عاد إلى بيته ليجد كالعادة صراع زوجتيه. والجميع يقف حولهم، لا يعرف أبناء من فيهم متحيزين لمن من الزوجتين. يقف يضحك من قلبه بسعادة غامرة، كل خلية في جسده تتراقص فرحاً. ينظر للجميع ويستمع لحديث كل واحد في أفراد عائلته، ليصمتوا جميعاً مع تردد صوت ضحكات من خلفهم. يلتفوا لمصدر الصوت ويجروا جميعهم تجاهه وهم يرونه فاتح ذراعيه، تتعلق به طفلته الكبرى زوجته نسمة كعادتها منذ صغرها، ليرتد للخلف عدة خطوات.
حسن: نسمة حبيبتي إهدي، أنا مش قدك كبرت على حركاتك دي. تذوم وهي لازالت تحيطه بيديها، يربت على ظهرها بحنان كعادته، يهمس في أذنها بكلمات جعلت ابتسامتها تتسع، وسط نظرات حبيبه التي ترفع حاجبها لأعلى، لتقترب منه وتضمه وتهمس هي بأذنه، ليضيق ما بين حاجبيه ويهز رأسه من حركاتها الطفولية. يقبل أبناءه واحد تلو الآخر، ينحني على يد زوجة أبيه ووالدة حبيبه، يقبل يدها.
زوجة أبيه: حمد الله على سلامتك يا حسن، سنين وأنا مش شفت ضحكتك الحلوة دي منورة وشك كده. حسن: خلاص يا ماما من هنا ورايح مفيش غير الضحك والفرح. زوجة أبيه: ربنا يجعل أيامك كلها فرح يا حبيبي، إيه طمني زهروان رجعت؟ حسن: اقعدوا كلكم وأنا هحكيلكم كل حاجة. طبعاً كلكم عارفين زياد صديق عمري وحكايته وحكاية بنته، بس أنتم متعرفوش أصل الحكاية. هاحكيلكم كل حاجة من يوم ما صحبت زياد للساعة دي.
زمان وأنا طفل صغير كنت منطوي أوي، ماليش أصحاب، كنت أسمراني وشعري مجعد ولابس نظارة سميكة، وفوق كل ده كنت ضعيف جداً. كان الأولاد بيتنمروا عليا من مدرسة لمدرسة لحد ما استقريت في مدرسة وبالصدفة لقيت ولد تاني والولاد بيتنمروا عليه. كنت أنا وهو بنهرب جوه جنينة المدرسة. كنا تقريباً مش بنشوف بعض غير وقت البريك لما بنهرب في الجنينة. اتعرفنا على بعض وبقينا نحكي على تنمر الولاد علينا. الغريب إحنا نفسنا تنمرنا على بعض وفضلنا نضحك.
يومها قالي حاجة غريبة: "ربنا خلقنا بالشكل ده لحكمة عنده وإننا مميزين ولازم نتعامل مع الأولاد على الأساس ده". وفعلاً بعدها الأولاد بطلوا يقربوا مننا. وقتها صحوبيتنا قويت يوم ورا يوم، بقينا صحاب. زياد كان طيب جداً وحنين أوي، نظرة عيونه كلها حزن. دايماً كان كتوم أوي، بيتكلم بالقطارة، حزنه دفنه جواه. نسيت أقولكم، زياد كان عنده حدبة في ظهره. تعرفوا أنا دخلت طب تخصص جراحة ليه؟
عشان كنت سبب رئيسي في تشوه ضهره بشكل مباشر. عشان كده تخصصت جراحة، كنت بحلم أعالجه وأشيله الحدبة دي، لأن كنت فاكر إنه سهل إنها تتشال. المهم.
كبرنا مع بعض، لينا مكان مخصص نتقابل فيه، كنا تقريباً بنعرف عن بعض كل حاجة، ده اللي كنت فاكره. بس النهاردة عرفت قد إيه زياد كان كتوم، معرفش عنه غير ربع اللي جواه. النهاردة عرفت سر حزن عينيه. زياد كان عظيم بدرجة لا توصف. النهاردة بس اتأكدت حزني عليه مجاش من فراغ. افتقادي ليه العشرين سنة الفاتوا ولا حاجة جنب شعوري دلوقتي. بعد عشرين سنة عرفت الحقيقة كاملة، عرفت سر وفاة زياد اللي أنا دكتور معرفتهاش ولا شكيت إنه مات بسبب الصرع أبداً، أو ما يعرف بـ...
