الفصل 79 | من 87 فصل

رواية زهور بنت سلسبيل الفصل التاسع والسبعون 79 - بقلم منى عبدالعزيز

المشاهدات
17
كلمة
3,656
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 91%
حجم الخط: 18

وائل ظل يقص لروحية كل شيء حتى قدومه للبلدة. روحية: معقولة اللي بسمعه ده، في ناس بالشكل ده؟ واية جدها ده؟ الراجل ده جبل، لو واحد غيره كان وقع من الحمل اللي شيله على كتافه وقلبه. معقولة حبه لأخوه ده، هو في أخوات بالشكل ده؟ فعلاً متحكمش على بني آدم غير لما تتعامل معاه، متعتمدش على السمع. وائل: فعلاً كلامك صح. الراجل ده تشفيه؟ تقولي متكبر، مغرور، شخصيته والهالة اللي حواليه عملاله هيبة. تتكلمي معاه؟

إيه كم التواضع اللي فيه؟ صوته الرزين، عقله، نبرة الحزن والقهر بصوته، وبالرغم من كل ده محافظ على وقاره. ـ احكيلي زهور قابلته إزاي؟ اتعملت معاه ولا إيه اللي حصل؟ وطلبت ليه، وهتروح تاني ولا لأ؟ ـ حيلك حيلك يا أم وائل، وحدة وحدة عليا. هحكيلك كل حاجة بعدين، بس دلوقتي خلي الشغالين يحضروا أكل كتير وفرش، ويبعتوا على بيت أمي أحلام. ـ ليه؟ هي أحلام جات البلد؟ طب مجتش معاك هنا ليه؟ ـ الأكل والفرش مش لأمي أحلام، دول لضيوف زهور.

ـ ضيوف زهور؟ ويطلعوا مين الضيوف دول؟ وائل، إيه الحكاية بالظبط؟ وائل: ولا حكاية ولا رواية. كل ما في الموضوع دول ولاد عم زهور، حبة تحميهم وفي نفس الوقت تربيهم على طريقتها. ـ لا، أنا مش فاهمة. فهمني، وحدة واحدة، اصل الموضوع. وائل: ابدأ. بعد ما زهور اتصلت مع جدها وعرفت كل حاجة... روحية: لا، اهدي كده وارجع لورا شوية. في كلام مقولتوش. حصل إيه وإضافوا إزاي؟

ـ ابدأ يا ست الكل، أنا حكيت ليكي كل حاجة. مفيش بس غير اتصال جه لجدها، وهم بيتكلموا من شخصية كبيرة في البلد، وقال له إن أحفاده مطلوب القبض عليهم بتهم حرق مجموعة شركات الغمراوي جروب والقصر، وفي شاهد بجرائمهم، مدير أمن القصر ومساعديه، غير وجودهم في مقر المجموعة. ونصحه إن الأولاد يهربوا برا البلد لحد ما يثبتوا براءتهم. الرجل كان هيتجنن. رئيس الأمن بقاله سنين معاهم، إزاي يعمل كده؟ وليه؟ ويثق في مين بالحالة دي؟

هيعمل إيه ويتصرف إزاي؟ اتصل على كتير من معارفه يساعدوه في إنهم يخرجوا من البلد لحد ما يثبتوا براءتهم. بس زهور وقفت مرة واحدة تسأله بستنكار، وحدة، وانفاسها متسارعة وهي تحدثه. زهور: لو سمحت حضرتك، ممكن تفهمني الموضوع كله؟ ليه إصرارك تهرب أحفادك بالطريقة دي؟

الجد: جذب يد زهور وأجلسها بجواره، ينظر لها بعيون دامعة ويتحدث بتوتر وصوت منكسر وسط ذهولها من تبدل حاله. قبل ثوان كان يجلس بكل وقار ويتحدث بثقة مع محدثه بصوت رزين وقوي. من يراه لا يكاد يصدق أنه نفس الشخص الجالس يتهته بالكلام أمام فتاة. الجد: قولى جدو يا زهروان، قوليهالي. متحرمنيش منها، قولى جدو فرحى قلبى الموجوع. بلاش حضرتك، قولى أولاد أعمامي، مش أحفادك. قولى جدو، نفسي أسمعها منك. زهور: ممكن متستعجلش ونسبق الأحداث؟

