الفصل 58 | من 87 فصل

رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الثامن والخمسون 58 - بقلم منى عبدالعزيز

المشاهدات
16
كلمة
3,161
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 67%
حجم الخط: 18

جالسة بمكتبها تراجع الأبحاث التي كلفت بها طلابها. عملت لتقف عند بحث تراجعه بدقة. ابتسمت وأشادت بمقدمة، ثم قلبت بصفحاته حتى وقع نظرها على اسم مقدمه. هبت واقفة بزهول وهي تقرأ الاسم. لتقف على اسم الأب. نظرت له وتحدثت نفسها: "معقول أن يوجد تشابه باسم الأب بتلك الدرجة. لابد التأكد من ذلك." أخرجت هاتفها. "حبيبة... الو الو حسن." "حسن: عيونه." "حبيبة بلهفة: في حاجة عايزة أسألك عنها."

"حسن: حبيبتي اسألي ولو مليون سؤال. أنا تحت أمرك، بس ترضي عليا وتوافقي نرجع لبعض من تاني." "حبيبة: حسن مش وقته خالص كلامك. ونرجع لبعض إزاي واحنا عايشين في بيت واحد." "حسن: فعلاً في بيت واحد، بإمارة شهرين بتنامي مع الولاد وسيباني لوحدي. تعالي هنا قوليلي إيه هو السؤال المهم اللي يخليكي تتصلي وقت المحاضرات ده. أكيد معجزة."

"حبيبة: ولا معجزة ولا حاجة. المحاضرة انتهت من ربع ساعة. خلينا في المهم. زياد صاحبك اسمه إيه بالكامل." "حسن: حبيبتي هو في إيه بالظبط؟ إيه اللي فكرك بزياد." "حبيبة: قول يا حسن اسمه إيه وبنته اسمها إيه." "حسن: هب واقفاً من مكانه. حبيبة إيه اللي خلاكي تفتكري زياد واسم بنته دلوقتي. فهميني أنا بدأت أقلق." "حبيبة: قول يا حسن الاسم وهفهمك كل حاجة." "حسن: زهروان زياد عبدالرحيم الغمراوي." "حبيبة بصدمة: حسن حسن هي...

يا حسن هي." "حسن: هي إيه." "حبيبة: هنا عندي طالبة اسمها زهروان زياد عبدالرحيم في الدفعة التانية." "حسن بصوت مهتز: بتقولي إيه؟ انتي متأكدة؟ طيب قولي الاسم مرة تانية. حاسس مسمعتش كويس." "حبيبة: زهروان زياد." "حسن: هي هي هي بنت زياد يا حبيبة. أنا أنا جايلك حالا. لو البنت عندك، ياريت تحاولي بأي شكل تتأكدي إنها ما خرجتش من الجامعة." "حبيبة: حاضر. هروح ليها المدرج بنفسي أنادي عليها. بس ياريت ألاقيها، ما تكونش مشيت."

"حسن: يارب تلقيها. وخليكي معايا على اتصال. وحاولي تعطليها لحد ما أوصل. مسافة السكة وهكون عندك." "حبيبة: حاضر حاضر. حسن اهدا وسوق على مهلك. متوترش نفسك." "حسن: متقلقيش. أهم حاجة البنت." ليسارع بفتح أحد الأدراج ويخرج منه ظرف وصندوق من الخشب المزخرف ويخطو خارج مكتبه. "حبيبة: متقلقش. أنا هصرف وهتلاقيها في المكتب." "حسن: خليني معاكي على التليفون. أنا متوتر. معقولة بعد السنين دي كلها... أقبل بنت زياد."

