تحميل رواية زهرة لكن دميمة بقلم سلمى محمد pdf
بقلم سلمى محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
داخل عينيكي شعلة من التمرد ... تخبرني أن الحياة بيننا لن تكون دائما وردية ... لكن ستكون مليئة بالأشواك ... فأنتي الفتاة المدللة من الجميع وشاء قدري أن ينبض قلبي لكي أنتي فقط ياحبيبتي المدللة ... أنطلق زاهر بالسيارة بأقصى سرعة للحاق بطائرتهم ... تمللت بيسان بعصبية وهي جالسة بجواره ... فهو ظل صامتا بمجرد أنطلاقه بالسيارة ... وكل ثانية تمر بينهم بدون كلام جعلت أعصابها كشعلة اللهب ... تأففت بصوت مسموع عندما يأست منه ... ثم هتفت بحدة: هدي السرعة شوية تجاهل سؤالها واستمر في قيادة سيارته بنفس السرعة .....
رواية زهرة لكن دميمة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سلمى محمد
((صغيرة كنت أستعجل الأيام كي أكبر... والآن أتوسل الأيام أن تعيدني حيث طفولتي وتنساني هناك))
أتى كريم إلى شقة أكنان. وفي داخل غرفته،
كريم باستفسار: قولي بقى عملت إيه في الصفقة بتاعت أيلون؟
أجاب بلامبالاة: معملتش حاجة... بتفرج وبضحك في سري على اللي بيعمله شهاب.
كريم بضيق: ماهو لو كانت وصلتك آخر الأخبار مكنتش قلت كده.
تحدث بهدوء: وإيه آخر الأخبار؟
كريم: فرح شهاب ودينا كان النهاردة وعزم أيلون ومراته على الفرح... وسمعت شوية كلام إن موضوع الصفقة بينهم بقى جدي... ماتعمل زيه لو حتى تمثيل وروح اتجوز وبعد ما تاخد الصفقة طلقها.
فجأة لمعت فكرة داخل عقله. نهض من مكانه بحدة، ناظرًا إلى كريم بابتسامة خافتة: صدق فكرة.
نهض كريم هو الآخر مستفهماً: فكرة إيه؟
رد بابتسامة متلاعبة: هتجوز.
نظر له فاغر الفاه: أنت بتقول إيه؟ اللي سمعته ده صح؟ أنت بجد ناوي تتجوز؟
تحدث بهدوء: أيوه.
كريم مستفهماً: ومين بقى سعيدة الحظ اللي وقع عليها الاختيار؟
ظل صامتاً لعدة ثوانٍ، ونظر إلى كريم بثبات قبل النطق بكلماته: زهرة.. هتجوز زهرة.
انتفض في مكانه من صدمة ما سمع، قال برفض: ده بجد ولا هزار؟
كريم: ومن امتى أنا بهزر؟ أنا قررت وأنت السبب إن فكرة الجواز تطق في دماغي دلوقتي.
أكنان: وملقتش غير زهرة... في رجال أعمال كتير يتمنوا يناسبوا أكنان نجم... مفيش غير زهرة الخدامة... زهرة الوحشة.
هتف في وجهه بحدة: أول مرة وأخر مرة تغلط فيها يا كريم. نظر له بتهديد: فاهم يا كريم، آخر مرة... زهرة هتكون مراتي.
أندهش من رد فعله الحاد وقال بلوم: أنت بتزعقلي عشان بقولك إنها مش مناسبة ليك.
أكنان بلهجة قاسية: بلاش يا كريم... زهرة خط أحمر.
تنفس كريم بعمق وحاول التكلم بالمنطق: اللي شايفه من انفعالك عليها... إن الموضوع ملهوش علاقة بالصفقة... وكأنك صدقت فتحت الكلام في الجواز عشان تقول هتجوزها. أحنا أكتر من الأخوات يا أكنان وعايز مصلحتك... ليه زهرة بالذات؟ مع أنها... من غير ما تتنرفز عليا تاني... مع أنها مش حلوة وأنت قصادك بنات ولا ملكات الجمال... ده غير المستوى الاجتماعي... إيه الحكاية بالظبط؟ وليه زهرة بالذات؟
أجابه بذهن شارد: أول مرة شوفتها... أول مرة سمعت صوتها... تنهد بعنف... آه من صوتها لمس كياني من جوا ومكنتش أعرف ليه... حسيت بإحساس خفي بيشدني ليها... بالرغم إن شكلها كان تحت العادي ومفيهوش شيء ملفت... حسيت برباط وهمي بيشدني ناحيتها... معرفتش في الأول أحدد ليه هي بالذات دون عن كل البنات اللي شفتهم هي بالذات جذبت انتباهي... عملت كل حاجة عشان تفضل تحت عيني... ولما رفضت تشتغل عندي... اشتريت الكافيه اللي شغالة فيه وقفلته عشان تبقى من غير شغل... ولما كانت بتدور على شغل وتتعين فيه... كنت بخلي صاحب الشغل يرفض ويمشيها... وفي يوم ماكنتش عامل حسابه نجم شغلها في الشركة وفي مكتبه وده كان مش بأمري أنا... وبعدين اتهمتها بسرقة ملف مهم وبسبب كده اترفت وأنا هددتها لو مقبلتش تشتغل عندي في البيت هسجنها.
قال كلامه وهو مستغرق في التفكير، غير واعٍ لنظرات كريم المذهولة. أعقب كلماته بالعديد من التنهيدات. وبعدين موضوع مرض والدتها حسيت بحزنها كأننا شخص واحد مقدرتش أسيبها وكل اللي كنت بعمله معاها مكنتش أعرف سبب ليه... لحد ما أخيراً عرفت إني مقدرش أعيش من غيرها... ممكن أقول أحب أو إحساس بالذنب أو الاتنين مع بعض... بس اللي متأكد منه دلوقتي إني قررت اتجوزها.
قال له معظم ما حدث وظل صامتاً عن السبب الرئيسي، فهي ستكون زوجته.
هز رأسه بصدمة: يااااه يا أكنان كل ده عملته فيها... أول مرة أشوف كده... وهي ردها هيكون إيه؟
وأحساسها ناحيتك نفس إحساسك برضو.
توقف فترة قصيرة مسترجعاً حديثه معها عن الحب وأجابتها أنها لا تريد الحب ولكن شخص يحترمها ويقدرها كما هي.
أجاب كريم على نفسه دون انتظار رد أكنان: هو ده سؤال بردو... طبعاً بتحبك وكل اللي عملته معاها زمانها نسيته عشان خاطر سواد عيونك. وضحك بخفة: أنا مشوفتش واحدة لحد دلوقتي مش بتحبك دول بيترمو عليك زي النمل... مركز ومال وجمال... دي طاقة القدر اتفتحت ليها... أكيد مش هتصدق وهتوافق على طول... وهتكلمها امتى؟
حدث نفسه قائلاً: يبقى متعرفهاش... هسألها ومن إجابتها هعرف إذا كانت تعرفني ومخبية ولا لأ... وحتى لو تعرفني وقالت لأ أو حتى قالت آه... أنا مستحيل أسيبها بعد ما حبيتها وعرفت إنها زوزو... مستحيل أسيبها تضيع من إيدي... أنا فضلت سنين أدور عليها عشان أكفر عن ذنبي في حقها... عشت سنين بتعذب على اللي عملته فيه وجاء اليوم اللي لازم أصلح جريمتي في حقها.
تحرك باتجاه الشرفة ونظر إلى السماء طالباً من الله أن يغفر له معصيته.
هتف مكرراً سؤاله عندما ظل أكنان صامتاً: أكناااان.
التفت له ورد عليه بنظرات شاردة: نعم يا كريم... كنت بتقول إيه؟
كريم: بقولك هتكلمها امتى؟
أكنان: مش دلوقتي... بعد ما يمر كام يوم على الأقل عشان وفاة والدتها.
كريم: أنا عايز مصلحتك يا أكنان... وعايز كل خير ليك... وبتمنى ليك كل السعادة. ثم احتضن أكنان حضن أخوي.
____
اتصلت ابتسام بأحمد عدة مرات تتوسل له الحضور ولكنه كان في كل مرة يرفض.
وخلال هذا الاتصال قررت التوسل له للمجيء.
تجهم وجه أحمد لرؤية رقم المتصل، تحدث بضيق: نعم يا مدام ابتسام.
قالت له برجاء: لو سمحت يا أحمد... حاول تسامح وخلي قلبك كبير... أنا مش بقولك عشان خاطرها ترجع بس ترجع عشان خاطر بناتك... حرام يتربوا بعيد عن أمهم وأبوهم.
رد بانفعال: كده أحسن ليهم... بدل ما يكبروا وسط المشاكل وشايفين أبوهم بيكره أمهم... أنا مبقتش طايق أسمع اسمها.
قالت بتوسل: عشان خاطر العشرة اللي كانت بينكم... تعالى شوفها... رشا تعبانة أوي وجالها انهيار عصبي وحاولت تموت نفسها... لو في عندك شوية شفقة ناحيتها... تعالى شوفها وجودك هيفرق معاها وهيخففها.
تركزت حواسه على آخر كلمات ابتسام، مردداً في نفسه... انهيار عصبي ومحاولة قتل نفسها... زينت شفتيه ماكرة ثم قال: رشا جالها انهيار عصبي.
ابتسام: أيوه... مستحملتش تبعد عنك.
أحمد: وحاولت تموت نفسها.
ابتسام: أيوه.
أحمد: يبقى معندهاش الأهلية إنها تربي البنات.
ابتسام: تقصد إيه بكلامك يا أحمد؟
تحدث بمكر: قصدي مكالمتك ليا جات بفايدة كبيرة ليا... عشان بعد ما أقفل معاكي... هكلم المحامي بتاعي يرفع قضية يثبت فيها إن رشا غير جديرة بحضانة البنات.
هتفت برعب: حرام عليك.... دي ممكن رشا تروح فيها.
أغلق أحمد الهاتف دون الرد عليها، لتزين شفتيه ابتسامة منتصرة، محدثاً نفسه... هجيبلك حقك يا زهرة حتى لو كان متأخر... وأكيد هيجي يوم وتسامحني.