حضرتك خلي كل حاجة تيجي بوقتها. الجد: هو لما أقولك قولى جدو، بلاش حضرتك، يبقى أحداث إيه اللي نسبقها؟ هو مش طبيعي تقولي جدو؟ ــ مش هكدب على حضرتك وأقول حاجة مش حساها، ولا هقدر أنطقها وأرددها زي البغبغان. وعارفة اللي بيدور في دماغ حضرتك. أمال اللي حصل من شوية كان إيه؟

لما بقول الكلام ده، لأن ببساطة أنا كنت بنفذ وصية والدي. لكن كزهور، لسه جوايا أسئلة وحقائق كتير محتاجة أعرفها وأتأكد منها. لو كنت فاكر عشان الكام حضن اللي حصلوا من شوية هنسى، يؤسفني أبلغ حضرتك إنهم استحالة كانوا حصلوا لولا وصية أبويا. هو اللي وصاني بيهم، وأكيد وصية المتوفى واجبة النفاذ. ــ الجد يلتف لحسن، ينظر له باستغراب، يهز رأسه، يشعر بالعجز. عقد لسانه

مع كل كلمة تخرج من فمها: طيب وكلامك من شوية لما قلتي إنك نسيتي و... ــ مش ناسية. أنا قلت إيه؟ أنا قلت إني أقسمت إني أنتقم من كل اللي كان السبب. وحضرتك أثبت إنك مكنتش تعرف بوجودي اللي بعد وفاة أبويا. وده هو اللي أثبته، مش حضرتك. فياريت خلي كل واحد فينا يتعامل بطبيعته. أنا عن نفسي مش هقول غير اللي لسانه هينطقه من غير كذب أو تكلف. ــ حاولي يا...

ــ لو سمحت، ياريت بلاش نتكلم في موضوع مفروغ منه بالنسبالي. وأظن موضوع أحفادك أهم. حسن متدخلاً بالحديث: زهروان، ممكن تهدي شوية. وحضرتك يا عمي، سيبها على راحتها. بالرغم إني عندي تحفظ على جزء من كلامها، بس عندها كل الحق في موضوع الأولاد، حسب ما سمعنا من شوية. مفيش وقت، ولابد من خروجهم بره البلد بأقصى سرعة.

ــ قص الجد على زهور وحسن كل ما حدث من مؤامرات طوال السنوات الماضية، حتى اليوم. قص لهم عن سفره منذ عدة سنوات للخارج لتلقي العلاج وإجراء عملية دقيقة بالمخ، حتى نجح أولاده وحفيده الأكبر زين في إثبات براءته، والقبض على من تسبب بكل تلك المؤامرات. ليكتشف بعد سنوات قليلة هروب المتهمين وقيامهم بحرق شركاته وقصره. يصمت قليلاً، يلتقط أنفاسه، ويكمل الحديث.

ــ لولا فضل ربنا علينا وذكاء زايد ابني، كنا كلنا متنا محروقين في القصر. العناية الإلهية ساعدتنا كتير. أنا وزهور جدتك وعمك زيدان كنا هنا بالمستشفى بنزور قربتك أحلام. وعرفنا بداية خيوط الجريمة من بنت جارتكم وشغالة بفندق معاكي. والأولاد كانوا بيدوروا عليكي بكل فنادق البلد والمستشفيات. زايد قدر يهرب باقي العائلة وخبأهم بمكان أمين. والأولاد بعد ما عرفنا بمكانك، طلب زايد منهم يروحوا مخزن الشركة يحققوا مع المتسببين في اتهامك بالفندق بالسرقة ومصائب كتير اكتشفناها بالصدفة. فجأة شب حريق بالمجموعة، ولولا وجود الأولاد بالوقت ده هناك، ولحقوا ينقذوا كتير من مباني المجموعة، كانت اتحرقت كلها.

حسن: أكيد في شهود بكده، وكاميرات المراقبة، وأمن الشركة يثبت براءتهم. زهور: لا طبعاً. مش ملاحظ فيه حلقة في النص مفقودة؟ أو بالادق مرسومة ومحبوكة ومتفصلة تفصيل. واللي رسمها رسمها بالضبط من غير ما يسيب غلطة أو احتمال فشل. لو رتبتها من أول السطر. تعتدل بجلستها، تقترب من الطاولة أمامهم، تزيح ما عليها بجانب من جوانبها وتشرح ما توصلت له.

