قالت بلهجة فحيح مهددة: متختبرش صبري كتير. أكنان بأصرار: فكري يازهرة بعقلك شوية... أحنا بينا أطفال. هتفت بغضب: متجبش سيرتهم على لسانك تاني... أنت بكلامك ده خلتني أجيب أخري معاك. ثم دخلت مسرعة إلى شقة، وفي خلال لحظات كانت أمامه، وقالت بلهجة واعدة بالشر، وأخذت تلوح بالسكين أمام وجهه: أمشي من هنا بدل ماأحققلك أمنيتك وأقتلك عشان ترتاح بجد. أمسك يديها الممسكة بالسكين وجعل طرف النصل على صدره. ثم قال وهو يتنفس بحدة: أقتليني.
صرخت وهي تضغط بالسكين أكثر وأخذت الدماء تنزف: هقتلك لو نطقت بكلمة ولادي مرة تانية... ولاد مين اللي بتتكلم عليهم... أنت ولا حاجة بالنسبة ليهم... هما ولادي أنا وبس. همست بألم: أنا أتعذبت كتير عشانهم... عشان أضمن أنهم مرتاحين في حياتهم... ولسانك ده مينطقش بأسهم تاني... أنا ممكن أقتلك فيها... لو جبت سيرتهم تاني... المرة دي علمت عليك... أما المرة الجاية ممكن أموتك فيها.
سمع هدير أنفاسها المضطرب، وأرتعاش يديها الممسكة بالسكين، رأى داخل عينيها خوف وألم. فقال بندم: أنا أسف. أخفضت السكين وأنسحبت عنه متراجعة. صوت أنفاسها تعالى وهي تنظر له قائلة وقد أسودت عينيها: أسف كلمة ملهاش معنى... تدبح البنأدم وتقول أنا أسف أصل مكنتش في وعيي... كلمة مفيش أسهل منها... مش مسامحاك... سامع كويس مش مسامحاك على كل اللي عيشته بسببك... أنا كنت بموت في اليوم ألف مرة بسبب اللي حصل...
بسبب نظرات الناس ليا في الشارع لما عرفو باللي حصل معايا... نظراتهم كانت بتحملني الذنب وهي السبب في اللي حصل ليها... أحنا عايشين في مجتمع بينبذ المغتصبة وبيحملها الذنب وبيعتبرها مدانة. سبحت بخيالها لتشاهد ذكرياتها والأمها. نظرت له دون وعي، همست بشرود: أمي مستحملتش الصدمة أتشلت فيها... الناس مرحمونيش... فأخدت أمي وهربت سافرت بيها بلد تانية... محدش فيها يعرفني ولا يعرف بحكايتي...
أتنكرت في شكل وحش عشان مفيش راجل يبصلي... كنت بخاف من نظراتهم أوي بقيت مجرد شبح بنت... وأحساسي بالعار والذنب اللي كان كل يوم بيكبر جوايا... ذنب مكنش ليا يد فيه... حاولت أموت نفسي لما عرفت بحملي... عيشت أكتئاب وأيامي كنت كلها ليل. لمعت عينيها بالدموع وهي تتحدث: عاقبت نفسي... عذبت نفسي... كنت بجرح جسمي وأضحك على وجعي... كنت بعيط كل يوم... كنت معرضة للجنون في أي لحظة... روحت أتعالجت... عشان أقدر أتقبل وضعي وأعرف أعيش.
لولا أمي وأحتياجها ليا وأحساسي بالذنب أني السبب... كان زماني ياتجننت... ياأنتحرت... ولدت وليد وأياد كان ممكن أرميهم في الشارع أول ماتولدو ودي كانت نيتي في البداية بس أول ماشوفتهم وشيلتهم في حضني مقدرتش أعمل كده... حطيتهم في ملجأ... ومن رحمة ربنا قابلت مدام ليلى... أخدتهم في الملجأ وطلعت ليهم مدام ليلى شهادات ميلاد وبيتعاملو هناك أحسن معاملة... وبيتعلّمو... أنا عايشة ليهم هما وبس. فاقت من شرودها. نظرت له بوجع السنين.
