ارجوك يا جدو ارجوك ماتسبنيش، خدني أعيش معاك. هو جوزها بيضايقك ولا عملك حاجة؟ ماما بطلت تصرف وأنا مش عارفة أذاكر من المشاكل، وبطلت تديني فلوس عشان الدروس والامتحانات قربت وأنا مش عارفة أعمل إيه. ملاقيتش غيرك ألجأ له. ورحمة أبويا عندك يا جدو خدني أعيش معاك. كانت تتحدث مايسة وهي تبكي، تحاول استعطاف جدها، فهو آخر أمل لها. لو تخلى عنها هو الآخر، وقتها ستترك المدرسة ومستقبلها سيضيع. طيب، انتي عارفة العنوان بتاعكم؟
آه يا جدو، العنوان******. طيب، حضري نفسك، بكرة هاجي آخدك. بجد يا جدو؟ آه يا مايسة، وما تقوليش لأمك حاجة، فاهمة؟ حاضر، حاضر، هعمل اللي هتقول عليه. أغلقت مايسة الهاتف مع جدها وبدأت في جمع أشياءها داخل حقائب سفر. وضعت كل ما يخصها في تلك الحقائب. لم تستطع النوم في هذا اليوم، تخشى أن لا ينفذ جدها حديثه معها. ظلت طوال الليل تفكر في المجهول، كيف ستتقبلها جدتها، وكيف ستتعامل معها، وهل أعمامها سيتقبلونها أم سيقسوا عليها.
أثناء تفكيرها، سمعت أذان الفجر. قامت وأدت فرضها وظلت تدعو ربها أن ينجيها مما هي فيه وأن يفي جدها بوعده ويأتي لأخذها. بعد أن انتهت من الصلاة، قامت وارتدت ملابسها وظلت جالسة في غرفتها، منتظرة قدوم جدها. في صباح ذلك اليوم، أتى جدها مبكراً ومعه أحد أعمامها. طرق الباب وفتحت لهم سعاد. اندهشت سعاد من وجود حماها في ذلك الوقت. صباح الخير، ازيك يا عمي؟ أهلاً يا سعاد، إيه هتفضلي سيبانا على الباب كده؟
لا طبعاً، اتفضلوا، اتفضلوا. بس انتوا عرفتوا العنوان إزاي؟ إيه، ما كنتيش عايزانا نعرف عنوانكم ولا إيه؟ لا أبداً، أصلكم من وقت موت المرحوم محدش شافكم ولا سمع صوتكم. كنا فاكرينك قد الأمانة، خصوصاً بعد اللي سبهولك ابني الله يرحمه. اللي ابنك سيبهولنا كله اتصرف. وصرفتيه على إيه بقى؟ لبس ومكياج ولا على إيه؟ انت جاي تحاسبني ولا إيه؟
لا أحاسبك ولا تحاسبيني، أنا جاي آخد بنت ابني. انتي دلوقتي اتجوزتي وشوفتي حياتك، ومن حقنا وصاية البنت. لا، محدش هياخدها مني. كنتوا فين من زمان؟ انتوا إيه، فجأة كده افتكرتوها؟ كنا موجودين وكنا فاكرينك أمينة على البنت، لكن طالما انتي اتجوزتي، يبقى لحمنا إحنا أولى بيه. وهي مش عايزة تعيش معاكم، هي متعرفكوش أصلاً.
اسأليها، وبعدين معرفتها بيكي كفيلة تخليها ماتختاركيش. إحنا لو كنا أخدناها منك زمان، لما تكبر كانت هتتهمنا إننا حرمناها منك، لكن دلوقتي هي كبرت ومن حقها تختار تبقى مع مين، ومش هتيجي في يوم تقول إننا حرمناها منك، لأن دلوقتي هيكون باختيارها. أثناء حديثهم، خرج إليهم رأفت. خير يا سعاد، ومين دول؟ دول أهل مايسة. وعايزين إيه بدري كده؟ عايزين ياخدوها.