"حبيبة: لازم نتأكد في الأول. ممكن يكون تشابه أسماء." "حسن: إن شاء الله هي. خالة زياد الله يرحمهم اسمها زهروان. والاسم نادر. أنا عملت سيرش عليه كذا مرة. قليل اللي أسمائهم بالاسم ده. أنا خلاص خرجت من المستشفى. مش هتأخر عليكي. حاولي على قد ما تقدري تتكلمي معاها وتعرفي منها أي معلومة تتأكدي منها إنها فعلاً بنت زياد على ما أوصل." "حبيبة: متقلقش. أنا هصرف. بس بلاش التوتر ده."

"حسن: مش مصدق نفسي. معقولة بعد السنين دي كلها أخيراً هوفي بوعدي لزياد." "حبيبة: حسن أنا هقفل دلوقتي وأروح أشوف البنت وأتأكد هي لسه بالكلية ولا مشيت." أغلق حسن الهاتف ليجهش بالبكاء. ينظر إلى صورة صغيرة موضوعة على تابلوه السيارة. ليجفف دموعه أثناء وقوفه عند إشارة المرور. التف لينظر إلى المظروف والعلبة الخزفية بجوارها. تنهد بحزن شديد. عاد بذكرته.

لتسع عشر سنة. يتذكر تلك السنوات الذي بحث فيها عن سلسبيل وزهروان. وكم عانى بالبحث عنهما طوال تلك السنوات. حسن كعادته يومياً يذهب إلى الحارة. حتى بات معروفاً من سكانها. يسأل جارهم عنهم ويطلب منه للمرة التي لا يعرف عددها أن يخبره فور وصولها للمنزل أو علمه بمكانها. لتمر الأيام ويتصل به المحامي الخاص بزياد ويطلب مقابلته في أسرع وقت.

ليذهب حسن إليه في العنوان الذي أخبره به. يجد والد زياد وإخوته ووالدته وأبناء العائلة وزوجات إخواته. ومعهم نهال الذي نظر لها نظرة تكاد تحرقها. وجلس بعد أن انحنى وقبّل رأس زهور أم زياد. الذي بكت فور وقوع عينها على حسن وهو يلقي السلام. "المحامي: دكتور حسن اتفضل اقعد. في كلام مهم هقوله حالا من غير مقدمات. ياريت في الأول نقرأ الفاتحة على روح المرحوم زياد." بعد الانتهاء، اعتدل المحامي بجلسته.

"المحامي: المرحوم زياد جالي يوم وفاته وكتب وصية. وطلب مني أبلغكم بيها. وكمان عطاني أوراق أوصلها لكل واحد موجود هنا. هنبدأ بالأولاد الصغيرين. عمكم زياد عطاني جوابات خاصة بكل واحد فيكم. نادي على الأسماء: حمزة وزاهر وزين. وأعطى كل واحد فيهم خطاب كتبه لهم." "المحامي: الست زهور اتفضلي الظرف ده خاص بيكي." أعطى المحامي كل الموجودين أظرفاً معاد زوجات أشقائه ونهال الذي تجلس وعيونها على الجميع.

"المحامي: هبدأ بقراءة الوصية. وياريت محدش يقاطعني للنهاية." "بسم الله الرحمن الرحيم." "أنا زياد عبد الرحيم وبكامل قواي العقلية والبدنية أوكلت الأستاذ محمود السيد المحامي الخاص بيا بقراءة تلك الوصية وتنفيذ بنودها وتوصيل مجموعة من الخطابات إلى عائلتي وصديقي حسن."

"أولاً: أحب أوضح شيء مهم جداً. أنا طلبت من الأستاذ محمود يكون الاجتماع ده في مكتبي في الفندق عشان صحبي حسن يوافق يجي. وأن كل كلمة لازم تتنفذ. والأستاذ محمود هو اللي هيكون مسؤول عن تنفيذها." "ثانياً: أنا كتبت الفندق والأراضي والفلوس اللي في البنك حولتهم لودائع باسم زهروان. الـ ورثته من ماما زهروان بأسم بنتي زهروان زياد عبد الرحيم وزوجتي سلسبيل أحمد المحمدي بنتي." ليسود الهرج بالمكان. وخبط المحامي على المكتب.