_____
خرج كريم من عند أكنان وهو شارد الذهن، فأكنان سوف يتزوج من خادمة عنده ليست ذات جمال أو مال... سيتزوجها لأنه واقع في غرامه ولم يبالي بأي فروقات اجتماعية بينهم... وهو كريم خائف. حاول الابتعاد وقتل مشاعره الوليدة بسبب أنها لا تناسبه. حدث نفسه... إلى متى ستقاوم مشاعرك... فأنت قضيت العديد من الليالي تفكر بها... لا أعرف كيف ومتى حدث ذلك... ولكن الذي أعرفه الآن... أنا لا أستطيع الاستمرار هكذا. هز رأسه بتصميم وتمتم بخفوت: أكنان كان شجاع بقراره... خليك زيه... خليك شجاع.
أخرج هاتفه واتصل بمحسن.
تحدث بثبات: بقولك يا محسن.
محسن: نعم يا بيه.
كريم: معاك نمرة تليفون عبد الفتاح والد ضحى؟
محسن: أيوه... هو حاول يتصل بيك كتير عشان يشكرك على اللي عملته مع بنته.
كريم: طب أديه نمرة تليفوني وخليه يتصل بيا.
سأل بفضول: حضرتك كنت رافض في الأول... ليه وافقت دلوقتي؟
هتف كريم: ملكش فيه يا محسن... وأعمل اللي أقولك عليه من غير كلام... اتصل بيه دلوقتي.
ابتلع ريقه بصعوبة ثم قال: حاضر يا بيه.
بمجرد أغلاقه مع كريم قام بالاتصال بعبد الفتاح، وقال له أن كريم قال أن رقمه متاح له في أي وقت.
________
ظل زاهر وبيسان طول النهار في غرفتهم، وفي الخارج كانت صفية تشعر بالغيرة. فقرت قطع لحظات سعادتهم، وأمسكت فتحي بين يديها، ثم طرقت على الباب. فتح لها زاهر والابتسامة تزيين شفتيه: مساء الخير يا ست الكل. مطت شفتيها ثم قالت: مساء الخير.
تغيرت ملامح زاهر واختفت ابتسامته عند رؤية فتحي.
لاحظت صفية نظراته، لكنها ادعت عدم رؤية انزعاجه.
نظر زاهر إلى الداخل يتأكد من عدم وجود بيسان في الغرفة وأنها لازالت في الحمام. التفت إلى والدته: الجميل أخباره إيه؟
هزت رأسها ولوت شفتيها قائلة: زعلانة منك.
لازالت عيناه على الداخل، تحدث مستفسراً: وأنا أقدر أزعلك بردو؟ طب أنا عملت إيه زعلك؟
ماتت شفتيها قائلة: عشان منزلتش على العشا أنت ومراتك... كان نفسي أقعد معاك.
ضحك زاهر: ياااه وزعلانة مني عشان كده... قبل رأس والدتها: متزعليش مني يا ست الكل... والجايات أكتر.
صفية بضيق: بردو زعلانة.
احتضنها زاهر بحب، ثم تحدث برقة: عريس سماح المرة دي عشان خاطر ابنك العريس. وأخذ ينثر على وجهها العديد من القبلات، قائلاً برجاء: سماح المرة دي.
ابتسمت صفية غصب عنها: خلاص مش زعلانة... هي فين مراتك؟ مطلعتش تسلم عليا.
زاهر: في الحمام.
صفية: خلاص هدخلها عشان أسلم عليها.
حدث زاهر نفسه... فكر في حل للمشكلة دي... دي لو بيسان شافت فتحي مش هقدر أسكتها كفاية امبارح. رسم على وجهه ابتسامة هادئة: بيسان لسه داخلة وبتتأخر على الأقل بتقعد جوه ربع ساعة... لما تطلع هوصلها السلام.
صفية في سرها... يا خسارة كنت عايزها تسلم على فتحي. تحدثت قائلة: خلاص هخليها وقت تاني... وخلي بالك على صحتك.
زاهر بابتسامة: حاضر يا ست الكل. وبمجرد انصرافها أغلق الباب، وأسند ظهره عليه متنفساً براحة.
خرجت بيسان من الحمام، سألته باستغراب: مالك ساند على الباب كده ليه؟ هو في حاجة؟
زاهر بابتسامة: دي كانت ماما بتطمن وبتسلم عليكي.
هزت رأسها: آآآه... الله يسلمها.
اقترب زاهر منها ثم احتضنها برقة، وقال: البسي عشان هنخرج.
ابتسمت بحب: هنخرج فين؟
ابتسم بنعومة: خليها مفاجأة.
وبعد ذلك بفترة... أخذ زاهر وبيسان يتجولان في جزيرة الفنتين.
سألت بيسان بفضول: إيه التمثال ده؟
قال زاهر: كبش خنوم إله الجزيرة... كان أهل الجزيرة بيعبدوه.
هزت بيسان رأسها: آآآه... يعني راس الخروف ده الناس في الفترة دي كانوا بيعبدوه.
ابتسم بخفة: أيوه.
أمسك يديها بحب وتجولا في أنحاء الجزيرة. نظرات بيسان كانت كلها انبهار وإعجاب.
قال زاهر برقة: لما تتعبي من المشي قوليلي عشان نرتاح شوية.
ردت بضحكة مرحة: قول أنت اللي تعبت.
رد عليها هو الآخر ضاحكاً: مين ده اللي تعب... يلا بينا.
رأت بيسان درجات سلم شبه متهدمة تؤدي إلى الأسفل، فقالت: عايزة أشوف إيه اللي تحت. وأشارت إلى السلالم.
نظر إلى حركة يديها، عبس للحظات: في يافطة مكتوب عليها ممنوع الاقتراب.
ده غير السياج اللي حواليه... والسلالم مش سليمة.
نظرت له برجاء: بليزززز يازاهر... عايزة أشوف اللي تحت.
أستجاب زاهر لنظراتها فقال مستسلما: يلا بينا... قبل ما حد يشوفنا ونتمسك فيها.
اخترق كلاهما السياج وعندما وصلا إلى الأسفل وجدا نفسهم في أرض خلاء تكسوها الأعشاب البرية.
همست وهي تقترب بلاعٍ منه: المكان هنا كئيب.
قال موافقًا وهو يلف ذراعيها حوالها: عندك حق، هو كئيب عشان ضوء الشمس مش بيوصل ليه.
همست بيسان: يلا بينا نمشي من هنا. اصطدم حذائها بشيء صلب. انحنت وبدأت تنبش لرؤية ماهية هذا الشيء. شهقت وهي تمسكه بين يديها شيء على شكل إناء: وواو.
لزم نقول للسلطات إننا لقينا قطعة أثرية.
ابتسم قائلاً: أكيد هما عارفين بوجودها هنا. والمكان شكله تحت التنقيب. يلا بينا نمشي قبل ما حد يشوفنا من الحرس.
وفي الأعلى هتف الحارس صائحًا مناديًا زميله: الحق يا خليل حرامية آثار.
أقتربت تحتمي فيه. قالت بخوف: بيقول علينا حرامية.
أحكم ذراعيه حوالها أكثر لبث الطمأنينة: متخافيش، مش هيحصل حاجة.
***
فار منها فنجان القهوة مرتين بسبب بكائها، فقامت بإعداد فنجان القهوة له للمرة الثالثة وهي تبكي. ناعية ظروفها القاسية. فهي أتت العمل بعد يومين من وفاة والدتها. مكتوب عليها عدم الراحة... عدم البكاء. وما زاد الطين بلة ما حدث هنا منذ قليل. واكتشافه تنكرها وتهديده لها بالسجن لو لم تقل الحقيقة. هزت رأسها بألم وازدادت دموعها انسيابًا. فهي تشعر بالقهر وقلة الحيلة. عندما قالت له: مليش شغل تاني هنا. دعت في سرها أن تظل في العمل هنا ولا يطردها. بسبب ما حدث لها ليلة البارحة جعلها في أشد الاحتياج إلى كل جنيه معاها هذه الفترة. فمكالمة مدام ليلى في منتصف الليل قلبت موازين حياتها. هتفت بخفوت متألمة: آآآه.
ذهب إلى المطبخ للاطمئنان عليها عندما تأخرت على إعداد فنجان قهوته.
انتفض في وقفته عندما سمع صوتها المشبع بالألم. شعر بوخز حاد فهو شارك في عذابها وبدون إرادة منه وأفعاله معها حتى هذه اللحظة تزيد في عذابها.
أقترب منها. وقال بلهجة رقيقة: زهرة.
أول ما سمعت صوته بجوارها. مسحت دموعها ودون الالتفات له. ردت: نعم.
تحدث بلطف: روحي شقتك ومتجيش بكرة ولا بعده. وخدي الإجازة اللي أنتي عايزها. أنا جيت عليكي لما جبتك هنا النهاردة. حدث نفسه... غصب عني.
تنفست بعمق قبل الالتفاف له. ردت عليه بصوت حزين: أنا مش محتاجة إجازة. أنا اللي محتاجها دلوقتي الشغل. وزي ما قلت لي خدي بقية اليوم إجازة. الكام ساعة دول أنا محتاجهم وبكرة هكون موجودة في ميعاد الشغل.
تحدث بنبرة أسف: متزعليش مني عشان هددتك بالسجن وعشان زعقت لك امبارح وجبتك الشغل وكنت قاسي في معاملتي معاكي.
نظرت له غير مصدقة. أكيد بيه يعتذر لها هي الفتاة الفقيرة. همست متمتمة: اللي عملته معايا في مرض ماما يخليني أسامح ومقدرش أزعل. ثم وضعت القهوة في الفنجان وقالت: قهوتك جاهزة.
ممكن أمشي.
رد برقة: أمشي.
بمجرد خروجها من المبنى، انطلقت مسرعة للحاق بالقطار.
***
أقتاد زاهر وبيسان إلى القسم بتهمة السرقة. لم يلبثا في القسم كثيراً، فبمجرد معرفته بمن يكون وابن من، خرجا في الحال.
بيسان بأسف: متزعلش مني.
تمالك أعصابه ورد بهدوء: مش زعلان وهزعل ليه؟ ودي حاجة تزعل بردو، أنه يتقبض عليا أنا ومراتي بتهمة السرقة.
شعرت بالسخرية في صوته فقالت بحدة: طب أنا غلطانة وأنتي مش غلطان، ليه سمعت كلامي مادام عارف أن الموضوع فيه ضرر؟
بيسان: عشان مقدرتش أرفض. مقدرتش منفذش أي حاجة نفسك فيها.
زاهر: خلاص بقا، فك التكشيرة دي.
ابتسمت ضاحكة: نحن نختلف عن الآخرين، واتفضحنا في القسم في شهر عسلنا.
ضحك على عفويتها ونسى ضيقه: نحن نتميز على الآخرين.
بيسان بدلع: أسوان طلعت حلوة أوي، عايزة أشوفها كلها. وكمان عايزة أروح الأقصر.
