قابع بسيارته يجلس بجوار النافذة عينه على الفندق ابتسامة خبيثة على وجهه شاردا في تلك العينين رفع يده يتلمس صدرة يغمض عينيه يسحب نفس عميق وتتسع إبتسامته. يهمس لنفسه: أول مرة أطلع من ورا نهال دي، خير. يرفع يده يرسم منحنيات جسد في الهواء، ولا زال يحدث نفسه: جمال وحلاوة وجسم كيرفي منحوت نحت. يحرك لسانه على شفتاه.
يتذكر كيف جذبها من بين براثن نهال، يشتد في ضمها وحركة يده على ظهرها وشعوره بالخواء فور ابتعادها عنه وعينه التي تتفرص بجسدها حتى خروجه من مكتبها. يلتف للجالس أمام مقود السيارة بأمر: _عماد، عشر دقايق وتكون جيبلي كل كلمة وحركة ليها بالفندق من وقت ما دخلته لحد ما نامت. لو طولت تجيبلي النفس اللي اتنفسته، متترددش. عماد ببلاهة: قصدك مين يا باشا؟
يعاود الالتفاف ينظر له نظرة يكاد يفتك به بعينيه، ليبلع الآخر رمقه بصعوبة. يحرك رابطة عنقه يحدثه بتوتر وهو يترجل من السيارة والآخر ينظر له بوعيد. عماد: آسف يا باشا، ثواني وكل أوامرك مجابة. الباشا: خمس دقائق وتكون عندي معاك تفاصيل يومها، حتى أكلت إيه شربت إيه. يحدث نفسه بعد رحيل مساعده للفندق: الغبي بيسأل هي مين. وهل ينسى القمر؟ يعاود رسم
منحنياتها بيديه ويتأوه: ااه، دي مش بس جمال وحلاوة، لا دي فرصة. فرصة رابحة، هي اللي هتقش كل حاجة. ههههه، وأنا الفارس اللي يفوز بالسباق. وأهمهم الفرسة، هي ليلة واحدة بس. ليلة هتكون بألف ليلة أتمتع بجمالها وجسمها. ووقتها مش هيهمني أي حد، لا نهال المجنونة ولا عبد الرحيم. هههه، وقتها هتكون خاتم في صباعي، ألعبها زي ما أنا عايز. صحيح، متستاهلش اللي هعمله فيها في الأول، بس بعد كده هعيشها ملكة. ماهي ملكة بالفعل.
أعرف بس أدخلها منين وإزاي، وبعدها. يتلمس صدره بحركة شهوانية وعينه بالخارج تتحرك مع القادم تجاه السيارة والفرحة على وجهه. يصعد مكانه يتحدث بفخر والآخر يسأل بفضول. الباشا: ها، طمني عرفت حاجة؟ عماد: أيوه يا باشا، من وقت ما دخلت الفندق وهي بتسأل عن واحدة اسمها سلسبيل. الباشا: سلسبيل مين دي وبتسأل عليها ليه؟
عماد: محدش عارف يا باشا، بس شكلها حد مهم أوي لأنها كلفت هالة تجيب ليها أسماء ستات مقيمين بشكل دائم في الفندق أو ستات بتيجي كل ليلة للزباين. الباشا: وكل ده ليه؟ عماد: معرفش، كل اللي قدرت أوصله اسم الست اللي بتسأل عليها سلسبيل، هو ده الاسم يا باشا. الباشا بعصبية مفرطة: هعمل بيه إيه وأعرف إزاي مين دي وسبب اهتمامها بيها؟ عماد: حاجة تمخّول يا باشا. الباشا: اخلص يا عماد، شف حل.
عماد بتفكير: بس لقيتها يا باشا، هنعرف مين دي والسر وراء اهتمامها بيها. الباشا بلهفة: إزاي؟ قولي. عماد: البنت إيه يا باشا، صاحبتها وجارتها في الحارة، اللي لولاها ماكناش عرفنا إن بنت زياد عايشة. الباشا: صح، برافو يا عماد. اطلع على الشقة واتصل، جيب البنت دي من تحت الأرض. عماد: متقلقش يا باشا، نص ساعة بالظبط وهتلاقيها تحت رجليك يا باشا.