"المحامي: لو سمحتوا ياريت نسكت ونسمع الباقي، وبعدين اتكلموا براحتكم."

"ثالثاً: الشقة اللي كنت عايش فيها وورثتها منها باسم ماما زهور. عارف قد إيه حبك لماما زهروان وقد إيه ليكم ذكريات بالشقة مع بعض. فحبيت تكون الشقة ليكي. انتي أحق حد بيها. بس طلب صغير. ياريت تحتفظي بالحاجات الخاصة بيا وب سلسبيل وتديها لبنتي بإيدك لما تكبر. اللي عارف قد إيه انتي حزينة عليا وزعلانة مني في نفس الوقت إني غيرت اسم البنت من زهرة وزهور لـ زهروان. بس مش عايزك تزعلي. أنا متفق مع سلسبيل تنادي عليها بالاسمين. وخصوصاً زهور."

"دلوقتي إخواتي زيدان وزايد وزينب وزينة." "عارف إنكم كنتم زعلانين إن خالتكم حرمتكم من الورث. وخصوصاً القرية السياحية اللي صممها زيدان وزايد. أنا كتبتها باسمهم هم الأربعة بالتساوي في الأرباح. والشرط الوحيد إن اسمها ما يتغيرش."

"زوجات إخواتي آيات. انتي كنتي بتخافي تبصي ليا وإنتي حامل لحد ما الولاد يجي زيي. وقد إيه كنتي بتحاولي ما تظهريش ده. بس كنت بحس بيه. وعشان انتي مجرحتنيش بالكلام بس حركاتك كانت مفهومة. كتبت ليكي الحضانه باسمك. ونفس الشرط ممنوع تغيري اسمها." "أمال. طول عمري بشفق عليكي. ونظرة عينيكي الحزينة. عارف اللي بتعاني منه. وطيبة قلبك. كتبت ليكي مشاتل الورود اللي قريبة من الفندق. ونفس الشرط ممنوع تغير الاسم."

"نيجي لحسن. صحبي. تؤم روحي. أخويا الجدع وصديقي الأوحد." "حسن عارف مقدار حزنك على فراقي. وإنك قد المسؤولية اللي كلفتك بيها. وإنك هتحافظ عليها."

"عيش يا صحبي وحب واتحب. سيب نفسك وبلاش الأفكار اللي في دماغك. وأنا بحلك من أي وعد وعدته وأخذته على نفسك. مش هطول عليك. الظرف اللي مع الأستاذ محمود المحامي هتعرف منه كل اللي عايز أقولهولك. صاحبي أنا عارف قد إيه هتزعل من اللي هقوله وهترفضه. بس دي وصيتي ليك. أنا كتبت ليك نصيبي بالمستشفى. بيع وشراء. انت حر فيها."

"حسن بلاش تتعصب وتغلط. وافق من غير ولا كلمة. أنا استأمنتك على مراتي. المستشفى ولا تسوى حاجة جنب اللي عملته زمان واللي هتعمله." "بابا. طول عمرك بتعاملني بقسوة. ونفس الوقت بحس بخوفك عليا. أول مرة أشوف قسوتك فعلاً يوم ما طلبت أطلق مراتي عشان تجوزني واحدة تانية. أنا مكتبتش حاجة ليك. بس في رسالة مهمة. ياريت تقرأ كل اللي فيها وتنفذ." "أخيراً نهال."

"عارف إنك بتكرهيني وكنتي بتتقرفي مني من وإحنا صغيرين. طلبتي تغيري مدرستك عشان ما تكونيش معايا في نفس المدرسة. كنتي بتتحرجي تقولي إن ابن عمك لو اتقابلنا صدفة في أي مكان. وإنك وافقتي إنك تجوزيني بعد بابا وعمي ما وعدوكي بحاجة مهمة. وعارف قد إيه عينك على ورث خالتي كله. ليكي وخصوصاً الفندق. بس أحب أقولك كل ما أملك باسم بنتي. والفندق بالذات." ليعود من ذكرياته يجفف دموعه.