أجفل وتراجع بعنف وقد تعرت نفسها المتألمة الخائفة أمامه. سكين أنغرزت بداخل بقلبه لرؤيتها هكذا. أخذ يفرك جبينه بعنف شاعرا بالعجز فكلمات الاعتذار لم تعد كفاية لكمية الوجع بداخلها. همس بارتجاف: أنا أسف. ثم أولى ظهره مبتعدا عنها. هتفت بنبرة منخفضة مهددة: مشوفش وشك تاني. أغلقت الباب خلفه. أنهارت على الارض، سقطت على البلاط، أسندت ظهرها للحائط وأخذت تبكي بحرقة. ومع أشراقة الشمس...
في ذلك الوقت الندي المعطر بنسمات الصباح الأولى... رن هاتفها المحمول. من بين نومها مدت بكسل إلى الطاولة الملاصقة للسرير وحاولت إطفائه لكنه كان بعيد عن مجال يديها. فهي لم تنم البارحة إلا بعد أذان الفجر. توضأت لصلاة الفجر، وأخذت تتضرع لربها كثيرا وأن يهديها لطريق الصواب. ثم نامت بعدها مباشرة. هتفت بحدة فهي لم تأخذ كفايتها من النوم. شتمت في سرها على المتصل، عندما لمع اسمه في عقلها.
فتحت عينيها على أتساعها ونهضت من فوق الفراش. أمسكت الهاتف ولكن المتصل كان بدون اسم. ظلت ساهمة للحظات قبل الرد: الو. رد كريم بحب: صباح الخير. ردت عليه التحية بصوت خجول: صباح الخير. قال والابتسامة تزيين شفتيه وهو على الجهة الاخرى: عاملة أيه... نمتي كويس امبارح. ترددت في الاجابة: أه نمت. بضحكة خفيفة قال: بس أنا معرفتش أنام. سألت ضحى: ومنمتش ليه؟ فكر للحظات قبل الرد: أنتي السبب... كنت بحلم بيكي وأنا صاحي. خجلت
من كلامه وقالت بصوت مرتبك: هوفي حد بيحلم وهو صاحي. رد عليها: أنا أعمل أيه... أول ماشوفتك وأنتي قلبتي كياني... مش هتسأليني كنت بحلم بأيه طول الليل. لم تقوى على سؤاله فظلت صامتة. عندما لم تتحدث قال بابتسامة: مادام مش عايزة تسألي... أنا هقولك كنت بحلم بأيه... كنت بحلم أننا خرجنا مع بعض وبنلف شوارع الاسكندرية وماسك أيدك وقاعدين على البحر... أيه رأيك أجي ليكي دلوقتي ونخرج مع بعض والحلم يبقا حقيقة. ردت بسرعة: مينفعش.
ومينفعش ليه... أنا شايف عادي نخرج مع بعض. لا مش عادي... أحنا لسه الصبح بدري أوي... وبابا مش هيرضى. خلاص هقوله. اسمعني ياكريم بلاش تقوله عشان أنا عارفة رده... خلينا نخرج بعدين مش لازم دلوقتي. بس أنتي واحشتيني وعايز أشوفك. ردت عليه ضحى بخجل شديد: بعدين. أبتسم ثم قال: بعدين معناها واحشتيني وأشوفك. هزت رأسها بالأيجاب في صمت. قال كريم بابتسامة هادئة: معنى سكوتك أه. ضحى بخجل: تصبح على ماتتمنى. رد بابتسامة: ياريت...
