الفصل 59 | من 87 فصل

رواية زهور بنت سلسبيل الفصل التاسع والخمسون 59 - بقلم منى عبدالعزيز

المشاهدات
18
كلمة
3,220
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 68%
حجم الخط: 18

زهور ممسكة برسالة زياد إلى والدتها، يأكلها الحزن والألم على أب طالما تمنت رؤياه. تعض شفتاها بقهر على ظنها به. أزاحت دموعها التي لا تتوقف، تنهدت تنهيدة قوية وهي تحدث نفسها. زهور: ياتري لو كنت لسه عايش كانت مقابلتنا شكلها إيه؟ هتفرح بانك شفتني؟ هتحضني؟ هتبكي من الفرحة! وأنا هكون عملت إيه؟ وأنا شيفاك قدامي وبناديك بابا؟ وتقولي أخيرا شفتك يابنتي؟ أخيرا لقيتك سنين وأنا بدور عليكي.

زهور تسأل نفسها: ياتري يا زهور كنتي هتفرحي بانك قبلتيه؟ ولا هتعتبيه؟ لتكمل كلامها وهي تنظر للمظروف بيدها محتارة أيهما تبدأ به. تمسك خطاب خطه بيده الأول باسم سلسبيل ملكة القلب وعشق الروح، والآخر زهرتي. تنقل بصرها بين الاثنين لتشرد قليلا لوقت قبل أن تحدث نفسها. زهور: كلام صاحبك بيقول قد إيه أنت كنت حنين. حبك لسلسبيل وحبها ليك هو نفسه كان بيحسدكم عليه. طيب إيه حصل بعدكم عن بعض؟ وطالما بتحبها وهي بتحبك؟ إيه اللي فرقكم؟

خلاك متتحملش بعدها وتموت من حزنك على بعدها؟ طيب سلسبيل حكايتها إيه؟ اختفت فين وسبتني؟ ياااه لو أقدر أعرف أي حاجة عنها أو أقبلها، وقتها معرفش هعمل إيه وهتصرف إزاي. هترمي في حضنها ولا هعاتبها وخلاص؟ معرفش. لو شفتها قدامي هعمل إيه؟

بس أكيد هرمي في حضنها وهخلي كل الكلام لبعدين. قد إيه محتاجة لحضنها، قد إيه محتاجة. جنبي طول عمري وحيدة. آه لو تعرف شوقي ليها ولحضنها. اااه لو أغمض عيوني ألاقيها قدامي. أرمي في حضنها وأبكي لشوقي واحتياجي ليكم انتوا الاتنين. لتعاود النظر لما بيدها وتضع أحدهما. مع إني متشوقة أعرف كاتب ليا إيه. الـكـلام جـمـيـل. حبك أثار فضولي.

أقرأ اللي كتبه لأمي. تخرج الخطاب من مغلفه. ترفعه أمام وجهها وتقربه من أنفها. تسحب نفسا قويا. تشم رائحة والدها. لم تتمالك حالها لتجهش بالبكاء وتضم الخطاب لصدرها. تركت لروحها العنان تبكي. سنوات ظلت دموعها حبيسة جفونها، تنهيداتها تخرج خلف بعضها حتى شعرت بخواء روحها. اشتهت لضم والداها لها. حنين غريب لوالديها. لأول مرة تشعر بتلك المشاعر ورغبتها الجارفة لضمهما والبكاء بأحضانهم. زهور: تشهق. ليه ملهوفة عليكم؟

وأنا طول عمري مكتفية بنفسي وبستي أحلام. يمكن من اللي سمعته عن حبكم. لتفتح الخطاب. تقرأ كلمات زياد لسلسبيل. زهور: تقرأ بصوت خافت كلمات زياد التي كتبها لسلسبيل. بسم الله الرحمن الرحيم.