خلاص، اديهالهم، هما أهلها وأولى بيها، على الأقل يصرفوا عليها، وانتي كده كده مش عارفة تصرفي عليها. انت بتقول إيه انت كمان؟ أنا بنتي مش هسيبها. تحدث الحد بحزم. مش انتي اللي هتقولي، نادي البنت وهي تقرر. هناديها وهتشوف هي عايزة تفضل معايا. دلفت سعاد لغرفة مايسة ووجدتها واقفة وجمعت أمتعتها في حقيبتها. إيه ده، انتي كنتي عارفة إنهم جايين؟ يبقى انتي اللي أديتيهم العنوان بقى.
أنا آسفة يا ماما، بس أنا مش عارفة أعيش معاكي انتي وجوزك. أنا بقيت أخاف أمشي في الشقة بسببه، يضربني ولا يقولي كلمتين زي اللي دايماً بيقولهملي. أنا تعبت. هو جوزك، انتي استحمليه، لكن أنا صعب عليا. بقى دي آخرتها؟ أنا عملت كل ده عشانك. لا، مش عشانى، عشان نفسك أصلاً. ارتباطك بيه من الأول غلط. بقى دي آخرتها. معلش يا ماما، أنا هكلمك وأسأل عليكي، إنما مش هقدر أعيش معاكي، صعب عليا. براحتك يا مايسة، براحتك.
قالتها وتركتها ورحلت وهي تبكي، فأبنتها تخلت عنها، ولديها الحق فيما فعلته. خرجت مايسة وهي تجر حقيبتها خلفها. وجدت جدها وعمها يجلسون برفقة رأفت، ووجوههم خالية من أي تعبير. شعرت بقلق داخلها، لكنها لم تتراجع عن الذهاب معهم. وقفت أمام جدها بثقة. جدو، أنا جاهزة، هاجي معاك. يلا بينا. أخذها ورحل دون أن يتحدث مع أي فرد آخر، ودون أن تودع والدتها، فما عاشته مع والدتها كان كثيراً عليها.
صعدت السيارة، وطوال الطريق صمت تام جعل القلق يتسلل إليها. وصلوا أخيراً لمنزل جدها، عبارة عن أربع طوابق، لكل ابن من أبناء أعمامها منزل به. دخلت منزل جدتها بقلق، وجدت جدتها تجلس على الكرسي واستقبلتها وضمتها إليها، وظلت تهلل بوجودها، وابتسم جدها بعد ذلك ورحب بها. ونادت جدتها على أزواج أعمامها وأبنائهم ليرحبوا بها. أخيراً شوفناكي يا حبيبتي، الحمد لله، كان نفسي أشوفك من زمان. طيب، ليه مسألتوش عني؟
كنا بنسأل من بعيد وشايفينك مرتاحة، فسبناك، خفنا ناخدك من أمك تكرهيها وتلومينا في المستقبل، لكن مش مهم. حدك حكالي كل حاجة، ومن النهارده أعمامك دول في مقام أبوك، ومراتاتهم في مقام أمك. أي حاجة تطلبيها هتلاقيها بإذن الله. استقبلها الجميع وتعاملوا معها بود. وجدتهم أشخاص طيبين وحياتهم بسيطة، عكس ما كانت تقوله لهم والدتها وكانت تحاول أن تبعدها عنهم.
مر أسبوع على حديث ساجد مع والده، وخلال ذلك الأسبوع أصبح ساجد يحاول التقرب من زهرة. لاحظت زهرة أن ساجد دائماً يستدعيها للحديث في أشياء لا علاقة لها بالعمل أو بابنته، ولاحظت أيضاً محاولاته للتقرب منها. شعرت زهرة بأحاسيس مختلطة داخلها.