يلا روحي كملي نوم... باين عليكي مش بتصحي دلوقتي... سلاااام. ضحى بابتسامة: سلاااام. كان زاهر يجلس بمفرده في الحديقة، فبيسان رفضت محاولته لكي يخرجها من الفراش للأفطار معه وظلت نائمة. جاءت صفية من خلف ظهره حاملة أفطاره على صينية. قالت برقة: صباح الخير. عند سماع صوت والدته، التفت لها ونهض مسرعا من مقعده، قائلا بقلق: أيه بس اللي طلعك من أوضتك وأنتي لسه تعبانة... والصينية دي لمين...
ثم أخذ الصينية من يديها ووضعها فوق الطاولة. ردت صفيه: ده فطارك. زاهر بحب: ليه تعبتي نفسك... ثم جذب لها كرسي. أقعدي ياست الكل... وصباحك سكر. أبتسمت وهي تجلس على الطاولة بجواره: أومال هتعب لمين... لو متعبتش ليك. قال برقة: ربنا يخليكي ليا. ردت صفية: ويخليك ليا... قولي بقا أيه اللي شاغل فكرك ومخليك سرحان ومش مبسوط. مفيش حاجة يأمي. عليا بردو يازاهر... أنا أكتر واحدة بحس بيك وبعرف أمتى بتكون مبسوط وأمتى بتكون مضايق...
وأنت دلوقتي مش مبسوط. تصنع الابتسامة: شوية مشاكل في صفقة تبع الشركة مش أكتر. نظرة له بتمعن ثم قالت: صفقة بردو. زاهر بحدة دون وعي: أيوه صفقة. تحدثت صفية بهدوء: براحتك يابني... مد أيدك ويلا نفطر سوا زي زمان. تمتم قائلا: حاضر... سعيدة طلعت الفطار لبيسان. صمتت للحظة ثم قالت: أيوه... مأكدة على سعيدة أنها تودي ليها الفطار... وزمان سعيدة فوق راسها لحد ماتفطر... معرفش ليه مراتك هفاتنا ومش بتاكل...
خد بالك من أكلها شوية يازاهر. قطب بين حاجبيه ثم رد قائلا: هاخد بالي. وبعد أن تناول عدة لقيمات، نهض من مكانه قائلا: أنا طالع فوق. قالت صفية: بس أنت ملحقتش تفطر. رد زاهر: خلاص شبعت. ثم تحرك مبتعدا. نظرت الى زاهر بعد مغادرته وشاهدت حجم المعاناة الذي يعيشها. أحنت رأسها وهي تسأل نفسها هل فعلت الصواب وهي ترى تعاسة أبنها. طبعا فعلت الصواب فهو سيصاب بالتعاسة معاها في وقت لاحق ويكون الاوان قد فات. فهي لا تستحق أبنها...
فهو يستحق فتاة من أهل بلدته ذات أصول صعيدية متربية على الأصول وليست خواجية تعيش في الخارج في عالم منحل. سعدة عندما رأت حزنها أقنعتها بالذهاب إلى الشيخ فرحات. ذهبت إلى الشيخ فرحات وهو معروف في كل أنحاء الجمهورية... وكل الناس يذهبون إليه من كل مكان وحتى من خارج مصر. ذهبت إليه بعد أن عانت في الحصول مع موعد لديه. أول ما دخلت الغرفة، رأت رجل عجوز ذو لحية بيضاء طويلة... مسلط على وجهه ضوء المصباح...