حبيبتي نور عيني، ملكة القلب وعشق الروح، نور دربي، سكن روحي، وملاذ أنفاسي التي أتنفسها. زوجتي وابنتي وشقيقتي وصديقتي، معشوقة قلبي. مهما وصفت حبي وعشقي لك، أحتاج إلى مجلدات وكاتب لا يمل من الكتابة وأشهر الرسامين يرسمك بقلبي وبعيني. حبيبتي بلسم جروحي، أنهار الحنان المتدفقة. أخط لك أصعب كلماتي، لعلها تكون آخرها. أعلمي أن تلك الكلمات ما هي إلا ذرة في بحر أوجاعي وآلامي. حبيبتي، لما أستطع مواجهتك وإخبار ما أريد قوله. ليس

ضعفا مني ولا جبنا ولا هربا، لكن خوفا من نظرة الحزن بعينيك الصافية، من دمعة وجع منهما تحرقني، تمزقني إربا. معشوقتي، كتب علينا الحب صدفة وجمعنا القدر من غير موعد أو ترتيب. ها هي أيام سعادتي ترحل من بين يدي بعد أن جمعتنا. ها هو وقت الفراق بالإجبار، ولكن ليس أي إجبار، هو قتل بالبطيء. أود أن أعلمك، حبي لك وخوفي من فقدانك هما سبب ضعفي. عندما تقرئين تلك السطور، أكون حميتك من أقرب الناس إلي. زوجتي الغالية، نعم زوجتي، ستظلين

زوجتي طوال عمري وسأدعو ربي ليلا ونهارا ما دمت حيا أن تصبحي زوجتي في جناته العالية. نعم جناته العالية، دعوت ربي ليالي طويلة أن يجمعني في دنياه بك. حبيبتي، اليوم سأبتعد عنك بجسدي، لكن روحي ستكون معلقة بك. حبك نبض قلبي، أنفاسي التي أتنفس بها، وعشقك قطرات دمي تسير بين أوردتي. أعلمي أني ما طلقتك إلا مجبرا، نعم نعم مجبرا، طلقتك غصبا عني. لم أقدر أن أنطقها بلساني، يدي عجزت عن توثيقها. أجبرت بعد تهديدات بلغت بقتلك، بحرماني

منك بالموت، وثقتها بخوفي من سجنك بأي قضية مخلة بالشرف. أنكرت إنجابك لزهرتي، برعم حبي لك، خوفا من انتزاعها من بين يديك. أعلمي أنك لازلتي زوجتي مهما حدث، أنت زوجتي، نعم زوجتي. أقسم بكل قسم أعرفه، وبقلبي الذي ينزف ألما، بأنك لازلتي زوجتي. محبوبتي، أوصيكي بوصيتي بأن تقصي لابنتي عني وعن عشقنا، عن حبي لها، عن اشتياقي لرؤيتها وضمها. أتنفسها برائحتها المسكية. احكي لها على فرحتي يوم معرفتي بقدومها، عن حزني لابتعادي عنها، عن

عجزي الذي حرمني منكن. حبيبة قلبي، ستجدين مع تلك الرسالة أوراق ملكيتك أنت وزهرتي، لجميع ما أملك. كل ما ورثت من خالتي رحمها الله، وزعته بالمناصفة، وكتبت لك ولها كل ما تبقى وأملكه. تتصرفين به كيفما تشائين، لكن حبيبتي، لا تنهزمي وتنكسري. نبض قلبي، أطلب منك أن تصيري قوية، تدافعي عن نفسك، عن زهرتي، لا تدعي أحد يكسرك مهما حاولوا. قصي لابنتي عني، قصي لها عن صديقي حسن، فهو شاهد على عشقي لك ولها. أخبريها بأن تصير قوية، تدافع

عن نفسها، وطموحها لا تجبرها على شيء لا تريده. كوني معها كعادتك، صديقتها قبل أمها، احتويها كما احتويتني. اجعليها نسخة مكررة من سلسبيل، نبع الحنان. سلاما حبيبتي، فأنا على موعد مع زهرتي لأقص لها كل شيء، حتى تعلمي من أنا. المتيم بحبك، زياد.