واللي أحد أهم أسبابها فعلاً الشعور بالحزن المستمر والضيق والضغط العصبي. ده بجانب أمراض تانية كانت عنده. بعد عشرين سنة ظهرت براءة الكل، أبوه وأخواته، حتى سلسبيل مراته، ظهرت براءتهم. والغريبة، لعشرين سنة كانت بين إيديا الحقيقة ومعرفتهاش غير من بنته زهروان. حبيبة: أنا مقبلتش زياد غير مرة واحدة، بس متهيألي زهروان شبهه.
حسن: زهروان مش بس شبه شكلاً، لا دي فولة واتقسمت اتنين. بس تختلف عنه في شخصيتها القوية ونفس الوقت ضعفها. اللي. بدريه ببراءة. كلمها فيه رزانة وهدوء، عندها ثقة في نفسها. تشفيها وهي بتكلم عن كل واحد من كلام زياد، كأنها عاشت معاه العمر كله. حبيبة: معقولة قصدك على مذكرات زياد؟ حسن: أيوه هي المذكرات، زهروان قريتها كلها وعرفت حقيقة كل فرد في عائلة أبوها. والغريب اللي حصل ما فيش عقل يستوعبه لحد دلوقتي.
ليقص عليهم ما حدث من اتصال حبيبه به يخبره بأمر زهروان بالجامعة، ويعيد قص ما حدث من وقت مقابلتها في الصباح الباكر أمام محطة القطار ومعرفتها ومقابلتها زايد عمها، التي تعرفت عليه وعانقته كأنهم أب وابنته تلاقيا بعد سفر طويل.
حسن: زايد من شدة الإرهاق وكان باين عليه بقاله فترة ما نامش ولا أخذ أدويته، دخل في إغماء. وخصوصاً مقابلة زهروان له بصدر رحب وأنها تعرفه بسهولة، فرحته كانت أكبر من قوة تحمله. مش هطول عليكم، أخذته المستشفى. لأول مرة أتأكد من مقولة عمر الدم ما يبقى ميه. زهروان كانت منهارة بمعنى الكلمة. أخدتها لمكتبي تستريح، وبالمرة أخلص ضميري من ربنا، لأن من فترة طويلة وأنا في صراع مع نفسي بحاول أوصل حلقة مفقودة في حياة زياد والكلام اللي سمعته من والده مرة في زيارة لقبر زياد.
يقص كل كلمة أخبره بها والد زياد. ليتوقف، يتنهد بقوة. يرفع عينه على كل ابن من أبنائه. حسن: تخيلوا أب بشكل ده، دافن جواه أوجاع وحزن كبير، عايش بس يسعد اللي حواليه ويظلم في نفسه. إنسان يضحي بسعادته وراحته في سبيل يوفي بوعده لأخوه. يتهم بكل التهم، يفقد ابنه، يكتم وجعه جواه، كل ده عشان يبري قسم أقسمه لوالدته قبل وفاتها إنه هيفضل جنب أخوه ومش هيزعله أبداً.
حسن: أنا حكيت لزهروان كل حاجة عرفتها، وقبل ما أكلمها كنت اتصلت بيه ولحسن الحظ مكنش بعيد عن المستشفى. أنا شفت الراجل ده في كل حالاته، قوته وجبروته، شفت دموعه وكسرته على موت زياد اللي مظهرهوش غير بين نفسه. بس اللي شفته بمقابلته لزهروان، مهما تخيلت شكل مقابلتهم، ما كنتش هتكون بالشكل ده. يعود بذاكرته قبل يوم.
