تحميل رواية زهرة لكن دميمة بقلم سلمى محمد pdf
بقلم سلمى محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
داخل عينيكي شعلة من التمرد ... تخبرني أن الحياة بيننا لن تكون دائما وردية ... لكن ستكون مليئة بالأشواك ... فأنتي الفتاة المدللة من الجميع وشاء قدري أن ينبض قلبي لكي أنتي فقط ياحبيبتي المدللة ... أنطلق زاهر بالسيارة بأقصى سرعة للحاق بطائرتهم ... تمللت بيسان بعصبية وهي جالسة بجواره ... فهو ظل صامتا بمجرد أنطلاقه بالسيارة ... وكل ثانية تمر بينهم بدون كلام جعلت أعصابها كشعلة اللهب ... تأففت بصوت مسموع عندما يأست منه ... ثم هتفت بحدة: هدي السرعة شوية تجاهل سؤالها واستمر في قيادة سيارته بنفس السرعة .....
رواية زهرة لكن دميمة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سلمى محمد
من بعيد كانت تلقي عليه نظرة كاملة.
جسده يحتل الفراش.
شعرت بتمزق غريب يسري داخل قلبها.
حاولت الأقتراب منه، لكن قدميها أبت التحرك.
شعرت بروحها تسحب من جسدها.
والداه ظلا صامتين جالسين بالقرب من الفراش، منتظرين لحظة استيقاظه.
تقلصت ملامح وجهه من الألم.
هتف كل من صفية وناصر بدعاء: يا رب.
حاول الصراخ لكن صوته ظل عالق في حنجرته.
يريد الصراخ، فالصراخ سيخفف من ألمه.
حاول الصراخ لكن صوته أختنق داخل حلقه.
كرر المحاولة فخرج صوته بأهة خافتة: آآه.
بيسان.
وخلال لحظات، بدأت أهدابه تتفتح ببطء.
أغمض عينيه التي تأذت من وهج الغرفة، ثم عاد وفتحها بحذر.
سأل بتمتمه: أنا فين؟
ردت عليه صفية بلهفة: سلامتك يا قلبي.
شعر بصداع يكاد يفتك برأسه.
حاول رفع رأسه بعناد لكنه فشل وأنهار ساقطًا على وسادته.
أراد أن يحرك ذراعه فتألم.
بدأ ينادي: بيساااان.
ندب ببصره المشوش يبحث عنها، حتى وقعت عينيه فنادى عليها: بيساااان.
لم تقدر على البقاء معه وهمت أن تخرج من الغرفة، لكن صوت ندائه باسمها شل حركتها.
التفتت له.
تقابلت العيون في صمت.
اكتفوا بنظرات تحمل كل معاني الألم والحزن والعتاب.
لم تقوى على البقاء.
أعطته ظهرها لتخرج من الغرفة.
نادى عليها: بيساااان.
صفية بلهجة يشوبها القلق وهي ترى ما يحدث: ريح نفسك وبلاش تتكلم.
للحظة ظلت ساكنة ثم التفتت له ونظرت له نظرة خاوية باردة خالية من المشاعر.
وخرجت من الغرفة.
أغمض عينيه.
تأوه بألم: مش عايز أفوق.
صرخ بشدة.
انطلقت صفارات متقطعة من الجهاز الموصل به، وانهار في غيبوبة.
صرخت صفية بهستيرية: ابني.
تصلب ناصر في مكانه، ثم خرج مسرعًا لينادي الطبيب.
كانت بيسان واقفة في الممر بالقرب من الغرفة.
وعندما أتى ناصر ومعه الطبيب، ألقى عليها نظرة لوم.
أول ما أتى له خبر وجود زاهر في المستشفى، انطلق في التو إلى أسوان.
بمجرد وصوله رأى بيسان موجودة في الخارج واقفة بجوار غرفته.
قال باستغراب: واقفة برا ليه؟ زاهر كويس.
ردت عليه بهدوء: اتخنقت وقولت أخرج شوية.
قطب بين حاجبيه بعمق: اتخنقتي.
ثم أضاف: شكلك مش باين عليه أنك زعلانة.
أسبلت أهدابها وهمست: زعلانة طبعًا.
قوس حاجبه وقال: هدخل أشوفه.
هتدخلي؟
هزت رأسها بالنفي: لا.
تركزت عيناه عليها ولكنه التزم الصمت ولم يسأل ودخل الغرفة مباشرة.
رأى الطبيب يقوم بالكشف على زاهر وبجواره ناصر وصفية.
ران الصمت المعبر عن الألم بين الجميع.
سأل أكنان: هو كويس؟
ردت صفية وقد كست ملامحها الهم: لا.
قال ناصر بثقة مفتعلة: إن شاء الله هيكون كويس.
أخذت صفية تعض على شفتيها.
شعرت أنها فعلت شيئًا خاطئًا.
وتوجهت بنظراتها المتألمة إلى ابنها.
اندفعت إحدى الممرضات إلى داخل الغرفة.
ومرت إلى الطبيب مظروف.
أسرع يفضه مخرجًا منه صورة الأشعة.
ثم وضعها على جهاز لوحي موجود بالغرفة.
أضاء الجهاز ونظر للأشعة بتركيز.
صاحت صفية بالطبيب: قولي الحقيقة يا دكتور.
ناصر بلهجة مهدئة: أهدي يا صفية.
أجاب الطبيب عليها: خير إن شاء الله.
كررت صفية سؤالها: ما تقولي ابني عنده إيه؟
صفية كانت منهارة وغارقة في دموعها.
سأل أكنان بلهجة حازمة: عنده إيه؟
أجاب الطبيب وهو يشير بأصبعه بحركة دائرية على الأشعة دون ملامستها: الحادثة عملت تجمع دموي على المخ، وده السبب في دخوله في غيبوبة.
صفية بصراخ: ابني.
هتف ناصر فيها بحدة: اسكتي، خلي الدكتور يكمل كلامه.
كمل الطبيب حديثه قائلًا: أحب أطمنكم أن دي مش أول مرة تمر عليا.
في حالات كتير نفس حالة ابنكم خفت مع العلاج وفاقت من الغيبوبة ومارست حياتها الطبيعية عادي.
سأل أكنان: وهيفوق إمتى؟
رد الطبيب بهدوء: الله أعلم، كله في علم الغيب.
أنا هبدأ معاه بالعلاج من دلوقتي، الأدوية اللي هياخدها هتساعد في إذابة التجمع الدموي.
كرر أكنان سؤاله: مقولتش هيفوق إمتى؟
بسط يديه وقال: أمتى بالظبط معرفش، هنبدأ معاه بالعلاج وهنشوف هيستجيب ولا لأ.
سأل أكنان: أعمل ليه عملية وأشيل التجمع ده؟
صمت للثواني ثم قال: للأسف مش هينفع في حالته وهتبقى مخاطرة.
والعملية متنفعش ليه؟
عشان التجمع موجود في منطقة حساسة، المركز المسؤول عن معظم الوظائف الحيوية في الجسم.
ثم وجه نظراته للكل: أنتو دلوقتي عندكم حلين، يا المخاطرة والعملية تتعمل، يا الصبر ونستنى نشوف نتيجة العلاج معاه.
وأنا من رأيي نستعمل الأدوية الأول وإن شاء الله هيفوق.
قال كلامه ثم غادر تاركًا الجميع ينظرون لخروجه بصمت مؤلم.
وقفت صفية بجوار الفراش وأخذت تنتحب في صمت.
وانسابت الدموع ملتهبة على وجنتيها.
وارسمت على قسمات وجهها كل معاني الحزن لأم تكاد تفقد ابنها.
ذكريات اليوم وما فعلته هاجمتها بقسوة فهتفت بوجع: آآه.
قال أكنان بلهجة مطمئنة: إن شاء الله هيفوق ويرجع أحسن من الأول.
أحتضن ناصر زوجته وقال بتصميم: متعيطيش، زاهر هيخف وهيفوق، فاهمة يا صفية.
هزت رأسها بالإيجاب ودموع الذنب لم تتوقف عن الانسياب.
عندما خرج من الغرفة لم يجد بيسان في الجوار، فقام بالاتصال بها.
بيسان أنتي فين؟
أنا روحت، حسيت أني تعبانة وعايزة أنام.
أمسك أكنان الهاتف أمام وجهه ونظر للشاشة بذهول للحظات، ثم قال بصدمة: روحتي تنامي وسايبة زاهر.
أجابت بيسان بلامبالاة: وجودي زي قلته، مش هيفرق معاه.
ارتسمت على وجهه علامات التعجب وقال: أنتي مسألتش عنده إيه؟
بسطت كفيها وتأملت خاتم الزواج بشرود وهمست: عنده إيه؟
أكنان بلهجة غاضبة: لسه فاكرة تسألي، جوزك في غيبوبة يا هانم ويا عالم هيفوق منها إمتى.
ضمت أصابع يديها بعنف وقالت: متعصب ليه دلوقتي.
هتف بحدة: بسبب برودك ولا مبالاتك، ده زاهر حبيبك وجوزك مش حد غريب.
أكنان بعصبية: إيه كمية البرود اللي أنتي فيها.
رفعت حاجبيها وردت عليه بضيق: سلاااام عشان مصدعة ومش قادرة أتكلم.
انفجر أكنان في الهاتف المغلق: مستهترة عديمة المسؤولية.
شعر بانقباض داخل قلبه، غادر المستشفى حزينًا، فصديق عمره مريض وشقيقته تغيرت وأصبحت غريبة الأطوار.
اتصل بكريم مباشرة.
قال أكنان بكآبة: بتعملي إيه؟
سأله كريم بفضول: مش عوايدك تتصل، مالك؟
زفر بحدة قائلًا: زاهر في المستشفى، في غيبوبة.
انتفض كريم في جلسته ثم عبس قائلًا: حصل إمتى وإزاي وهو وضعه إيه دلوقتي.
قال بلهجة حزينة: بيقولوا وقع من على السلم وراسه اتخبطت على الأرض.
رد كريم بنبرة غير مصدقة: وقع على السلم. طب إزاي وليه؟
تنهد بحيرة: معرفش إيه اللي حصل، بس ده كل اللي عرفته. وبالنسبة لوضعه الدكتور مع العلاج هيفوق بس محتاج وقت.
أنا هفضل كام يوم هنا معاه، مش هقدر أسيبه اليومين دول خالص.
عايزك تبقى تروح الشركة وتتابع الشغل هناك كأني موجود.
أجابه بسرعة: طبعًا كأنك موجود.
صمت على الهاتف للحظات ثم قال: وبيسان عاملة إيه دلوقتي.
عندما ظل صامتًا، كرر سؤاله متوترًا: بيسان كويسة. أنا لما كلمتها الصبح حسيتها متغيرة ومش على طبيعتها.
رد بعصبية: كويس ومفهاش حاجة.
أومال إيه وصوتك اتغير ليه لما سألتك عليها.
زي ما أنت قولت يا كريم بيسان مش على طبيعتها.
حصل إيه منها خلاك تقول كده.
سابت زاهر لوحده ومهتمتش تسأل عنده إيه.
لما خرجت من الأوضة ملقتهاش، فقولت أتصل بيها أطمن عليها وأشوفها راحت فين.
قالت إنها روحت عشان تعبانة وعايزة ترتاح.
أتصرفت باستهتار.
عقد بين حاجبيه بشرود: الصبح مكنتش مظبوطة وقالت كلام غريب.
قاطعه في الكلام قائلًا بفضول: كلام إيه؟
تنهد وهو يحك رأسه: إنها عايزة تسيب زاهر وإنها خلاص زهقت وإنه كان بالنسبة ليها زي اللعبة.
قولت أكيد حصل حاجة بينهم، بس هي قالت لأ.
وبعدين اللي حصل لزاهر وأنها كانت باردة في رد فعلها.
في حاجة غريبة يا أكنان، مش دي بيسان اللي كانت هتموت على زاهر عشان تتجوزه.
مش عارف إيه اللي غيرها كده.
هز أكنان رأسه بحيرة: بيسان اتغيرت يا كريم، اتغيرت جامد ومبقتش زي الأول.
وأنا كمان مش عارف.
أستأذنت ضحى والدتها في البقاء مع زهرة هذه الليلة والمبيت معها.
استيقظت ضحى في منتصف الليل.
لم تجد زهرة في الفراش، وباب الغرفة مفتوح على مصراعيه.
نهضت جالسة على الفراش وخرجت من الغرفة.
رأت زهرة جالسة على الكرسي وقد أسندت ذقنها على ركبتيها.
شعرت ضحى بالقلق من منظرها.
قالت ضحى بصوت لكي لا تفزعها: زهرة.
أدارت زهرة رأسها نحوها ببطء.
شهقت ضحى لرؤية عينيها منتفخة وحمراء من البكاء: أنا سبتك بمزاجي أول ماشوفتك، وقولت في حاجة مزعلك وزعل جامد عشان كده مرضتش أسيبك تباتي لوحدك.
مالك يا زهرة.
ثم جلست على حافة الكرسي: مالك يا زهرة، فضفضي ليا وأنتي هترتاحي.
ظلت زهرة صامتة تتأمل ضحى بصمت للحظات.
ثم قالت بصوت مختنق: الكلام اللي هقولهولك سر ياضحى.
هبطت ضحى من على حافة الكرسي وجثى على الأرض، وجذبت زهرة من يديها للجلوس بجانبها.
وقالت لها برقة: طبعًا يا زهرة كل كلامك ليا سر.
ثم ضحكت بخفة: أسرارك كترت يازهرة.
الدموع سالت على وجنتيها.
كانت خائفة وكلمات ضحى الرقيقة زادت من خوفها.
وضعت ضحى يديها على كتفها وضمتها إليها وقالت: أنا معاكي، أحكي كل اللي في قلبك عشان ترتاحي.
أغمضت عينيها للحظات ثم فتحتهم وتنهدت قائلة: عرفت مين أبو ولادي.
سألتها بارتباك غير مستوعبة ما سمعت: أبو ولادك.
زفرت بألم: عرفت الراجل اللي اعتدى عليا يوم فرح أحمد.
وعرفتي إزاي وأنتي مش فاكرة ملامحه ولا فاكرة الوقت ده.
ثم هزت رأسها باستيعاب: أنتي افتكرتي اللي حصل.
مفتكرتش حاجة.
قالت بحيرة: أومال عرفتيه إزاي؟
ردت عليها بصوت يدمي القلب: هو اللي اعترف ليا، لما عرفني واكتشف أن ليه أطفال.
تعلق عينيها على زهرة.
سألتها بصوت رقيق: ومين هو؟ ورد فعله لما عرف أن عنده أطفال؟
همست بتردد وهي تتطلع إليها بعيون متألمة: أكنان نجم.
الصدمة ألجمت لسانها لبرهة من الوقت: أكنان اللي هو أكنان ابن عم كريم.
هزت رأسها في صمت ثم قالت: أيوه هو.
سألت بلهجة حائرة: مش قادرة أستوعب كلامك، إزاي إزاااي يازهرة.
شردت زهرة وهي تهمس بخفوت: أنا هحكيلك.
وبدأت في سرد حكايتها كما أخبرها.
أخبرتها كل شيء حدث بينهم.
وعندما انتهت، شهقت ضحى بعنف ثم هتفت بغضب: أناااا أناااا عايزة أخنقه وأطلع روحه في إيدي.
ياآآه كل ده يطلع منه.
سألت مترددة: في حد يعرف باللي حصل غيركم؟ مقلش لأي حد.
نظرت لها مستفهمة: تقصدي مين؟
قالت باضطراب: أقصد كريم.
ردت بنفي والدموع تنساب على وجنتيها: مفيش حد يعرف غيرنا وأنتي.
أنا تعبانة أوي ياضحى ومش عارفة أعمل إيه.
جوايا جرح لسه بينزف.
ربتت ضحى على رأسها بحنية.
ثم قالت برقة: مع الوقت هتلاقي الجرح التئم والوجع قل.
الوقت هو العلاج الوحيد ليكي دلوقتي.
الوقت بيقدر يعالج أي جرح مهما كانت شدته.
هتفت بألم: يارب ياضحى.
جاء الصباح بطيئًا على غير عادته على الجميع.
لم يغمض لهم جفن، فقد كان يتملكهم خوف مما هو قادم.
نظر إلى ساعته، فوجدها قد اقتربت من وقت الظهيرة.
ارتدى ملابسه سريعًا.
لم يضع عطره المميز.
لم يلتفت إلى تصفيف شعره.
ركب سيارته وانطلق إلى المستشفى للاطمئنان على زاهر.
كان معظم أقاربه موجودين معه في الغرفة إلا من بيسان.
ألقى السلام ثم خرج مباشرة وذهب إلى الطبيب المعالج لزاهر.
وضعه النهاردة إيه يا دكتور.
مش هيبان حاجة دلوقتي، مع العلاج والأشعة اللي هنعملها نقدر أقولك الوضع هيكون إيه.
تقصد إيه بالكلام ده.
الطبيب بهدوء: العلاج لو جاب نتيجة التجمع الدموي حجمه هيقل وده هيبان في الأشعة اللي هنعملها بعدين.
ولما الورم يقل ضغطه على خلايا المخ هيقل وبالتالي هيفوق من الغيبوبة.
بعد إذنك هروح أشوف بقيت المرضى.
هز أكنان رأسه بالموافقة وبعد انصرافه.
أخرج هاتفه وأتصل ببيسان.
أنتي فين يابيسان؟
بيسان بهدوء: أنا في البيت.
قال بلهجة ساخرة: في البيت. أنتي ناسيه أن ليكي جوز راقد في المستشفى.
عايزك تلبسي وتجي دلوقتي المستشفى.
ردت بلهجة باردة: مينفعش أجي دلوقتي، عشان أنا سافرت عند بابا في الفيلا.
قال أكنان بصدمة: سافرتي وسبتي جوزك.
أخذت تمضغ أظافر يديها وهي تتحدث: وجودي زي قلته، يعني هعمل ليه إيه.
وأنا بصراحة اتخانقت من الجو هناك وقولت أغير جو.
من الآخر كده يا أكنان أنا زهقت منه وقررت أطلب الطلاق.
سمع كلامه وهو في حالة ذهول وكأنه في كابوس، يتمنى الاستيقاظ منه سالمًا.
فقال بانفعال: إيه البرود اللي بقيتي فيها ده، الإحساس انعدم من عندك.
تطلبي الطلاق وهو في غيبوبة مش تستني لما يفوق الأول.
بيسان بغضب مكتوم: أنا حرة أعمل اللي أنا عايزه.
زاد انفعاله وقال: حصل إيه ليكي وأيه اللي غيرك مرة واحدة كده.
كل اللي حصل أني فقت من وهم اسمه زاهر.
سلاااام وأقفل الكلام في موضوع زاهر.
ثم أغلقت الهاتف في وجهه.
وضعت يديها على كلتا أذنيه تحاول كتم صوت الصراخ بداخلها.
أخذت الأصوات تتردد مدوية بداخلها مرددة: أنتي كده هترتاحي، هترتاااااحي.
بس أنااا أنااا.
ظلت أصوات الصراخ تتصارعان داخل عقلها حتى غلبها النوم.
وعلى الجهة الأخرى، ظل زاهر واقفًا مكانه لفترة من الوقت مصدومًا من شقيقته.
صدمة عمره.
أتاه اتصال آخر جعله يفيق من شروده.
هتف بحدة في المتصل: بتتصل ليه؟
أجابه بلهجة مترددة: حضرتك قولتلي لو حصل أي حاجة غريبة أتصل بيك.
أتكلم علطول.
البنت اللي مكلفني بمراقبتها.
خرجت مع اللي اسمه أحمد وقعدوا سوا في مطعم وبعدين مشيت معاه وهو كان بيسند فيها وشكلها مش متزن وشبه غايبة عن الوعي.
صاح بانفعال: وقفهم بأي طريقة فاااهم بسرعة يا غبي.
متخليهاش تروح معه.
رد بارتباك: بس.
بسأخذ قلبه يدق بعنف وصرخ فيه: بس إيه.
قال بخوف: وأنا بكلمك، طلع بيها بالعربية.
هتف بغضب: أطلع وراهم يا غبي وخدها منه.
عارف لو جرالها حاجة، هتكون نهايتك على إيدي.
وسيب الخط مفتوح متقفلوش.
وبلغني بكل خطوة ليك أول بأول.
وأنا هركب الطيارة وهجي إسكندرية دلوقتي.
يرد عليه بلهجة مذعورة: حاضر يابيه.
ثم انطلق بسيارته مسرعًا للحاق بالسيارة الأخرى.
تعالت نبضات قلبه تنبئه بكارثة سوف تحل.
فهو قال أنها كانت غير متزنة وشبه غائبة عن الوعي.
قبل ساعة من الآن، رن جرس الباب.
تحركت زهرة لفتح الباب وهي تحدث نفسها: أنتي لحقتي ياضحى، ده أنتي لسه طالعة.
أهدي أنا جاية خلاص، استني الجرس هيتحرق كده في إيدك.
تفاجئت بوجود أحمد أمامها.
هتفت بحدة: إيه اللي جابك هنا تاني.
نظر لها برجاء: أنا محتاج أتكلم معاكي يازهرة.
تمعنت في النظر له، وجهه أصبح نحيل وعيونه غائرة وملابسه غير منظمة.
كرر كلامه بتوسل أكثر: عشان خاطري يازهرة، محتاج من وقتك نص ساعة بس.
نص ساعة بس، وبعد كده مش هتشوفيني تاني.
اعتبريها آخر مرة.
وأخذ يترجها لفترة من الوقت حتى شعرت بالشفقة تجاهه.
ردت قائلة له: خلاص يا أحمد.
استنى برا بعربيتك على آخر الشارع وأنا هغير هدومي وهخرج معاك بس دي هتكون أول وآخر مرة.
أتفقنا.
ارتسمت على وجهه ابتسامة باهتة: حاضر يا زهرة.
ارتدت ملابسها بسرعة.
ثم خرجت من منزلها ووجدته منتظرًا بداخل سيارته في المكان المتفق عليه ويبدو عليه التوتر، وكان يضرب بيديه على عجلة القيادة بعنف.
شعرت بالقلق وهي تدلف إلى داخل السيارة وبمجرد دخوله انطلق بالسيارة.
توقف أمام كافيه لاتينو.
نظرت له بانزعاج: مش عارفة إيه لازمتها تجيبني هنا، ما كنت قولت اللي انت عايزه وأحنا في العربية.
بادلها نظرتها بنظرة رجاء ثم قال: أنا مش عايز أتكلم معاكي في العربية، عايز نقعد مع بعض وأكلمك براحتي.
مش أكلمك في الطريق والعربيات رايحة جاية.
نزلت زهرة مضطرة من السيارة ودخلت معاه إلى الكافيه.
جلس كلاهما على طاولة موجودة بالركن ثم طلب من الجرسون عصير فراولة لها وعصير ليمون له.
قالت بضيق: مش عايزة أشرب حاجة، قول كنت عايز إيه وخلصني.
أنا بجد زهقت.
تجاهل كلامها كأنه لم يسمع شيئًا: لسه فاكر كويس أنك بتحبي تشربي عصير الفراولة.
مفيش حاجة نسيتها كانت بينا.
لو سمحت يا أحمد كلامك ده ملوش لازمة دلوقتي.
خلاص أنا شيلتك من حساباتي من يوم ما اتجوزت.
ياريت تفهم كلامي كويس وإنساني وشيلني من حياتك.
عندك حق ملوش لازمة الكلام في الماضي.
إيه بقا الكلام المهم اللي كنت عايزني فيه.
قاطع كلامهم اقتراب الجرسون.
قام بوضع الطلبات أمامهم.
وعند انصرافه أمسك أحمد كأس العصير ومده باتجاه زهرة.
وقال بابتسامة باهتة: بلاش تكسفيني.
أمسكت زهرة كأس العصير من يديه مضطرة وتناولت عدة رشفات منه ثم وضعت الكأس على الطاولة.
زمت شفتيها بضيق وقالت: عصير وشربته، هااا كنت عايز تقول إيه.
قال بلهجة يشوبها الحزن: لدرجادي مش مستحملة وجودي.
هتفت بحدة: لو مقولتش أنت عايز إيه، هقوم وأسيبك.
ابتسم بألم: أنا محتاج أتكلم، الكلام معاكي بيريحني.
حاولت مقاطعة كلامه، لكنه استمر في الكلام قائلًا بحزن: معلش استحمليني الوقت ده.
أنا كل اللي محتاجه أني أتكلم وبس معاكي.
أتكلم وانتي تسمعيني.
وعندما انتهى من حديثه، شعرت زهرة بالشفقة تجاهه وهمست بعطف: ياآآه كل ده حصل معاك.
لو كنت أعرف أساعدك كنت ساعدتك.
نظر له بندم: قلبك طيب يا زهرة ومش بتعرفي تكرهي حد.
أنا مبسوط أنك وافقتي تقعدي معايا وتسمعيني.
شعرت بالدوار.
أمسكت رأسها.
سأل أحمد: مالك يا زهرة.
تمتمت بضعف ثم حاولت النهوض: آآآه.
كادت تقع.
نهض بسرعة وقام بإسنادها: زهرة.
حاولي تمسكي نفسك شوية لحد ما نوصل العربية.
لاحظ نظرات شخص تتبعه، لكنه لم يبالي.
وبمجرد إراحتها على الكرسي وجلوسه على مقعد القيادة، انطلق بالسيارة بسرعة شديدة ويديه تقبض على عجلة القيادة بعنف.
رواية زهرة لكن دميمة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سلمى محمد
وعندما انتهى من حديثه، شعرت زهرة بالشفقة تجاهه وهمست بعطف:
"ياااه، كل ده حصل معاك... لو كنت أعرف أساعدك كنت ساعدتك."
نظر لها بندم:
"قلبك طيب يا زهرة ومش بتعرفي تكرهي حد... أنا مبسوط إنك وافقتي تقعدي معايا وتسمعيني."
شعرت بالدوار، أمسكت رأسها. سأل أحمد:
"مالك يا زهرة؟"
تمتمت بضعف ثم حاولت النهوض:
"أااه."
كادت تقع. نهض بسرعة وقام بإسنادها:
"زهرة... حاولي تمسكي نفسك شوية لحد ما نوصل العربية."
لاحظ نظرات شخص تتبعهم لكنه لم يبالي. وبمجرد إراحتها على الكرسي وجلوسه على مقعد القيادة، انطلق بالسيارة بسرعة شديدة ويديه تقبض على عجلة القيادة بعنف. وقعت مغشية عليها. أسرع بها إلى أقرب مستشفى. توقف بسيارته أمام باب المستشفى، وقبل أن يخرج وجد فجأة من يفتح عليه باب السيارة وينحني على زهرة لحملها.
انتفض أحمد في مكانه ثم خرج مسرعاً وأمسك بذراع الرجل الغريب، مجبراً إياه على تركها. هتف بوجه محتقن:
"أنت مجنون، أمشي من هنا بدل ما أبلغ عنك."
نظر له الهامي بتهديد:
"أنت خاطفها وأنا بنقذها منك."
بلهجة مندهشة:
"على أساس إيه قررت إني خاطفها؟ دي خطيبتي وأغمى عليها وزي ما أنت شايف... ده لو كان عندك نظر وبتشوف واقفين قصاد باب مستشفى."
قاطعه الهامي:
"أنت مش خطيبها."
لم يريد الجدال معه، كل همه الآن الاطمئنان عليها. هتف في وجهه بحدة:
"ملكش فيه."
وانزاح على جنب.
في الداخل، سأل بلهفة الطبيب:
"مالها يا دكتور؟"
"ضغطها واطي... وده سبب الإغماء."
"يعني هي كويسة؟"
"هي كويسة ومعندهاش حاجة... خليت الممرضة تركب ليها محلول عشان نرفع من ضغطها... وهتفوق لوحدها."
ظل بجوارها لمدة ثلاث ساعات على الكرسي المجاور للسرير الراقدة عليه. ظل ينظر إلى تفاصيل وجهها الشاحبة المختفية تحت قناع لم يعلم حتى الآن سببه، وجسدها أصبح نحيفاً بات لا يتحمل شيئاً. فأغمض عينيه في سكون. فكلاهما عانى بشدة في حياته. هو تزوج إنسانة مريضة بحب السيطرة، حاولت خطف بناته والآن هي في مصحة عقلية في حالة انهيار تام بعد أن عثروا عليها في إحدى الفنادق الرخيصة وبناتها مع جدتهم. وهي عانت بسببه وبسبب رشا، ويا عالم ماذا حدث لها في السنوات الماضية بعد سجنها ووفاة والدها. ما يبدو له أنها عانت بشدة.
فتح عينيه ورأى يديها تتحرك، ووجدها تنظر له بإعياء قائلة:
"هو أنا هنا بعمل إيه؟ هو حصل إيه؟"
ابتسم بخفة:
"ضغطك وطى مرة واحدة وأغمى عليكي... وأنا شيلتك وجبتك هنا المستشفى."
قالت بخفوت:
"تعبتك معايا."
نظر لها بحزن:
"نفسي أتعب عشانك... ويا ريت أقدر أعوضك شوية عن كل اللي قاسيته في حياتك."
شعرت بالارتباك وأبعدت نظراتها عنه:
"أحمد بلاش."
استاء قلبه وأراد الصراخ والتوسل لها لكي تعطيه فرصة، لكنها صارت رافضة له. حدث نفسه بصمت:
"غلطة عمري إني سبتك تضيعي من إيديا."
أمسك ذراعها وقال بتوسل:
"اديني فرصة تانية."
همست بحزن:
"مينفعش."
دخل أكنان من باب المستشفى مسرعاً. وجد أمامه الهامي منتظراً إياه. سأله وهو يتنفس بحدة:
"هي موجودة فين؟"
"الدور الرابع أوضة ستة."
لم ينتظر المصعد، خوفه عليها لا ينتظر، قلبه لا ينتظر. أخذ يركض على سلالم الأدوار بخفة. فتح باب غرفتها دون طرق ودلف إلى الداخل بسرعة. تبخرت نظرة القلق في عينيه لتحل محلها نيران من الغيرة عندما رآه يمسك بذراعها. ابتلع ريقه بصعوبة. تنفس بحدة يحاول على قدر المستطاع التحكم في غضبه لكي لا ترتعب منه. اقترب وجسمه ينبض بغضب مكتوم.
صدمت زهرة من رؤيته. نظرت له بعينين متسعتين. صر على أسنانه بعنف قائلاً:
"شيل إيدك من عليها."
تذكره أحمد جيداً، فهو نفس الشخص الذي قابله في عزاء والدتها وشعر بوجود شيء بينهم وكذب هذا الشعور عدة مرات. هز رأسه برفض عندما وصلت أفكاره عند نقطة معينة. هل يكون هو السبب في رفضها الرجوع إليه؟ هل تجمعهما علاقة عاطفية؟
ترك أحمد يديها ونهض ثم نظر له ببرود:
"أنت مين وإزاي تدخل هنا من غير استئذان؟"
بملامح وجه متهجمة قال:
"قوليلي أنا مين بالنسبة ليكي يا زوزو."
سأل أحمد:
"مين ده يا زهرة؟"
جلس أكنان فوق الفراش وقال بهدوء مفتعل:
"قوليلي أنا أبقى مين، ولا أقوله أنا."
شهقت عندما سحبها بجواره. حدق في عينيها التي اتسعت من الخوف وهي ترى شرارات الغضب تنطلق من عينيه. ثم قال:
"أنا خطيبها وأبو ولادها... قصدي أبو ولادها في المستقبل."
رفرفت رموش عينيها بصدمة. أحمد بلهجة رافضة:
"خطيبك يا زهرة."
همس بخفوت بالقرب من أذنها:
"خليه يمشي، والأحسن مشفش وشه بالقرب منك تاني."
ظلت تحدق به بعجز، تريد أن تنساه لكن ما يجمع بينهم جعل نسيانه شيء مستحيل. أطفالها عند تلك النقطة استعادت توازنها وتنفست بعمق:
"أيوه يا أحمد خطيبي."
رأى أكنان أصابعها ترتجف فعلم أنها تكبت انفعالها بصعوبة. من صدمته ارتد خطوة للخلف وتجمد في مكانه للحظات. نهاية الأمل بالنسبة له، فهي أحبت غيره. ولا يملك سوى تمني السعادة لها. قال بابتسامة شاحبة حزينة:
"مبروك."