ــ الخطة مرسومة إن العائلة كلها تموت في الحريق، ومحدش ينجي منها أبداً. وبالتالي، في وريث لكل ده. وفجأة، في مجموعة من العائلة ظهروا وخربوا الخطة الأولى. يبقى البديل حريق بالمجموعة، ودي جات على طبق من فضة بوجودهم بالمكان، أو ممكن خطة مدبرة. بس المؤكد إنها كانت مدروسة وبديلة، فشلت الخطة الأولى، ومكنش مقصود بيها الشباب. لا، دي متفصلة لشخص واحد بس. والشباب جم كبش فداء، زي ما يتقال كده، ضربة توجع وتموت. وبالنسبة للكاميرات، حضرتك ما سمعتش وهو بيقول رئيس الحرس ومساعديه معترفين. يعني الموضوع خلص.

ــ هتجنن. رئيس الحرس بقاله سنين طويلة شغال معانا. بنعمله كأنه فرد من العائلة، مش قادر أفهم ليه عمل كده. ــــ إممم، لا، ده وراه سر كبير. لازم نخليه أول أولويتنا، لأنه مفتاح كل اللي جاي، أو بالادق طرف اللغز.

لتصمت قليلاً، تمد يدها، تمسك قطعة من التحف من طرف الطاولة، تضعها بالمنتصف، وأخرى بالقرب منها، تنظر لها وتحرك إصبعها برسم حلقات مفرغة على الطاولة، لترفع رأسها لأعلى، تنظر بوجه الجد، وتعاود النظر لرسوماتها مرة أخرى. تقف وتنظر للجد نظرة طويلة وتتحدث. ــ مش ملاحظين حاجة في كل اللي حصل؟ ـ حاجة إيه اللي تقصدها؟

ــ اللي أقصدُه إن في مستفيد من حريق القصر وموت الكل. لكن لما فشلت الخطة، نفذ الخطة البديلة وهي حريق الشركة. بس مش حريق كامل، لا، دي حاجة كده متذكرش. وبرضه يضرب عصفورين. الأول هيدمر اسم العائلة ويساوم على الأدلة اللي في إيده ببراءة العائلة، وده طبعاً هتكون بشروط وتنازلات هتفرض على حضرتك شخصياً. ده أولاً. ثانياً: وده مهم أوي. المساومة مش على الشركات، المساومة هتكون على حاجة كبيرة عند المحرض، أو بمعنى صحيح المدبر لكل ده.

تصمت، تزامنًا مع فتح باب المكتب سريعًا ودخول زايد بلهفة. يتحدث.

زايد: يتنفس بصوت عالٍ، صدره يعلو ويهبط. كل كلمة قلتيها صح. اللي كان مقصود بحريق الشركة أنا. لكن كان مقصود كل الشركة، بس في واحد لقى نفسه هيخرج خسران، غير الخطة من غير علم التاني. وعندك حق، المساومة على حاجة تانية ملهاش علاقة بالشركات. المساومة هتكون على الفنادق. وخصوصًا كل الخطط اللي أدبرت توقع الفنادق اختفت كأن شيئ لم يحدث. شخص واحد بس طول عمره طمعان يمتلك الفندق بالأرض اللي حواليه. ودلوقتي متأكد مليون المية إن كلامك صح يا زهروان، كلامك صح. المساومة ببراءة الأولاد والعائلة تمنها سلسلة الفنادق.

الجد: يقف مسرعًا. قصدك نهال هي اللي وراء كل ده؟ طب إزاي؟ هي مش في المستشفى؟ لينظر إلى ابنه وشحوب وجهه ويديه الملفوفة بضماد طبي. ــ زايد قالها بلهفة أب على والده: استريح يا بني، وبعدين اتكلم. حسن: إزاي الدكاترة يسيبوك تخرج كده من العناية؟ لازم ترجع. حالتك متسمحش بالكلام.

زايد يقترب من زهور، الذي ابتعدت عنه خطوة كلما اقترب منها، لتجد نفسها بين يديه، يضمها له. صوت بكاه جعلها كالصنم، بعد أن حاولت التملص من بين يديه، توقفت، تغمض عينها، محاولة التماسك وعدم انخراطها بالبكاء، تأثرًا بذلك الذي يكاد يعتصرها بين يديه وصوت بكاه يزلزل الغرفة. الجد: بصوت متحشرج مناديًا عليه: زايد، تعال هنا جنبي. أنا حاسس بـ...

وقد إيه قلبك موجوع اللحظة دي. بلاش تتعب قلبك وتزيد عليه وجعه. زهروان كمان محتاجة تاخد وقتها.