رد بابتسامة: كل اللي نفسك فيه هعمله.
بيسان: ونفسي في حاجة كمان بس ياريت متفهمنيش غلط.
زاهر: حاجة إيه يابيسان؟
شبكت أصابع يديها بتوتر، ثم قالت: أنا مش عايزة، مش مرتاحة في البيت عندكم. من ساعة ماشوفت فتحي وعرفت أن فيه منه كتير. بليزززز يازاهر، خلينا نقعد في أي فندق هنا، بلاش البيت.
شرد للحظات مفكراً في صعوبة تنفيذ طلبها، وتذكر ما حدث منذ ساعات وتصميم والدته على إحضار فتحي معها إلى غرفته بالرغم مما حدث أمامها من خوف بيسان منه. وشعر بأن حركتها مقصودة. ولو استمر في المبيت في البيت، فلن تتوانى أمه عن إرعاب بيسان. وسوف تحدث العديد من المشاكل بينهم، هو بغنى عنها. وليس أمامه سوى قضاء شهر العسل والمبيت في مكان آخر. فكر حتى توصل إلى حل لمشكلته.
كررت بيسان قائلة: قولت إيه يازاهر؟
بابتسامة هادئة: حاضر يابيسان. والنهاردة هنسافر الأقصر. بس اللي هقولك عليه يتنفذ.
بيسان بفضول: اللي هو إيه؟
تحدث بجدية: أنا هقول أن جالي شغل في الأقصر ولزم أروح هناك. وكده همشي من غير ماحد يزعل. اتفقنا هنقول إيه؟
بيسان بابتسامة: طبعاً.
***
بمجرد إعطاء محسن رقم الهاتف إلى عبد الفتاح، قام بالاتصال مباشرة بكريم وشكره على ما فعله. وقام بدعوته على العشاء عندهم في المنزل. وفي داخل الشقة كانت في حالة التأهب القصوى من تنظيف وإعداد الطعام للضيف.
وعند الانتهاء من تناول الطعام وهما جالسان في غرفة الجلوس.
كريم بابتسامة: أول مرة آكل أكل بالطعامة والحلاوة دي.
ردت أمينة: صحة وهنا. ثم نظرت باتجاه ابنتها: مش أنا لوحدي اللي عملت الأكل ده كله، ضحى ساعدتني فيه.
نظر إلى ضحى وقال: تسلم إيدك ويابخت اللي هتتجوزيه.
احمرت خدودها من الخجل ونهضت واقفة: أنا هستأذن. وخرجت مسرعة.
نظرت أمينة إلى كلاهما بتركيز ولاحظت بنبرة الإعجاب في صوته، وخجل ابنتها. ودعت في سرها بالخير لابنتها وتعويضها. همست بخفوت: يارب.
تحدث عبد الفتاح: مادام الأكل عاجبك أوي، يبقى تشرفنا على طول. دي أبسط حاجة ممكن أرد جمايلك اللي هفضل أشيله فوق راسي طول العمر.
كريم بابتسامة: ملهوش داعي الكلام في الموضوع ده.
رد عبد الفتاح: عندك حق يابني. هتكمل حلاوة القعدة بلعب الشطرنج؟ ليك في الشطرنج؟
رد كريم: طبعاً ليا، دي لعبتي المفضلة.
هتف عبد الفتاح لزوجته: هاتي علبة الشطرنج.
ذهبت أمينة إلى المكتبة مسرعة وأحضرت لهم الشطرنج.
كان الجو مشبعاً بأصوات ضحكاتهم. ولأول مرة منذ فترة طويلة يشعر بالسعادة والجو الأسري الحقيقي.
وبعد فترة طويلة، نظر كريم في ساعته فوجدها قاربت على منتصف الليل. هتف بذهول: ياااه، الوقت فات بسرعة من غير ما أحس.
رد عبد الفتاح بابتسامة: وأنا زيك.
كريم: هستأذن الوقت اتأخر. ونهض من مكانه.
عبد الفتاح: ماهو لسه بدري.
كريم: ولا بدري ولا حاجة ياراجل ياطيب.
قام عبد الفتاح بتوصيله حتى باب الشقة.
قال مودعاً: السلام عليكم، وبيتُنا منور ليك في أي وقت.
رد بابتسامة هادئة: وعليكم السلام.
قاد كريم سيارته وهو يشعر براحة بهدوء نفسي وسعادة غامرة.
وفي شقة عبد الفتاح وداخل غرفة نومهم.
أمينة بابتسامة: أنا مشفتش حد بأخلاق كريم. إنسان في قمة التواضع، وهو معانا محسسناش أنه أحسن منا.
عبد الفتاح بهدوء: عندك حق، كريم ده ابن أصول.
دعت أمينة: يارب يكون من نصيبك يابنتي.
نظر له بدهشة: إيه اللي بتقوليه ده؟
أمينة: بقول اللي حسيت بيه.
عبد الفتاح: وحسيتي بإيه؟
ردت بثقة: أنه إن شاء الله هيكون عوض بنتي.
تمتم عبد الفتاح: يسمع من بؤك ياأمينة.
***
وبعد مرور أسبوع.
في إحدى الفنادق الفاخرة وبداخل إحدى الغرف.
بيسان بدلع: أنا مبسوطة أوي معاك ومكنتش متخيلة الصعيد هتكون بالجمال ده. الجو هنا حلو أوي.
أحاطها بكلتا ذراعيه هامساً بحب: هو أنتي لسه شوفتي حاجة؟ صدقتني لما قولتلك هتكوني مبسوطة أوي.
أسندت رأسها على صدره وقالت بابتسامة: أيوه.
***
زهرة كانت تبكي وحدثت نفسها: يارب حلها من عندك يارب.
هتفت كاترينا: زهرة ياااازهرة.
فاقت زهرة من شرودها ردت عليها بحزن: نعم ياكوكو.
كوكو بعطف: مالك يازهرة؟
زهرة: مليش، أنا كويسة ياكوكو. كنت بتنادي ليه؟
كاترينا: عشان أكنان بيه عايزك في أوضته.
زهرة: ثواني وهعمله فنجان قهوته.
كاترينا: هو قال مش عايز قهوة. هو قال عايز يقابلك.
سألت زهرة بفضول: متعرفيش عايزني ليه؟
ردت كاترينا نافية: لأ معرفش.
وبمجرد دخول زهرة إلى داخل غرفته، أشار لها بالجلوس: اقعدي يازهرة. عايز أكلمك في موضوع مهم.
بعد ما جلست سألت متوترة: خير ياأكنان بيه؟
قال أكنان بحسم: بلاش أكنان بيه. قوليلي من يوم ورايح أكنان وبس.
زهرة بلجلجة: ميصحش ياأكنان بيه.
تحدث بإصرار: ماهو بعد الكلام اللي هقوله ليكي وبعد موافقتك، مينفعش تقوليلي أكنان.
شعرت بالفضول فسألته قائلة: موضوع إيه؟
نظر لها بتركيز قبل نطق كلماته: تتجوزيني يازهرة.
اتسعت عينيها بصدمة: بتقول إيه؟
كرر كلماته: تتجوزيني.
سألت مصدومة: أنت عايز تتجوزني أنا؟ طب ليه؟
تحدث بهدوء: في صفقة داخل فيها وعشان تبقى في جيبي لزم أكون متجوز. صاحب الصفقة راجل تقليدي والمشروع عبارة عن منتجع سياحي أسري. فلزم اللي هيفوز بالصفقة يبقا مؤمن بالعلاقات الأسرية. وأنا للأسف سمعتي مش حلوة في السوق.
سألت باستفسار: وليه أنا بالذات؟ البنات كتير.
عينيه لم تزحزح قيد أنملة من على وجهها. تابع تعبيرات وجهها بدقة بالغة. ردها كان طبيعي.
تحدث بهدوء: عشان أنتي وقت لما أقول هننفصل مش هتتكلمي، مش هتعملي فضيحة. ليه أنتي بالذات؟ عشان واثق فيكي.
قالت بتوتر: بس مينفعش تتجوزني.
نظر لها بإصرار: فاكرة لما قولتي نفسك تردي ليا جزء من جمايلي عليكي؟ أهو أنا بقولك ردي عن طريق تقبلي أنك تتجوزيني.
ردت برفض: بس أنا مينفعش أتجوزك.
سأل بعناد: وليه مينفعش؟
بلهجة يشوبها الألم: عشان أنا مينفعش للجواز ليك أو لغيرك. مينفعش أتجوز ومكنش صريحة مع الشخص اللي هتجوزه. مينفعش أكذب وأخبي. وعشان مينفعش أقول الحقيقة لأي كان، فعشان كده بقولك أنا مينفعش للجواز. أنا لا أنفعك ولا أنفع غيرك. افهم بقا.
هتف أكنان: إيه السبب؟
هتفت بألم: عشان أنا مغتصبة. عرفت ليه؟ عرفت ليه رافضة الجواز؟ عرفت ليه عملت في نفسي كده؟ عرفت ليه مخبية شكلي الحقيقي؟ عشان كرهت نفسي. كرهت نظرات الطمع ليا. نظرت له والدموع في عينيها. لسه بردو عايز تتجوزني؟
شعر بسكاكين تنغرز داخل قلبه مع كل كلمة تنطقها. سيطر على مشاعره بصعوبة. قال بهدوء مفتعل: أيوه، لسه مصمم أتجوزك.
اتسعت عينيها بالصدمة ثم قالت: عايز تتجوزني؟ قابل على نفسك تبقى في ذمتك بنت مغتصبة؟
هز رأسه بالإيجاب: أيوه يازهرة، قابل على نفسي. عشان ده مكنش ذنبك وأنا متأكد من كده.
شردت للحظات في الأيام الماضية ومعاناتها واحتياجها للمال. حدثت نفسها قائلة: وافقي يازهرة. وااافقي. واااافقي. جوازك منه هيحل ليكي كل مشاكلك. أنتي قولتي له الحقيقة وهو مصمم يتجوزك. لأ يازهرة، مقولتيش ليه كل الحقيقة. وسرك التاني؟ مش لازم يعرفه. ده بيقولك الجوازة عبارة عن صفقة. مجرد صفقة. هزت رأسها نافية. وحتى لو صفقة، أنتي هتتجوزي على سنة الله ورسوله جواز شرعي. يعني مينفعش تخبي عليه ولزم يعرف كل حاجة. أنتي مش كده يازهرة. حتى لو جواز مصلحة، هو هيكون جوزك ولزم يعرف كل أسرارك.