ردت عليه بابتسامة باهتة:
"الله يبارك فيك."
نظر لها نظرة وداع ثم خرج من الغرفة، مقرراً الخروج من حياتها نهائياً.
تلمع الشرر في عينيها وهي تقول:
"ارتحت بعد ما نفذت كلامك؟ اتفضل اطلع برا."
غمز بإحدى حاجبيه:
"أنتي نسيتي إنك بقيتي خطيبتي... ده كلامك مش كلامي."
هتفت بانفعال:
"أنا قلت كده عشان أقطع الأمل عنده إني ممكن أرجع ليه في يوم من الأيام... مش عشان خوفت منك. وقولي أنت عرفت إزاي باللي حصل ليا."
قال بهدوء:
"مكلف واحد ياخد باله منك."
صاحت في وجهه بغضب:
"أنت مخلي واحد يراقبني؟ مش من حقك تعمل كده."
"من حقي... أنتي أم ولادي."
"كفااااية بقا حرام عليك."
"أنتي اللي كفاية وبلاش تنشفي دماغك... أنا قلت أديكي وقت لحد ما تتقبلي الصدمة وتفكري في مصلحة ولادنا وتركني مشاعرك وكرهك ليا على جنب. بس أنتي مصممة تعاندي معايا. هسألك تاني موافقة تتجوزيني؟"
هزت رأسها ثم قالت بإصرار:
"لأ."
ابتسم بمكر ثم قال:
"أنا سألتك وأنتي قولتي لأ، وغلبتي مشاعرك على مصلحة ولادنا. إنما أنا فكرت في مصلحتهم كويس، وقررت الآتي... الولاد هاخدهم من الملجأ وهكتبهم باسمي وهطلع ليهم شهادات ميلاد باسم الأب اللي هو أنا واسم الأم اللي هتكون أي واحدة هتجوزها. أنا مستعدة أتجوز أي واحدة عشان خاطرهم هما عشان يبقوا جايين من علاقة شريعة."
اتسعت عينيها من صدمة ما تسمع:
"أنت بتقول إيه؟"
قال بلامبالاة مصطنعة:
"اللي سمعتيه."
"بس ده تزوير."
"اسمه بضمن ليهم حقهم وأخلي راسهم مرفوعة."
"أنا مش هسكت."
"اعملي اللي أنتي عايزاه... أنتي عمرك ما هتقدري تقفي قصادي. أنا اتكلمت معاكي بالعقل والمنطق وأنتي رفضتي."
لمعت عينيها بالدموع وقالت بنبرة مضطربة:
"ليه القسوة دي؟"
شعر بطعنة مؤلمة داخل صدره وهو يرى دموعها، لكنه قرر الحصول على موافقتها بالزواج منها بأي طريقة. حدث نفسه: لا تجعل دموعها تضعفك، فهي لن توافق على الزواج منك إلا بهذه الطريقة. أمسك ذراعها وهتف:
"مش قسوة... بفكر في مصلحة ولادي. لو خرجت من الأوضة دلوقتي قبل ما أسمع ردك... انسى إنك تشوفي الولاد بعد كده."
ثم أولاها ظهره وتحرك ببطء ناحية الباب، داعياً في سره أن تقول نعم. قوليها يا زهرة. قبض على مقبض الباب وفتحه وخطى أول خطوة باتجاه الخارج. صاحت بألم:
"أنااااا... أناااا موافقة."
تقوس فمه بابتسامة واسعة أخفاها بسرعة ثم التفت لها قائلاً بهدوء ظاهري:
"أنتي كويسة؟"
استغربت من سؤاله. هزت رأسها:
"أيوه."
"تقدري تمشي؟"
"أيوه."
تحدث بهدوء:
"يبقى يلا بينا."
مسحت دموعها وقالت بتوجس:
"يلا بينا فين؟"
أجابها قائلاً:
"كام مشوار."
سألت بإصرار:
"مشاوير إيه؟"
أجابها بهدوء:
"أول مشوار... هنروح على أقرب مكتب مأذون عشان نتجوز."
ثم أخرج هاتفه واتصل بسائقه.
وقفت متصلبة مكانها تنظر له بصدمة. وجدتها يجذبها من ذراعها قائلاً بهدوء:
"يلا يا زهرة."
مضت زهرة بذهن مشوش إلى الخارج معه. هبطا في المصعد إلى الدور الأرضي وخرجا من المستشفى. كان السائق بانتظارهم. فتح لهم الباب، وبمجرد جلوسهم انطلق السائق. أغمضت عينيها ثم راحت تردد بخفوت:
"أنا بحلم، أنا بحلم."
سمع همسها. تقلصت ملامح وجهه بألم وفضل الصمت على الكلام. توقفت السيارة بعد وقت قصير أمام مكتب المأذون ونزل السائق وبعد عدة دقائق أتى ومعه ثلاث رجال. فتح المأذون أوراقه في السيارة، وبدأ في توجيه الأسئلة التقليدية إلى العروس والعريس والشاهدين. ثم وثق الشيخ وثيقة الزواج ثم وقعت زهرة وأكنان والشاهدين. خرج المأذون والشهود ولم يتبق في السيارة سواهما. أشار أكنان للسائق بالتحرك.
نظرت له بتوهان. كل شيء حدث بسرعة. حدثت نفسها: هل هي أصبحت حقاً زوجته؟ شعرت أنها تعيش حلماً مزعجاً. سألت بصوت مرتعش:
"هو إحنا كده اتجوزنا؟"
نظر إليها ملياً ثم أجاب برقة:
"أيوه يا زهرة."
عبرت السيارة بوابة حديدية. نظرت من خلال الزجاج تتساءل إلى أين ذهب بها هذه المرة. قال أكنان بهدوء:
"ده الملجأ الجديد."
رد بلهجة مضطربة:
"ملجأ إيه؟"
"ملجأ بديل عن ملجأ الملائكة الصغار."
"هو أنت المتبرع المجهول؟"
"أيوه أنا... خليكي هنا في العربية... هدخل لمدام ليلى أكلمها وهاخد منها أياد ووليد. أنا مكنتش مخطط أخدهم دلوقتي خالص... لكن كل حاجة جات بسرعة."
وبعد أقل من نصف ساعة، رأته من على بعد عدة أمتار يحمل كلا الصغيرين في حضنه، والابتسامة تضيء وجوه أطفالها. لمعت عينيها بالدموع وهي تشاهد فرحتهم الغامرة. مسحت بسرعة دمعة فرت هاربة من عينيها عندما اقتربا من باب السيارة. بمجرد دخول الصغيرين إلى داخل السيارة، أخذ يقفزان بمرح فوق الكراسي. هتف أياد بمرح طفولي:
"عمو هياخدنا نعيش معاه يا أبلة زهرة."
قال أكنان بهدوء:
"من يوم ورايح هتقولي يا بابا ومفيش عمو تاني. وأبلة زهرة هتقوليها يا ماما. ووزع نظراته على كلا الطفلين: سمعتوني كويس... إحنا هنبقى ماما وبابا."
وبستقبل وليد الكلام ببرائة دون تعقيد. هذه الكلمة لا تعني لهم الكثير سوى مجرد كلمة. هتف وليد وأياد في نفس واحد:
"بابا أكنان وماما زهرة."
ثم ألقوا أنفسهم في حضن زهرة بسعادة. أياد بمرح طفولي:
"أنا مبسوط إنك ماما."
وليد بابتسامة واسعة:
"وأنا كمان عشان بحبك... ماما."
وأخذ يكرر كلمة ماما، ماما... أنا بحب أقول ماما... ماما.
رقرقرت الدموع في عينيها ثم أردفت بصوت مختنق من التأثر:
"وأنا كمان بحب كلمة ماما وكان نفسي أسمعها من زمان."
ضمتهما بالقرب من صدرها، ضمة والدة غاب ولدها ثم عاد لها بعد غيبة طويلة. ضمت الصغيرين بالقرب من بعض، وأنسابت دموعها الحارة على وجنتيها دون توقف. دفنت رأسها بينهم وانخرطت في البكاء. شعروا بالفزع من بكائها. نزع وليد نفسه مبتعداً شاعراً بالخوف. أما أياد ظل في حضنها وأخذ يبكي هو الآخر. قال بتأثر:
"أهدي يا زهرة... الولاد اتفزعوا منك."
قالت من بين شهقات بكائها:
"بلاش عياط يا أياد... أنا بعيط عشان فرحانة."
ومسحت دموعها وابتسمت لهم:
"آخر مرة هتشوفوني بعيط... أنا دلوقتي فرحانة أوي."
توقف بكاء أياد ونظر له بعيون متسعة وقال:
"وأنا كمان... عشان بحبك أوي."
وهتف وليد هو الآخر:
"وأنا كمان بحبك."
شعرت في هذه اللحظة أنها تطفو فوق غيمة من السعادة بسبب نطقهم كلمة ماما. رأى عينيها تلمع ببريق لامع. قال برقة:
"في حد عايزة تودعيه؟"
سألته زهرة:
"تقصد إيه بكلامك؟"
"زهرة اللي شايفة دلوقتي قصادي خلاص مش هتبقى ليها وجود. زهرة اللي تحت القناع هي اللي هتظهر للكل باسم مراتي أم ولادي. كنا متجوزين زمان وسبنا بعض وبعدين رجعنا لبعض، وده هيكون بس الكلام اللي هقوله للكل. اتقابلنا إزاي وليه انفصلنا. ردنا هيكون دي خصوصيات والماضي شيء وانتهى."
كانت تكفيها نظرة واحدة لطفليها وهي ترى سعادتهم اللانهائية. فتناست كرهها له وقالت باستسلام:
"اللي تقول عليه هنفذه... بس قبل أي شيء وديني شقتي الأول. أسلم على ضحى وأهلها. ضحى صحبتي وأكتر من أختي ساعدتني كتير ووقفت معايا وهي خلتني أسكن في البيت عندهم، هي الوحيدة اللي عارفة سري وحفظت عليه. طب أهلها أقولهم إيه؟"
"قوليلهم اللي شايفه صح وهيريحك."
توقف بالسيارة أسفل منزلها. ثم قال:
"أنا هستناكي هنا بالولاد، ومتاخديش أي حاجة من شقتك. أنا هكلف ناس يفضواها ليكي وبعدين تبقي تختاري اللي عايزة تخليه معاكي."
خرجت من السيارة بسرعة حتى لا ترجع في قرارها وصعدت السلالم ووقفت أمام شقة ضحى للحظات وهي تتنفس بحدة ثم طرقت على الباب.
"زهرة بابتسامة شاحبة: ضحى جوه."
ردت أمينة بابتسامة:
"هتلاقيها في أوضتها."
"ممكن أدخلها؟"
"ادخلي يابنتي من غير استئذان ده البيت بيتك."
"تسلميلي ياطنط."
طرقت زهرة على باب غرفة ضحى، ثم دلفت مباشرة.
"ضحى بفضول: يادي النور... مش عوايدك أنتي اللي تطلعي ليا. خير ياست زهرة."
زهرة بارتباك لا تعلم من أين تبدأ الحوار:
"من الآخر كده، إن اتجوزت."
انتفضت ضحى في مكانها. قالت مرددة بذهول:
"اتخطبتي؟ اتخطبتي؟ دا اللي هو إزاي وإمتى؟"
زهرة بصوت مخنوق متقطع:
"النهاردة وبالأصح من ساعة تقريباً."
هزت رأسها بصدمة:
"أنتي بتتكلمي جد؟ قولي اللي أنتي بتهزري. أنتي بتهزري صح؟"
ردت نافية:
"لأ مش بهزر... أنا اتجوزت النهاردة... اتجوزت أكنان أبو ولادي."
جذبت ضحى ذراع زهرة وأجلستها فوق الفراش وجلست بجواره. ونظرت لها بفضول:
"احكيلي كل اللي حصل بالظبط فاهمة يا زهرة."
بدأت زهرة في سرد ما حدث وظلت ضحى تستمع فقط دون التعليق على كلامها بأي كلمة. وعندما انتهت تنهدت ونظرت إلى ضحى قائلة:
"وبعد رفضي فجأة لقيت نفسي متجوزاه... اتجوزته رغم كرهي له... مش عارفة إزاي."
همست بشرود:
"أنا عارفة ليه اتجوزته... عشان ولادي. أول ما قال هياخدهم وهيكتبهم باسم واحدة تانية، فقدت كل قوتي. وأول ما أخدهم من الملجأ وقالوا ليا يا ماما... كان قلبي هيطلع من مكانه. حسيت بقلبي هيقف من الفرحة."
سالت دموعها على وجنتيها دون أن تشعر. لما سمعت كلمة ماما نسيت كل حاجة، كل حزن وألم عيشته. ضمتها ضحى وربتت على رأسها بخفة. وقالت بنبرة رقيقة:
"أنتي نصحتيني كتير يا زهرة. وأنا شايفة نفسي في وضع يلزم أنصحك فيه. طبعاً مفيش عذر لغلطته معاكي دي جريمة. أنا بكرهه أكتر منك بسبب اللي عمله معاكي. لكن بصراحة في غيرك وفي نفس وضعك هما اللي بيحاولوا يثبتوا نسب ولادهم للأب. أما هو العكس هو اللي عايز يثبت ولاده ليه. وأنا شايفة دي حاجة كويسة فيه. هو بجوازه منك بيقدم لك فرصة العمر. ولادك هيبقوا ليهم أب وأم وهيكبروا في حضنك. خلاص يا زهرة... انسى الحادثة. انسى الماضي. انسى إنه جوزك. عيشي الحاضر مع ولادك وبس."
مسحت دموعها وتنهدت بألم:
"وده اللي ناوية أعمله. هنسى عشان خاطرهم وهستحمل. ما أنا ياما استحملت."
سألت ضحى:
"ناوية تعملي إيه دلوقتي؟"
ردت زهرة:
"قولي هو اللي ناوي يعمل إيه؟"
"وهو ناوي يعمل إيه؟"
"مش عارفة لسه... الصدمات منه عاملة زي المفاجآت. زي جوازي منه اللي حصل في غمضة عين."
ثم ضحكت بألم. وبعدين ولادي اللي أخدهم من مدام ليلي بكل سهولة ومن غير إجراءات. وبيقولي انسى زهرة دي وارجعي لحقيقتك.
هتفت ضحى بموافقة:
"أخيراً يا زهرة... هتشيلي تنكرك ده."
نظرت لها نظرة غريبة:
"هو أنتي كل تركيزك إن هشيل وشي المزيف."
قالت ضحى بلهجة رقيقة:
"هو أنتي مبسوطة بنفسك كده؟"
"أيوه مبسوطة واتأقلمت على شكل ده لحد ما اتعودت عليه."
"أنا بقى مكنتش مبسوطة ليكي. وكنت بقول ده البديل الوحيد قصادك إنك تبقي مجهولة عشان تقدري تعيشي بين الناس من غير ما حد يتعرض ليكي أو يطمع فيكي. عشان تقدري تاخدي بالك من أمك الله يرحمها. بس دلوقتي كل الأسباب دي انتهت وتقدري تعيشي بشكلك الحقيقي من غير العذاب اللي بتتعذبيه كل يوم لما تخرجي للناس. لازم البروفة واللنسز والفونديشن اللي بتستعمليه اللي مداري على لون بشرتك. لو رجعتي لحقيقتك هترتاحي من كل التعقيد اللي بتعمليه في نفسك كل يوم. يا زهرة اتكلي على الله وعيشي حياتك بقى كأن مفيش حاجة حصلت. وإن كان عليه هو اعتبريه كأنه مش موجود قصادك. ومسير الأيام هتدواي جرحك. انسى عشان تقدري تعيشي."
هزت رأسها باستسلام لمصيرها المقدر والمكتوب:
"إن شاء الله يا ضحى. وأهلك يا ضحى هقولهم إيه لما أختفي فجأة من حياتهم وفرحك وهو مستنيني تحت مع الولاد في العربية؟"
"أول ما خطي برجلي جوا العربية هتكون دي نهاية زهرة اللي شايفها قصادك."
فكرت ضحى للحظات ثم قالت:
"في موضوع كنت مخبياه عنك... وجاه وقته."
سألت زهرة:
"موضوع إيه اللي كنت مخبياه عني؟"
ضحى بهدوء:
"بابا باع البيت... وكنا هنعزل لشقة تانية. بس عشان جوازي اللي جاه بسرعة... أجلوا العزال لبعد فرحي."
نظرت له زهرة بصدمة:
"كنتوا هتمشوا من غير ما تقولولي؟"
ردت بلهجة أسف:
"كنت هقولك... بس قولت بعدين ظروفك مكنتش تسمح لصدمة تانية. كنت والله هقولك."
"من غير حلفان يا ضحى مصدقة."
"موضوع أهلي واتحل. هما مشغولين في جوازي. ومش هيلاحظوا وجودك في البيت. وأنا هبقى أقولهم أي حاجة. ممكن أقولهم إن طلع لك أهل من بعيد ورحتي تعيشي معاهم بعد ما بقيتي وحيدة. وأنتي اللي عليكي تبقي تتصلي بيهم تودعيهم وتقوليلهم الكلمتين دول. أما أنا أمري سهل."
"إزاي بقا سهل؟ أنتي أكتر من أخت ليا وكان نفسي أبقى معاكي في كل حاجة."
"يا أختي أنا مسامحة. كفاية عليا إنك هتحضري الفرح ولبسة فستان شيك وبشكلك الحقيقي. مش شكلك ده اللي كان هيعيرني في الفرح. أهو لقيت ميزة في أم الجوازة دي."
وضحكت. وكزتها زهرة في صدرها بعنف وقالت:
"أنا بردو شكلي عرة."
ردت بابتسامة خفيفة:
"أومال شكلك ده إيه؟ ده أنا بحمد ربنا إني هترحم منه أخيراً بعد سنوات من عذاب التشوه البصري اللي جرالي بسببك. وفكي التكشيرة دي من على وشك. هااا فكي بدل ما ألغي جوازاتي من كيمو العسل. كيوووت وراجل أوي وحنين أوي."
صاحت زهرة في وجهها:
"فووووقي... وبالله عليكي أحلمي بيه في وقت تاني مش ناقصة فقعت مرارة أنا فيا اللي مكفيني."
ضحى بضحك:
"ياااه عليكي يا زهرة قطعتي أفكاري."
نهضت من مكانها:
"أنا همشي بقى عشان اتأخرت عليهم... وهسيبكم مع أحلامك."
قامت هي الأخرى وضمت زهرة وقالت لها بحب:
"ربنا معاكي يا زهرة ويقويكي على الأيام اللي جاية."
همست بدعاء:
"يارب يا ضحى. أنا مش عارفة أحوالي هتكون إيه."
"كل خير يا زهرة. بقولك يا زهرة لما تخرجي تبقي تمهدي لماما على موضوع أهلك اللي هتعيشي معاهم. عشان لما أكلمها بعدين يكون عندهم خبر."
هزت رأسها في صمت ثم فتحت باب الغرفة ودلفت إلى الخارج. نادى على أم ضحى. خرجت أمينة من المطبخ وقالت:
"نعم يا زهرة كنتي عايزة حاجة؟"
ردت بابتسامة خفيفة:
"أيوه يا طنط... كنت عايزة أقولك هسيب الشقة."
أمينة بخضة:
"ليه يابنتي في حد ضايقك؟"
ردت نافية:
"لأ مفيش حد. بس طلع لي قرايب من ناحية ماما الله يرحمها. لما عرفوا بخبر موتها... صمموا أسافر وأروح أعيش معاهم بورسعيد."
"وهتمشي إمتى؟"
"معرفش إمتى بالظبط. بس خلال يومين بالكتير."
"طب وفرح ضحى؟"
"غصب عني يا طنط. أنا ما صدقت حد من قرايبي يظهر لي بدل ما أنا مقطوعة من شجرة. الأهل عزوة. أنا قولت لضحى وهنكون طول الوقت على اتصال مع بعض."
"عندك حق يا زهرة الأهل عزوة."
"هتوحشوني أوي لما أسافر."
أمينة ضمت زهرة وقالت بحنية:
"وأنتي كمان يا زهرة."
أغلقت زهرة الباب خلفها. أغلقت صفحة كانت مؤلمة في حياتها. اتجهت إلى السيارة. فتحت الباب وفتحت صفحة جديدة من حياتها بهوية جديدة. ألقت نفسها على الكرسي وبمجرد إغلاقها الباب. أشار أكنان في صمت للسائق بالانطلاق. وبعد فترة من القيادة توقفت السيارة أمام إحدى المولات. أكنان بهدوء:
"يلا بينا ندخل المول."
وليد وأياد في نفس واحد:
"في لعب جوه."
عليهم بابتسامة:
"في جوا حاجات حلوة كتير."
نظرت إلى سعادة أطفالها وأبتسمت لهم. ثم تحركت مع أطفالها إلى داخل المول ممسكة بأيديهم برقة. ترك وليد وأياد يدها بمجرد دخولهم، وأخذوا يركضون هنا وهناك بمرح. قالت بهمس:
"أومال فين الناس؟"
رد بلهجة هادئة:
"أنا فضيت المكان عشان لما نيجي تعرفوا تاخدوا راحتكم فيه."
زمت شفتيها بعبوس:
"وسهلة إنك تفضي مول بالحجم ده في الوقت القصير ده؟"
رد بلهجة هادئة:
"سهلة عشان أنا صاحب المول."
هزت رأسها بضيق وتمتمت:
"أه."
ترك الصغار برفقة أحد الحراس يلعبون، وأشار إلى زهرة لكي تأتي معه. وقفت مبهوتة أمام واجهة المحل. قالت بتردد:
"وقفنا هنا ليه؟"
"اختاري اللي أنتي عايزاه."
"وأنا مش عايزة منك حاجة."
"وقت الكلام ده فات. أحنا اتجوزنا وأنتي وافقتي هتغيري شكلك ده عشان لما تظهري للكل بشخصيتك الجديدة."
دخلت إلى الداخل مضطرة واختارت ما تريد. وعند الانتهاء، قال أكنان بابتسامة هادئة:
"يلا بينا."
ردت زهرة بسخرية:
"يلا بينا فين تاني."
تجاهل سخريتها وقال:
"مركز التجميل... عشان تشيلي كل اللي في وشك ده."
وذهب بها إلى مركز التجميل وكانت منتظرة قدومهم مدام جيجي.
"جيجي بابتسامة مرحبة: أهلاً بيك أكنان بيه."
"أكنان بلهجة عملية: هسيب لك زهرة هتقولك على كل اللي هي عايزاه."
"جيجي بابتسامة: اتفضلي على الكرسي هنا."
تلاعبت يدي جيجي الماهرة في شعرها وأرجعته إلى طبيعته. ثم انتقلت إلى بشرتها. وفي خلال ساعتين انتهت. نظرت زهرة إلى نفسها في المرآة، فلم تصدق ما رأت. القناع اختفى. قسمات وجهها كما هي لكنها أصبحت أجمل بكثير عن وهي مراهقة. هتفت جيجي بذهول:
"واووو مش مصدقة نفسي. أنتي بقيتي حاجة تانية خالص. هو أنتي كنتي عاملة في نفسك كده ليه؟"
ردت زهرة بابتسامة خافتة:
"أصلي كنت في حفلة تنكرية."
"جيجي بعدم تصديق: حفلة."
"زهرة باللامبالاة: أيوه حفلة."
ثم تركتها وغادرت مركز التجميل. بحثت عنهم في الخارج لم تجدهم، لكن سمعت صوت ضحكاتهم. اتجهت مسرعة ناحية المصدر. في ملهى الأطفال. كانوا يجلسون جميعاً فوق الأرجوحة. كانت تدور، وكلما دارت أسرع تعالت أصوات ضحكاتهم، والبسمة تزيين وجوههم. نظراتها تتبعت كل بسمة، كل حركة من أطفالها. لمعت عينيها بالدموع. وحدثت نفسها بأنها فعلت الصواب. ثم فجأة نظر ليجد زهرة واقفة على بعد عدة أمتار. لم يصدق عينيه. كانت رائعة. أضاء وجهها نوراً زاد جمالها سحراً. حاول التحكم في أنفاسه المضطربة وعندما توقفت الأرجوحة عن الدوران، قد استعاد تنفسه الطبيعي.
"أكنان قال: يلا بينا عشان نروحكلا."
الطفلين هز رأسهما برفض قائلين:
"عايزين نلعب تاني."
"أكنان بلهجة حازمة: أوعدكم هتيجوا هنا تاني. بس دلوقتي هنروح."
"أكنان قال بابتسامة: يلا بينا بقى على البيت."
عندما حاولت زهرة إمساك أيديهم، هتف وليد وأياد:
"مين دي؟"
ابتسم أكنان قائلاً:
"زهرة... ماما."
نظروا لها ذهول وقاموا بفرك عيونهم:
"بجد؟ دي بقت حلوة أوي."
تصنعت الحزن ثم قالت:
"هو أنا كنت وحشة الأول؟"
"أياد بلهجة طفولية صادقة: أه."
"أنا كده أزعل منك يا أياد."
"وحشة بس بحبك."
ابتسمت على رده البريء:
"خلاص مش زعلانة. طب وبشكلي ده؟"
"وليد وأياد في وقت واحد: هنحبك أكتر."
اتسعت ابتسامتها وقالت:
"باين عليكم هتبقوا أشقياء لما تكبروا."
ذهب بيهم إلى فيلته الخاصة. في الداخل، الأطفال بمرح:
"إحنا هنعيش هنا."
هز رأسه بخفة:
"أيوه."
وأشار للخادمة. ثم قال:
"طلعوهم على أوضتهم. يلا يا حبابيي اطلعوا شوفوا أوضتكم الجديدة."
وعندما ذهبوا، نظر إلى زهرة التي ظلت واقفة صامتة في مكانها، عينيها تتبع اختفاء صغارها. حاول أخفاء مشاعره لكي لا يخفيها. يكفيه حتى الآن وجودها بالقرب منه. قال لها بلهجة رقيقة:
"الفيلا دي بتاعتك أنتي والولاد. أنا فيها مجرد ضيف. كل يوم طبعاً هجي أقعد مع الولاد شوية وهمشي. المكان هنا في كل حاجة. في خدم وحرس. مش هتحتاجي حاجة خالص. أنا هظبط أموري. وكل الإجراءات بخصوص الولاد... هطلع ليهم شهادات الميلاد. وهشوف لهم مدرسة. ولما تستقري هنا وياخدوا على الوضع وياخدوا علينا. هطلع أقول للكل عليكم. وإننا اتعرفنا زمان وبعدين انفصلنا وأنتي كنتي مسافرة وبعدين رجعنا لبعض. واسم زهرة ده انسيه. أنا من يوم ورايح هناديكي يا زوزو."
همست زهرة بسخرية:
"في حاجة تاني؟"
رد أكنان بثبات:
"لأ مفيش. أنا ماشي واحتمال مجيش بكرة عشان مسافر."
ثم تركها واستدار مغادراً، تاركاً إياها تواجه حياتها الجديدة.
_______
#بقلم_سلمى_محمد
شعرت صفية أنها السبب فيما يحدث لابنها. وأن السحر انقلب عليها. ذهبت إلى الشيخ فرحات لكي يفك السحر عن زوجته لعل وعسى الله يغفر لها. لكن لم تجده، فقد سافر إحدى البلاد العربية. حاولت الاتصال بيبسان العديد من المرات لكي تأتي لرؤية زاهر. لكنها رفضت المجيء.
"صفية بغضب والدموع تنهال على وجنتيها: أنتي السبب. أنتي اللي دلتيني على طريق الشيخ ده. أعمل إيه دلوقتي بعد ما سافر ومعرفش طريقه فين؟ أفك السحر عن مراته إزاي؟"
"سعدة بارتباك: معرفش. طب خليها تيجي هنا. ونخلي أي شيخ يريقها. ويفك السحر عنها."
"صفية ببكاء: هي مش عايزة تيجي. ماهي بس لو جيت... هجيب ليها شيخ من اللي بيفكوا السحر. يفك السحر اللي عملته ليها. كل جاه على ابني. اااه يابني... اااه ياحتة من قلبي."
وقامت باللطم على صدرها.
"ااه يابني... أنا السبب."
قالت سعدة بتوتر:
"هيقول ياستي ويخف."
نظرت لها صفية بغضب:
"مش عايزة أشوف وشك خالص قصادي. اطلعي برااا."
هرولت سعدة إلى الخارج بسرعة.
____
#بقلم_سلمى_محمد
ذهب كريم لمقابلة بيسان عندما علم من أكنان ما حدث لزاهر. وتصميم بيسان على البقاء بعيدة عنه. في داخل غرفتها.
"كريم باستفسار: ممكن أعرف إيه اللي حصل معاكي يا بيسان؟ مش ده زاهر اللي كنتي هتموتي عليه عشان تتجوزيه؟ أزاي تسيبيه لوحده في المستشفى من غير ما تكوني معاه؟"
"بيسان بحدة: هو مال الكل عليا ليه؟ هااا. أنا مش عايزة أقعد هناك."
لمعت عينيها بالدموع وهي تتكلم.
"ليه الكل مغلطني؟ أنا بتخنق هناك. بحس إني بموت. ولسه بتخنق. أنا تعبت يا كريم أنا حاسة إني بموت بالبطيء."
وأخذت تصيح بانفعال.
"تعبت... تعبت."
"كريم بلهجة يشوبها القلق: طب أهدي."
"بيسان بصياح والدموع تنهمر من عينيها: أنا تعبت. وامشي من هنا."
كريم انصدم من رؤيتها هكذا. ثم خرج مسرعاً من غرفته لكي يتصل بالطبيب. بمجرد خروجه رأى جيلان أمامه.
"جيلان بقلق: هي طردتك أنت كمان."
"كريم بسؤال: هي بتعمل كده مع الكل؟"
هزت جيلان رأسها في صمت:
"وحتى مع باباها طردته. من اليوم اللي جيت فيه وهي حبسة نفسها في أوضتها ومش بتخرج منها. لو حد داخل ليها تصرخ في وشه وتعياط. حاولت أنا وباباها نخرجها من أوضتها معرفناش."
"الوضع ده ميتسكتش عليه."
"أنا حاولنا معاها كتير اليومين اللي فاتوا وفشلنا."
"أنا هتصل بالدكتور عزت يجي يكشف عليها."
"اتصل ونعرف منه إيه اللي عندها."
بعد مرور بعض الوقت وهو يحاول إقناعها بضرورة الكشف.
"بيسان بضيق: هتسكت وهتمشي لو وافقت يكشف."
"كريم بابتسامة متوترة: أيوه وهمشي على طول."
هزت رأسها بيأس:
"خلاص خليه يدخل."
"تتف كريم من مكانه: أدخل يا معتز."
قام معتز بالكشف عليها وعندما انتهى قال بهمس لكريم:
"أنا كشفت عليها معندهاش أي حاجة عضوية. مفيش أي حاجة. بس هي في منتهى العصبية والتوتر. محتاجة تخرج وتغير جو. ولو الوضع ده استمر كتير ومش اتحسنت يبقا محتاجة تروحوا بيها عند دكتور أعصاب يديها حاجة مهدئة تريح لها أعصابها."
تمتم كريم:
"هنشوف بس هي توافق الأول. شكراً يا معتز."
جيلان سألته كريم بمجرد خروجه من الغرفة:
"مالها يا كريم؟"
"معتز قال معندهاش أي حاجة عضوية. والموضوع في الأساس نفسي ومحتاجة تغير جو. حاولي تقنعيها على قد ما تقدري يا جوجو تخليها تخرج."
"هحاول يا كريم."
______
#بقلم_سلمى_محمد
مرت الأيام سريعاً. بالنسبة لضحى كانت مليئة بالمشاوير التي لا تنتهي. فكريم قام بشراء فيلا لهم لكي يعيشون فيها خلال الفترة التي يتواجدون بها في مصر. وكانت الفيلا تقوم بتجهيزها على ذوقها. وزهرة تتصل بها يومياً لمعرفة آخر تطورات الزفاف.
زهرة كانت تتجاهل أكنان بمجرد وصوله إلى الفيلا تختفي تماماً من أمامه. هو لم يحاول إجبارها على أي شيء. يريد أن تتعود على وجوده أولاً. مع الوقت سيكون كواقع بالنسبة لها. وكان دائم الانتقال بين الإسكندرية وأسوان للاطمئنان على زاهر الذي مازال في غيبوبته حتى الآن. حاول إقناع أخته كثيراً لكي تسافر معه لكنها كانت تقابل سؤاله بالرفض التام.