زهور أغلقت الرسالة، تتساقط دمعتها. تبكي وتبكي حتى انقطعت أنفاسها. تقبل الخطاب بهستيريا، تضمه لصدرها، تصرخ بصوت مكتوم بأهات موجعة.

زهور: اااه اااه. مش عاوزة حاجة. مش عاوزة فلوس ولا أملاك. أنا عاوزاك أنت. عاوزة أرمي في حضنك. قد إيه كلامك حسيت وجعك. بكل كلمة كتبتها عصرت قلبي. كل كلمة بتقول قد إيه أنت حنين، قد إيه اشتقتلك ومحتاجك جنبي. محتاجة لإيدك تطبطب على كتفي. حزنك ووجعك على فراقنا. حستهم من كلامك. لأمي. قد إيه محتاجة لحضنك. محتاجك يابابا. آه من الكلمة اللي طول عمري محرومة أقولها. قد إيه طعمها حلو بين شفايفي. بابا. ااااه اااه. يارب يارب قوني. يارب قوني على فراقه. متحملنيش فوق طاقتي. معاش قادرة أتحمل أكتر من كده. شوقي لأبويا ولضمته ليا. يارب على قد ما أنا موجوعة على فراقه. اديني قوة للتحمل بعده.

لتظل وقت طويل مش قادرة تتكلم. تسطحت على الفراش تضم الخطاب لصدرها مغمضة العينين ودموعها تسيل بصمت. بين برهة وأخرى تطلق شاهقة تخرج منها تحرق جوفها من قوتها والوجع بداخلها. تفتح عينيها المنتفخة من البكاء وتعتدل وهي ترفع نفسها لتجلس على الفراش، تتلمس الأوراق بيدها دون أن تنبس بكلمة. لتفتح الخطاب الآخر. لتجده دفتر

خاص بوالدها كتب عليها: إلى زهرتي. تتلمسه تبكي وهي تعيد نطق ما خطه بيده لها. فتحت أول ورقة وهي مغمضة عينها. تتصارع أنفاسها بالخروج. تشجع حالها باستمرار لقرائته. جاهدت لفتحه مرة تلو الأخرى. لم تقو لتغلقه مرة أخرى وتضمه لصدرها. تغمض عيونها وتهز جسدها للأمام والخلف مطلقة عنان بكائها ونحيبها حتى شعرت بخواء روحها والغرفة تضيق عليها. تلتقط أنفاسها بصعوبة لتزيح عبراتها بيدها وتهب واقفة تجمع محتويات المظروف ووضعته به مرة أخرى.

وهي تتحدث بوجع. زهور: مش هقدر. مش هقدر أفضل هنا. حاسة لو فضلت لحظة كمان هتخنق. ولو جه صاحبك هترمي في حضنه من كتر ما أنا مشتاقة لك.

لتجوب بعينها الغرفة حتى وقعت عينها على حقيبتها لتسرع تجاهها. تلتقطها وتضع الظرف والصندوق بها. تجفف دموعها وتخرج من الغرفة بسرعة البرق. تهرول في أروقة المستشفى. لمحتها الممرضة وهي بطريقها إليها لتطمئن عليها. لتهرول تجاه مكتب حسن لإخباره بخروج المريضة زهور. نجحت في الخروج من المستشفى. أشارت إلى عربة أجرة وأخبرته بالعنوان التي تود الذهاب له.

لتصل للمكان بعد وقت. بعد أن شعرت بأن الطريق لا ينتهي والمسافة تزيد. طوال الطريق دموعها لا تتوقف. تضم حقيبتها لصدرها. ترجلت من العربة. أخرجت نقود لا تعلم عددها وأعطتها للسائق. ودلفت للفندق من الباب المخصص لدخول العاملين. أبدلت ملابسها وذهبت لرئيسها بالعمل الذي أخبرها بطلب مدير العاملين لمقابلتها وتوقيع العقد معها بعد إنتهائها من عملها. لتستلم، لتشكره وتذهب إلى الجناح. تدفع أمامها عربة أدوات التنظيف والشراشف النظيفة.

