الفصل 80 | من 87 فصل

رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الثمانون 80 - بقلم منى عبدالعزيز

المشاهدات
17
كلمة
3,294
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 92%
حجم الخط: 18

جالس على الأريكة عينه مثبتة على إطار صغير، تدحرجت دمعة منه وهو يتذكر قبل فترة قليلة من الزمن.

"لا تنسى أبداً أن الله هو العدل، خلقنا لنعبده، وزع الأرزاق والأقدار. جعل منا المنعم ومنا المقدر، ومنا الغني ومنا الفقير، ومنا المتعافي ومنا المريض، ومنا القوي ومنا الضعيف، ومنا المعز ومنا الذليل، ومنا الصادق ومنا الكاذب. وزع المقادير بالعدل. منا من رضي ومنا من سخط. خلق الجنة والنار، ندخلها برحمته وندخلها بسخطه. رضاه الجنة وسخطه النار. رحمته وسعت السموات والأرض، وبالاستغفار يمح سخطه.

وزع الأرزاق بين عباده، قد يكون رزقك في صبرك، ولعلك رزقك في بصيرتك، ولعلك رزقك في نفسك اللوامة وضميرك الحي. ولعلك الله منعها عنك ليشغلك به فترفع درجتك وتؤتى سؤالك وتضاعف حسناتك. دائماً تذكر أن ما تحصل عليه سوف يكون عوضاً بالإضافة إلى مكافأة الصبر. فكلما تأخر ما تريد أتاك إن أحسنت الظن أفضل مما أردت.

اللهم اجعلنا من المرحومين فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك. اللهم أحسن خاتمتنا وتوفنا وأنت راضٍ عنا. اللهم باعد بيننا وبين النار كما باعدت بين المشرق والمغرب. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد أن هديتنا للإيمان. ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا. ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا. ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، واعف عنا واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين."

هكذا أنهى الشيخ علي إحدى كلماته اليومية بعد صلاة العشاء. يخرج أهل القرية بعد الشكر والسلام عليه، تاركين الشيخ جالسًا ككل يوم في المسجد يقرأ ما تيسر من آيات الذكر الحكيم، ليصدق سريعًا وهو يرى ذلك الجالس قبالته يغلق مصحفه ويربت على يد الجالس أمامه. الشيخ علي بابتسامة تشع النور من وجهه: "أيوه كده يا أبو جنة، أخرج ونور مكانك بالجامع، بكفيك رقدة. أخرج وروح وتعالى، هتروق وتخف الجعدة والنوم ما يجيبوش غير التعب والمرض."

أبو جنة: "ربنا يخليك يا شيخ، كلامك بيريح الواحد، يرطب على قلبه. الحمد لله على نعمه. اسمعني يا شيخ، أنا جاي أبري ذمتي قدامك، ومن قبلك أبري ذمتي قدام ربنا سبحانه وتعالى. أنا زي ما أنت عارف أجرت الأرض من الست أحلام وصرفت عليها على يدك لحد ما بقت عفية وبتجيب زرع مش في الجهة كلها. وطبعًا

أول محصول حضرتك قلت لي: "انت صرفت كتير على الأرض وهتعرف الست أحلام ومافيش قسمة مابنا السنة دي". بس أنا بعت المحصول والحمد لله بفضله وكرمه كسبت أكتر ما صرفت أربع مرات. لولا شوية العيا جولي وموت أم جنة المفاجئ صرفت جزء كبير من الفلوس، والجزء الباقي ده من حق الست أحلام. اتفضل وصلهم ليها." ليصمت قليلاً، يفرق في يده، ويتحدث مرة أخرى.

السيد أبو جنة: "بعد إذنك يا شيخ، أوصيك وصية. بناتي جنة وجنات، خد بالك منهم، حطهم جوه عينك، دول مالهمش حد نهائي من بعد ربنا سبحانه وتعالى غيري. لو ربنا أراد وأخد أمانته، مش هيكون ليهم حد غيرك. خلي بالك منهم وحاجي عليهم دول، دول ولاد اللي بيسمعوا كلامك. جنة عصبية شوية وحماقية في الحق، بس ومفيش أطيب من قلبها. لولا هي وأختها مكنتش عرفت أزرع الأرض وأجيب محصول. وكمان مشروع الورد اللي عملوه وراء بيت الست أحلام بقى عال، والحمد لله أهو بـ يجيب قرشين ليهم يصرفوا على نفسهم، والباقي دخلوه من ضمن إيجار الأرض."

