الفصل 82 | من 87 فصل

رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الثاني والثمانون 82 - بقلم منى عبدالعزيز

المشاهدات
21
كلمة
2,993
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 94%
حجم الخط: 18

خرج من غرفته عازم أمره بالبوح بمكنون صدره. يخطو مهرولاً عائداً إلى مجلسه الذي تركه على عجلة خوفاً من افتضاح أمره. قلبه يقرع طبولاً متعددة، غير راسٍ على واحدة. غيره وعشق وخوف وتشتت. وقف متخوفاً من نتيجة ما هو مقدم عليه. قدمه تيبست مكانها، عينه مشتتة، يحاول الهرب من النظر لمن استحوذت عليه قلباً وقالباً. يبلع ريقه بصعوبة، وتلك العظمة بحلقة تفاحة آدم تعلو وتهبط بوضوح. ترى رؤى الشمس للجميع.

أنفه انتفخ، عينه توهجت، أصبحت كنيران مشتعلة مع كل كلمة وقعت على مسامعه. يخطو للداخل بخطوات ثقيلة، مجاهداً نفسه على التحمل، ولا يفتك بالجالس يتدلل ويتغنج على الجالسة بجواره. يلقي السلام وهو يجز على أسنانه، محاولاً الاعتذار برحيله مسرعاً. عبدالرؤوف: السلام عليكم. آسف والله، رحلت سريع ومرحبت بعودتك بحمد الله سالم. السموحة منكم.

هوت قدمه، قلبه خرج من مكانه. يسمع حديثها كأنغام موسيقية، يستمتع بسماعها، يغمض عينيه، يحرك رأسه. روحية: محصلش حاجة تطلب عليها السماح. انت صاحب دار تدخل وتخرج وقت ما تحب. طلباتك أوامر، وإن مشالتكش الأرض نشيلك فوق روسنا وجوه عنينا ونغطيك برموشنا. فقد آخر ذرات حصونه. رمش عدة مرات، تلمس بيده الفضاء حوله، يبحث على شيء يستند عليه خوفاً من أن يهوى أرضاً. من معسول كلماتها التي تشدو به.

_تتسع عيناه، يوزع نظراته بين الواقف هيمان، وبين أمه وتلك الابتسامة التي ملئت وجهها، ونعومة صوتها التي تجلت بكلامها. ينظر تارة لأمه وأخرى لرؤوف، لينتفض كمن لسعه عقرب بما جال بمخيلته. ليحمحم مرات متتالية مخرجاً كلاهما من هيامهما. وائل: احم احم. ولا يهمك يا عم. إحنا إخوات مبناش الكلام ده. واعتبر نفسك في بيتك. تخرج وتدخل من غير ما تحس إنك غريب. واعتبرني أخوك وأمي أمك.

تسعل بشدة بعد سماعها تلك الكلمات التي هوت عليها كالخناجر تطعنها. لا تعلم لما شعرت بالحزن، تجهم وجهها ومحيت ابتسامتها. تنظر للأرض بحزن، ودمعة هاربة من مقلتيها تدحرجت. لترفع يدها تبعدها خوفاً من ملاحظتهم ما أصابها. لتمد يدها تلتقف كوب ماء مد لها. ترفع عينها تجد رؤوف هو من يحمله، وتظهر بوضوح معالم القلق والرعب عليه. روحية: مدت يدها تحمل الكوب منه، توم برأسها شاكرة إياه. تتناوله بيد مرتجفة، تتساقط المياه منه.

_وائل بغيره جالية للعيان، ينفس بغضب أنفاسه كثور في حلبة مصارعة. ينظر لمصارعه بشراسة، يضرب قدمه بالأرض مصدر أنفاس عالية، وفجأة ينقض عليه يود الفتك به. ـ مش تتفضل تقعد تكمل أكلك يا أخ رؤوف، لأن فيه كلمتين عاوز أقولهم لك، بعتهم زهور مع حاجتك اللي طلبت منها تجيبها ليك. روحية تضع كوب الماء على الطاولة. شعرت بحدة وتهكم في حديث ابنها الموجه لرؤوف. تجلى صوتها، تخفض بصرها حتى لا تشعر بالتوتر وتثير الريبة حول تبدل حالها.