وكانت الإضاءة الوحيدة في الغرفة... ضوء خافت يخيف كل من يدخل عنده. قال بصوت غليظ: أدخلي يابنت أبية. تمتمت بخوف: مفيش حد خالص يعرف بأسم أمي غير جوزي وأبني وبس... عرفت منين؟ لمعت عينيه قائلا: بلاش تسألي كتير وادخلي في الموضوع علطول... ولا أقولك أنا الموضوع. أرتعدت أوصالها وبلهجة متوترة قالت: أتفضل حضرتك قول. ما أنت يا شيخنا مكشوف عنك الحجاب. قال بلهجة خالية من الحياة:
عايزة تفرقي بين ابنك ومراته. عشان شايفها مش مناسبة ليه. وعايزة تجوزيه واحدة على مزاجك انتي. عايزة تجوزيه بنت ابن عمك. اتسعت عينيها بالذهول. فهي لم تقل لأي شخص ولا حتى لسعدى عن وجدان ورغبتها أن تكون هي زوجة ابنها. هتفت قائلة: الله أكبر. حضرتك طلع مكشوف عنك الحجاب بجد. وقلت كل اللي عايزة أقوله. طب وأيه الحل يا شيخنا. _تنفذي كل اللي هقولك عليه. وطلبك هيتجاب. _حاضر يا شيخنا وكل طلباتك مجابة.
عندما انتهت من تذكر ما فعلته، نكست رأسها للأسفل وهي تشعر بالضيق وعدم الراحة. عندما أنهى الكلام معها وأغلق هاتفه، ظل مكانه جالسًا. أخذ يعبث في هاتفه. وقع نظره على اسم بيسان. خبط بكف يديه على رأسه بحدة. هتف بصوت عالٍ: يااااه. ده أنا ما اتصلتش بيها وقولت لها إني هخطب. أووف. دي هتزعل مني. حدث نفسه: زمانها مش فاضية ومشغولة في شهر العسل ومش هتزعل لما أقولها إن الموضوع جه بسرعة.
رن جرس الهاتف عند بيسان التي استلقت على فراشها مرة أخرى بعد أن أجبرتها سعدة على تناول الإفطار. أمسكت الهاتف ورأت أن المتصل هو كريم. فتحت الخط بسرعة. سمعت صوت كريم: صباح الخير. ردت بصياح: صباحك زفت. كريم بهدوء: بدل ما تقولي صباح الخير. ردت بضيق: ولا صباح ولا خير. وصباح بمناسبة إيه. استغرب من رد فعلها الحاد فقال: مالك يا بيسان. انطلقت من فمها تنهيدة عالية وقالت: ما فيش. بتتصل ليه دلوقتي. رد عليها قائلاً:
كنت عايزك تباركي لي. أصل قررت أتجوز ضحى وقريت الفاتحة امبارح. ردت بحدة: مبرووووك. انزعج كريم من كلامها فقال: مالك وبتقوليها من غير نفس ليه. بيسان بانفعال: عايزني أغنيها ليك. جي بعد ما خطبت بتقولي أنا خطبت. منتظر مني إيه غير كلمة مبروك. صمت للحظة شاعرًا بالضيق لعدم إخباره:
خلاص بقى. ما تزعليش مني يا بوسة. والله الموضوع جه بسرعة. وأنا قلت أكيد مش هتزعلي إني قلت لك بعدها. لو زعلانة عشان خاطري ما تزعليش مني. أنتي عارفة إني مقدرش على زعلك. سرى داخل جسدها ضعف شديد. لتنطلق من فمها أهة ألم: آآآه. كريم بلهجة قلقة: مالك يا بيسان. شعرت بضيق نفس فجأة. فقالت بصوت مخنوق: مش عارفة مالي يا كريم. سأل كريم: مالك بجد يا بيسان. وصوتك أول ما سمعته حاسه إنه متغير. أنتي تعبانة ومش عايزة تقولي. قالت بحيرة:
أنا مبقتش عارفة أنا مالي. خنقة طول الوقت ملازمني وحاسة بالندم طول الوقت. قاطعها كريم قائلاً: خنقة إيه وندم إيه اللي بتقولي عليه. بيسان بتردد: حاسة إني مبقتش مبسوطة مع زاهر. حاسة إني اتسرعت في الجوازة دي. _أوعي يكون زعلك. _لأ. مزعلنيش وديما كويس معايا. _اومال إيه السبب اللي خلاكي تقولي كده. _مش عارفة. مش عارفة. صمتت للحظات وقالت بشرود: بقيت بخاف منه. أخاف أبص لوشه. _بتخافي من مين؟ ردت عليه بيسان بدموع:
أنا حاسة إني اتسرعت بالجوازة دي يا كريم. ومش عايزة أعيش معاه. كريم هز رأسه بعنف. فهي تعشقه وفعلت المستحيل لكي تتزوجه. ماذا حدث لكي تقول هذا الكلام. سأل بارتباك: حصل إيه خلاكي تقولي كده. ومتقوليش محصلش حاجة عشان مش هصدق. إنك في أقل من أسبوعين تتغيري ومشاعرك تتغير ناحيته. هتفت بانفعال: محصلش حاجة. ومفيش مرة زعلني. بس مبقتش عايزة واتخنقت منه. كريم بضيق: اللي بتعمليه ده اسمه لعب عيال. ردت بيسان على الفور:
أيوه يا كريم لعب عيال. وزهقت من اللعبة. وخلاص قررت أرميها وأشوف غيرها. وسلاااام عشان هكمل نومي. نظر كريم للهاتف المغلق بذهول، محدثا نفسه عن السبب الحقيقي وراء تغيرها.
خلف الباب كان واقفا، سمع كلامها. ضغط بيديه على جبينه، ثم مررها على فمه محاولا كتمان صرخة ألم. أنفجارات صامتة في صدره أخذت تزيد بالتدريج. أمسك مقبض الباب للدخول أليها ومواجهتها. هبطت يديه بضعف، أعطى ظهره للباب. هبط الدرج رويدا رويدا. كلماتها أخذت ترن في أذنه. شعر بأرتخاء في جسده. سالت الدموع حارقة على وجنتيه تعبر عما داخله من ألم. بدأ يفقد الأحساس بالأشياء من حوله. قاوم باستماته الدوار الذي أخذ يلف برأسه. أمسك رأسه بعنف وأخذت يده ترتعش من هول مافيه من صدمة. لتنزلق قدمه من على الدرج بسرعة رهيبة. أرتطم جسده على الارض بصوت مدوي.
سمعت صفية صوت أرتطام عالي. ذهبت لرؤية ماحدث. أطلقت صرخة مدوية لرؤية أبنها غارق في دمائه: أاااااابني. *** تصاعدت الزفرات حادة داخل صدره. سأل نفسه بخوف: هل ممكن أن تظل على موقفها ولا تغفر له ذنبه. وجد نفسه أمام باب الملجأ مرة أخرى بعد عدة ساعات وفي يديه طائرتين كما وعد. أندهشت مدام ليلى عندما طلب رؤية الصغيرين فقط، لكنها لم تعلق بأي كلمة.
في فناء الملجأ، أخذ يلاعب الطفلين بالطائرة. رغم بؤسه شعر بالسعادة تتغلغل داخل قلبه. "أنا مبسوط أوي معاك." قال أياد بنبرة طفولية. "وتيجي وتلعب معانا علطول." قال وليد بتوسل. كتم تأثره وقال بهدوء: أنا مش هجي وبس، أنا هاخدكم تعيشو معايا. هلل كلا الطفلين بسعادة. رفع كلاهما على ذراعيه وأخذ يدور بيهم مشاركا لسعادتهم. رفعهم بسهولة لأعلى وانزلهم. ضحك أياد من قلبه هاتفا: تاني. أما وليد شهق باعتراض وأخذ
يتلوى بين يديه مهددا إياه: نزلني، نزلني. انزل كلا الطفلين على الأرض عندما شعر بخوف وليد. "خواف." قال أياد بلوم. "انا مش خواف." همس وليد بصوت مكتوم. اخرج لسانه مغيظا إياه: خواف. ارتعشت شفتيه بالبكاء. حمله أكنان على ذراعيه وجلس على الكرسي الموجود بجواره. أشار إلى أياد للجلوس بجانبه. ضم وليد اليه وهمس لوجه المختبىء: دموعك دي زعلتني، انت شجاع.