الشيخ: "ربنا يحفظهم يا أبو جنات ويفرح قلبك بيهم وتجوزهم وتفرح بولادهم وولاد ولادهم."

أبو جنات: "يا ريت يا شيخ أعيش وأفرح بيهم بس وأطمن عليهم. جنة تقدر تكلم وتاخد حقها، لكن جنات قلبي وجعني عليها قوي. أوعدني يا شيخ لو جرالي حاجة تخلي بالك منهم وتسترهم مع رجالة ولاد حلال. أنا صحيح مملكتش من الدنيا غير البيت العايشين فيه وقرشين صغيرين يكفيهم ما يمدوش إيدهم لمخلوق، بس خايف عليهم من ولاد الحرام يطمعوا فيهم، وهم ولاد اللي ملهمش حد غير ربنا."

علي: "أديك قلتها بنفسك، ملهمش غير ربنا. ربنا هو القادر على كل شيء. متخفش يا أبو جنة، لو اجتمع الإنس والجن على أن يضروك بشيء ربك مش رايده، مش ها يضروك بشيء." السيد: "ونعم بالله يا شيخ. أنا سيبهم في معية الله ومعيتك."

أنهى كلامه وهب واقفًا مستأذنًا من الشيخ، وقبل أن يتحدث الشيخ علي ويرد عليه، يجد من سقط أمامه أرضًا لا يتحرك. يسرع زحفًا إليه، يربت على خده، وينادي عليه، ليبكي بصوت متحشرج وهو يزيح وشاحه من على كتفه ليغطي به وجهه، ويترحم عليه. جلس لدقائق يحاول النهوض حتى نجح، ليتجه تجاه الباب مناديًا على بعض المارة. ليفيق على صوت أحد يناديه، يزيح دموعاته بطرف يديه.

ليفتح عينيه عند سماع صوت ينادي عليه. يعتدل في جلسته محمحمًا، يبتسم بابتسامة باهتة وشفقة وهو ينظر لمن يناديه. الشيخ علي: "نعم يا بشمهندسة جنة، متأخذنيش شردت شوية." جنة: بخجل وعيون باكية، "متشكرين يا سيدنا الشيخ على وقفتك جنبي أنا وأختي طول أيام العزاء، مش هننساها طول ما إحنا عايشين وجميلك ده على روسنا من فوق."

"جميل إيه يابنتي، إنتم زي بناتي، أبوكم الله يرحمه ويغفر له كان ونعم الجار ونعم الصديق، وقبل ما يلاقي ربه وصاني عليكم. يا بنتي المرحوم توفي من شهر وزيادة، وإنتي وأختك ملزمين البيت ومخرجتيش منه، وناسية إن الأرض ومشروعكم محتاجين رعاية. وكمان وقت الحصاد قرب والزرع بقى حاله ما يسر عدو ولا حبيب، الطير بيسعى فيه. متنسيش إن الأرض أمانة صاحبتها سابتها في رقبة المرحوم أبوكي، وهو شقي فيها وتعب فيها هو والمرحومة والدتك، وإنتي واختك تعبتوا فيها جامد وقدرتم بمجهودكم وعلمكم تخلي الأرض البور أرض بكاري، عفية بتزرع أحسنها زرع وأجودها في البر كله. فبعد ده كله تضيعوا تعبكم، أكيد ما يرضيش ربنا."

جنه: "غصب عنا يا شيخ، إنت عارف اللي مرينا بيه وموت أبويا المفاجئ، وكلام الناس هيفضلوا ينهشوا في لحمي أنا وأختي وهيقولوا محزونوش على أبوهم وخرجوا ورحموا، وجاي، وإنت سيد العارفين كلام أهل البلد."