ـ مكملتش إيه اللي حصل لزهور وقبلتها إزاي. _وائل يعتدل للخلف، يشير بعينه لرؤوف بالجلوس بنظرة أمره: زهور بعد ما كلمت جدتها وقبل ما تنهي الاتصال معها، باب الجناح خبط عليها. وهي منبهة على الاستقبال محدش يزعجها، وأي حاجة مهمة يكلموها على تليفون الجناح. حاسة بالخوف، حاولت تقفل مع جدتها وتشوف مين. جدتها رفضت وصممت تفتح الباب وهي معها على التليفون. فتحت الباب بشويش تشوف مين. لقت بنت واقفة قدامها.

زهور ظفرت أنفاسها براحة وهي ترى من تقف أمامها، لتبتعد عن الباب سامحة لها بالدخول. تحدث جدتها: بعد إذن حضرتك، إدي التليفون لعبد الرحيم بيه. الجدة: طمنيني في الأول، مين اللي خبط عليكي. زهور: حضرتك هتعرفي كل حاجة حالا. ممكن تفتحوا الأسبيكر. الجدة: فتحته خلاص. ممكن تطمنيني، قلبي خلاص مش متحمل. زهور: حضرتك من دقايق قلت فيه حد من طرفك هيجي يقابلني. ممكن توصفها لي بالضبط. الجد بفرحة واضحة بالكلام: غدير وصلت عندك، مش كده.

زهور: مش متأكدة إن كانت هي ولا لا. الجد: هي، أنا متأكد إنها هي. غدير مقدرتش تتحمل الكلام اللي أنا قلته، وزي ما خططت بالضبط جاتلك الفندق عشان تعاتبك، وبنفس الوقت تتعرف على بنت عمها. زهور غدير بمية راجل. حماقية شوية، طبعها زي طبعي وطبعك، مش بتتنازل عن حقها، واللي يهوب جنب اللي منها، تِكله بسنانها زيك بالضبط. عمرك ما عرفتنا ولا عشتي معانا، متحملتيش اللي عرفتيه وصممتي تعرفي الحقيقة وتساعدينا. افتحي الأسبيكر.

زهور: قبل ما أفتحه، ممكن تقولي حضرتك قلت إيه خلاها تيجي بالوقت ده. الجد: اسمعيني وأنا بكلمها. زهور أبعدت الهاتف وفتحت السماعات الخارجية، تشير بيدها للواقفة أمامها. تضم يدها لصدرها، تضرب الأرض بمقدمة نعلها تريد الحديث. لترفع زهور إصبع يدها تشير على فاها، تحثها على الاستماع وعدم الكلام.

الجد: غدير، أثبتي لي إن كنت صح طول عمري. تربيتي ليكم، وكل القيم والمبادئ اللي غرستها فيكم ظهرت وقت الشدة. معدنكم النظيف وأصلكم الطيب هو رأس مالكم. اسمعيني كويس، انتي وزهوان. مكنش ممكن تتقابلوا في الظروف اللي إحنا فيها غير بالطريقة دي، وخصوصاً زهروان مصممة متقبلش حد من العائلة غير لما تاخد حقها وتكشف الحقيقة. غدير، أنا كذبت عليكي، زهروان مرفعتش قواضي ولا حاجة. زهروان عرفت كل اللي حصل وصممت تساعدنا.

ورسمت خطة، حتعرفيها منها بعد ما تتعرفوا على بعض. زهروان غادير، أكتر واحدة هتساعدك في أي حاجة تقف قدامك. تقدري تعتمدي عليها اعتماد كلي وتثقي فيها ثقة عمياء. شفتي بنفسك قدرت توصل للجناح اللي انتي فيه من غير ما حد يشوفها ولا يشعر بها. أنا هقفل معاكم وأسيبكم تكلموا وتخرجوا اللي جواكم. اتعرفوا على بعض. وآخر كلمة هقولها، أنا لو مت أموت وأنا مرتاح وسعيد، عارفين ليه؟

عشان ها كون مطمن إن عائلتي بأمان بيكم أنتم الاتنين، زهروان وغادير. من النهاردة، شركات وأملاك الغمراوي بأمان معاكم. من بكرة، كل ما أملك هيكون تحت تصرفكم. لأن عارف ومتأكد إنكم مش ها تطمعوا ولا ها تغدروا بأولاد عمكم وأخواتكم. حتى بنات وولاد عماتكم هتعرفوا تضمهم ليكم، واللي أنا فشلت فيه هتنجحوا فيه أنتم الاتنين. زهروان غادير، خلوا بالكم من بعض.