يجري اتصال هاتفي وبعد دقايق وصلوا إلى شقة فخمة في منطقة راقية. جالس ينفخ سيجارة الكوبي، عينه على الباب، يعتدل للخلف يضع قدم على الأخرى وإحدى يديه على قدمه. عينه تتفرس في التي تخطو تجاهه ممسكة بملابس من يسير بجوارها. دون أي مقدمات فور اقترابهم انهال عليهم بالأسئلة والأخرى تجيب عليه بسلاسة ويسر كلما سألها عن شيء.
يشير لها بالانصراف بعد أن ألقى لمن معها بمبلغ مالي كبير على الطاولة أمامه. فور خروجهم هب واقفاً، أطفأ سيجارة الكوبي، خطى تجاه النافذة الزجاجية، يقف ينظر على الطريق يحدث مساعده. الباشا: سمعت اللي قالوا عليه؟ تجيبلي المطلوب وتيجي على هنا. أنا هتصل بالمحامي يجهز كام ورقة تعدي تجيبهم في طريقك. عماد: تحت أمرك يا باشا. في أوامر تانية تؤمر بيها حضرتك؟
الباشا بمكر: طبعًا، أهم حاجة اسمعني، هتعمل إيه والكلام ده تحفظهولها زي اسمها. ومتنساش بقى أهم حاجة، البهدلة اللي فيها والضيق اللي عاشته. اختار واحدة تمثل الدور مظبوط من غير ما تأفور. يلا شوف هتعملها إزاي. لو الموضوع مشي زي ما رسمته في دماغي، كل أحلامك هتتحقق والفندق هيكون باسمك وملك ليك. هرتاح ساعتين تلاتة وعاوز أول حاجة أفتح عيني عليهم ألاقيك بتقول كله تمام، وسيب الباقي عليا. عماد بفرحة واضحة يكاد يطير من السعادة
يتشكر ه ويتحدث بخضوع: ربنا يخليك ليا يا باشا، متحرمش من كرمك علينا. حط في بطنك بطيخة صيفي يا باشا، نام وارتاح، ومن النجمة هتلاقيها عندك حضرتك.
غادر عماد وفور خروجه اتجه إلى النافذة يراقب الطريق حتى خرج عماد من البناية وصعد إلى سيارته. ظل يراقب بعينيه حتى ابْتَعَدَ عن مرمى بصره. التف بجزعه، أخرج هاتفه وقام بإرسال رسالة. سحب نفس وأخرجه برواية وعلى مهل. وخطى تجاه غرفة نومه تسطح على الفراش شارد الذهن يلامس صدره وابتسامة حالمة على ثغره ترخي جفونه وذهب في نوم عميق.
_الظلام يخيم على المكان، يجلس عينه على الباب. يعتدل بجلسته فور سماعه صوت إدارة مفتاح الباب. يكور لسانه بفمه ويهب واقفاً يمشي بهدوء وهو يستمع إلى كلمات التي تهمس بها لأحدهم بالهاتف. تضع يدها على قابس الإضاءة، تشهق فزعة، يسقط الهاتف من يدها وهي ترى الواقف خلفها.
ينحني يلتقطه من على الأرض، يفتح السماعة الخارجية. يستمع لكلمات المتحدث بعين تشتعل غضباً، ليلقي الهاتف ويرفع يده ويهوي بها على وجه الواقفة، ترتجف تسقط أرضاً، تخرج صرخة مدوية من قوة الصفعة. وينحني يجذبها من خصلات شعرها الكيرلي، يصفعها بيده الأخرى على وجهها مرات متتالية. لم يترك خصلاتها حتى مع صدوح جرس الباب. ليرفعها لتقف وهو يجذبها، وصوت صراخها المتوسل له جعل من يقف على الباب يزيد من خبطاته.
يفتح الباب بعصبية، لأول مرة بحياته يكون على تلك الحالة. يدلف للمنزل ويغلق خلفه، ينهره على ما يفعله. يحاول تخليص المتوسلة له من بين يديه والآخر يشتد يجذب خصلات شعرها، يكاد يخلعها من جذورها. لينجح أخيراً من تخليصها ويحدثه بلطف. _ماجد، استهدِ بالله، مالك؟ في إيه؟ ومن إمتى بتتعصب كده؟ البنت عملت إيه عشان تضربها بالشكل ده؟ إنت عمرك ما مديت إيدك على ولادك ودايماً كنت بتقول الضرب مش حل بالتربية يا يحيى.
ماجد: طلعت غلطان يا يحيى. بنتي اللي كان يضرب بها المثل في كل حاجة الأدب والأخلاق والتدين، طلعت ممثلة شاطرة حتى على أبوها وأمها. يجلس على أقرب كرسي يلتقط أنفاسه، يمسح على وجهه بيده. أقولك إيه يا صاحبي؟ أقولك أنا انكسر ضهري وبنتي طلعتني راجل مش محترم.