"أنت يا حضرت الإشارة فتحت من بدري وحضرتك ولا هنا، مش سامع كلاكسات العربيات وراك ولا شتيمة الناس." "أسف، ماخدتش بالي." انطلق حسن بسيارته سريعا، وصل أمام الجامعة، أخذ المظروف والعلبة وترجل من السيارة متوجهاً إلى مكتب زوجته حبيبة، رفيقته في البحث عن ابنة صديقه. أغلقت حبيبة الهاتف مع زوجها وقامت من مكانها متوجهة إلى قاعة المحاضرات، تفكر كيف تقوم بإحضار زهروان إلى مكتبها لحين وصول زوجها.

دخلت قاعة المحاضرات لتنظر للطلبة، تبحث عن زهور بعينها، حتى وقع بصرها، لتنادي على أحد العاملين وطلبت منه أن يطلب من الطالبة زهروان الحضور لمكتبها لمناقشة البحث والتصميم الذي قدمته لوجود أجزاء تحتاج توضيح. عادت بعد قليل لمكتبها لتقف مصدومة مما رأت، حسن زوجها يقف بمنتصف المكتب، لتطلق تضحكة وتشير بيدها: "ههه، إيه الـ انت عامله في نفسك ده." حسن باستغراب ينظر إلى نفسه: "بتضحكي على إيه وهو إيه الـ أنا عامله."

حبيبة: "حسن مش معقولة، انت مش واخد بالك إنك لابس البلطو الأبيض؟ ههههه، معقولة مشيت كده في الشارع ودخلت الجامعة ومشيت إزاي لهنا بين الطلبة." حسن: ينظر لنفسه، يبتسم لها: "والله مركزتش نهائي، أنا عقلي راح من أول ما سمعت بالاسم، معقولة أنا طول السنين اللي فاتت بدور عليها في كل مكان وفجأة تظهر كده قدامي كده من غير ما أفكر ولا جه في بالي إننا نلاقيها بعد العمر ده هنا بالكلية."

حبيبة: "قول الحمد لله، وبعدين دي ترتيبات القدر، ربنا قادر على كل شيء." حسن: "ونعم بالله." صمتوا عند سماعهم طرقات هادئة على باب المكتب. حبيبة: "أكيد دي زهروان، اقلع البلطوا وجيبه هنا جنبي." "بلاش البنت تاخد فكرة مش الـ هي عنك." حسن وهو يعطيها البلطوا: "فكرة مش ولابد، مجنون أنا مثلاً ولا إيه." حبيبة: "اتفضل، ادخل." دخلت من الباب، ألقت السلام. زهور: "السلام عليكم ورحمة الله، حضرتك طلبتني يا دكتورة."

حبيبة: "عليكم السلام، اتفضلي يا زهروان." زهور: "زهور، أفضل، زهروان ده بسجلات الحكومة فقط." حسن بعيون تكاد تخرج من مكانها، يكاد يهب واقفاً، يضمها إليه، قلبه يدق بسرعة، رعشة قوية انتابته، أغمض عينيه، يسترجع ذكرته، يجمع شتات نفسه، كيف يعقل تلك الملامح تحمل ملامح والديها، ينظر لها يتفحصها. حسن: "نفس حواجب زياد ولون عينيها غريب شوية، بقها ومناخيرها سلسبيل." زهور: تحدث نفسها: "إيه الوقاحة دي؟ هو بيبص فيا جامد كده ليه؟

قلة ذوق وأدب، الأخلاق انعدمت." حسن غير قادر على تمالك نفسه، فقد كل درجات التعقل، باغت زهور بأسئلته. حسن بابتسامة على وجهه من فرط السعادة: "وأخيراً هأوفي بوعدي لصديقي وأوصل أمانته، اسمك زهروان صح؟ كنتي فين السنين اللي فاتت دي كلها وساكنة فين دلوقتي ووالدتك فين؟ رجعتوا هنا من امتى وكنتم فين؟ زهور باستغراب من ذالك الشخص وتلك النظرات المتفحصة والأسئلة الغريبة الذي يطرحها عليها. "نعم، وده علاقته إيه بالتصميم؟