تنظران لبعضهما، عيونهما تتحدثان دون أن تنطق إحداهما بكلمة. ظلتا على حالتهما حتى تخدرت قدماهما دون شعور. رفعتا يديهما يضمان بعضهما، تربت كل واحدة بحنان على كتف الأخرى، مغمضين أعينهما. تحدثت غادير:

_تعرفي أنا كنت جاية وجوايا مليون سؤال وعتاب ليكي. لكن أول ما دخلت الفندق، كل اللي شغل تفكيري هتصرف إزاي لما أكون واقفة قدامك وشايفاكي بعنيا. بالرغم مش أول مرة أقابلك وأشوفك، بس المرة دي مختلفة. لأن هقابل بنت عمي اللي اتربيت على حبها من غير ما أعرفها ولا أشوفها. حبيتها من حب إخواتي وأولاد عمي لعمو زياد الله يرحمه، لأن مكنتش بشوفها غير شبهه ونسخة منه. كل واحد فيهم كان متعلق بيه بطريقته، زي ما تعلقوا به وهو عايش. تأثروا بموته، وشخصية كل واحد فيهم تكونت من الجزء اللي اتعلمه منه.

زهور وهي لازالت على حالتها، تشتد بضمها لغادير، تشعر براحة وبنفض كل الثقل الذي كانت تشعر به على كاهلها. احكي لي عنهم، إيه اللي اتعلموه منه، أوصفي لي شكله، مين أكتر واحد فيه شبه منه. وأكتر واحد اتأثر بموته. غادير: تعالي نرتاح شوية وأنا هحكيلك كل حاجة. زهور: لو قلت لك إني لأول مرة في حياتي أحس براحة زي دلوقتي. بس على العموم اتفضلي نقعد هنا. بس قبل ما يأخذنا الكلام، في حاجة مهمة محتاجاها منك. وقبل ما تقولي هي إيه.

الشنطة دي، عاوزاكي توصليها لواحد قريبي ضروري، لأنها مسألة حياة أو موت. ثانياً، تعرفيني إزاي دخلتي هنا من غير ما حد من الأمن يشوفك! غادير: هحكيلك كل حاجة بعدين، بس الأول عرفيني إيه حكاية الشنطة دي وعلاقته وقريبك ده مين، وإيه حكاية حياة أو موت؟!

زهور قصت لها كل شيء، حتى خطتها مع جدها لإبعاد أبناء عمها في مكان داخل البلد، وعدم تهريبهم للخارج حتى ظهور براءتهم، وبنفس الوقت تربيتهم من جديد وتعليمهم تحمل المسؤولية والاعتماد على النفس. غادير: حفيدة عبدالرحيم الغمراوي على حق. فولة واتقسمت نصين، لا تلاتة. نفس الطبع والشخصية والدهاء. أمنتيهم بمكان استحالة حد يوصلهم فيه، وبنفس الوقت عينك عليهم، وكمان هتطبقي المثل اللي مربوهوش أهله تربية… زهور: هربيه زهور بنت سلسبيل.

غادير بحنان ربتت على كتف زهور. احكي لي كل اللي جواك. عايزة أسمعك، أعرف كل حاجة عنك. وإيه حكاية زهور بنت سلسبيل دي! زهور اتجهت للفراش تتكئ على جانبها، يدها أسفل رأسها. ممكن الأول تحكي لي عنهم وعن شخصياتهم، ومين فيهم اتأثر بموت والدي. غادير شعرت بحاجة زهور لمعرفة شخصية والدها لتقص عليها.