تتجه إلى الجناح المسئولة عن تنظيفه طوال فترة الشهر الذي عملت به. تصعد بالمصعد الخاص بالعاملين. تدفع العربة بعد خروجها منه وتوقفها بالكلودور أمام أحد أبواب الجناح. تحمل الأغراض بيدها وتتلمس ملابسها تتأكد من الأوراق التي خبأتها به قبل صعودها إلى الجناح. وضعت أغراض التنظيف من يدها وتجهت سريعا تجاه الغرفة. تجلس أرضا تعيد قراءة خطاب والدها لأمها عدة مرات. تبكي بحرقة. لتشعر بحركة غير طبيعية وهمهمات وصوت أحد يزوم. لتصمت

لحظات تتأكد من الصوت الذي اختفى. لتشعر بألم روحها. تنحني وتضم الخطاب وتعتدل بجلستها على أرضية الغرفة تبكي بنحيب. شعرت بحركة وهمهمات مكتومة مرة أخرى كأن أحد ينادي. لتغلق ما بيدها وتطويه سريعا. تضعه بداخل المظروف وتضعه في ملابسها وتقف مرتجفة. تخطو تجاه الصوت لتصل إلى مكان الصوت بأحد جانبي الغرفة. تسحب البرادي لتتفاجأ بشخص جالس على كرسي ويده وقدميه موثقان وفمه عليه شريط لاصق.

زهور: شاهقة. رجعت للخلف سريعا. ليزوم الشخص بشدة ويهز جسده. ينظر لها بترجى بعينه حتى كاد يسقط أرضا. لتتشجع وتخطو إليه مع تزايد شعورها بمعرفة ذلك الشخص. لتسرع بحذر تتلفت حولها تبحث عن شيء ما. حتى توقفت عينها على ما تريد. لتخطو إليه مسرعة. التقطته وعادت تجاه الشخص المقيد. زهور: بيد مرتعشة قامت بنزع الشريط اللاصق من على فم الشخص الذي تحدث لها. يشكرها ويطلب منها الإسراع في فك وثاق يديه وقدميه.

الشخص: أنا شاكر لكل ما قمت به. برجاء أسرعي فكي رباط يدي ورجلي بسرعة قبل ما أحد يجي يذبحني أنا وانتي. زهور: أومأت برأسها. تحاول فك ذلك الرباط بصعوبة. حتى نجحت في قصه لاثنين. وجثت على قدمها وانحنت تمزق ما على قدميه حتى نجحت في فكه. ليهب الشخص واقفًا. ينحني يمد يده لزهور يساعدها على الوقوف. يحدثها بلغة لم تفهمها.

الشخص: هيا هيا أسرعي بالخروج ولا تعاودي مرة ثانية لهون. اليوم مهما حدث هيا أسرعي قبل ما يجدمون ويزبحوكي وياي. زهور: ترفض مد يدها وتنهض هي بنفسها. أنت مين ومين اللي عمل فيك كده؟ وأهم حاجة انطق بلغة أفهمها. بلا يذبحني بلا يجدمون. آه. الشخص: بابتسامة. كمان دمك خفيف. حاضر يا ست زهور. هجاوبك على أسئلتك بس مو هون. قصدي مش هنا. الغرفة مو أمان.

