الفصل 2 | من 87 فصل

رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الثاني 2 - بقلم منى عبدالعزيز

المشاهدات
22
كلمة
1,172
وقت القراءة
6 د
التقدم في الرواية 2%
حجم الخط: 18

مر الليل سريعاً وأتى الصباح، سطعت خيوط الشمس الذهبية تضيء الكون، ولكن كان هناك عتمة قوية في قلب ساكن ذلك المكان. جلس على كرسي هزاز، غارقاً في أفكاره، وجهه عابس حزين. كان ممسكاً بهاتفه ينظر إلى صورة.

يضمها قلبه، يكاد يخرج منه للاطمئنان على حبيبته، وزهرته، وبرعمته، نبتته الأولى من زوجته، من هواها فؤاده، عشقتها عيناه من أول لحظة رآها. يغمض عينيه يتذكر أول لقاء بينهما، ومن أثرته ببطلتها، وابتسامتها، ووجهها البريء، أخلاقها وخجلها. دموعه لا تتوقف. تنهد بحسرة على حالتها وهي نائمة. تنادي عليه. عاد بذكرته للأمس. "حسن.. الو زياد. سلسبيل نامت، تقدر تيجي حالا؟ "زياد.. أنا قربت من أوضتها، متأكد إنها نامت."

"حسن.. أيوه متأكد، واخدة منوم، هتفوق منه الصبح." "زياد.. سلام، أنا خلاص قدام باب الأوضة، شوية وهعدي عليك في مكتبك." "حسن.. مستنيك، سلام." فتح باب الغرفة بعد أن أغلق هاتفه. اقترب من تلك النائمة، تهذي باسمه وتنادي عليه. انحنى وقبّل جبينها ووجنتها، ينظر إليها، وجهها شاحب. تهذي باسمه. اقترب. "زياد.. ليه بتصعبيها عليا يا حتة من روحي." انحنى وقبّل منها. قبل شفتها، دمعة نزلت من عيناه على وجنتها. جففها بيده، جلس جوارها.

"زياد.. (بصوت كاد أن يسمع) آسف، سامحيني. مقدرتش أقاوم، خوفت عليكي وعلى بنتي، بحميكم. بس أوعدك هاخد حقي من كل اللي ظلمونا وحرمونا من بعض. أوعدك إن حبك هيفضل لآخر يوم في عمري، عايش جوه قلبي. أنا كتبت كل ورثي، ما أملك، باسمك وباسم زهرتي."

تعالت شهقاته، رفع يدها يقبّلها. "أسف، أسف. خوفي عليكي وعلى زهرتي عملت كده. سامحني. مقدرتش أواجهك، خفت أشوف نظرة خذلان في عنيكي، خوفت أضعف وحبي وشوقي يكونوا السبب في موتك. بعدي عنك هو موتي بالبطيء، لكن حياتك عندي أهم." أخرج زياد من جيب سترته أوراقاً ومبلغاً مالياً، وضعهم بحقيبة يدها. قبل جبينها وشفتها مرة أخرى. مد يده يمررها على وجهها، وقفت عند شفتيها يتلمسها. "آه...

" قوية خرجت منه. وقف، ثم قبّل يدها. نظر إليها مرة أخرى واتجه ناحية الباب. توقف والتفت لها، يلقي عليها نظرة الوداع. قطع المسافة مرة أخرى عائداً إليها، رفعها إلى أحضانه يبكي بقوة. "آه يا رب قويني على بعدها وعلى بعد بنتي. آه... آه." "يا رب صبرني على وجع قلبي. آه...