_زين، أخذ الهدوء والطاعة يكتم جواه ما يخرجش اللي تعبه حتى لأقرب حد ليه. متفاني في عمله، مضحي عشان عيلته. يجي على نفسه عشان اللي بيحبه يكون مرتاح ومبسوط. حازم: كان صغير وقتها، أنا وهو بينا شهور. ملحقناش نتعلم منه، بس تأثرنا بموته، لأننا عشنا حزن كل واحد في العائلة عليه. كبرنا على حبنا ليه ولكي. _تتنهد وتشرد بحديثها، تتلمس شفتاها، تضم يدها حول نفسها، عينيها تلمعان بسعادة، ترجع رأسها على حافة الأريكة، تتسع ابتسامتها.

ـ زاهر ده حكاية لوحده، كوكتيل واخد من كل واحد من رجالة العيلة خصلة من خصاله. واخد من بابا زيدان طبته وعفويته. ومن عمي زايد جسمه وطوله وكثير من ملامحه. ومن جده قوة شخصيته. ومن عمي زياد عنده وجرأته. بيداري وجعه وراء صوته العالي، وبداري حزنه وراء وحدته وبعده. عيونه لونها بيتغير لما بيفرح. ضحكته تنور وشه وملامحه الباردة اللي رسمها لنفسه.

زهور: ترفع نصفها العلوي ضاحكة. انتي حافظة كل حاجة فيه. فاكرة زاهر ابن مين في العائلة. غادير: مش بقول لك حفيدة الغمراوية. ترفع يدها لأعلى عشان أريحك. زاهر يبقا خطيبي، أو بمعنى أدق، جوزي. مكتوب كتابنا من ثلاث سنين. حمزة ده حكايته حكايات، أكتر واحد اتأثر بموت عمو زياد لأنه تقريبًا كان مثله الأعلى، شخصيته تبدلت، متعرفيش بيفكر إزاي، كل ما تقوليلي فهمتيه تلاقيه اتقمص شخصية غير شخصيته الحقيقية.

دايمًا بيظهر عكس اللي جواه، مش هو أخويا الكبير وأستاذي بالجامعة، بس كتير بحس إني أنا الكبيرة، وأوقات كتير بحس إنه غامض مش فاهمه، شخصيته عينه دايمًا حزينة، قريب أوي من الكل وبعيد في نفس الوقت، أخذ من عمو زايد كتمان وجعه وحزنه، بيأثر الكل على مصلحته وراحته، ومن عمو زياد شخصيته المرحة وحبه وشغفه المصارعة والألعاب القوى، بس ما مارسهاش أبدًا، أو بمعنى أصح مشفنهوش بيلعبها أو بيتفرج عليها.

زهور تعتدل بجلستها، ترجع ظهرها على الفراش، فور ورود إشعار رسالة على هاتف روحية تلتقطه من على الكومود بجوار الفراش، تقرأه وتبتسم، ترفع عينها تجاه غادير الشاردة تتلمس شفتاها. زهور: غادير غادير، هاي، رحتي فين. غادير: هاه، مفيش، بس شردت شوية، في إيه. زهور: بعد نص ساعة، هتروحي تقابلي قريبي اللي قلتلك عليه وتوصلّي إليه الشنطة دي وتطمني منه على اللي واخد عقلك. غادير: تقصدي مين.

زهور: ههه، اللي بقالك ساعة بتفكري فيه وإيدك على شفايفك. غادير: تعرفي إنك رزلة، لولا مافيش وقت ماكنتش عديت كلامك ده أبدًا. زهور: فعلًا مفيش وقت، بس قبل ما تمشي كنت عاوزة أعرف كل حاجة عن نيرة وأخواتها ونورين وتعرفي المستشفى اللي هي فيها. غادير: تقصد عليها ما تعرفه من نقاط ضعف وقوة لكل واحدة ممن ذكرت اسمهم. كده حكيت لك عن شخصية كل واحدة، عمو زايد هو بس اللي يفيدك بعنوان المستشفى.