زهور تائه بين يدي زايد، مشتتة بين قلبها وعقلها. بين احتياجها لتلك الضمة، وإلى رغبتها في تمردها. قلب يريد من يشعرها بالأمان، وعقل يريد إظهار قوتها وصلابتها. قلب مشتاق للحنان، ويريد الانخراط بتلك المشاعر التي تدفئه لأول مرة طوال سنوات عمرها. وبين عقل يرفض الخضوع والاستسلام، يأبى التأثر. ينادي بأن تظل ثابتة قوية، تثأر لنفسها. تتساءل بين حالها. ــ هو أنا أملك حق الانتقام لسنين أوجاعي وقهر قلبي؟

بعد اللي قريته وتفرض عليا، ووصية أخدتها عهد على نفسي أنفذها كلمة كلمة، وأكون بره بوصية أب مشفتهوش، أب حلمت بيه، رسمته من خيالات، شفتها بمنامي. وصية ملزمة أنفذها بعد ما قريت كل كلمة فيها وصدقتها، ملزمة أنفذها لحد ما أتأكد من عكس الكلام اللي مكتوب فيها. تشعر ببرودة وقشعريرة فجأة، لتفتح عينيها، ترى زايد يبتعد عنها رويدًا رويدًا، حتى ابتعد، لتشعر بصقيع يضرب جسدها بعد دفء لامس قلبها قبل جسدها.

زايد: يفك حصاره لزهور، يبتعد عنها وعيناه تسيل منها شلالات من الدموع. يلتف للخلف يجد حسن يبكي وصوت شهقاته عالية. ينخرطوا في نوبة بكاء جميعًا. زهور تقاوم كعادتها منذ صغرها، لتحدثهم بصوت خرج متقطع ليقوى كلما تحدثت:

"أكيد دموعكم دي غالية، وفي نفس الوقت صعبة. بس في الأهم من البكاء على ماضي موجع. ممكن كلامي يجرحكم، والأكيد هتقولوا إني بلا مشاعر، مش بحس ولا بتأثر. مش هدافع عن نفسي وأقول لا، أنا مش كده. وإن متأثرة بكل اللي حصل، وقد إيه فرحانة إني بين أقرب حد ليا. كنت بحلم بس ألمح طيفهم، مش بس أقبلهم وأكون ما بينهم. ناس شفتهم بعين حد تاني، ولما بقيت بينهم شفتهم بقلبي قبل عيوني. صحيح مش هنكر إن جوايا متلخبطة، لسه ما حسمتش أمري في شكل علاقتي بيهم."

"بس في الأهم، اللي أنا شايفه إن اللي جاي أهم. وخصوصًا إننا مع عدو دارس كل خطوة ومرتب ليها أكتر من حل. عدو عارف كل تحركات العايلة وسبقنا بخطوات. عدو عارف كل كبيرة وصغيرة عن كل واحد في العايلة واحنا منعرفش عنه حاجة للأسف. عدو بيخطط ومعاه خيوط اللعبة مصممها ومفصلها على قد كل واحد فينا. مصممها بأنها تناسب كل واحد بالظبط، وامكن تكون محشورة فيه ضيقة مش مقاصة بدل ما يخرج منها. لا بضيق حوليه أو تخنقه وهو جواها. وده ما يمنعش

إن العدو ده بيتحكم فينا بطريق غير مناسب ومؤكد إحنا عرايس بيلعبها بأيده. لازم نقلب الترابيزة ونكون بالموقف الأقوى، نسبقهم بخطوة تشتت أفكاره، وفي نفس نضرب في كل الجبهات في الوقت اللي يكون في أوج انتصاره. نكون احنا ملكنا خيوط اللعبة في أيدينا. وده هيجي بأكتر من طريقة. بس الأول ممكن تحكولي كل حاجة عن نهال دي والسبب وراء كل اللي بتعمله."

زايد بانبهار بحديث زهور، ينظر لها بعين ممتلئة بالسعادة والغبطة. يجلس بجوار والده ويشير لها بالجلوس لتجلس على الكرسي المقابل له. وجلس حسن خلف مكتبه. يلتف الجميع تجاهه وهو يبدأ بالحديث:

"آسف إني هتكلم في البداية، بس لازم تعرفوا حاجة مهمة حصلت من فترة طويلة. بعد ما المحامي جمعنا لفتح وصية زياد، بالتحديد تاني يوم نهال جتلي هنا المستشفى. في الأول استخدمت أسلوب، اسف على اللفظ، بس لازم تعرفوا الهانم استخدمت أسلوب الإغراء. بعد فشل محاولاتها التجأت للتهديد. وبالفعل نفذت تهديدها بعدها بشهر واحد. ويومها جات هنا وساومتني. وقتها كنت بين خيارين، كل واحد فيهم أصعب من الثاني. الأول، أوڤي بوعدي لصاحب عمري.

