دلفت زهره غرفه ساجد وقلبها ينبض كالتلميذ الذي استدعاه المدير ولا يعلم سبب الاستدعاء، هل ثواب أم عقاب؟ لا تعلم، هذا النبض شوق أم خوف؟ طرقت الباب ودخلت الغرفه، وجدت ساجد يجلس منتظرها. وتقابلت عيناهما. بداية من دخول الغرفه شعرت زهره برجفه في جسدها وشبكت أصابعها ببعضها محاوله تخفيف التوتر. هي لم تكن هكذا يومًا، حتى في أول لقاء لهم. لما هي الآن تشعر هذا الشعور؟ تنحنحت زهره وبدأت في الحديث مستفسره عن سبب استدعاءه لها.
ـ مستر ساجد، حضرتك بعت العامله تناديني. ـ أه يا زهره، اتفضلي اقعدي، عايز أتكلم معاكي. ـ اتفضل، أنا سامعه حضرتك. ـ زهره، ممكن أسألك؟ ـ أه، اتفضل. ـ انتي لسه جواكي مشاعر لطليقك؟ ـ حضرتك بتسأل ليه؟ هو له علاقه بشغلي؟ ـ لا، ملوش علاقه بشغلك، له علاقه بيا أنا. ـ أنا مش فاهمه قصد حضرتك، وليه بتسألني السؤال ده؟ ـ بصراحه يا زهره، أنا معجب بيكي، وخايف أكلمك يكون لسه جواكي مشاعر لأحد ثاني.
ـ لا، أنا معنديش مشاعر لحد، بس للأسف مش هينفع أرتبط بيك. أنا آسفه. عن إذنك. وقامت من مكانها واتجهت للباب. أوقفها صوت ساجد مناديًا. ـ استني يا زهره، انتي فعلاً مش حاسه بحاجه اتجاهي؟ توترك وهروبك مني ده مش مشاعر بتحاولي توقفيها؟ صمتت زهره لا تعرف ماذا تقول. فقط صوت دقات قلبها يعلو. هي لم تعد حره في اتخاذها للقرار. وإذا وافقت وسعت خلف مشاعرها ستظلم ابنها، وهو لا يستحق الظلم. عاد ساجد مره أخرى يسألها.
ـ زهره، ردي عليه، انتي مش جواكي مشاعر تجاهي خالص، ولا عشان ابنك؟ حاولت زهره الهرب من السؤال، لكن ظل ساجد يحاصرها إلى أن أجابته. ـ مستر ساجد، أنا كبرت، حتى لو سني صغير، بس من جوايا كبرت. وغير كده ابني أنا مستحيل أتخلى عنه مره ثانيه. أول مره كان هيضيع بسبب استسلامي وضعفي. أنا ما صدقت إنه رجع لي مره ثانيه، صعب أتخلى عنه. مش بس صعب، ده مستحيل. ـ ابنك هيبقى زي بنتي، أنا مطلبتش منك تتخلي عنه أبدًا. ـ يعني إيه؟
ـ يعني نقدر نشوف حل. أنا مش هتخلى عن بنتي، وانتي مش هتتخلي عن ابنك. أكيد فيه حل. زهره، فكري وتعالي ندي نفسنا فرصه. ـ صعب. افرض أحمد رفض؟ ابني شاب كبير. ـ سيبى أحمد عليا. ماتتكلميش معاه في حاجة. إحنا لسه معانا وقت. ـ مش عارفه، مش عارفه. ـ طيب، أنا هسيبك تفكري وهستنى قرارك. وهبقى مبسوط أوي لو وافقتِ. وصدقيني يا زهره، زي ما بنتي محتاجه لأم، ابنك كمان هيكون محتاج لأب.