ظل وقتاً طويلاً يضمها إليه، حتى علت رنات هاتفه معلنة على اتصال. نظر زياد إلى هاتفه. قام بإغلاقه، وضعه بجوار محبوبته ببطء شديد. قبّل شفتها مرة أخرى، وخرج من الغرفة سريعاً، مغلقاً الباب خلفه للأبد. توجه إلى مكان صغيرته، زهرته. وقف بجوار سريرها الصغير، يتلمس يدها. وضع إصبعه بين راحة يدها الصغيرة. جسّ على ركبتيه، انحنى يقبّلها ويتلمس وجهها، يشم رائحتها. "ياترى يا زهرتي هتسامحيني؟ هشوفي تاني؟ هاخدك في حضني في يوم؟

ظل فترة لا يعلم كم مر وقت، حتى أتته الممرضة. "الممرضة: لو سمحت حضرتك ممنوع دخولك هنا، ولو حد من المسؤولين عدا هتجازى. لولا دكتور حسن ما كنتش هسمح بكده." أومأ بتفهم، وقف مرة أخرى، أخذ يسحب إصبعه من يد صغيرته. خرج منها صوت بكائها الذي يشبه مواء القطة الصغيرة. انتفض قلبه برجفة وعالت دقاته، فصغيرته تبكي على ابتعاده عنها. لم تعد قدماه تحمله. علت شهقاته.

"زياد.. سامحيني يا زهرتي." وخرج مسرعاً قبل أن يضعف أكثر ويأخذها ويهرب بها عن العالم أجمع، ولكن خوفه على معشوقته، أمها، منعه من ذلك. أفاق من ذكرى تلك اللحظة على صوت هاتفه. رفعه أمام عينه، تنهد بضيق وحزن شديد. فتح الاتصال ليجيب وهو يجفف دموعه بيده. "زياد.. الو." قالها وحيداً وهو يستمع للطرف الآخر. "الطرف الآخر: ...... "زياد.. أنا بالطريق، مش هتأخر." "الطرف الآخر: ......

"زياد.. أيوه، نفذت كل اللي طلبته، ورقة الطلاق وصلتها، وكل حاجة انتهت." "الطرف الآخر: ...... "زياد.. حضرتك عايز تعرف مكانها ليه؟ خلاص اللي انت عايزه حصل، وطلقتها قدامك بتلاتة. سيبها بحالها." "الطرف الآخر: ...... "زياد.. قلت لحضرتك مسافة الطريق وهكون بالبيت." "الطرف الآخر: ...... "زياد.. حاضر، الفندق حاضر. هروح على هناك." ليكمل: "بعد إذن حضرتك، هقفل. خلاص قربت أوصل."

أغلق الهاتف سريعاً، حتى قبل انتهاء المتصل من إكمال حديثه، وهب واقفاً، يجفف دموعه ورحل بسيارته متوجهاً لمكان ما أخبره به المتصل. وقف بسيارته أمام فندق كبير يطل على النيل. تنهد بقهر ودخل، وأسرع بالدخول إليه، وجد شقيقه الأكبر يجلس في انتظاره. اقترب منه يحاول السيطرة على أعصابه، تكلم بصوت رزين. "زياد.. السلام عليكم." "شقيقه.. عليكم السلام. اتاخرت ليه؟ بابا قالب الدنيا عليك."

"زياد.. كان عندي شغل مهم، خلصته وجيت. فين بابا؟ قالي أجي الفندق على طول." "شقيقه زيدان.. بيشرف على تجهيزات الفرح بنفسه، وماما ونهال والكوافير، وأخواتك البنات فوق بجناح العائلة بيجهزوا. وزيد بيخلص شغل بابا كلفه بيه." ارتجف قلب زياد ونطق سريعاً: "شغل إيه ده يا زيدان؟ "زيدان.. معرفش، بس اللي فهمته، دعوة مخصوصة لحد مهم." زياد.. الخوف ملا قلبه، أومأ برأسه، وجلس على أقرب كرسي بعد إحساسه بدوار شديد.

اقترب منه شقيقه: "مالك يا زياد؟ فيك إيه؟ "زياد.. مفيش حاجة، متقلقش. مجهد شوية. هات مفتاح الأوضة، أطلع أرتاح شوية." "زيدان.. يدوب تلحق تجهز، الساعة قربت على ستة، والمعازيم هيبدأوا بالوصول. بابا حاجز ليكم طيارة الساعة عشرة، والفرح هيبدأ بدري." أومأ زياد وهو يجاهد فتح عينيه من الألم، وقف متحاملاً على نفسه: "اوك، فين المفتاح؟ "زيدان.. تعال معايا، أوصلك. شكلك مرهق أوي."