ثم نظر إلى الآخر بتأنيب: مفيش أجمل من وجود أخوك في حياتك، أخوك هو سندك ومصدر قوتك، الاخ نعمة من ربنا. مين لما بتكون زعلان بتروح ليه علطول؟ "بروح ليه." رد أياد. "مين بتحب تلعب معاه وبتكون فرحان ومبسوط؟ "وليد." "مين بيدافع عنك لما يجي حد يضربك؟ نكس رأسه بخجل وقال وليد. "أنتو اخوات وملكمش غير بعض، يلا خدو بعض بالحضن وقوله مش هزعلك تاني." قال أكنان بهدوء. "متزعلش مني ياوليد." قال أياد بلهجة أسف، ثم حضنه.
"خلاص مش زعلان." قال وليد بابتسامة خفيفة. رأته من بعيد. نظر كل منهم في عين الأخر. توقف الزمن يرقب من بعيد لحظات من الصمت المؤلم. لتتحرك بخطى سريعة تجاهه. جسدها تشنج بالغضب. همست بصوت مكتوم: أنت أيه اللي جابك هنا. قال بصوت هادىء غامض: نفس اللي جابك. أشارت بيديها مهددة اياه: أمشي ومتجيش هنا تاني، أحذر غضبي، المرة اللي فاتت كان مجرد جرح خفيف، المرة الجاية معرفش ممكن أعمل معاك أيه.
تحدث بصوت منخفض: المكان هنا مفتوح للكل، مش من حقك تقوليلي مجيش. صرخت ببعض الهسترية: أنت أيه، مش عايز تخرج من حياتي ليه. غمز لها وأشار الى الطفلين ثم قال: ممكن نتفاهم ونتكلم بالعقل وأركني مشاعرك دي على جنب. تنفست بعمق. صراخها شيء خاطىء أمام الطفلين. تصنعت الابتسامة وقالت لهم: روحو العبو على المرجحة شوية، عايزه أتكلم مع عمو شوية. قال أياد بصوت بريء والابتسامة تزيين وجهه: عمو هياخدنا نعيش معاه. نظرت إلى طفلها وإليه غير
مصدقة ما سمعته ثم قالت: مين اللي هياخدكم تعيشو معاه. أشار كلا الطفلين إلى أكنان: عمو ده. قال أكنان بهدوء: يلا روحو العبو. عندما أبتعد الطفلين، زهرة بصوت مكتوم: أنت، أنت ناوي على أيه. نظر إليها بتعاطف ثم قال: انا مكنتش عايزك تعرفي دلوقتي، كنت همهد ليكي الأول، بس هو مقدر ومكتوب أنك تعرفي باللي كنت هعمله. همست برفض: وأنا مستحيل اسيبك تاخدهم. رفع
نظراته لها وتنهد قائلا: وأنا بعد ما عرفت بيهم مستحيل اسيبهم عايشين في ملجأ لقطاء مجهولي النسب. أنا أذنبت في حقك وعارف ان اللي عملته معاكي مستحيل تسامحيني عليه، وبتمنى نظرة الكره اللي بشوفها في عينيكي تختفي في يوم من الأيام. لكن ولادي مستحيل اسيبهم عايشين في ملجأ، لزم يتكتبو بأسمي. أنا أبتديت في الاجراءات وأول ماتخلص وأثبت أني أبوهم هاخدهم وهكتبهم بأسمي. صوتها تحول
الى همس مختنق بالبكاء: ليه مصمم تعذبني، خرجني وخرجهم من حياتك. تنهد أكنان وقال برقة: مينفعش أخرجهم من حياتي، مينفعش يازهرة. لو سبتهم يبقا بجني عليهم. دلوقتي هما مش فاهمين وضعهم، المشكلة بعدين لما يكبرو ويدخلو مدرسة، ولما يخرجو للحياة نظرة الناس ليهم مش هترحمهم، وأنتي أكتر واحدة عيشتي مرارة نظراتهم. المحتمع اللي هما عايشين فيه مبيرحمش اللي زيهم، أنتي عايزه ليهم كده، عايزه ليهم الذل والعار.