حسن: باب المكتب انفتح علينا مرة واحدة، برفع عيني أشوف مين، لقيت زهروان مرفوعة من على الأرض وصوت بكاء بيجلجل المكتب كله. لو حد حكالي اللي سمعته وشوفته بعنيا ده، لا يمكن كنت أصدق. كنت برسم بخيالي مقابلته هتكون إزاي. الراجل ده خلف كل توقعاتي، حتى البنت نفسها خلفتها. البنت أول ما الباب انفتح كانت هي اللي رمت نفسها بحضنه، وهو كمان كانه يعرفها ومتأكد إنها حفيدته، بيلف بيها المكتب ويكلمها وصوته مخنوق من البكاء.
عبد الرحيم: سامحيني يا بنت الغالي، سامحيني على سنين بعدك عني، سامحيني على حرمانك من أبوكي. يقبل وجنتيها ويجذبها يضمها لصدره. سامحيني على كل لحظة عشتيها من غير سند، سامحيني على سنين تعبك وصبرك. سامحيني على كل دمعة وجع دمعتها عيونك، على كل يوم نمتي وإنتي بتشتاقي لأبوكي. كل لحظة عشتيها في اتهام ووصمة عار مش فيكي، سامحيني على كل يوم وإنتي بعيدة عن عائلتك. سامحيني على دموعك دي. سامحيني على كل حاجة وأي حاجة.
زهروان: أنا إنسانة أكيد جوايا مشاعر وألم سنين طويلة، مش في إيدي أسامح ولا أتنازل عن حق من حقوقي. أنا عاهدت نفسي هاخد حقي من كل اللي ظلمني. أنا ما شفتش يوم حلو في حياتي. عارف حضرتك لما تعيش مسجون بتهمة إنت بريء منها، إحساس الظلم وحش أوي. عاهدت نفسي هاخد حق كل دمعة دمعتها بعيوني، هنتقم من كل اللي كان السبب فيها. وبالرغم من كل ده، أنا نسيت كل حاجة حصلت زمان. نسيت كل وجعي بضمتك دي، سنين عذابي راحت في اللحظة دي. أنا اتولدت من جديد من وقت ما قريت مذكرات أبويا. تخرج من بين أحضانه، تحاوط وجهه بيدها. تعرف كنت خايفة معرفكش من وصفه ليك، بس لقيتك زي ما وصفك بالظبط، طبعاً مع فرق بسيط وهو شعرك.
عبدالرحيم شعر بدوار، ارتد للخلف، يسرع حسن بإمساك يده ويساعده بالجلوس، ليشكره الجد ويشير لزهور بالاقتراب منه، وهو يوجه الكلام لحسن. عبد الرحيم: سمعت اللي أنا سمعته؟ زياد وصفني لبنته عشان لما تكبر تعرفني، متخيل الكلام ده معناه إيه.
زهور: مش بس وصف حضرتك شكلاً، لا ده وصف طيبتك وحنانك، ومش بس كده، لا ده حكالي كل حاجة من يوم ما اتولد لليوم اللي اتولدت أنا فيه. ومكتفاش بده، لا وصاني بوصية أوصلها لكل واحد فيكم، أولاها لحضرتك، ولسه هوصل لكل واحد وصيته. الحمد لله قدرت أنفذ أول وصية خلاص. حسن وعبد الرحيم يسألها: ما هي الوصية التي تتحدث عنها؟ تقترب زهور من حقيبتها وتخرج منها دفتر مذكرات والدها.
زهور: أبويا وصاني أول ما أقابلك أحضنك وأقولك ده حضن متأخر ليك، وإنه مش زعلان من اللي حصل لأنه عارف إنك لا يمكن تخلف وعد وعدته لأخوك. في كلمتين لازم حضرتك تعرفهم، مكتوبين بخط يده. بيقول فيهم... لتقرأ ما خطه زياد لوالده.
بابا أنا مش زعلان من حضرتك. طول عمري بحملك تعبي ووجعي، كنت بتتهمني بكرهك ليا، دايما شيلتك تهم حضرتك بريء منها. كنت بفسر تصرفاتك بالدكتاتورية، دايما بعرضك أي حاجة تطلبها، أعملها كنت بعمل عكسها. كبر جوايا العند، كنت فاكر إني كده بكون قوي الشخصية، أو بالدقة بعيد عن قيودك اللي بتفرضها علينا. مكنتش حابب أكون نسخة تانية من زيد أو زايد.
