الفصل 60 | من 87 فصل

رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الستون 60 - بقلم منى عبدالعزيز

المشاهدات
18
كلمة
1,869
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 69%
حجم الخط: 18

خرجت زهور من المستشفى تلتقط أنفاسها، تعبر الطريق بين السيارات التي تمر، تتلقى السباب من قائدي السيارات. وهي كالمغيبة تعبر الطريق، فاقدة لكل أحاسيسها، تفكيرها منصب فيما قرأته في الخطاب. زهور: ليه؟ ليه بيحصلي كل ده؟ عملت إيه يجرالي كل ده؟ سنين عايشة وحيدة، ماليش أب ولا أم، فجأة يظهروا، ويوم ما عرفت بوجود أبويا ألقيه مات، مات، مات!

تكاد تفقد سمعها من شدة بوق السيارات التي تطلق من قائديها، لتجري مسافة طويلة، تضم حقيبتها لصدرها، عينها تفيض منها الدموع، لتتوقف أخيراً تلتقط أنفاسها، وتتحدث بصوت مسموع. زهور: تمسح دموعها. لازم أعرف باقي الحقيقة، مين اللي أجبره على الطلاق وإيه اللي حصل وقتها؟ خالي سلسبيل تهرب للبلد؟ وسلسبيل بريئة ولا مظلومة؟ مجني عليها ولا جانيه؟

ماهي مش معقول بعد الكلام اللي قريته واللي سمعته بودني من صحبة عن حبهم وتضحيتهم، وكمان الأملاك اللي سابها ليها وتهرب. أكيد عندها تبرير لكده. لازم أروح الفندق وأواجهها، ليه هربت وسابتني؟ ومدام بتحب بابا. لتتوقف عند نطقها، تبكي بقهر. ااااه، على دي كلمة اتحرمت أنطقها طول عمري، ولما نطقتها قلتها لغيرك. كلمة خفيفة قوي، قوي، بس طعمها حلو. بابا، بابا، بابا.

زياد، تغمض عينيها، تنطقها مرات متتالية، تتلذذ بنطقها، لا تعرف كم مرة نطقتها. شعور بالاشتياق أذابها، تشتد بضمّتها لحقيبتها، تتنفس بسرعة، أنفاس متلاحقة، وتتنهد وهي تفتح عينيها. زهور: ترفع مرفقها مع فتح عينيها. تنظر لساعة يدها. اتأخرت على معاد الشغل، يدوب ألحق أنهي شغلي وأروح الاستقبال أسأل على سلسبيل، من غير ما ألفت انتباه حد لو سألت عليها.

لتشير إلى عربة أجرة وتصعد بها، بعد إخبار السائق بوجهتها. تسند رأسها على زجاج السيارة، شاردة، تضع يدها على قلبها، تشعر بألم به، وشعور قوي بحدوث خطب ما.

لتصل للمكان بعد وقت، بعد أن شعرت بأن الطريق لا ينتهي والمسافة تزيد. طوال الطريق دموعها لا تتوقف، تضم حقيبتها لصدرها. ترجلت من العربة، أخرجت نقوداً لا تعلم عددها، وأعطتها للسائق، ودلفت للفندق من الباب المخصص لدخول العاملين. أبدلت ملابسها وذهبت لرئيسها بالعمل، الذي أخبرها بطلب مدير العاملين لمقابلتها وتوقيع العقد معها بعد اختبارها، وقدم لها ظرفاً به مكافأة لها عن فترة اختبارها بالعمل، وأنها سوف تحصل على راتبها عن تلك

الفترة. لتخبره بالذهاب بعد انتهائها من عملها، لتشكره وتذهب إلى الجناح، تدفع أمامها عربة أدوات التنظيف والشراشف النظيفة. تتجه إلى الجناح المسئولة عن تنظيفه طوال فترة الشهر الذي عملت به. تصعد بالمصعد الخاص بالعاملين، تدفع العربة بعد خروجها منه وتوقفها بالكلودور أمام أحد أبواب الجناح. تحمل الأغراض بيدها، وتتلمس ملابسها، تتأكد من الأوراق التي خبأتها به قبل صعودها إلى الجناح. وضعت أغراض التنظيف من يدها، تشعر بغصة في

حلقها. تبدأ بتنظيف أول غرفة دخلت إليها بسرعة ودون هوادة، حتى تستطيع أن تنهي عملها وتهبط للسؤال عن والدتها. ها هنا لم تحملها قدماها. لتجلس أرضاً، تخرج الأوراق من بين ملابسها، تقرأ كل كلمة كتبها زياد لسلسبيل، لتظل تعيد قراءة الخطاب عدة مرات، تبكي بحرقة حتى جف حلقها وانتفخت عيناها من الدموع. فجأة تصمت بخوف وهي تستمع لصوت حركة غير طبيعية، وهمهمات وصوت أحد يزمر كأنه ينادي على شخص. لتصمت للحظات، تتأكد من الصوت الذي اختفى.