وبيسان مازالت منطوية في غرفتها بالرغم من توسلات جيلان ووالدها لها. ونادراً ما تخرج للجلوس في حديقة الفيلا.
______
يوم الزفاف
طرقة على الباب أفزعتها من شرودها. فقالت بوهن:
"مين؟"
أتاها من الخارج صوت كريم:
"أنا."
"هتفت بيسان: ادخل يا كريم."
"كريم بابتسامة: أنتي عارفة إن النهاردة فرحي وسمعت إشاعة إنك مش هتروحي."
"بيسان بصوت حزين: أنا تعبانة بجد يا كريم. معلش مش عايزك تزعل مني عشان مش هروح. أنا لو روحت الفرح هكون كئيبة. وكمان بص لشكللي هروح إزاي بالمنظر ده."
"كريم بابتسامة هادئة: أنا عملت حساب كل حاجة. وجبت معايا فستان ليكي على ذوقي."
قابلت إلحاحه بالرفض التام. قالت بحزن لرفضها:
"معلش يا كريم بلاش تضغط عليا. ومش عايزك تزعل مني."
قال بلهجة قلقة وهو يرى شحوب وجهها ونحول جسدها:
"عمري ما هزعل منك. بس اوعديني إنك تروحي تكشفي على نفسك وأنا مش هزعل."
"قالت بابتسامة لا حياة فيها: حاضر يا كريم هروح أكشف."
"وعد."
"وعد يا كريم."
ثم انصرف كريم مغادراً وقال لنجم وجيلان:
"مش عايزة تخرج. بس وافقت إنها تكشف."
"نجم بقلق: من بكرة هاخدها المستشفى بنفسي."
أمينة بدعاء:
"كن يا الله مع بنتي. وافتح لها أبواب الخير."
طرقة باب غرفتها ودخل حسام:
"يلا هتأخرينا يا حاجة. بابا مستني تحت وكمان العربية وصلت تحت هتوصلنا على القاعة."
ابتسمت وقالت:
"أنا جاهزة."
في قاعة الفرح، كان الجميع سعيد. كانت زهرة متواجدة بصفتها زوجة أكنان نجم. اندهش الجميع من وجود زوجة له وقد ظهرت من العدم في يوم وليلة. حاول كريم سؤاله عنها، لكنه حاوره في الكلام ولم يأخذ منه جملة مفيدة. نجم وجيلان انصدموا من وجود زوجة له. ومن حاول سؤاله عن أي شيء كان غامضاً في إجابته. فالوقت لم يحن حتى الآن للإعلان الرسمي. نيروز والدة كريم كانت حاضرة في أبهى زينتها أما والده لم يحضر مدعياً انشغاله.
الفرح كان جميلاً كالحلم الوردي. كريم اهتم بكل التفاصيل. كان عروسين في منتهى السعادة. بعدها بساعات انصرفا من القاعة. وفي داخل الفيلا، تنفست ضحى براحة وقالت له:
"الكعب العالي هيموتني."
تنظر لها بابتسامة متلاعبة:
"أوعي تكوني عايزاني أشيلك زي الأفلام لحد أوضة النوم. ده أنتي بتحلمي لو فكرتي إن ممكن أعملها وأشيلك. أخاف على العمود الفقري في ليلة زي دي. تبقى نكسة لو جراله حاجة."
ضحكت بصوت مرتفع:
"كل ده عشان قولت رجلي واجعاني. أومال لو قولتلك شيلني. هتعمل إيه؟"
شاركها الضحك ثم قال:
"أنتي بس قوليلي شيلني وأنا أمري لله هشيل. هو أنا أطول أشيل. بس مقولتليش هو الوزن كام عشان أطمن على العمود الفقري يطلع سليم."
دفعته بكف يديها برفق في صدره وقالت معاتبة وهي تضحك:
"فين الجنتلة والتربية الأمريكاني؟ في حد يسأل بنت كيوت زيي وفي ليلة فرحها عن وزنها؟ سؤال الوزن هنا في رقاب بتطير."
وضع يده على رقبته مدعي الخوف:
"ااه يرقبتي. خلاص متزعليش وسؤال الوزن وساحبته. هااا لسه عايزاني أشيلك زي الأفلام."
هزت رأسها على استحياء وهمست بخجل:
"أيوه."
حملها على ذراعيه. ودخل بها إلى غرفة النوم. ابتسمت له فقد تحققت أمنية أن يحملها زوجها وحبيبها في ليلة عرسها. بمجرد فتحه باب الغرفة. شهقت في سعادة. فالغرفة مزينة كما كانت تحلم. الفراش عليه وريقات الورود الحمراء على هيئة قلب وأرضية الغرفة أيضاً مغطاة بالورد والشمع المعطر يضيء الغرفة برومانسية حالمة. سألها بترقب:
"عاجبتك زينة الأوضة؟"
قبلته بخجل على خده وقالت له:
"طبعاً عاجبتني. كأنك قرأت كل اللي نفسي فيه يوم فرحي."
وضحكت بخفة.
"معظم اللي كنت بحلم بيه اتحقق."
سأل بفضول:
"وباقي الأحلام؟"
همست بضحك:
"هتعرفهم بعدين. نزلني بقى."
ابتسم وقال لها:
"لسه."
اقترب من الفراش ثم أجلسها على مقدمته. وأرتكز على كلتا ركبتيه. وأخذ يتأمل ملامح وجهها بحب. بصوت مبحوح من شدة خجلها:
"أنت هتعمل إيه؟"
غمز لها والابتسامة تزين وجهه الوسيم:
"طبعاً هقع لك الجزمة اللي وجعة رجلك. أومال كنتي فاكراني هعمل إيه؟ اااه من بنات اليومين دول اللي دماغهم بتروح شمال."
دفعته في كتفه وهتفت بارتباك:
"كريم بطل."
قال بابتسامة:
"حاضر ياقلب كريم. ممكن خمس دقايق من وقتك الثمين عشان أقلعك الجزمة."
هربت ضحكة خافتة من بين شفتيها:
"خمس دقايق. ليه كل ده؟"
غمز لها بمكر:
"بلاش السؤال ده. ثواني وهتعرفي ليه الخمس دقايق."
أحنى رأسه وفي ثواني نزع الحذاء. ثم رفع رأسه وقال بابتسامة:
"تمت المهمة بنجاح."
ابتسمت له بخجل:
"على فكرة أنت ضحكت عليا وقلعتني الجزمة بسرعة."
رفع إحدى حاجبيه وأبتسم له:
"دماغك بقت على فكرة شمال."
قالت بعتاب:
"هزعل ولوحت بأبهامها تجاه وجهه: هزعل منك."
قضم أصبعها بخفة. وهمس بحب:
"وأنا مقدرش على زعلك."
همست ضحى بنعومة:
"وأنا كمان. هدخل الحمام هغير فيه الفستان."
"روحي وأنا هستنى هنا."
دخلت إلى الحمام وأبدلت ملابسها وعندما خرجت وجدته جالس على الفراش. أشار لها بالاقتراب. جلست بالقرب منه في صمت. كانت في يديه فرشاة الشعر. قالت بخجل:
"هتعمل إيه؟"
رد بابتسامة عذبة:
"هسرح لك شعرك."
وراح يتأملها بحب. أحنت رأسها فلم تقدر على مواجهة نظراته. وهو يمشط شعرها أغدقها بكلمات الحب والغزل التي جعلت قلبها يدق بسعادة هائلة لم تشعر بها قبل الآن. ارتجف قلبها بخجل وهي تسمع كلماته. رفع يديها وقبل باطن كفها. رفع رأسها وأطال النظر داخل عينيها وهمس برقة:
"أنتي فيكي شيء مميز مخليني مشدود ليكي قوي. لدرجة إني مش قادر أقاومك أكتر من كده."
أخذ ينظر لها كأنها أجمل شيء رأته عينيه. أجمل نساء الكون. أحست ضحى بفرحة غامرة وهي تراه ينظر لها كأنها شيء ثمين بالنسبة له. احتضنه برقة. ارتجفت بين يديه. فسألها بقلق:
"مالك يا ضحى؟ في حاجة تعباكي؟"
ردت عليه بلهجة متوترة خجلة:
"لأ مش تعبانة."
قال برقة:
"أنتي خفتي مني؟"
أجابتها برفض:
"لأ طبعاً. بس أي عروسة طبيعي بتبقى قلقانة في اليوم ده."
نظر طويلاً داخل عينيها بحب:
"بس لو الاتنين بيحبوا بعض يبقى مفيش داعي للقلق. وأنا بعشقك."
ابتسمت له بخجل ثم همست:
"أنا أسعد إنسانة عشان اتجوزتك."
ضمها إليه بحب وطبع قبلة رقيقة على جبينها. وزاد من احتضانه لها.
أسدل الليل ستاره على العشاق. إلا من ضوء القمر يزيد بهاء ليلتهم جمالاً. حتى أصبحت زوجة الرجل الذي عشقته بكل جوارحها. في الصباح استيقظ على رنين الهاتف المتواصل. نظر إلى رقم المتصل وعقد حاجبيه بعبوس. نظر له فوجدها لازالت نائمة. فنهض من فوق الفراش بخفة وأتجه إلى الشرفة للتحدث لكي لا يقلقها في نومها. استيقظت ضحى بمجرد تركه الفراش. أسندت رأسها على الوسادة ونظرت باتجاه الشرفة وهي تبتسم بسعادة. كريم كان في منتهى الرقة وتفهم خجلها وتعامل معها بلطف.
فاقت من شرودها مفزوعة على صوت صياحه:
"وده حصل إزاي؟"
دخل إلى الشرفة مسرعاً. فسألته بقلق:
"في إيه؟"
•
رواية زهرة لكن دميمة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سلمى محمد
أستيقظت ضحى بمجرد تركه الفراش. أسندت رأسها على الوسادة ونظرت باتجاه الشرفة وهي تبتسم بسعادة. كريم كان في منتهى الرقة وتفهم خجلها وتعامل معها بلطف.
فاقت من شرودها مفزوعة على صوت صياحه: "وده حصل إزاي؟"
دخل إلى الشرفة مسرعًا.
فسألته بقلق: "في إيه؟"
بدا على وجهه الهم الضيق. اتجه إلى الخزينة وقام بإخراج ملابس له.
ثم قال بشرود: "غصب عني مضطر أنزل وأسيبك."
قامت من الفراش واقتربت منه.
وبصوت متوتر سألته: "ما تقول لي في إيه يا كريم؟"
قال بسرعة: "جيلان اتصلت بيا. قالت إنهم نقلوا بيسان المستشفى."
ظلت صامتة للحظات، تدير كلماته داخل عقلها.
ثم سألت بلهجة يشوبها القليل من الغيظ: "ومالك أول ما وصلك الخبر وأنت مش على بعضك؟"
التقط سمع الغيرة في صوتها. رفع إحدى حاجبيه وقال متعجبًا: "أنتي بتغيري يا ضحى؟"
مطت شفتيها وقالت: "أغير من إيه؟ لأ طبعًا مش بغير."
ابتسم كريم لا إراديًا. ومال على شعرها يشم عبيرها المميز، مغمض العينين في انتشاء.
خجلت مما فعل فأحنت رأسها للأسفل.
جذبها بجواره ثم أجلسها على الأريكة. وجلس بجوارها.
نظر لها بحب وقال بتفهم: "لكي حق تغيري لما جوزك حبيبك ينزل ويسيبك تاني يوم جواز عشان خاطر بنت عمه. حابب أعرفك عشان المستقبل ومنعًا للغيرة بعدين. إن بيسان تبقى أختي في الرضاعة وأفراد العيلة بس هما اللي يعرفوا كده."
مالت ضحى ناحية كريم وعانقته بخفة. وهمست بأسف: "زعلت مني؟"
ضحك بخفة: "تبقي عبيطة."
ابتسمت ضحى وهي تميل إليه.
أفتر ثغرها عن ابتسامة لا إرادية: "أيوه."
نهض من جانبها وقال: "معلش حبيبتي هسيبك."
"أجي معاك؟"
"لأ خليكي أنتِ هنا وأنا هبقى أتصل بيكي."
"هتوحشني."
"وأنتي كمان هتوحشيني."
ثم خرج مسرعًا من الغرفة.
نظرت ضحى بشرود إلى الباب الذي خرج منه.
أتكأت بكلتا مرفقيها على ركبتيها. وأخذت نفسًا عميقًا.
رن هاتفها وكان المتصل أمها.
سألت الأم ابنتها لكي تطمئن عليها: "الأخبار إيه؟"
ضحى بابتسامة خجولة: "مبسوطة أوي."
"ربنا يسعدك يابنتي ويفتح لكِ أبواب الخير."
أخذت تركض بأقصى ما عندها، هاربة من شيء مجهول يجري خلفها، خائفة من الالتفات خلفها لرؤية ماهيته. سمعت كلمات تقرأ اخترقت عقلها الغائب عن الوعي. حاولت فتح عينيها، لكنها كانت تشعر بالألم في رأسها وطنين بأذنيها شديد، وألم لا يحتمل في معدتها.
فتحت بيسان عينيها ببطء لتجد الرؤية ضبابية أمامها. أغمضت عينيها مجددًا وحاولت فتحها مرة أخرى.
انتبه الجميع إلى حركتها، فهي ظلت غائبة عن الوعي لأكثر من ساعة بعد خروجها من غرفة العمليات.
انتبه الجميع إلى حركتها. وضعت جيلان المصحف التي كانت تقرأ منه بسرعة على الطاولة.
أقترب منها أكنان وكريم ونجم.
سألت بصوت متألم: "أنا فين وحصلي إيه؟"
جيلان بنظرات قلقة: "أغمى عليكي."
حاولت النهوض، لكن ألم شديد تمكن منها جعلها تهتف بوجع: "آه. أنا حصلي إيه؟ حد فيكم يرد عليا."
ردت عليها جيلان بحزن: "كنتي حامل والبيبي نزل."
رمقت الجميع بنظرات ملتاعة هائمة في صمت مؤلم. لا تدري مابها، أتبكي أم تفرح؟ عقلها أصبح مشوشًا، أصبحت لا تعرف نفسها وكأنها داخلة على هذا الجسد.
جيلان برقة: "متزعليش يابيسان بكرا ربنا هيعوضك خير."
أكنان بلهجة حزينة: "بكره تقومي وتكوني أحسن من الأول."
حاول الكل مواساتها بقول كلمات مشجعة لها.
صوتها ترقق وتحول إلى لهجة ضعيفة تدمي القلب: "أنا كويسة."
صوتها تلاشى. شعرت بالدوار.
"باباااا."
هتف نجم بهلع: "بيساااان."
تصلبت جيلان في وقفتها وهي ترى بيسان تغمض عينيها.
أما كريم وأكنان خرجا من غرفتها مسرعين لمناداة الطبيب.
في الداخل، عندما انتهى الطبيب من الكشف عليها، قال الطبيب بهدوء: "هي محتاجة راحة دلوقتي."
ثم أشار للممرضة الموجودة بجواره، فقامت بتغيير المحلول المغذي الفارغ بآخر جديد ووضعت فيه مهدئًا.
عندما انتهت قال الطبيب موجهًا كلامه للجميع: "ياريت الكل يخرج دلوقتي."
خرج الكل على مضض، إلا من جيلان التي ظلت جالسة على الكرسي المجاور لفراشها.
في الخارج، قال كريم بصوت كئيب: "إيه اللي حصل وخلاها توصل للمرحلة دي؟"
نجم بحزن: "معرفش يا كريم. من يوم ما جيت من أسوان وهي حالتها مش طبيعية. وما فيش حد فينا حاول يجبرها على أي حاجة ولا حد فينا ألح في سؤاله ليه سابت زاهر وهو في وضعه ده."
نظر لهم أكنان ثم ضاقت عينيه بتفكير للحظات وقال: "أكيد في حاجة حصلت وخلاها توصل للحالة دي. حادثة زاهر وانطواء بيسان وعزلتها. أكيد في سر."
سأل كريم بملامح مفكرة: "إزاي الواحد مفكرش في الكلام ده، وإن ممكن تكون في حاجة؟ بس إيه اللي ممكن يحصل يخلي بيسان تتغير كده؟"
هز رأسه بحيرة: "معرفش. بس الوضع ده ميتسكتش عليه أكتر من كده."
"ناوي تعمل إيه؟"
ضيق عينيه أكثر ثم قال: "أنا هسافر أسوان. أحاول أعرف الحقيقة منهم هناك، وإذا كان في مشاكل بين بيسان وزاهر هي اللي خلت الوضع بينهم بالسوء ده."
رأت سيارته تتوقف أمام الفيلا، لكنها كانت تشعر بالغضب. فالنهار شارف على الانتهاء والشفق بدأ يقترب. ولم يكلمها سوى مرتين فقط لا غير طوال الساعات الماضية، وكان كلامه قاصرًا على جملتين: "خلي بالك من نفسك."
رآها تقف في الشرفة معطية له ظهرها. استشعر غضبها من طريقة وقفتها وعدم التفاتها له.
كريم بلهجة رقيقة: "وحشتيني الكام ساعة اللي فاتوا، وكنت ديما على بالي. بس أعمل إيه؟ الوضع كان في المستشفى صعب والواحد كان على أعصابه. أول ما وصلت لقيتها في أوضة العمليات وأجهضت البيبي."
شهقت ضحى بفزع: "هي كانت حامل وسقطت؟"
هز رأسه بأسى: "أيوه مكنش حد فينا يعرف. جسمها مستحملش الحمل. من الوقت اللي انفصلت فيه عن جوزها وهي بقت زاهدة في الدنيا وعلطول حبسة نفسها."
تبخر غيظها وأختلج قلبها لكلامه: "وهي عاملة إيه؟"
"الحمد لله أحسن."
أدارها إليه لتواجهه. حاول التخفيف من جو الكآبة فقال ممازحًا: "شكلك كان حلو وأنتي واقفة بتنفخي ومستنية تشوفي وشي عشان تطلعي نار في وشي."
لم تبتسم على مداعبته وقالت: "هزار تقيل على فكرة. أنا كنت مضايقة عشان اتأخرت عليا ومهنش عليك تريحني بجملة مفيدة، وكنت خايفة وقلقانة عليك أوي."
"الواحد اتلاهى في اللي حصل. متزعليش مني."
أولته ظهرها فأمسكها بسرعة وقال: "شكلك زعلانة."
تذكرت هلعها وخوفها. فقالت بحدة: "كنت وخلاص مبقتش زعلانة."
شعر بالندم، فهو أخطأ لأنه لم يطمئنها على الوضع في المستشفى.
ربت على وجهها برقة وقال بحب: "أعمل إيه عشان أصالحك ومتفضليش زعلانة؟"
"متعملش حاجة."
"لأ لازم أصالحك."
ابتسمت بخبث: "مصمم تصالحني."
كريم بابتسامة عاشقة: "أكيد مصمم."
ضحى بهدوء: "يبقى تسيبني. عايز تصالحني يبقى تسيبني لوحدي."
صاح بها بتلقائية: "لأ طبعًا. ده أنا صدقت أجي هنا وأشوف وشك اللي بينسيني الهم والزعل. تيجي تقولي أسيبك لوحدي. اطلبي أي حاجة غير أسيبك."
أخفت ابتسامتها وهي تقول: "سيبني وشوف وراك إيه؟"
ثم أولته ظهرها. شعرت به يرفعها ويحملها بين ذراعيه. ثم ألقاها فوق الفراش.
جلست بحدة على الفراش وقالت له: "أنا مش عايزة أنام."
ابتسم بهدوء: "بس أنا عايز أنام."
وقام بتغيير ملابسه.
خفق قلبها وابتسمت دون أن يراها. غضبها ليس له وجود ولكنها أرادت إيصال له أنها شعرت بالخوف والقلق وهو بعيد عنها.
عندما بدل ملابسه، رقد على الفراش ثم ضمها إلى صدره، وراح يمسح على شعرها بحنان ونظر لها بحب: "أسف على القلق والخوف اللي سببته ليكي."
أمسكت يديه وقبلته وقال برقة: "أنا كنت خايفة وأنت بعيد عني. لكن أول ما شفتك الخوف راح."
"مش زعلانة مني؟"
"أنا مقدرش أزعل منك. أنت حبيبي وجوزي."
صاحت صفية بعصبية: "أنتي مطرودة ومشفتش وشك هنا تاني."
سعدة بتوسل: "أبوس إيدك يا ستي. والله أنا كنت عايزة أساعدك. لما شوفتك زعلانة من جوز زاهر."
أرتسم على وجهها ندم هائل وهي تقول: "مش هقول غير روحي منك لله وياريتني ما سمعت كلامك ومشيت وراكي. أهو ابني راقد في المستشفى في غيبوبة وكله من ورا سمعاني كلامك. روحي للشيخ فرحات هيعملك عمل هيريح قلبك ويبعد مراته عنه. ابني اللي اتأذى من الحكاية دي."
ثم هتفت بلوعة محترقة: "آه يابني. أنا السبب."
بلهجة مترجية: "بلاش تطرديني يا ستي."
صفية بلهجة مليئة بالألم: "الكلام اللي قولت عليه يتنفذ، وما أشوفش وشك في البيت هنا تاني. اطلعي برااااا."
أنحنت سعدة رأسها لتقبل كف صفية، لكنها نهرتها بعنف وصاحت في وجهها: "براااا."
كان ناصر في الخارج. سمع كل كلامهم. لم يستوعب للحظات ما سمع. أزد رد ريقه بصعوبة. تملكه غضب عارم. دخل إلى الغرفة مسرعًا.
نظرت له صفية وسعدة برعب.
صفية بلهجة مفزوعة مرتبكة: "أنت كنت في المستشفى. إيه اللي جابك دلوقتي؟"
نظر له بوجه محمر من الغضب ثم هتف بانفعال: "جيت عشان أعرف حقيقتك يا صفية. طب سعدة جاهلة. أنتي إيه مبررك؟ سحر بتلجأ للسحر يا صفية. ليه متعرفيش إن السحر حرام وإنه من السبع موبقات."
ضرب كف على كف بقوة. لا حول ولا قوة إلا بالله.
"سحر سحر يا صفية. لجئت للسحر عشان تفرقي بين ابنك ومراته. أهو ابنك هيضيع بسبب أفعالك. وبتسألي جيت بدري ليه؟ عشان أقولك آخر المصايب: بيسان كانت حامل وسقطت."
انسالت الدموع على وجنتيها في صمت وهي تسمع كلامه.
"الحفيد اللي كنتي بتتمنيه مات بسببك قبل ما يشوف النور."
لمعت عينيه بالدموع ثم قال بألم: "الحفيد اللي كنت بتتمناه أنا كمان مات. ويا عالم ابني هيفوق من غيبوته ولا إيه."
انتفضت في مكانها قائلة ببكاء: "متقولش عليه كده. هيقوم وهيخف."
صاح بألم: "مش باين هيقوم فيها. لمي هدومك يا صفية وروحي على بيت أهلك."
صفية بدموع متوسلة: "خليني هنا يا ناصر."
صاح في وجهها: "أمشي يا صفية. بدل ما أرمي عليكي اليمين دلوقتي. روحي عند أهلك وهيبقى ليا معاهم قعدة بعدين."
قالت بتوسل: "ميبقاش زاهر وأنت كمان."
"أنتي السبب."
ثم هتف بألم: "أنتي السبب. أمشي يا صفية."
ونظر إلى سعدة بغضب مميت: "وأنتي مش أشوف وشك هنا ولا بالقرب من أي مكان أكون موجود فيه."
حاولت زهرة نسيان آلامها. الأيام التالية على تواجدها في هذا المكان مع أطفالها كانت كفيلة بتخفيف ألمها ومعاناتها. من أجل راحتهم وسعادتهم بالتأكيد ستنسى مع الأيام جراحها.
من أجلهم، من أجل سعادتهم وراحتهم هم. أهم لديها من سعادتها هي.
كانت زهرة تقوم بتقليب التربة والحفر، من أجل زراعة عدد من النباتات. وهي تحفر ألقت نظرة عليهم بحب وحنان وهما يساعدانها بالحفر، وصغار ما شا يقومون باللهو بجوارهم. شعرت في هذه اللحظة أنها تملك الكون وهي ترى تورد ملامح وجههم بالمرح والسرور.
ابتسمت لرؤية ابتسامتهم.
تألق وجه أياد وقال بحماس: "خلاص خلصت." ونفض يديه بمرح.
قال وليد بابتسامة: "وأنا كمان خلصت."
ردت زهرة بابتسامة: "وأنا كمان."
وليد وأياد بمرح طفولي في وقت واحد: "هنعمل إيه تاني؟"
بلهجة سعيدة قالت: "هنسقي الزرع بالمية وكل يوم هنسقيه ميه، عشان الزرع يكبر ويطلع ورد. وكل واحد ليه زرعة واحدة دي هتبقى بتاعته هو اللي هيهتم بيها."
وأشار كل واحد فيهم إلى البنات الذي سيقوم برعايتها والاهتمام به.
وبعد الانتهاء من سقي النباتات، قالت زهرة بابتسامة هادئة: "يلا ندخل عشان تستحموا. زمانكم تعبتوا من كتر اللعب."
وليد وأياد برفض في وقت واحد: "بس إحنا مش تعبنا لسه."
"بس أنا تعبت وعايزة أرتاح."
"خلاص إحنا هندخل بس بشرط." وغمز إلى شقيقه أياد.
رأت غمزة العين فابتسمت قائلة: "اتفقته على إيه من ورايا؟"
وليد بخجل: "شوفتك بترقصي."
قاطع أياد كلامه: "هو قال رقصك أحلى وأنا بقوله رقص سنوايت أحلى."
وليد بابتسامة خجولة: "بترقصي أحلى منها. ممكن توريه."
قرصت أذن وليد بخفة وقالت بضحك: "عيب تبص على حد."
همس بخفوت: "مانا خبطت وأنتي مش حسيتي."
همست هي الأخرى: "إذا كان كده أنت مش غلطان. أنا لما برقص بنسى الدنيا واللي فيها. بطلع كل خنقتي وضيقي."
وليد بلهجة طفولية: "خليه يشوف إن رقصك أحلى."
هزت رأسها بصمت ثم قالت بمرح: "رقصي أحلى بكتير من رقص سنووايت."
بقدمين حافيتين لمست الأرض بخفة. رقصت وبعد لحظات اندمجت بروحها وكامل حواسها.
عند ذلك الوقت توقفت سيارته أمام بوابة الفيلا. لفت انتباهه صوتهم المرح. تصلب في مكانه عندما رآها من على بعد.
أقترب منها كالمغيب حتى أصبح على عدة خطوات منها. كان حركاتها الراقصة رائعة، خفيفة، مبدعة، مثيرة. كان الفرح يشع من عينيها. كانت تدور بسرعة هائلة فتحولت إلى فراشة مرحة مثيرة. شخصيتها نابضة بالحب.
أنتفض في مكانه فلأول مرة يرى السعادة في عينيها.
لم تنتبه لوجوده، فكانت في عالمها الخاص. شعر بقلبه يصحو من سباته، ينتفض بعنف. رآها زنبقة تتمايل بقدها، ترقص حافية القدمين. كالمنوم مغناطيسيا وبدون إرادة منه خطى باتجاهها، يريد الارتواء من رحيقها.
تملكها إحساس غير مريح. شيء أخبرها بوجود عيون أخرى تتلصص. نظرات غير مرغوبة.
توقفت عن الرقص. تسمرت مكانها عندما رأته أمامها مباشرة. شاهدها بأكثر من شكل والآن هي ريشة تلهو بها الأمواج الهادرة.
حاول الوصول إليها، لكن الأمواج الغاضبة المنبعثة من داخل عينيها منعته.
قالت بانفعال: "إيه اللي جابك دلوقتي؟"
رد عليها بهدوء ظاهري لا يعكس مابداخله من أشواق متقدة: "كنت جاي أشوف الولاد قبل ما أسافر."
وليد بفضول: "هتركب طيارة؟"
"أيوه هركب طيارة."
"طيارة بتطير في الهوا؟"
"أيوه يا وليد طيارة حقيقية."
وليد مكررًا كلامه: "حقيقية حقيقية."
ابتسم أكنان بهدوء: "أيوه يا وليد."
وليد وأياد في وقت واحد: "خدنا معاك. نفسنا نركب طيارة."
رد عليهم بلهجة ثابتة: "المرة الجاية."
وليد برجاء: "خليها المرة دي."
رد عليهم بلهجة حازمة: "قلت المرة الجاية يبقى المرة الجاية."
ثم احتضنهم وقال برقة: "هتوحشوني."
أخوّين الصغيرين في نفس واحد: "وأنت كمان."
نظرت زهرة إلى أطفالها وقالت بابتسامة: "يلا عشان نستحمى ونغير هدومنا اللي اتوسخت."
ثم أنحنت وحملت صغار ما شا. تحركت وتحرك كلا الصغيرين معها.
نادى أكنان قائلاً: "خلي بالك من نفسك ومن الولاد."
أولتها ظهرها ولم تكلف نفسها عناء الرد عليه.
أرتسمت على وجهها ملامح عابسة ثم زمت شفتيها بضيق داعية أن تتحمل رؤيتها دون أن ينقبض قلبها.
أختفت ابتسامته الهادئة وهي تمشي مبتعدة عنه.
أنهار تماسكه، محدثًا نفسه بحزن: إلى متى؟ إلى متى سيتطيع التحمل.
تعلق بصر ناصر على حجرة الأشعة، منتظرًا خروج الطبيب بالأشعة الجديدة. انفتح الباب وخرج الطبيب. لم ينتظر قدوم الطبيب إليه، فتحرك مسرعًا باتجاهه.
هتف ناصر بانفعال: "طمني يادكتور."
قال الطبيب بلهجة مطمئنة: "خير إن شاء الله."
سأل ناصر بإصرار: "أنت بتقول خير. هيفوق إمتى؟ قول لي هو هيفوق إمتى؟"
قال الطبيب بهدوء: "الأمل كبير إن شاء الله."
ناصر بلهجة مترجية: "طمني يادكتور. مادام الأمل كبير ليه هو لحد النهاردة في الغيبوبة؟ هو في حاجة وأنت مخبيها عني؟"
هز الطبيب رأسه نافيًا: "مفيش حاجة. والأشعة اللي في إيدي بتقول إنه بيتحسن والورم حجمه قل عن الأول. الموضوع محتاج وقت وأصبر لحد مايفوق."
ناصر بلهجة منفعلة: "هيفوق إمتى؟ أعرف ابني هيفوق إمتى؟"
حاول الطبيب التهدئة من روعه فقال: "ابنك مش أول حالة تقابلنا. في أكتر من حالة كانت نفس نظام ابنك ومع العلاج فاقت من غيبوبتها."
كرر ناصر سؤاله: "إمتى هيفوق؟"
رد الطبيب: "معرفش إمتى."
صمت للحظات ثم قال: "خلاص اعمله العملية."
الطبيب بلهجة عملية: "العملية خطر عليه. إحنا منتظرين نشوف هيفوق ولا لأ من غيبوبته. والعملية هتكون آخر حل قدامنا لو استمر في غيبوبته كتير. أنت قدامك حلين يا الصبر يا المخاطرة. والكلمة الأخيرة راجعة ليك."
تقلصت ملامح وجهه بالألم ثم قال: "أنا قدام حلين أصعب من بعض."
قال الطبيب بهدوء: "هقول كلامي تاني. خلي العملية آخر حاجة. وهقولك حاجة كمان. الكلام اللي هقوله ليك. الدراسات اللي فيه مش مؤكدة."
سأل ناصر بحيرة: "كلام إيه؟"
"العامل النفسي ممكن يكون له دور إنه يفوق من غيبوبته بجانب العلاج. اقعد معاه كلمه في أي حاجة. الأشخاص المقربين ليه يقعدوا ويتكلموا معاه. الشخص اللي في غيبوبة بالرغم إنه مش بيحس ولا بيشعر بأي مؤثر خارجي، بس في بعض الحالات ممكن الأشخاص دول الكلام ده يوصل لعقلهم ويكون سبب في شفائهم. حاول تتواصل معاه. اتكلم. ممكن يفوق. ودي نصيحة مني ليك."
ثم تركه الطبيب مغادرًا.