كنت دايما بعارض حضرتك قدام الأولاد، وقتها كنت فاكر إني بكده بخليهم يتمردوا عليك. حتى في بداية مذكراتي كتبت كل اللي مريت بيه في حياتي لبنتي من يوم ما اتولدت لحد لحظة اللي كتبت السطور دي. لولا جواب وقع بالصدفة بأيدي، غير كل مفاهيمي، غير جوايا حاجات كتير. جوايا صراع مش قادر أوصفه. هل أنا ظالم ولا مظلوم؟ ظلمت بنتي ولا لأ؟
ظلمتها لما كتبت حاجات تكرهها في عائلتها. وممكن تكتفي باللي كتبته ومتكملش قراءة باقي المذكرات. أنا في حيرة وصراع. جوايا بيطلب أمحي كل حرف كتبته، والتاني يقول: خليه عشان بنتك تتعلم متحكمش على حاجة من غير ما تتأكد منها، لازم تتعمق فيها قبل ما تحكم عليها. لازم تتعلم إن الظواهر خداعة زي المظاهر بالظبط. لازم تعرف وتتعلم نفوس اللي حواليها.
بابا أنا متأكد بإن حضرتك مستغرب كلامي اللي بالألغاز. هتعرف أقصد إيه. بابا أنا عرفت قد إيه أنت عظيم، أب بمعنى الكلمة. قد إيه بتتحمل، قد إيه بتيجي على نفسك عشان غيرك. كنت فاكر إن حضرتك متملك وأنانى. لحد ما قريت رسالة ماما زهروان بالصدفة، بعد ما كتبت جزء كبير من مأساتي زي ما كنت مصدق نفسي وعايش في دور الضحية. لبنتي وقع في إيدي جواب بخط ماما زهروان.
قريت كلامها وأنا مصدوم من اللي بتقوله، ووصيتها ليا حقايق كتير بالأسماء والتواريخ. حكت ليا عن تضحيتك، عن اتفاقك معاها. حكت عن المصاريف اللي صرفتهم عليا. عن سنين حبك لماما وقد إيه أنت اتعذبت واشتغلت لحد ما بنيت نفسك ورجعت شركة العيلة جنب والدك، واللي جه عمي وضيعها بإهماله وطيشه. بابا أنا موجوع أوي من جوايا. موجوع على حرماني من بنتي. موجوع إني كده كده هسيبها، أنا أيامي بالدنيا معدودة. الكلام ده محدش يعرفه أبداً.
مفيش أمل من شفائه. أي وقت ممكن أموت. سبحان الله نفس اليوم اللي عرفت فيه هو نفس اليوم اللي صممت عليا بجوازي من نهال. وقتها مفرقش معايا إني أتجوزها. نهال والموت أمر واحد. أنا اتوجعت والحسرة ملت قلبي من تهديدك المبطن: يا أوافق أجوز نهال، يا تسجن سلسبيل. وقتها الدنيا اسودت في عيني.
كنت برسم في خيالي كلها كام يوم وأقابل ربنا، وقبلها هوصي حسن يعرفك بإني متجوز ومخلف. وأنا عارف قد إيه أنت هتحافظ على بنتي لأنها حفيدتك، هتاخدها في حضنك. بس تهديدك بسجن سلسبيل واتهامها بأبشع تهم، خوفوني عليها. وفقت على الجواز وإني أطلق سلسبيل بعد ما أكتب كل اللي أملكه باسمها هي وبنتي. لأن كنت عاجز أحميها منك ومن غدر نهال اللي متأكد منه.
بابا وقتها قلت أصرحك بوجود زهروان بنتي. خفت عليها منك ومن عمي ونهال. خفت من كل الموجودين. خفت في يوم يتكاتروا ويتفقوا يخلصوا منها. سم نهال عارفة بيسري بالدم، ومتأكد إنها وراء ملعوب الجواز ده، وإنها اللي أقنعت عمي يضغط عليك، خصوصاً والكل عارف إن حضرتك لا يمكن ترجع في وعد أديته لعمي عبد الرحمن، حتى لو الحاجة دي فيها موتك.