تصلب في وقفته وهو يراها ترتعش أمامه. صمت للحظة ثم قال: عارف ان الحقيقة ألمتك، الحقيقة اللي عاملة نفسك مش شايفها، مش شايفها عشان لسه صغيرين. فكري بعقلك شوية، أنا هديكي وقت لحد ماتتقبلي وجودي في حياة ولادي. لمعت عينيها بالدموع وهي تتطلع الى التوأم. ثم قالت بانفعال رافض: مش هفكر وأخرج من حياتنا. قال برقة متناهية: أنا هسيبك دلوقتي وعايزك تفكري بعقلي وحاولي تلغي مشاعرك عشان تقدري توصلي للقرار الصح. ثم تحرك مبتعدا عنها.
نظرت لأختفائه بعيون دامعة. وتمنت أختفائه من حياتها الى الأبد. *** أجمل فترة يمر بيها أي رجل وفتاة هي فترة الخطوبة التي تسبق الزواج. علاقة حب نهايتها زواج، عواطف متقدة وشوق لا يفتر، حياة جديدة على وشك البدء فيها، تطلعات وأمال. بعد أن أستئذن ولدها لكي تخرج معه في نزهة لفترة قصيرة من الوقت. في السيارة تحت منزل أهلها. سألها برقة: عايزه تخرجي تروحي فين. هزت رأسها بالنفي في صمت. سأل بدهشة: مش عايزه تخرجي معايا.
خجلت أن تقول له أنها تريد فقط البقاء معه فقط. يكفي جلوسه معاها في بيت أهلها هو وهي فقط. فمال عليها وقال مبتسما: اللي هتقولي عليه هنفذه. نظرت له بخجل: مش عايزه حاجة. قرأ حبها ولهفتها له في عينيها. فأخفضت رأسها خجلا. قال كريم بابتسامة: عايزه حاجة ومش عايزه تقولي. همست وقالت بحياء: عايزه أي مكان يجمعنا، أنا وأنت. زينت الابتسامة وجهه وقال: مش عايزك تتكسفي مني، واللي نفسك فيه تقوليه علطول.
قالت بخجل: عايزه أشوف غروب الشمس على البحر. نظر لها مبتسما: شبيك لبيك ياصغيرتي. ثم أنطلق بالسيارة. أخذ كريم ضحى وجلسا على الشاطىء. تطلعت هي للبحر وهو بدوره تطلع لها وشعرها يتطاير مع نسمات البحر. هي مفتونة بالبحر وهو مفتون بالنظر لها. أعجاب في لحظة واحدة بدون أن يشعر تحول الى حب. هي كل ماأراد في الفتاة التي سيحبها. أراد أسعادها بأي شكل. أراد أن تحمل له أطفاله وتكون بجواره حتى أخر العمر.
نظرت له. فوجدته يتطلع اليها بشرود. فقالت له: مش بتبص للبحر ليه، البحر جميل أوي الوقت ده. غمز له وقال: أنا بشوف اللي أجمل من البحر. أحنت رأسها من الخجل. أضطربت وحركت يديها بارتباك فوق الطاولة. دون قصد لمست يديها مشروبها الساخن. فكاد يقع عليها. أبعد كريم بدون تفكير يديها بسرعة ليتانثر القليل من محتوى الكوب فوق كف يديه. هتفت بقلق: أيديك جرالها حاجة. قال كريم برقة والابتسامة على وجهه: الحمد لله بسيطة، مفيش حاجة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!