والثاني، أنقذ اسمي كدكتور وزوج، أو أضيع كل حاجة. اسمي والمستشفى وزوجتي. بعد ما اتفقت مع بنت ممرضة هنا بالمستشفى إنها تقدم بلاغ تتهمني فيه بأني حاولت أغتصبها، بعد ما رفضت مراودتي ليها، وإني هددتها بـ إني ها رفضها وها منعها تشتغل في أي مستشفى أو عيادة. وقتها فقدت كل ذرة في عقلي، هتجنن من اللي بيحصلي، وخصوصًا كنت وقتها بمر بمشكلة نفسية كبيرة."

"لولا فضل ربنا عليا، أثبت براءتي بنفس السلاح اللي حربتني بيه. وزملائي الأطباء والممرضات شهدوا لصالحي. وفي دكتور قدم تسجيل للبنت وهي بتغريه وتدخل بعلاقة كاملة معاه لأكتر من مرة. وبعدها خرجت من الموضوع ده، عملت بلاغ بأني استخدم المستشفى في عمليات مشبوهة وجرائم أخلاقية. بس الحمد لله خرجنا منها زي ما دخلنا." "زايد: وهي عملت كل ده ليه معاك."

"حسن: كانت عاوزة تدخل معايا شريكة بالمستشفى بنصيب زياد. ولما رفضت وقلتلها دي أمانة صاحبي لبنته، لا يمكن أفرط فيها. لقيت ملامحها اتغيرت وبتكلم بهستريا وتهدد. وبعد فترة من المعاناة من المشاكل اللي مش بتنتهي، من اتهامات بسرقة أعضاء لمرضى، لحريق جزء غير حيوي من المستشفى، ضرائب وشكاوى بالصحة بمخلفات، وحتى شكاوي بأن الأدوية مغشوشة ومن مصادر غير معروفة، وأدوية وعقاقير مخدرة بكميات تكون بالمخازن. ومش بلحق أخرج من تهمة، ألاقي التانية. بس الحمد لله بعد فترة قدرت أثبت إنها تهم باطلة وكيدية، وخصوصًا كل الأدلة بتختفي. وده طبعًا كان إنذار عشان أستسلم وأتنازل عن نصيب زياد ليها. وبعدها اختفت لما ملقتش استجابة مني. ومسمعتش عنها حاجة من يومها غير النهاردة."

زهور: "مش ملاحظين حاجة في الكلام والأحداث؟ نفس الطريقة والخطط اللي استخدمتها مع دكتور حسن، هي هي الطريقة اللي استخدمتها مع حضرتك، بس زاد عليها حاجة، وجودي أنا." الجد: "قصدك إيه." زايد ينظر لها بذهول ويهز رأسه بلا. لتبتسم زهور وتتحدث معه بصوت واحد:

"تحرق القصر بالعايلة كلها. وبما إن المستفيد الوحيد من الحريق، وعندها دافع للانتقام، هي إنتي. أنا لـ إني الوريثة الشرعية لكل ثروة عايلة الغمراوي. وطبعًا كل الشكوك والاتهامات تحوم تجاهك. تجاهي ويتقبض عليا. عليكي." تُصمت زهور، ويكمل زايد الحديث:

"وطبعًا تيجي نهال وتظهر كأنها الملاك المخلص، وتساوم على إظهار براءتك في سبيل تتنزلي ليها عن الفنادق وورثك من زياد الله يرحمه. ولما خطتها فشلت، قالت تلحق نفسها وتعدل الخطة بأنها تورط الأولاد وتساومنا، وفي نفس الوقت تنتقم مني لأسباب كثيرة، من أولها سجنها وموت عمي الله يرحمه. واتهمها بـ إني أنا السبب لما كشفت خطتها الدنيئة ومصايبها، واكتشاف عمي إنها سبب موت زوجته وأولاده الصغيرين."