رواية زهرة لكن دميمة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سلمى محمد
((هكذا هي الأيام حرمتني حتى من الأحلام... عشقت الوحدة والعذاب... الأفراح بيني وبينها حجاب... إلى متى يا قلبي إلى متى ستؤلمني الأيام؟ وإلى متى سأكتم الأحزان؟))
شعر بسكاكين تنغرز داخل قلبه مع كل كلمة تنطقها. سيطر على مشاعره بصعوبة. قال بهدوء مفتعل:
"أيوه لسه مصمم أتجوزك..."
أتسعت عينيها بالصدمة ثم قالت:
"عايز تتجوزني... قابل على نفسك تبقا في ذمتك بنت مغتصبة؟"
هز رأسه بالإيجاب:
"أيوه يازهرة قابل على نفسي... عشان ده مكنش ذنبك وأنا متأكد من كده."
شردت للحظات في الأيام الماضية ومعاناتها. حدثت نفسها قائلة:
"وافقي يازهرة... وااافقي... واااافقي... جوازك منه هيحل ليكي كل مشاكلك."
"أنتي قولتي له الحقيقة وهو مصمم يتجوزك... لأ يازهرة مقولتيش ليه كل الحقيقة... وسرك التاني... مش لزم يعرفه ده بيقولك الجوازة عبارة عن صفقة... مجرد صفقة..."
هزت رأسها نافية:
"وحتى لو صفقة أنتي هتتجوزي على سنة الله ورسوله جواز شرعي... يعني مينفعش تخبي عليه ولزم يعرف كل حاجة... أنتي مش كده يازهرة... حتى لو جواز مصلحة هو هيكون جوزك ولزم يعرف كل أسرارك."
رجعت قليلا للخلف ثم تنفست بعمق:
"أنت ليه مصمم أنا بالذات حتى بعد اللي قولته ليك...؟"
لسانه عاجز عن نطق الحقيقة. التزم الصمت للحظات ثم قال بهدوء:
"جوازي منك عبارة صفقة."
هتفت بحيرة:
"وليه أنا؟ ليه أنا؟"
حرك كتفيه ثم قال:
"ما أنا جاوبتك على سؤالك... حجاوبك تاني... عشان أنا واثق فيكي أنك عمرك ماهتقولي حاجة عن الاتفاق اللي بينا... هاا قولتي أيه يازهرة موافقة تتجوزيني...؟"
قالت بلهجة مرتبكة:
"أنت قولت هنطلق... والطلاق هيبقا أمتى...؟"
عندما نطق كلمة الانفصال... لم يقصدها فعليا... فهو أراد لهذه الزيجة أن تستمر. نظر لها ثم قال بثبات:
"معرفش الطلاق هيكون أمتى."
حدثت نفسها بحيرة:
"هو يقصد أيه بكلامه ده...؟"
سألت باضطراب:
"بس أنت قولت هنطلق..."
تحدث بعزم:
"أه قولت ننفصل وده معرفش هيكون أمتى... جوازنا مش هيكون محدد بوقت معين... جوازنا هيستمر... لحد مايجي الوقت اللي هنطلق فيه... والوقت ده معرفش أمتى."
هزت رأسها بعنف... رافضة منحنى أفكارها والشك الذي أخذ يتسرب بداخل عقلها. سألت بتوتر:
"هو جواز ولا صفقة ولا أيه بالظبط...؟"
نظرت له باضطراب. فبادلها بنظرة هادئة ثم زينت شفتيه أبتسامة رقيقة:
"الاتنين... صفقة وفي نفس الوقت جواز طبيعي لأجل غير مسمى."
عندما نطق كلماته... شعرت بأن الأرض تهتز من تحت قدميها وكل القوة التي كانت تدعيها قد ذهبت... ولم يبقى منها سوى الضعف. مر بخيالها صورة غير مرحبة لفتاة مراهقة بشفاه ترتجف وألم مبرح يتملكها... ودماء تنزف بغزارة أسفل قدميها... مغتصبة... منتهكة.
شعر بالخوف عليها... عندما رأى جسدها يرتعش.
قال بلهجة تشف عن القلق:
"أنتي كويسة يازهرة...؟"
وعندما لم ترد عليه... أعاد سؤاله بذعر:
"أنتي كويسة يازهرة...؟"
هزت رأسها بعنف نافضة ذكرى غير مرغوبة... ثم قالت بصوت متألم:
"أيوه كويسة..."
أبتلع غصة ألمت بحلقه لرؤيتها هكذا... محدثا نفسه...
"لقد ندمت على معصيتي... وغيرت حياتي وظللت سنوات أكفر عن ذنبي.. ألم متى سأظل هكذا... ألم يحن وقت المغفرة؟"
دون النظر اليها قال... فهو لم يقوى على رؤية عينيها:
"مسمعتش ردك لحد دلوقتي... قولتي أيه يازهرة..."
نشب صراع بداخلها... فالزواج بينهم لن يكون مجرد صفقة ولكن زواج صفقة بالأضافة لعلاقة جسدية شعرت بألم شديد يغزو رأسها... هزت رأسها بإصرار... فقد أتخذت القرار... حدثت نفسها... فالزواج منه سوف يحل جميع مشاكلها وفي نفس الوقت لا تستطيع أن تخبىء عنه هذا... الشيء... لا تستطيع الكذب... لكن قبل ردها يجب عليها تكون صريحة معه.
ردت بهدوء ظاهري:
"لزم تعرف كل حاجة عن زهرة قبل ماتسمع موافقتها... يمكن تغير رأيك..."
قال بلهجة واثقة:
"مهمة قولتي مش هغير رأيي."
"أنا عندي ماضي مؤلم ولزم تعرف بيه."
"وأنا مش عايز أسمع حاجة... أنا مسامح على كل اللي فات... وهو ماضي زي ماقولتي وكل اللي حصل فيه أنا مش عايز أعرفه... أنا كل اللي يهمني الحاضر والمستقبل."
نظرت له بذهول:
"أنت أزاي كده... أنت أزاي موافق تتجوزني بعد اللي قولتهولك ورافض تسمع بقيت كلامي وبتقول الماضي ميفرقش معاك في حاجة... ما يمكن اللي هقوله يفرق معاك."
أجاب بثقة:
"وأنا بقولك مهما قولتي مش هسحب عرضي... والاحسن توفري على نفسك الكلام عشان مش عايز أعرف حاجة."
ردت بهدوء:
"وأنا مش هقول حاجة... أنت هتشوف بعينيك..."
سأل بفضول:
"تقصدي أيه؟"
قالت زهرة:
"مادام أنت رافض تسمعني... أنا عايزاك تيجي معايا مشوار... وبعد المشوار ده هقولك ردي."
"مشوار أيه؟"
"هتعرف لما نوصل هناك."
بعد عدة ساعات من قيادة السيارة والصمت كان سيد الموقف بينهم الا من بعض الكلمات القليلة بينهم... أوقف السيارة أمام المكان الذي أخبرته بالتوقف أمامه... عندما رأى اليافطة المكتوب على الفيلا.
نظر له باستغراب وقال:
"أنتي جبتيني هنا ليه؟"
بلهجة كئيبة:
"دقايق وتعرف السبب اللي خلاني أجيبك هنا... كلها دقايق وتعرف سري التاني."
رد بإصرار:
"وأنا قولتلك مش عايز أعرف حاجة."
قالت زهرة بثبات:
"لزم تعرف مادام وافقت على الجواز منك."
نظر له غير مصدق:
"أنتي قولتي موافقة."
ردت بهدوء مؤلم:
"أيوه موافقة عشان خاطرهم..."
شعر بالحيرة فقال مستفهما:
"مش فاهم كلامك... خاطر مين؟"
قالت بلهجة يشوبها الوجع:
"تعالا معايا وأنت تعرف... وكويس أني جيت في وقت اللي بيطلعو فيه الجنينة."
وعلى بوابة الملجأ... رنت زهرة على جرس البوابة... فقام الحارس بفتح الباب.
مبروك بابتسامة:
"أزيك يازهرة...؟"
زهرة بابتسامة خفيفة:
"أزيك ياعم مبروك."
أندهش مبروك من رؤية يديها الخالية فقال باستفسار:
"فين اللعب والحاجات الحلوة بتاعت كل زيارة؟"
ردت زهرة:
"أنت قولت بنفسك الحاجات الحلوة بتاعت الزيارة."
خبط على رأسه:
"أه..."
ده النهاردة السبت وأنتي طول السنين اللي فاتوا بتيجي الخميس. صح مش عوايدك. هو في حاجة حصلت؟
ردت عليه بابتسامة حزينة: لا مفيش حاجة حصلت. أصل البيه ناوي يتبرع للملجأ.
حدث نفسه بصمت: هو في إيه بالظبط وأيه الكلام اللي بتقوله؟
مبروك، بدعاء: ربنا يباركلك يابنتي. أنا طول خدمتي هنا مشوفتش حد زيك ملتزم في زيارته للملجأ، وكمان كل أسبوع لازم تجيبي حاجات لأطفال الملجأ.
ثم نظر باتجاه أكنان: يارب كتر من أمثالك. الملجأ محتاج اللي زيك.
وعندما دلف إلى الداخل وأبعدا، تكلم بنبرة منخفضة: ممكن أفهم إيه اللي بيحصل ويقصد إيه الراجل اللي اسمه مبروك بكلامه؟
لم تعِ زهرة ماذا يقول، فقد انصب كل تركيزها عليهم وهم يلعبون ويمرحون مع باقية الأطفال.
كرر كلامه بلهجة آمرة: قوليلي إيه اللي بيحصل.
عندما لم ترد عليه، لاحظ نظراتها الشاردة باتجاه بقعة معينة، فوجدها تنظر إلى مجموعة من الأطفال يلعبون سويًا.
هتف أحد الأطفال بسعادة عند رؤيتها: أبلة زهرة هنا.
اندفع الجميع باتجاهها عند رؤيتها، متجمعين حولها.
أحد الأطفال بعبوس: فين الحاجة الحلوة بتاعتي؟
زهرة بابتسامة: معلش يا زوزو المرة الجاية عشان مكنتش عاملة حسابي. بس بدل الحاجة الحلوة هلعب معاكم. إيه رأيك؟
هتف أحد الأطفال بمرح: نلعب استغماية.
ردت بابتسامة خفيفة: حاضر. ثم اقترب منها طفلان لهما نفس الملامح.
هتفت ثريا من على بعد في الأطفال: يلا ياحلوين، وقت الغدا.