دخل ناصر إلى غرفة ابنه وأخذ ينظر له بحزن. فقد بهتت ملامح وجهه وهزل جسده. أرتسم على وجهه حزن هائل. فهو يرى ابنه يفقده أمام عينيه. لمعت الدموع بداخلهم وهو يتذكر ما حدث في منزله.
جذب الكرسي وأقترب به من الفراش وربت برفق على كف ابنه، قائلاً بحزن: "فوق يا قلب أبوك. فوووق ومتسبنيش لوحدي. لو سبتني والله ما أقدر أعيش يوم من غيرك. فوق عشان خاطر مراتك وحبيبتك اللي بتعشقها. هي كمان محتاجة وجودك معاها. مراتك كانت حامل وسقطت. إن شاء الله لما تفوق وهي تخف من اللي فيه هيرزقكم بأطفال كتير. مش عارف هقدر أسيبك وأروح لها إزاي. بس لازم أروح لها عشان أقف معاها وأفك السحر اللي معمول لها. عشان ترجع لك بيسان بتاعت زمان بيسان اللي بتحبك."
تسمر أكنان في مكانه، عندما سمع ما قاله ناصر. التفت خلفه عندما أصوات تقترب منه.
أكنان بصدمة: "الكلام اللي سمعته ده حقيقي؟ طب إزاي والكلام ده بجد وحقيقي؟ وبيسان اللي فيها بسبب سحر معمول لها."
هز رأسه رافضًا ما سمع: "مستحيل."
تطلع إليه ناصر بنظرة متألمة: "تعالى نتكلم برا أحسن."
في خارج الغرفة، أحتد فيه أكنان قائلاً: "سحر. هو الكلام ده بجد؟"
تردد قليلاً ثم أجابه: "أيوه. في للأسف. اللي مرت بيه بيسان ملهوش إجابة غير كده. بيسان اتغيرت تمامًا. وبعد ما كانت بتحبه. بقت تكره تشوف وشه وتسمع صوته. سابته لوحده مريض وهو في أشد احتياج ليها. فضلت أسأل نفسي السؤال ده كتير. ليه نظرات الخوف والكره اللي كانت بتبص له؟ ليه كتير اتكررت في دماغي. لحد ما عرفت السبب النهاردة. بسبب السحر اللي اتعمل لها."
أصابه الذهول من كلامه. صمت للحظات مفكرًا. فهو سأل نفسه نفس السؤال. عن سبب تحول بيسان. فكر في كثير من الإجابات ولكن لم يخطر على باله هذا أبدًا. أيعقل أن يكون هذا السبب في تغير ومرض أخته.
صرخ فيه قائلاً: "مين اللي عمل فيها كده؟"
غمغم بألم: "دلوقتي متفرقش مين اللي عمل فيها كده. المهم إنها تخف ده الأهم بالنسبة لينا."
رفض أكنان قائلاً بإصرار: "قولي مين اللي عمل فيها كده."
عرف ناصر جيدًا أنه لن يترك سؤاله دون إجابة. تنهد بحزن: "أمه وسعدة الشغالة عندنا هما اللي عملوا لها سحر عشان تفرق بينها وبين جوزها."
انتفض أكنان من هول ما سمع. صرخ في وجهه مستنكرًا: "أمه؟ ليه؟ ليه؟"
لمعت عينيه بالدموع وهمس بصوت مسموع: "غيرة. الغيرة عمت قلبها وخلتها تمشي في طريق الكفر."
ضرب أكنان كفيه ببعض. هتف بغضب: "ياااه تدمر حياة اتنين عشان الغيرة. وأشار بيديه بتهديد. أنا مش هسكت على اللي حصل وحق أختي وهخده منكم كلكم. أختي كانت أمانة عندكم وأنتم معرفتوش تحافظوا على الأمانة."
تطلع إليه ناصر بنظرة حزينة: "حقك تعمل اللي أنت عايزه. بس خلينا دلوقتي في بيسان. أنا هسافر معاك. أشوف لها شيخ معروف في فك الأسحار."
نظر إليه بغضب: "مش عايزك تيجي معايا. كفاية اللي حصل بسببكم. أنا هتصرف وهشوف لها أحسن واحد."
ثم تركه بخطى غاضبة.
بينما يتحدث في الهاتف، جلست بجواره تتأمله. أنهى كريم الاتصال ولكنها كانت شاردة وهي تتأمله.
قال لها بابتسامة: "الجميل سرحان في إيه؟"
نظرت له بحب: "سرحانة فيك. مش مصدقة السعادة اللي أنا فيها."
ربت على كتفها وقال بلهجة مداعبة: "طبعًا لازم تسرحي فيه. هو أنا في زيي."
ضحكت بخفة على كلامه.
"هعمل لك أي حاجة يا ضحى عشان أخليكي سعيدة ديما."
قبلته برقة على خده: "بحبك."
همس بابتسامة: "مش أكتر مني."
حضنها برقة. الرقة تحولت بينهم إلى عاطفة مشتعلة، جرفتهم إلى عالم مميز خاص بهم.
رن هاتفه، فتمتم بعبوس: "هو التليفون ده مش هيوقف رن."
بمجرد فتح الهاتف، سمع صوت أكنان المنفعل.
كريم بلهجة قلقة: "في إيه يا أكنان؟"
بدأ أكنان في سرد ما حدث.
كريم بعدم تصديق: "معقولة؟"
أكنان بلهجة غاضبة: "وأنا كمان مش مصدق اللي حصل. ملقتش غيرك أكلمه. أول ما أنزل من الطيارة، هشوف شيخ معروف في المواضيع دي، وهطلع بيه على المستشفى على طول."
ثم أغلق هاتفه.
هتف كريم لكي لا يغلق المكالمة. ارتسم الذهول على وجهه.
سألته ضحى في لهفة: "مالك يا كريم؟"
برقت عيناه وقال: "كلام أكنان مش قادر أصدقه."
أستحثته قائلة: "كلام إيه؟"
"إن السبب مرض بيسان وكرهها لزاهر إن حماتها عملت لها سحر عشان تفرقهم. بيسان كانت بتحب زاهر أوي ومرة واحدة اتغيرت."
"أنت قلت إنها بتحبه."
"دي كانت بتعشقه وكله على يدي. دي عملت كل حاجة عشان يعترف لها بحبه. وفي أقل من أسبوعين جواز. الحب ده اتحول لكره ملهوش مبرر. وسابته وهو في غيبوبة."
تطلعت إليه للحظات ثم قالت: "بتحصل يا كريم والموضوع ده انتشر أوي الفترة دي. في ناس بتلجأ للدجالين عشان مصالحهم. في شيخ بابا يعرفه. قولي موافق آخد نمرته منه يروح يشوفها."
هز رأسه مفكرًا: "مش عارف. لحد دلوقتي مش قادر أقتنع بالكلام اللي بيقوله."
قالت ضحى بهدوء: "جرب مش هتخسر حاجة. الشيخ كل علاجه بالقرآن يعني مفيش ضرر. الشيخ ده كويس أوي ومعروف إنه شاطر في الرقية الشرعية وبيعرف يفك السحر. على فكرة السحر موجود بس إحنا اللي عاملين نفسنا مش شايفين ومش عايزين نقتنع بوجوده. والسحرة السحرة اللي بجد دول مش كتير. بس وجودهم واقع وبيمارسوا السحر."
قال كريم: "هاتي من والدك عنوانه بسرعة وأنا هتصل بـ أكنان وأقوله إني هجيب واحد معايا يشوفها."
انصرف كريم منطلقًا إلى العنوان الذي أخذه من ضحى.
في غرفتها وبجوار فراشها، أخذ يتلو الشيخ آيات من سورة مريم ثم سورة الرحمن. أخذ جسدها ينتفض بعنف وهي نائمة، تحت نظرات الجميع. لا يستطيعون تصديق أعينهم.
استمر الشيخ في تلاوته وجسدها لا يتوقف عن الارتعاش.
همس كريم بصدمة: "لآخر لحظة مكنتش مصدق."
هزت جيلان رأسها مرعوبة، فعندما قال أكنان لها سبب مرض بيسان، قالت عليه مجنون.
عندما انتهى الشيخ قال بهدوء للجميع: "هي معمول لها أكتر من عمل ومن ضمنهم عمل شربته أو أكلته. أنا دلوقتي رقيتها وحصنتها. ولما تخف وتخرج من المستشفى محتاجة جلسة كمان عشان العمل اللي شربته. أنا دلوقتي مينفعش لما تخف."
وقام الشيخ بإعطائهم عدة تعليمات ثم انصرف مغادرًا.
وبعد أن اطمأنوا عليها، تركوها نائمة في سبات عميق. فهي لم تكن واعية لما يحدث لها.
في غيبوبته، وجد نفسه في مكان غريب. سأل نفسه: أين أنا؟
صمت مطبق يحيط به. فراغ تام. إلا من نور خافت آخر الممر. وجد نفسه مدفوعًا بالتحرك تجاه هذا الضوء.
سمع صوتها مناديًا: "زااااهر."
هرول مسرعًا تجاه الصوت. وفجأة اختفى الصوت ووجد نفسه موجودًا في لا مكان.
في غرفتها، انتفضت جيلان في مقعدها، عندما سمعت صوت بيسان مناديًا باسمه: "زااااهر."
أقتربت منها مسرعة فوجدتها ما زالت نائمة.
قادته قدماه إلى الفيلا، وجد نفسه متوقفًا بالسيارة أمام الفيلا. دلف إلى الداخل. استغرب من رؤية الباب مفتوحًا على مصراعيه. انقبض قلبه. وإحساسه بوجود شيء غير مريح في الأجواء.
سمع تمتمات خافتة صادرة من المطبخ. اتسعت عينيه بذهول، وهو يرى الخادمة، مقيدة ومكممة الفاه.
نزع الكمامة بسرعة وبمجرد نزعها هتفت صارخة بأعلى صوتها.
رواية زهرة لكن دميمة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سلمى محمد
قادته قدماه إلى الفيلا، وجد نفسه متوقفًا بالسيارة أمام البوابة. دلف إلى الداخل، استغرب من رؤية الباب مفتوحًا على مصراعيه. انقبض قلبه، وأحس بوجود شيء غير مريح في الأجواء. سمع تمتمات خافتة صادرة من المطبخ. اتسعت عيناه بذهول وهو يرى الخادمة مقيدة ومكممة الفم.
نزع الكمامة بسرعة، وبمجرد نزعها هتفت صارخة بأعلى صوتها:
"المدام والولاد اتخطفوا!"
ارتسم الذعر على وجه أكنان، ثم أمسك يد الخادمة وقال بانفعال:
"مين؟"
هزت الخادمة رأسها في صمت. تمتمت بفزع:
"معرفش."
خرج أكنان من الغرفة كالمجنون، وحدّث نفسه كيف حدث هذا. خرج إلى الحديقة، وجد كلاب الحراسة ملقاة على الأرض. اتجه مسرعًا إلى غرفة الحرس، رأى الحارسين مقيدين ومكممين هما أيضًا. نزع الكمامة والقيد عن أحد الحراس.
نفخ أكنان في وجهه بقوة وسأله بصياح:
"إزاي ده يحصل وأنتم موجودين؟"
حليم بلع ريقه بصعوبة وقال بخوف:
"اتاخدنا على خوانه."
مسح أكنان وجه بعنف:
"احكيلي اللي حصل."
بدأ حليم في الارتجاف:
"كنا قاعدين عادي... فجأة سمعنا أصوات برا.... خرجت من الأوضة... شوفت الكلبين مرميين على الأرض ولسه هتحرك لقيت اللي بيضربني على راسي من ورا.... ملحقتش أشوف مين اللي عمل كده... ولما فوقت لقيت نفسي أنا ورامي متكتفين."
بدون مقدمات، رفع كف يده وأنزلها بقوة على وجهه وقال بصوت هادر:
"أغبياء! وجودكم زي قلته. معرفتوش تقوموا بشغلكم."
أنف حليم نزف من شدة الضربة، وبلهجة مرتجفة:
"أنا بقالي سنين شغال عند حضرتك ولا مرة غلطت."
رفع أكنان كف يده وضربه أقوى من الأول على خده:
"غبي! غلطة غلطت عمرك. اللي اتخطفوا مراتي وولادي. أنا حطيت ثقتي فيك وأنت مكنتش قد الثقة."
هتف في وجهه بغضب:
"تستاهل اللي هعمله فيك لو أي حد فيهم اتخدش بس."
قام بإخراج هاتفه واتصل ببعض رجاله. وفي أقل من نصف ساعة كانت الغرفة مكتظة بالحراس. أشار أكنان بيده لرجال الحراسة، فأسرعا بإمساك حليم ورامي الذي ما زال مكممًا ومقيدًا. بدأ حليم في الانتفاض في وقفته، والدم غطى أنفه وفمه. حاول تقبيل يديه وقال بتوسل:
"سامحني يا أكنان بيه."
الخوف كاد يقتله، فهو يعرف مدى قسوته وشراسته مع أعدائه. قال أكنان بقسوة:
"حطوهم في أي مكان تبعي."
جذبه الحراس حليم ورامي خارج الغرفة. صاح حليم طالبًا العفو والمغفرة:
"اديني فرصة وأنا هصلح غلطتي."
أولاه أكنان ظهره وقال لأحد الرجال:
"عايز تسجيلات الكاميرات دلوقتي."
بعد تفريغ الكاميرات، لم يستدل على شيء، فالخاطفون كانوا ملثمين. ضرب بعنف على الحائط، محدثًا نفسه:
"مين اللي ممكن يعمل كده؟"
ثم صاح في الرجل الواقف أمامه:
"اتصرف. اتصرفوا كلكم."
***
فتحت زهرة عينيها ببطء، وبسرعة جلست في مكانها مفزوعة. وجدت نفسها وحيدة في غرفة مغلقة. تذكرت ما حدث. نظرت حولها فلم تجد أطفالها. وبسرعة جرت نحو الباب وأخذت تخبط عليه وتصيح بكل ما أوتيت من قوة:
"فين ولادي؟ أنا عايزة ولادي."
أخذت تصيح وتدفع الباب لفترة غير معلومة من الوقت، حتى تعبت وجلست على الأرض تبكي بشدة. تأملت المكان حولها بعيون باكية، وتتفحص عينيها كل ما تقع عليه للبحث عن مخرج من هذه الغرفة. اقتربت من النافذة، وجدت أكثر من كلب للحراسة، ورجل جالس بجواره سيدة، كلاهما معطيين ظهرهما لها فلم ترَ ملامحهما، ولكن سمعت أصواتهما الضاحكة.
هتفت صارخة:
"فين ولادي؟ هاتولي ولادي."
لم تكف عن النداء والصراخ. أشار شهاب إلى أحد الحراس قائلاً بحدة:
"غطي الشباك ده بأي زفت. ودخلوا العفاريت ولادها عندها. صوتهم وصراخهم جابلي صداع."
دينا بنبرة أنثوية مثيرة:
"ناوي تتصل بيه إمتى؟"
رد عليها بابتسامة ماكرة:
"حالا هبعتله فيديو ليهم. وهطلب منه الفدية مقابل حياتهم."
ضحك بتشفي:
"أخيرًا لقيت نقطة ضعف ليه وهعرف أنتقم منه على الملايين اللي خلاني أخسرها بعد ما فاز بالصفقة. ده أنا قربت أعلن أفلاسي. فكرتك يا حبي جت في الوقت المناسب. ومن فلوس الفدية اللي هاخدها منه مش هتخليني أعلن أفلاسي وأرجع زي الأول."
قالت بابتسامة باردة:
"طب هي والولاد هتعمل فيهم إيه؟ هترجعهم ليه ولا إيه؟"
نفث الدخان من فمه، ونظر إليه وهو يتصاعد في الهواء ويتبدد من حوله ثم قال:
"مين دول اللي هرجعهم؟ أنا هاخد الفلوس من هنا وهخلص عليهم ولا من شاف ولا من دري."
سألت باضطراب:
"هتموتهم يعني؟"
نظر لها باستغراب:
"هو ده سؤال يا دينا؟ طبعًا هخلص عليهم. دول دليل إدانتنا احنا الاتنين. مش هيعرف مين اللي خاطفهم أبدًا."
ردت بلهجة متوترة:
"إدانة مين؟ أنا اقترحت عليك إزاي ترجع فلوسك لما ظهر ليه زوجة وولاد من العدم."
قال بسخرية:
"إنتي خايفة ولا إيه؟"
"لا مش خايفة وهخاف ليه؟"
"هتيجي معايا واحنا بنسجل ليها."
"آه طبعًا هجي معاك."
***
وجد زاهر نفسه في نفس المكان من لا فراغ. سمع صوتها مناديا إياه باستغاثة:
"زاااهر زاااااهر...."
أخذ يركض وأنفاسه تتسارع. شعر بعظامه تؤلمه بشدة. مجرد صوت ونداء. أخذ يلتفت حوله وقال بصراخ:
"بيساااان...."
تسلل إلى سمعه صوت طنين هادر، وظهرت أمامه العديد من الصور، أخذت تدور حوله محدثة أزيز مزعج. حاول الهرب، صرخ بألم، لكن صوت صراخه ضاع في الفراغ. ثم أطلق صرخته الأخيرة، وكانت هذه المرة من حلقه.
انتفض ناصر في مكانه على صوت ابنه. اقترب منه مسرعًا، وقال غير مصدق نفسه:
"زاهر! الحمد ليك يا رب."
فتح عينيه ببطء، رأى والده أمامه. سأل بصوت واهن:
"أنا فين؟"
انتفض قلبه من السعادة وهو يرى استيقاظ ابنه. أجابه بابتسامة:
"إنت في المستشفى."
تذكر خلال لحظات ما حدث قبل أن يهوي من على الدرج. تقلصت ملامح وجه من الألم وارتعش جانب أنفه. قال بلهجة قلقة:
"أنا هروح أنادي على الدكتور يشوفك."
سأل بخفوت:
"أنا كويس."
سكت لثوانٍ ثم قال:
"بيسان فين؟"
تملل ناصر في وقته ورد عليه بلهجة مرتبكة:
"بيسان... بيسان هي البيت وكويسة."
بدأ الخدر يزول من أطرافه تمامًا وأصبح واعيًا لما يدور حوله. لاحظ توتر والده. ومضت داخل عقله مشاهد من بعض أحلامه، واستغاثة بيسان له. سأل بإصرار:
"في إيه؟ بيسان كويسة."
قال بلهجة متوترة:
"أيوه كويسة."
قاطعه قائلًا:
"قولي إيه اللي مخبيه عني."
يرد عليه بلهجة مراوغة:
"أنا هروح أنادي الدكتور يطمن عليك الأول."
"قولتلك أنا كويس. ريحيني وقولي في إيه."
"مش وقته الكلام. لما الدكتور يطمني على حالتك. نبقى نتكلم. أنا هروح أنادي على الدكتور."
ثم أولى ظهره واتجه ناحية الباب. لم يلتفت لنداء ابنه ثم خرج وأغلق الباب خلفه. شعر زاهر بحدوث مكروه ما، قلبه يخبره بذلك. حاول النهوض، رفع رأسه بعناد فعجز. انهار على الوسادة. لمعت عيناه بالدموع لإحساسه بالضعف.
***
أشرق وجهها عندما رأته. وعندما اقترب منها، شعرت أنه شاحب، فقالت بقلق:
"مالك؟"
رد عليها بابتسامة باهتة:
"مفيش حاجة."
"بيسان كويسة."
"آه بقيت أحسن من الأول وقربت تخرج من المستشفى."
"أومال مالك؟ حاسة إن في حاجة مضيقاك."
هز رأسه نفيًا ثم قال:
"مفيش حاجة يا ضحى. إيه رأيك نخرج دلوقتي."
نظرت له برقة:
"دلوقتي؟"
أجابها بابتسامة محببة:
"إيه دلوقتي؟ تحبي تروحي فين؟ أنتي كل اللي عليكي تختاري المكان بس."
تصنعت التفكير ثم قالت بابتسامة:
"نفس المكان اللي رحناه وإحنا مخطوبين."
"غيري هدومك ويلا بينا."
فهو أراد الخروج معها إلى أي مكان لكي ينسى المشاكل التي لم تتوقف بمجرد زواجه. وبعد فترة قصيرة كان كلاهما في السيارة. أدار السيارة وانطلق بها باتجاه البحر. وطوال الطريق كان يمسك يدها ويقبلها برقة، وهي كانت تنظر له بعشق. فمنذ عدة أشهر كان بالنسبة لها مجرد حلم بعيد المنال، إعجاب ليس من حقها، غير مسموح لها بالبوح به. ودون أن تدري الإعجاب تحول إلى حب، والآن أصبح حبيبها زوجها. ارتسمت على وجهها سعادة بالغة ولمعت عيناها بلون الحب.
سأل برقة:
"ممكن أعرف سبب ابتسامتك؟"
قالت بحياء:
"أنت... أنت وبس."
ملأت الابتسامة وجهه:
"وديمًا هكون السبب في ضحكتك."
نظرت إليه ونظرت طويلًا في عينيه وقالت:
"بحبك."
أشرق وجهه عن ابتسامة واسعة وقال بسعادة:
"كل مرة تقوليهالي كأن أول مرة أسمعها."
وهما على الشاطئ، قال بابتسامة:
"مكنتش متخيل إنك بتحبي البحر لدرجة دي."
أجابته بابتسامة حالمة:
"البحر عشق. بحبه أوي."
"مين أكتر؟"
"أنت طبعًا."
ضمه إليه بحب وقال لها الكثير من الكلمات والهمسات العاشقة.
***
باب الغرفة فتح على مهل. قفز قلبها في مكانه وضمت طفليها بقوة وشددت من الضغط عليهم. انتفضت كسمكة خرجت لتوها من الماء. اندفعت زهرة بالحديث وقد سبقتها دموعها:
"انتوا عايزين منا إيه؟"
أخذ نفس من سيجارته وقال بلامبالاة:
"أنا مش عايز منك حاجة. أنا عايز من جوزك. فأنتِ كده زي الشاطرة. هتتكلمي قصاد الكاميرا دي."
ثم أشار للحارس الممسك بالكاميرا بالاقتراب:
"وهتقولي الكلام اللي هقوله ليكي من غير زيادة ولا نقصان."
بمجرد ما رأتها شعرت بغيرة تكاد تمزقها. تقدمت نحوها وقالت لها بحدة:
"أنت بقا مراته."
ثم رفعت يديها ولطمتها بعنف على وجهها. طفرت الدموع من عينيها من شدة الضربة. نظرت لها زهرة بذهول من كمية الكره المنبعث تجاهها، فهي أول مرة تراها. نهض الصغيران في محاولة للدفاع عنها، لكنها شددت من احتضانهما أكثر تمنعهم من النهوض حتى لا ينالهم الأذى.
همست بهدوء:
"نفذوا كلامي. اللي قولته ليكم. مفيش حد يتحرك من جنبي. هااا لو بتحبوني اسمعوا كلامي. أنا كويسة."
سكت الصغيران تحت نظراتها وصوتها الهادئ. شهاب بخشونة:
"جاهزة للتسجيل ولا هتتعبينا معاكي؟"
هزت رأسها وقال بهدوء مفتعل:
"اللي تقولوه عليه هنفذه. بس ابعدوا عن ولادي."
قال شهاب:
"بس قبل التسجيل هتكلمي جوزك. هتقوليلو الكلمتين دول."
ثم أعطاها ورقة:
"ومتحاوليش تقولي أي حاجة تانية. رقبة ولادك تحت إيدي. مفهوم كلامي؟"
هزت رأسها بخوف:
"مفهوم."
أعطى شهاب الهاتف إلى زهرة عندما انفتح الخط. اندفعت زهرة بالحديث وهي تبكي:
"أنا زهرة."
انتفض أكنان في مكانه وقال بسرعة:
"أنتي فين؟"
زهرة ببكاء:
"أنا مخطوفة يا أكنان. معرفش أنا فين."
أشار لها شهاب مهددًا لكي تلتزم بالكلام.
أكنان بانفعال:
"مين اللي خطفك؟"
صرخت بخوف:
"معرفش... معرفش... أنا مخطوفة والعصابة طالبين فدية. اسمع كلامهم في كل اللي يطلبوه."
كانت الدموع تنساب على وجنتيها وهي تتكلم.
قال بلهجة رقيقة عكس ما بداخلة من بركان ثائر:
"أهدي يا زهرة. أنا هعملهم كل اللي هما عايزينه. لو اضطريت أبيع فيها كل اللي أملكه. المهم أنتم عندي. أنتم أهم حاجة في حياتي. عشان خاطركم أنتم وبس مستعد أضحي حتى بعمري. وميجراش ليكم حاجة. اطمنّي وأوعي تخافي وخليكي زهرة القوية اللي أعرفه. هاتي أي كلمة من العصابة."
تمتمت بخفوت:
"عايز يكلم حد فيكم."
أشار شهاب إلى أحد الرجال بأخذ الهاتف.
بمجرد سماعه صوت الخاطف، هتف فيه بغضب:
"محدش يقرب منهم وكل اللي أنتم عايزينه هنفذه. بس اطمن عليهم الأول."
"إحنا هبعتلك فيديو ليهم. وهما بنفسهم هيقولوا إنهم كويسين. هتسمع كلامنا. هتسلم مراتك وولادك حتى واحدة. هتلعب علينا ومش هتدينا فلوس الفدية. هتستلم كل يوم حتة منهم."
هتف أكنان باضطراب:
"هسمع بشرط محدش يقرب منهم."
قال بلهجة غليظة:
"تسليم الفدية بكرة."
رد عليه أكنان بلهجة متوترة:
"المبلغ اللي طالبينه صعب أوفرة بكرة. خلي ميعاد التسليم كمان تلات أيام. أكون قدرت أوفر المبلغ."
أشار شهاب إلى رجله بالموافقة.
"خلاص اتفقنا. التسليم هيكون كمان تلات أيام. وكلها دقايق ونبعتلك فيديو ليهم. عشان تعرف إننا بنعاملهم معاملة الملوك."
ثم أغلق الهاتف.
أكنان بصياح:
"حالا أعرف المكالمة دي جاية منين."
بعد مضي فترة من الوقت، أكنان كان في قمة توتره. بمجرد دخول همام، هتف بانفعال:
"عرفت المكالمة جاية منين؟"
رد همام بنفي:
"لأ معرفناش. المكالمة مموهة عن طريق الأقمار الصناعية."
أكنان بغضب هائل:
"إزاي معرفتوش المكان؟"
أجاب همام بارتباك:
"مستحيل نعرف طريقها. للأسف يا أكنان بيه."
رن هاتف أكنان، معلنًا وصول رسالة له. فتح الرسالة وجلس. بسرعة التفت أكنان بمقعده بحدة، ونظر إلى التسجيل بتركيز، وقد علت ملامح التفكير العميق على وجهه، وهو يعيد التسجيل مرارًا وتكرارًا، تارة ينظر إلى الفراغ وتارة إلى الفيديو. وعندما انتهى الفيديو، وقف منتفضًا في مكانه وأخذ يضرب بكلتا يديه بعنف على سطح المكتب، وأخذ يصيح بغضب هادر.
رواية زهرة لكن دميمة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سلمى محمد
أكنان كان في قمة توتره. بمجرد دخول همام، هتف بانفعال:
"عرفت المكالمة جايه منين."
رد همام بنفي:
"لأ معرفناش. المكالمة مموهة عن طريق الأقمار الصناعية."
أكنان بغضب هائل:
"أزاي معرفتوش المكان؟"
أجاب همام بارتباك:
"مستحيل نعرف طريقها. للأسف ياأكنان بيه."
رن هاتف أكنان معلنا وصول رسالة له. فتح الرسالة وجلس. بسرعة التفت أكنان بمقعده بحدة ونظر لتسجيل بتركيز، وقد علت ملامح التفكير العميق على وجهه وهو يعيد التسجيل مرارا وتكرارا. تارة ينظر إلى الفراغ وتارة إلى الفيديو. وعندما انتهى الفيديو، وقف منتفضا في مكانه وأخذ يضرب بكلتا يديه بعنف على سطح المكتب وأخذ يصيح بغضب هادر:
"عايز دينا عندي بأي طريقة."
أرتعب الكل وقال أحدهم:
"حاضر ياأكنان بيه."
بمجرد خروجهم، قام بالاتصال بكريم. استيقظ كريم من نومه على رنين الهاتف. نظر إلى الشاشة فوجد المتصل أكنان. حدث نفسه: "خير، ماهي المصايب مش بتوقف."
قال كريم باستفسار:
"خير ياأكنان."
رد عليه بلهجة منفعلة:
"مفيش خير خالص ياكريم. الواطي شهاب خطف مراتي والولاد."
تلاشى النوم من عينيه ونهض على الفراش جالسا. استيقظت ضحى هي الأخرى. نظرت له بقلق ثم سألته مستفهمة:
"فيه إيه ياكريم؟"
أشار لها بيديه ثم أكمل كلامه:
"أزاي حصل وأمتى؟"
"بعدين ياكريم، عايزك تجيلي الفيلا دلوقتي وتتصل بكل معارفك في الداخلية، عشان لما نروح المكان اللي خاطفهم فيه نكون متجهزين من كله."
"مسافة السكة وهكون عندك."
سألت ضحى بقلق:
"ماتقولي حصل إيه؟ طمنيني ياكريم."
كريم بملامح عابسة:
"مرات أكنان وولاده اتخطفو، والخاطف منافس لأكنان."
شعرت ضحى بقدميها لا تستطيع حملها فجلست على الفراش وقالت بانهيار:
"زهرة وولادها اتخطفو. آه يازهرة مش مكتوب لك تفرحي في حياتك."
لم يستوعب كلامها فقال مستفسرا:
"زهرة اللي هي مين بالظبط؟"
تنهدت بألم وقالت بشرود:
"زهرة مرات أكنان."
جلس بالقرب منها وسأل:
"ثواني كده ياضحى أنا مش فاهم ولا كلمة من اللي بتقوليه. خلي كلامك أوضح."
قالت برجاء وهي تفرك أصابع يديها بشدة:
"أوعدني ياكريم إنكم ترجعو زهرة هي والولاد. أوعدني." انسابت دموعها وهي تتوسله.
مرر أصابعه في شعرها وقال:
"أوعدك ياضحى. أوعدك إنها ترجع هي والولاد. قوليلي إيه الحكاية بالظبط."
بلهجة خافتة متألمة:
"هقولك ياكريم." وبدأت تحكي حكاية زهرة مع أكنان حتى وقتنا الحالي.
هتف بصدمة:
"ياااه كل ده حصل ليها. دي تعبت أوي في حياتها وأزاي أكنان يعمل فيها كده."
ردت بلهجة كئيبة:
"خلاص من مش وقته الكلام ده. المهم دلوقتي إنك تساعده ومش يجرالها حاجة. زهرة أكتر من أخت ليا ووافقت معايا كتير." دموعها انسالت بغزارة على وجنتيه.
مسح بأصابع يديه دموعها وقال برقة:
"دموعك غالية عليكي ياغالية. أوعدك زهرة والولاد يكونوا في بيتهم النهاردة."
ابتسمت من بين دموعها:
"بجد هترجع النهاردة."
قبلها على وجنتيه:
"طبعا. همشي وأسيبك دلوقتي."
"متنساش تطمنيني ياكريم."
"أول ما أرجع، هتصل بيكي علطول."
في الفيلا عند أكنان، كانت دينا مقيدة القدمين واليدين على الكرسي وأمامها أكنان وكريم.
أكنان بغضب هادر:
"هتقولي العنوان اللي مخبين فيه مراتي وولادي ولا أسيب رجالتى يقوموا معاكي بالواجب."
كانت تلهث من الخوف:
"أنا معرفش حاجة. أنا أصلا معرفش إنك متجوز."
قال بضحكة شريرة:
"بلاش لف ودوران يادنيا. قولى المكان اللي خاطفينهم فيه بالذوق. لحد اللحظة دي وبالي طويل معاكي ومستعلمتش العنف."
بدأت دينا في البكاء:
"معرفش. معرفش."
لاحت ابتسامة قاسية على وجهه ثم قال:
"تعرفي مكانهم فين." وقام بوضع شاشة الهاتف وعمل زوم على نقطة معينة وأشار بيديه.
"مش ده بردو الخاتم اللي كنت مديهولك هدية؟ بيعمل إيه في الأوضة اللي خاطفين فيها مراتي وولادي؟"
نظرت بعينيها إلى إصبعها فوجدته فارغاً. تذكرت عندما ضربتها بالقلم على وجهها. الرعب ملأها خوفاً وكاد يقتلها. توسلت له:
"أناااا... أناااا مليش دعوة."