ليقترب منها يجذب يدها فور سماعه لصوت بخارج الغرفة. ليجذب زهور من يدها ويكمم فاها ويخطو تجاه باب أحد الغرف بالجناح المكون من ثلاث غرف للنوم وصالون كبير وصالة عرض وجيم صغير خاص برواد الفندق من VIP. فتح الباب وأدخل زهور الذي تنظر له بخوف. تحاول نزع يديه من على فاها. ليقترب منها يهمس لها لتستكين دون حركة. كنت براسلك وأترك الخطاب على زجاج المراية كل يوم. وإنتي تردين الجواب. حتى إنتي أمس تركتي

رسالة بتجولين فيها رد: "مش كل اللي بيتمناه الإنسان يدركه، أهم شيء يحمد ربنا على النعم اللي منّن عليه بيها". هدّأت زهور لتشهق وهو يديرها خلف الباب ويقترب منها فور شعوره بوضع أحد يده على مقبض الباب. لتتلاقى الأعين، كل منهم ينظر للآخر دون شعور. ليبتعد عنها، ينظر إلى أسفل، يستغفر ربه ويعتذر لها، غير عابئ بتلك الأصوات التي يستمع لها بالخارج.

زهور بيد ترتعش فور اقتراب الصوت من باب الغرفة، مدت يدها له وجذبته بيد مرتعشة وخرجوا من الباب الأمامي للغرفة بعد فتحه بالمفتاح الإلكتروني الذي تحمله. لترتسم علامات السعادة على وجهها وهي ترى عربة معدات التنظيف كما هي بالقرب من باب الجناح الكبير. لتخطو تاركة عبد الرؤوف يقف متحفزاً. لتسرع بدفعها تجاه رؤوف وتشير له بالاختفاء أسفل منها.

لتدفع العربة بعد صعوده بصعوبة بعد أن صعد بها، لتصل إلى المصعد المخصص لنقل العاملين وتلك العربات وتضغط على زر الهبوط، تحدثه بهمس. زهور: "إحنا هننزل أوضة أدوات التنظيف، هناك في باب بيخرجوا منه الزبالة، هتخرج منه وأنا هغير الهدوم دي لأن ممنوع نخرج بيها من الفندق. استخبى في أي مكان وأنا مش هتأخر عليك، خال بالك لحد يشك بيك ولا الناس اللي بتقول عليهم هيدبحوك يلقوك."

فور وصول المصعد غرفة التنظيف، خرج عبد الرؤوف من أسفل العربة يفرد جسده الفارغ. شاكراً زهور ليسمع لأحد يتحدث بالقرب منهم. لتسرع زهور بالذهاب تجاه الصوت وتشير له على مكان مكب النفايات ليسرع بالخروج منه. زهور تلتف للخلف تتأكد من خروجه، تقف مكانها تحمد الله بأن يكمل باقي خطة خروجهم على أكمل وجه. ترسم على وجهها الابتسامة وهي ترى أمامها إحدى زميلاتها تعرفت عليها منذ أيام برفقة إلينا.

تتلفت للخلف بتوتر بعد تأخرها بالوقوف مع الفتاة التي لا تنتهي أسئلتها، لتستأذن منها أخيراً بعد دخول أحد العاملين منادياً على الأخرى. تهرول زهور تجاه غرفة تبديل الملابس وتبدل ملابسها وتخرج ما بها وتضعه في حقيبتها. لتنتهي من لف حجابها بفوضوية، تخرج من الغرفة للباب الخارجي وهي تهرول. تصطدم بزميلاتها وتشير بيدها وتتأسف لهم، حتى خرجت من الباب المخصص للعاملين وتسرع بالجري تجاه مكب النفايات.

تبحث بعينها حولها لتشعر بالإحباط وهي لا تراه بالمكان. تقترب من المكان أكثر تنادي عليه بهمس لتصرخ بهلع وسط شعورها بأحد يحدثها من خلفها. تلتف ببطء وجسدها ينتفض، لتلين ملامحها وتسترخي في وقفتها وهي ترى من يحدثها. تضع يدها على صدرها تلتقط أنفاسها. عبد الرؤوف: "ليش تأخرتي؟ نتطرتك بالمكان اللي جلتيه عليه بس رائحته كريهة ما جدرت أتحمل." ليستمعوا إلى صوت أحد يقترب منهم. ليجذبها رؤوف ويسرع بالاختباء خلف إحدى العربات.