عندما لم يلتفتوا إلى ندائها وظلوا واقفين بجوار زهرة، هتفت ثريا قائلة: الغدا بيتزا النهاردة.
وعند سماع كلمة بيتزا، هرول الأطفال باتجاه قاعة الغداء، إلا من طفلين.
هتفت ثريا: تعال يا وليد. تعال يا أياد.
هتفت زهرة من مكانها: أنا هجيبهم ليكي يا ثريا.
دقق أكنان النظر لهما، لتتسع عيناه من الصدمة، فملامحهما تشبه أخته بيسان عندما كانت في نفس العمر. بصوت متحشرج مهزوز: مين دول؟
همست بخوف لكي لا يسمعها: دول سري التاني. دول ولادي.
ثم قالت بلهجة معذبة: لسه موافق تتجوزني؟
شعر بالأرض تهتز تحت قدميه. رأى الأرض تموج وغشيت الدموع عينيه. رفع رأسه داعيًا بهمس: يا الله أرحمني.
استغربت رؤية الدموع في عينيه، ثم سألت: إيه؟
لكنه ظل صامتًا للحظات ثم قال بنبرة معذبة: يلا نمشي دلوقتي.
ردت بتمتمة: بس إحنا لسه جايين.
هتف بانفعال: بقولك يلا نمشي. ا'حص'ل'ي'ني. ثم تركها وتحرك مبتعدًا إلى الخارج.
نظرت له زهرة بصدمة من رد فعله، ثم وجهت نظرها إلى الطفلين قائلة بابتسامة: يلا عشان الغدا.
أياد بلهجة طفولية: بس أنا عايز أقعد معاكي شوية.
نغزه وليد في جنبه، قائلاً بخفوت: البيتزا هتخلص.
ضحكت زهرة: ماشي يا وليد، البيتزا أهم مني.
رد وليد باعتذار: إنتي أهم طبعًا.
زهرة بابتسامة: طب يلا بينا أوديكم، قبل ما البيتزا تخلص وتقولوا أنا السبب.
وأمسكت بيد كل طفل برقة حتى أوصلتهم إلى غرفة الغداء واطمأنت عليهم.
خرج من الحمام والابتسامة تعلو شفتيه. أخذ يندم بالغناء، ناظرًا إلى بيسان بمرح: بلاش تبوسيني في عينيا.
وأنتي ياسائقة في دلالك، كثر الدلال زاد في جمالك.
خطوتك ألحان في قوام سكران.
له دلال فتان يخجل الأغصان.
بلاش تبوسني عينيا.
نظرت له بمكر ثم قالت بدلع: خلاص بلاش أبوسك في عينيك. عايزة البوسة فين؟
غمز لها قائلاً: عايز فين دي متتقالش. دي تتنفذ عملي. وأقترب منها. ليقرن كلامه عملي.
تقابلت العيون، وانحنت الرؤوس مقتربة من بعض. وقبل التنفيذ، رن هاتفه. هتف بغضب: حبكت دلوقتي.
همست بيسان: شوف مين؟
نهض من فوق الفراش وقال بضيق: أنا مش هشوف مين. أنا هقفل التليفون. وقبل أن يقوم بإغلاق الهاتف، رأى رقم المتصل. كانت سعدة. تملكه القلق فهي لا تتصل به إلا للحالات الطارئة.
رد زاهر: خير يا سعدى.
سعدة بارتباك: الحق صفية هانم يابيه.
زاهر بتوتر: مالها الهانم يا سعدى؟
_ وقعت من طولها مرة، والبيه الكبير مش موجود. هو في البرلمان.
_ أنا هتصل بدكتور بكرى يروح لها دلوقتي.
_ اتصلت يا زاهر بيه وهو موجود معاها.
_ وقال عندها إيه؟
_ هو لسه موجود جوا معاها معرفش عندها إيه.
قال بقلق: مسافة السكة يا سعدى هكون عندها. خليكي جنبها متتحركيش لحد ما أجي.
تملكه القلق وهي تسمعه، وعندما أغلق الهاتف، سألت متوترة: مالك يا زاهر؟
زاهر بانفعال: أمي وقعت من طولها ومعرفش مالها. حضري الشنط بسرعة عشان راجعين أسوان دلوقتي.
بيسان بقلق: إن شاء الله خير. ودقائق وهكون جاهزة.
_ بسرعة يا بيسان.
عندما أغلقت سعدة الهاتف، قالت بابتسامة: البيه قال جي دلوقتي.
زانت شفتي صفية ابتسامة منتصرة: زي ما هي خلته يمشي ويروح بيها الأقصر. عرفت أنا أجيبه على ماله وشه تاني. بقولك يا سعدى أكدت على دكتور بكرى إنه ميفتحش بؤه بحاجة، وإنه كل اللي يقوله بس أن ضغطها عالي.
هزت رأسها بالإيجاب: أيوه ياهانم.
لمعت عينيها بكره: فاكرة نفسها هتاخده مني. وعملتي بقيت اللي قولته عليه. رشتي الأوضة بتاعتهم؟
ردت سعدة: كل اللي قولتيلي عليه نفذته بالحرف الواحد.
أشارت له صفية بالانصراف: أمشي انتي دلوقتي. وأول ما زاهر يوصل بلغيني.
_ حاضر ياهانم.
علت شفتيها ابتسامة منتصرة وهي تشاهد انصراف سعدة.
بعد فترة طويلة من السهر والتفكير المستمر، قرر كريم أخذ خطوة فارقة في حياته. فاتصل بوالديه، فهو لم يريد الذهاب وطلب يد ضحى للزواج من والدها إلا بعد موافقة نيروز وفاضل.
فهو أخبرهم بنيته الزواج من فتاة من عائلة ليست غنية.
ومن وقتها والحوار محتدم بين نيروز وفاضل، ما بين مؤيد ومعارض.
نيروز بانفعال: وبعدين معاك يافاضل...
فاضل بحدة: ولا أقبلين، أنا مش موافق على الجوازة دي.
هتفت نيروز: ومش موافق ليه؟
فاضل: عشان متنفعش ليه، مش مناسبة للعيلة. وقوليلي أنتي أزاي موافقة ابنك يتجوز واحدة زي دي.
أستعادت هدوئها ثم قالت: عشان فكرت بعقلي شوية، قولت لازم أوافق وأنت كمان لازم توافق.
تحدث بضيق: ولازم أوافق ليه؟
ردت عليه بثبات: عشان ميعاندش وتخسره برفضك. عشان هو دلوقتي شايف سعادته معاها، مستحيل تقنعه أنها متنفعوهش. لازم يعيش التجربة عشان لما يجي ينهيها ينهيها بمزاجه هو.
تحدث بضيق: وأفرضي بقا عاجبته.
أبتسمت نيروز بمكر: ماهو لما يتجوز ويجيبها تعيش معانا هنا، ييجي الدور علينا وأزاي نخليه يطلقها.
لمعت عينيه ببريق الفهم، هتف قائلا: طول عمري بقول أن دماغك دي ألـمـاظ.
أبتسمت بهدوء: أتصل بيه وقول ليه موافق، الأصل الممنوع مرغوب، ولما يشبع منها... نتصرف أحنا.
***
رن هاتف كريم، كان المتصل والده.
تحدث فاضل وتصنع الابتسامة: مبروك ياكريم.
لم يستوعب للحظات كلام والده فقال: مبروك على إيه؟
رد فاضل: أنا موافق على جوازك من ضحى.
لم يتوقع موافقة والده الفورية، فقال بعدم تصديق: موافق... موافق.
أخفى ضيقه بصعوبة وقال: طبعاً موافق، بس مش هقدر أجي مصر الفترة الجاية، في مشاكل جامدة في الشركة هنا.
أستفهم قائلا: مشاكل إيه اللي معرفهاش؟
رد بنبرة ثابتة: ماهو أنت لو كنت موجود كنت عرفت، عشان كده بقولك أتجوز وأعمل الفرح في أقرب وقت عشان محتاجك معايا هنا.
فكر للحظات قبل الرد: هشوف الأول أهل ضحى.
هتف فاضل بحدة: تشوف مين، هما كانوا يقدروا يحلموا بواحد زيك، قال تسألهم قال. زي مابقولك ياكريم أعمل الفرح في أقرب وقت، بدل ما أسحب موافقتي بجوازك منها.
كريم: طب خلاص متعصبش نفسك، اللي قولته هيتنفذ.
بمجرد أغلاق كريم الهاتف مع فاضل، أتصل مباشرة بعبد الفتاح.
كريم: السلام عليكم.
تملك عبد الفتاح الفضول يريد معرفة سبب الاتصال: وعليكم السلام، خير ياكريم بيه.
قال كريم بابتسامة: ملهوش داعي كريم بيه.
عبد الفتاح: ميصحش، المقامات محفوظة.
كريم: ماهو ميصحش بعد ما أقولك أنا طالب أيد بنتك للجواز، من يوم ورايح قولي ياكريم. ضحك وكمل قائلا: ماهو أنا هكون في حكم ابنك.
أمسك عبد الفتاح الهاتف، ونظر للشاشة بصدمة، لم يصدق ما سمعت أذنه، فقال: أنت طالب أيد ضحى بنتي للجواز؟
رد بابتسامة: أيوه، أنا جي لحضرتك بكرا أتقدم رسمي.
بعد امتصاصه لصدمته وأستعادده هدوئه، فكر بالمنطق: طب وأهلك رأيهم إيه في الجوازة دي؟
تحدث بهدوء والابتسامة تزيين شفتيه: موافقين، لو مكنوش موافقين مكنتش أتصلت بحضرتك. لسه والدي مبلغني موافقته. هااا ياحج قولتي إيه، أجي بكرة أتقدم رسمي؟
علت ابتسامة الفرحة وجه عبد الفتاح عند سماع كلامه: موافق من دلوقتي، هو أنا أطول نسب زيك.
رد بابتسامة: ميعادنا بكرا إن شاء الله.
وعندما أغلق عبد الفتاح هاتفه، صاح بفرح: يااااا أمينة، يااااا ضحى.
هرولت كلا من أمينة وضحى على هتاف عبد الفتاح.
أمينة بخضة: خير يا عبده بتزعق ليه؟
سألت ضحى هي الأخرى: في إيه يا بابا؟
عبد الفتاح بلهجة تشوبها الغبطة: في كل خير يا ضحى، زغرطي يا أمينة.
أمينة بفضول: أزغرط على إيه؟
رد بابتسامة واسعة: في أن عريس جاي يتقدم لبنتك بكرا.