بابا للأسف أنا ضعيف إني أحمي بنتي ومراتي. طلقتها وبأنانية رديتها لعصمتي من غير ما أعرف حد. يدوب كتبت ليها جواب بده. جواب خلتها فيه تكره جدها هنا وتخاف منك ومن زايد. جواب يخليها تخاف وتبعد لحد ما تقدر ترجع تطالب بحقها وحق بنتي. في النهاية بابا اليوم اللي هيوصلك الكلام ده، اعرف إني مسامح حضرتك، وياريت تسامحني.
يصمت حسن عن الكلام، يجاهد في التحكم في تلك الدموع التي تتزاحم بمقلتيه، تتسارع بالهبوط. يسحب نفس عميق ويخرجه وهو يوزع نظراته بين أطفاله. لتقع عينه على ابنه الأكبر زياد المصاب بمتلازمة داون، الذي غفى وهو جالس. يهب واقفاً ويخطو تجاهه، يساعده في النهوض وهو يطلب من الجميع بالذهاب للنوم. وسط تذمرهم، فهم يريدون أن يستمعوا لباقي الحكاية. بعد أسرار حسن عليهم، توجهوا لغرفهم، وساعد هو ابنه حتى أراحته بفراشه. واتجه للخارج ليقف مصدوماً، وهو يرى حبيبة تشير له بالقدوم لغرفتها. ليسير تجاه الغرفة وهو يتلفت يميناً ويساراً، حتى وصل إلى مكان وقوف حبيبة التي تتراجع للخلف، تدفع الباب بظهرها وتدخل الغرفة.
ليدخل حسن خلفها، يفاجأ بمن تحاوط خصره من الخلف، تهمس بالقرب من أذنه بكلمات صدم من واقعها عليه. لتنتابه قشعريرة بكامل جسده. آثار قبلة على رقبته، لينتفض مرة واحدة مع إسناد رأسها على ظهره ويدها لازالت تحوطه. ليمسك يدها المتشابكة ويديرها إليه، ينظر لوجهه الذي اشتاقه.
وعينيها التي تلمع بتلك اللامعة الذي افتقدها لسنوات، تبوح له باشتياقها له. ليفقد كل ذرة تحكم في عقله مع لمسات يدها وهي تفك أزرار قميصه. لينحني بعد أن نزعه، يحملها تجاه الفراش.
يقضي معها وقت لم يناله معها منذ زواجهما. قلبه يرفرف فرحاً من كلماتها التي تشدو بها، كأنها مقطوعة موسيقية تعزفها على أوتار قلبه. مر وقت طويل وهم بتلك المعزوفة، حتى شعرا بالكمال. ليتمدد جوارها. لتزيد من دهشته وهي تضع رأسها على صدره ويدها تحوطه. ليبتسم ويرفع رأسه لأعلى، يضحك بصوت تردد في أرجاء الغرفة. حبيبة ترفع عينها تجاهه، تبتسم على ضحكته. تتحدث بلهفة: بتضحك على إيه؟ يقبل يدها بضحك:
على حركاتك برة والكلام اللي قلتيه. مفهمتهوش غير دلوقتي. مع إني أسعد إنسان على وجه الأرض باللي حصل ده، بس مستغرب سر تغيرك المفاجئ. من هنا ورايح هتلاقيني كده. مش هسيبك تاني أبداً. أنت مش بس جوزي وأبو ولادي، أنت حب عمري. آسفة على التأخير في الاعتراف ده، بس اللي يشفع لي نظرة العشق في عيونك. صبرك طول الفترة اللي فاتت. تصمت، ترفع جسمها لأعلى.
أنا عرفت كل حاجة حصلت الفترة اللي فاتت، وإنك كنت بتنام بالمكتب. في اليوم المخصص ليا، حتى في يوم نسمة كنت بتخرج تقعد بالمكتب لحد ما تنام. حسن، أنا بعشقك. وبعشق كل تفصيلة فيك. حسن: يقبل يدها، يحاوطها ويقربها لتضع رأسها موضع قلبه. تعرفي يا حبيبة، أنا فرحان أوي بكلامك ده، وفرحان برجوع زهروان لعائلتها. بالرغم من حزني إن زياد خبى عليا حاجات كتير. بس اللي شفع له كلامه اللي كتبه لابنته.
