وصل لرأفت إخطار المحكمة. ظل يدور حول نفسه كالمجنون. "دي أكيد اتجننت، أكيد هي بتعمل كده عشان تغيظني. القايمة بتاعتها أساسًا ضاعت من زمان وأنا دورت عليها كتير عشان أقطعها وملقتهاش. يبقى جابت قايمة تانية منين؟ أكيد هي مقدمة لهم ورق مزور. أنا مش هروح ولما يتحكم لها بقى هطعن في الحكم وأسجنها بتهمة التزوير. يا أنا يا أنتِ يا زهرة."
قام رأفت بالاتصال بزهره مرارًا وتكرارًا، ولكنها لم تجب. فأعاد إرسال الرسائل لها مرة أخرى بشكل أكثر همجية. وفي الجهة الأخرى، كانت تقف زهرة في أحد الأقسام تقوم بعمل محضر عدم تعرض لرأفت. وخلال وقفتها، ظل رأفت يرسل لها رسائل التهديد. وقامت زهرة بإعطاء هاتفها للضابط لكي يرى تلك الرسائل. رأى الضابط الرسائل وقرر إحضار رأفت لعمل محضر له وجعله يقوم بالتوقيع على عدم التعرض.
أخذ الضابط العنوان وذهب لرأفت وبرفقته إحدى أمناء الشرطة. قام الضابط بالطرق على الباب وفتح له رأفت وشعر بخوف من وجودهم وتحدث بخضة: "خير، في حاجة؟ "آه، ممكن تتفضل معانا." "فين وليه؟ "اتفضل معانا وهنفهمك كل حاجة في القسم." ذهب رأفت معهم للقسم، وعندما دخل غرفة الضابط وجد امرأتين، واحدة يشبه عليها وأخرى لم يتعرف عليها. ولكنه حين ركز نظره عليها تفاجأ أنها زهرة.
أقترب منها مسرعًا وجذبها من يدها أمام الضابط، مما جعل الضابط يأمر العساكر بإمساكه جيدًا. وقف الضابط واقترب منه وعلى وجهه علامات الغضب. "مش مالين عينك إحنا؟ إيه نجبلك مين يملى عينك وبتتهجم عليها كمان قدامي، ده بجح صحيح." "يا باشا أنت مش عارف دي بتعمل فيا إيه." "يترى بتعمل إيه بقى؟ "رافعى عليا قضيتين نفقة وتبديد عفش، مش حقها." "لأ مش حقها، أنا الحضانه معايا، أدفع لها بقى نفقة إيه." تحدثت غزل بثقة وسخرية:
"لأ هما مش اتنين بس، أنت اللي وصلك اتنين. أولًا نفقة متعة، ثانيًا نفقة لأنها طلقتها وهي بدون عمل أو دخل. ثالثًا قيمتها وعفشها اللي أنت واقده وعايز تتجوز عليه ورافض تديها حقها. رابعًا قضية سب وقذف وتهديد." "انتوا اتجننتوا ولا إيه؟ مالهاش حاجة عندي وهاتي ما يثبت كده." "بس كده، حاضر. في المحكمة نبقى نتقابل." كانت زهرة طول فترة حديثهم تنظر إلى رأفت نظرات تعجب منه ومن نفسها. كيف استطاعت أن تعيش مع شخص كهذا السنين الماضية؟
هل من أجل ذلك الشخص كانت تأتي على نفسها وتحاول جاهدة الحفاظ عليه؟ هل كانت تضحي من أجل شخص كهذا؟ ليته طلقها من قبل. فاقت من شرودها على الجدال بين رأفت وبين غزل وقررت أن تنهي ذلك الجدال.