يحيى يقترب منه يجلس على الكرسي القريب منه، ينظر تجاه الجالسة تبكي تضع يدها على وجنتها نظرة احتقار ودونية. يعاود النظر لصديقه بشفقة على حالته ويعاود النظر إليها مرة أخرى يكاد يفتك بها، لكن خوفاً على شعور صديقه. تحدث محاولة التخفيف عنه: إلينا استحالة تعمل حاجة غلط يا ماجد، دي تربيتك إنت ونفين. ماجد: كنت فاكر كده يا صاحبي. للأسف خيبت ظني باللي عرفته وسمعته بوداني. يحيى: إهدى بس وخد نفسك، إنت تعبان والانفعال غلط عليك.
ماجد: أهدى إزاي بعد اللي عرفته؟ أهدى إزاي وبنتي بتكذب علينا وقالت رفضوا يدوها إجازة من الشغل النهاردة. بسأل عليها في الفندق بعد ما أمها فضلت ترن عليها فوق الخمسين رنة ومفيش رد. اتصلت على مديرها بالفندق قالي إنها إجازة من أسبوع وجت من يومين، أخذت راتبها وقعدت شوية مع زميلاتها ومشيت. مقدرتش أستنى، جيت في أول قطار. طول الطريق هتجنن ودماغي بتودي وتجيب، حصل إيه؟ مش بتردي ليه على اتصالات أمها؟
كل الأفكار السودة جات في دماغي. جيت جري على البيت ملقتهاش، نزلت رحت سألت عليها عند كل قرايبنا ومعارفنا ملقتهاش. رحت الفندق سألت عليها البنات اللي شغالين معاها محدش شافها من يومين.
يسحب نفس عميق يده ترتجف وينظر للأسفل. وفي بنات منهم قالوا كلام كسرني وجرحني، حسيت إني بنظرهم راجل مش محترم يا يحيى. صاحبك طلع راجل مش تمام. كل كلمة قالوها نزلت عليا سكاكين بتقطع في قلبي. ماجد اللي عاش طول عمره الناس تحلف بأخلاقه، بنته طلعته راجل مش تمام. تعبت من اللف والتدوير، رجعت من تاني على هنا لقيتها مرجعتش. فضلت مستنيها طول الليل ولحد وش الصبح، داخلة تسحب وبتتوشوش
في التليفون وبتقول: دخلت الشقة، وأحلام ويحيى مشافونيش ولا حسوا بيا، هاخد هدومي وأروح البلد. ويا ريت وقفت على كده يا يحيى. سمعت بودني وفهمت البنات كانوا يقصدوا إيه. يحيى: ينظر لها نظرة تكاد تحرقها. متصدقش كلام حد يا ماجد، إلينا استحالة تعمل حاجة غلط وتزعل لك منها. ماجد: للأسف يا يحيى، طلع حقيقي. كل كلمة طلعت حقيقية. سمعت بودني والحيوان جورج خطبها بيكلمها. تنهد بوجع شديد وهو ينظر إليها بحسرة.
ليقص عليه بعد ما أخذ منها الهاتف وقام بتشغيل السماعة الخارجية. خلاص يا جميل، أيام الفقر خلاص راحت. الفلوس بتاعت النهاردة كدة خلاص كل مشاكلنا اتحلت. ترجعي من البلد هاجي أحدد الإكليل مع عمي ونتجوز ونسافر إيطاليا ونلف العالم. بعد الباشا ما انبسط منك. بس ما قولتليش أخدتي كام بالظبط. بعد ما خرجنا خدت الفلوس لشنطتك وما رضيتش تخلينا نعدها. ليصمت من القهر وينظر إلى ابنته. وفجأة انقض عليها يضربها ويصرخ بها بقهر: فضحتني!
بتبيعي نفسك؟ بتبيعي شرف بالفلوس؟ عملتلك إيه عشان تفضحيني بالشكل ده؟ ليبتعد عنها بصعوبة وهو ينهال عليها بيديه بالصفعات على جسدها ورأسها. أبعده يحيي بعيدًا بعد حملة بالقوة بعيدًا عنها. وصرخاتها المترجية له وقسمها بأنها لم تفعل شيئًا مما يتخيله.
