعيش بعيد عن البيت لفترة دي. وهو ال أقنعني أكتر. مع إن زهروان ربّته أفضل تربية وعدّلت من سلوكه، وصحّحت ليه وللتأني مرة يدخل في حالة اليأس وصمم يشوه الحدبة من تاني. فاكر أنت وقتها زياد كان بين الحياة والموت؟

وقتها أنا اللي كنت بموت من حزني عليه. زيدان وزايد وقتها راحوا المدرسة وكسّروها ومسكوا الولاد اللي تنمروا عليه وضربوهم، غير إن كاميرات المراقبة ثبتت. عميلهم فيه وقتها. قدمنا شكوى، واترفضوا من المدرسة. وبعدها زياد نفسيته تحسنت من جديد قوي بيك وبزهروان. تعرف، مصروف زياد لحد ما اشتغل، أنا اللي كنت ببعته. مخلّيتش زهروان تصرف عليه مليم. صمّمت على شغله بالمجموعة، عشان يفهم كل كبيرة وصغيرة. كنت بصمم يحضر الاجتماعات ويلم بالعمل ويجمع خبرة بكل التفاصيل عشان يقدر يحافظ على ورثه ويديره. حتى شجعته يمسك ويدير فندق خالته ويمسك كل شغلها برضه عشان يكون عنده خبرة.

كنت بعرف عنه كل كبيرة وصغيرة، إلا موضوع جوازه. لو كنت عرفته قبل ما أوعد أخويا بإنقاذ شرفه من أفعال بنته وطمعها. وقتها عرفت إنه متجوز بنت ملهاش أصل ولا فصل. ملحقتش أجمع معلومات عنها. هددته وقلت له هموتها أو أسجنها لو ما اتجوزش نهال. كنت خايف عليه من البنت تكون اتجوزته عشان فلوسه. وفي نفس الوقت عارف نهال قد إيه طماعة وأنانية، بس وعدي لأخويا كان أقوى من حبي لابني. يوم وفاة زياد، ده اليوم اللي قلبي اتكسر فيه. يومها مش بس

زياد مات، لا أنا انكسرت من كله. مراتي اتهمتني بأبشع اتهام. معرفتي إنه خلف، الحاجة الوحيدة اللي مصبرني على موته، إن ليه بنت من صلبه هيشيل اسمه. هشّم ريحة ابني فيها. هعوضها عن حرمانها من أبوها. هطلب منها تسامحني كل لحظة معشتش بين حضن أبوها وأمها.

أنا مش بني آدم ولا قادر أعيش. قلبي بقى ضعيف لدرجة خفت على أحفادي. بعتهم عن حضن أمهاتهم عشان يجمدوا ويقووا عودهم ويقدروا يكملوا امتداد العائلة. وفي نفس الوقت ما بعدت عنهم، كنت ما بينهم عيني عليهم. عارف كل صغيرة وكبيرة عنهم. إلا بنت زياد، قلبي مش يهدى ولا يرتاح إلا لما ألاقيها وأخدها بحضني، وأربيها على إيدي. حسن بذهول مما يسمع.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...