صمتت زهره تفكر في حديثه. هل من المحتمل في المستقبل أن يتغير أحمد عليها مره أخرى؟ هل سيحتاج أحمد لأب؟ فهو كان ومازال يمتلك أب، لكن وجوده كعدمه، بل إن عدم وجوده كان أفضل له. قطع شرودها صوت ساجد. ـ فكري كويس يا زهره، وأنا مستني ردك. أماءت له زهره برأسها وذهبت مسرعه للخارج، وقامت بالاتصال على غزل. ـ ألو. ـ زهره، صباح الخير. خير، في حاجة حصلت ولا إيه؟ ـ غزل، مش إحنا أصحاب؟ ـ أه، ليه؟ حصل حاجة؟ رأفت ضايقك؟
ـ لا، ملوش علاقه برأفت. ـ آمال بمين؟ ـ ساجد. ـ ماله ساجد؟ ـ بقولك إيه، ينفع أقابلك وأحكيلك بالتفصيل؟ ـ تمام، تحبي تعدي عليا ولا نتقابل بره؟ ـ نتقابل بره، هخلص مدرسه وأقابلك. ـ خلاص تمام، أنا كده كده فاضيه. *** في مدرسة مايسه في اليوم التالي، قام أحد أعمام مايسه بإيصالها للمدرسة. وأثناء دخول مايسه لمدرستها، وجدت والدتها أمام باب المدرسة تقف في انتظارها. اقتربت منها مايسه وبدأت تتحدث معها. ـ ماما، إيه جابك بدري كده؟
ـ عشان أعرف أتكلم معاكي قبل ما أروح الشغل. ـ ماما، لو سمحت، لو هتكلميني في اني أرجع تاني، صعب، مش هقدر. ـ يا مايسه، ليه عايزة تسيبيني لوحدي؟ ـ ده كان اختيارك انتي. طمعتي وكنتي فاكرة إن تحت القبة شيخ، وطلع إن هو لا بيصرف ولا بيعمل، ومراته كانت بتصرف عليه، بالإضافة لأسلوبه صعب أتحمله. ده كان اختيارك انتي، اتحمليه. أنا تعبت، مش قادرة. ـ مش هتصعب عليكي؟
ـ هتصعبي عليا، بس مش هقدر أعملك حاجة. أنا عايزة الحق اللي فاتني وأركز في دراستي. لو سمحت يا ماما، لو فعلاً يهمك مستقبلي، سيبيني مع جدي. ـ طيب، حد بيضايقك من عمامك أو مراتاتهم؟ ـ لا خالص، بالعكس، الكل رحبوا بيا. ـ ماشي يا مايسه، هسيبك براحتك، بس اسألي عليا. أنا عارفه إني غلطت، بس خلاص بدفع نتيجه غلطي. **** بعد انتهاء اليوم الدراسي، ذهبت زهره لتلتقي بغزل وتأخذ رأيها بموضوع ساجد، لعلها تريح قلبها.
جلست زهره في إحدى الكافتريات، وبعدها بقليل أتت إليها غزل. ـ خير يا زهره، خضتيني، في إيه؟ ـ ساجد بقاله فترة متغير معايا وبيحاول يقرب مني، وأنا كنت ببعد عنه وبهرب. ـ وانتي؟ ـ انهارده طلب إني اتجوزه. ـ طيب، انتي رأيك إيه؟ أو قبل السؤال ده، عايزة أسألك على حاجة، انتي جواكي مشاعر ليه؟ مشدودة له أصلاً؟
ـ مش عارفه يا غزل، بشوفه بتلخبط، قلبي بيدق، ببقى متوترة، ولما انهارده بعتلي، كنت عاملة زي التلميذ اللي المدير عامل له استدعاء ولي أمر. ـ حلو، معنى كده إن جواكي مشاعر ليه، ومشاعر حلوه كمان. إيه قلقك بقى؟ ـ أحمد. ـ ماله أحمد؟ ـ أولاً، أنا مش هقدر أستغنى عنه. ـ طيب، طبيعي إنك مش هتسيبيه، ولا هو كمان هيسيب بنته. ـ طيب، افرضي أحمد رفض. ماتنسيش التجربة اللي مر بيها.
ـ أحمد محتاج تقديمات وتلميحات، بس قبل أي حاجة، لازم تعرفي هتعيشي فين، عشان ماتتكلميش مع أحمد وتبقى تايهة، وهو وقتها هيحس إنه عبء عليكي، وممكن يبعد عنك ويرجع لباباه تاني، وساعتها هتخسري كل اللي بنيتيه. فكري كويس يا زهره، ده قرارك، ولو انتي بقيتي سعيدة في حياتك، هو كمان هيبقى مبسوط. ـ عندك حق. ****** ذهبت زهره للمنزل، وجدت أحمد يتحدث بالهاتف مع ساجد. ظلت بجانبه إلى أن انتهى من تلك المكالمه.
ـ أحمد، كنت بتكلم مين وعمال تقوله حضرتك؟ ـ ده مستر ساجد، بيطمن عليا وبيتاكد إني بذاكر كويس، وبيشوفني لو محتاج حاجة يشرحهالي وكده. ـ تمام، انتوا اتكلمتوا قبل كده؟ ـ اه، أخدت رقمه آخر مرة كنت معاكي فيها في المدرسة، وكلمني بعدها مرتين تقريبًا. ـ انتوا أصحاب بقى؟
ـ أنا بصراحه بحبه جدًا، ياريت بابا كان زيه كده. بصراحه، أنا معجب بيه جدًا، شخصيه قويه، ومدير مدرسة كبيرة، ومش بس كده، كل الطلبه بتعمله ألف حساب وبيخافوا منه، رغم إنه عمره ما غلط في حد. ـ وهو كمان بيحبك أوي يا أحمد، و متراهن عليا إنك هتطلع من الأوائل. ـ بإذن الله، هطلع من الأوائل وهتبقى فخوره بيا. تركته أمه وذهبت لتحضر الطعام وبالها مشغول بحديث ساجد.