"يا بنتي الناس موارهاش غير الكلام، حتى لو قفلت بابك على نفسك انتي واختك مش هتسلمي من كلام الناس. يا جنة يا بنتي ارمي كلام الناس وراء ظهرك وحزنك على أبوكي مش قعدتك بالبيت وتضيعي شقى أبوكي وحلمك ومشروعك. إن شاء الله من الفجرية تصلوا وتتوكلوا على الله، تراعوا الأرض وتشوفي الزرع، وأي حاجة تحتاجوها شيعوا علينا عندك بإذن الله في التو واللحظة." "إن شاء الله يا سيدنا الشيخ، اللي تؤمر بيه إحنا هننفذه حاضر."

الشيخ: "ربنا يسهلك الحال يا بنتي وما يؤمر عليكم ظالم ولا عدو. هستأذن أنا، يدوب الحق صلاة العشاء. يلا تتمسوا بالخير، بكرة أعدي عليكم بالأرض ألقاكم واقفين بمشتل الورود منورين." جنة: "بإذن الله، منين ما تمر علينا هتلاقينا هناك." رحل الشيخ، وأغلقت جنة باب المنزل خلفه، والتفت تقع عينها على شقيقتها الصغرى تقف بالقرب من باب إحدى الغرف. جنة: "أخيرًا خرجتي يا جنات من الأوضة، حمد الله على سلامتك."

جنات: تضم رأسها ودموعها تسيل على وجنتيها، تنظر للباب الخارجي للمنزل وتشير بيدها. جنة: "قصدك الشيخ علي." جنات تهز رأسها بمعنى نعم. جنة: "ماله الشيخ." جنات تشير بيدها على إحدى صور والدها المعلقة، تزيح دموعها، تشير على نفسها تارة وعلى جنة أخرى، وتهز رأسها. جنة: "إنتي موافقة على كلام الشيخ علي وهتروحي معايا الأرض عشان المرحوم." جنات توم برأسها بالموافقة، وتتجه لشقيقتها، ترتمي بحضنها.

مضى الليل الطويل على الفتيات كدهر كامل، يفزعن كلما سمعا صوت أو مواء قطة، يَنمن متمسكات ببعضهن، مدثرات من أخمص أقدمهما حتى رأسيهما. ينهضن من نومهم المتقطع مع أذان الفجر. يرحلن من المنزل بعد أداء فرضهما وإعداد ما يلزمهم من لقيمات وماء وأدوات يستخدمونها في عملهم، ليصلوا إلى الأرض مع أول شعاع للشمس.

يومان بليلتيهم مضوا على وجود سيدات الغمراوية منعزلين عن بعضهن، الفتيات في غرفة والسيدات في أخرى. في غرفة السيدات جالسات ظهورهن للحائط، مبتعدات عن بعضهن، معاد زينب التي تضم شقيقتها زينة لصدرها، تربت على ظهرها، والأخرى تبكي بنحيب، جسدها يرتجف بشدة، مع كل شهقة تخرج من فاها تحدثها شقيقتها تحاول تهدئتها. "إهدي يا زينة، إن شاء الله البنت هتكون بخير، وزايد مش هيسيبها غير لما تتحسن ويجيبها ويجي."

زينة تتحدث بصوت مكسور ضعيف، تخرج كل كلمة منها كسكين ينغز في حلقها. "دول يومين يا زينب، يومين واحنا هنا محبوسين، لا حس ولا خبر، حتى زايد لا جه ولا طمنا، منعرفش حاجة." "إطمني يا زينة، متقلقيش، زايد مش هيسيبها."

"طول عمري عايشة مطمئنة بوجود إخواتي جنبي، زايد وزيدان دايما كانوا سندنا جنب بابا، عمرهم ما قصروا معنا ولا مع أولادنا، سنين عايشين في القصر بعد اللي حصل، ولا مرة فرقوا بين أولادهم وأولادنا، بالعكس كتير كانوا بيفضلوا أولادنا على أولادهم. تقوم الطعنة والخيانة تجي من مين وعشان مين." ترفع وجهها مقابل لوجه شقيقتها. تفتكري أنا أكتر حاجة وجعاني ونار وقيدة في قلبي بسببها

إن اللي عمل كل ده مش حد غريب، لكن طلعت بنتي من بناتي هي اللي عملت كده. بنتي هي اللي حاولت بقلب بارد تموت كل عيلتها. بنتي أقرب واحدة ليا. الطعنة متجيليش غير منها. وشوفي اللي يحزنك ويوجع القلب إنها مش أي واحدة. دي أكتر واحدة أخدت اهتمام من جدها وأخوالها. طلباتها مجابة. مفيش مرة طلبت حاجة وتأخروا عليها. دراستها وهواياتها محرموهاش من حاجة. رحلاتها ومصاريف مشروعها