زهور: كده تمام، دلوقتي هتعرفيني آخر حاجة قبل ما تمشي تلحقي معادك مع خالي وائل. _خالك وائل، اللي أعرفه إن والدتك مالهاش إخوات وملهاش غير قريبة واحدة. _هو مش خالي بمعنى الكلمة، بصي أنا بثق فيه وهو برضه اللي دايمًا كان سند ودعم ليا، في حاجات كتير مشتركة مابيني وبينه، هعرفك كل حاجة بعدين، يدوب دلوقتي تلحقي تخرجي قبل ما الهوس كيبر يملوا الدور والفندق، وأبقى طمنيني أول ما توصلي البيت.

_عندك حق، وأنا يدوب أوصل على معاد قريبك، في حاجات كتيرة محتاجينها، يدوب أروح أشتريها وأرجع البيت. وبالنسبة إني أطمنك لما أوصل البيت شيليها من دماغك خالص، لإن أنا متأكدة إني هاواجه عاصفة رباعية من سيدات الغمراوي، وكله كوم وسيسيليا كوم تاني، دعواتك ليا. زهور: من سيسيليا دي اللي خايفة أوي منها.

_سيسيليا زايد الغمراوي، مش باينة من الأرض، أصغر أحفاد الغمراوية، جبارة، رويترز العائلة، محبوبة الكل، عندها حصانة تعمل كل حاجة ومتتعاقبش، أسرار كبار العائلة معاها، تونّز وكاتم أسرار الكل، معشوقة أولاد الجيران والأقارب، لسانها مبرد، مأدبة زميلها بالمدرسة، مشيبة مدرسينها، لميظة وذكية، وكل ده متعرفيش تأخدي منها حق ولا باطل، تشوفيها تحبيها، تتكلمي معاها تخطف عقلك قبل قلبك. _ياااه، شوقتيني أشوفها وأقبلها.

_إن شاء الله نجتمع كلنا مع بعض قريب وتتعرفي على الكل. زهور: إن شاء الله، بس في مشوار مهم أوي لازم نروح مع بعض، حاولي تفضي بكرة أو بعده بالكتير. غادير: مشوار إيه ده. زهور: هتعرفي لما نتقابل، سيبّي رقم تليفونك، أول ما أكون جاهزة هبعتلك رسالة. غادير: زهروان، عايزة أسألك سؤال وخايفة تفهميني غلط. زهور: مش هفهمك غلط، لإنّه نفس السؤال اللي عندي. غادير بذهول: قصدك إيه. زهور: مقابلتنا النهاردة دي طبيعية! مش ده سؤالك؟

وقبل ما أجاوبك هقولك أنا كنت راسمَة سيناريوهات كتير أوي لمقابلة كل فرد في عائلة الغمراوي، إلا إنتي، حاولت كتير أوي أتخيل شكل مقابلتنا إزاي معرفتش. غادير: أنا عكسك، كنت متوقعاها باردة، جافة، وخصوصًا إن شفت طريقتك بالكلام ولسانك اللي غسل حمزة وحازم من غير ما تخافي ولا تخجلي، وبعد كلام جدو والفيلم اللي حكاه ليا وأنا صدقته صراحة، كنت جايه وناوية إني أعملك أسوأ معاملة، بس كل خططي باءت بالفشل. زهور: هههه، باءت بالفشل.

غادير: زهور، انتي جميلة أوي وضحكتك حلوة، أنا حاسة إني أعرفك من سنين، أنا ماليش أخت، وإنتي أختي اللي طول عمري بتمنّاها. أنهت كلامها لتجد زهور تفتح ذراعيها لترتمي غادير بأحضانها، تبكي كل واحدة بصمت، لترفع غادير رأسها وترفع يدها تكور وجه زهور بيدها تجفف دموعها بأطراف أصابعها، تبتسم لها تحدثها. _العيون الجميلة دي متبكيش، من هنا ورايح مش أشوف دموعك دي تاني. عاوزة ضحكتك الحلوة تزين وشك.

زهور: بصوت باكي، ممكن أحضنك مرة تانية؟ مجربتش دفء وشعور الحضن قبل كده، أول مرة حد يضمني كده. غادير ببكاء: من هنا ورايح مش هنبطل أحضان ليكي عليا، أحضنك كل ما نتقابل حتى واحنا قاعدين، وياستي بكرة تزهقي من الأحضان، كفاية تيتا واللي هتعمله. ظلوا وقت هكذا لتبتعد غادير عنها تبتسم بوجهها: مش كفاية كده؟ هتتأخري على معاد قريبك، وكمان سيسيليا متأكدة دلوقتي مقومة الدنيا، وخصوصًا مش متعودة على غياب عمو زايد عنها.