يجلس على الأرض يسند ظهره للأريكة يبكي بقهر. يدعو على نفسه بالموت قبل أن يفضح على يد ابنته. يحيي يجلس بجواره يربت على فخذه يتناشده بالتريث حتى يفهم الأمر من ابنته بعد قسمها بأنها لم تدنس شرفها وأن ما حدث ليس كما تخيل. يحيي: انطقي، احكي. أبوكي قلبه هيقف. معنى كلام خطيبك إيه؟ إلينا تنظر لحالة والدها والعرق الذي يتصبب من جبهته وصوت نحيبه.
تنظر للأسفل: الباشا ده مدير جورج. عرف إن زهور جارتنا وسألني كم سؤال عن سلسبيل أم زهور. وصدقني يا بابا، هو ده كل اللي حصل. والفلوس اللي جورج قال عليها مكافأة المدير لينا على المعلومات. يحيى: ومدير جورج يعرف زهور منين وبيسأل ليه على سلسبيل؟ إنتي قولتي له إيه؟ إلينا: معرفش. كل اللي سأل عليه مين سلسبيل وحكايتها إيه. وأنا حكيت له كل حاجة أعرفها وسمعتها من خالتي أحلام وزهور. يحيى
شرد بكلام إلينا يحدث نفسه: إيه علاقة مدير جورج بسلسبيل؟ بيسأل عليها ليه؟ ويعرف زهور منين؟ في حلقة مفقودة تربط الاثنين ببعض. يرفع رأسه يسأل إلينا. ينتفض على صرخها مع تمايل صديقه على جانبه لا يتحرك. يصرخ بها: إحضار كوب ماء! يحاول أن يساعده على رشف بعض منه. لا يجد استجابة. يحيى: ماجد رد عليا. مالك يا ابني؟ إيه حصل؟ لا يجد استجابة. يصرخ بها وهي تصرخ وتنادي على والدها: اتصلي على الإسعاف بسرعة.
بعد قليل حضرت سيارة الإسعاف وتم نقل ماجد إلى المستشفى وتم الكشف عليه ووضع بغرفة العناية المشددة بعد تدهور حالته الصحية. خرج الطبيب يخبرهم بأن لديه انسداد بالشريان التاجي ولابد من عمل عملية فورًا لأن هناك صمام لابد من تغييره. إلينا ببكاء: حضرتك مستني إيه؟ أعمل العملية. وأي مصاريف أنا مستعدة. يحيى ينظر لها باشمئزاز وقرف: حضرتك شوف كل المطلوب حتى لو هان سفرة بره البلد.
الطبيب: للأسف المستشفى دلوقتي ما فيهاش طبيب جراحة قلب. الوقت متأخر والدكتور مسافر في مؤتمر طبي. لو تقدروا تنقلوا المريض مستشفى تانية ياريت يكون بسرعة أو نقدر نشوف دكتور جراحة قلب نستدعيه للمستشفى. يحيى: ساكت ليه يا دكتور؟ من بدري دلوقتي قولنا إيه المطلوب وشوف موضوع الدكتور ده.
الطبيب: اتفضل معايا على الإدارة نشوف هنعمل إيه ونحاول نشوف دكتور متفرغ الوقت ده. مع إني متأكد مافيش غير دكتور أحمد المغربي أشطر وأنجح دكتور جراحة قلب في مصر اللي يقدر يتعامل مع الحالة. يحيى: شوف المطلوب يا دكتور وكل اللي يطلبه أنا جاهز بيه.
دلف يحيى خلف الطبيب لمكتب الإدارة وبدأوا في الاتصال بالطبيب أحمد الذي لبى النداء ولم يتوانى. بعد أقل من ساعتين حضر الطبيب أحمد وبعد أن درس الحالة والسجل المرضي لماجد أمر بتجهيز غرفة العمليات. ليشرع في إجراء العملية التي استمرت أكثر من ست ساعات.
كانت الأصعب على يحيى الذي لم يتحمل البقاء في مكان واحد مع إلينا التي لم تتوقف عن البكاء. يرحل من جوارها ويذهب بعيدًا حتى خرج إلى حديقة المستشفى. مع بزوغ ضوء النهار يجلس على الأريكة الخشبية يخرج هاتفه الذي لا يتوقف على الاتصال. يسرع بفتحه فور وقوعه على اسم المتصل.
