أحلام كادت تجن، تواصل الليل بالنهار، جالسة على الأريكة تنظر من النافذة على الطريق في كل الاتجاهات. مر يومان على سفر سلسبيل وهي على تلك الحالة، تدعو الله أن يحفظها وترجع عما قريب لمنزلهم. بكت الصغيرة جوعًا، لتقف أحلام متوجهة إلى المطبخ لإعداد الرضعة. أحلام: باس باس يا زوزو، بس يا حبيبة سِتّك، باس. هثواني وهعملك الرضعة أهو.
لتمسك علبة اللبن من يدها لتسقط منها العلبة على الأرض، تزامناً مع سماعها دقات على باب المنزل، لتقف بصدمة تنظر إلى العلبة ومحتوياتها على الأرض، والصغيرة التي تصرخ بلا توقف مع تزايد الدقات على الباب. لتسرع بخطاها تجاه الباب فرحة، تفتحه دون معرفة الطارق. أحلام: سلسبيل، انتي جيتي يا حبيبتي، حمد الله على الس...
لتبتر كلماتها وهي ترى من يقف أمامها وعلى وجهه ابتسامة ملء فاه. ليدوب الرعب أوصالها وهي ترى نظرات عينيه عليها تفترسها. تحاول أن تستجمع قوتها الواهية وتحدثت بشجاعة مزيفة. أحلام: أفندم، جاي ليه الساعة دي يا عمدة؟ شفيق:
قولي شفيق يا أحلام، قوليها زي زمان، قوليها بصوتك، خليني أسمعها بوداني بصوتك، قوليها خالي قلبي يرفرف من الفرحة وهي بتخرج من بين شفايفك اللي يجننوا دول. قوليها، أنا مشتاق قوي ليها، ليالي طويلة وأنا بحلم باللحظة اللي هترجعي وأكحل عيوني بشفتك ووداني بصوتك، والنار اللي بقلبي بحضنك.
أحلام تنظر للمارة من الفلاحين الذين ينظرون لوقوف العمدة خارج المنزل بخوف، لتمسك طرف الباب وشرعت في غلق الباب مستغلة نظر شفيق المثبت على وجهها منتظراً ردها، لتتحدث وهي تغلق الباب. أحلام: بعد إذنك يا عمدة، الناس رايحة وجاية تتنأوز علينا، وأظن أنت يهمك مصلحتي وتخاف على سمعتي. لتغلق الباب بغتة.
شفيق مصدوم مما فعلت، ليقف لثانية، التف للخلف وجد كثيراً من الفلاحين يمرون تجاه أراضيهم، ليحمحم حرجا من نظراتهم، ليقترب من الباب يتحدث بصوت هامس. شفيق: كده يا حبيبتي تحرجيني بالشكل المهين ده قدام الفلاحين اللي ما هيصدقوا لقوا جنازة وهيشبعوا فيها رغي. أحلام: عمايلك دي هي اللي هتخلي الناس تتكلم، ياريت ما تجيش هنا من تاني، أنا ما عاوزة حد يكلم عليا بالعاطل، كفاية زمان. شفيق:
في إيدك تقطعي كلام الناس، ووافقي على جوازنا اللي رفضتيه زمان وهربتي مني بعد ما وعدتني إننا هنجوز. أحلام: أنا ما وعدتكش بحاجة. شفيق بغضب:
لا وعدتني وقلتي هتفكري وتردي عليا، وعشمتني بالموافقة، واستغليتي انشغالي بموت أبويا وسميحة بيوم واحد في حريق الدوار القديم وهربتي انتي وأمك، بدل ما كنتي تواسيني هربتي وحطمتي قلبي، خلّتني عايش من غير قلب. اتغيرت مليون في المية، بقيت واحد تاني، خلتني مني الصافي بجبروته وظلمه ودنوته، خلتني شهواني بشتهيك في كل بنت أشوفها. بس خلاص، إنتي رجعتي ولازم تعوضيني على سنين حرماني، وإلا زمان ما خدتهوش هاخده دلوقتي برضاكي أو غصب عنك، بس أنصحك خليه برضاكي وانتي مراتي، بلاش تجربي الغصب.
أحلام برعب: حاولت أرفع صوتها. معتش ينفع يا ع... لتصمت تنظم أنفاسها. أحلام: خلاص يا عمدة، معتش ينفع لا بالرضا ولا بالغصب، أنا متجوزة وجوزي كام يوم وجاي من السفر. شفيق يضرب الباب بعنف: هقتله قبل ما رجليه تعتب باب بيتك، فاهمة؟ انتي ليا وبس، مش بعد ما لقيتك أسيبك تضيعي من بين إيديا. أنا همشي، بس وحياتك عندي لتجي لحد عندي وتقولي أنا ليك، أعمل اللي انت عاوزة.
رحل شفيق، وجلست أحلام على الأرض بعد ما خانتها قدمها من شدة خوفها، لتبكي بقهر. ل تنهض بصعوبة، لتسقط مكانها، ظلت لثوان تلتقط أنفاسها، واستجمعت قواها ونهضت تجاه الصغيرة بخطوات مهرولة تجاه الصغيرة التي لم تتوقف عن البكاء، تحملها وتضمها لصدرها، وأسرعت تجاه المطبخ وهي تحملها، لتقف بحزن وهي تتذكر إسقاط علبة اللبن على الأرض ولا يوجد بديل.
لتعد لها، تطفئ الغاز بعد جفاف الإناء، وتوجهت لغرفة نومها، وضعت الصغيرة على الفراش، وأبدلت ملابسها، وفتحت حقيبتها وأخذت المال المتبقي معها، وحملت الصغيرة وأخذت مفتاح المنزل، وخرجت سريعا متوجهة إلى داخل القرية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!