صاح فيها كريم بصوت عالي أرعبها:
"قولي العنوان." ثم أشار للحارس بأدخال الكلب.
الحارس أدخل الكلب كان أسود اللون ضخم الحجم. أرتعبت دينا من رؤيته ووجهها لمع بحبيبات العرق.
قال أكنان مكملاً:
"لو مقولتيش العنوان دلوقتي هسيب عليكي الكلب ينهش في لحمك اللي يستاهل يتقطع بسبب اللي عملتيه انتي وشهاب."
أوقف الحارس الكلب أمامها الذي نبح بصوت عالي ومخيف واللعاب أنساب من فمه.
بصوت مرتجف:
"هقول العنوان. بس أبعدوا الكلب ده من وشي."
أشار أكنان للحارس. فقام بإبعاد الكلب وصاح فيها بقوة:
"قولي."
"حاضر." ثم قامت بإعطائه العنوان وخريطة تفصيلية بالمكان وبعدد الحراس وبالمكان الموجودة فيه زهرة.
وقبل خروجهم قال للحارس:
"خلي الكلب معاها في الأوضة." وغمز لها.
وبخطوات مسرعة خرج أكنان وكريم من الغرفة. أخرج كريم هاتفه مباشرة وقام بالاتصال باللواء مدير مديرية الأمن. وعندما أغلق هاتفه، بأنفاس متوترة قال أكنان للرجال المتواجدين أمامه:
"مش عايز أي أخطاء. أحنا هنطلع ومعانا قوات من الداخلية."
أخذ أكنان نفساً عميقاً ليهدأ من خوفه وتوتره. شرد ذهنه في زهرة وأطفاله ومدى خوفهم في الوقت الراهن وهو ليس بيديه حيلة. وشعور عارم بالغضب أخذ يتأكله من الداخل لأنه لم يستطع حمايتهم.
قطع شروده صوت كريم:
"يلا ياأكنان العربيات جاهزة."
داخل غرفة زاهر في المستشفى، بمجرد إعلام صفية باستيقاظ ابنها ذهبت إليه مسرعة. شعر زاهر بوجود شيء بينهم. فكل منهما يتجنب النظر إلى الآخر لكنه لم يعلق، فكل تفكيره مع بيسان التي لم يراها حتى الأن. قلبه أخذ في الانتفاض كلما تذكر محادثتها مع كريم.
صفية بلهفة وهي تمرر يديها برقة على رأسه:
"إن شاء الله هتبقى زي الفل." ثم أردفت بحزن: "ياريتني أنا اللي كنت مكانك."
أمسك يديها وقال:
"بعد الشر عليكي ياأم زاهر. هو إحنا ليكي بركة غيرك."
ناصر أخذ ينفخ بغضب وهو واقف، متمتماً بضيق:
"ندمانة ياصفية بس بعد إيه."
مسحت صفية دمعة نزلت على خدها، لا تدري خوفاً من معرفة زاهر بما فعلته أم شعور بالذنب. وقالت وهي تحاول إخفاء دموعها:
"خارجة أجيب حاجة من برا." ونهضت من مكانها.
استوقفها زاهر قائلاً بقلق:
"بتعيطي ليه دلوقتي؟"
ردت بابتسامة متألمة:
"مبسوطة إنك فوقت."
مرت بالقرب من ناصر. همست له برجاء:
"متقوليش على اللي عملته. أنا ممكن أخسره."
قال بحدة:
"خلاص اطمنتي عليه. مش عايزة أشوفك هنا تاني."
صفية باستعطاف:
"عشان خاطر العشرة اللي بينا ياناصر."
"امشي ياصفية. على فكرة أخوها سمع كل حاجة ولو مقولتش ليه أنا هو هيقولها. ومتجيش هنا تاني وروحي لأهلك مش خلاص اطمنتي عليه."
نكست رأسها بيأس ثم خرجت من الغرفة.
أقترب ناصر من ابنه. رفع زاهر إحدى حاجبيه وسأل:
"هو فيه إيه بينكم بالظبط."
"مفيش حاجة يازاهر."
"طب لما تيجي هسألها إيه اللي بينكم."
"أمك روحت البيت."
قال مستنكراً:
"روحت؟ باين على الموضوع كبير."
رد عليه بابتسامة شاحبة:
"هتعرف كل حاجة بعدين. لما تخرج من المستشفى."
أشار زاهر إلى السرير:
"تعالى أقعد جنبي. وقولي فيه إيه بالظبط. ليه كل ما أسألك على أي حاجة تتهرب مني."
جلس ناصر بجواره وقال:
"مش بتهرب بس مش وقته."
قال بصوت يكسوه الحزن:
"طب وبيسان كل ما أسألك عليها تقولي بعدين."
"هقولك كل حاجة لما الدكتور يطمنا على صحتك."
"أنا شوفت بيسان."
"شفتها إزاي يعني؟"
قال بتردد:
"حلمت بيها وكان شكلها تعبان."
رد بقلق:
"حلمت بيها إزاي."
نظر له بشرود:
"كنت بتستنجد بيا مع أن آخر مرة سمعت منها كلام كسرني نصين. سمعتها بتقول كلام صعب أوي." لمعت عينه بالدموع عندما تذكر.
"ماتريح قلبي وتقولي هي فين؟ بيسان سبتني صح؟ بس إزاي وأنا بحلم بيها وهي بتستنجد بيا. أنا تعبت من كتر التفكير."
نظر ناصر إلى سقف الغرفة في تفويض:
"يارب."
أمسك زاهر رأسه:
"آآه."
انتفض ناصر في مكانه:
"مالك؟ أنادي لك الدكتور."
أردف بحزن:
"صداع من التفكير." ثم أمسك يد والده لتقبيلها. قال متوسلاً:
"قولي حصل إيه."
قال بلهجة مستسلمة:
"بيسان بتحبك ولو سمعت منها حاجة وحشة يبقى غصب عنها."
هتف بانفعال:
"أومال مشوفتهاش لحد دلوقتي ليه."
حاول تهدئته:
"للأسف بيسان في المستشفى عشان كده مشفتوهاش لحد دلوقتي."
ارتعش قلبه. انتفض جسده، فحبيبته مريضة. سأل بقلق:
"حصلها إيه."
نظر له بحزن فما حدث سيكون بالنسبة له صدمة قاسية في أمه وفي زوجته عندما يعلم ماحدث لها. أردف بحزن:
"الغيرة وحشة ممكن تخلي البني آدم يرتكب أي ذنب أي معصية."
قال بعدم فهم:
"تقصد إيه بكلامك."
بلع ريقه بصعوبة ونظر تجاهه بشفقة:
"أمك كانت غيرانة من بيسان، وبسبب الغيرة عملت ليها سحر عشان تفرقكم من بعض وده كان سبب بعد بيسان عنك."
لم يصدق أذنيه في بادئ الأمر. سأل برفض:
"أمي عملت سحر لبيسان."
هز ناصر رأسه في صمت ثم قال:
"أيوه."
أرتجف جسده من شدة صدمته. هز رأسه برفض ثم صاح بألم:
"آآآه."
سأل بقلق:
"زاهر."
نظر له والدموع محتبسة بداخل عينيه:
"سيبني الله يخليك دلوقتي. عايز أقعد شوية مع نفسي."
قام ناصر من مكانه على مضض بعد توسل زاهر له لكي ينصرف. بمجرد خروج والده هتف بعذاب:
"آآآه."
كانت ضحى تشعر بالتوتر في كل لحظة تمر وحتى الأن لم يتصل بها كريم ليطمئنها. سمعت رنين جرس الباب انتفضت في جلستها فهي لا تتوقع مجيء أحد. نهضت من مكانها متوترة وذهبت لكي تفتح الباب. تفاجئت بأم زوجها أمامها.
قالت ضحى مبتسمة:
"الدنيا نورت بوجودك." ومدت ذراعيها لأحتضانها. لكنها تراجعت خطوة للخلف مبتعدة.
شعرت ضحى بالإهانة وساد الصمت بينهم للحظات قاطعته قائلة بابتسامة باهتة:
"مش معقولة هنفضل واقفين على الباب."
قادتها ضحى إلى غرفة الاستقبال. لوت نيروز شفتيها بامتعاض وهي تتأمل الأثاث والستائر والصور المعلقة ثم تأملت ضحى وقالت:
"أكيد ده ذوقك. مفيش تناسق خالص."
ابتلعت إهاناتها للمرة الثانية وقالت بهدوء:
"تشربي إيه."
جلست نيروز على الكرسي ووضعت ساقا فوق أخرى قبل الرد:
"مش بشرب من أي حد مش واثقة في نضافته."
لم تظهر انزعاجها رغم أنها كانت تستعر غضباً من الداخل فقالت بابتسامة خالية من الود:
"اللي يريحك يا ماما."
زمت شفتيها بضيق:
"بلاش كلمة ماما مش بحبها."
جزت على أسنانها وسألت:
"أومال أقول لحضرتك إيه."
"نيروز. قولي نيروز وبس."
"ياترى ممكن أعرف سبب الزيارة السعيدة."
"بصي بصراحة أولاً أنا مش جايلك أنا جايه لكريم. فقولت أجي ليه هنا بنفسي."
ضحى بهدوء مفتعل:
"للأسف يانيروز كريم مش هنا."
نيروز باستفسار:
"أومال هو فين؟"
هزت رأسها نافية:
"معرفش."
قالت بحدة:
"إزاي متعرفيش؟ بلاش كدب."
جزت على أسنانها بحدة:
"معرفش. لما يجي هقوله حضرتك كنتي بتسألي عليه. بعد إذنك دقايق هعمل حاجة وجاية. اعتبري البيت بيتك." ثم انصرفت.
وبمجرد خروجها أسندت ظهرها على الباب وتنفست بعمق. وحدثت نفسها:
"يانهار أبيض وأنا هعيش معاها إزاي. ربنا يعدي الأيام الجاية على خير. أنا هغسل وشي أنسى الدش البارد اللي أخدته جوا."
وفي الداخل هبت نيروز من مكانها غاضبة، متمتمة بانفعال:
"متعرفش عليا بردو الكلام ده. بنت الـ..."
أما وراتك. انفعلت بشدة لدرجة احمر وجهها من شدة الغضب وفي خلال شعرت بنهجان. تنفست بصعوبة فأغمضت عينيها في محاولة لاستعادة هدوئها. لكنها فشلت. شعرت بانقباض في حلقها والهواء ينفذ. حاولت التحرك ناحية الباب. بمجرد دخول ضحى الغرفة، انصدمت من رؤية حماتها على هذا الشكل، فقالت بخوف:
"مالك يانيروز."
وضعت نيروز يديها على رقبتها تحاول التنفس وأشارت باتجاه الخارج وبصوت متقطع:
"مش عارفة أتنفس."
حاوطت قوات الشرطة والعربات المصفحة ورجال أكنان المكان وفي خلال لحظات اقتحمت الشرطة القصر، وتوغل الرجال بالداخل كالطوفان مستغلين عنصر المفاجأة. وتم إلقاء القنابل المسيلة للدموع والتقط أحد الضباط ميكروفون قائلاً بهدير:
"سلموا نفسكم. المكان محاصر."
كان شهاب في مكتبه عندما سمع أصوات إطلاق النيران وصوت يأمره بتسليم نفسه. فهب هارباً من مكتبه باتجاه غرفتها فهي وسيلة خروجه الوحيدة الآن من هذا المكان. أما زهرة ففزعت وانتفضت في مكانها وشددت من احتضان طفليها. توجهت إلى الشرفة فوجدت من يسقط مصاباً غارقاً في دمه. وضعت يديها على فمها وسالت دموع الخوف على وجنتيها. وما زاد ذعرها صوت الطرق العنيف على الباب. انزوت زهرة هي وأطفالها في الزاوية. وحاولت التكلم بهدوء عندما سمعت بكائهم:
"كل واحد يغمض عينيه ويفتكر حاجة بيحبها وأنا كمان هغمض عينيا."
سمعت فجأة صوت مدوي وانفتح باب الغرفة على مصرعيه وما أن رأته حتى هبت واقفة في مكانها. اقترب منها أكنان مسرعاً. ألقت نفسها عليه وبكت. شدد من احتضانه عليها وعلى أطفاله وقال مهدئاً:
"بقييت في أمان انتي والولاد. يلا بينا نخرج من هنا." وأخذ يحدثهم بلهجة هادئة.
وهما في الخارج، حاول شهاب الهروب من قبضة الشرطي وبمجرد رؤيته لأكنان ومع زوجته وأولاده تملكه الجنون. فهو خسر كل شيء وأكنان فاز في النهاية. وفي تلك اللحظة استطاع فك يديه وفي سرعة جنونية انتزع المسدس من جراب الشرطي وصرخ في وجهه قائلاً:
"مش هسيبك تفوز عليا." ثم أشهر المسدس وأطلق النار.
واختلطت أصوات الطلقات بأصوات صراخ وهمهمات متألمة.
رواية زهرة لكن دميمة الفصل السادس عشر 16 - بقلم سلمى محمد
عذبتني حيرة مشاعري نحوه، بالرغم من قسوته كان يحنو عليا أنا فقط. طلب المغفرة وتوسلني، أعطاني الأمان وأسرة دافئة، لكني لست قديسة كي أسامحه تمامًا برغم كل ما يفعله لي. ما زال هذا الألم يأبى أن يزول. أنا لست قديسة، أنا مجرد فتاة تعذبت، تألمت، عانت من قسوة الحياة.
********
بمجرد دخول ضحى الغرفة، انصدمت من رؤية حماتها على هذا الشكل.
فقالت بخوف: مالك يا نيروز؟
وضعت نيروز يديها على رقبتها تحاول التنفس وأشارت باتجاه الخارج وبصوت متقطع: مش عارفة أتنفس... بخاخة النفس بتاعتي في شنطة.
نظرت ضحى حولها بهلع ثم ردت بتوتر: مش شايفة أي شنط.
ردت عليها باختناق وبصوت مبحوح: شنطتي في العربية.
خرجت ضحى من الغرفة مهرولة حتى توقفت أمام السيارة. فتحت الباب وهي تتنفس بقوة. ألقت ببصرها في الداخل حتى وقعت عينيها على الشنطة. فتحتها بأصابع ترتعش من شدة توترها. لم تعثر مباشرة على الجهاز، فقامت بتفريغ محتوياتها على الكرسي. رأته مع العديد من الأشياء. أمسكته مباشرة ثم جرت مسرعة إلى الداخل.
رأتها تتنفس بصعوبة مخرجة أنيين متألم. وضعت جهاز الاستنشاق على فمها وقامت بالضغط. أخذت تدعو لها بخفوت.
فتحت عينيها وهي تتنفس بصوت مسموع. تأملتها نيروز لثوانٍ وهي ترى نظرات الخوف في عينيها بالرغم مما فعلته معها. ابتسمت ابتسامة متعبة ثم أردفت قائلة: تعبتك معايا... شكرًا ليكي يا ضحى.
ردت عليها قائلة: مفيش حاجة تستحق الشكر وحصل خير. أتصل بالدكتور يجي يشوفك.
شعرت بالخجل من نفسها فلم تجرؤ على النظر بداخل عينيها: مفيش داعي أنا كويسة.
قالت لها بهدوء: نصيحة مني، خلي الجهاز في جيبك أو شنطتك، المهم مش يبعد عن متناول إيدك.
هزت رأسها ثم أردفت قائلة: هاخد بكلامك يا ضحى... أنا همشي بقا.
_ مينفعش تمشي وأنتي لسه تعبانة.
_ أنا بقيت كويسة.
_ طب مش هتستني كريم؟
_ هبقى أكلمه.
ثم تحركت باتجاه الباب وكانت بجوارها ضحى في نفس اللحظة فقالت لها مترجية: اقعدي شوية كمان تاخدي نفسك.
ردت عليها نيروز: لو حاسة أني مبقيتش أحسن مكنتش اتحركت... وعايزة منك طلب قبل ما أخرج.
سألتها ضحى باهتمام: طلب إيه؟
أردفت قائلة بابتسامة خافتة: مش عايزة كريم يعرف حاجة باللي حصل... مش عايزاه يتخض عليا. والأفضل متقوليش له إنّي جيت. وأنا هبقى أتصل بيه.
سارت ضحى خلفها في صمت حتى تأكدت من ركوبها سيارتها في سلام. ظلت في مكانها لعدة دقائق تنظر إلى الفراغ وتساؤل في عينيها. أدركت بغريزتها أن هناك شيء ما. ودت أن تكون حياتها سهلة مع عائلة زوجها.
اشتاقت له بشدة. وبعد مضي فترة من الوقت، ذهبت إلى الشرفة تنتظره. فهو اتصل أخبرها كل ما حدث وأنه تم القبض على شهاب ودينا وأن الجميع بخير وهما في طريقهم إلى المنزل وهو قادم في الطريق. شعرت بالراحة النفسية عندما اطمأنت على كل أحبابها. راحت تراقب الأشجار وأوراقها الخضراء. تابعت بنظراتها كل شيء أمامها. أغمضت عينيها بتركيز واستمعت لصوت الكون حولها، الهواء، الشجر. وعندما فتحت عينيها وجدته أمامها يتأمل وجهها بحب.
نظرت له بدهشة: أنت جيت أمتى وإزاي وصلت من غير ما أحس بيك؟ ده أنا كنت مستنياك.
أجابها بابتسامة عاشقة: كنتي سرحانة في إيه خلاكي مش تحسي بوجودي؟ أكيد فيا طبعًا.
ردت بابتسامة: لا مش فيك بالظبط... كنت سرحانة شوية مع الطبيعة.
وضع يده على قلبه وقال بضحك: آآه يا قلبي وبتقوليها في وشي؟ طب قولي.
ضحى ضحك: آآه، كنت بفكر فيك.
_ بعد ما زعلت خلاص مش مسامح.
_ هو ده شكلك وأنت زعلان؟ ياريت تبقى زعلان على طول.
ثم ضحكت.
أمسك بيديها وقبلهما بحب جارف. نظر إلى عينيها قائلاً بشوق: واحشتيني أوي. أخذ يداعب يديها برقة ثم ضمها إلى حضنه. كل حاجة فيكي واحشتني.
_ وأنت كمان واحشتني.
أدارها في حضنه وقال بحب: انتي ليه دلوقتي حلوة أوي بزيادة؟
ابتسمت بغرور متصنع: ده العادي بتاعي على فكرة.
ضحك على طريقة كلامها وغمز لها: طب ما تيجي ندخل الأوضة.
حاول ضمها فدفعته بمرح: نتعشى الأول، أنا مأكلتش طول اليوم ولا أنت كمان.
غمز لها مرة أخرى: هتندمي.
ضحكت وهي تبتعد عنه: هندم على حاجة واحدة لو سمعت كلامك ومعملتش العشا واتعشينا.
بعد وقت قليل أعدت ضحى الطعام ووضعته على السفرة.
كريم بابتسامة: كلي دي من إيدي. قام بإطعامها وسط جو مليء بالضحك وكلمات الغزل.
كانت تبتسم له ولكن كل ذلك لم يمنع شرودها غير المقصود. ف يومها كان حافل بالمفاجآت، فالمصائب تأتي دفعة واحدة على رأي المثل. بداية من خطف زهرة حتى زيارة حماتها.
وضع كريم يده فوق يديها وربت عليها برقة ثم رفع يديها وقبل باطنها بحب. نظر لها مبتسمًا وقال: هنضطر نسافر بعد بكرة نيويورك.
قالت ضحى: بسرعة كده.
_ المفروض كنا نسافر قبل كده لكن بسبب الظروف اللي حصلت من مرض بيسان وخطف مرات أكنان منعوني عن السفر. دلوقتي بيسان بقت أحسن وزهرة وولادها كويسين.
_ عايزة أروح أشوف زهرة بكرة. بحاول أتصل بيها تليفونها مقفول. عايزة أطمن عليها.
_ حاضر بس خليها بعد بكرة قبل ما نسافر. هوديكي ليها ومن عندها على المطار دوغري.
_ ومينفعش بكرة ليه؟ أنا عايزة أشوفها.
_ مينفعش يا ضحى ورايا كام مشوار مهمين بكرة.
ابتسمت في تفهم: طيب خليها بكرة. طلب أخير عايزك.
كريم بابتسامة: اطلبي يا حبي.
ابتسمت قائلة: الكلام اللي قولتهولك بخصوص زهرة وأكنان... ياريت محدش يعرف بيه ولا حتى أكنان. هو لو عايز يتكلم هيتكلم.
كريم تصنع الزعل: أنا مش وعدتك لما حكتي ليا حكايتهم؟ قولتلك إيه بعديها؟ اعتبري سرك في بير.
قالت بهدوء: حبيت أكد عليك مش أكتر. ثم مدت يديها وقامت برفع أول طبق.
أمسك يديها وأرجع الطبق مكانها غمز له قائلاً: وبعدين يا حبي... أنا استنيت كتير.
***
جفل أكنان وجلس فوق فراشه عندما ظهرت أمامه. بدت في غاية الجمال والعذوبة. كانت ترتدي فستان أبيض، كان وجهها وجسمها يشعان بالنور وشعرها البني الذهبي منسدل طلقًا على ظهرها. وعينيها الزرقاوتين تلمعان ببريق خاص، وأسنانها تكشف عن ابتسامة عابثة.
قال بذهول: زهرة، أنتي كويسة؟
ردت عليه ضاحكة: صحتي تمام. وقامت بفرد يديها ثم ثنتهم بحركة رياضية. ابتسمت له ثم رقصت أمامه بخفة كالفراشة وبقدميها الحافيتين أخذت تدق على الأرض بنعومة. حركت سبابتها بإغراء لكي يأتي لها.
وجد نفسه أمامها في غمضة عين وبشوق ظل محبوس لوقت طويل. حضنها بكل ما يملك من قوة.
قال أكنان برقة: بحبك يا زهرة.
ردت عليه بابتسامة أسرة: وأنا كمان.
ردها أسكره بالسعادة من رأسه حتى أخمص قدميه، فقبلها بقوة وأصبح ليلهما ليل خاص بالعشاق.
قبل استيقاظه ارتسمت على شفتيه ابتسامة سعيدة. ألقى يديه بجواره فلم يجدها. جلس فوق الفراش، الابتسامة اختفت عندما اكتشف أنه كان يحلم بها. ثم تنهد بعمق قائلاً لنفسه: ياليتني هذا الحلم كان واقع. فهذا الحلم كان أجمل أحلامه.
اغتسل بسرعة وذهب مباشرة إلى غرفتها. فتح الباب بهدوء. ثم دلف ببطء ونظر إليها من مكانه. رآها ما زالت نائمة ومستغرقة في نوم عميق وصوت شخير ناعم يصدر منها.
عندما اطمأن عليها أغلق الباب خلفه. شعر بوخز داخل قلبه: إلى متى يا قلبي ستظل تتألم؟
أخرج هاتفه واتصل بطبيب بيسان للاطمئنان على حالتها. ثم ذهب لرؤيتها وفي داخل غرفتها في المستشفى.
كان الجميع متواجد معها، فالطبيب أذن لها بالخروج.
كريم مازحًا: ما شاء الله وشك منور وبقيتي أحسن من الأول.
قالت بابتسامة خافتة: أهو دي اللي جابني هنا.
تصنع الزعل: كده بردو يا بوسة؟ ده أنا سبت العروسة عشان خاطر عيونك الحلوين.
_ قولي بقا عامل إيه في الجواز؟
_ مفيش أحلى من كده، ياريتني سمعت كلامك من زمان أول لما كلمتك عنها.
_ عشان المرة الجاية تبقا تسمع كلامي.
يقاطعهم أكنان قائلاً: أنا عارف لما بتفتحوا في الكلام مش بتسكتوا. يلا عشان تلبسي ولا قعدة المستشفى عاجبتك.
ابتسمت له وبنبرة فيها القليل من الألم: لأ طبعًا، ده أنا مصدقت هخرج النهاردة. أنا زهقت بجد وعايزة أخرج من هنا.
جيلان بابتسامة: مش أنتي لوحدك يا حبيبتي.
نجم أمسك بيديها برقة: الحمد لله إنك بقيتي كويسة.
رن هاتف كريم فقال: هطلع برا دقايق أرد على نيروز.
غادر الغرفة ولحقه أكنان مباشرة.
سأله أكنان عندما رأى عبوس وجهه: مالك؟
_ ماما سافرت من غير ما تقولي.
_ عادي مش مستاهلة التكشيرة دي.
_ مش تكشيرة بس مستغرب. أحنا كنا متفقين نسافر مع بعض بكرة وهي تسافر النهاردة. مش مرتاح.
رد أكنان بهدوء: هي نيروز ديمًا كده عليها تصرفات غير متوقعة. المفروض إنك اتعودت.
أجابها بلهجة عابسة: آه وهو المفروض.
سأله أكنان: هتروح تجيب الشيخ أمتى؟
رد عليه قائلاً: هروح أجيبه دلوقتي. عقبال ما بيسان تروح هكون جبته معايا زي ما قال أول ما تخرج من المستشفى يروح له.
تُفاجأ أكنان وكريم بظهور زاهر أمامهما.
هتف كلاهما في وقت واحد: زاهر!
زاهر بابتسامة: طبعًا زاهر بشحمه ولحمه.
سأله أكنان بحيرة: آخر مرة اتصلت الدكتور قال إنك لسه في غيبوبة.
أجابه بابتسامة شاحبة: ماهو أنا أول ما فوقت وعرفت باللي حصل وقدرت أتحرك ركبت أول طيارة عشان أطمن على بيسان.
تقلصت ملامح وجه أكنان بالغضب لمجرد ذكر ما حدث. قال له بحدة: أنا مرضتش أتصرف وسكت عشان خاطرك أنت يا زاهر. لولاك كنت قلبت الدنيا.
ابتلع ريقه بألم: عارف إن الاعتذار ملوش لازمة دلوقتي، بس اللي حصل مكنش ليا يد فيه. أنت عارف كويس إن بيسان روحي ومستحملش عليها أي حاجة. واللي أذاها أمي. أمي اللي كل في إيدي أدعي لها ربنا يسامحها ويهديها. كل اللي عايزه منك تديني فرصة أحاول أصلح الوضع.
كريم بانفعال: مفيش تصلح الوضع. أنت معرفتش تحافظ عليها.
قاطعه أكنان قائلاً: براحة يا كريم.
زاهر بلهجة رجاء: إحنا الاتنين منقدرش نعيش من غير بعض. اللي حصل لها واكتئابها عشان بعدها عني واللي حصل لي لما حسيت إنها ممكن تسيبني.
سأل أكنان مستفسرًا: تقصد إيه؟
شرد زاهر في ذكرياته وأخذ يسرد ما حدث والسبب الذي أدى وقوعه والدخول في غيبوبة وكلام الأطباء أنه لا يوجد سبب لاستمراره في الغيبوبة. وعندما انتهى قال: كل اللي عايزه فرصة.
أكنان أشار بإبهامه وقال بلهجة محذرة: هديك فرصة ودي هتكون آخر فرصة. مش عايز أخسرك.
هتف كريم: إيه اللي بتقوله ده يا أكنان؟
أشار له بالتوقف: كريم اهدى شوية وفكر. بيسان بعد ما ترجع لطبيعتها محتاجة زاهر معاها.
صمت للحظات وقال: اللي تشوفه.
سأل زاهر متلهفًا: أدخل أشوفها؟ وبيسان هتكون في عيني.
أكنان قال بهدوء: مش دلوقتي. هي هتخرج النهاردة وهنجيب شيخ يرقّيها. مش دلوقتي لما الشيخ يقول إنها بقت كويسة.
قال زاهر بألم: إن شاء الله تخف.
_ تعالا شوفها بكرة أحسن.
هز رأسه في صمت كئيب: هجي بكرة.
انصرف كريم ودلف أكنان إلى الداخل واستعد الجميع للرحيل. وقف زاهر أمام المستشفى في الركن وانتظر خروجها لرؤيتها لكي يملي عينيه منها. فقد كان مشتاقًا لها. اشتاق لسماع صوتها لكل شيء فيها. تسارعت دقات قلبه عندما رأها من بعيد كانت تمشي بهدوء ورزانة ورغم مرضها وجهها ما زال محتفظًا بجماله الخاص لكن لمعت عينيها انطفأت وصارت خواء. انتفض في مكانه متألمًا لرؤيتها هكذا وبعيون لا ترمش ولا تحيد عنها. ظل متتبعًا تحركها حتى ركبت السيارة واختفت لتسقط دمعة وحيدة ووعد نفسه أنه سيصلح الأمور بينهم مهما تطلب منه من وقت.
***
استيقظت بعد عدة ساعات من انصرافه. كان شعرها مبللًا ملتصقًا من شدة العرق. أنشبت الحمى في جسدها. حاولت الاعتدال والجلوس فوق الفراش لكنها فشلت فالحمى تمكنت منها.
قرع الباب ودلف الصغيران وأخذا في القفز واللهو بجوار الفراش.
أياد بابتسامة طفولية: يلا قومي بقالك كتير نايمة.
حاولت الرد، لكن الكلمات ظلت حبيسة حلقها. شعرت بالعجز. دموعها انسابت بألم. ارتعشت شفتها. أصابها دوار قاتل فسقطت نائمة مغمضة العينين.
حاول الصغيران جعلها تفيق لكن كل محاولاتهم باءت بالفشل. خرجوا إلى الخارج.
ما إن دلف أكنان إلى داخل الفيلا حتى استقبله الصغيران.
أياد بلهجة طفولية: كنت فين؟
رد عليه بابتسامة: كنت عند عمتكم وأول ما طمنت عليها جيت هنا على طول.
شرد لثوانٍ في أحداث آخر ساعة. عندما أتى الشيخ وقام برقيتها وقال أنها أصبحت أفضل والسحر المعمول لها أصبح ليس له وجود. وبعد انصراف الشيخ استغرقت بيسان في النوم مباشرة.
جذبه وليد من البنطلون بعنف وهتف فيه: روحت فين؟
أكنان بابتسامة: موجود أهو قصادك.
سأل وليد: هو أنا عندي عمة؟
_ أيوه عندكم وعمة عسولة أوي كمان.
قال وليد وأياد في وقت واحد: عايزين نشوفها.
رد عليهم بابتسامة: حاضر هتروحوا تشوفها. هي فين ماما؟
قال أياد بضيق: لسه نايمة ولما جيت أصحيها مش ردت تصحى.
قاطعه وليد قائلاً: وأنا لما لمستها كانت سخنة أوي.
أكنان بمجرد سماعه كلمات ابنه، لم ينتظر التأكد منه وأخذ يركض على السلالم بسرعة. وجد نفسه أمامها. رأى جسدها يرتعش. لمس جبهتها وجد حرارتها مرتفعة. وباضطراب أخرج هاتفه واتصل بالطبيب.
لم يعرف الطبيب سبب إصابتها بالحمى، فطلب مجموعة من التحاليل ليتأكد من تمام صحتها. لازَمها أكنان وأخذ ينظر إليها في فراشها بعيون حزينة وقلب متألم. استشعر بغصة لرؤيتها ضعيفة وتعاني. جلس على حافة الفراش همس باسمها بخفوت. بللت دموع الندم وجنتيه.
أتى الليل وما زال الوضع كما هو إلا من اتصال الطبيب الذي أخبره أن التحاليل سليمة ولا يوجد بها شيء وكل ما يجب فعله أن تأخذ مخفضات للحرارة وكمادات مياه باردة.
في العتمة وسط هذيانها، كان هو الوحيد بجوارها. أخذ يمسح وجهها وشعرها بمنديل مبلل بالماء البارد. فتحت عينيها بضعف تشابكت النظرات. نظرة متلهفة تقابلها نظرة شاردة مغيبة.
همست بإعياء: عطشانة.
توقفت يديه الممسكة بالترمومتر في الهواء وتمتم بالدعاء والشكر عندما فتحت عينيها وطلبت الماء. وضع الترمومتر جانبًا وقام بصب كأس من الماء لها. رفعها من فوق الفراش وأسند رأسها على صدره. قرب حافة الكأس من شفتيها وسقاها. وعندما انتهت من الشرب غفت مباشرة على صدره. وبعيون ملتاعة أخذ يتأملها بحب شدها إليه أكثر. مرر برقة إصبعه على جانب شفتيها ماسحًا قطرات الماء المنسابة. مرر أصابعه بحنية على شعرها. تنهد بصوت مسموع مع كل لمسة لها. ظل على هذا الوضع فترة من الوقت. أنهكه التعب بعد فترة من عمل الكمادات لها. أراد راحة جسده قليلًا، فتسلل إلى جانب الفراش ونام بقربها وظل بجوارها نائمًا حتى ساعات الفجر الأولى.
