وكانت بيننا قصة وكانت تقول تهواني تأتيني بالليل مشتاقة تختبئ بين أحضاني كانت بالعشق تولعني تشق نصفين وجداني تقول بيننا حب عشق وحنين دامي كانت ترقص على عزفي تغني عزف ألحاني تدور حولي كفراشة تخرجني من سجن أشجاني جعلتني أنسى ما اسمي جعلتني أنسى عنواني كانت تقول يا عمري أنت في قلبي وكياني كانت تقول ما عمري سأنسى ليلك الشاجي ونسيّت القطة الصغرى وعوداً أعطتها وأماني ذهبت وتركتني مشتاقاً أذوب في باقي أحلامي توارت عني الوردة
وتركت شوكها الدامي من بعيد كانت تلقي عليه نظرة كاملة جسده يحتل الفراش شعرت بتمزق غريب يسري داخل قلبها حاولت الاقتراب منه لكن قدميها أبت التحرك شعرت بروحها تسحب من جسدها كلا والداه ظلا صامتين جالسين بالقرب من الفراش منتظرين لحظة استيقاظه تقلصت ملامح وجهه من الألم هتف كل من صفية وناصر بدعاء: يارب حاول الصراخ لكن صوته ظل عالقاً في حنجرته يريد الصراخ فالصراخ سيخفف من ألمه حاول الصراخ لكن صوته اختنق داخل حلقه كرر المحاولة
فخرج صوته بأهة خافتة: آاه... بيسان وفي خلال لحظات بدأت أهدابه تتفتح ببطء أغمض عينيه التي تأذت من وهج الغرفة ثم عاد وفتحها بحذر سأل بتمتمة: أنا فين؟ ردت عليه صفية بلهفة: سلامتك يا قلبي... شعر بصداع يكاد يفتك برأسه حاول رفع رأسه بعناد لكنه فشل وأنهار ساقطاً على وسادته أراد أن يحرك ذراعه فتألم بدأ ينادي: بيساااان دار ببصره المشوش يبحث عنها حتى وقعت عينيه فنادى عليها: بيسااان لم تقدر على البقاء معه
وهمت أن تخرج من الغرفة لكن صوت ندائه باسمها شل حركتها التفتت له تقابلت العيون في صمت اكتفوا بنظرات تحمل كل معاني الألم والحزن والعتاب لم تقو على البقاء أعطته ظهرها لتخرج من الغرفة نادى عليها: بيساااان صفية بلهجة يشوبها القلق وهي ترى ما يحدث: ريح نفسك وبلاش تتكلم... للحظة ظلت ساكنة ثم التفتت له ونظرت له نظرة خاوية باردة خالية من المشاعر وخرجت من الغرفة أغمض عينيه تأوه بألم: مش عايز أفوق... صرخ بشدة
انطلقت صفارات متقطعة من الجهاز الموصل به وانهار في غيبوبة صرخت صفية بهستيرية: آابني تصلب ناصر في مكانه ثم خرج مسرعاً لينادي الطبيب كانت بيسان واقفة في الممر بالقرب من الغرفة وعندما أتى ناصر ومعه الطبيب ألقى عليها نظرة لوم أول ما أتى له خبر وجود زاهر في المستشفى انطلق في التو إلى أسوان بمجرد وصوله رأى بيسان موجودة في الخارج واقفة بجوار غرفته قال باستغراب: واقفة بره ليه؟ زاهر كويس... ردت عليه بهدوء: اتخنقت وقولت أخرج
شوية قطب بين حاجبيه بعمق: اتخنقتي... ثم أضاف: شكلك مش باين عليه إنك زعلانة... أسبلت أهدابها وهمست: زعلانة طبعاً... قوس حاجبه وقال: هدخل أشوفه... هتدخلي؟ هزت رأسها بالنفي: لا تركزت عيناه عليها ولكنه التزم الصمت ولم يسأل ودخل الغرفة مباشرة رأى الطبيب يقوم بالكشف على زاهر وبجواره ناصر وصفية ران الصمت المعبر عن الألم بين الجميع سأل أكنان: هو كويس؟ ردت صفية وقد كست ملامحها الهم:
قال ناصر بثقة مفتعلة: إن شاء الله هيكون كويس... أخذت صفية تعض على شفتيها شعور بأنها تعرف أنها فعلت شيئاً خاطئاً وتوجهت بنظراتها المتألمة إلى ابنها اندفعت إحدى الممرضات إلى داخل الغرفة ومررت إلى الطبيب مظروف أسرع يفضه مخرجاً منه صورة الأشعة ثم وضعها على جهاز لوحي موجود بالغرفة أضاء الجهاز ونظر للأشعة بتركيز صاحت صفية بالطبيب: قولي الحقيقة يا دكتور... ناصر بلهجة مهدئة: أهدي يا صفية أجاب الطبيب عليها: خير إن شاء الله
كررت صفية سؤالها: ما تقولي ابني عنده إيه؟ صفية كانت منهارة وغارقة في دموعها سأل أكنان بلهجة حازمة: عنده إيه؟ أجاب الطبيب وهو يشير بأصبعه بحركة دائرية على الأشعة دون ملامستها: الحادثة عملت تجمع دموي على المخ... وده السبب في دخوله بغيبوبة... صفية بصراخ: ابني هتف ناصر فيها بحدة: اسكتي... خلي الدكتور يكمل كلامه كمل الطبيب حديثه قائلاً: أحب أطمنكم إن دي مش أول مرة تمر عليا... في حالات كتير نفس حالة ابنكم...
خفت مع العلاج وفاقت من الغيبوبة... ومارست حياتها الطبيعية عادي... سأل أكنان: وهيفوق إمتى؟ رد الطبيب بهدوء: الله أعلم... كله في علم الغيب... أنا هبتدي معاه بالعلاج من دلوقتي... الأدوية اللي هياخدها هتساعد في إذابة التجمع الدموي... كرر أكنان سؤاله: ما قلتش هيفوق إمتى؟ بسط يديه وقال: إمتى بالظبط معرفش... هنبتدي معاه بالعلاج وهنشوف هيستجيب ولا لأ سأل أكنان: أعمل له عملية وأشيل التجمع ده؟
صمت للثواني ثم قال: للأسف مش هينفع في حالته وهتبقى مخاطرة... -والعملية متنفعش ليه؟ -عشان التجمع موجود في منطقة حساسة... المركز المسؤول عن معظم الوظائف الحيوية في الجسم... ثم وجه نظراته للكل... أنتو دلوقتي عندكم حلين يا المخاطرة والعملية تتعمل... يا الصبر ونستنى نشوف نتيجة العلاج معاه... وأنا من رأيي نستعمل الأدوية الأول وإن شاء الله هيفوق... قال كلامه ثم غادر تاركاً الجميع ينظرون لخروجه بصمت مؤلم
وقفت صفية بجوار الفراش وأخذت تنتحب في صمت وانسابت الدموع ملتهبة على وجنتيها وارتسمت على قسمات وجهها كل معاني الحزن لأم تكاد تفقد ابنها ذكريات اليوم وما فعلته هاجمتها بقسوة فهتفت بوجع: آاه... قال أكنان بلهجة مطمئنة: إن شاء الله هيفوق ويرجع أحسن من الأول أحتضن ناصر زوجته وقال بتصميم: ما تعيطيش زاهر هيخف وهيفوق... فاااهمة يا صفية هزت رأسها بالإيجاب ودموع الذنب لم تتوقف عن الانسياب
عندما خرج من الغرفة لم يجد بيسان في الجوار فقام بالاتصال بها -بيسان انتي فين؟ -أنا روحت... حسيت إني تعبانة وعايزة أنام أمسك أكنان الهاتف أمام وجهه ونظر للشاشة بذهول للحظات ثم قال بصدمة: روحتِ تنامي وسايبة زاهر... أجابت بيسان بلامبالاة: وجودي زي قلته مش هيفرق معاه... أرتسمت على وجهه علامات التعجب وقال: أنتي مسألتش عنده إيه... بسطت كف يديها وتأملت خاتم الزواج بشرود وهمست: عنده إيه؟ أكنان بلهجة غاضبة: لسه فاكرة تسألي...
