احلام بداءت في العمل بسوق القرية تذهب إلى أكبر تجار في السوق تأخذ ما تريد وتدفع ثمنه وتعود مرة أخرى للسوق. كل هذا ومعه الصغيرة تحملها. أصبح لها زبائن مخصوصون يشترون منها. مرت شهور وهي على تلك الحالة، تخرج في الصباح الباكر وتعود قبل المساء. تغلق بابها ولا تفتحه إلا في اليوم الآخر. في إحدى الليالي مرضت الصغيرة ولا يعرف السبب، حرارتها لا تنخفض، تتقيأ بلا توقف.
طوال الليل وهي بتلك الحالة، أبدلت أحلام ملابسها وملابس الصغيرة وتوكلت على الله وحملت الصغيرة وتوجهت إلى الباب. مدت يدها تفتح القفل لترتد إلى الخلف برعب وتغلقه مرة أخرى سريعا فور وصول صوت شفيق لمسمعها ينادي عليها. كل يوم أطال مكوثه، لم يذهب يحدثها من خلف الباب. أحلام تبكي بحرقة تناجي ربها بأن ينقذ الصغيرة. لم تجد حلًا، ماذا تفعل؟ إذا خرجت سيكلفها حياتها هي أو الصغيرة. وإذا ظلت فحياة الصغيرة في خطر.
ينتفض جسدها بين الحين والآخر مع كل خبطة لشفيق على الباب. شفيق: افتحي يا أحلام، خليني أروي شوقي وأطف نار قلبي، أشبع نفسي برحتك اللي كانت بتخطف قلبي زمان. فاكر أيام الخص وأيامنا الجميلة وحبنا البريئ وقعدتنا المغربية والشمس بتبات وقرصها الأحمر وكلامك الحلو وأنتِ بتودعيها؟ وتاني يوم الصبح وأنتِ واقفة فـ بـ شباك أوضتك تستقبليها.
عارفة أنا لسه على نفس العادة، أمسي على الشمس عند الخص وأفتح الشباك من بدري عشان أصبح عليها. كل يوم من يوم ما هربتي من البلد وأنا بتخيلك الشمس بتودعني وبتصبح عليا. اليوم اللي يفوت ومش عارف أودعك كنت بصب غضبي على اللي قدامي إنه أخرني عن الطقس اللي بقالي عشرين سنة ماشية عليه. كل يوم والثاني اروي شجرة التين عشان أنتِ زرعتيها معايا بإيدك. تعرفي أنا اشتريت الأرض دي مخصوص عشان الشجرة، محدش يقطعها.
شفيق: لسه قلبك ما ملش وحن للأيام دي؟ محنش لقعدتنا نتكلم على مستقبلنا وأسماء ولادنا؟ محنتيش لأكل الدرة من إيديا؟ واول وردة من مشتل الورد بتاعي اللي زرعته بإيدي وردة وردة؟ سميتيهم بنفسك. كل ده أنا اللي فضلت عايش على ذكراهم بعد ما تعبت من التدوير عليكي، بس كنت متأكد من رجوعك مرة ثانية والشوق جابك لهنا من تاني ونعوض سنين حرماننا من بعض. بس إنتي رجعتي واحدة ثانية، أسية قلبك جامدة، بتعذبي فيا، حرماني من شفتك ومش بتبلي ريقي
بكلمتين تصبريني على النار اللي جايدة في جسمي. أحلام لم تعد تقوى على الوقوف. أسندت ظهرها إلى الباب وجلست على الأرض تبكي بوجع على ذكريات تمنت تمحوها من ذاكرتها، على أيام عذابها، كسرتها وكسرت والدها. اغتصابها من بكر بوحشية جعلها تكره كل الرجال. أقسمت بأن لن يمسها رجل مرة أخرى، لولا الحاجة والخوف من مصير مجهول ما كانت عادت إلى ذلك المنزل مرة أخرى. تنظر للصغيرة تبكي بصمت خوفًا من سماع شفيق لبكائها.