حسن: "جاوبي لو سمحتي على الأسئلة،" قالها وهو يقف يقترب منها بطوله الفارع. زهور ارتدت للخلف بغضب من اقتراب ذالك المتطفل، التفتت إلى حبيبة. "دكتورة لو سمحتي، حضرتك طلبتني بمكتبك عشان نناقش التصميم ولا جايبالي شخص معرفهوش شغال تحقيق في موضوعات خاصة." حسن: "سبحان الله، نفس عصبيته ونفس الاندفاع بالكلام والعيون اللي بتقلب مع العصبية، بس الشكل شكل سلسبيل."

زهور: "استغفر الله، لولا حضرتك كبير واكيد الدكتورة حبيبة تعرف حضرتك كان ليا كلام تاني معاك." حبيبة: "ممكن بقى نهداء وتتعرفوا الأول وبعدين كل واحد فيكم يحكي اللي عنده." زهور: "حضرتك طالباني عشان نناقش التصميم ولا...

حبيبة مقاطعة: "زهروان اتفضلي ارتاحي في الأول وهتفهمي كل حاجة بالظبط، أعرفك الدكتور حسن محمود زوجي، وقبل أي كلام، وبدون مقدمات كتير وكلام ملوش أهمية، الدكتور حسن هيكلمك في موضوع مهم لازم تعرفيه، وكمان في أمانة ليكي عنده سنين، دور عليكي يمكن أكتر من ثمنتاشر سنة عشان يوصلهالك." زهور: نظرت إلى الجالس ينظر لها ويبتسم: "ممكن أفهم إيه الأمانة دي وحضرته يعرفني منين."

حسن: "بسرعة، ياه، أنا أعرفك من سنين طويلة، يعنى نقول أعرفك من لحظة ولادتك، يعني بمعنى أنتِ مولودة على إيدي وأنا أول واحد شافك وشالك." زهور: بسخرية وزهول من رده: "ياه، ومالك بتقولها وأنت فرحان أوي كده وبتقولها بفخر أوي كده؟ لتشير لحبيبة: "هو ده الموضوع المهم؟! حسن: "أنا أول واحد شفتك وشيلتك على إيديا دول." زهور: "الله ما طولك يا روح، بتهزر حضرتك ولا إيه؟ " تصفق

بيديها وتتهكم بالحديث: "بتقول الكلام ده على أي أساس، بتكرمني مثلاً ولا بتعرفني بإنجازاتك المهمة إني اتولدت على إيدك؟ تحب أقولك متشكرين على الإنجاز ده ولا تحب أنزلك شكر على التلفيزيون." حسن: "ههههه، نفس ردوده وعصبيته." زهور: "كده كتير، دكتورة بعد إذن حضرتك ياريت تفهميني إيه اللي بيحصل؟ حسن: "أنا هفهمك. الموضوع وما فيه... " ليقف مقترب منها، ينزل بمستواها،

عيناه ممتلئة بالدموع: "زهروان، أنا مش عارف أكلم ومش عارف أنا بقول إيه، بس كل اللي حاسس بيه إني على قد قلبي ما هو فرحان إني أخيراً وصلت ليكي وهأوفي بوعدي لصديقي، على قد وجعه على فراقه." زهور قلبها يدق بشدة، تشعر بارتجاف في أوصالها، لا تفهم أي كلمة من كلماته، تلتف تنظر لحبيبة ثم لحسن مرة أخرى. حسن: "أنا بكون صديق والدك وليكي أمانة عندي، أنتِ ووالدتك، وأمانة سلسبيل لازم أسلمها بنفسي ليها."