_تقف أمام المرآة تهندم ملابسها تدقق فيها ثم تعاود النظر لملابسها. تنظر لنفسها بإشمئزاز. تدير وجهها ترفع يدها تشتم رائحتها. تضحك على حالها وتعاود النظر للمرآة تحدث نفسها. من إمتى يا بنت سلسبيل، بيهمك شكلك هدومك ولا ريحتك؟ فوقي يا زهور، خلاص يومين عز عشتيها هيغيروكي. لحقتي تنسي؟ الله يرحم لما كانت الهدوم بتستنى عليكي بالأسبوع. نايمة قايمة بيهم. مكنتيش بتبقي قرفانة ليه يا بنت سلسبيل؟ ولا العز فعلاً بينسي؟
ههه. اعقلي كده. إنتي هنا عشان حاجتين. وصية أبوكي، والعهد اللي أخدتيه على نفسك إنك تنفذيه للنهاية. لا هتتهني ولا يهدأ بالك إلا لما تقبضي سلسبيل وتاخدي حقك منها.
تعض شفتها بتوتر. عينها تغيم بسحابة من الدموع. تتنهد تنهيدة طويلة ثم تأخذ نفس وزفرته بهدوء. التقطت حقيبتها وخطت تجاه باب الغرفة. وقفت لثانيتين تشجع حالها وأدارت مقبض الباب وفتحته وخرجت من الغرفة. تمشي بخطوات ثابتة. يد بجوارها والأخرى تحمل حقيبتها. تخطو بخطى ثابتة.
حتى وصلت المصعد المخصص للنزلاء. فور فتح باب المصعد وجدت هالة السكرتيرة تخرج منه حاملة بيدها ملف كبير. أشارت لها بالمكوث مكانها ودلفت تقف بجوارها. تنظر إلى ما تحمله بيدها. يلفت نظرها اسم مكتوب عليه لتلتقط الملف من فوق يد هالة السكرتيرة. تحدثها باللجلجة: عرفتي حاجة عنها؟ قولي فين أوضتها. هالة تنظر للأسفل تكور ورقة بيدها تضغط عليها وعين
مرقرقة بالدموع وصوت متقطع: للأسف يا فندم ملهاش أوضة هنا. بعد ما سألت كل العاملين بالفندق وراجعت سجلات الزباين عرفت من واحد من بتوع الأمن اللي ليهم سنين بيشتغلوا هنا. زهور: وصلتي ليها فين أوضتها؟ عرفتي إيه عنها؟ قولي كل اللي تعرفيه. يتوقف المصعد. تخرج زهور وبجوارها هالة فور فتح بابه. لتتوقف زهور تلتف لها تلتقط الملف من يدها تتصفحه والأخرى تجيبها. هي كانت بتيجي كل يوم هنا بالفعل كام سنة؟ تجي تسأل على زياد بيه وتمشي.
لأن محدش من عاملين الفندق يعرف حاجة عنه. لأن عبدالرحيم بيه غير الصنف كله. وطبعًا كانوا بيرفضون يقبلوها ولا حتى يعرفوها إن زياد بيه اتوفى. من سنتين بس إختفت ومحدش عارف راحت فين. بس أنا أنا عرفت مكانها وهي راحت فين. بالصدفة البحتة افتكرت موظف اختفى من سنتين و مجاش الفندق من آخر مرة جات سلسبيل لهنا وزياد بيه طردها ورمها قدام الفندق.
قلبها يدق بسرعة. يدها تتصبب عرقًا. شعرت بقدمها تسمرت مكانهم لم تستطع التحرك. سعادة وفرحة واضحة تجلت عليها. تحاول السيطرة على فرحتها. لم تسمع باقي كلام السكرتيرة. كل ما يتردد على سمعها. عرفت مكانها. بصوت تغلغلته الفرحة وأنفاس متلاحقة من كثرة كبتها لسعادتها. زهور: بتقولي إيه؟ عرفتي مكانها بجد يا مدام هالة؟ عرفتي مكانها.
هالة تنظر لحالتها بألم تومي برأسها دون أن تتحدث. رفعت يدها أخرجت ورقة من الملف ومدت يدها المرتجفة لها. هالة: ده العنوان اللي ساكنة فيه. زهور خطفت الورقة تقرأها تختلط الحروف عليها بعد ما غيمت سحابة الدموع بقطرات غيثها. أنفها تلون بلون حمرة زاهية. شفتاها ترتجفان مع نطقها كل حرف. زهور: مدام هالة العنوان ده فين؟ أنا معرفش المنطقة دي. ممكن تقوليلي المكان ده فين وأقول لسواق التاكسي وديني فين.