"يا حضرة الضابط لو سمحت، أنا مش جايه عشان أتجادل مع شخص زي ده. أنا وهو أصلًا ما فيش أي داعي لكلامنا. إحنا منفصلين وهو مش عايز يسيبني في حالي وبيبعت لي رسائل سب وقذف وتهديدات. وأنا عايزة أعمل بالكلام ده محضر عشان بعد كده هعمل له قضية سب وقذف." نظر رأفت لحديثها بتعجب. هل تلك زهرة التي كانت تخشى من أن تعلي صوتها أمامه الآن تتحدث بتلك القوة وتهدده أيضًا؟ من أين أتت لها تلك القوة؟ وكيف لها أن تغير من نفسها بذلك الشكل؟
هو في البداية لم يتعرف عليها. فقد امتلأت بعض الشيء من بعض الأماكن، وجهها أصبح أكثر بياضًا وإشراقا. أين الدموع التي كانت ملتصقة بعينيها؟ أين ذهبت تلك الهالات السوداء التي كانت تحيط بعينها؟ ولكن لن يجعلها تفوز عليه، سيحاول كسر أنفها. "إيه النضافة دي يا زهرة؟ اللي يشوفك دلوقتي ما يشوفكيش من شهرين فاتوا." تجاهلته زهرة، فهي تعلم ما يحاول فعله. "لو سمحت يا حضرة الضابط اعمل المحضر، أنا مش حابة أقعد في مكان مع واحد زي ده."
"ماله ده؟ مش ده اللي كنتي بتتحايلى عليه عشان ما يطلقكيش؟ "كنت غبية، كنت فاكرة إني بحافظ على بيتي وأسرتي زي أي ست مصرية أصيلة. بس للأسف مش كل الرجالة بيبقوا رجالة يتسند عليها. في رجالة بتكون أسما في البطاقة بس وبيظهر رجولته إنه بيتشطر على واحدة ست. لو فاكر يا رأفت إني ممكن أعديلك أي غلطة أو لفظ هتقوله بعد كده تبقى غلطان. كل حاجة هتتحاسب عليها." ثم نظرت للضابط. "البلد فيها قانون ولا إيه يا حضرة الظابط؟ "يعني إيه؟
"يعني هتمضي يا رأفت على محضر عدم تعرض لأستاذة زهرة وهتنفذ حكم المحكمة." حاول رأفت الجدال معهم، لكنهم لم يعطوه فرصة واضطر على الإمضاء على ذلك المحضر. خرجوا جميعًا خارج القسم وحاول رأفت الحديث مع زهرة. "مش ممكن الغيرة بتغير كل ده؟ 😉 لو عايزاني أرجعك تاني اتنازلي عن المحضر والقضايا ووقتها هرجعك تعيشي مع ابنك بس المرة دي عارفة." ابتسمت زهرة بسخرية على حديثه واقتربت منه بقوة جعلته يرتد للخلف.
"أوعى تكون فاكر إني ممكن أفكر أبص لواحدة زيك في يوم من الأيام. هو اللي بيرمي زبالة بيرجع يلمها تاني. وأنا رميتك ومش بس كده، تؤتؤتؤ. أنا هاخد منك القديم والجديد. وافتكر كلامي ده كويس. أنا اللي هرميك في الشارع يا رأفت. زهرة اللي كانت بتعمل حساب للعشرة وبتيجي على نفسها خلاص مابقتش موجودة. اللي واقفة قدامك دي هتاخد اللي وراك واللي قدامك. ووقتها لو حتى بست رجلي واترجتني أرجعلك، وقتها هشوطك زي الكورة في أقرب زبالة اللي أنت منها. كلامنا خلص يا رأفت وأي حركة تفكر تعملها افتكر إن قدامها هيكون فيه رد عنيف مني. نصيحة ليك ابعد عني."
ثم تركته وذهبت برفقة غزل. وقف رأفت ينظر في أثرها بخوف من أن تنفذ تهديدها. هل تسرع في الانفصال عنها؟ وكيف لها أن تنفذ ما تقوله؟ ظل يفكر في حديثها وتملكه الخوف. هل انقلبت الآية وأصبح هو من يخشاها؟ في سيارة غزل كانت تتحدث مع زهرة. "اتغيرتي يا زهرة." "من اللي شوفته واللي مريت بيه. أقولك على حاجة؟
أنا اللي عملت كده في نفسي من خوفي اللي بدون أي مبرر. مش عارفة كنت خايفة ليه. يمكن لو كنت أخدت الخطوة دي من زمان كانت حياتي اتغيرت للأفضل. يمكن رأفت كان عملي حساب وفكر قبل ما يضايقني ألف مرة. أنا السبب في اللي حصل زيه. أنا اللي سهلت له الحياة وبقيت أنا الراجل والست." "طيب ابنك يا زهرة؟ "ماله؟ "ما اشتكيش؟ "وحشني طبعًا، بس هو زي أبوه ناكر للجميل. نسي كل اللي اتحملته عشانه وبيشجع أبوه يطلقني ويتجوز غيري."