لتهب واقفة رغم رجفة قلبها ومطالبة بالإنصات له ومعرفة أي شيء على ذلك الاسم الذي اقترن باسمها طوال عمرها، إلا أنها تحاملت، كرامتها وعزة نفسها انتصرت على أمنية قلبها، لتتحدث بعصبية تخفي خلفها ضعفها: "أبويا مين وأمانة إيه؟

أولاً مش عايزة أعرف الأمانة اللي وصاك بيها الإنسان اللي رماني واتخلّى عني، والست سلسبيل دي أنا معرفش مكانها ولا عمري شفتها. آه، أنت ممكن تسأل عليها في فندق زهروان المعادي، هي مشهورة هناك. ألف من يدلك عليها." حسن: "يا بنتي أبوكي... زهور مقاطعة: "أنا ماليش أب معرفوش، عمري ما شفته ولا أحب أشوفه،"

لتكمل: "الاب اللي يخلف ويرمي بنته وما يحاولش إنه يشوفها ولا مرة طوال السنين اللي فاتت، يبقى ما يلزمنيش ولا يشرفني اقتراني بيه. وآه، واسم الست دي مش بحب أسمعه." حسن سقط على الكرسي ينظر لها بذهول من كلماتها، هيتجنن، كيف تنعت صديقه بتلك التهم البشعة، وهو مات حزناً على بعدها هي ووالدتها عنه، ليغمض عينه، عبراته تتساقط، ينظر لزهروان التي شحب وجهها قليلاً لرؤيتها له على هذا الوضع.

حسن وهو ينظر لها باستنكار: "بلاش تقولي كلام هتندمي عليه، كل كلمة قلتيها مش صحيحة في حق زياد." زهور بعصبية: "ماهو لازم تدافع عنه، هو مش صاحبك." حبيبة: "استنى، يتحسن، إهدي بس، وأنتِ يا زهور ممكن لو سمحتي تهدي؟ في حاجات غايبة عنك لازم تعرفيها، بس لا المكان ولا الزمان مناسبين، يالا بينا من هنا نروح أي مكان هادي نتكلم فيه على راحتنا." زهور: "مش مهتمية إني أعرف عنه حاجة." حسن بصوت مهتز،

ينظر تجاه زهور يحدثها: "يا بنتي أنتِ لازم تعرفي إن زياد الله يرحمه." زهور قلبها ارتجف من واقع تلك الكلمات عليها، بصوت مرتعش لا تعلم لما تلك الرجفة التي انتابتها: "قصدك إيه؟ بالله يرحمه." حسن: "قصدي إن زياد أبوكي مات، مات الراجل اللي ميشرفكيش يكون أبوكي، مات في نفس اليوم اللي بعدت فيه أنتِ ووالدتك عنه." زهور نظرت له تحاول أن تستوعب ماسمعته: "انت بتقول إيه؟ مات أبويا؟ مات؟

زياد الـ عشت طول حياتي معنديش أمنية غير إني أشوفه؟ خلاص مات؟ " لتهتز أوصالها، دقات قلبها تتسارع، صدرها يعلو ويهبط، وجهها شحب، أسنانها تصك ببعض. اقتربت منها حبيبة مشفقة على حالتها، تبكي بصمت، أمسكت يد زهور التي بدأت تتحدث بهستيريا. حبيبة: "اهدي يا زهور، تعالي اقعدي ريحي أعصابك." زهور: "أنا مش مصدقة الكلام ده، قولوا إنكم بتكدبوا عليا وإنه لسه عايش، أصله إزاي مات؟ يعني طول السنين دي كلها وهو ميت؟