ينظر تجاه الصوت، يرى شابين. فور أن رآهم أخفض رأسه وارتد للخلف. يسيرون وهم يثنون أقدامهم مع تزايد اقتراب أصوات الأشخاص منهم. الشخص الأول: "مالهمش أي أثر هنا، أنت متأكد من إنك شفت البنت وهي بتخرج من الباب ده؟ الشخص الآخر: "والله ريتها. ويذوب جيت أخبرك وهي كانت واقفة تدور حول روحها عند مكب النفايات. وداحين هسه سامع صوت صياح. لانتظر انتظر." سامع! التفت إلى الخلف وهم يستمعون إلى صوت همس وحركة غير طبيعية قرب مكب النفايات.

ليسارعوا ناحية الصوت. أشار أحدهما للآخر بإصبعه أن لا يصدر صوت. وهم يجدون شخص يقف أسفل مخرج النفايات يشير إلى أحد ما يقف به. يلتقط ما يقذفه الآخر له ويفتح ما التقطه بلهفة وسعادة ويغلقه مرة أخرى. ليشير مرة أخرى لمن بالداخل. يرفع إبهامه ويحمل ما بيده ويبتعد. ليصدح رنات هاتف تخرج من ذاك الحمل الذي يحمله بين يديه وهو يبتعد من أمامهم بما بحمله وهم يعلمونها جيداً. ليسرعوا تجاهه. ليشعر بهم، يلتف بإيماءة بسيطة.

يرى أحد يهرول تجاهه. ليسارع بخطواته ثم يطلق لقدميه العنان يجري بأقصى سرعة وهم خلفه. حتى نجحوا في لقطه بعد أن انقطعت أنفاسهم من الجري خلفه. عبد الرؤوف وزهور رأوا ما حدث، ينظران إلى بعضهما باستغراب دون أن يتحدثا بكلمة واحدة. ليعتدل عبد الرؤوف وهو يرى عربة أجرة تقترب من المكان. دون تردد أشار للسائق أن يتوقف، لتتوقف العربة. ويلتف عبد الرؤوف إلى زهور التي لازالت كما هي عينها مثبتة تجاه ذلك الشخص الذي كان يقف عند المكب.

عبد الرؤوف خطى إليها يناديها وهي على حالتها تنظر تجاه المكان الذي يجري أمامهم هؤلاء الأشخاص الثلاثة. ليقترب منها ويضع يده على كتفها. لتنتفض زهور وتطلق صرخة ضعيفة وهي تلتف. لتتنهد براحة، تضع يدها على صدرها. وقبل أن تنطق بكلمة، التقط يدها يجذبها تجاه العربة وهو يحدثها بصوت هامس. يجلسها بالعربة من الخلف ويصعد جوار السائق، يشير له بالابتعاد عن المكان. السائق يحدثه: "على فين يا بيه؟

عبد الرؤوف في حيرة من أمره، لا يعلم ماذا يخبره. لتنطق زهور: "وديها السفارة السعودية يا أسطى." عبد الرؤوف: يلتف لها يسألها بعينيه: "لماذا فعلت هذا؟ يشير لها بعينه ويهز رأسه بلا. ليحدث السائق بهدوء: "اطلع يا أسطى على الحسين." السائق: "الحسين؟ عبد الرؤوف: يهز رأسه بنعم. يغلق زجاج السيارة ويضع يده على وجهه يخفي ملامحه طوال الطريق. حتى وصلا إلى منطقة الحسين. ترجل من العربة وزهور كذلك.