استيقظ مفزوعًا عندما وجد نفسه استغرق في النوم كل هذا الوقت. مرر أصابعه باضطراب على جبهتها، فوجد الحرارة اختفت. وعندما اطمأن أنها أصبحت أحسن، قفز من فوق الفراش سريعًا فهي لن تتحمل رؤيته نائمًا بجوارها. تسلل من غرفتها بهدوء وقبل خروجه نظر لها بحب لا نهائي ممزوج بحزن عميق.
بدأت أشعة الشمس تحيط بغرفة زهرة من الخارج والداخل. بدأت تسمع أصوات ضاحكة بجوارها. شعرت بالألم ففتحت عينيها ببطء شديد. فشاهدت أطفالها بجوارها مبتسمين.
وليد بابتسامة: صحي النوم يا ماما كل ده نوم.
زهرة وهي تبتسم بصعوبة: ده أنا لسه نايمة.
أياد هز رأسه نافيًا: لأ أنتي نمتي يومين بحالهم.
وضعت يديها على رأسها المتألمة وسألت باستغراب: هو أنا نمت بجد يومين ولا بتهزر؟
ورد وليد بلهجة طفولية: آه، إحنا لما جينا هنا امبارح كنتي نايمة وسخنة أوي.
وأكمل أياد مقاطعًا: ولما قولنا لبابا أكنان جاب الدكتور وفضل جنبك طول الليل.
قال وليد بعبوس: وكان بيعمل لكِ كمادات ومرضاش أي حد فينا يقعد معاكي. أنا اتضايقت أوي منه.
وشاركه أياد الكلام: وأنا كمان.
زهرة تململت على الفراش بعدم راحة وهي تسمع حديثهم فقالت بابتسامة خافتة: هو عايز مصلحتك يا حبيبي عشان مش تتعدوا مني.
أياد بلهجة طفولية: اصحي بقا عشان جعان.
ردت زهرة: روحوا أنتم وأنا جاية وراكم نفطر كلنا سوا.
بدأت زهرة بالتحرك حتى وصلت أمام الحوض. غسلت وجهها لكي تزيل بقايا غشاوة التعب والنعاس من على وجهها. أخذت تلقي دفعات من الماء على وجهها، حتى انتظمت أنفاسها وشعرت بالهدوء.
على طاولة الإفطار، رأت أكنان متصدر مقدمة الطاولة. تناولت الطعام في صمت. لكن أطفالها لم يكفوا عن الكلام واللهو. نظراتها لهم كانت شاردة. سرحت في خيالات الليلة الماضية وبدون وعي لمست جانب فمها المرتعش. لاحظ أكنان هذا الشرود الذي سيطر عليها، لكنه لم يعلق واستمر في تناول إفطاره.
نظرت له بحيرة فبادلها بنظرات دافئة وقال بهدوء: أنا ماشي وهجي بالليل. ده كان اتفاقنا لما خرجنا من فيلا شهاب إنّي أفضل معاكي. لسه عند اتفاقنا ولا هتقولي متجيش هنا تاني.
همست بخفوت: أنا مش برجع في كلامي والاتفاق اتفاق.
ابتسم بهدوء وقال: مع السلامة يا حبايبي. ووزع نظراته على الكل وقبل كلا الصغيرين.
***
فتحت عينيها بوهن. لم تستوعب لأول وهلة تواجدها في غرفتها. حاولت النهوض لكنها توقفت عن الحركة والتفتت إلى صوت الباب الذي يفتح ببطء. ترقبت القادم. بدت مصدومة من رؤيته. بخطوات مترددة اقترب منها وجلس بجوارها على الفراش وظل يتأملها بحب ممزوج بندم. خانتها دموعها فأنسابت في صمت. أشاحت بوجهها بسرعة لكي لا يرى دموعها التي لا تدري لها سبب محدد. ندم أم خوف أم خذلان أم فرحة لرؤيته.
شعرت بيد تلمس كتفها ثم أدارت رأسها تجاهه. مسح دموعها ونظر لها بحب. سألها برقة تغللت داخل أحاسيسها بسرعة: حاسة بأيه. ارتفع صوت بكائها وهي تسمع صوته المحب.
سأل بقلق: هو في حاجة وجعاكي؟
أجابته وهي تمسح دموعها: أنا كويسة.
بدت الحيرة في عينيها سألته بتشوش: أنت عرفت إزاي؟ وجيت هنا إزاي؟ أنت كنت في غيبوبة.
قال بابتسامة باهتة: الغيبوبة فوقت منها عشان أفضل معاكي. وجيت طبعًا بالطيارة أول ما عرفت باللي حصل ليكي.
سألها بتردد: عرفتي السبب اللي وصلك لحالتك دي؟
هزت رأسها في صمت وقالت بخفوت: أيوه أكنان قالي.
حاولت النهوض لكنها لم تفلح لشعورها بدوار مفاجئ. وضع يده حول خصرها مانعًا إياها من السقوط وبالأخرى عدل وضع الوسادة خلفها. وجدت نفسها محاطة بين كلتا ذراعيه. شعرت بدغدغة خفيفة تعتريها وزادت نبضات قلبها. شعرت بنفسها ضعيفة هشة بين أحضانه وصدره العريض الذي اختبرت نشوة دفئه العديد والعديد من المرات. شعرت بقلبها الذي أصابته البرودة ينصهر يشتعل. أرادت وضع أناملها على صدره للشعور بدقات قلبه. هل ينتفض كقلبها؟ أرادت ضمه لتصدق أنها لا تحلم. كادت ترفع يديها لكنها شعرت بالعجز. رجعت بجسدها للخلف متفادية الاحتكاك به.
لم يرد البعد عنها، لكن لابد له من الابتعاد مضطرًا حتى لا يتفاقم الوضع بينهم. هي لا تزال ضعيفة ومشوشة. تألم لرؤيتها هكذا، ضعيفة ومنكسرة.
قال زاهر بهدوء مصطنع: وجودك في حياتي حسسني إني عايش مش مجرد ظل. كنتي النكهة الحلوة في حياتي. وكل دقيقة وكل ساعة وكل يوم كنا في مع بعض كنت في منتهى السعادة. كان بيمر عليا وقت والخوف يسيطر عليا أنك تبعدي. كنت مستكثر وجودك في حياتي. لحد ما الخوف ده اتحول ليقين.
همس بألم عندما استعاد ذكريات هذا اليوم: سمعتك بتكلمي كريم وبتقولي له خلاص زهقت وأنا ناوية أبعد. مستحملتش ولقيت الدنيا بتلف بيا ووقعت على السلم ودخلت في غيبوبة. غيبوبة لما فوقت منها اقتنعت إنّي فضلت فيها بإرادتي. فوقت لما حلمت بيكي وأنك محتاجاني. فوقت عشانك أنتِ وبس. وبعدين عرفت باللي حصل ليكي واللي عملته أمي معاكي وأنك اتظلمتي واتألمتي كتير. سامحيني يا بيسان إني مقدرتش أحميكي.
همست بارتجاف: اخرج دلوقتي.
نطق كلماته بهدوء: هفضل معاكي ومش هطلع. أنتي محتاجاني وأنا محتاجك. أنتي اتخلقتي ليا وأنا اتخلقت ليكي. مقدرش أعيش من غيرك ولا أنتي تقدري تعيشي من غيري عشان مصيرنا إحنا الاتنين مربوط ببعض. مش همسح للي حصل يفرق بينا. هنقاوم إحنا الاتنين لحد ما نعدي الأزمة وترجعي بيسان حبيبتي.
رفع يديها وعقد أصابعه في أصابعها ثم قبل أناملها برقة قائلاً: بينا إحنا الاتنين هنعدي الأزمة وهترجعي زي الأول. فاهمة يا بيسان؟ أنتي حتة مني.
ارتجف جسدها وشعرت بمشاعر مختلفة تغزوها فما مرت به لم يكن بالشيء الهين. فالحب ليس كل شيء في الحياة.
***
كانا في السيارة أمام الفيلا عندما قال لها كريم: هسيبك معاها ساعة تطمني عليها. هروح أخلص إجراءات السفر وأجي آخدك.
نظرت له بحب: وأنا هستناك.
بمجرد دخولها من باب الفيلا، أدار السيارة وانطلق بها.
في الداخل تفاجأت زهرة بأن ضحى موجودة في الأسفل وتسأل عنها. نزلت السلالم بسرعة وهتفت بسعادة لرؤيتها: واحشتيني يا بت.
ضحى بابتسامة: وانتي كمان يا زوزو. هنفضل كده واقفين مش هتعزميني على حاجة يا بخيلة.
بادلتها الضحك: هو انتي لحقتي؟ حاضر هشربك. ثم نادت على الخادمة. لسه بردو بتحبي عصير المانجا؟
رسمت ضحى شكل قلب بأصابع يديها وقالت: ده عشق العشق.
أحضرت الخادمة العصير. ارتشف ضحى عصيرها بتلذذ واضح ثم قالت بابتسامة: فكريني لما أجي من السفر أجيلك هنا عشان أشرب عصير مانجا. أصله طعمه حلو أوي.
صمتت وهي تسمع آخر كلماتها فقالت: أنتي مسافرة؟
ارتسم العبوس على محياها وهي تقول: مسافرة النهاردة مع إن من جوايا مش عايزة أسيب هنا. مع إن بابا وماما سابوا البيت وسافروا مصر.
_ هما آهلك سافروا خلاص؟
_ أيوه يا زهرة. لما زروني بابا قالي عندي مفاجأة حلوة إنهم لقوا شقة حلوة وكمان جاله شغل في شركة كبيرة وهيسافروا على طول.
بلهجة يشوبها بعض الحزن: خلاص كله سافر وحتى أنتي كمان.
ضمتها ضحى وقالت بحب: هتصل بيكي على طول. طمنيني عليكي الأول. أنتي كويسة وإيه شغل العصابات اللي حصل معاكي؟ أنا بقرا الحاجات دي في الروايات وأشوفها في الأفلام لكن عمري ما اتخيلت إن ده يحصل معاكي. احكي لي كل حاجة بالتفصيل.
رأت نظرات زهرة المذهولة لكنها أكملت حديثها: طبعًا من بصتك دي هتقولي عرفت إزاي وأنتي مقولتيش حاجة. أنا عرفت من كريم ماهو أكيد كريم هيقولي. قوليلي بقا تليفونك كان مقفول ليه؟ ده أنا اترعبت عليكي. بالرغم إن كريم طمني بس قولت لازم ولابد أشوفك بنفسي. هو اللي اسمه شهاب ضرب عليكي نار والطلقات جت في الهوا. الحمد لله إنها جت في الهوا بصراحة الراجل ده يستاهل الشنق.
قاطعتها زهرة بضحك: افصلي شوية إيه تسجيل واتفتح؟ وأنا كويسة وقاعدة قصادك. تعالي هنا ومادام كريم حكالك على كل حاجة عايزني أتكلم ليه هو وجع دماغ وخلاص.
ضحكت قائلة: عشان هو لو نسي حاجة أنتي تحكيها. ثم نظرت في أرجاء الفيلا بتركيز. قوليلي يا زهرة بصراحة إيه الوضع هنا في الفيلا؟ بعد ما عرفت إنه هيعيش هنا معاكم وأنتي اتقبلتي الوضع إزاي؟
شردت زهرة وسرح تفكيرها وخيالها فيما مضى.
لاحظت ضحى شرودها المبالغ فيه. فحدثتها قائلة: كل السرحان ده عشان جبت سيرته بس.
سعدت زهرة من شرودها بعد تلك الكلمات التي أطلقتها ضحى وقالت لها: أنا لحد النهاردة مش قادرة أنسى بالرغم كل اللي بيعمله معايا.
أردفت ضحى قائلة: اركني ذكرياتك، احبسيها عشان تقدري تعيشي.
_ أنا للأسف مش قادرة أنسى الماضي. اللي حصل زمان كان صعب أي حد يعدي منه وأنا عديت منه يا ضحى بس بندوب لسه معلمة جوايا خلت مشاعري مشوهة. أنا بقيت منفعة، منفعة أكون أي حاجة.
صمتت ضحى قليلًا تفكر في كلماتها ونظرت لها بهدوء شديد: قولتي يا زهرة إنه ندمان ويتمنى ترضي عنه. ليه مش عايزة تفوقي من الشرنقة اللي معيشة نفسك فيها؟ ليه رافضة تفوقي؟ ربنا بيسامح يا زهرة، سامحيه. حاولي تسامحيه. انسى وبلاش تفكري نفسك باللي حصل. النسيان نعمة وبكرة تقولي أنا كان عندي حق.
تشوشت رؤيتها بالدموع فهي تشعر بحيرة وتخبط في مشاعرها تجاهه وأصبحت لا تعلم ماذا تريد. شدت ضحى من قبضتها على يديها وقالت: اسمعيني كويس يا زهرة. الدنيا أدتك فرصة من دهب، حياة جديدة ومستقبل جديد. بلاش تخسريهم. ورجل بيحبك وندمان. في رجال غيره بيهربوا من ذنبهم ويقولوا ملناش فيه. أكملت كلامها برجاء: سامحيه، حاولي تديله فرصة.
زهرة بنبرة متشنجة: ححاول، ححاول يا ضحى.
_ أوعديني إنك تديه وتدي نفسك فرصة.
_ أوعدك يا ضحى.
_ فين بقا الولاد عشان أسلم عليهم؟ مش سامعة لهم حس.
_ فوق في أوضتهم بيلعبوا.
_ عايزة أبوسهم وأسلم عليهم قبل ما أسافر.
_ تعالي معايا نطلع لهم. ومتقوليش إني مش حذرتك.
_ من أولها كده هتظلمي الولاد دول كيوت من غير ما أشوفهم.
أول ما زهرة فتحت الباب، تعالت أصوات الصراخ. تسمرت ضحى على الباب للحظات ثم ضحكت على ما يحدث أمامها.
أياد بصراخ: سيب اللعبة بتاعتي.
يقوم وليد بجذبها من يده قائلاً بصراخ: لأ دي بتاعتي.
_ لأااا بتاعتي أنا.
_ دي بتاعتي أناااا.
وكلا الشقيقين يجذبون اللعبة وكلاهما يصرخ في وجه الآخر.
همست زهرة بضحك: اتفضلي سلكي بين الكيوت.
تصنعت ضحى الرحيل: لأ يا أختي سلكي بينهم أنتِ. أنا هروح أكمل العصير بتاعك لحد ما جوزي الكيوت يجي لي.
قامت زهرة بدفعها لداخل الغرفة وأغلقت الباب وقالت بابتسامة: روحي يلا فضي الخناقة.
ضحكت زهرة فبادلتها ضحى الضحك.
توقف الصغيران عن الشجار والتفتوا إليهما بفضول. فتعالت أصوات ضحكاتهم أكثر وأكثر.
رواية زهرة لكن دميمة الفصل السابع عشر 17 - بقلم سلمى محمد
في أخر النهار وبعد غروب الشمس واختفائها في الأفق رجع أكنان إلى البيت فلم يجد أطفاله في الجوار.
صعد إلى غرفتهم فتح الباب بهدوء رأها من مكانه تحكي لهم قصة ومندمجة في تقليد أصوات الطيور.
والصغار يضحكون في محاولة لتقليدها.
زينت شفتيه ابتسامة ناعمة لرؤيتهم هكذا.
هتف أياد وقفز من فوق الفراش: بابا جاه.
تبعه إياد هو الآخر ملقيا نفسه عليه.
التفتت زهرة له ونظرت إلى أطفالها فرأت الفرحة في عيونهم.
رفعت عينيها دون قصد تلاقت النظرات رأت بداخل عيونه مشاعر متعددة.
تملكها التوتر فأبعدت رأسها في الاتجاه الآخر.
قالت بارتباك: يلا يا حبايبي وقت النوم.
رفض الصغيرين طلبها بالنوم فقال لهم أكنان بلهجة أمره: اسمعوا الكلام.
لو نمتم دلوقتي هوديكم بعدين تشوفوا عمتكم وجدكم.
لاحظ نظراتها الغاضبة عندما وعد الصغار بزيارة العائلة.
هتف وليد وأياد في وقت واحد: بجد.
ايوه بجد روحو نامو يلا.
حاضر.
أسرع الصغيرين كل واحد باتجاه فراشه.
قامت زهرة بجذب الغطاء على كل منهما وأعطت كل منهما قبلة وقالت بابتسامة: تصبحوا على خير وأحلام سعيدة.
وليد وأياد: وانتي بخير يا ماما.
عندما أغلقت باب غرفتهم ظل أكنان واقف أمامها بهدوء ثم قال: أنا مستني.
مستني إيه بالظبط؟
شكلك بيقول عايزه تتكلمي بخصوص وعدي ليه.
نفخت بضيق وردت عليه بلهجة منفعلة: انت ازاي تاخد القرار ده من دماغك هما مش مستعدين دلوقتي يتعرفوا على أهلهم.
أجابها بثبات: بالعكس يازهرة ده أنسب وقت أنهم يتعرفوا على أهل باباهم.
دي جذورهم ومستقبلهم ولازم يتعلموا حب العيلة وبيسان أختي نفسها تشوفهم قبل ما تسافر.
بلاش تحرمي أولادك من عيلتهم.
هتفت بحدة: أنا لو عايزة أحرمهم ما كنت اتجوزتك.
بس الوقت مش مناسب.
أخفى غضبه بصعوبة وقال بهدوء مفتعل: خلاص أنا وعدتهم ومش هخلف وعدي ليهم.
وختم كلامه تصبح على خير.
ثم تركها مغادرا تضرب أخماس في أسداس.
كانت رحلة طويلة لها من مصر إلى أمريكا استغرقت ساعات كثيرة.
ولأول مرة في حياتها تطأ قدمها أرض غريبة غير مدينتها.
كانت تنظر لوجوه الناس بتأمل عميق وللمباني الشاهقة التي تلمع واجهاتها الزجاجية من خلال السيارة.
توقفت السيارة أمام بوابة عريقة.
أمسك يدها برفق وقال: هنا هنعيش.
وشعرت به يضع قبلة سريعة على خدها.
يلا بينا.
فتح لهم الباب وأصبحت في الداخل.
وقفت ضحى في مكانها تتأمل فخامة المكان ولمسات الفن المعماري المهيب.
مشهد يسلب اللب.
شردت للحظات تخيلت نفسها أميرة في عصر الأميرات وهي تنزل بفخامة على السلالم وفي الأسفل أميرات يضحكن وموسيقى ناعمة تنساب في الجو.
بدأت تتحمس وتنفض عنها التوتر.
أشار للخادم بحمل الشنط إلى غرفته وتفريغها.
التفت إليها فرأى شرودها سألها مبتسما: إيه رأيك؟
حلو أوي.
يلا نطلع أوضتنا زمانك دلوقتي عايزة ترتاحي.
بصراحة.
شعرت بالراحة وهي تجلس فوق الفراش تتحسس ملمس الغطاء.
أخذت تتأمل كريم وهو يتكلم في الهاتف ونظرت حولها بشرود.
لكن ذلك لم يمنع رؤيتها جمال وأناقة الغرفة.
وعندما أنهى الاتصال جلس بجوارها وضمه واضعا رأسها فوق قلبه وقال برقة: حاسة بأيه وأنتي هنا معايا؟
ردت بهدوء: حاسة بالرهبة شوية.
نظر لها بقلق: إيه اللي خلاكي تقولي كده.
قالت له بلهجة رقيقة: رهبة عشان في بلد غريبة ومكان جديد عليا.
لكن أنا في قمة سعادتي عشان موجودة معاك.
وجودك معايا هو الأمان هو سعادتي الحقيقية.
ضمها أكثر وربت على شعرها وقال: وأنا هعمل أي حاجة عشان أخليكي ديما سعيدة.
ثم رفع رأسها وقبلها على وجنتيه.
زمانك تعبانة دلوقتي نامي شوية.
ثم أراح جسدها على الفراش ونهض.
سألت بخفوت: رايح فين؟
رد عليها بابتسامة: هخرج أخلص كام حاجة وهجيلك علطول.
هزت رأسها وهي تشعر بالإرهاق وبمجرد خروجه استغرقت في النوم مباشرة.
وفي الأسفل نزلت نيروز من سيارتها واتجهت إلى ملحق الفيلا المفضل لزوجها.
رأت ناصر جالس على أحد الكراسي رافعا قدميه على طاولة صغيرة كانت تتوسط المكان وفي يديه مجلة مندمج في قراءته.
بدأت نيروز بالصراخ: انت هنا وأنا برن عليك مش بترد.
رد في هدوء: خير يا نيروز كنتي عايزاني في إيه.
هتفت في وجهه بحدة: كنت عايزة في حفلة تكريمي وبلاش الأسلوب ده معايا.
لوي الدراع ده مش عليا.
مط شفتيه بضيق: تقصدي إيه؟
انت عارف أنا قصدي إيه كويس.
من وقت لما قولتلك خلاص أنا مش معاك في لعبتك وأبعد عنها.
قال بلا مبالاة: وأنا سمعت كلامك وبعدت.
عايزة إيه تاني.
قاطعته بعصبية: ترجع زي الأول وبلاش لويت الوش دي معايا.
استدار برأسه ورجع عدة خطوات باتجاه الملحق وهو يسمع صياحهم وهمهمات كلام غير مفهومة.
طرق على الباب ثم دلف.
نظر كلا والديه إليه بصدمة.
قالت بارتباك: انت جيت امتى؟
لسه جاي مبقاليش نص ساعة.
وبدل ما ألاقيكم في استقبالي بتتطمنوا عليا أسمعكم بتتخانقوا مع بعض.
إيه سبب الخناقة المرة دي.
ضمه نيروز وقامت بتقبيله على وجنتيه وقالت بابتسامة مضطربة: حمد لله على سلامتك.
متزعليش مني عشان مكنتش موجودة بس للأسف كان عندي مؤتمر بتكرم فيه ولسه جايه منه دلوقتي.
باباك السبب في الخناقة مرضيش يجي معايا وقال مشغول وأعرف أنه بيضحك عليا وقاعد في البيت.
ضحك وقال: متزعليش نفسك ماهي مش أول مرة يزوغ عن مؤتمر بتتكرمي فيه.
معلش بقا مضطر أسيبكم هروح مشوار ساعة وجاي علطول.
لزمت شفتيها قائلة: هو أنا لحقت أقعد معاك.
رد عليها بابتسامة: بكرا تشبعي براحتك سلااااام.
وأعطاها قبلة في الهواء وخرج مباشرة.
تنهدت نيروز براحة: الحمد لله مسمعش حاجة.
تقلبت ضحى على الفراش وهي نائمة تحلم بكابوس ثم نهضت وهي في حالة فزع شديد ثم صرخت.
دلف كريم بسرعة على صوت صراخها.
قال بلهفة: مالك حبيبتي.
وهي تلهث قليلا قالت: كابوس.
حلمت بكابوس.
أحاط إحدى يديها بكفيه فشعر بأناملها باردة وترتعش فتناول يدها الأخرى وضمهم بين كفيه يفركهما لتدفئتهما.
خير أحكيلي بالراحة.
كل اللي فاكره أني كنت في الضلمة.
الضلمة وبس وأنت بتبعد.
وفقت لقيت نفسي بصرخ.
أحتضنها كريم وهمس في أذنها: متخافيش من أي حاجة طول ما أنا جمبك.
خايفة.
خايفة من إيه؟
خايفة الشغف والحب اللي بينا يروح.
أمسك يديها ووضعه مباشرة فوق قلبه وهمس برقة: هنفضل نحب بعض وهنكمل مع بعض طول ما قلبي بيدق والشغف اللي بينا هيزيد.
ثم ضحك قائلا بس أكيد الحياة مش هتبقى علطول حب في حب.
نسيت توترها وابتسمت له: بالعند فيك هتبقى أيامنا حب في حب.
وظلا متعانقين فترة من الوقت ثم قال لها برقة: أنتي قرة العين لي.
وأنت قرة العين لي يا حبيبي يا عمري يا روحي.
بعد مرور عدة أيام.
لم يحدث فيها الكثير بالنسبة لضحى وكريم أيامهم كانت شهر عسل دون منغصات من أهل زوجها.
أما زاهر نجح في اكتساب ثقة بيسان وقرر السفر إلى فرع الشركة في ألمانيا والبدء في حياة جديدة هناك بعيدا عن ذكريات الماضي.
أما صفية بعد العديد والعديد من الاعتذارات رجعت إلى منزل زوجها لكن العلاقة بينهم لم تعود كما الأول.
والعلاقة بين زهرة وأكنان أصبحت هادئة.
حاولت زهرة الاستماع لنصيحة ضحى وتقبل وضعها ونسيان الماضي.
قررت بيسان قضاء آخر ليلتها الأخيرة في مصر مع أهلها قبل سفرها مع زاهر.
دعت أكنان وأصرت على حضور زوجته وأولاده معه.
أرادت رؤيتهم والتعرف إليهم.
معرفتها بوجودهم كانت صدمة هائلة بالنسبة لها لكنها استطاعت تخطيها وتمنت له السعادة فهو عانى الكثير في حياته.
اجتمع الكل في حديقة الفيلا.
زينت الحديقة بالأضواء فبدت كشموع تتلألأ لتضيف على وجوه الجميع بهجة ورضا.
الرجال اهتموا بالشواء فيما أخذت جيلان وبيسان وزهرة بتحضير المقبلات.
ركض وليد وأياد في الحديقة وضحكات الجميع تملأ المكان.
سهروا مع بعض حتى آخر الليل.
أضحكتهم بيسان بالنكات التي كانت تلقيها وبعض الحكايات المضحكة عن طفولة أكنان.
وجدت زهرة نفسها بالتدريج تندمج مع المرح الذي ساد في الغرفة.
ووليد وأياد لم يكفا عن اللعب والحركة مع نجم وجيلان حتى أنهكهم التعب.
لم يكف أكنان عن النظر لها كانت ترتدي فستان أبيض ناعم وحذاء من الجلد الخفيف ليس له كعب.
ملابسها بسيطة وخارقة للعادة.
بساطة مثيرة.
بساطة الشمس حين تطلع وحين تغيب.
لم تكف عينيه عن التطلع إليها.
يشتاق لها يريد الارتواء من رحيقها المسكر.
عندما رأت تثاؤب أطفالها قالت لهم: بعد إذنكم عايزة أنيم الولاد.
نهضت جيلان من مكانها وحملت أحد الصغيرين وقالت: تعالي معايا أوريكي الأوضة اللي هيناموا فيها.
وبمجرد انصرافهم قالت بيسان بابتسامة متلاعبة: عينيك متشالتش من عليها.
باين عليك واقع على الآخر.
أكنان بابتسامة: وأنتي بقا قاعدة مراقبني.
هزت رأسها بضحك: هو بصراحة الكل مش أنا لوحدي.
غمز لها زاهر: براحة عليه يابوسة.
ابتسمت لزوجها قائلة: حاضر هخف.
ماتقولي ياكينو يا أخويا يا حبيبي حكايتكم من أولها وبلاش تلاوعني في الكلام.
اتعرفت على زوزو إزاي وأمتى.
وإزاي أنا معرفتش.
أردف بابتسامة ماكرة: اتعرفنا على بعض زمان ورجعنا لبعض دلوقتي.
زمت شفتيها بضيق: نعم ودي بقا الإجابة على كل أسئلتي.
أيوه يابوسة وبطلي فضولك ده شوية.
ماشي ياكينو هبطل فضول بس مسيري هعرف.
قام أكنان من مقعده ثم قال: تصبحوا على خير.
ابتسم نجم وقال في هدوء: أخيرا جاه اليوم اللي أشوف ابني هنا وقاعدين كلنا مع بعض.
نظرت له بيسان وأردفت قائلة: يعني معندكش فضول زيي تعرف إيه حكاية مراته وولاده.
لاذ بالصمت للحظات ثم قال ببطء: هو لو عايز يقول لينا هيقول.
وأنا كفاية عليا أنه حاول ينسى ويبدأ معايا صفحة جديدة.
كفاية عليا أنه منع أحفادي عني مع أن ده من حقه.
أنا ما كنتش ليه الأب المثالي.
شعرت بيسان بالحزن في صوته فقامت من مكانها وجلست على مسند كرسيه وأحاطته بإحدى ذراعيها وضحكت مغيرة مجرى الحديث: بس الولاد نسخة مني.
دول لو كانوا ولادي أنا ما كانوش هيبقوا شبهي كده.
ابتسم ببطء قائلا: شبهك أوي ودخلوا قلبي واحتلوه.
تصنعت الزعل: وأنا بح خلاص بقا مليش مكان.
لا طبعًا أنتي ليكي النص بحاله.
وليه بحاله كتير أوي عليا ولا أقولك خليها الربع.
قرص خدها بخفة وقال مبتسما: أنتي الكل في الكل طبعًا.
تابع زاهر في صمت حركات الأب مع ابنته.
ابتسم وهو يرى سعادتها البادية على وجهها.
تحدث قائلا: أنا داخل أنام تيجي معايا.
ومد يده إليها.
ابتسمت له وأمسكت يده.
هاجي معاك.
وقبل أن تتحرك قبلت والدها على وجنتيه.
تصبح على خير.
تصبحين على خير يا حبيبتي.
في الغرفة عند زهرة.
بعد أن تأكدت من نوم أطفالها أخرجت بيجامة من الدولاب وحدثت نفسها أن اليوم كان جميلًا بالرغم من توترها في البداية فهي كانت تخشى مقابلة عائلته ولكن تحت إصرار الصغيرين ذهبت معهم مضطرة والآن هي تشعر بالراحة.
زينت شفتيها بخفة وهي تسترجع ما مضى وسعادة صغارها مع ولهوهم مع الجد والعمة.
وعندما وصلت أفكارها باتجاهه متذكرة نظرته الخاصة لها فقامت بهز رأسها واتجهت إلى الحمام.
عندما خرجت تفاجأت به جالس على حافة الفراش.
سألته بلهجة متوترة: انت بتعمل إيه في أوضتي.
أردف بابتسامة هادئة: قصدك أوضتي أنا.
بلعت ريقها بصعوبة: أوضتك أوضتك.
أيوه أوضتي أوضتي.
ومادام هي أوضتك جيلان جبتيني هنا ليه.
رد عليها في هدوء: عشان أنتي مراتي وأوضتي هي أوضتك.
قالت بسرعة: لا وأطلع بات في أي أوضة الفيلا كبيرة وفيها أوض كتير.
نهض من مكانه واقترب منها بخطى واثقة وتمعن في النظر لها.
شعرت بالارتباك من نظراته.
همس بصوت أجش: مراتي يازهرة ياريت تفهمي كلامي ده كويس.
أنا سبتك براحتك وبقول هي معذورة في تصرفاتها وزي ما بيقولوا للصبر حدود.
أنا ما كنتش هنام هنا ثم أشار باتجاه باب مغلق أنا كنت هنام في الأوضة دي.
سألت بهمس متوتر: أومال كنت عايز إيه.
رفع خصلة شاردة من شعرها ووضعها خلف أذنها وهمس بخفوت: كنت عاملك مفاجأة متأكد أنها هتبسطك أوي.
اضطرب جسدها من هذه اللمسة الخفيفة فقالت بحدة: مش بحب المفاجأة.
بس المفاجأة دي هتحبيها.
مش عايزة أعرف.
هتندمي على فكرة وعمومًا مش هتحرك من مكاني إلا لما تعرفي المفاجأة وتقبليها كمان.
سألت وهي تشعر بالقلق: مادام هتخرج أنا موافقة.
نظر بعينيها وقال: قدمت لك في كلية الطب المفروض من أول السنة تتابعي دراستك فيها.
هزت رأسها عدة مرات غير مصدقة ما سمعت أذنيها.
دخولها كلية الطب وأن تصبح طبيبة كان حلم حياتها هي ووالدها.
قالت وقد لمعت عينيها بالدموع: ينفع أكمل دراستي عادي.
ابتسم وقال: أنتي بقيتي طالبة في الكلية فأكيد ينفع.