حبيبة: احكيلي باقي التفاصيل. حصل إيه وزهروان رجعت مع جدها ولا راحت فين. _لا، زهروان راحت على الفندق بعد ما اتفقت مع جدها على.
مسند رأسه على حافة القبر، دموعه تسيل دون توقف. يبكي بصوت يقطع نياط القلب، يهتز جسده من شدة بكائه. يرفع رأسه، يجفف دموعاته. ويعتدل بوقفته بعد حديث هامس بينه وبين صاحب القبر. يلقف نفس وراء الآخر. ينحني مرة أخرى مقبلاً أعلى القبر، ويتحدث بألم لصاحبه ويرحل دون الالتفاف. يصعد سيارته ويسرع بقيادتها، يشق ظلمة الليل.
ودموعه لا تتوقف تسيل على وجنتيه مع تردد كلمات سمعها قبل قليل. يرددها بينه وبين حاله. حتى توقف بسيارته أمام البناية الكائن بها. يضع رأسه على مقود السيارة، يتنفس بسرعة، يجفف دموعه. يرفع رأسه، ينظر لأعلى، يثبت عينه. يرى طيفاً من بعيد يقف بشرفة الشقة الكائن بها. نغزة قلبه بعد التأكد من هوية الواقف. يترجل سريعاً من السيارة، مطلقاً لقدمه العنان.
تقف بشرفة الشقة، تتوشح بوشاح شقيقتها. عينها تفتش بين المارة العابرين الطريق عنه. لتعتدل بوقفتها، تنظر لأسفل البناية. مع توقف سيارة أمام البناية. تصاعدت أنفاسها وهي ترى من ترجل من السيارة. يقف أمامها، تتلاقى الأعين. لتسرع بالابتعاد عن الشرفة، تخطو تجاه باب الشقة، تزامننا مع خطواته تجاه البناية بخطوات سريعة. دلف للمصعد، ضغط زر الصعود، يتنفس بصوت مسموع. لم يتمالك حاله فور رؤية من تقف أمام باب الشقة، تفتحه على مصراعيه. تفرد ذراعيها ليرتمي بها. تربت على كتفه وتحدثه.
زهور الأم: مالك يا نور عيني؟ خرجت من غير ما تقول. رنيت على تليفونك كتير، قلقتني عليك. حصل إيه خلاك راجع منهار كده. ابتعد قليلاً عنها، وأمسك يدها: تعالي، ودلف داخل المنزل. ليترك يدها ويقف أمام صورة بطول الحائط.
_شفتها يا زياد، قبلتها، أخدتها بحضني. شميت ريحتك فيها. عينيها نفس عيونك، بتكلم وتبوح بما في الجواها. شفت فيهم سنين عذابها وحرمانها. شفت فيهم عتاب لو خرجته تحتاج قد عمرها تتكلم وتخرجه من جواها. شفت فيهم نبتة طيبة وحنان. شفت فيهم عيون أمي وحكمتها. والأهم من كل دول تضحيتها. يلتف لمن تضع يدها على كتفه من الخلف، تحدثت بصوت مهتز. _في إيه يا عبد الرحيم؟ إيه الكلام اللي بسمعه ده؟ أنت أنت قبلت زهروان؟
معقولة تشوفها وتقابلها، ومتقوليش؟ هي فين؟ مجبتهاش معاك ليه؟ إزاي تروح تقابلها من غير ما تقولي؟ معقولة رفضت تيجي معاك؟ طيب خدني ليها، هي عند أحلام مش كده؟ _شفتها وقلبي رفرف بفرحة محسيتش بيها من وأنا عيل صغير. تعالي أحكيلك كل حاجة.
_تجلس مقابلة له، تنظر إلى عينيه وتلك الدموع التي تسيل منها. ترفع يدها لا شعورياً تجففها له، ليقبل بطن يدها قبلة شاكراً. ليرفع هو الآخر يده يزيح دموعها التي تسيل من عينيها مع كل كلمة تخرج منه.