أعطى رؤوف الأجرة للسائق والتف لزهور التي تنظر له باستغراب على حالة الهدوء التي عليها. زهور تخطو خلفه مهرولة تحدثه بعصبية. زهور: "ممكن تفهمني إيه الهدوء ده اللي إنت فيه؟ وليه ما رحتش سفارة بلدك تطلب إنهم يحموك؟ رؤوف: ينظر

لها ويحدثها بنفس بروده: "أولاً تخفضي صوتك وإنتي تتحدثي، إنتي بنية وعيب وحرام صوتك يعلو في الشارع. ثانياً قبل ما نوصل للسفارة هكون حاجة من الاثنين، يا مقتول يا مخطوف، لأن اللي عمل هذه العملة خابر زين إني أول شيء هعمله هو الذهاب للسفارة أطلب منها الحماية. ثالثاً ما كان بدي تتورطين معي بهذه الطريقة، بعتذر لك على ما حدث. للأسف من فعل بي ذلك لابد أن يكون علم بمساعدتك لي وأنك فككت الوثاق وأيضاً ساعدتيني بالهروب وسوف ينتقموا منك لأنك أهدرتي عليهم مبالغ طائلة بتسليمي لعدو لي."

زهور: "أنا مش فاهمة أي حاجة. ولما إنت عارف إن ليك عدو هيعمل فيك كده ليه سكت؟ وكمان مش عاجب الحسين اللي قلت عليه؟ رؤوف: "لأن الحسين ده أكتر مكان أعرفه بمصر و... ليصمت فجأة. يلتف لزهور ممسكاً بيدها يجذبها ويخطو بها داخل أحد المحلات. يحدثها بهدوء حتى لا يلفت انتباه أحد لهم. "راح عن بالي إنه أول مكان هيدوروا عليا فيه هو الحسين." زهور: برجفة وهي ترى اقتراب أحد الأشخاص الذي رأيته قبل ذلك في الفندق.

لتبتسم بسعادة وهي ترى جنازة تمر بالقرب من المكان. لتشير لعبد الرؤوف ويخرجا من المحل. يمشون بجانب المعزين. يلتف عبد الرؤوف ينظر هل يتابعهم أحد. ليبتعد عن موكب العزاء. يشير لسيارة أجرة مرة ويصعد بها وبجوارها زهور. زهور: "على محطة رمسيس يا أسطى." عبد الرؤوف: يلتف للخلف يرى هل يتابعه أحد أم استطاعوا أن يهربوا ممن يراقبونهم. بعد نصف ساعة أو أكثر وصلا إلى المحطة. تهرول زهور بسرعة غير عابئة بذلك الذي يحدثها.

حتى وقفت بالقرب من أحد منافذ بيع التذاكر. تلتقط أنفاسها. رؤوف مد يده من يدها يحدثها بعصبية. عبد الرؤوف: "تجري تجري وتسحباني كيف الخروف؟ ولا تجيبي عليا وين بدك نروح؟ زهور: صدرها يعلو ويهبط تتحدث بصعوبة: "بما إني وإنت بمركب واحد والخطر علينا إحنا الاتنين. فمش هقدر أرجع بلدي لأنهم ممكن يؤذوني أو يؤذوا أي حد قريب مني. فما في غير نختفي لفترة في مكان محدش يقدر يوصلنا فيه. وبعدين إنت إزاي تتعصب عليا بالشكل ده؟

مش كفاية الورطة السودة اللي ورطتني فيها معاك." عبد الرؤوف: ينظر لها بانبهار، كيف لفتاة بتلك الحجم والطول بالنسبة له طفلة في الثانية عشر من عمرها أن تحدقه بتلك الحدة. وأيضاً تشير له بالصمت كلما تحدث. عبد الرؤوف: قلت لك جبل سابق صوت ما يعلو، وأنتي بناية، وقبل هيك حرام تفهم.

زهور: بص يا أخ، أنا ممكن أسيبك وأروح بيتنا، ولا يمكن حد يقدر يأذيني في الحتة اللي ساكنة فيها، لأنهم ولاد بلد، واللي يحاول يأذي حد منهم هيقطعوه بسنانهم. أنا بس اللي مش عاوزة مشاكل. قالوا وقلنا. وكمان بتقول هيدبحوك. فمن سكات كده تمشي معايا، هوديك مكان محدش يعرفه تقعد فيه كام يوم. لحد ما تدبر أمورك. وأنا هرجع لبيتي وحتتي طوالي.