شردت زهرة مع ذكريات الطفولة وحلمها الذي أصبح فيما بعد حلم بعيد المنال.
هو من خلال بحثه في خلفيتها علم عن حلمها.
هي أصبحت كل شيء بالنسبة له أصبح متعلق بها بشدة.
تردد قليلا قبل أن يقول: مبسوطة يازهرة.
ثم ربت على رأسها بخفة.
هذه الحركة البسيطة جعلتها تفيق من السعادة التي عاشت فيها للحظات.
ابتعدت عنه وواجهته: انت ليه عملت كده؟
ليه قدمت ليا في الكلية؟
مرر أصابعه في شعره وقال: مش عارفة ليه عملت كده؟
ردت بخفوت: إحساسك بالذنب صح.
اعترض على كلامها وهتف بيأس: لا مش إحساس بالذنب يازهرة.
أمسك بيديه كلا كتفيها وهزها.
أنا تعبت تعبت من مشاعري ناحيتك.
أنا عملت كده عشان أشوف نظرة.
نظرة سعادة واحدة في عينيكي.
أنا عملت كده عشان بحبك.
هتف بألم بحبك.
حبيتك وأنتي زهرة بتاعت زمان وحبيتك أكتر لما عرفت زهرة الحقيقية.
أنا عملت كل ده عشان بحبك.
اتتجوزتك عشان بحبك مش عشان خاطر الولاد وبس.
عشت معاكي في نفس المكان عشان مقدرش أعيش من غيرك.
انكمشت وهي تسمع كلامه.
اندفعت من عينيها الدموع وصاحت: بس أنا مش.
ترك إحدى يديه الممسكة بها ووضعها على فمها وصاح هو الآخر بألم: عارف.
أنا كل اللي عايزه تتقبلي وجودي في حياتك وجودي كزوج حقيقي مش مجرد خيال.
أنزل يده وخرج بسرعة من الغرفة بخطى غاضبة.
غاضبا من نفسه بسبب انهياره وعدم تحكمه في أعصابه.
انهارت زهرة جالسة فوق الفراش.
انسالت الدموع فوق وجنتيها.
لا تدري ماذا تفعل.
أغمضت عينيها في تعب وتكوّمت فوق الفراش.
هل يحبها حقًا؟ أم ماذا؟
هل أسامحه أم لا.
أخذت تدعو كثيرًا أن ينير الله طريقها فهي تشعر بالتعب والتشتت وعدم القدرة على اتخاذ القرار.
لا تعلم كم من الوقت مر وهي بهذه الحالة عندما فاقت واستعادة توازنها أخيرًا عرفت ماذا تريد.
وقررت في أقرب وقت يجتمعوا سويًا أخبارها بقرارها المتعلق بمصيرهم معًا.
في الصباح تناول الجميع الإفطار على سفرة واحدة.
ساد الجو المحيط بهم دفء الأسرة بهجة خاصة بهجة تجمع العائلة في مكان واحد.
شعر أكنان بوجود شيء مختلف فيها.
إحساس داخلي يخبره بذلك.
ابتسامتها ضحكاتها مختلفة حتى نظراتها.
وعند الانتهاء ركبت كل مجموعة سيارتها الخاصة حتى المطار وفي الداخل.
ضمت بيسان كلا الصغيرين بحب وقالت بتأثر: هتوحشوني كتير.
إياد بلهجة طفولية: وانتي كمان هتوحشيني شوية مش كتير.
ضحك الجميع على رد إياد.
ضحكت بيسان بصوت عالي: هوحشك شوية شوفت ابنك ياكينو طالع ليك قال هوحشه شوية.
ثم نظرت له مبتسمة.
مقبولة منك يا سي إياد وإنت بقا يا وليد هوحشك قد إيه.
هتوحشيني أد البحر.
حبيبي يا وليد شوفتوا الواد الدبلوماسي.
ضحكت قائلة مش طالع لك ياكينو أكيد الدبلوماسية دي من مامته.
غمز أكنان لزهرة وقال: طبعًا طبعًا المنبع كله عندها.
وبعد فترة ركبت بيسان وزاهر الطائرة الخاصة بهم.
وركب جيلان السيارة مع ابنها وقبل الانطلاق قال نجم: تبقى تجيب الولاد كل فترة وبلاش تقطع بزيارتهم ليا قلبي اتعلق بيهم أوي.
أجابه بنبرة ثابتة: هبقى أوديهم الفيلا.
مع السلامة يجوجو.
جيلان بابتسامة: مع السلامة يا حبيبي جوجو.
مع السلامة يا حبايبي.
انطلق نجم السيارة.
وبعدها مباشرة انطلق أكنان هو الآخر.
زهرة كانت جالسة بجواره.
لسانها انعقد عن الكلام من شدة توترها.
همست بخفوت: ياااا.
التفت لها وقال بفضول: نعم يازهرة عاوزة تقولي حاجة.
ردت بارتباك: آه أنا فكرت في كلامك امبارح وعايزة ادي لعلاقتنا فرصة.
انصدم فقد النطق لثواني.
نظر لها يتأكد من وجودها بجواره وأنها هي نفس الشخص وسأل مكررًا: قولتي إيه؟
أنا قررت ادي علاقتنا فرصة.
هتف بسعادة: واخيراااا.
اللحظة دي استنيتها كتير.
امسك كف يديها وضغط برقة وهمس بابتسامة: أوعدك يازهرة أنك هتعيشي سعيدة معايا.
وأخذ يصيح بسعادة: أنا أسعد إنسان في الكون.
شعرت بالراحة من قرارها لتزين شفتيها ابتسامة هادئة.
ودعت في سرها راحة البال وأن تملأ البهجة حياتها.
إنها ليست النهاية ولكنها مجرد البداية.
رواية زهرة لكن دميمة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سلمى محمد
يأس أكنان من محاولة إقناعها بالذهاب معه، وقبل خروجه هتف بغضب: "أنتي الخسرانة... ومن بكرة تيجي الشغل".
ثم أغلق الباب خلفه بعنف.
وجد السائق بانتظاره في الخارج بالقرب من السيارة.
تحدث السائق قائلاً: "أوصل حضرتك فين؟"
صاح بغضب: "غور من وشي".
ليدلف إلى السيارة.
جلس في كرسي السائق وانطلق بأقصى سرعة، تاركاً خلفه زوبعة من الأتربة.
ظل يقود بدون إدراك منه إلى أي جهة يسوق.
نظر إلى المكان الذي توقف فيه بصدمة.
حدث نفسه بألم: "معقولة يا أكنان بعد السنين دي كلها... تجيبك رجلك في المكان ده... لأمتى يا زوزو... قوللي لأمتى هفضل عايش بذنبك... لأمتى هفضل أكنان اللي بيأذي غيره... دبحتك وذليت زهرة... ما حدث مع زوزو جعل روحه مشوهة".
هتف بغضب: "ليه... ليه جيت هنا... مش كفاية لحد كده يا أكنان... مش كفاية عذاب... أنت بقالك سنين بتكفر عن ذنبك".
وبعد مرور فترة من مناجاة نفسه والدعاء، شعر بالهدوء النفسي.
واعترف لنفسه بحبها.
لمعت عيناه عندما وصل منحنى أفكاره عند هذه النقطة.
هز رأسه بتصميم، مقرراً الاعتراف لها بمشاعره تجاهها.
ولكن قبل المواجهة يجب أن يقوم بدفن الماضي.
خطى باتجاه سيارته بتصميم وعزيمة، وانطلق بها إلى الجراج الخاص به.
ترجل من سيارته، واقترب من سيارته القديمة، فهي ظلت سنوات مركونة من يوم الحادث المشؤم.
وضعها بنفسه هنا، وكل فترة كان يأتي لمشاهدتها فقط من الخارج دون يجرؤ على قيادتها.
لم يستطع التخلص منها، فهو أراد وجودها لكي تذكره بما فعل من ذنب لا يغتفر.
دلف إلى داخلها بعزم ثابت، مقرراً قيادتها والتخلص منها، وطوي صفحة الماضي.
وضع يديه على عجلة القيادة، استعداداً لتشغيلها.
فجأة رن هاتفه، فقام بإخراجه من جيبه، ورفعه في اتجاه وجهه لرؤية رقم المتصل.
أمسكه بحركة خاطئة، ليقع على أرضية السيارة.
هتف بحدة: "أوووف... هو ده وقت..."
ثم أحنى رأسه لالتقاطه.
لفت نظره بريق يلمع في الركن.
امتلكه الفضول لمعرفة ماهية هذا الشيء.
مد أصابع يده وأمسكه.
رجع في مكانه وقبضة يده مغلقة على ما أمسكه.
فتح كف يديه، ناظراً له.
تمتم بخفوت: "فردة حلق... فردة حلق..."
شرد للحظات، ووميض ذكرياته تفجر دفعة واحدة داخل عقله.
ليهتف بصدمة: "مستحيل... مستحيل... طب إزاي... دي فردة الحلق الضايعة بتاعت زهرة... وآخر حد ركب العربية معايا كانت زوزو".
هز رأسه بعنف غير مصدق ما رأت عينيه.
"العربية متفتحتش من زمان... إيه اللي جاب فردة الحلق دي هنا... مستحيل تكون بتاعت زوزو... طب إزاي... زهرة مش زوزو... وزوزو مش شكل زهرة... السر فين..."
تنفس بعمق.
"أهدى يا أكنان وفكر بعقلك".
استعاد ما مر من مواقف له مع زهرة.
"مستحيل زهرة تكون زوزو".
تسرب الشك بالتدريج داخل عقله، فقرر كسر الشك باليقين ومعرفة كل شيء عنها.
حدث نفسه: "هتصل بأمين يجمعلي معلومات عنها... بس أنا مش هستحمل الكام ساعة وممكن يوم عشان يجمعلي المعلومات عنها".
تذكر زهرة وأحمد وعلاقتهم الوثيقة.
وأيضاً تذكر أنه كلف أحد الحراس عنده بمراقبة جميع تحركاته.
أمسك هاتفه وقام بالاتصال بهذا الحارس.
أخذ منه العنوان، وفي خلال أقل من ربع ساعة كان موجوداً أمام باب شقته.
وضع إبهامه على جرس الباب.
في داخل غرفة رشا وبجوارها والدتها.
ألقت ابتسام نظرة على رشا تدل على الضيق: "كفاية لحد كده يا رشا وتعالي معايا... حالتك مش عاجبني وسايبة البنات مش نضاف... ده أنا أول مادخلت قالولي إنهم ميتين من الجوع... أنا بنفسي خلتهم ياخدوا شاور وأكلتهم ودلوقتي هما نايمين".
ردت بانفعال: "أنا مش هتحرك من شقتي... هفضل هنا... هروح معاكي".
لم ترد عليها، ولكنها نهضت من جانب ابنتها وأغلقت مصاريع النافذة.
فبرودة الهواء كانت لا تحتمل.
قالت بهدوء ظاهري: "اسمعي الكلام وبلاش عناد يا رشا... أنتي شايفة نفسك عاملة إزاي... شكلك بقى زي الشبح".
هزت رأسها بعنف: "بقولك لأ... أنا هفضل هنا في شقتي مع جوزي وبناتي".
قالت ابتسام: "فوووقي يا رشا... أحمد طلقك... وعمره ما هيرجع ليكي طول ما انتي بالمنظر ده".
اهتز جسد رشا بشدة وهي تقول: "أحمد هيرجعلي... وزي ما خليته يتجوزني هخليه يرجعلي".
نهضت من مكانها بحركة مترنحة، متجهة ناحية الدولاب.
أخرجت منه عدة صور، واقتربت من أمها.
نظرت لها ابتسام بقلق وهي ترى اضطراب ابنتها الواضح.
جعلتها رشا تشاهد الصور: "الصورة دي من فرحنا شوفي كان بيضحك ليا إزاي... والصورة دي وإحنا بنرقص مع بعض... وشايفة الصورة دي... الصورة دي بتقول أنا الكسبانة وزهرة الخسرانة".
وأشارت بإبهامها على زهرة وهي تقف على عدة أمتار بجوارهم.
"دي بقى زهرة... شوفتي بصة القهر اللي في عينيها وأنا برقص مع أحمد في فرحنا".
ضحكت بهستيرية.
"مكنتش مصدقة لما اتصلت بيها... جيت جري عشان تتأكد".
ثم مطت شفتيها متصنعة الحزن وقالت: "ياحراااام... مصعبتش عليا".
نظرت لها بصدمة: "كفااااية يارشا... مش عايزة أسمع حاجة تاني... كفاية صدمات ليا فيكي".
أشارت رشا لخارج الغرفة، وقالت باضطراب: "أنا سامعة جرس الباب... هروح أشوف مين".
ثم خرجت من الغرفة وتبعتها ابتسام مباشرة.
فتحت رشا الباب وقالت: "نعم".
دلف أكنان إلى الداخل مباشرة.
تحدث ببرود: "عايز أكلم أحمد".
ظلت رشا صامتة تتأمل الغريب.
كرر سؤاله قائلاً: "عايز أكلم أحمد".
قالت رشا: "أنت مين وعايز أحمد لها".
نظر لها بتمعن وقال: "وإنتي مين".
"أنا مرات أحمد".
"رشا صح".
"أيوه... مقولتش أنت عايزه ليه".
ظهر على وجهه تعبير شرير عندما أكدت تخمينه.
أصبحت عينيه داكنتين. خطت رشا إلى الخلف بخوف، لكن يده أمسكت رسغها بعنف: "أنت بقا رشا اللي أذت زهرة؟"
صاحت ابتسام في وجهه: "سيب بنتي بدل ما أتصل بأخوها يسجنك."
نفض يديه بقرف دافعًا إياها. قال بهدوء: "أنتي مش قد الكلمتين دول، متعرفيش بتكلمي مين."
هتفت بغضب: "اطلع برا."
رد بلامبالاة: "فين أحمد الأول."
نتيجة دفعه لرشا سقطت الصورة الممسكة بها تحت قدميه. خطى خطوة للأمام، داس بطرف حذائه على الصورة، حرك قدميه للإطاحة بها. اتسعت عيناه بصدمة وهو يراها بعد هذه السنوات. أحنى ظهره وبأصابع مترددة التقط الصورة. هتف بحدة قائلاً: "مين دي؟"
ردت رشا بتقزز عندما أشار إلى صورة زهرة: "دي ولا حاجة."
نظر لها بوجه شرير: "بقول مين دي؟"
ردت رشا بخوف: "زهرة، دي تبقى زهرة."
بنبرة قاسية قال: "عايزك تحكيلي كل اللي عملتيه معاها بالتفصيل."
هتفت ابتسام: "اطلع برا بدل ما أتصل بابني معتز يحسبك، ابني ظابط على فكرة."
جلس أكنان على أقرب كرسي واضعًا قدمًا فوق الأخرى، وقال بابتسامة ساخرة: "وأنا بتليفون واحد بس مني، أطردلك ابنك من شغلي."
شعرت ابتسام بالخوف من تهديده، فمظهره وطريقة كلامه تخبرها أنه قادر على تنفيذ كلامه. فقررت إعطاءه ما يريد من معلومات: "أنا أحكيلك كل حاجة."
مع كل كلمة تنطقها، جعلت سخطه في ازدياد. بمجرد انتهائها، نهض من مكانه بغضب هائل من نفسه، من الجميع، فالكل قام بإيذائها حتى هو. قال لهم بلهجة قاسية: "اللي حصل مش هعديه بالساهل." حدث نفسه: "وأنت يا أكنان هتجيب حقها منك إزاي." ثم انصرف من داخل الشقة يكاد لا يرى أمامه من شدة غضبه.
بمجرد خروجه، أخذت رشا تضحك بهستيرية: "شفتي يا ماما، حتى هو مدلوق عليها، هي فيها إيه زيادة عني." استمرت في الضحك بصوت عالٍ. حاولت ابتسام تهدئتها لكنها استمرت في الضحك. استيقظت الفتاتين مفزوعتين من نومهما على صوت أمهم. رمت الفتاتين نفسهم في حضن جدتهم، ف قامت بضمهما بحنو.
كررت ابتسام توسلها: "الله يهديكي كفاية، بناتك خايفين منك."
بعد فترة هدأت رشا وتوقفت عن الضحك.
قالت ابتسام برجاء: "تعالي معايا."
هزت رشا رأسها بالنفي وقالت بهدوء: "أنا داخلة أنام."
وعندما اختفت رشا من أمامها، اتصلت بابنها لكي يأتي لشقة شقيقتها في منتهى السرعة.
***
تقلبت بيسان على الفراش بعدم راحة. فتحت عينيها بالتدريج ونظرت للسقف بعيون ناعسة. لفتها أنه ليس المنظر المتعودة عليه عندما تستيقظ. مرت مشاهد ضبابية لزاهر وهو يقوم بنزع ملابسها. ابتسمت بخفة متخيلة أنه حلم.
فتح الباب ودلف زاهر، حاملاً بين يديه صينية محملة بالطعام.
ابتسم قائلاً: "صباح الخير، لو مكنتيش صحيتي، كنت صحيتك بنفسي."
نزعت الغطاء من فوقها حتى تستطيع الجلوس براحة. اتسعت عيناها بصدمة عندما رأت ما ترتديه من غلالة نوم رقيقة. خضبت حمرة الخجل وجنتيها. قالت بحدة: "مكنش حلم، إزاي تعمل كده وتغيرلي هدومي وأنا نايمة."
غمز له بخبث: "ده أنا يدوب عقبال ما طلعت الشنط لقيتك نايمة بهدومك. حاولت أصحيكي مصحيتيش." ابتسم بمكر: "ده أنتي طلع نومك تقيل."
زمت شفتيها بحركة طفولية: "أنا مش نومي تقيل."
هز كتفيه وقال: "ده أنا غيرتلك هدومك وفضلت نايمة متحركتيش خالص."
"...كلمة شرف مني متجاوزتش حدودي."
تذكرت شعورها بالسعادة وهي متخيلة أنها تحلم. قالت بخجل: "طب ممكن تدور وشك، عشان عايزة أقوم أدخل آخد شاور."
زينت شفتيه ابتسامة متلاعبة: "ملهوش داعي الكسوف، ما أنا شفت كل حاجة."
هتفت بخجل: "زااااهر."
رد بابتسامة: "حاضر هدور وشي، خدي شاور بسرعة عشان محضرلك حتت برنامج سياحي هتتبسطي منه أوي."
ضيقت بين حاجبيها بعبوس، متمتمة بخفوت: "أشك."
سأل زاهر: "بتقولي حاجة ياروحي؟"
_ "بقول أي حاجة منك أكيد هتطلع حلوة."
أجاب بثقة: "طبعًا."
دافعت بعدها مباشرة إلى الحمام.
زاهر كان جالسًا على الفراش، ناظرًا باتجاه باب الحمام، والابتسامة تزين شفتيه. اتسعت عيناه بصدمة. نهض من مكانه مفزوعًا. "يامصيبتك السودة يازاهر." واتجه ناحية باب الحمام. همس بخفوت: "افتحي... امشي دلوقتي يا فتحي، دي بتخاف من نفسها. امشي أبوس رجلك، امشي الله يخليك، ده أنا جايبها هنا بالغصب."
نظر له فتحي ببلاهة، وبالرغم من توسل زاهر له رفض التزحزح من مكانه.
همس بغضب: "بقولك أمشي، هتبوظلي تخطيطي، دي ممكن تخلعني فيها. أمشي أنت دلوقتي وأنا هظبطك. مش عايز تتحرك يا بارد، مادام الزوق مش نافع معاك، يبقى أستعمل العنف." التقط أقرب شيء بجانبه كانت المنشفة، وقام بتحريكها أمامه. في هذا الوقت خرجت بيسان ورأت زاهر يتصرف بغرابة.
سألت بفضول: "مالك يازاهر بتلف الفوطة في الهوا كده ليه؟"
غمز لفتحي بمعنى اثبت في مكانك وقال بهدوء ظاهري: "كان في ناموسة بهشها."
نظرت له بتوتر وهي ترى تعبيرات وجهه وتلويحه بيده الحرة خلفها: "قولي بصراحة يازاهر، هو في حاجة ورايا."
تصنع الهدوء وقال: "أبدًا ياحبي، مفيش حاجة."
_ "أومال بتعمل كده له؟"
_ "مانا قولتلك بهش ناموسة."
_ "بجد يازاهر؟"
_ "طبعًا بجد، ومالك واقفة عندك ليه، ماتتحركي." قطع كلامه صائحًا عندما رأى حركة فتحي المتأهبة: "أوعى يا فتحي."
فصرخت بيسان برعب هي أيضًا.
***
في شقة والدي ضحى، في داخل غرفة نومهم.
قال بملامح متهجمة: "أنا تعبت يا أمينة."
_ "حصل إيه يا حج؟"
_ "مبقتش مرتاح في العيشة هنا، مش مرتاح لنظرات الناس."
_ "هو حد قالك حاجة ضايقتك؟"
تحدث بحدة: "كنت قطعت لسان اللي بيتكلم، بس مبقتش مرتاح. أنا فكرت كتير وخلاص خدت قرار."
سألت أمينة: "قرار إيه؟"
قال بلهجة حازمة: "هنسيب الشقة هنا، وهنعيش في منطقة تانية منعرفش حد فيها ولا حد يعرفنا."
خرجت الكلمات بصعوبة من حلقها: "أنت بتقول إيه يا حج، إحنا طول عمرنا عايشين هنا بين أهلنا وناسنا، مستحيل الكلام اللي بتقوله ده."
تكلم بحدة: "المستحيل إننا نفضل هنا بعد اللي حصل مع ضحى."
ردت بألم: "لسه بردو؟ بعد اللي حكيته ليك وإن ضحى كويسة."
_ "نظرات الناس مبترحمش يا أمينة، إحنا اطمنا عليها، طب والناس، مفيش حد مصدق إنها طلعت من المصيبة دي كويسة، ومين هيقدر يتقدملها من المنطقة ولو غريب وجه سأل هيطفش بعد ما يعرف حكايتها. زي ما بقولك مفيش قصادنا غير إننا نعزل من هنا، فكري في مستقبل ضحى بعدين، أكيد مش عايزها تعنس جنبك."
هزت رأسها بالنفي: "طبعًا لأ، طب وشغلك؟"
_ "قدمت على معاش مبكر."
_ "يالهوووي، هتسيب الشركة."
_ "مفيش حل قصادي غير كده، المعاش مع الفلوس اللي محوشها هفتح سوبر ماركت."
_ "وحسام؟"
_ "هو كمان هيسيب الشركة وهنشتغل مع بعض."
هتفت أمينة: "يالهوووي، هو كمان."
رد بضيق: "وبعدين معاكي يا أمينة."
قالت أمينة بقلة حيلة: "لا حول ولا قوة إلا بالله، اللي تشوفه صح أعمله يا حج."
نهض من مكانه وقال: "أنا خارج، عايزة حاجة من برا."
هزت رأسها نافية. اتجه ناحية الباب وقبل تحريكه المقبض.
نادت أمينة: "استنى يا حج، في موضوع كنت عايزة أكلمك فيه."
سأل عبد الفتاح: "خير، موضوع إيه؟"
وحكت له ما حدث مع كريم وعزومتها له. عندما انتهت من حديثها، سألت بتوتر: "متزعلش مني إني قلت ليه ييجي في أي وقت قبل ما آخد الإذن منك."
تحدث بهدوء: "مش زعلان يا أمينة، أنا نفسي أرد ليه جميله اللي هفضل شايلاه طول العمر فوق راسي. أنا حاولت آخد نمرته من محسن ومرضاش، حاولت أقابله ومعرفتش عشان أشكرك، كويس إنه هيشرفنا في البيت. هو هييجي إمتى عشان أقوم معاه بأحلى واجب ضيافة."
ردت أمينة: "كمان كام يوم، هو هيتصل بينا."
قال عبد الفتاح: "تمام نكون عملنا حسابنا."
***
قاد أكنان سيارته بسرعة هائلة، حتى وصل إلى شقته. وفي داخل غرفته، أخرج من جيبه صورتها، صورة زوزو التي أخذها من فوق الأرض. تأمل كل تفصيلة فيها، بداية من فستانها، وشعرها الحريري ذو اللون البني وعيونها الزرقاء التي ظلت تطارده في أحلامه لوقت طويل. انصدم من نظرات زهرة إلى أحمد، نظرة عاشقة تنزف ألمًا. هتف بألم: "آآآه، آآآه، وأنا كمان كملت عليكي." أمسك رأسه بعنف. "وليه عاملة في نفسك كده، ليه متخفية في الشكل ده." هز رأسه بعنف أكثر وأكثر. هتف لنفسه بانفعال: "وبعدين معاكي يا زوزو." تحرك ناحية الباب عازمًا على الذهاب لها لكي يتأكد، لكي يواجهها لماذا خبأت عنه حقيقتها.
رواية زهرة لكن دميمة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سلمى محمد
قاد أكنان سيارته بسرعة هائلة حتى وصل إلى شقته.
وفي داخل غرفته، أخرج من جيبه صورتها، صورة زوزو التي أخذها من فوق الأرض.
تأمل كل تفصيلة فيها، بداية من فستانها، وشعرها الحريري ذو اللون البني، وعيونها الزرقاء التي ظلت تطارده في أحلامه لوقت طويل.
أنصدم من نظرات زهرة إلى أحمد، نظرة عاشقة تزف ألماً.
هتف بألم:
"آآآه... آآآه وأنا كمان كملت عليكي."
أمسك رأسه بعنف.
"وليه عاملة في نفسك كده؟ ليه متخفية في الشكل ده؟"
هز برأسه بعنف أكثر وأكثر.
هتف لنفسه بانفعال:
"وبعدين معاكي يازوزو."
تحرك ناحية الباب عازماً على الذهاب لها لكي يتأكد، لكي يواجهها لماذا خبأت عنه حقيقتها.
قاد سيارته في اتجاه منزلها، ولأول مرة منذ عدة سنوات يشعر بفقدان السيطرة على نفسه. لا يعلم كيف يتصرف.
وعندما كاد يصل إلى منزلها، قام بإيقاف سيارته، واضعاً رأسه على عجلة القيادة.
أنسابت من عينيه دمعة وحيدة، معلنة عصيانها وتمردها على ذنب ظل في طي الكتمان لعديد من السنوات.
رفع رأسه بصعوبة ناظراً بشرود.
تمتم بخفوت:
"هتروحلها تقولها إيه؟ هتقولها ليه خبيتي حقيقتك عني؟"
هز رأسه بعنف قائلاً:
"مش معقولة متعرفنيش... معقولة بتمثلي عليا؟ ومتخفية في شكلك ده عايزة تنتقمي مني؟ بسبب اللي عملته فيكي زمان... بس إحنا اتقابلنا صدفة في الكافيه وكان ده شكلك عشان كده معرفتكيش لما شوفتك... يبقى متتغيرتيش عشان معرفكيش."
هتف بصياح:
"دماغي هتنفجر... هتجنن... هتجنيني يازوزو... ويترى إيه حكايتك... لازم أعرف ليه عملتي نفسك مش عارفني وخلي المواجهة بعدين لما تتأكد من شكوك."
ختم كلامه بإصرار، ثم توجه إلى سيارته عائداً لمنزله، وتوعد نفسه باكتشاف الحقيقة.
***
انتفضت بيسان من مكانها عندما شعرت بكائن ما فوق رأسها.
صرخت بأعلى نبرات صوتها:
"زاااااااهر."
وأندفعت ملقية نفسها على صدره.
خاف فتحي من صراخها فاتسعت عيونه وثبت قدميه بعنف فوق رأسها، جعلتها تصرخ متألمة وبصوت مرتعش:
"آآآه شيل البتاع اللي فوق راسي بسرعة يازاهر."
هتف زاهر بانفعال:
"فتحي."
وحاول نزعه لكنه ظل متشبثاً رافضاً التزحزح من شدة خوفه.
بيسان برعب مختلط بألم:
"همووووت... هموووووت."
زاهر حاول التحدث بصوت هادئ في محاولة منه لبث الطمأنينة:
"بلاش تصرخي... وأنا هتصرف."
مد يده باتجاهه قائلاً بخفوت:
"تعالى يافتحي وأنا هجبلك كيلو جوز لوحدك أنت وبس... وهجوزك كمان بس انزل من فوق راسها."
ثم جذبه بهدوء وأبعده تماماً من فوق رأسها، وأمسكه بإحكام في قبضة يده.
وبمجرد ما بيسان رأته هتفت بفزع:
"فاااااار."
فاقدة الوعي على صدره قبل الانتهاء من الصراخ.
"القه بعنف."
ثم أحكم قبضته عليها حتى لا تسقط على الأرض.
تحدث بهلع:
"بيسااااان حبيبتي... فووووقي."
ووجه نظرات شريرة لفتحي قائلاً:
"هموتك."
فر فتحي هارباً إلى الخارج.
وهو مازال واقفاً ممسكاً بها.
لمس خدها برقة:
"بيسااان."
وربت على وجهها بخفة لأفاقتها.
فتحت بيسان عينيها بالتدريج، وعندما تذكرت ما حدث هتفت بخوف:
"فاااار يازاهر... الفار كان فوق راسي وخربشني... آآآه يا راسي."
زاهر برقة:
"مفيش حاجة أنا بصيت مفيش أي جرح."
بيسان بتوسل:
"أنا عايزة أمشي من هنا يازاهر... عشان خاطري."
قبل أن يجيب زاهر سمع أصوات دربكة عالية في خارج الغرفة، لتدخل صفية مندفعة.
صفية بابتسامة:
"مصدقتش نفسي لما سعدة قالت أنك هنا في أوضتك... عين العقل لما تقضي شهر العسل هنا... عشان مفيش أحلى من هنا."
ثم وجهت كلامها إلى بيسان وقالت بلهجة باردة:
"طبعاً عاجبك المكان هنا... هو في زي أسوان ولا هو أسوان... ميقدروش قيمتها غير اللي عايشين فيها... مش الخواجات اللي طول عمرهم عايشين برا."
شعرت بيسان بعدم الراحة والاستهزاء في نبرة صوتها.
وقبل فتح فمها بالكلام، نغزها زاهر بخفة عندما استشعر تهورها، متمتماً بخفوت:
"بيسان."
بيسان بابتسامة ماكرة:
"للأسف لسه مشوفتش حاجة... أصل وقت ما جينا البيت مخرجناش من الأوضة."
ونظرت إلى زوجها بدلع:
"أنا عايزة أخرج ياحبيبي... مش كفاية بقى... أنا زهقت."
مطت صفية شفتيها بامتعاض:
"زهقتي من إيه... ده انتي مكملتيش يوم... أنا هستناك على العشا أنت ومراتك."
وقبل أن تهم بالخروج، دلف فتحي إلى الداخل مقترباً من قدميها.
بيسان بمجرد رؤيتها للفأر، اختبأت خلف زاهر وهتفت برعب:
"الفار راجع تاني يازاهر."
وأشارت باتجاهه، واتسعت عينيها بصدمة وهي ترى صفية تقوم بحمله.
دعا زاهر أن تمر هذه الليلة على خير.
رد عليها بهدوء:
"ده مش فار."
قاطعت صفية كلام زاهر وقالت بضيق عندما رأت خوفها:
"فار مين ده... ده فتحي سنجوبي."
بيسان بتوتر:
"سنجوبي إيه يازاهر."
قال برقة:
"ده مش فار وهو في فار بيطير بردو... ده سنجاب يا قلبي... سنجاب ليه جناحات."
بيسان بخفوت:
"خرجني من هنا يازاهر."
تحدثت صفية بخبث عندما رأت خوفها:
"هروح بقى أشوف بقيت أخواتك يافتحي أصلهم واحشوني أوي."
وأنصرفت.
اتسعت حدقتها بصدمة:
"أخوات مين دول يازاهر... والبت ده اللي شكله وحش بيعمل إيه مع مامتك."
"ممكن تقولي أن ماما عندها هواية... هواية غريبة شوية."
"مش فاهمة كلامك وأيه علاقة سؤالي بهواية مامتك."
"هي ليه علاقة وثيقة... بس كوني متأكدة أن حيوانات ماما مش بيخرجوا من المكان بتاعهم... هو مفيش غير المصيبة فتحي اللي بيخرج زي ما هو عايز."
هزت رأسها بإدراك ثم قالت:
"أنت بتقول هواية غريبة وحيوانات... وهما زي البتاع اللي شبه الفار."