جوزك في غيبوبة يا هانم ويا عالم هيفوق منها إمتى... ضمت أصابع يديها بعنف وقالت: متعصب ليه دلوقتي؟ هتف بحدة: بسبب برودك ولا مبالاتك... ده زاهر حبيبك وجوزك مش حد غريب... أكنان بعصبية: إيه كمية البرود اللي أنتي فيها؟ رفعت حاجبيها وردت عليه بضيق: سلاااام عشان مصدعة ومش قادرة أتكلم انفجر أكنان في الهاتف المغلق: مستهترة عديمة المسؤولية شعر بانقباض داخل قلبه غادر المستشفى حزيناً
فصديق عمره مريض وشقيقته تغيرت وأصبحت غريبة الأطوار اتصل بكريم مباشرة قال أكنان بكآبة: بتعملي إيه؟ سأله كريم بفضول: مش عوايدك تتصل... مالك؟ زفر بحدة قائلاً: زاهر في المستشفى... في غيبوبة انتفض كريم في جلسته ثم عبس قائلاً: حصل إمتى وإزاي وهو وضعه إيه دلوقتي... قال بلهجة حزينة: بيقولوا وقع من على السلم وراسه اتخبطت على الأرض رد كريم بنبرة غير مصدقة: وقع على السلم... طب إزاي؟ وليه؟ تنهد بحيرة: معرفش إيه اللي حصل...
بس ده كل اللي عرفته... وبالنسبة لوضعه الدكتور مع العلاج هيفوق بس محتاج وقت... أنا هفضل كام يوم هنا معاه... مش هقدر أسيبه اليومين دول خالص... عايزك تبقى تروح الشركة وتابع الشغل هناك كأني موجود... أجابه بسرعة: طبعاً كأنك موجود... صمت على الهاتف للحظات ثم قال... وبيسان عاملة إيه دلوقتي؟ عندما ظل صامتاً كرر سؤاله متوتراً: بيسان كويسة... أنا لما كلمتها الصبح... حسيتها متغيرة ومش على طبيعتها...
رد بعصبية: كويس ومفهاش حاجة... -أومال إيه وصوتك اتغير ليه لما سألتك عليها... -زي ما أنت قولت يا كريم بيسان مش على طبيعتها -حصل إيه منها خلاك تقول كده -سابت زاهر لوحده ومهتمتش تسأل عنده إيه... لما خرجت من الأوضة ملقتهاش... فقولت أتصل بيها أطمن عليها وأشوفها راحت فين... قالت إنها روحت عشان تعبانة وعايزة ترتاح... اتصرفت باستهتار عقد بين حاجبيه بشرود: الصبح مكنتش مظبوطة وقالت كلام غريب قاطعه في الكلام... قائلاً
بفضول: كلام إيه؟ تنهد وهو يحك رأسه: إنها عايزة تسيب زاهر وإنها خلاص زهقت وإنه كان بالنسبة ليها زي اللعبة... قولت أكيد حصل حاجة بينهم... بس هي قالت لأ... وبعدين اللي حصل لزاهر وأنها كانت باردة في رد فعلها... فيه حاجة غريبة يا أكنان... مش دي بيسان اللي كانت هتموت على زاهر عشان تتجوزه... مش عارف إيه اللي غيرها كده... هز أكنان رأسه بحيرة: بيسان اتغيرت يا كريم... اتغيرت جامد ومبقتش زي الأول... وأنا كمان مش عارف...
استأذنت ضحى والدتها في البقاء مع زهرة هذه الليلة والمبيت معها استيقظت ضحى في منتصف الليل لم تجد زهرة في الفراش وباب الغرفة مفتوح على مصراعيه نهضت جالسة على الفراش وخرجت من الغرفة رأت زهرة جالسة على الكرسي وقد أسندت ذقنها على ركبتيها شعرت ضحى بالقلق من منظرها قالت ضحى بصوت لكي لا تفزعها: زهرة أدارت زهرة رأسها نحوها ببطء شهقت ضحى لرؤية عينيها منتفخة وحمراء من البكاء: أنا سبتك بمزاجي أول ما شوفتك...