الجد يشعر بأن قلبه سيخرج من مكانه مما يسمع من حقائق لأول مرة يعلمها عن ابنة شقيقه الذي رباها ببيته وعملها مثل أبناءه. تلك الشيطانة تقوم بكل تلك الأفاعيل وهو لا يعلم عنها شيء. يتحدث بقهر وقلب ممزق على شقيقه الذي توفي بعد صدمته في ابنته. هطلت دموعه كسرب من النمل يمشي بخط مستقيم، لا تخرج واحدة من خطها المستقيم التي تسير به صديقتها.

زهور بحمية وصوت رزين ومرتب، اقتربت من مكتب حسن وأمسكت حقيبتها. أخرجت منها هاتف روحية التي أعطته لها قبل رحيلها من البلدة، وأجرت اتصال هاتفي مع أحدهم، وأغلقت الهاتف بعد إخباره بما تريد منه وأن ينتظر اتصال آخر منها تخبره بما عليه أن يفعل. "بتفكري في إيه يا زهروان؟ حاسس إنك فكرتي بخطة سريعة." تنظر فر عينيه وتصمت دون حديث. ليعاود سؤالها مرة أخرى، لتخرج أنفاسها وتهز رأسها.

"أيوه عندي أكتر من حل مناسب جدًا للمشاكل دي. بس الأهم إننا نهرب الشباب لمكان آمن جوه مصر مش بره." الجد: "إزاي جوه البلد؟ ممكن بسهولة يتقبض عليهم أو تكون مراقبهم وتعرف مكانهم. أنا هعمل ترتيباتي وهخرجهم قبل النهار ما يطلع على أي بلد مافيش فيه اتفاقية إنتربول." "وحضرتك متخيل واحدة خططت لكل الجرايم دي مش هتكون فكرت ولو واحد في المليون بنفس كلامك؟

ومبلغتش أول حاجة عن هروبهم. ومش بعيد تروح المطار تلاقي إن كل الغمراوية ممنوعين من السفر. والأدهى بقي في نشرة بأوصاف العايلة كاملة." "كلام زهروان صح يا بابا، كل كلمة قلتها. متأكد إن نهال فكرت فيها ونفذتها كمان. وأول حاجة عملتها قدمت بلاغ بمنعنا من السفر بره مصر." "أنا مش مصدق كل اللي بسمعه. إمتى وإزاي لحقت تعمل كل ده وتخططت وتنفذ واحنا ولا حاسين ولا داريين بكل ده."

زايد: "للأسف استغلت انشغالنا ومشاكلنا اللي مش بتنتهي، وخصوصًا بعد ما دخلت العمليات واستغلت فترة مرضي. وقدرت تضرب ضربتها وتستغل ناس كتير شغالين بالفنادق والشركات والقصر." تجـلس تستمع لما يقال بعقل مشتت، تحاول تجميع أفكارها. تحدث نفسها كأنها تتحدث مع شخص يقف أمامها وسط نظرات الجميع لها. لتبتسم ابتسامة تنير وجهها. تلتفت لهم تحد نظرات الاستغراب وتساؤلات تملأ أعينهم.

"أنا لقيت مكان ميخطرش على بال حد. هنهرب فيه شباب العائلة، وكمان جوه مصر مش بره. منها يختفوا عن العيون لوقت ظهور الحقيقة. والتانية حاجة في نفس يعقوب، بعدين هتعرفوا. الأهم من كل ده، محتاجة أعرف شخصية كل واحد فيهم بيحب إيه وبيكره إيه. ده أولًا."

"ثانيًا: محتاجة أعرف كل حاجة عن اللي اسمها نهال دي. وطلب بطلب من حضرتكم تساعدوني في اللي جاي، من غير ما تعترضوا أو تمنعوني. أنا هقابل اللي اسمها نهال دي النهاردة، وقبل ما تعترضوا، عندي خطة محدش يتوقعها ولا يمكن حد يعرف ينفذها غيري. كل اللي طلباه منكم أنتم الثلاثة، إنكم تسمعوني قبل ما تعترضوا. ويا ريت محدش يعرف بالكلام اللي هقوله دلوقتي لحد ما ننفذ الخطة، لأن بعد ما نرتب تفاصيلها وأبدأ في تنفيذها، هكون لوحدي بعيد عنكم."

"تفتكري إن أنا بعد ما لقيتك بعد السنين دي كلها، ممكن أعرضك للخطر؟ أو أسيبك تقابلي نهال؟ ملايين الدنيا فداء روحك، ووجودك قدام عيني، وإني أبقى شايفك قدامي. آخدك بحضني، أتنفس ريحة ابني فيكي. عندي بكنوز الدنيا كلها."