دقت قدميها على الأرض بعنف وهتفت قائلة:
"أنا مش هبات هنا خالص ومش هبات وبس... أنا مش هقعد هنا دقيقة واحدة."
تحدث بهدوء:
"أهدي كده يابيسان... مينفعش نمشي دلوقتي... خليها بكرة أكون حجّزت في أي فندق."
بيسان بانفعال:
"مفيش بكرة يازاهر... أنا عايزة أمشي دلوقتي."
ثم ذهبت إلى شنطتها وفتحتها.
سأل زاهر:
"بتعملي إيه."
بيسان وهي معطية له ظهرها:
"زي ما أنت شايف بجهز شنطتي عشان همشي."
جز على أسنانه بحدة:
"وأنت بقى هتمشي لوحدك."
بيسان بهدوء:
"لا طبعاً أنا معرفش أمشي لوحدي... هتيجي معايا."
كرر زاهر:
"مفيش خروج يابيسان."
بيسان بضيق:
"هخرج يازاهر."
وتجاهلت وقوفه وقامت بتجهيز حقيبتها.
التفتت خلفها عندما سمعت صوت إغلاق الباب.
وأمام نظراتها المندهشة وضع المفتاح في جيبه.
وقال بهدوء:
"وريني هتخرجي إزاي."
هتفت بحدة:
"افتح الباب."
تحسس زاهر المفتاح ثم قال:
"مش هفتح وأهدي شوية."
أبتعد عن الباب واقترب منها.
وفي لحظة وجدت نفسها بين ذراعيه.
حاولت الإفلات ولكن قبضته كانت محكمة حول خصرها الغض.
هتفت وهي تشعر بالتوتر من لمسات أصابعه على خصرها، قالت بتوتر:
"سبني أخرج أناااا... أنااا مش عااايزة."
ابتسم بمكر:
"مش عايزة إيه بالظبط."
هتفت بتوتر:
"أنت أنت متقدرش ترغمني على حاجة مش عايزها."
حركة أصابعه ازدادت في العبث.
زاغت عينيها بين الباب المغلق وزاهر.
شعرت أنه يريد إخضاعها وجعلها تستسلم والقبول بالبقاء.
همست:
"لأ."
بيد واحدة أمسك خصرها وباليد الأخرى أمسك كف يديها وقربه من شفتيه ونثر عليها قبلات خفيفة.
قال برقة:
"لأ على إيه بالظبط... أنا متأكد بعد اللي يحصل بينا... كل انفعالك وتوترك ده هيروح... ليلة جوازنا اتأخرت كام ساعة."
وغمز بأحد حاجبيه.
"بس هتتعوض."
سحبت يديها وقالت بتوتر:
"أنت متقدرش ترغمني على حاجة.... أنا عايزة أمشي من هنا."
ابتسم بمكر:
"ومين قال أني هرغمك ولا هستعمل أي عنف... أنا فكرت كل التوتر والانفعال اللي أنتي فيه مش هيروح غير بحاجة واحدة وهتنسي كل اللي حصل."
مع كلامه أخذ يقرن القول بالفعل.
أخضعها لمشاعره الملتهبة.
همست بخجل:
"زاهر."
همس هو الآخر بصوت أجش:
"زاهر بيعشقك."
أخذها بين أحضانه وبعد فترة صمت الكلام بينهم، واستسلمت له دون مقاومة.
***
طرقت أمينة الباب ودلفت إلى داخل غرفة ابنتها.
رفعت ضحى رأسها لرؤية الطارق.
جلست أمينة بجوارها.
تحدثت بهدوء:
"عايزة أتكلم معاكي في موضوع مهم."
تركت الكتاب الممسكة به بجوارها فوق الفراش.
وقالت:
"خير ياماما."
"كل خير ياضحى... والدك كلمني في موضوع مهم... وأنا قلت لازم إنتي تعرفي."
"قلقتيني ياماما موضوع إيه اللي مهم."
تنهدت بعمق:
"احنا هنسيب الشقة هنا... هنرحل نهائي وهنسكن في منطقة تانية."
اتسعت عينيها غير مصدقة.
فوالدها رجل دقة قديمة، لا يحب التغيير.
سألت بفضول:
"مقالكيش السبب."
ردت بلجلجة:
"مالوش لزمة."
تذكرت زهرة فسألت بشرود:
"وزهرة ياماما... لما نعزل هنسيبها كده لوحدها وهي محتاجنة أوي الفترة معاها."
ردت أمينة بحنية:
"ماهو إحنا مش هنمشي دلوقتي... على الأقل شهر أو اتنين."
"طب مينفعش تعزل معانا.... أنا مقدرش أسيبها... هي ملهاش غيرنا دلوقتي... مش معقولة نتخلى عنها بعد ما بقت يتيمة."
شعرت أمينة بالشفقة تجاه زهرة فقالت:
"خلاص ياضحى... أنا هكلم أبوكي وححاول أقنعه."
دفعت ضحى نفسها بين ذراعي والدتها.
وقالت بابتسامة:
"ربنا يخليكي ليا ياست الكل... ممكن طلب صغير كمان."
"أشجيني وقولي."
"هنزل أقعد عند زهرة شوية."
"انزلي بس تعالي قبل ما أبوكي يجي من برا."
هزت ضحى رأسها بالإيجاب وقبلت رأسها:
"ربنا يخليكي ليا يا قمر... ثم أشارت إلى عيونها... من العين دي قبل العين دي."
هبطت ضحى السلم في عدة خطوات.
طرقت على باب الشقة.
سمعت صوتها من الداخل:
"دقيقة ياللي على الباب وافتح."
هتفت ضحى:
"أنا ضحى يازهرة... مالهوش لزمة الدقيقة اللي هتوقفيني بسببهم.... افتحي واقفلي على طول."
تركت زهرة الباروكة من يدها ووضعتها على الكرسي:
"حاضر هفتح أهو."
وفتحت الباب.
دلت ضحى وأغلقت الباب بسرعة.
عندما رأت عيون زهرة المنتفخة وعلامات البكاء تاركة علامتها على وجهها.
انقبض قلبها بألم:
"شدي حيلك يازهرة."
وحاولت التكلم في موضوع آخر:
"ياااه بقالي كتير مشوفكيش من غير لينسز وباروكة... نفسي في يوم زهرة الحقيقية تظهر... زهرة الجميلة."
انهارت مقاومة زهرة فهتفت بألم:
"زهرة الحقيقية هي السبب في كل المصايب اللي حصلت ليها... جمالها هو السبب في كل مصايبها... السبب في موت أبوها... السبب في رقدة أمها في السرير من صدمتها."
أنسابت دموع الألم على وجنتيها وهي تتكلم.
"ماتو وسابوني لوحدي في الدنيا."
هتفت ببكاء:
"آآآه.... آآآه."
ضحى حضنتها، وأخذت تهدي فيها:
"عشان خاطري بلاش تعيطي... إنتي مش لوحدك... أومال أنا بعمل إيه."
هتفت زهرة من بين دموعها:
"أنا خلاص تعبت... وعايزة أموت... فكرت كتير أموت نفسي بس مقدرتش."
ضحى بحزن:
"استغفري واستهدي بالله... معقولة عايزة تموتي كافرة... أنا هدخل أعملك كوباية ليمون تهديكي شوية."
بعد عدة دقائق خرجت ضحى من المطبخ ووضعت الصينية على الطاولة التي بجوارهم.
ومدت يديها بشطيرة باتجاه زهرة.
قالت برجاء:
"خدي السندوتش ده عشان خاطري."
هزت زهرة رأسها برفض:
"مليش نفس."
ضحى بتوسل:
"عشان خاطري... إنتي بقالك يومين محطتيش لقمة في بؤك... كده تقعي من طولك."
ردت بحزن:
"ياريت."
هتفت ضحى:
"متقوليش على نفسك كده.... بعد الشر عليكي."
استمرت عدة دقائق تترجها حتى تناولت منها الشطيرة على مضض. وعند انتهائها وتناولها كوب الليمون أيضاً بالغصب، هدأت زهرة قليلة.
وقالت: "أحمد شوفته النهاردة."
اتسعت عينيها بذهول: "أحمد... إياه!"
هزت رأسها بالإيجاب: "هو... جاه يعزيني ويطلب مني أسَامحه وطلب يتجوزني."
ضحى بصدمة: "ده بيستهبل... هو جي يعزي ولا يتجوز؟ كويس إنك خلصتي منه... طول عمره مش بيفهم... واحد قليل الذوق مش بيفكر غير في نفسه."
تنهدت زهرة: "بعد السنين دي جاي يقولي أنا عرفت الحقيقة وبيطلب مني أسَامحه... وقالي إنه عرف إن رشا هي اللي فرقت بينا وعرف إنها السبب في سجني وقالي إنه طلق رشا."
شتمت بصوت مسموع: "تسامحي مين؟ الله يولعوا هما الاتنين... ونفسي أشوف رشا عشان أمسكها من شعرها وأعمله مكنسة أكنس بيه الشارع وبعدين أولع فيها... آه بس مين يحطها تحت إيدي... وجاه إمتى الزفت ده؟"
ردت زهرة بصوت حزين: "جاه بعد ما الكل مشي... ما عدا إكنان بيه كان لسه موجود... وكان هيتخانق مع أحمد... أنا مش قادرة أفهم الشخص ده خالص."
ضحى بفضول: "إنهو واحد؟"
"أقصد إكنان... بحس إنه عنده أكتر من شخصية... مش قادرة أفهمه... أوقات بيعاملني كويس وأوقات بيعاملني وحش. الفترة اللي فاتت كان معايا في تعب ماما... والنهاردة لما رفضت أمشي معاه وقولت ليه مينفعش الأول كنت بات مع الموظفين هناك عشان المستشفى كانت قريبة من شقتك... بس دلوقتي خلاص ميصحش. وبعدين لقيته انفعل عليا وراح مزعق... أنا مش قادرة أفهم البنأدم ده."
تمتمت ضحى: "ده ممكن يكون ملهوش غير حاجة واحدة... إن ممكن يكون بيحبك."
ردت زهرة بلهجة قاطعة: "يحب مين؟ أنتي أكيد اتجننتي... ده نتيجة الروايات اللي بتقريها... الغني اللي بيحب البنت الفقيرة الحلوة الكيوت وبعدين يتجوزوا... ويخلفوا صبيان وبنات ويعيشوا في تبات ونبات... الكلام ده في الروايات... وقوليلي بقا هيحب إيه... هو شاف فيا إيه عشان أجذبه ويحبني وده طبعاً مستحيل يحصل."
ردت ضحى بإصرار: "شاف روحك الحلوة وقلبك الطيب."
قالت زهرة بابتسامة حزينة: "ده أنتي دماغك باظت من كتر الروايات... طب اسكتي... قال حب روحي الحلوة قال... ياختي اتنيلي... زي مابقولك هو واحد في بؤه معلقة من دهب... شايفني قصاده نوع مختلف وبيسلي نفسه... أوقات بيكون طيب... وأوقات بيكون شرير."
"بحس إنه عنده أكتر من شخصية."
ضحى بمكر: "طب أنتي ولا مرة فكرتي فيه... كده ولا كده... ده الواد مز."
زهرة شردت للحظات، تنهدت بعمق: "مانتي عارفة اللي فيها ياضحى... أنا خلاص انتهيت من يوم الحادثة أيها... وموضوع الحب والجواز شيلته من دماغي."
ضحى بحزن: "بس اللي حصل ده كان غصب عنك.. مكنش برضاكي... نفس القي الحيوان اللي دبحك واعتدى عليكي... مش معقولة حياتك تقف عند كده."
زهرة بألم: "قدري ومكتوب وراضية بيه."
قالت ضحى بأمل: "مش ناوية ترجعي زي الأول... شيلي الباروكة واللينسز.. واظهري بشرتك الحقيقية... مش كفاية السنين دي كلها مستخبية ورا شكلك ده لحد إمتى... هتفضلي كده؟"
زهرة بألم: "لحد ما أموت... ده عقابي لنفسي على اللي حصل ليا."
ضحى بلهجة حزينة: "بس ده مكنش ذنبك."
تقلب في الفراش بعنف. همس وهو نائم: "أنا عارف أشكالك كويس... تعالي وأنا هبسطك على الآخر." استيقظ مرة واحدة. جلس فوق الفراش. صدره أخذ يعلو ويهبط بعنف. وقطرات العرق تلمع على فوق جبينه وعلى صدره. مسح بكفيه حبيبات العرق بقسوة وهتف صارخاً: "أنا عايز أرتاح... ارتاااااح."
رواية زهرة لكن دميمة الفصل العشرون 20 - بقلم سلمى محمد
مجرد أغتصاب ... فيها توهان عبث بالمصير
توقف...
أريد العودة...
لا عودة بعد الان ايتها الجميلة فقد حان وقت الجريمة...
توقف اريد العودة...
ماذا تخالين نفسك فانا القوي وأنتي مجرد عاهرة جميلة...
لاصوت يسمع لصراخي ...لا نجدة لاستنجادي وأصبحت في ذاكرة الماضى مجرد خاطئة...
لعنت اليوم الذي ولدت فيه فتاة جميلة...
وأخال لوهلة أن وأد البنات رحمة في مجتمع يدعي الفضيلة...
لا زالت ألمح ذلك النور الخافت في أخر الممر ياليتها كانت نهاية لحياتي...
ياليتها كانت نهاية لحياتي...
فضيحة...
مجرد فتاة أخرى تلحق بأهلها الفضيحة...
فنحن الاناث أذ مابتلينا كان بلائنا أغتصاب ...فتلبس ثوب الفضيحة...
فنحن الاناث أذ مابتلينا كان بلائنا ثوبا وجسدا والوجه الجميل...
فنحن الاناث أذ مابتلينا كان بلائنا صمت في مجتمع يدعي الفضيلة
أتى الصباح حاملا معاه أمالا جديدة وأملا في محو الأم القلب...جفاه النوم طوال الليل ... أول ماأخبرته كاترينا بقدومها وبمجرد نطق أسمها...أنبعث في قلبه خفقان وأضطراب خفيف...حيث كانت حياته في الواقع خالية من الحب...وشعر بنشوة رائعة ثم لسعته حسرة أليمة عندما تذكر فعلته الشائنة...
خرج من غرفته مسرعا باتجاه المطبخ...رأها واقفة أمام الموقد معطيه له ظهرها...تقوم بأعداد الأفطار...ظل يحدق بها في صمت...حائر الفكر...مرتبك...مهتز المشاعر...كل أفكار الليلة الماضية وقرار المواجهة ذهبت أدارج الرياح...لا يعلم في هذه اللحظة ماذا يريد منها...
شعور غير مرئي جعلها تشعر بأن هناك عيون تراقبها...التفتت فرأته واقفا ناظرا لها بعيون شاردة ...حاولت أن تتجاهل نظراته والعودة الى ماكانت تفعله...لكنها لم تفعل...أنتبه لها...نظراته قابلت نظراتها الحائرة...
وبعد صمت قال:
عايز فنجان قهوة سادة
ردت بتردد:
بس حضرتك ولا مرة شربتها سادة
نظر لها بتركيز وعينين لا تتحرك قيد أنملة من على وجهها:
مزاجي النهاردة أشربها سادة
تعثر لسانها وهي تقول:
دقايق أكون عملت الفطار لحضرتك...وبعدين هعمل القهوة
بنظرات لا تحيد عن وجهها:
ماشي وأنا هستنى ...جذب كرسي الطاولة وجلس عليه ...أنا هفطر هنا النهاردة
نظراته جعلتها تشعر بالانفعال والضيق ...قالت:
دقايق والفطار والقهوة يكونو قصادك
تحدث بهدوء مميت:
فطرتي
نظرت له بحيرة:
لا لسه مفطرتش
_ يبقا اعملي حسابك في الفطار معايا
_ ميصحش حضرتك
_ اللي أقول عليه يتنفذ
_ بس أنا مش جعانه
ردد مكررا بحدة:
اللي أقول عليه يتنفذ
ردت بتلعثم:
حاااضر...ثم أعطته ظهرها ...وأكملت ماكانت تفعله ...حدثت نفسها بحزن...مش كفاية أمرني أجي النهاردة الشغل عنده...بنأدم ميعرفش الأصول...كان المفروض يراعي ظروفي ويديني أجازة...ميعرفش الرحمة...هزت رأسها بحيرة...أنتي كده بتظلميه يازهرة ...أزاي معندهوش رحمة وهو واقف معاكي وفضل جنبك طول فترة مرض مامتك...ماهو كان كويس معايا...طب أيه اللي غيره مرة ...أيه اللي حصل...ممكن يكون بسبب رفضي أعيش هنا...يمكن كلام ضحى صح...لا ده أسمه جنون...مستحيل طبعا...أكيد في حاجة تانية غيرته وأنا مش عارفها
وفي غرفة ناصر وصفية
تحركت ذهابا وأيابا في الغرفة بعصبية
نهض ناصر جالس فوق الفراش ...وقال:
مش معقولة ياصفية من الفجر وأنتي واخدة الاوضة رايحة جاية...في أيه لكل ده
ردت بضيق:
أنا مخنوقة أوي ياناصر
تحدث بهدوء:
ماأنا عارف...مش محتاجة تقوليلي...أنا صحيت من النوم وفوقت ليكي...قوليلي بقا أيه اللي خنقك
شبكت كلا كفيه في بعض وهي تقول بتلعثم:
زاهر منزلش يتعشى معانا أمبارح مع أني قولتلو بنفسي ينزل يتعشى معانا هو ومراته...
أنفرجت شفتيه عن أبتسامة وضحك قائلا:
طبيعي أنه مينزلش ...أنتي نسيتي أنه لسه عريس
ردت بانفعال:
بس أنا قولت ليه بنفسي ...ينزل هو مراته يتعشو معانا ...وهو طنشني...ياخسارة تربيتي
ضحك ناصر:
بتغيري ياصفية
ردت بعصبية:
طبعا لأ...وهغير من أيه
ناصر بابتسامة:
ماهو مفيش غير أجابة واحدة لعصبيتك الزيادة اللي ملهاش مبرر غير كده...أنك بتغيري
صفية بانفعال:
أنا مش غيرانة بس زعلانة أنه طنشني ومنزلش على العشا
أبتسامته أختفت ...وقال برقة:
عريس أبنك عريس وطبيعي أنه مينزلش ويفضل في أوضته...وغمز لها بمكر...باين عليكي نسيتي أول أيام جوزانا مكناش بنخرج من أوضة النوم...
أشتعل وجهها بحمرة الخجل ...تمتمت بتلعثم:
يوووه عليك ياناصر...هو ده وقته الكلام في الموضوع ده
نهض ناصر من فوق الفراش واقترب من زوجته...هامسا بحب بالقرب أذنيها:
لسه لحد النهاردة وشك بيحمر ...أحاط خصرها بذراعيه...مفيش غير أنسب من ده وقت عشان أقول الكلام ده...تعالي نعيد أمجاد زمان
تحدثت بارتباك:
أعقل يارجل ده أنت كلها كام شهر وتبقا جد...أحنا خلاص كبرنا على الدلع ده
غمز لها مبتسما:
أنا بقا لسه شباب وهعيد أمجاد زمان
مرة وقت طويل منذ أن شعرت بالارتباك من كلام زوجها ...شعرت في هذه اللحظة أنها رجعت فتاة شابة...
نظرت له بحب:
مش أنت لوحدك اللي لسه شباب
رمقها بنظرات خاصة محبة:
تعالي بقا عشان نعيد أمجاد زمان
كانت واقفة بالقرب من النافذة ...تتنفس نسيم الهواء ...فهي عندما أستيقظت لم تجد زاهر بجوارها...تلمست بدون وعي خاتم زواجها...ثم أبتسمت عندما أمتلأ عقلها بالأحداث المثيرة في الساعات الماضية...
تقدم زاهر حاملا صينيه الأفطار...أستدرات له وجهها يشوبه الخجل...
نظر لها ولاحظ أحمرار وجهها ...وبصوت أجش:
صباح الخير ...أنا قولت زمانك جعانة... تأملها بنظرات عاشق لم يرتوي ظمأه
أخذ قلبها يخفق بسرعة من نظراته له...حركت يديها بعصبية وقالت بخجل:
ده أنا هموت من الجوع ...ثم حاولت أمساك الصينيه...فقام بأبعادها عن مجال يديها...
سألت بيسان مستفهمة:
ليه
ابتسم لها بمكر:
المقابل الاول
بيسان بعدم فهم:
مقابل أيه مش فاهمة
بابتسامة متلاعبة:
مقابل الفطار بتاعك
_ أنت بتتكلم جد
_ طبعا
_ وأيه نوع المقابل اللي أنت عايزه عشان تخليني أفطر
رأت نظراته الراغبة ...هتفت بخجل قائلة:
أاااه...لا مفيش عشان أنا بجد جعانة
قال بنبرة رقيقة:
أمري لله ...
تناولا وجبة الافطار في هدوء نسبي...لكن نظراتهم المتبادلة قالت الكثير والكثير ....نظرات عاشقة راغبة تقابلها نظرات محبة خجولة....
أستيقظت من نومها مفزوعة...هتفت بصوت مسموع:قل أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وشر عباده ومن همزات الشياطين...عندما انتهت اخذت تتنفس بعمق...جلست فوق الفراش... تمتمت بخفوت:خير اللهم اجعله خير...شعرت بجفاف في حلقها...مدت يديها فوق الطاولة وامسكت دورق المياه لكي تصب المياه في الكأس... لكنها وجدته فارغ... تأففت بصوت مسموع:أنا كنت مليها قبل مانام... أكيد القردتين بنات بنتي فضوه...خرجت من غرفتها باتجاه المطبخ لتروي عطشها...بمجرد أقترابها من المطبخ... رأت أبنتها خارجه منه...لفت نظرها شيء يلمع في يديها.. ولما ركزت نظراتها...رأت يديها ممسكة بالسكين...
وصلت بقربها بسرعة... سألته ابتسام بقلق:
هتعملي ايه بالسكينة على الصبح يارشا
رشا بلهجة مضطربة:
هعمل بيها حاجة
ابتسام مكررة:
حاجة ايه
ردت عليها بلهجة منفعلة:
مانا قولتلك أي حاجة... ثم تركتها متجهة إلى غرفتها
ظلت ابتسام في مكانها لعدة ثواني... شعرت بإحساس غير مريح.. تذكرت الكابوس.. ذهبت مسرعة إلى غرفة ابنتها وبدون الطرق على الباب دلفت إلى الداخل... اتسعت عينيها برعب عندما رأت ابنتها... ترفع السكين باتجاه معصم يديها...
هرولت إلى ابنتها وهي تصرخ:
بلاش يارشا
نظرت لها رشا بعيون زائغة وقالت باضطراب:
الحياة مبقاش ليها لزمة بعد ماطلقني...
أمسكت ابتسام يديها الممسكة بالسكين صاحت بصراخ:
الحقني يامعتز.. معتززززززز الحقني بسرعة
أخذت رشا تقاومها بعنف وابتسام متشبثة بكلتا يديها بيد ابنتها الممسكة بالسكين
صرخت بصوت هستيري:
سيبي أيدي... أنا مش عايزه اعيش وهعيش لمين
ابتسام اخذت تصرخ وتبكي:
عيشي لبناتك... حرام اللي هتعمليه في نفسك
أتى معتز مهرولا إلى غرفة رشا بسبب صياح والدته المستمر... عندما رأى المشهد الواقع أمامه.. في خلال خطوتين كان بينهم وفي لحظة وبحركة مدروسة لوى ذراع رشا ونزع منها السكين
حاولت استرجاع السكين...صرخت بجنون:
عاااايزه اموت...
كبل كلتا يديها خلف ظهرها... ثم قال:
اتصلي بدكتور خالد... قوليلو يجي بسرعة...
وضعت زهرة صينية الافطار فوق الطاولة... وعندما انتهت من ترتيب الطعام ظلت واقفة في مكانها...
نظراته كانت مثبته عليها...قال بنبرة حازمة:
أقعدي
_ ميصحش انا شغاله عندك
_ وأنا اللي بقولك اقعدي
أحضرت طبق خاص له ووضعته فوق الطاولة ثم جذبت كرسي وجلست عليه وهي تشعر بالضيق بالأضافة إلى إحساس مبهم بالخوف...
بلهجة إمرة:
هتبصي لطبقك كتير
زهرة بلهجة حزينة:
بس أنا مليش نفس
قال بأصرار:
اعتقد ابسط حاجة تردي بيها جمايلي عليكي انك تسمعي كلامي
اتسعت عينيها بحزن وهى تسمع كلامه....تمتمت بخفوت:
حاضر
ساد الصمت بينهم...لقيمات الخبز طعمها كان كالعلقم... ابتلعته بصعوبة... شعرت انها سوف تختنق... وهو أيضا واجه صعوبة في تناول الطعام... أدعى أمامها انه مستمتع بما يأكله...
تنهدت زهرة براحة بالغة عندما انتهت... قالت:
هقوم اعمل لحضرتك القهوة...أشار لها بالنهوض...وهي واقفة خلف موقد الطهو... شعرت بأنفاسه خلفها مباشرة...اهتزت اعصابها... التفتت لها وقالت:
حضرتك عايز حاجة...
ظل صامتا للحظات...حائرا...مفكرا كيف يتخلص من شكوكه... طرأت فكرة بداخل عقله لفتح مجال للكلام...
تصنع رؤية خصلات شعرها الحقيقية... اقرن القول بالفعل... مد أصابع يديه وسأل:
إيه الكام الخصلة الدهبي اللي نازلين على جبهتك
رجعت تلقائيا إلى الخلف مضطربة من لمساته...
ومع رجوعها للخلف، أمسك شعرها المستعار جاذبًا إياه.
اتسعت عيناها بالصدمة وهي ترى شعرها المستعار بين يديه. نظرت له بعجز.
سأل أكنان مكررًا سؤاله عندما ظلت صامتة: "إيه ده؟ ما تردي عليا. أنتي لابسة باروكة ليه؟"
استعادت أعصابها بصعوبة، هتفت في وجهه قائلة: "أنا حرة. ألبس باروكة ولا ملبس، دي حرية شخصية."
نظر لها بتركيز: "لأ مش حرة. لما تخفي شكلك الحقيقي تحت منظرك ده وتبقي شغالة عندي، يبقي مش حرة."
ردت بلجلجة: "تقصد إيه بكلامك؟"
رد بهدوء مميت: "أنتي مش لابسة باروكة وبس. أنتي مغيره شكلك خالص. أنتي مغيره لون عينيكي وكمان لون بشرتك."
فركت أصابع يديها بتوتر وبلهجة مضطربة: "أنا حرة."
"لأ مش حرة. ده اسمه نصب. لما تشتغلي عندي ومتخفية في شكل مش شكلك، يبقي اسمه نصب. ودي جريمة وليها عقاب." حدث نفسه. "هي لو تعرفه وبتمثل وهددها بالسجن. تهدديه؟ ليها؟ هتخليها تنطق بالحقيقة."
"تقصد إيه بكلامك؟ هو أنت ممكن تسجني؟"
هز كتفيه بخفة وسأل باستجواب: "ممكن أه وممكن لأ. لو قولتي الحقيقة... مش هبلغ عنك أنك بتنصبي عليا."
لمعت عيناها بدموع القهر: "أنا... أنا والله مش بنصب عليك."
سأل بإصرار: "اومال عاملة في نفسك كده ليه؟ متخفية في شكلك ده؟ هربانة من إيه؟ عملتي إيه؟ ولا عايزة تعملي إيه؟"
ردت ببكاء: "والله ما عملت حاجة غلط عشان أهرب منها. أنا عاااملة في نفسي كده عشاااان..." قطعت صوتها وهي تتكلم.
سأل بإلحاح: "قوليلي الحقيقة يازهرة وأنا هسيبك في حالك. أنا مبحبش حد يضحك عليا."
غصت بالبكاء وقالت: "أنا مقصدش أضحك عليك."
"جاوبيني بصراحة يازهرة وأنا هسيبك في حالك ومش هسألك تاني. ليه واحدة جميلة زيك تخفي جمالها في شكل مش حلو؟"
"عشان جميلة. جمالي كان بلاء ليا. كان مطمع للكل. وملقتش قصادي غير كده عشان أعيش بأمان أنا وأمي بعد وفاة بابا. أنا مريت بتجربة قاسية وأكتر من تجربة بسبب جمالي ده. أنا اتسجنت في يوم من الأيام بسبب غيرة صاحبتي." هزت رأسها بعنف. "اللي كنت فاكرها صاحبتي. اتهمتني بالسرقة عشان غيرانة مني وأن أحمد فضلني عليها. وبسبب سجني والدي مستحملش ومات. جمالي كان بلاء." انهمرت دموع الألم على وجنتيها وهي تستعيد ذكرياتها المريرة. نظرت له برجاء. "أنا مش حرامية. فاكر أحمد يوم العزا؟ لما قال حقيقية اللي حصل وبرائني قصادك من السرقة. وأن رشا مراته هي السبب."
هز رأسه قائلاً: "أيوه فاكر."
زهرة بألم: "أنا اتظلمت كتير والدنيا جات عليا كتير. الله يخليك متجيش عليا أنا كمان. متبقاش أنت والدنيا عليا. أنا اللي خلاني أعمل كده... أنا بقيت وحيدة وجمالي كان بلاء ومطمع للكل. قولت لنفسي مفيش غير كده عشان أعرف أرتاح من الناس ونظراتهم ليا. أعرف أعيش بينهم من غير ما أكون مطمع ليهم. عشان جاه في يوم كرهت شكلي ده. فاهم يعني إيه تكره تبص لشكلك في المراية؟ تكره الوش اللي اتخلقت بيه؟ وتتمنى الموت. ملقتش قصادي غير كده عشان أعرف أعيش."
شعر بوخز حاد في قلبه لرؤيتها هكذا. فهو أيضًا تسبب في عذابها. أغمض عينيه متألماً. وحدث نفسه: "لماذا لم تعرفه؟ ما السبب لعدم تذكره؟ هل من الممكن أن تكون نسيته؟" هز رأسه بعنف. "لكنها كانت واعية عندما تكلمت معه. وعرفته على اسمها وهي تبتسم قائلة زوزو. أنا أديتها سبب أنها تتكلم. ليه فضلت ساكتة؟ وقالت أنها تعرفني. أنا تعبت معاكي يازهرة. ومادام عايزة تفضلي ساكتة. أنا كمان هفضل ساكت لحد ما أتأكد أذ كنت عارفني ولا لأ."
سألت بصوت مبحوح حزين: "مليش خلاص شغل هنا."
رد بحدة: "ومين قال ملكيش شغل هنا. أنتي هتفضلي شغالة."
ردت بقهر: "بس أنا..."
تحدث بعناد: "من غير بس يازهرة. أنا بصراحة مقدرش أستغنى عنك."
نظرت له بدهشة: "نعم؟"
رد بابتسامة: "قصدي مقدرش أستغنى عن فنجان قهوتك. بقيت مدمن قهوتك ومفيش حد بيعملها زيك."
"وأنتي هتسمعي كلامي وهتفضلي هنا وأنا مش هكلمك في الموضوع ده تاني. كأنه محصلش من الأساس. وروحي أعملي فنجان قهوتي عشان دماغي هتنفجر من الصداع وبلاش أنتي تجيبه. ابعتيه مع كوكو وخدي بقيت اليوم أجازة."
هزت رأسها بالإيجاب: "حاضر."
---
أتى كريم إلى شقة أكنان. وفي داخل غرفته.
كريم باستفسار: "قولي بقا عملت إيه في الصفقة بتاعت أيلون؟"
أجاب بلامبالاة: "معملتش حاجة. بتفرج وبضحك في السري على اللي بيعمله شهاب."
كريم بضيق: "ماهو لو كانت وصلتك أخر الأخبار مكنتش قولت كده."
تحدث بهدوء: "وأيه أخر الأخبار؟"
"فرح شهاب ودينا كان النهاردة وعزم أيلون ومراته على الفرح. وسمعت شوية كلام أن موضوع الصفقة بينهم بقا جدي. ماتعملي زي لو حتى تمثيل وروح اتجوز زيه وبعد ما تاخد الصفقة طلقها."
فجأة لمعت فكرة داخل عقله. نهض من مكانه بحدة. ناظرًا إلى كريم بابتسامة خافتة: "صدق فكرة."
نهض كريم هو الآخر مستفهماً: "فكرة إيه؟"