جزء داخلها سعيد بذلك التقرب وذلك الشعور الذي أحيا بها مشاعر قد ماتت ودفنت، وأصبحت تشعر بمشاعر تدغدغها من الداخل، كمن يحفر بالماء داخل الرمال ليبحث عن جوهرة ضائعة، فظهر له جزء كبير منها يتلألأ. وجزء آخر داخلها جعلها تشعر برفض وخوف. فالآن ليس من حقها ذلك الشعور الذي أحبته. هي لا تستحق هذا الشعور، لا يجب عليها أن تصبح أنانية وتنساق وراء مشاعرها، فلديها ابن يعتمد عليها اعتماد كلي.
عليها أن تردم الرمال مرة أخرى على تلك الجوهرة التي زهرت قبل أن تخرج بالكامل، ووقتها لا يمكنها الرجوع مرة أخرى. عليها أن تبتعد، حتى وإذا أرهقها قلبها ومشاعرها تمرد عليها، أن تردها، فابنها لديها أهم من أي مشاعر. حاول ساجد أن يتحدث معها، لكنها أصبحت تتحجج حتى لا تسمح له بالحديث معها، وأصبحت تتهرب منه حتى لا يراها. عند ساجد، بدأت الشكوك تتسرب إليه. هل هي رافضة قربه بهذا الشكل ولا تحبه؟ هل مازالت تحب طليقها؟
وعند هذا السؤال، شعر بغصة في قلبه. هل هو أحبها دون شعور منه؟ هل تقربه منها جعل لديه مشاعر داخلها تجاهها دون أن يعلم؟ ماذا لو حقاً مازالت تحب طليقها؟ وقتها لا فائدة من اقترابه منها. ذهب لمنزله وسأل ابنته. مليكة، هي زهرة بتكلمك؟ آه، على طول بنكلم بعض، ليه، في حاجة؟ لا أبداً يا حبيبتي، بس لو حسيتي إن هي متضايقة من كلامكم الكتير، حاولي تقلليه. حاضر يا بابا، بس هي دايماً بتكون مبسوطة بكلامنا. خرج والده على سؤاله.
ليه بتقول كده؟ حصل حاجة؟ أبداً يا بابا. يابني اتكلم، أنا مش هضرك. مافيش، كل الحكاية إني بحاول أتقرب من زهرة، لكنها بتبعد وتتهرب مني. ابتسم الأب على حديث ابنه، فهو توقع ذلك. أنا عارف إنها هتعمل كده. إيه بقى؟ لأنها ست بتاعت مسئولية. مش فاهم. هي خايفة تقرب منك عشان ابنها، وده أكبر دليل إن من جواها في مشاعر ليها تجاهك وبتحاول تتهرب منها.
شعر ساجد براحة من حديث والده، فحديث أبيه منطقي، ولكن إذا استمرت في ذلك الوضع، كيف يستطيع أن يتقرب منها. طيب، إيه رأيك، أبعد عنها وخصوصاً إنها عندها حق. لا، كلمها وطمنها وحاول تقرب من ابنها. يعني أعمل إيه؟ واجهها. طيب، حتى لو واجهتها ووافقت، الولاد هيعيشوا إزاي؟ دي محلولة وسهلة. إزاي بقى؟ مش هقولك غير لما تكلمها وأشوفك كبرت وعجزت ولا لسه شاب وهتعرف تقنعها. يا بابا بقى. اسمع مني، بكرة كلمها وخليك دغري معاها.
الهجوم خير وسيلة للدفاع، قرب منها، ماتديهاش فرصة تفكر ولا ترفض، فاهم؟ هحاول. في اليوم التالي، ذهب ساجد للمدرسة وقرر أن يتحدث معها، وأرسل لها العاملة تستدعيها لأمر هام. استغربت زهرة طريقته تلك المرة وقررت الذهاب له. ياترى ساجد هيكلمها وهيعرف يقنعها، وهل هي هتوافق؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!