بسعادة غامرة قلبها، تكاد تلقي بحالها بين أحضان جدها. تحاول التماسك بكل ما أوتي لها من قوة. تتلمس يدها جانبي الكرسي الجالسة عليه، تتمسك بهما. يساعدها على تمالك أعصابها وعدم الانصياع لكل تلك الأفكار التي تداعب قلبها قبل عقلها. تخرج كلماتها بعد أن رتبت أفكارها حتى لا تضعف مقاومتها لمشاعر تتمنى الانصياع لها. "حضرتك مقدمناش حل غير ده. اسمعني للنهاية بعد إذنك."

زايد وقف تجاهها، جثى على ركبتيه أمامها. رفع يده يكور وجهها بيده. هو قلبه يكاد يخرج من مكانه، يصرخ بلوعة وهو يرى ملامح وجهها. يغمض عينيه، تتدحرج دموعه، وعلت أصوات أنفاسه. صوت ابتلع ريقه يسمعه الجميع مع ارتفاع صدره وهبوطه. يهمس باسم طالما تمنى التقاط صاحبته بين حنايا صدره. تخرج كلماته غير مفهومة وهو يحاول أن يتماسك.

"إنسي الكلام اللي قلتيه. استحالة هسيبك تقابلي المجنونة دي. أو تعرضي نفسك للأذى. لو على السجن أنا مستعد أسجن. لو على الأولاد أنا هعرف أبعدهم وأخرجهم بره البلد بمعرفتي. لكن معنديش استطاعة إني أخسرك يا سلس." زهور ضربات قلبها تتسارع، تشفق على الجالس مقابلها. تحدثه بنهره كأنه طفل صغير يتلقى التأنيب من والدته وهو ينصاع لكل حرف يخرج من بين شفتيها.

زهور: لو سمحت حضرتك اتفضل اقعد مكانك على الكرسي. في حاجات أولى من أي مشاعر وأحاسيس. مش هكدب عليكم وأقول إني مش بفكر بالمقابلة دي ولا إني مش خايفة ومرعوبة. لأ، أنا خايفة، بس مش خايفة من اللي اسمها نهال. لأ، أنا خايفة إني أفشل ومقدرش أنفذ خطتي. خايفة ماخدش تاري منها. وحاجة مهمة، مش عايزة أسمع كلمة "هرب". الولاد، وابعدهم، ممكن تفهمني؟ وبعد ما تهربهم، تظهر براءتهم إزاي؟ أو هما هيتعلموا من أغلاطهم إزاي؟

والأهم من ده، وده لازم يتربوا من أول وجديد. يتعلموا إن الدنيا مش دايماً ليهم. يوجهوا مشاكلهم ويعتمدوا على نفسهم. حضرتك مش هتعيش ليهم العمر كله تخرجهم من كل مشكلة. أمتى هيبقوا رجال يعتمد عليهم؟ يبقوا سند ليكم ولباقي عيلتكم؟ يحافظوا على اسم العايلة اللي فضلتوا تبنوه وتحفظوا عليه. للأسف، بهروبهم حضرتك بتضعف شخصية كل واحد فيهم. ودايماً هيهربوا يواجهوا أي مشكلة. من الآخر، هيبقوا قش. الجد بانبهار من تفكيرها

وسعادة واضحة على وجهه: بالرغم من صغر سنك، لكن تفكيرك أفضل من تفكيري أو تفكير واحد فينا. وحدك غيرك كانت فرحت ببعد ولاد عمها وخلو الطريق قدامها، وإنها تستولي على كل قرش، ومش بس كده، تنتقم منا. بس انتي غير. زهروان يا بنتي، أنا من إيدك دي لإيدك دي. موافق على كل كلمة بتقوليها. مش ضعف مني ولا استغلال ليكي. لا لا، دي ثقة بأنك هتخرجينا كلنا لبر الأمان. هتعلمي ولاد عمك اللي أنا والدنيا فشلنا فيه. لو مت، هموت مطمئن.