تغيرت ملامح وجهها إلى العبوس، وقالت برفض: عريس إيه يا بابا دلوقتي.
رد عبد الفتاح: ده مش أي عريس، ده كريم بيه.
وفجأة تبدلت ملامح وجهها العابسة إلى ابتسامة هادئة.
أطلقت أمينة زغرودة عالية، وأحضنت أبنتها قائلة: مبروك يا ضحى.
***
أستغربت من تبدل حاله ومزاجه المضطرب، محدثة نفسها عن سبب تغيره، ماذا حدث هناك جعله شخص هائج.
عندما أصبحا داخل الشقة، نظر لها بأسف وعلامات العذاب بادية بوضوح على وجهه. بادلتها نظراته بنظرة ترقب، منتظرة منه الكلام.
وعندما ظل صامتا قالت بخفوت: حصل إيه في الملجأ؟ متمتمة بلهجة حزينة، طبعاً رأيك أتغير، وخلاص عرفت أني منفعش ليك.
أنتفض في وقفته عندما سمع كلامها، أغمض عينيه من شدة الألم. ظلت صامته في مكانها لا تقوى على الحراك. فجأة فتح عينيه، رأت الدموع في عينيه.
هذا المشهد قفز أمام عينيه، ما فعله بها من أنتهاك لجسدها العفيف، تقلصت ملامحه وارتعش جانب فمه، ثم هتف فيها والدموع تنساب على وجنتيه: أنا اللي منفعلش ليكي، أنا حيواااان.
نظرت له حائرة، فهي لا تفهم كلامه ولكنها شعرت بالشفقة تجاهه. لمست كتفه برقة: أهدى.
رأى نظراتها الحنونة، فزاد بكائه، فهو لا يستحق هذه النظرة منها. أزداد الصراع بداخله، فقد حان موعد الاعتراف. لا يستطيع أخفاء جريمته إلى الأبد، فهو يمتلك طفلين، طفلاه يعيشون في ملجأ. هتف بوجع: اااااه، اااااه.
حاولت تهدئته فقالت برقة: ادعي ربنا يمكن ترتاح، أنا لما بكون تعبانة، بصلي وأدعي، اعملي زيي.
نظر لها بألم: أنتي إزاي كده، بعد اللي عملته معاكي، لسه قلبك طيب. أنتي حقك تمسكي سكين وتغرزيها جوا قلبي وتريحني.
أستغربت كلامه، ودعوتها لقتله، ماذا حدث لكل هذا؟ نظرت له حائرة لا تفهم: ليه كل ده؟
هتف بهستريا: عشااااان، عشااان أنا.
رواية زهرة لكن دميمة الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سلمى محمد
الدنيا ثلاثة أيام
الأمس... عشناه ولن يعود
واليوم... نعيشه ولن يدوم
والغد... لن ندري أين سنكون
هذا المشهد قفز أمام عينيه. ما فعله بها من انتهاك لجسدها العفيف... تقلصت ملامح وجهه وارتعش جانب فمه. ثم هتف فيها والدموع تنساب على وجنتيه:
"أنا اللي ما ينفعش ليكي... أنا حيوااان..."
نظرت له حائرة، فهي لا تفهم كلامه ولكنها شعرت بالشفقة تجاهه. لمست كتفه برقة:
"أهدى."
رأى نظراتها الحنونة، فزاد بكاؤه. فهو لا يستحق هذه النظرة منها. ازداد الصراع بداخله، فقد حان موعد الاعتراف. لا يستطيع إخفاء جريمته إلى الأبد. فهو يمتلك طفلين. طفلاه يعيشون في ملجأ. هتف بوجع:
"آآآه... آآآه."
حاولت تهدئته فقالت برقة:
"ادعي ربنا يمكن ترتاحي. أنا لما بكون تعبانة... بصلي وأدعي... اعملي زيي."
نظر لها بألم:
"إنتي إزاي كده... بعد اللي عملته معاكي... لسه قلبك طيب؟ إنتي حقك تمسكي سكينة وتغرزيها جوا قلبي وتريحيني."
استغربت كلامه، ودعوتها لقتله. ماذا حدث لكل هذا؟ نظرت له حائرة لا تفهم:
"ليه كل ده؟"
هتف بهستيريا:
"عشااااان... عشاااان أنا..."
رفع رأسه ويديه إلى الأعلى داعياً ربه بصوت مسموع. ثم قال بدون وعي لماهية الكلمات التي تخرج من فمه ودموع العذاب تنهمر بدون توقف:
"أنا اللي عملت فيكي كده... أنا المجرم اللي انتهكت برائتك... أنا اللي قطفت زهرة شبابك وحولتها لزهرة ذابلة خالية من الحياة..."
نظرت له بذهول غير مصدقة وغير مستوعبة كلامه. أطلقت قهقه عالية:
"إنت بتهزر... أكيد بتهزر بس هزار تقيل. أنا من وقت ماشوفتك وقولت إنك عندك شيزوفرنيا... أنا ماشية."
صاح بألم:
"أنا أبوهم... أبوهم... ولادي طلعوا متربيين في ملجأ... كل ذنبهم إنهم اتولدوا بطريقة غير شرعية... من أب زين ليه الشيطان طريق الرذيلة... آآآه من ذنب لحد النهاردة بدفع تمنه... ضيعت شرفك بسبب لحظات من اللذة وعدم الوعي."
توقفت يديها على مقبض الباب وهي تسمع كلماته. التفتت له. تسمرت عينيها طويلًا في عينيه. رأت الصدق. العذاب. الحقيقية. اقتربت منه. رفضت ما رأت. صرخت في وجهه وهي تدفعه بكلتا يديها في صدره:
"إنت ليه مصمم تأذيني؟ ليه مصمم تعذبني بقسوتك؟ إنت إنسان مريض..."
ازداد صراخها.
"مريض... وكداب."
أمسك كلا معصم يديها وصاح بألم:
"سامحيني يازوزو."
اتسعت عينيها من الصدمة. ثم قالت وهي ترتعش:
"إنت قولت إيه؟ وعرفت الاسم ده إزاي؟ مفيش غير اتنين بس اللي كانوا بينادوني بيه... بابا وأحمد وبس."
أخذ يتنفس بعمق وصدره يعلو ويهبط. الشك رواده فقال بهمس:
"عرفته منك يوم ما اتقابلنا وركبتي معايا العربية. وقتها سألتك على اسمك قلتلي زوزو. ليه خبيتي عليا إنك متعرفينيش لما اتقابلنا؟ ليه خبيتي؟ لو عايزة تنتقمي أنا أهو قصادك انmتقمي. عايزة تبلغي عني بلغي وهقول حصل."
صاح بصراخ:
"عايزة تموتيني موتي عشان أرتاح."
هتفت بهستيريا:
"عشان معرفكش... معرفكش..."
هزت رأسها بعنف. تمتمت دون وعي والدموع تنهال على وجنتيها:
"أنا مش فاكرة حاجة ولا فاكرة حصل إيه معايا. الفترة دي اتمحت تمامًا من عقلي."
ثم صاحت في وجهه بهستيريا:
"أنا مش عايزة حاجة... كل اللي عايزاه دلوقتي تسيبني أمشي."
ثم أعطته ظهرها وتحركت باتجاه الباب.
وضع يديه على كلتا كتفيها مثبتًا إياها. جاعلها تلتفت له. طالعته بنظرات مضطربة. هزها بعنف صارخًا بانفعال:
"أنا أعرفك وأعرفك كويس يازوزو. أنا مقدرتش أخبي الحقيقة أكتر من كده. حسيت قد إيه أنا صغير وجبان قصادك. أنا خوفت أقول الحقيقة. وإنتي طلعتي أصدق وأشجع مني ومحاولتيش تكذبي عليا وتخبي حقيقتك. مقدرتش أتجوزك وأنا مخبي عنك الحقيقة. أنا أبقى أبو ولادك."
ضغطت على أذنيها ثم صرخت في وجهه:
"مش عايزة أسمع حاجة... سيبني أمشي أبوس إيدك."
نزع محفظته من جيبه وأخرج منها صورة. وقام بوضعها أمام عينيها:
"بصي كويس للصورة."
شهقت بعنف. أخفضت يديها بالتدريج ثم أمسكت الصورة من يديه. عينيها تسمرت على ملامح الطفل فيها. غير مصدقة ما رأت.
هتف بألم:
"دي صورة بيسان أختي تقريبًا في نفس العمر. صورة بيسان من أكتر من عشرين سنة. بصي على تاريخها."
تسمرت نظراتها على التاريخ. لمعت عيناها بالدموع وهي تنتفض في مكانها. قالت بصوت مرتعش:
"مستحيل."
قال بصوت حزين:
"لما شوفتهم حسيت كأنهم طلعوا من الصورة."
لم تعد قادرة على النكران. صرخت بكل ذرة تسكن كيانها. صرخت بوجع كان دفين لسنوات. صرخت وصرخت. حتى اسودت الدنيا أمام عينيها. تلقفته يديه بسرعة وهو يراها تسقط فاقدة الوعي. حملها بذراعين تهتز من الرعب. وضعها برقة فوق الفراش. أخرج هاتفه وبأصابع ترتعش اتصل بطبيبه.
هرول زاهر مسرعًا إلى داخل غرفة والدته. ثم دخلت بيسان بعده مباشرة. اقترب من الفراش وقال بقلق:
"مالك ياست الكل... قلبي اتوجع عليكي لما سعدة قالتلي على اللي حصل. خير مالك؟ حاولت كتير أتصل بدكتور بكري عشان أطمن عليكي منه. تليفونه كان بيدي علطول مشغول."
تصنعت الألم. قالت بصوت ضعيف:
"الضغط عالى عليا شوية."
نظر له بقلق:
"شوية ضغط يخلوا وشك أصفر وينايموكي في السرير."
قالت صفية بصوت واهن:
"ما إنت عارف صحتي متستحملش الضغط يعلى. صحتي مبقتش زي الأول. وخايفة أموت وانت بعيد عني."
احتضنها قائلًا:
"بعد الشر عليكي ياست الكل."
أستكانت بين ذراعيه وقالت بابتسامة:
"العمر بيجري يا زاهر. ومش هعيش أكتر ما عشت."
قالت بيسان برقة:
"بعد الشر عليكي. والف سلامة عليكي."
ردت عليها بابتسامة صفراء:
"طبعًا بعد الشر. طول ما ابني معايا هكون كويسة."
شعرت بيسان بالضيق من طريقة ردها. فقالت:
"بعد إذنكم أنا رايحة أوضتي. هغير هدوم السفر."