"الولد في سن صعب وبيقلد باباه. فاكر الرجولة كده. انتوا الاتنين غلطتوا في تربيته." "أنا؟! إزاي؟ "الأطفال بيحبوا يشوفوا أهلهم أقوياء ويتباهوا بيهم. شايف باباه المدرس اللي بيهتم بنفسه والستات بتعجب بيه وكلمته سيف. وفي الجهة التانية شايف مامته الست الضعيفة اللي طول الوقت دموعها على خدها. تفتكري مين فيكم هيكون مثله الأعلى وهيقلده؟ ابنك معذور ولسه في وقت. مسألتيش نفسك هو عايش إزاي مع باباه؟
وأنتي عارفة إنك انتي اللي كنتي بتصرفي. تفتكري باباه بيصرف عليه؟ "قصدك إيه؟ "قصدي إنك ترجعي ابنك ليكي وأنتي قوية. تخليه فخور بيكي وبعد كده علميه الصح من الغلط. علموا ابنك ياخد حقه إمتى ويسامح ويتنازل إمتى. ربيه من أول وجديد." "أفرض هو عايز يفضل مع أبوه."
"يبقى عملتي اللي عليكِ. ابنك عنده ١٥ أو ١٦ سنة يعني صغير وفي سن خطر. ابنك لسه بيتعلم ومش عارف الصح من الغلط. مش راجل كبير. حاولي تسألي عليه الأول من بعيد لبعيد وبعدها قرري يا ستي هتعملي إيه." ذهبت زهرة لمنزل أخيها وظلت تفكر في حديث غزل. وقررت أن تتقصى أخبار ابنها في الخفاء. ووقتها ستقرر ماذا ستفعل معه. في اليوم التالي ذهبت لمدرسة لتعرف نتيجته وتفاجأت من سقوطه وأنه سيعيد السنة. هل حقًا تدهور حال ابنها لهذه الدرجة؟
ماذا حدث ليأتي بذلك المجموع؟ فهو كان طالب مجتهد ودرجاته مرتفعة. هو لم يكن من الأوائل ولكنه من المتفوقين دراسيًا، فهي كانت تهتم به وتراجع له بنفسها وكانت حريصة على حضوره جميع الدروس والمراجعات. ذهبت بالقرب من منزلها القديم وظلت تسأل عنهم الجيران، ولكنهم وجهوها بالصدمة. ابنها يعمل في إحدى السايبرات وتوجهه للشرب أحد الممنوعات وأن والده طرده من المنزل.
صدمت زهرة من حديث الجيران وذهبت بنفسها لذلك المكان وتفاجأت بوقوف ابنها مع أولاد أشكالهم مختلفة عنه، يبدو على ملامحهم ومن هيئتهم أنهم ليسوا بأسوياء. ومن الواضح أنهم يتجادلون. والصدمة الأكبر من هيئة ابنها وملابسها وكيف له أن ينزل في الوزن بتلك السرعة. كادت أن تقترب منه للتحدث معه ولكنها تراجعت في آخر لحظة. عليها أن تفكر جيدًا وتستغل ذلك الوضع وتأتي بحقها وحق ابنها.
قامت بتصويره دون أن يلاحظ وأرسلت لغزل لتسألها كيف تأخذ حضانته وكيف تستطيع محاسبة أبيه على ذلك الوضع. فهي لن تسكت مرة أخرى وطالما اتجهت للقضاء لتكمل ما بدأته. وبالفعل نصحتها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!