يعني مش هلومه وأقوله سبتني ليه ومشيت؟ مش هعاتبه على كل مرة كان نفسي أقول فيها يا بابا ومالقتهوش، عن كل مرة وقعت وكنت مستنية إيده ترفعني تشدني،" لتنظر لحسن بدموع وصوت متحشرج: "انت ما كنتش همشي، كنت هقف وهسمع، أنا كان نفسي حتى أعرف شكله إيه، أمنيتي أدوق طعم كلمة بابا، انت عارف وانت بتقول أبوكي وإني من طرفه زي اللي حط شال على كتفي، لم جسمي ودفني ورجعت عريتني تاني، بتقول مات؟ مات ليه؟ ليه يموت قبل ما نتصالح ونتكلم؟

وأنا اللي كنت محضرة كلام كتير عايزة أقولهوله وعتاب وأسئلة أكتر محضراها من سنين، عايزة أعرف إجابتها، كنت بحلم باليوم اللي هشوف فيه رد فعله لما يعرف أنا مين، كنت بحلم كل يوم بيه وهو فرحان إنه شافني، كنت بحلم بكلمة بنتي بينادي عليا بيها بدلع ليا، كنت بنام وأحلم بحياتي معاه، كان ممكن تكون إزاي؟

بحلم بحضنه، أحس بحنانه، بفرحته برجوعي ليه، وساعات كتير كنت بكرهه وبحقد عليه، بتمنى أشوفه وأواجه، كنت بلعنه لما الناس تنهش في عرضي وسيرة أمي وإني بنت منبوذة مش معروف أبوها، وبعد كل السنين دي يبقى ميت من سنين طويلة، ميت وأنا اللي كل ثانية بلعنه هو وأمي، عارف يعني إيه تعيش تسعتاشر سنة منبوذة والكل فاكرك إن مالكش أب وتكبر جواك كره وحقد على الشخص ده، وفي نفس الوقت تكون بتحبه وبتتمنى تشوفه وتعرفه؟

عارف يعني إيه قلب يكون مقسوم نصين؟ عارف إحساسي إيه؟ حاسس باللي أنا فيه، أنا... أنا... معقولة الدنيا جايه عليا أوي كده ليه. ليه لا، ده ظلم، ظلم. وقفت وجريت للخارج دون أن تكمل كلمها. خرجت من باب المكتب تجري خارج الجامعة، لا ترى أمامها. تصادمت بزملائها حتى اقتربت من الباب الخارجي لتجد يد حسن تجذبها إليه.

بعد خروجها، ظل واقفاً كما هو، ينظر في أثر زهور وهي تجري من أمامه. ظل بعض الوقت لم يتحرك، أفاق على صوت زوجته تنادي عليه بصوت يغلبه البكاء. حبيبة: حسن، انت واقف كده ليه؟ بسرعة، الحق البنت، اللي تعمل في نفسها حاجة، مش شايف حالتها. حسن: اقترب من المكتب وانحنى، جذب الظرف والصندوق الخزفي. وأشار على الأرض: هاتي شنطتها وتعالي ورايا بسرعة.

خرج حسن خلفها، يسرع بخطواته، يراها وهي تصطدم بزملاؤها. أسرع بخطواته فور اقترابها من باب الخروج. جذبها من كتفها قبل أن تخرج، لتقع مغشياً عليها. ليحملها سريعاً وسط التفاف عدد من الطلبة حولهم. لينطلق خارج الجامعة عند رؤيته زوجته.

حبيبة: أخذت متعلقاتها هي وزهور وكتبها، وأغلقت المكتب خلفها وخرجت مسرعة خلف حسن وزهور. ذهبت من الباب الخلفي لتقتصر المسافة، صعدت إلى سيارتها لتلحق بزوجها وزهور أمام الباب الأمامي للجامعة. أطلقت بوقاً عند رؤيتها زوجها يحمل زهور وهي فاقدة الوعي. حسن: وضع زهور بالكرسي الخلفي للسيارة، وتوجه إلى أحد الطلبة وأخذ منه الظرف والعلبة اللذين سقطا منه أثناء حمله لزهور. صعد بجوار زوجته وانطلقوا بها للمستشفى.