بدون الالتفات لها قال وكل تركيزه منصب على والدته:
"روحي يا حبي."
دلفت بيسان إلى غرفتها. وأخذت تتمتم بضيق:
"حيزبون حتى في تعبها. كله عشان خاطرك يهون يا حبييي."
شعرت بقشعريرة غريبة تسري في جسدها وفجأة تملكها إحساس بالخنقة. لم تشعر به أول مرة دخلت غرفة زوجها. صرخت بفزع عندما رأته مرة أخرى وهذه المرة لم يكن بمفرده:
"الحقوووني!"
انتفض زاهر في جلسته على صوت صريخ زوجته. قائلًا بجزع:
"هروح أشوف حصل إيه."
خرج سريعا حتى وصل إلى غرفته. وجدها تقف فوق الفراش. ولما رأته صرخت ببكاء:
"الحقني يا زاهر."
في خطوتين أصبح جوارها. فأرتمت عليه. احتضنها مسرعًا قبل سقوطها.
قال في قلق:
"مالك يابيسان؟"
بيسان أشارت بيديها على ما أرعبها. تمتمت بصوت متقطع:
"مش لوحده يا زاهر. أنا خايفة أوي."
نظر إلى ما تشير إليه. همس بضيق:
"إيه اللي جابهم هنا؟ بصي إنت هتطلعي فوق السرير تاني وأنا هروح أمسكهم وأطلعهم برا الأوضة."
استطاع بصعوبة إمساكهم. قال له برقة:
"هروح أحبسهم في أوضتهم وجي بسرعة."
"بسرعة يا زاهر عشان خاطري."
"دقايق وهكون معاكي."
سمعت من مكانها صوت زاهر الغاضب:
"حسابك هيبقا عسير معايا ياسعدة. لو الأوضة اتسابت مفتوحة تاني."
بمجرد دخوله تعلقت في رقبته. قالت بصوت متقطع باكي. دون أن تفلت تعلقها برقبته:
"خليك معايا يا زاهر."
سمع دقات قلبها تنبض بعنف تحت يديه. شتم في سره لرؤيتها هكذا:
"حاضر يابوسة. مش هتحرك من مكاني."
مسح دموعها بأبهامه بخفة. قال بحب:
"دموعك دي غالية عندي وكل دمعة من عينيكي بتقطع قلبي."
ثم قبلها ببطء على الوجنتين. سمع دقات قلبها تهدأ قليلا. ضاعف قبلاته. أزدادت القبلات بينهم. أصبحت كلها له.
تكرر رنين جرس الباب. همست بضيق عندما استمر الرنين والباب لم يفتح:
"ده أنا مصدقت تدخل تنام."
واتجهت مسرعة ناحية باب الشقة.
قالت بفضول لما رأت الشخص الواقف أمامها:
"إنت مين؟"
المحضر قام بإخراج ورقة من داخل الحقيبة المعلقة على إحدى كتفيه:
"أنا محضر المحكمة وده إخطار. واتفضل مد يده لها بالورقة: اتفضلي حضرتك امضي استلام."
همست لنفسها بغضب:
"عملت اللي قلت عليه."
قال بهدوء:
"اتفضلي امضي ياهانم."
ابتسام بانفعال:
"حاضر."
ثم مضت على استلام الإخطار. ثم أغلقت الباب بعنف. لمعت عينيها بالدموع وهي تقرأ الكلمات المكتوبة فيها. همست بحزن:
"كده يا أحمد... أنا عارفة إن رشا غلطت. بس اللي بتعمله ده غلط. انتوا الاتنين غلطتوا."
خرجت رشا من غرفتها. نظرت إلى أمها بعيون ذابلة لم تعد تلمع كالسابق. كيف تلمع وهي بعيدة عن حبيبها. ركزت نظراتها على الورقة القابعة في يد أمها. فقالت:
"مين اللي كان بيخبط؟ وإيه الورقة دي؟"
انعقد لسانها عن الكلام. ردت بلهجة متوترة:
"اللي خبط كان كااان المحصل."
ثم قامت بطوي الورقة.
برغم أنها تعيش حالة من الانعزال. شعرت بعدم الراحة وكذب والدتها. هتفت بشك:
"محصل!"
ابتسام بلجلجة:
"أيوه."
اقتربت منها رشا وبحركة فجائية نزعت الورقة من يد أمها ونظرت إلى المكتوب فيها.
اضطربت بشدة في وقفتها وهي ترى تقلص ملامح ابنتها.
صرخت بانفعال:
"رفع عليا دعوة لحضانة البنات. ده على جثتي. فاهمة. على جثتي."
ابتسام برجاء:
"أهدي يارشا. أنا هكلم المحامي بتاعي يباشر الدعوة. ومش هيقدر ياخد منك البنات."
هتفت بانفعال:
"خلاص باعني يا ماما. خلاص مبقاش يحبني. وعايز ياخد مني البنات. الحاجة الوحيدة اللي ممكن تخليني أرجع ليه. مستحيل ياخد مني البنات."
ابتسام بلهجة متوسلة:
"طبعًا يا حبيبتي مش هيقدر ياخدهم منك."
في غرفة صفية. جلست سعدة بجوار الفراش.
سألت صفية:
"وحصل إيه بعد ما زعق لكى ياسعدة؟"
ابتسمت سعدة بخبث:
"ولا بعدين ياستي. دخل الأوضة وقفل الباب ولحد دلوقتي هما الاتنين جوا."
قالت صفية بغضب:
"شوفتي ياسعدة زاهر اللي الكبير قبل الصغير بيخاف منه. تيجي واحدة زي دي أول ما تنادي عليه. يجري عليها ملهوف. ونسى أمه وأنها تعبانة."
"متزعليش نفسك. مش هتلحق تتهنى بيه كتير. أنا عملت كل اللي قال عليه الشيخ فرحات بالحرف الواحد. لما يتحقق المراد متنسنيش في الحلاوة."
"بس يحصل وكل اللي انتي عايزاه يا سعدة هعمله ليكي. هو الشيخ مبروك قالك المفعول هيبتدي بعد إيه؟"
هزت سعدة رأسها نافية:
"مقلش أمتى بالظبط. بس اللي أعرفه إن كل واحد راح ليه وطلب منه حاجة اتنفذت."
تمتمت صفية بدعاء ثم قالت:
"أنا بعمل كده عشان مصلحته. عشان متأكدة إنها هتتعبه."
في غرفة زاهر.
شعر بالسعادة تغمر قلبه فنظر لها بحب غير مصدق أنها أصبحت ملكه وملتصقة به.
أبعدها عن حضنه برفق ونظر لعينيها وقال:
"بحبك ونفسي لو قدر لينا وجبنا أطفال يبقوا شبهك."
ضحكت بيسان بدلع:
"وأنا بقا عايزهم شبهك إنت."
ثم نهضت من فوق الفراش.
زاهر بابتسامة:
"سايبني ورايحة فين؟"
قالت وهي ذاهبة باتجاه الخزينة:
"هطلع هدوم ألبسها."
غمز لها بمكر:
"ما تخليكي كده أحلى."
ردت عليه بخجل عفوي:
"باين عليك نسيت الوالدة وأنها تعبانة."
خبط بكف يديه على جبهته وهتف:
"أوبااا. الوالدة مش هتعديها. ليلتك ملونة يازاهر."
ثم نهض مسرعًا من فوق الفراش باتجاه الحمام.
ابتسمت بيسان بخفة وهي ترى اندفاعه باتجاه الحمام. ثم قامت بفتح الخزينة ومدت يديها لالتقاط ثوب لها. عندما أمسكته لفت انتباهها.
شيء موجود في قاع الخزينة.
تمعنت النظر فوجدت كومة من ريشات سوداء اللون.
فقامت بأمساك ريشة منهم.
عقدت حاجبيها بتفكير: "أيه اللي جاب الريش دي هنا؟ أكيد الفار اللي بيقولو عليه سنجاب."
ثم القتها مكانها بعنف.
"هبقا أخلي سعدة تنضف الدولاب."
وأغلقت الدولاب.
شعرت بيسان فجأة بقبضة داخل قلبها.
دموعها نزلت من عينيها دون أن تدري.
أندهش زاهر لما رأها واقفة في نفس المكان معطية له ظهرها.
لمس كتفها برقة: "بيسان."
أنتفضت من شرودها مذعورة.
صرخت بحدة.
التفتت له وقالت برعب: "خضتني يازاهر."
سألها بلهجة يشوبها القلق: "مالك يابيسان وكنتي بتعيطي ليه؟"
ردت بدهشة: "بعيط!"
ب تلقائية لمست وجهها فوجدته رطب فعلا بالدموع.
فقالت بهمس غير مصدقة أنها كانت تبكي: "ده أنا كنت بعيط بجد."
سأل بحيرة: "هو أنتي مكنتيش تعرفي أنك بتعيطي؟"
ردت عليه وهي تشعر بالأضطراب: "محستش خالص يازاهر أني كنت بعيط."
قال بقلق: "أحنا كنا كويسين مع بعض وكنتي بتضحكي قبل مادخل الحمام. أيه اللي غيرك مرة واحدة؟ حصلت حاجة زعلتك؟"
هزت رأسها نافية: "مفيش حاجة زعلتني. أنا معرفش أصلا كنت بعيط ليه. مرة واحدة حسيت أني مخنوقة."
همست بضيق: "حسيت أن نفسي بيتكتم."
"وده من أيه يابيسان؟"
"معرفش يازاهر. بجد معرفش. خليك جنبي علطول."
أحتضنها برقة وهمس برقة: "مش هسيبك وهفضل علطول معاكي."
أرتسمت علامات الدهشة على وجه طبيبه وهو يرى أكنان ثائرا من أجل هذه الفتاة.
تحدث بلهجة منفعلة، صارخا في وجهه: "مالها ياأصهب."
رد عليه بهدوء: "ثواني ياأكنان. أخلص كشف الأول وهقولك عندها أيه."
تحدث بحدة: "خلص بسرعة."
رد بثبات: "حاضر."
وعندما أنتهى قال: "معندهاش حاجة. الضغط طبيعي. كل الوظائف الحيوية عندها طبيعة."
سأل بانفعال: "أومال عندها أيه؟"
أجابه أصهب قائلا: "مجرد أغماء. مفيش حاجة مستاهلة. أنا هفوقها دلوقتي."
ربت بخفة على خدها.
ثم مرر أبهامه على أذنها.
فتحت عينيها ببطء وهي تشعر بالدوار.
رفعت يديها وضغطت على رأسها لتسكين هذا الصداع.