جدها ساعدها وقالها: "كل اللي تطلبيه وتحلمي بيه أوامر". بعد كل ده الضربة متجيش غير منها هي. وياريت اكتفت بخيانتها وبس، لا دي حرقت القصر وإحنا جوه بدم بارد ومهمهاش نعيش نموت محروقين. وبعد ده كله بدل ما تنقذنا، لا مفكرتش غير في أوراق أبوها اللي بمكتب جدها. مهمهاش إنها تبقى مجرمة وتقتل عائلتها، لا الهانم رمت نفسها عشان شوية ورق! عملتهاش مع أمها وأخواتها. عارفة ده معناه إيه؟ أنا معرفتش أربي. استحالة دي تكون بنتي. استحالة.

زينب ببكاء على إنهيار وصدمة شقيقتها والرجفة اللي بتشعر بيها بجسد شقيقتها تحاول مواساتها، وهي تنظر لزوجات أشقائها تحسهم على الكلام والتخفيف عن زينة. لتجحظ عينيها وهي ترى وتسمع تلك الكلمات اللاذعة من فم. خرجت عن صمتها وهدوئها المعتاد عليه لأول مرة بحياتها، تتحدث بهذه الطريقة. دموعها لا تتوقف، تبكي وتتحدث. آيات: قبل ما تلومي بنتك اسألي نفسك ربيتيها صح ولا غلط؟ كلنا هنا في نفس المركب. كل واحدة فينا تتحمل تربية ولادها.

كلنا غلطنا. أنا وإنتي وآمال وزينب. يا إما كنا سلبيين أوي وعمي وماما زهور هم المتحكمين في كل أمورهم، يا إما... مسيطرين زي ما عملت زينب. ولادها الاتنين فضلوا عرايس تحركهم بأيديها لحد ما فاض بيهم. وأهو بدأت نورين بالتمرد وقريب أوي هتشوفوا نتيجة التمرد دي. وأولكم زين ابني. أما...

إنتي يا زينة حاولتِ تكوني الأم المثالية الطيبة. ههه. قلتي مش هحرم البنات من أبوهم. أنا مش هكون أنانية. اللي بيني وبينه انتهى، بس البنات ملهمش ذنب. اهتمتي ببناتك فوق الوصف. بس للأسف حضرتك ضيقتي الخناق عليهم بدل ما تقربيهم. بعتيهم عنك. لما لقيتي البنات قربوا منه بقيتي دايماً بتفكريهم بعمله وخيانته ليكي. لما تعاقبي

واحدة فيهم تقول لها: "هرمك لأبوكي". نسيتي إن بناتك بسن حرج ونسيتي جوزك كان إيه وبيعرف يوصل للي هو عايزه إزاي. نسيتي أهم حاجة تكوني صحبتهم. مرة ورا مرة بعتيهم عنك. بقيتي سليطة على الكل، شكاكة، موسوسة. بدل ما تحتوي بناتك، لا رميتيهم في حضن أبوهم. وإديكي شفتي بنفسك نتيجة اللي حصل كويس. زينة رفعت رأسها مبتعدة

عن شقيقتها وبصوت مختنق: بقيت أنا السبب في اللي حصل. بدل ما تقولي أختي هي السبب. من صغرها وهي بتغير مني وبتحط عينها على أي حاجة ليا. بقيت أنا السبب. أنا اللي غلطانة وكلكم ملايكة. آمال تقف بصراخ: كفاية بقى انتي وهي! مفيش حد فينا بريء. كلنا غلطنا. أيوة كلنا وأنا أولكم. غلطت لما اتجوزت زايد وإحنا مش بينا أي مشاعر، حتى الرغبة مش بينا.

غلطت لما سمعت كلام بابا: "جوازة مرتاحة وابن عمي هيخاف عليا ويحميني". غلطت لما خلفت ولادي وعيشتهم ما بين أب وأم مش بيحبوا بعض.