لتشعر بألم روحها، تنحني وتضم الخطاب لصدرها، تستمد منه القوة وتطلب الحماية منه. ليجذب انتباهها نفس الصوت والهمهمات مرة أخرى، كأن أحد ينادي.

لتغلق ما بيدها وتطويه سريعاً، تضعه بداخل المظروف وتضعه في ملابسها، وتقف مرتجفة، تخطو تجاه الصوت، لتصل إلى مكان الصوت، بأحد جانبي الغرفة، تسحب البرادي لتتفاجأ بشخص جالس على كرسي ويده وقدميه موثقان وفمه عليهم شريط لاصق.

زهور: شاهقة. رجعت للخلف سريعاً. ليزمر الشخص بشدة ويهز جسده، ينظر لها بترجٍ بعينه، حتى كاد يسقط أرضاً. لتتشجع وتخطو إليه، مع تزايد شعورها بمعرفة ذلك الشخص. لتسرع بحذر، تتلفت حولها، تبحث عن شيء ما تستطيع فك وثاقه. تتلفت يميناً ويساراً، حتى توقفت عينها على ما تريد، سكين صغير بجوار طبق الفاكهة، لتخطو إليه مسرعة، تلتقطه وعادت تجاه الشخص المقيد.

زهور بيد مرتجفة قامت بنزع الشريط اللاصق من على فم الشخص الذي تحدث لها، يشكرها ويطلب منها الإسراع في فك وثاق يديه وقدميه. الشخص: أنا شاكر لكِ. رجاءً أسرعي، فكي رباط يدي ورجولي بسرعة قبل ما أحد يجي يذبحني أنا وأنتِ. زهور: أ ليسرعوا تجاهه، ليشعر بهم، يلتف بإيماءة بسيطة. يرى أحدهم يهرول تجاهه، فيسرع بخطواته، ثم يطلق لقدميه العنان، يجري بأقصى سرعة وهم خلفه. حتى نجحوا في لقطه بعد أن انقطعت أنفاسهم من الجري خلفه.

عبدالرؤوف وزهور رأوا ما حدث. ينظران إلى بعضهما باستغراب، دون أن يتحدثا بكلمة واحدة. ليعتدل عبدالرؤوف وهو يرى عربة أجرة تقترب من المكان. دون تردد، أشار للسائق أن يتوقف، فتوقفت العربة. ويلتف عبدالرؤوف إلى زهور التي لا تزال كما هي، عينها مثبتة تجاه ذلك الشخص الذي كان يقف عند المكب. تضع يدها على فمها، تهز رأسها. زهور تهمس لنفسها: طب إزاي وليه ومن امتى وهو بيشتغل في الفندق؟

وإلينا لتقاطع كلمتها، تلتف بزعر عند لمس أحدهم كتفها من الخلف. عبدالرؤوف خطى إليها يناديها. وهي على حالتها، تنظر تجاه المكان الذي يجري أمامه هؤلاء الأشخاص الثلاثة. ليقترب منها ويضع يده على كتفها، فتنتفض زهور وتطلق صرخة ضعيفة وهي تلتف. لتتنهد براحة. تضع يدها على صدرها. وقبل أن تنطق بكلمة، التقط يدها يجذبها تجاه العربة وهو يحدثها بصوت هامس. يجلسها بالعربة من الخلف ويصعد جوار السائق، يشير له بالابتعاد عن المكان.

السائق يحدثه: على فين يا بيه؟ عبدالرؤوف في حيرة من أمره، لا يعلم ماذا يخبره. لتنطق زهور: ودّينا السفارة السعودية يا أسطى. عبدالرؤوف: يلتف لها يسألها بعينيه: ليه عملتِ كده؟ يشير لها بعينه ويهز رأسه بلا، ليحدث السائق بهدوء: اطلع يا أسطى على الحسين. السائق: الحسين؟ عبدالرؤوف يهز رأسه بنعم، يغلق زجاج السيارة ويضع يده على وجهه يخفي ملامحه. طوال الطريق حتى وصلا إلى منطقة الحسين. ترجل من العربة وزهور كذلك.

أعطى رؤوف الأجرة للسائق والتف لزهور. التي تنظر له باستغراب على حالة الهدوء التي عليها. زهور تخطو خلفه مهرولة تحدثه بعصبية. زهور: ممكن تفهمني إيه الهدوء ده اللي إنت فيه؟ وليه مرحتش سفارة بلدك تطلب إنهم يحموك؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...