وقولت فيه حاجة مزعلاك وزعل جامد عشان كده مرضتش أسيبك تباتي لوحدك... مالك يازهرة... ثم جلست على حافة الكرسي. مالك يازهرة... فضفضي ليا وأنتي هترتاحي. ظلت زهرة صامتة تتأمل ضحى بصمت للحظات، ثم قالت بصوت مختنق: الكلام اللي هقولهولك سر ياضحى. هبطت ضحى من على حافة الكرسي وجثت على الأرض، وجذبت زهرة من يديها للجلوس بجانبها، وقالت لها برقة: طبعا يازهرة كل كلامك ليا سر. ثم ضحكت بخفة: أسرارك كترت يازهرة.
الدموع سالت على وجنتيها، كانت خائفة وكلمات ضحى الرقيقة زادت من خوفها. وضعت ضحى يديها على كتفها وضمتها اليها وقالت: أنا معاكي... أحكي كل اللي في قلبك عشان ترتاحي. أغمضت عينيها للحظات ثم فتحتهم وتنهدت قائلة: عرفت مين أبو ولادي. سألتها بارتباك غير مستوعبة ماسمعت: أبو ولادك؟ زفرة بألم: عرفت الراجل اللي أعتدى عليا يوم فرح أحمد. عرفتي أزاي وأنتي مش فاكرة ملامحه ولا فاكرة الوقت ده؟
ثم هزت رأسها باستيعاب: أنتي افتكرتي اللي حصل؟ مفتكرتش حاجة. قالت بحيرة: أومال عرفتيه أزاي؟ ردت عليها بصوت يدمي القلب: هو اللي اعترف ليا... لما عرفني واكتشف أن ليه أطفال. تعلقت عينيها على زهرة، سألتها بصوت رقيق: ومين هو؟ ورد فعله لما عرف أن عنده أطفال؟ همست بتردد وهي تتطلع اليها بعيون متألمة: أكنان نجم. الصدمة جمدت لسانها لبرهة من الوقت: أكنان اللي هو أكنان ابن عم كريم؟ هزت رأسها في صمت ثم قالت: أيوه هو.
سألت بلهجة حائرة: مش قادرة أستوعب كلامك... أزاي أزاااي يازهرة؟ شردت زهرة وهي تهمس بخفوت: أنا هحكيلك. وبدأت في سرد حكايتها كما أخبرها. أخبرتها كل شيء حدث بينهم، وعندما انتهت شهقت ضحى بعنف ثم هتفت بغضب: أناااا أناااا عايزة أخنقه وأطلع روحه في إيدي... يااااه كل ده يطلع منه. سألت مترددة: في حد يعرف باللي حصل غيركم؟ مقالش لأي حد؟ نظرة لها مستفهمة: تقصدي مين؟ قالت باضطراب: أقصد كريم. ردت بنفي
والدموع تنساب على وجنتيها: مفيش حد يعرف غيرنا وأنتي... أنا تعبانة أوي ياضحى ومش عارفة أعمل إيه... جوايا جرح لسه بينزف. ربتت ضحى على رأسها بحنية، ثم قالت برقة: مع الوقت هتلاقي الجرح التأم والوجع قل... الوقت هو العلاج الوحيد ليكي دلوقتي... الوقت بيقدر يعالج أي جرح مهما كانت شدته. هتفت بألم: يارب ياضحى. *** جاء الصباح بطيئا على غير عادته على الجميع، لم يغمض لهم جفن، فقد كان يتملكهم خوف مما هو قادم.
نظر إلى ساعته، فوجدها قد اقتربت من وقت الظهيرة. ارتدى ملابسه سريعا، لم يضع عطره المميز، لم يلتفت إلى تصفيف شعره، ركب سيارته وانطلق إلى المستشفى للاطمئنان على زاهر. كان معظم أقاربه موجودين معه في الغرفة إلا من بيسان. ألقى السلام ثم خرج مباشرة وذهب إلى الطبيب المعالج لزاهر. وضعه النهاردة إيه يادكتور؟ مش هيبان حاجة دلوقتي... مع العلاج والأشعة اللي هنعمله نقدر أقولك الوضع هيكون إيه. تقصد إيه بالكلام ده؟
الطبيب بهدوء: العلاج لو جاب نتيجة التجمع الدموي حجمه هيقل وده هيبان في الأشعة اللي هنعمله بعدين... ولما الورم يقل ضغطه على خلايا المخ هيقل وبالتالي هيفوق من الغيبوبة. بعد إذنك هروح أشوف بقيت المرضى. هز أكنان رأسه بالموافقة وبعد انصرافه، أخرج هاتفه واتصل ببيسان. أنتي فين يابيسان؟ بيسان بهدوء: أنا في البيت. قال بلهجة ساخرة: في البيت؟ أنتي ناسية إن ليكي جوز راقد في المستشفى؟ عايزك تلبسي وتيجي دلوقتي المستشفى.