لأنك موجودة بينهم. هموت وأنا مرتاح. كنت بموت ألف موته كل ليلة وأنا بفكر لو مت وأنتي بعيد عني، مش عارف أوصل لمكانك. هقف قدام زياد ابني إزاي؟ هقوله إيه؟ بنتك معرفتش ألاقيها. آخر ذكرى منك ضيعتها، زي ما ضيعتك. هقف قدامه بأي وش؟ أطلب منه يسامحني؟ ولا لما ربنا يسألني وأنا واقف بين يديه، حفيدتك ذنبها هتدفعه إزاي؟

ميزانك ناقص في كفة، ومائل في كفة تانية من ثقل وزنه. من حق ابنك ومراته وبنته. سنين جافيني النوم وأنا بدعي ربنا أشوفك وأضمك وأطلب مسامحتك ليا قبل ما أواجه رب كريم. يا بنتي، قولي لي إيه اللي عندك؟ بتفكري في إيه؟ خطتك إيه؟ وقبل كل ده، إيه اللي محتاجاه مننا ودورنا هيبقى إيه؟ زياد يبتعد عن زهور، يلتف لولده يتحدث وصدره يعلو ويهبط من شدة انفعاله: بابا، حضرتك بتقول إيه؟ إزاي توافق على كلامها؟

إزاي هتأمن عليها تقابل المجنونة نهال؟ حضرتك متخيل نهال هتقبلها بالأحضان؟ دي مش بعيد تحاول تقتلها أول ما عينيها تقع على زهروان. لا، أنا لا يمكن أبداً أسمح بالمقابلة دي. لو على الولاد، اعملي كل اللي انتي عايزاه، لكن أضحي وأخليكي تقابلي المجنونة دي؟ لا وألف لا. لو مصممة، أنا اللي هقابلها. لو موتتني، أنا موافق، لكن مش مستعد أنا أو بابا أو أي واحد فينا بأننا نخسرك بعد ما تعبنا سنين واحنا مش قادرين نوصل ليكي.

زهور بسعادة تجاهد في عدم ارتمائها بين يديه، تضمه وتشتد في ضمته، تحارب تلك المشاعر المختلطة بين فرحتها بكلامه، وبين موجة من الدموع تكتلت بين جفونها لشعورها بصدق كل كلمة يبث بها عمها. احمم، كلام حضرتك خلاني متمسكة أكتر برأيي. خوفكم عليا حفزني أكتر من الأول. إن كنت عاوزة أقبلها قيراط، بعد كلامك عاوزة أقبلها مليون قيراط. مش مكبرة، ولا ثقة في حضرتك، لأني هكون متسلحة بسلاح مش عندها. زياد: سلاح إيه اللي هتدفعي بيه عن نفسك؟

ـ حضرتك هو سلاحي. مش معقولة هتسبني ليها، أو على الأقل مش هتأمن المكان اللي هقابلها فيه. ــــ زايد بفرحه: أنا أحميك بروحي. زهور: يبقى متفقين. ممكن بقى تسمعوا خطتي ونتفاهم على كل عناصرها ودور كل واحد فينا، ومين أهل الثقة ممكن يساعدنا. وأه، قبل كل ده، محتاجة محامي ثقة حالا. وكمان معارف حضرتك التقال بالبلد، هنحتاجهم. حسن: وأنا دوري هيكون إيه؟

زهور ببتسامة: دور حضرتك بعد ما يوصل الشخص اللي اتصلت بيه من شوية، هتساعده في نقل الشباب للمكان هيقعدوا فيه الفترة الجاية، وكمان هتكون مرسال ما بينا وبينه من غير ما حد يعرف ولا ياخد باله. الجد: طيب وجدتك وباقي العايلة اللي نفسهم يشوفوكي ويتعرفوا عليكي؟

زهور: آسفة من اللي هقوله، مقابلتي ليهم هتبوظ كل خطتي. لأن أكيد أكيد هيوصل للست دي. مش قصدي أخون حد من العائلة، بس من كلامك عليها يؤكد لي إن في حد من جوه البيت بيوصلها أخباركم لحظة بلحظة. زايد: عندك حق. في حد كان بي يوصلهم أخبارنا، بس خلاص انكشف، أو بالأصح انكشفت. الجد بذهول: مين دي يا زايد اللي بتتكلم عليها؟ ــــ نيرة بنت زينة يا بابا، للأسف. زهور: يبقى مقدمناش غير إننا نأجل المقابلة دي بعدين. ممكن بقى تسمعوا خطتي.

صمت حل بالمكان، جلس الثلاث رجال بجوار بعضهما، وزهور بمقابلتهم، وبصوت هامس بدأت تسرد لهم خطتها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...