بعد وقت طويل، أفاقت زهور، تهذي بكلمات غير مفهومة، تئن من الألم النفسي. تفتح عينيها بصعوبة بالغة، تشعر بألم يكاد يفتك برأسها. تسأل: أنا فين؟ يأتيها صوت أنثوي جوارها. صوت: حمد الله على سلامتك يا زهروان. زهور: تلتفت ناحية الصوت، لتنهض مسرعة تبكي. دكتورة حبيبة، انتي فعلاً موجودة؟ ال حصل ده حقيقي؟ مكنتش بتوهم؟ مطلعش كابوس؟ أبويا مات، مات. حبيبة: تجلس أمامها على السرير، جذبتها لصدرها تبكي على بكائها،

تحدثها بحنان أمومي: أهدي، اهدي يا بنتي، إهدي. الصدمة شديدة عليكي، بس لازم تكوني أقوى من كده. زهور: تبتعد عن حبيبة، تجوب بعينيها المكان. هو فين؟ فين؟ عاوزة أعرف كل حاجة عن أبويا، عاوزة أشوفه. ودوني أزور قبره. حبيبة: إهدي، إهدي. حسن هيجي حالا، هيشرح لكِ كل حاجة عاوزة تعرفيها. ليفتح الباب ويدخل حسن منه وهو يحمل بيده ما كان يحمله، يخطو بخطواته الواثبة. حبيبة: الحمد لله، أهو حسن جه أهو.

لتعتدل زهور، تجفف دموعها بيدها الاثنتين، تنظر إلى حسن بجمود. زهور: بعد إذنك يا دكتورة، عاوزة أعرف كل حاجة عن أبويا وعن ال حصل وإزاي مات. ومدام بيحب سلسبيل ومات لما بعدت عنه، إيه ال حصل خلاه يبعد؟ حسن: جلس أمامها على الفراش وتحدث بهدوء يحسد عليه: أنا هحكيلك الجزء اللي يخصني وعايشته مع والدك ووالدتك لحظة بلحظة. ليمُد يده بالظرف والصندوق بعد أن قص عليها كل ما يعرفه.

حسن: كل حاجة هنا، كل اللي عاوزة تعرفيه هتلاقيه هنا. وأي حاجة تحتاجي تستفسري عنها، تقدري تسأليني. أومأت زهور برأسها، أمسكت الظرف والعلبة بيد مرتعشة، نظرت بينهم، تحدثت بضعف شديد: محتاجة أكون لوحدي لو سمحتم. أتى حسن ليتحدث، لتسرع حبيبة. حبيبة: وهي تمسك يد حسن: خدي راحتك يا بنتي، يلا يا حسن نخرج إحنا برة نسيب زهور لوحدها شوية. حسن: بس ما... زهور:

مقاطعة: بعد إذنك يا دكتور، محتاجة أكون لوحدي، أرجوك تسبني، وأوعدك شوية وهنادي عليكم. خرج حسن وحبيبة لخارج الغرفة. نادى على إحدى الممرضات. حسن: أنا والدكتورة، هنكون في مكتبي. خلي عينك على المريضة اللي جوه، كل شوية ادخلي اطمني عليها وبلغيني. وعيونك على باب الأوضة، أول ما يتفتح تبلغيني فوراً لو حاولت تخرج أو طلبت حاجة.

زهور بعد خروج حسن وحبيبة، ظلت تنظر إلى الظرف بيدها والصندوق، لتضمهما لصدرها تبكي بحرقة وصوت يكاد يدمي من شدة نحيبها لبعده عنها. تزيح دموعها التي لا تتوقف، تضع الصندوق جانباً وتمسك الظرف بيدها. زهور: فتحت الظرف، وجدت رسالتان، إحداهما مكتوب: حبيبتي، والثانية: زهرتي. فتحت الأولى، قرأت ما سطره زياد بخط يده. دموعها تسيل كنهر وقت فيضانه، حجبت الرؤية عنها، ضاعت الكلمات والأسطر.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...