ظلت على جلستها والصغيرة على قدمها حتى غفيا معًا من شدة التعب. لتفيق على صوت بكاء الصغيرة. تفتح عينها بكسل، تشعر بتيبس جسدها وتخدل قدمها وألم عنقها. تتلمس جبهة الصغيرة لتنتفض من مكانها. تفتح الباب غير عابئة إذا كان شفيق لازال جالس أم لا. تخرج مهرولة للطريق المتجه للمستشفى حتى وصلت عند بابها الموصد، تنادي وتستغيث بالطبيب لإنقاذ الصغيرة. خرج الطبيب على حمل منها الصغيرة ووضعها على سرير الكشف يتفحصها. بعد قليل من الكشف
علي: إزاي يا مدام تسيبي البنت سخنة بالشكل ده؟ إيه الإهمال ده؟ قبل كده سألت على التطعيمات ولا دورتوا؟ أحلام: البنت ما تعبتش غير من شوية صغيرين، وأول ما الترجيع هدي جيت بيها جري. علي: للأسف البنت عندها نزلة معوية حادة. هكتب دواء تنظموا بيه وهتتحسن بإذن الله. ومتقلقيش من الحرارة هتنزل مع العلاج. أحلام: براحة، الحمد لله. جلست تتنهد براحة. وهي تضم الصغيرة لصدرها تقبل جبهتها. شكرته وأخذت الروشتة منه وخرجت إلى الصيدلية.
بعد كلام ومروغات الطبيب ومحاولته الدائمة التحرش بها بالقول، بعد نفاد صبر، أخذت الأدوية
وهي تسب وتلعنه طوال الطريق. تلعن شفيق وبكر ويحي وذاك الصيدلي وكل الرجال الذين يأتون إليها للشراء. يلتمسونها بأعينهم. لتقف بخوف وتختبئ خلف شجرة وهي ترى شفيق عاد مرة أخرى ويقف معه شيء يفتح به الباب. تكتم أنفاسها خوفًا من سماعه لصوت أنفاسها العالية. شعرت بتململ الصغيرة بيدها لتعاود الرجوع للخلف، عائدة للبلدة. تتجه إلى مسجد القرية تستغيث بالشيخ أحمد والمصلين.
تخبرهم وهي تلتقط أنفاسها بأنها ذهبت إلى المستشفى للكشف على الصغيرة، وهي عائدة لبيتها وجدت شخص ملثم يحاول كسر باب المنزل وأنها هربت خوفًا من أن يشعر بها. انطلق المصلون تجاه المنزل يرمحون حتى وصلوا إلى منزل أحلام ينقضون شفيق من الخلف يكيلون له وسط صراخه بتركه. ليبتعدوا عنه بعد إخبارهم بأنه العمدة. شفيق: ابعد يا بقرة، منك ليه؟ أنا العمدة شفيق. الشيخ أحمد: العمدة وإيه اللي وقفك هنا يا عمدة؟
وماسك أجنة بتفتح بيها الباب ليه؟ شفيق: بلبلة. أنا كنت بمر على البلد وشفت واحد واقف بيحاول يفتح الباب، قربت منه وضربته وكنت بحاول أخرج الأجنة. أنتم جيتوا. الواقفون ينظرون إلى بعضهم يضحكون بدون صوت على كلامه وعلى هيئته المبعثرة. الشيخ أحمد: لا لا يا عمدة، بقي أنت بنفسك بتمر على رعاياك من أهل البلدة؟ جعل الله اللي بتعمله في ميزان حسناتك. وطالما أنت موجود وشفت الحرامي بنفسك، يبقى إيه يا رجالة؟ ينظر له الجميع.
يكمل: يبقى إحنا كل ليلة نقسم الليل على مجموعات، كل مجموعة تحرس بيت الست أحلام كام ساعة والمجموعة الثانية تستلم منها. العمدة: أنت بتقول إيه؟ وأنا والغفر رحنا فين؟ الشيخ أحمد: غفر إيه يا عمدة؟ دول من يوم ما مات رجب وهم بيخافوا يمشوا بالنهار. هيطلعوا بالليل. الشيخ أحمد: ادخلي يا ست أحلام دارك ومتقلقيش. أنا والرجالة هنفضل قاعدين عشان لو ابن الحرام ده رجع من تاني يلقينا هنا. يخاف يهوب هنا.
دخلت أحلام واستأذنت منه وأغلقت الباب دون النظر لشفيق الذي يكاد يقتلها بنظراته. الشيخ أحمد: اتفضل يا عمدة اقعد ويانا. القاعدة صباحي. العمدة: والصلاة يا شيخ الجامع؟ هتقعد هنا ومين هيؤم الناس في الصلاة؟ الشيخ: محسوبك يا عمدة. المصلين هنا أهم والأرض طهور ومتوضين. يلا يا شعلان أذن وأقم الصلاة على ما أجيب شوية قش نفرشهم نصلي عليهم. ولا العين تترفع عن الحاجب. أنت إمامنا يا عمدة وصلي بينا.