عبدالرحيم: حسن اتصل بيا وقالي إن زهروان معاه بالمستشفى، وزايد كمان. دخلت أفرحك وأخدك معايا، لقيتك نايمة وخادة صورة بحضنك. مقدرتش أصحيكى وأقولك الخبر ده، خفت عليكي. وفي نفس الوقت مستعجل أشوفها وأطلب إنها تسامحني. أخذت مفتاح عربية زيد، والحمد لله المستشفى مش بعيد. وصلت المستشفى وأنا سايق بأقصى سرعة، وساعدني على ده الطريق فاضي. اتصلت بالمعلم يحيى والست أحلام، طمنتهم. وهم كمان مكذبوش خبر وجم بعديا بفترة صغيرة.
ليقص عليها لقائه بزهور. _طيب ليه مجبتهاش معاك؟ أملي عيوني بشوفتها، اخذها بحضني. خدني ليها يا عبدالرحيم، وديني الحارة عند أحلام أشوفها وأقنعها تعيش معانا هنا. عبدالرحيم: زهروان مش في الحارة، زهروان بالفندق دلوقتي. _أنت بتقول إيه؟ زهروان بالفندق؟ أنت عقلك جاله إيه؟ إزاي تسيبها تروح الفندق لوحدها؟ ناسي المجنونة نهال بنت أخوك، ممكن تعمل إيه في البنت.
_زهروان مش لوحدها، أنا مأمنها كويس أوي خطوة بخطوة. في ناس معاها صوت وصورة غير رجالتى مأمنها. ولو على نهال متخفيش، قربت تقع، والفضل لزهروان إن شاء الله هتقع في شر أعمالها. _لا، أنا مش هصبر ولا يهدالي بال وأنا قاعدة هنا ومش عارفة البنت فين وجرالها إيه. اطمئني، زهروان هتكون بخير إن شاء الله. اللي قلقان عليه هو زايد، خايفة يتهور لو قابل نهال. ولا شد مع زهروان. زايد عصبي وممكن يضيع كل حاجة بسبب عصبيته.
_أنت قلقتني أكتر. فهمني الحكاية إيه بالضبط. _اهدي بس وأنا هحكيلك كل حاجة. ليقف فزعاً أثر صوت زيد ابنه. زيد: مش معقولة اللي بيحصل ده. راحوا فين؟ تليفوناتهم جرس ومش بيردوا. _يجلس يظفر أنفاسه بضيق يحدث ابنه. حضرتك بترن على مين مش بيرد. ــــ آيات يابابا آيات من الصبح برن عليها جرس ومش بترد. حتى غدير بتصل عليها مش بترد.
آيات آيات مافيش ف حياتك غير آيات. كفاية بقي أمته هتفوق. بسبب حبك لها بنعاني كلنا. أنا واخواتك كلنا بندفع تمن الحب ده. حتى ولادك اللي ولا في دماغك ولا شاغل تفكيرك هم فين وبيعملوا ايه. قولي اتصلت اطمنت على أولادك فين حصلهم ايه. على أخوك كل ال شغلك آيات. أنا مش رافض حبك ليها حبها زي ما انت عاوز بس اتحمل مسئولية شويه. بسبب حبك ده عبدالرحمن اشتري واتحكم فيا. دايما ماسكني من ايدي اللي بتوجعنى عارف نقطة ضعفي. بيك عارف اني
مستحملش اشوفك مهموم سنين استغل حبك لابنته لتضغط عليك وعليا ننفذ كل اللي يؤمر بيه. فلوس ياخد على المكشوف. ظلمت اخواتك عشان يوافق على جوازك منها واكتر واحد اظلم هو زايد. زايد اللي عايش ومش عايش سنين متحمل جوازه من آمال عشان ميحصلش بينك وبين مراتك مشكلة. زايد اللي رغم تعبه ولسه مستر دش صحته بعد العملية لحد دلوقتي بيحمينا. احنا هنا متخبين خايفين من نهال ومكايدها وهو من مكان لمكان يواجه كل مخططاتها. انت كل اللي شغلك هي
الهانم مراتك. هو مشغول بينا كلنا. يحارب كل الجبهات لوحده معهوش حد يساعده. انا وانت هنا منعرفش عنه حاجه. بس متأكد ان زايد مشغول بالكل. فوق يا زيد انت مش صغير كلها كام سنه وتبقى جد. مش بقولك بطل تحبها بس افصل بين حبك وبين عالتك. ولادك بردة ليهم حق عليك. سألت هم فين نجوا من تدببر نهال ولا لا. يابني أنا مش هفضل عايشلكم اكتر ما عشت. انت واخوك هتمسكوا العايلة من بعدي. بلاش ترمى كل الحمل عليه. عارف انك مش مقصر بس دايما
محتاج اللي يوجهك ومش مفروض تكون ايات.