مر يومان على تلك الأحداث. ترك لهم ساجد زهره على راحتها حتى تفكر جيدًا دون ضغط منها، وترك لنفسه مساحه حتى يفكر في وضعهم بعد الزواج. وتذكر حديث والده بأن كل شيء له حل. ذهب لوالده وجلس معه. ـ ازيك يا بابا، عامل إيه انهارده؟ ـ الحمد لله، في نعمه زي كل يوم. ـ مش محتاج حاجة؟ ـ لا. ـ طيب، مش حابب تسألني في حاجة؟ ـ حاجة زي إيه؟ فهم ساجد أن والده يراوغه في الحديث، فقرر سؤاله بشكل مباشر. ـ على فكره، أنا كلمت زهره.
ـ وهي ردها إيه؟ ـ خايفه عشان ابنها، وممكن متوافقش. صحيح، مش انت قولتلي عندك طريقة؟ ـ ساجد، هو انت لو اتجوزت هتتجوز فين؟ ـ في الشقه اللي فوقي على طول، هبيع الفرش القديم وأجدده وأقعد معاها. ـ طيب، وأنا هبقى هنا، يعني ممكن ابنها أو بنتك تقعد معايا، ونعتبر قاعدين مع بعض، لكن كل واحد في شقته، يعني ممكن تطلعوا فوق على البيات، ومليكه تفضل هنا زي ماهي، وأوضتها موجودة.
فكر ساجد في حديث والده، فهو منطقي. من جهه سيكونوا أسرة، ومن جهه أخرى سيستطيع الفصل بينهم، وباقي اليوم يقضيه بينهم أو برفقتهم سويا. ـ تصدق فكره، أنا بكره هكلم زهره بإذن الله. في اليوم التالي، اتصل ساجد بزهره وطلب منها أن تحضر لمكتبه. وبالفعل أتت زهره. ـ ازيك يا زهره، عامله إيه؟ ـ ازيك يا مستر ساجد. ـ بخير طول ما انتي بخير. فكرتي في كلامي معاكي آخر مره؟
ـ بصراحه يا مستر ساجد، أنا مش هنكر أن فيه مشاعر جوايا، لكن ابني عندي كل حياتي، وصعب أتخلى أو أبعد عنه. ـ وأنا طلبت منك كده؟ ـ على فكره، أنا بعتبر أحمد ابني، وهو ولد ذكي وشاطر، وأنا متراهن مع نفسي عليه. ـ طيب، يعني أنا هنا؟ ـ طيب، أنا بصراحه متلخبطه ومش قادرة أحدد. ـ على فكره يا زهره، إحنا لو اتجوزنا ابنك هيعيش معاكي وهيبقى في وسطنا أنا وانتي. ـ طيب، ومليكه؟
ـ بصي يا زهره، أنا عايش مع بابا في بيت واحد، وكنت متجوز في الشقه اللي فوقيه بالظبط عشان أراعيه ومابعدش عنه. ولما مراتي توفت، وبعدها والدتي نزلت قعدت معاه في الشقه، وبقيت شبه مقيم معاه أنا ومليكه، لكن شقتي فوق زي ما هي، يا دوبك محتاجه توضيبات بسيطة وأغير العفش. ومليكه هتفضل في أوضتها مع بابا، وأنا بالنهار هفضل معاها زي ما أنا، وأحمد كمان يقعد معانا، ولو حابب يفضل على راحته فوق، يطلع، وانتي كمان تطلعي معاه. يعني الوضع هيبقى سهل، كأنهم جيران عايشين في عمارة واحده.
ـ طيب، أنا أصلاً معرفش أحمد هيوافق ولا لأ، وهل هيتقبل فكرة إني أتجوز واحد تاني غير باباه؟ ـ خليني أنا أكلمه. طيب، انتي بردوا ما فكرتيش في مليكه؟ وممكن ترفض؟ ـ مليكه بتحبك يا زهره، بالعكس، هتفرح لما تعرف إنك هتقعدي معاها. مليكه، أنا مش قلقان منها، وكمان مش قلقان من أحمد. ـ طيب، سيبلي فرصة أكلمه وأفكر تاني. ـ هل أحمد هيتقبل الوضع وممكن يوافق؟ ـ هل سعاد هتكمل مع رأفت؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!