شفيق: بلبلة. لا أعفني أنا. يا دوب ألحق أروح الدوار عشان ألحق أتوضأ وأروح أصلي في الجامع الغربي زي ما متعود. يلا تقبل الله يا رجالة. الشيخ أحمد: منا ومنك يا عمدة. ليصدح صوت الرجال ضاحكين. الشيخ أحمد: يلا يا رجالة على الجامع نصلي الفجر أزف. أحد الرجال: مش قلت هنصلي هنا يا شيخ. الشيخ أحمد: يلا يا أبو علي على الجامع. ده للعمدة. رحل الجميع وسط ضحكاتهم على هيئة العمدة. أحلام دخلت المنزل تحمد الله على نجاتها من شفيق.
وضعت الصغيرة على الفراش وبدأت تعطي لها علاجاتها حتى خفضت حرارتها. ظلت أحلام ليومين لم تبرح بيتها حتى شفاء الصغيرة تمامًا. وبعد شفائها عادت إلى مكانها بالسوق. تجد الجميع يتجنبها، وخاصة السيدات. استغفرت ربها وجهزت مكانها ووضعت الصغيرة في ذاك الصندوق وجلست تبيع لأحد الزبائن. عدت الأيام وتتزايد أعداد زبائنها الذين يشترون منها
لنزاهتها وحسن كلامها مع الزبائن. ليغير منها باقي البائعات واتفقوا أنهم يفعلون شيئًا حتى يبعدوها عن السوق. كل يوم يلقحون عليها بالكلام ويحرضون زوجات الرجال الذين يشترون من أحلام، الذي تعبت من الإهانات التي تلحقها. وزاد الأمر عندما رأت واحدة منهن الرجال يجلسون أمام منزلها في وقت متأخر من الليل، ومن وقتها أشاعت أن أحلام تفتح بيتها للرجال ليلاً بالدور.
أشيعت الأخبار بالبلدة وأحلام لا تعلم ما يدور من كلام عليها، لولا تدخل الشيخ أحمد وطلب من كبير السوق مساعدتها بعيدًا عن سوق القرية. ليلب التاجر وينقلها إلى السوق الكبير بالمركز مع كم بائع من البلدة وتزيد المعاناة. من المسافة بين البلدة للمركز وطريق الذهاب والعودة، والصغيرة التي بدأت تحبي وزاد الإجهاد في البيع والشراء والتحكم بالصغيرة. وشهر وراء شهر كبرت زهور وبدأت بالوقوف والمشي. لتقوم أحلام
بتقييدها بحبل موصول بيدها عندما تبتعد عن مكان جلوسها أثناء انشغالها، تقدر تمسكها بالحبل ولا تبعد عنها وتختفي وترهق من البحث عنها. أحلام كونت صداقات مع بعض البائعات بالسوق واتفقوا وفتحوا محل مشترك ولا تزال تقيد زهور، الذي عرفها كل بائعي السوق وبعض الزبائن. بدأت أحلام بالاستقرار بعض الشيء حتى قدمت إحدى البائعات بالسوق القديم تعمل بسوق المركز
وبدأت تتحدث عن أحلام والكلام الذي أشيع عليها بالبلدة. وبدأت تنادي على زهور ببنت سلسبيل. مرت سنة سريعًا على سفر الأحفاد إلى إنجلترا للدراسة في إحدى أعرق وأشهر المدارس الداخلية بالعالم الذي يرتادها أبناء الأمراء والملوك وأغنى رجال العالم. زاهر هو أكثر الأحفاد سعادة بالابتعاد عن العائلة. يتصل بجدته ووالدته كل يوم يطمئن عليها. زين رضخ لكلام الجد، ينفذ كلامه دون نقاش. حمزة كون صداقات مع زملاء له، أخذ لنفسه وضعًا آخر
غير أشقائه. مرت الأيام والسنين وكبر الأحفاد وبدأوا في الدراسة. زايد أصبح يعمل لساعات طويلة، لا يزال قلبه ينبض بعشق سلسبيل، يبكيها ليلاً، يزور قبرها يوميًا. يتابع عمله في شركات العائلة ويدير فندق شقيقه. يتجنب زوجته، ازدادت المشكلات بينهم، تدخل عبد الرحيم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!