هالة بصوت ضعيف: في عربية هتوصل حضرتك للمكان. منتظرة قدام الفندق. بعد حضرتك ما تنهي الاجتماع هتوصلك للعنوان. زهور تحدثها وهي تخطو تجاه الخارج تسرع بخطواتها. أجلي كل حاجة بعد ما أرجع. متشكرة أوي يا مدام هالة. هالة تنظر في أثرها تبلع ريقها تنطق كلمتها بمرارة: سامحيني. غصب عني. معنديش رفاهية الرفض. ماسكني من إيدي اللي وجعاني.
خرجت زهور بسرعة من الفندق تقف تبحث عن السيارة بعينها. تسمع صوت زمور سيارة تسرع بخطواتها تجاهها. قدمها تكاد لا تلامس الأرض. تصعد للسيارة دون تفكير. وقبل أن تنطق بكلمة انطلق السائق بسرعة. السائق: بخبث. متقلقيش يا هانم. مدام هالة قالت لي على العنوان. عشر دقايق ونوصل. أومأت برأسها دون أن تنطق كلمة واحدة. تضم حقيبتها. قلبها تتسارع دقاته. عينها على الطريق. تتسع ابتسامتها. تهمس بين نفسها.
زهور: تغمض عينها تتخيل لقاءها بأمها. تتساءل مع حالها. ماذا سيحدث فور وقوع عينها عليا؟ تتعرف عليا بسهولة ولا لا؟ ياترى لما أشوفها أنا هعمل إيه؟ هجري عليها أحضنها وأعوض سنين بعدها عني؟ ولا أسلم بإيدي بس وأكتفي بعتاب عيني ليها؟ طيب أقولها ماما ولا سلسبيل؟ أكلم عادي معاها ولا عتابها على بعدها السنين دي عني؟ أسألها ليه هربت وسيبتني؟ ولا أستنى هي تحكيلي حكايتها واللي حصلها السنين دي كلها.
يا ترى لما تعرف إني بنتها وبتشوفني لأول مرة هتفرح؟ ولا شعورها هيكون إيه؟ يا ترى شكلها إيه؟ فعلاً زي ما الكل بيقول إني شبهها ولا لأ؟ طيب ليه مرجعتش البلد؟ ولا سألت مرة عليا؟ وإزاي تفضل العمر ده كله متحاولش تدور في مكان تاني وتسأل عليه؟ ليه بتسأل في الفندق بس؟ مع إنهم كانوا عايشين في بيت واكيد لو كانت راحة كانت عرفت إنه توفى. على الأقل حد من الجيران هيكون عارف إنه توفى. ليه ما راحتش لصاحب عمي حسن؟
شعرت بنغزة في قلبها تجهم وجهها فور ورود تلك الأسئلة بعقلها. ترفع عينها وتلتفت لباب العربة المفتوح بجوارها والسائق يخبرها بالوصول. تترجل من السيارة تنظر للمكان بذهول واستغراب. تلتفت للسائق الذي يسير خلفها تسأله. زهور: هو ده العنوان؟ لتفتح الورقة التي لا تزال تكورها بيدها تتحدث بعفوية. بس المكان هنا راقي جدًا والعنوان المكتوب هنا مكتوب بحارة اسمها. السائق مقاطعًا: اتفضلي حضرتك هتعرفي كل حاجة.
تشعر بريبة وقلبها ينقبض، تخطو ببطء، تستمع لكلمات السائق الذي يحدثها دون أن تنطق بكلمة. تسأل نفسها: "هو ليه مفكرتش في الكلام ده؟ مسألتش نفسي الأسئلة دي قبل كده؟ ليه أنا هفضل كده تعبانة كتير؟ إمتى هرتاح من كل ده؟ يفتح السائق باب المصعد، تدلف داخله وخلفها السائق. رجفة انتابتها كلما ارتفع المصعد لأعلى، تشعر بروحها تنسحب منها، قلبها يدق بسرعة رهيبة. ثقل على أكتافها حتى توقف المصعد.
ترجل السائق أمامها، تترجل من المصعد. تقدم قدم وترجع الأخرى، حتى توقف السائق أمام إحدى الشقق. تتلفت حولها بخوف، يدها أصبحت كلبوظ من شدة برودتها. تبتلع ريقها مرات متتالية. فور أن فتح الباب وأشار السائق لها بالدخول، تدلف للداخل. تقف مستمرة مكانها فور سماع صوت ينادي عليها ويجذبها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!