بدل ما نشوف هنعمل إيه في المصيبة اللي ربنا نجانا منها بمعجزة وكشف لينا كل حاجة ومين عدونا من حبيبنا. لا لسه بنلوم بعض ونقول عملت ومعملتش. لا كفاية بقى. إحنا هنا مش عارفين ولادنا فين وعمي وماما زهور وزايد وزيدان حصلهم إيه. بدل ما نهين بعض، نفكر مع بعض إزاي نقدر نطمن على ولادنا وحصل ليهم إيه. أنا قلبي هيقف من الخوف عليهم. عمر قلبي ما وجعني كده. كنت ببقى مطمنة إن عمي حاميهم مش مقصر معاهم. لكن دلوقتي متأكدة إن فيهم حاجة. قلبي بينغز عليا. ولادي مش بخير أبداً. أنا مش هستنى دقيقة واحدة قاعدة هنا ومعرفش حاجة عن عمي والباقين. فاهمين؟

زينب: عندك حق، بس هنعمل إيه؟ زايد مشدد علينا مش نخرج من هنا. آمال: عارفة كل حاجة، بس أنا مش قادرة أستحمل ولادي. يا ناس قلبي بيقولي فيهم حاجة، وحازم بالذات قلقانة عليه.

في غرفة الفتيات تجلس كل منهن شاردة في ملكوتها. وسيسيليا لا تكف عن الحديث، تسأل غادير أسئلة كثيرة وغادير تكتفي ببعض كلمات تجيبها. حتى شعرت بالنعاس وتمددت على الفراش حتى غفت. تدثرها غادير وتمددت جوارها، تربت على كتفها. تتلمس شفتاها وتبتسم بخجل، مع تذكرها زاهر وحركاته. تجحظ عيناها عندما أعادت كلماته التي همس بها في أذنها. قلبها يكاد يخرج من مكانه. تتساءل ما معنى كلامه الذي حدثها به. تغمض عينها، تعيد ما قاله.

"اعملي حسابك الكلام اللي قلتيه لجده وتيته مش معدية. كام يوم وهنسافر لندن ووقتها هحاسبك بطريقتي وأعرفك إزاي تقولي اللي قلتيه." تعود من ذكرياتها منتفضة: أنا نسيت تيته وجدو خالص. ياترى هما عاملين إيه؟ وعرفوا مكان زهروان ولا لسه؟ وتيته أخدت علاجها ولا نسيت نفسها؟ أنا لازم أتصرف. وأطمن عليهم بأي طريقة. ظلت طوال الليل تفكر في خطة تستطيع تنفيذها والخروج للاطمئنان على جديها، حتى بزغ أول شعاع لشمس الصباح.

نظرت حولها وجدت الفتيات غطوا في النوم. تتسحب من جوار سيسيليا بخفة حتى هبطت من على الفراش وأسرعت بالخروج من الغرفة. اقتربت من الغرفة اللي قاعد بها والدتها وباقي نساء الغمراوي. تتصنم مكانها وهي تستمع لحديثهم. تغلق باب الغرفة من الخارج بالمفتاح وتسرع بالهبوط من الدرج.

تتجه ناحية الباب وتفتحه براوية وتخرج بهدوء وهي تتلفت خلفها بحذر حتى هبطت الدرج كاتمة أنفاسها. اقتربت من باب المنزل فتحته بهدوء وأسرعت بالخروج راكضة حتى وصلت للباب الخارجي فتحته بصعوبة، تتلفت يمين ويسار. عبرت الطريق للجهة الأخرى وأشارت إلى سيارة أجرة. وأشارت له بالرحيل وأخبرته بالعنوان. لتصل بعد وقت للعنوان، تترجل من العربة مسرعة تدلف للبناية لتصعد بالمصعد وضغطت على زر الصعود قليلاً. كانت تضع يدها على جرس باب الشقة الجالس بها جديها. فتح الباب لتخطو للداخل بلهفة دون النظر لمن فتح الباب. لتلتف عند سمعها صوت والدها.

زيدان: غادير. غادير: بابا. تترمي بأحضانة، تشتد بضمه، تحمد ربها على سلامته. تحدثه بهدوء: حضرتك هنا فين؟ تيته وجدو وعمو زايد. تخرج من أحضانه على صوت خارج من غرفة مجاورة. زيدان أسرع بغلق الباب وأمسكها من يدها وتوجهوا ناحية الغرفة. تجد الجد ممسك بهاتفه يتحدث بصوت غاضب. تتجه لجدتها تقف بجوارها تحدثها بهمس. تيته هو إيه؟ جدو متعصب كده ليه.