زهور: تبتسم، شوقتيني أشوفها من كلامك عليها. غادير: زهور، إيه رأيك تيجي معايا القصر تقبليها و.. زهور مقاطعتها تبتعد عنها: لا لا، مش هينفع أبدًا دلوقتي خالص، فيه حاجة مهمة لازم أنهيها قبل كل حاجة. غادير: براحتك يا زهروان، الوقت اللي تحبي تيجي أكيد كلنا هنكون سعداء بيكي. دلوقتي أنا لازم أمشي، وإيه فين حاجة قريبك. زهور: يا ريت تقولي زهور، لسه بدري على زهروان، اتفضلي الشنطة أهي، والعنوان...

خالي بالك كويس وإنتي خارجة، حد ياخد باله منك يراقبك والخطة كلها تفشل قبل ما تبتدي. _انتي طيبة أوي يا زهور، على العموم مافيش حد شافني وأنا داخلة ولا حد هيشوفني وأنا خارجة. _إزاي ده حصل؟ رشيتي حد من الأمن ولا لبستي طاقية إخفاء. _ههه، حاجة زي كده. متقلقيش، بكرة بالكتير ها تعرفي كل حاجة. يلا سلام، الساعة قربت على عشرة صباحًا ورجوعي البيت هيبقى صعب وفيه مجازفة.

تبادلتا الأحضان وخرجت غادير وأغلقت الباب خلفها، تسير بالكلودور دون أن تلتفت خلفها حتى ابتعدت عن الجناح المقيمة فيه زهور، وقامت بفتح إحدى الغرف ودلفت وأغلقت الباب.

زهور بعد رحيل غادير جلست على حافة الفراش، أمسكت حقيبتها وأخرجت دفتر مذكرات أبيها تتصفحها، توقفت عدة دقائق تقرأ بعناية إحدى صحفها حتى شعرت بالنعاس، تعتدل بجلستها تتمدد على الفراش وتصفح أخرى حتى ارتخت جفونها وذهبت في نوم عميق ضامة المتبقي من ذكرياتها والدها تشتد باحتضانها. لتفيق فزعة على اتصال هاتفي الفندق.

زهور تشهق فازعة وتلتقط الهاتف بيدها بعد أن هدأت قليلًا، تستمع لحديث من يحدثها بذهول، تغلق معه وتهب تعدل من ملابسها التي لازالت ترتديها من عدة أيام. _يغلق الهاتف ويرتمي بأحضان زوجته يبكي كأنه لم يبكِ طوال عمره، يبتعد قليلًا عنها بعد مدة طويلة من ضمها، يشعر ببكائها بصمت وحركة يدها على ظهره تربت عليه كطفل رضيع تهدده أمه.

عبدالرحيم: أكثر من خمسين سنة وإنتي سندي وعكازي، رميت حمولي عليكِ، ما كلتيش ولا تعبتي ولا مرة اشتكيتي.

شلتني بأزماتي، بعتي ورثك وبيت أهلك وأنقذتني من ضياع الشركة بعد عبدالرحمن ما ضيعها. ربيتي أولادنا وأحفادنا أفضل تربية، حتى بنات عبدالرحمن ربيتيهم زي ولادك وأحسن. كاتمَة حزنك وأوجاعك جواكي، فضلتِ تسكتي ما تتكلميش وتعيشي سنين عجزة عشان ما تجرحينيش بكلمة واحدة ولا تتهمني بإني السبب بموت زياد. زهور بعترفلك لأول مرة من عشرين سنة، أنا مكنتش ببقى نايم زي ما كنتي فاكرة وإنتي بتعاتبيني وبتعيطي على زياد وحرمانك منه ومن بنته، كنت بمسك نفسي من ضمك وبموت ألف مرة، بتقطع من جوايا بس كنت بتحمل عشان تخرجي اللي جواكي، كنت بستحمل كلامك، وأول ما تنامي أروح عند قبر زياد وأخرج كل أوجاعي أحكيله عن كلامك وقد إيه انتي حزينة وموجوعة على فراقه.