زيد: بصوت مخنوق. أنا فعلا مريض بحبي لآيات لأنها هي الوحيدة ال بشعر معها بأهميتي بأن ليا لازمه. حضرتك كنت المتصرف الوحيد في حياتنا اعملوا ده متعملوش ده البس دي متلبس دى حتى الاكل مفيش حاجه اخترتها غيرها آيات هي اللي اخترتها. حضرتك اتحكمت فى كل حاجه حتى ولادي حضرتك ال اختارت أسميهم وحياتهم. عارف ان عمي الله يرحمه استغل حبي ليها. وظن بعده نهال. صحيح أنا مشغلتش بالي بولادي لان عارف ومتأكد ان حضرتك وزايد اهتموا بالموضوع
ده. مشغلتش بالي لان عارف انهم في بر الامان طالما عمهم جنبهم. مشغلتش بالي غير بآيات لانى عارف محدش منكم هيهتم بيها. حتى غادير بنتى مشغلتش بالي بيها لانى متأكد انها هي واخده بالها من الكل وناسيه نفسها ماهي تربيتك يا بابا اقرب مني انا شخصيا لحضرتك.
عبدالرحيم: يربت على كتفه. يابني أنا مقصدتش اللي وصلك آيات بنتي أنا مش بنت عبدالرحمن أنا اللي ربتها. أنا مش هو هو أبوابها في شهادة الميلاد وبس. بس عشان أنا ربتها انا وامك كويس كانت بتسمع كلامه من غير ما تفكر وتناقش. أنا لو اتكلمت معاك بالطريقة دي عشان تأخد بالك انت بعيد عن ولادك اوى. مش عايزك انت وأخوك تعيدوا حكايتى مع زياد. كفاية اللى بنعنية لحد دلوقتي. وعلي العموم ظنك فى محله فعلاالولاد دلوقتي في مكان أمين بس لا انا ولا زايد السبب دي دي زهروان بنت زايد.
وائل ظل يقص ل روحية كل شئ حتى قدومه للبلدة. روحية: معقولة اللي بسمعه ده في ناس بالشكل ده. واية جدها ده الراجل ده جبل لو واحد غيره كان وقع من الحمل اللي شيله على كتافة وقلبه. معقولة حبه لأخوه ده هو في أخوات بالشكل دى. فعلا متحكمش على بني آدم غير لما تتعامل معاه متعتمدش على السمع.
وائل: فعلا كلامك صح. الراجل ده تشفية تقولي متكبر مغرور شخصيته والهالة اللي حواليه عملاله هيبه. تتكلمى معاه ايه كم التواضع اللي فيه. صوته الرزين عقله نبرة الحزن والقهر بصوته وبالرغم من كل ده محافظ على وقارة. احكيلي زهور قابلته ازاي. اتعملت معاه ولا ايه ال حصل. وطلبت ليه وهتروح تاني ولا لا. حيلك حيلك يا ام وائل وحدة وحدة عليا. هحكيلك كل حاجه بعدين بس دلوقتي خلي الشغالين يحضروا اكل كتير و فرش. و يبعتو على بيت امى أحلام.
ليه هى أحلام جات البلد طب مجتش معاك هنا ليه. الأكل والفرش مش لامى أحلام دول ل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!