وكل كام يوم هخطف نفسي وأزورك وأجبلك اللي في النصيب. ما رضيت، ولا نفضتها سيرة وتروح لحال سبيلك. وأنا هيكون ضميري مرتاح. عبد الرؤوف: بالله هيكون ضميرك مرتاح وأنتي بتتخلي عني وخبرة إني بخطر. زهور: تستغفر ربها. بص، أعم، هقولك إيه. أنا واحدة خلقي ضيق. هتمشي معايا من سكات. أوديك للمكان والحق، أرد لبيتنا. عبد الرؤوف: يشير بيده. تفضلي سوي ما بدك، بس. أنا لا يمكن أتسبب لك في أي خطر.

زهور: ترحل من أمامه بغضب دون أن تتحدث له. تخطو تجاة مخرج المحطة دون أن تلتفت له، لتتوقف مرة واحدة، تضع يدها على سياج الحديد بجوارها، لتسحب نفس قوي، وتلتف مرة واحدة، وتعاود ادراجها، وتتجه ناحية الواقف ينظر في آثارها. زهور: دون أن تتحدث إليه، أشارت له بالصمت، وتوجهت إلى نافذة بيع التذاكر. زهور: تذكرتين طنطا لو سمحت.

لتحصل على التذاكر وتعود للواقف مكانه، تشير بيدها له بأن يتبعها، حتى وصلت لمكان القطار المزدحم وصاعدة إليه، وهو خلفها يبتسم على طريقتها بالتعامل معه.

زهور: تبحث بعينها عن مكان فارغ للجلوس به، حتى وجدت. تلتفت له وأشارت إليه مرة أخرى باتباعها، لتجلس على أحد المقاعد، وهو جوارها. بعد قليل رحل القطار. يتوقف كل الحين والآخر، والجالس جوارها يتأفف من كثرة التوقف ونزول وهبوط الركاب وهؤلاء الباعة الجائلين. كلما هب يعترض، تنظر له بامتعاض وتبعد نظرها عنه. عبد الرؤوف: زهقتني والله. إيش هذا؟ والله لو طفل صغير مع مامته معاقب ما هيكون مثل ما تعاقب. إيش سويت لكل هذا؟

زهور: كما هي، تشير له بالصمت دون أن تتحدث. عبد الرؤوف: ينفخ بضيق. إيش هذا يا ربي. حسبي الله على الظالم. ويش سويت لهاي المجنونة. والله. مجنونة، هاي الصغيرة مجنونة. ليصمت باقي الطريق وهو يعقد يديه، ينظر تجاهها بين الحين والآخر بطرف عينه، وهي على نفس هيئتها تنظر تجاه النافذة، ولا تلتفت تجاهه. زهور تجلس شاردة، تحدث نفسها: هو أنتي ليه رجعت ليه تاني؟

مكنتي مشيتي وخلاص. واحد لا تعرفيه ولا تعرفي وراه إيه. مش يمكن عامل مصيبة. إيه اللي رجعك مرة تانية؟ ولا بتهربي من اللي حصلك واللي عرفتيه؟ ليه تعرضي نفسك للخطر مع واحد متعرفوهوش؟ وكمان ما انتيش عارفة اللي وراه؟ هم. كام مرة بعتلك شكر في ورقة، تقومي تهربية؟ وكمان. رايحة معاه برجليكي. مش كفاية اللي انتي فيه وعرفتي. وأبوكي اللي عرفتي حكايتك وحكايته. لتكمل حديثها: أمكن بهرب من نفسي من شوقي.

لحضن أبويا. لاحتياجي لضمته واللهفة لحضنه. محتاجة لأب يلمس على ظهري. بحنانه. ولا بتهربي. من نفسك من سنين عذاب وقهر وكل يوم بتلعني فيه. وتتهميه بأشد الاتهامات. ولا هربتي خايفة تتصدمي بحاجة تانية. وسلسبيل تظهر. وخايفة توجهيها. بتهربي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...