مصيبة يا غادير. مصيبة. صدر أمر بمنعنا كلنا من السفر والقبض على أخواتك وولاد عمك. واللي زاد وغطى زهروان. رفعت قضية على جدك وعمك زايد وحازم تتهمهم بالاستيلاء على أملاكها وتبديدها. والأسوأ نهال عرفت برجوعها. أنا مش فاهمة حاجة. هي زهروان رجعت إمتى؟ ولحقت ترفع قضية إمتى؟ وطنط نهال وصلت ليها إزاي؟ مش عارفة يا غادير. دلوقتي جدو يخلص المكالمة ونعرف منه كل حاجة. زيدان: أنا مش فاهم. نهال دي شيطان.

أغلق الهاتف بعصبية وجلس على أقرب كرسي يتحدث بوهن. إنتي إزاي تخرجي بالوقت ده لوحدك؟ مش وتسيبي الباقيين؟ عارفة الخطر اللي إحنا فيه لو حد شافك وإنتي جاية على هنا وعرف إن باقي العائلة موجودين فيه. مفكرتيش في اللي ممكن يحصل ليهم؟ مش ممكن اللي حرقوا القصر أول مرة يحرقوا القصر ده؟ فيه للدرجادي بقيتي مستهترة يا غادير؟ هو أنا هلحق إيه ولا إيه؟ مش كفاية المصايب اللي نازلة على رأسي. مصيبة ورا التانية.

أنا آسفة يا جدو بس قلقت على حضرتك وتيته وخصوصاً تيته ماخدتش الدواء. وكمان يومين محدش من اللي في القصر عايش على الماية وسيسيليا طفلة صغيرة مش هتتحمل أكتر من كده. ومش مبطلة سؤال على عمو زايد. ومتقلقش يا جدو أخدت حذري وأنا خارجة من القصر وكمان وأنا جاية على هنا نزلت في مكان بعيد عن هنا بشوية.

الجد زيدان حاول تتصرف وتروح على القصر وتاخد أكل يكفيهم فترة طويلة أسبوع عشر أيام. وإنتي يا غادير شوفي محتاجين إيه كمان وروحي مع أبوكي واشتروه. بس بلاش تروحوا أي مول أو مكان تكوني معروفة فيه. وخليك معاهم. متخرجيش غير لما أتصل عليكي. حاول تطمنهم وتطمني زينة على بنتها وبلاش أي كلام وعتاب. أختك فيها اللي مكفيها. وبلاش تاخدي عربية من عربيتنا. خد أوبر ولا تاكسي.

غادير: لو سمحت يا جدو بعد إذن حضرتك ممكن بابا يروح الأول ياخد أي أكل معاه. قبل ما أجي سمعت طنط آمال منهارة ومصممة تخرج وكمان عمتو زينة هتجنن على نيرة. وأنا هاخد كل حاجة هنحتاجها. أنا هاخد وقت بشراء كل حاجة. زهور الجدة: كلام غادير صح. روح يا زيدان. كلنا عارفين زينة وطبعها مش هتتحمل أي كلمة وآمال ممكن تعمل حاجة من غير ما تقصد تضيع كل تعب أخوك. وأي محل يقابلك بالطريق اشتري أي أكل وغادير تحصلك بالباقي.

زيدان: تمام. أنا هروح بالأكل وأطمن عليهم وأرجع هنا تاني. نشوف هنعمل إيه في المشاكل دي كلها. قعدي هناك ملوش لازمة. لا مترجعش على هنا. وجودك هناك أهم. هنكون مطمئنين عليهم. وأنا وزايد هنتصرف وهنتابع معاك خطوة بخطوة.

أومأ زيدان برأسه وقبل يد والديه ورأسهما وخرج مسرعاً من الشقة بل من البناية. وقف قليلاً يمشط المكان بعينه ليتأكد من أمان الطريق. تنفس الصعداء ورحل بعيداً عن البناية. بعد عدة خطوات أشار إلى عربة أجرة. أخبره بالتوقف عند أقرب محل بيع طعام. اشترى كمية من الأكل والمرطبات وأخبر السائق بالعنوان الذي يريده. بعد دقائق قليلة توقف السائق في المكان الذي أخبره عليه زيدان الذي ترجل سريعا بعد دفع ما طلبه السائق وحمل الأغراض بيده. فور انطلاق السائق مبتعداً أشار إلى عربة أخرى وأخبره على عنوان آخر.