زهور الجدة: سامحني يا عبدالرحيم، تعبتك سنين طويلة معايا. عبدالرحيم: يبتسم لها، يلمس بيده على وجهها بيده، سامحيني انتي على كل التعب والحزن اللي عيشتيهم بسببي. زهروان كمان نفسي تسامحني، نفسي أغمض وأفتح ألاقي اللي إحنا فيه ده انتهى واتجمعت أنا وأولادي وأحفادي بما فيهم زهروان، وأطمن عليها وبعدها أموت وأنا مستريح. زهور الجدة: شاهقة، بعد الشر عليك، ربنا يديك طولت العمر وتفرح ليهم كلهم وتشوف أحفاد أحفادك.

تصمت فزعة مع سماعهم دقات جرس الباب التي لا تتوقف. يقف وجهه كجمر شديد الحمرة، يكظم غيظه بصعوبة بالغة، يكور إحدى يديه والأخرى متكئ بها على كرسي أمامه، ينفس بغضب وهو يستمع لضحكات خافتة حوله، ليرفع عينه يصوبها للمتحدث يكاد يفتك به. _هتفضل على الحالة دي كتير؟ هتقدر تتحمل أكتر من كده؟ يابني أنا دخلت مفهاش حاجة يعني. _حمزة، مش عاوز أسمع صوتك أبدًا، أدخل فين؟ انت مش إزاي قدرت تدخل القرف ده؟ مش شامم الريحة ولا لون الماية؟

ولو كل ده ميفرقش معاك، فين المكان اللي.. حد يصرف ويفتح الباب ده ولا شباك، مش قادر أتحمل أكتر من كده. حازم: ريح نفسك يا زين، متحاولش تفتح الشبابيك، أنا حاولت أكتر من مرة، حتى فكرت أكسرهم، للأسف معرفتش، مقفولين من برة والباب نفس الكلام. زين: مين الغبي اللي عمل كده؟ لو أشوفه هقتله. لازم نتصرف ونفتح الباب ده بأي طريقة، أنا كمان مخنوق ومش قادر أتنفس، لازم أخرج من هنا.

حمزة: هنفتحه إزاي وهو مقفول من برة، ولو مخنوق ومحتاج تشم هواء، اطلع زي حازم على السطوح وشم هواء وارجع. زين: بالرغم من برودك ده، إلا إنك أول مرة تفكر صح. مفيش غير كده، أنا هطلع فوق وأشوف مكان أقدر أنزل منه. وأفتح الباب. البيت مش عالي ويكون سهل النزول. حمزة: زين، انت متأكد من اللي بتقوله؟ زين: ما قدامناش حل غير كده. صعد زين وصعد الدرج الخشبي لأعلى، تجول على السطح.

ينظر للأسفل عن مكان يستطيع القفز منه بسهولة دون أن يصاب بأي أذى. ظل دقائق على هذا الحال، حتى وقع بصره على كومة من القش على مسافة قريبة من المنزل من الخلف. ليحسم أمره ويرتد للخلف وأخذ وضع الوثب وقطع المسافة في خطوتين قافزًا على كومة القش لتهوي به ويسقط في مكان لزج ذو رائحة كريهة من رأسه لأخمص قدمه.

يخرج منه ينفض نفسه وهو يسب ويلعن حاله ومن أحضرهم لهذا المكان. ينفض عن يديه ويزيح عن وجهه، وعينه تجحظ عيناه وهو يرى ما سقط به. يشعر بالغثيان وهو يرى روث الحيوانات ليبتعد سريعا للخلف وهو يخلع نعله ويرميه بعيدا. يرفع يده يبعد ما يتساقط من على جبهته وعينه وباقي وجهه ملطخ بالروث. تلفت يمين ويسار حتى وقعت عيناه على مجرى مائي على بعد خطوات. يهرول تجاهه ليفزع وهو يصطدم بأحدهم وسماع صرخات عالية وكلمات لم يفهم منها سوى...

استغفروا لعلها تكون ساعة استجابة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...