ردت بلهجة باردة: مينفعش أجي دلوقتي... عشان أنا سافرت وعند بابا في الفيلا. قال أكنان بصدمة: سافرتي وسبتي جوزك؟ أخذت تمضغ أظافر يديها وهي تتحدث: وجودي زي قلته... يعني هعمل ليه إيه... وأنا بصراحة اتخانقت من الجو هناك وقلت أغير جو... من الآخر كده يا أكنان أنا زهقت منه وقررت أطلب الطلاق. سمع كلامها وهو في حالة ذهول وكأنه في كابوس، يتمنى الاستيقاظ منه سالمًا، فقال بانفعال: إيه البرود اللي بقيتي فيها ده؟
الإحساس انعدم من عندك... تطلبي الطلاق وهو في غيبوبة مش تستني لما يفوق الأول. بيسان بغضب مكتوم: أنا حرة أعمل اللي أنا عايزه. زاد انفعاله وقال: حصل إيه ليكي وإيه اللي غيرك مرة واحدة كده؟ كل اللي حصل إني فقت من وهم اسمه زاهر... سلااام وأقفل الكلام في موضوع زاهر. ثم أغلقت الهاتف في وجهه. وضعت يديها على كلتا أذنيها تحاول كتم صوت الصريخ بداخلها. أخذت الأصوات تتردد مدوية بداخلها مرددة: أنتي كده هترتاحي... هترتاااااحي...
بس أنااا أنااا... ظلت أصوات الصراخ تتصارع داخل عقلها حتى غلبها النوم. وعلى الجهة الأخرى، ظل زاهر واقفًا مكانه لفترة من الوقت مصدومًا من شقيقته، صدمة عمره. أتاه اتصال آخر جعله يفيق من شروده. هتف بحدة في المتصل: بتتصل ليه؟ أجابه بلهجة مترددة: حضرتك قلت لي لو حصل أي حاجة غريبة أتصل بيك. أتكلم علطول. البنت اللي مكلفني بمراقبتها...
خرجت مع اللي اسمه أحمد وقعدوا سوا في مطعم وبعدين مشيت معاه وهو كان بيسند فيها وشكلها مش متزن وشبه غايبة عن الوعي. صاح بانفعال: وقفهم بأي طريقة فاااهم بسرعة ياغبي... متخليهاش تروح معه. رد بارتباك: بس بس. أخذ قلبه يدق بعنف وصرخ فيه: بس إيه؟ قال بخوف: وأنا بكلمك... طلع بيها بالعربية. هتف بغضب: اطلع وراهم ياغبي وخدها منه... عارف لو جرالها حاجة... هتكون نهايتك على إيدي... وسيب الخط مفتوح متقفلهوش...
وبلغني بكل خطوة ليك أول بأول... وأنا هركب الطيارة وهجي اسكندرية دلوقتي. رد عليه بلهجة مذعورة: حاضر يابيه. ثم انطلق بسيارته مسرعًا للحاق بالسيارة الأخرى. تعالت نبضات قلبه تنبئه بكارثة سوف تحل، فهو قال أنها كانت غير متزنة وشبه غائبة عن الوعي. *** قبل ساعة من الآن، رن جرس الباب. تحركت زهرة لتفتح الباب وهي تحدث نفسها: أنتي لحقتي ياضحى... ده أنتي لسه طالعة...
أهدي أنا جايه خلاص استني الجرس هيتحرق كده في إيدك. تفاجئت بوجود أحمد أمامها. هتفت بحدة: إيه اللي جابك هنا تاني؟ نظر لها برجاء: أنا محتاج أتكلم معاكي يازهرة. تمعنت في النظر له، وجهه أصبح نحيل وعيونه غائرة وملابسه غير منظمة. كرر كلامه بتوسل أكثر: عشان خاطري يازهرة... محتاج من وقتك نص ساعة بس... نص ساعة بس... وبعد كده مش هتشوفني تاني... اعتبريها آخر مرة. وأخذ يترجاها لفترة من الوقت حتى شعرت بالشفقة تجاهه.