بعد أقل من نصف ساعة كان وصل زيدان القصر بعد ما تنقل من عربة لأخرى للأمان. دلف إلى القصر وضع ما يحمله بيده على طاولة صغيرة بالردهة يلتقط أنفاسه. يهرول صاعداً لأعلى مع سماعه لصوت خبطات على باب إحدى الغرف. يفتح الباب المغلق من الخارج بمفتاح موضوع بالمقبض. ليصدم مما يرى.

يجلس علي كرسي أمامه طاولة يتلمس رأسه يشعر بدوار وألم يفتك بها. ملامح وجهه ممتعضة. ينظر إلى الغبرة التى بالمكان، يسعل فور أن بعثر الأتربة. يقف بغضب ويرجع للخلف ليسقط الكرسي على الأرض. يركله بقدمه بشدة مصدرا صوت عالي. ليفزع من معه بالمكان ويهبون واقفين من نومتهم ينظرون حولهم باستغراب شديد يتساءلون فيما بينهم. زين: إيه الدوشة ال إنت عملها ده يا سي حمزة عايزين نرتاح. إنت ناسي ورانا إيه. ليقطع كلامه وتجحظ عيناه مما يرى.

زاهر: طول عمرك مزعج مش عارف ها تكبر أمتى وتعقل. إيه ده إحنا فين. يدور حول نفسه بالمكان باستغراب شديد ليلتف للواقفين بجواره حالهم لا يقل عن حالة بصدمتهم. زاهر: حد يفهمني إيه المكان الغريب ده. وجناه إزاي. وحازم فين. ليعلى صوته مناديا على شقيقة. حازم حازم. حمزة حازم فين. حمزة: معرفش انا من شوية صغيرين فوقت من النوم. ومصدع ومش قادر افتح عيني ودايخ يادوب لحقت اقعد على الكرسي ده.

زين: يتحدث وهو يفتش بالمكان ويمشط كل زاوية بعينيه حتى وقع بصره على الأرض رأى آثار أقدام ليتبعها حتى وصل لأخر تلك الآثار يصعد درج صغير من الخشب ليصل للسطح يجد حازم جالس متقوقعا على نفسه ينظر أمامه. ينادي عليه عدة مرات متتالية حتى تلقى استجابة منه يشير له ويهبط لأسفل خلفه حازم الذي يتنفس بضيق هابط خلفه. هبط زين وخلفه حازم يهرع زاهر تجاه فور وقوع عينيه على قطرات الدم التي على ملابسه.

زاهر: حازم إيه الدم ده وازاي يا بنادم تحمل على إيدك وهى تعباك كده. حازم: كنت مخنوق وزهقان جيت أخرج اتنفس هواء نصيف الباب مقفول من برة. افتح شباك نفس الحال دورت كتير لحد ما لقيت السلم ده وطلعت. حمزة: أنا مش فاهم حاجة إحنا فين. وإيه البيت الغريب ده ومين جبنا هنا. حازم: معرفش بيت مين. وجينا إزاي مع الشخص الغريب اللي جده بعته لينا. وإزاي أكيد العصير اللي شربناه بالطريق حاطط فيه منوم بس ليه وغرضه إيه مش فاهم.

حمزة: الباب مقفول من برة والشبابيك هو إحنا في سجن. جدو قال نروح معاه لحمايتنا مش يسجنا. زاهر: مش وقت الكلام دلوقتي. حازم وأنت بتستكشف الكهف ده الحمام منين. حازم: حمام إيه مافيش حمام. البيت أوضتين ومكان غريب كده فيه كام طبق وجنبه باب مقفول معرفش ده حمام ولا إيه. زاهر: فين ده محتاج أدخل حمام بأي طريقة. حازم: هناك جنب السلم بالضبط.

انطلق زاهر مهرولا ناحية ما أشار حازم. ليفتح الباب بحذر لينظر بداخله ويلتف لهم وعلى وجهه صدمة واضحة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...