وصلا الغرفة، وجد مصفف الشعر وبعض أصدقائه وأزواج شقيقاته يضحكون ويتحدثون. ألقى السلام برتابة وسط مباركتهم له. استأذن ودخل الحمام يغسل وجهه بالماء المختلط بدموعه. رفع عينيه ينظر إلى المرآة، يلعن ضعفه. خرج بعد أن بدل ملابسه. رفض أن يهذب لحيته، قام المصفف بتهذيب شعره بعد إلحاح من شقيقه، واستغراب الجالسين من هيئته. انتهى من تصفيف شعره. حضر شقيقه الأوسط يطلب منه الحضور لبدء الاحتفال.

نظر إلى شقيقه بخوف، لا يعلم لما تلك النظرة التي بثها له شقيقه كتهديد أو إنذار. اقترب منه. "زياد.. عملتلها إيه يا زايد؟ "زايد.. ربّت على كتفه. كل خير، متقلقش. أنا وعدتك إني مش هلمسها، لا هي ولا بنتك، اللي شبهك أوي." زياد.. ارتخت يده، قدمه لم تعد تحمله. كادت دموعه تنزل من الخوف، قلبه ارتفعت ضرباته. "أنا نفذت كل اللي قولتم عليه. ابعدوا عنهم. لو آذيتوهم، أنا اللي هقف ليكم وههد المعبد على روسكم."

"زيدان.. أنا مش برجع في كلمتي. وأقسمت ليك، لا أنا ولا حد من طرفي هيؤذيهم. وبابا وعدك. وميعرفش إنها خلفت، والا كان أخد البنت منها، وأنت عارف بابا، إلا أحفاده." زياد بضحكة ساخرة خرج من الغرفة بمناداة شقيقه الأكبر. عيناه مغرورقة بالدموع، قلبه ينتفض، روحه تسحب من جسده، قدماه أشبه بهلام يذوب من شدة الحرارة. "آه... " خافتة تخرج من بين حنايا شفتيه. يدعو ربه بحفظ ابنته التي اشتاقها بجنون فور أن أتت على مخيلته. "زياد:

يناجي ربه: ربي أنت أعلم ما في نفسي، ارحم ضعفي وقلة حيلتي، هون عليّ ما بي. ربي أنت تعلم ما في قلبي، وإني لا أبغي هذه الزيجة من ابنة عمي التي تبغضني. كل ما أريد زوجتي حبيبتي وابنتي التي اشتقت لها. أود ضمها، أستنشق عبيرها، ألمس بشرتها الرقيقة. أقبّل يدها الصغيرة. قلبي يشتاق لوضع إصبعتها الصغيرة في يدي. يارب، أود فقط من هذه الحياة أن أشبع من ضمة ابنتي التي لم أهنأ بها. ربي اجعل آخر ما أراه قبل أن تصعد روحي للسماء، وجه حبيبة قلبي وبنيتي الصغيرة. يارب أنت تعلم قوة إيماني ومحبتي للقياك. ربي ارحم ضعفي واجبر خاطري وارحمني من هذه الفتاة المغرورة. لا تجعل يوماً يجمعني بها ولا اسمها يقترن باسمي. ربي اجعل زوجتي رفيقتي في جنتك."

رفع عينه لأعلى، ثم التفت إلى يمناه ونظر خارج الشرفة، رافعاً عينه للسماء كأنه يرسل رسالة بعينيه. ليبتلع لعابه بصعوبة شديدة، وتلك النزعة القوية بقلبه. ارتجفت صدره وضاق نفسه أشد من الأول بعدة مرات، فور اقترابه من مكان تجمع عائلته. استغفروا، لعلها تكون ساعة استجابة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...