ردت قائلة له: خلاص يا أحمد... استنى برا بعربيتك على آخر الشارع وأنا هغير هدومي وهخرج معاك بس دي هتكون أول وآخر مرة... اتفقنا. ارتسمت على وجهه ابتسامة باهتة: حاضر يا زهرة. ارتدت ملابسها بسرعة، ثم خرجت من منزلها ووجدته منتظرًا بداخل سيارته في المكان المتفق عليه ويبدو عليه التوتر، وكان يضرب بيديه على عجلة القيادة بعنف. شعرت بالقلق وهي تدلف إلى داخل السيارة، وبمجرد دخوله أنطلق بالسيارة. توقف أمام كافيه لاتينو.
نظرة له بانزعاج: مش عارفة إيه لزمتها تجيبني هنا... ما كنت قولت اللي انت عايزه وإحنا في العربية. بادلها نظرتها بنظرة رجاء ثم قال: أنا مش عايز أتكلم معاكي في العربية... عايز نقعد مع بعض وأكلمك براحتي... مش أكلمك في الطريق والعربيات رايحة جاية. نزلت زهرة مضطرة من السيارة ودخلت معه إلى الكافيه. جلس كلاهما على طاولة موجودة بالركن ثم طلب من الجرسون عصير فراولة لها وعصير ليمون له. قالت بضيق: مش عايزة أشرب حاجة...
قول كنت عايز إيه وخلصني... أنا بجد زهقت. تجاهل كلامها كأنه لم يسمع شيء: لسه فاكر كويس إنك بتحبي تشربي عصير الفراولة... مفيش حاجة نسيتها كانت بينا. لو سمحت يا أحمد كلامك ده ملهوش لازمة دلوقتي. خلاص أنا شيلتك من حساباتي من يوم ماتجوزت... يا ريت تفهم كلامي كويس وإنساني وشيلني من حياتك. عندك حق ملهوش لازمة الكلام في الماضي. إيه بقا الكلام المهم اللي كنت عايزني فيه؟
قاطع كلامهم اقتراب الجرسون، قام بوضع الطلبات أمامهم، وعند انصرافه أمسك أحمد كأس العصير ومدّه باتجاه زهرة، وقال بابتسامة باهتة: بلاش تكسفيني. أمسكت زهرة كأس العصير من يديه مضطرة وتناولت عدة رشفات منه ثم وضعت الكأس على الطاولة. زمت شفتيها بضيق وقالت: عصير وشربته... هااا كنت عايز تقول إيه؟ قال بلهجة يشوبها الحزن: لدرجادي مش مستحملة وجودي؟ هتفت بحدة: لو مقولتش انت عايز إيه... هقوم وأسيبك. ابتسم بألم: أنا محتاج أتكلم...
الكلام معاكي بيريحني. حاولت مقاطعة كلامه، لكنه استمر في الكلام قائلًا بحزن: معلش استحمليني الوقت ده... أنا كل اللي محتاجه إني أتكلم وبس معاكي... أتكلم وانتي تسمعيني. وعندما انتهى من حديثه، شعرت زهرة بالشفقة تجاهه وهمست بعطف: ياااه كل ده حصل معاك... لو كنت أعرف أساعدك كنت ساعدتك. نظر له بندم: قلبك طيب يا زهرة ومش بتعرفي تكرهي حد... أنا مبسوط إنك وافقتي تقعدي معايا وتسمعيني. شعرت بالدوار، أمسكت رأسها.
سأل أحمد: مالك يازهرة؟ تمتمت بضعف ثم حاولت النهوض: آآآه. كادت تقع، نهض بسرعة وقام بإسنادها: زهرة.... حاولي تمسكي نفسك شوية لحد ما نوصل العربية. لاحظ نظرات شخص تتبعهم لكنه لم يبالي. وبمجرد إراحتها على الكرسي، وجلوسه على مقعد القيادة أنطلق بالسيارة بسرعة شديدة ويديه تقبض على عجلة القيادة بعنف.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!