تمتمت بخفوت وهي مازالت غير واعية: "أنا فين؟"
سأل أكنان بقلق: "مالها ياأصهب؟"
قال أصهب بهدوء: "لسه مش واعية وبتفوق."
فجأة مرت أمام عينيها كل الاحداث الذي حدثت منذ قليل.
تقلصت ملامح وجهها متألمة وهى ترى مغتصبها واقف أمامها.
نهضت من الفراش بسرعة غير مبالية بدوارها.
وأتجهت ناحية الباب مهرولة تريد الهروب من هذا الكابوس.
وما أن أمسكت مقبض الباب حتى عجزت قدمها عن حملها.
لكن وجدت ذراعين تقوم بأسنادها.
قال بلهجة خائفة: "زهرة."
لم تشعر بنفسها الا وهي تصفعه بكل قوة على وجنتيه يمينا وشمالا كالمجنونة.
لم تعد تدري لماذا تصفعه فهي لا تتذكر أغتصابه لها.
ولكن تتذكر جيدا معاناتها وحبسها ليل نهار منبوذة تداري فضيحتها.
ظل ثابت في مكانه يتلقى صفعاتها.
توقفت فجأة وأخذت تلهث بعنف.
دفعته بقوة للوراء.
وصرخت فيه: "أنا همشي من هنا. ومش عايز أشوف وشك تاني في حياتي."
وخرجت من الغرفة مسرعة.
أصاب أصهب الذهول.
فما حدث أمامه شيء مستحيل ولا حتى في أحلامه.
كان يتوقع أن يأتي اليوم ويرى فيه أكنان يتم صفعه من فتاة هزيلة لا تصل حتى إلى مستوى كتفه.
عندما رأه مازال واقف قرر الخروج هو الأخر.
وقبل أن تخطو قدمه إلى خارج الغرفة.
تحدث أكنان بهدوء ظاهري: "أستنى يأصهب عايز أسألك في حاجة."
أصهب بتوتر: "أسألني وأنا هجاوب."
قال أكنان بثبات: "هو ممكن الواحد ينسى وقت معين في حياته وميفتكرهوش بعد كده."
سأل أصهب باستفسار: "فقدان الذاكرة علم كبير وأنواع وليه أسباب كتير. وضح كلامك أكتر."
"ممكن الواحد لو أتعرض لخبطة في الراس وفي نفس الوقت يمر بتجربة صعبة. ممكن الوقت ده ينساه تماما بالاشخاص اللي قابلهم فيه."
وضع أصهب سبابته على جبهته ونقر عدة مرات: "ممكن يحصل. أنا قريت عن حالة فقدت ثمانية وأربعون ساعة من حياتها ومعرفتش هي عملت فيهم أيه. ممكن الانسان يقفد جزء معين من ذكرياته لأكتر من سبب. ممكن يكون صدمة نفسية اتعرض ليها فالمخ يمحي الوقت ده تماما. ممكن نتيجة حادثة. من الآخر فقدان الذاكرة ليه أسباب كتير. ممكن كلي أو جزئي."
قاطعه أكنان قائلا: "والشخص ده ممكن ذكرياته ترجع ليه؟"
رد أصهب بهدوء: "ممكن أه وممكن لأ. وده راجع للشخص ونوع الفقدان الذاكرة اللي عنده."
وعندما سمع ماأراد معرفته.
رمق أصهب بنظرة محذرة: "اللي حصل قصادك ميطلعش لجنس مخلوق."
رد أصهب بهدوء: "أنت عارفني كويس. مفيش حاجة اتقالت هنا هتطلع برا."
قال أكنان: "عارف بس حبيت أكد الكلام."
بمجرد أنصراف أصهب.
أنهار أكنان.
أرتكن على الارض بجوار الحائط.
وألقى وجهه بين كفيه وأنخرط في بكاء حاد.
عادت بيه الذكريات إلى سنوات مضت.
وراح يتذكر.
في عيد مولده الواحد والعشرين ومن المفروض في هذا اليوم الأحتفال بتخرجه وميلاده وتكون الفرحة فرحتين.
كانت هدية والده له هي الزواج من فتاة في نفس عمره.
هي نفسها الفتاة التي أخبره بنيته خطبتها له من أهلها عقب تخرجه.
نجم بابتسامة هادئة مترقبة رد فعله عندما يعلم بزواجه: "مش تباركلي ياكينو؟"
نظر لهم بحيرة، مندهش من تأبط ديمه لذراع والده والابتسامة تزيين شفتيها المكتنزتين: "أبارك على أيه بالظبط؟"
رد نجم بهدوء: "على جوازي من ديمة."
ديمة بلهجة يشوبها القلق: "مش هتقولي مبروك ياديمة؟"
ساد شيء من الصمت فجأة.
كأن عقارب الساعة قد توقفت عن الدوران.
أنتفض أكنان في وقفته ثائرا.
وقال بغضب شديد: "ليه؟ طب أنت وعارف طبعك كويس ديما بتجري ورا رغباتك. أنتي ياديمة ليه عملتي كده؟"
خرجت الكلمات من فم ديمة مثل النيران تحرق وتشعل بكل قسوة: "يمكن أكون أنانية في تصرفي. لكن مش عيب أدور على مصلحتي. ليه أتجوز الأبن وأنا ممكن أتجوز الأب. اللي في أيده كل حاجة."
تحولت كلماتها إلى سهام دخلت في قلبه لتخنق دقاته وتصيب مشاعره في مقتل.
أمتص غضبه بصعوبة.
وقال بهدوء ظاهري: "مبروك ليكم."
نظر كلاهما له بصدمة غير مصدقين مباركته لهم بالزواج.
وقبل خروجه من الغرفة وسط نظراتهم المندهشة.
أستدار قائلا: "هو أنت مقولتلهاش يانجم بيه أني شريك بأكتر من النص في كل الأملاك دي كلها. ده غير نصيب بيسان. يعني بنصيبي أنا وبيسان نقدر نخلعك خالص من أدارة المجموعة اللي بتتابهي بأنك مديرها."
عندما أنتهى من كلامه قهقه بصوت عالي.
"حسبتيها غلط. عشان الأبن هو الأصل والأب مجرد صورة."
وقبل خروجه رمقهم بنظرة كره شديدة.
مرت أيام وشهور وسنوات بعد هذه الحادثة التي تسببت في جرح غائر وشرخ دائم في علاقته مع والده.
وتحول أكنان من شخصية هادئة رصينة إلى شخصية قاسية عابثة مستهترة.
سهر وعلاقات نسائية لا حصر لها.
وأنفصل نجم عن ديمة.
لتسافر بعد الطلاق مباشرة إلى الخارج وتتزوج كهلا لمجرد أنه غني.
حاول نجم أصلاح علاقته معه.
لكن الشروخ أصبحت بينهم راسخة وبات من الصعب أصلاحها.
إلى أن أتى اليوم الذي غير حياته.
تحدث أكنان باستهتار: "هو ده بقا المكان الحلو اللي مفيش زيه."
رد أمير: "كفاية الكوكتيل اللي بيتقدم فيه. حاجة تظبط الدماغ."
أكنان بلامبالاة: "هنشوف."
ثم أشار بيديه إلى النادلة كي تحضر مشروبا له.
تقدمت النادلة على مهل محركة جسدها بأغراء.
ثم وضعت الكأس على الطاولة.
أرتشف من الكأس بعض الشراب ثم نظر لها وجدها مازالت واقفة.
قال بلهجة صارمة: "يلا أمشي."
أنصرفت غاضبة وأخذت تتأفف بضيق.
فالزبون طار من يديها.
أخفى أمير أبتسامته وقال: "ليه بس دي البت موزة بتقولك أنا أهو."
عبس أكنان في جهه بقرف: "ذوقك بقا مقرف."
أمير بابتسامة ماكرة: "أنا معايا سجارتين مخصوص."
وغمز له بأحد حاجبيه: "يعني ملغمين."
قال أكنان بهدوء: "أنت عارف أني مليش في المخصوص."
"جرب أنت مش هتخسر حاجة."
ثم أخرج من جيبه لفافة السجائر ووريقتين.
ولفهم بمهارة.
حدث أكنان قائلا: "أمسك."
تناولها بتردد وفي الاخر حسم قراره.
فقام بأشعالها وأخذ منها عدة أنفاس متتالية.
وبعد مرور فترة من الوقت.
قال أكنان: "أنا ماشي."
أمير بابتسامة خفيفة: "ماهو لسه بدري. دي السهرة لسه في أولها."
أكنان بلهجة ثقيلة: "ماهو لزم أصحى بدري عشان الصفقة الجديدة."
"سلااام يابص مادام في صحيان بدري. أنا ناوي أبات هنا في الفندق."
"سلاااام."
ثم تحرك ناحية باب الخروج.
تحرك بسيارته.
ظهرت أمامه من العدم.
أوقف سيارته فجأة محاولا تجنب الأصطدام به.
فلم يستطيع تفادي الأصطدام بها.
سقطت أمام السيارة.
تأفف بضيق.
فهي ليست المرة الاولى تقوم فتاة بالقاء نفسها أمام سيارته في سبيل التعرف إليه.
نزل من السيارة.
فوجد الفتاة قد نهضت من على الارض تمسك رأسها بكلتا يديها وقد أرتسمت على ملامحها الألم الشديد.
كانت ترتدي فستان عاري الكتفين مظهر لمعان بشرتها النقية.
تأملها ببطء من رأسها حتى أخمص قدميها.
ثم ظهرت أبتسامة متلاعبة على شفتيه.
محدثا نفسه: "أنها تبدو كأحدى فتيات البار بزيها العاري الذي كان متواجد فيه منذ قليل. مجرد فتاة تبيع نفسها ليلة واحدة."
هز رأسه بخفة والأبتسامة مازالت على وجهه متمتعة.
"لما لا."
غمز لها ثم قال: "عايزه توصيلة."
أومأت رأسها بخنوع وسارت خلفه مشوشة الرؤية وهي تصدر أنينا مكتوم.
وهي تتلوى سارت خلفه ببطء.
وركب بجواره.
ودون أن تدري ذهبت في طريق لا عودة فيه.
رواية زهرة لكن دميمة الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سلمى محمد
((لاتتهم الدنيا بأنها ظلمتك
أنت تظلم الدنيا بهذا الاتهام
أنت الذي ظلمت نفسك
أنت الذي أدخلت الخناجر في جسمك باهمالك و باستهتارك وبطيشك ورعونتك))
تحرك بسيارته. ظهرت أمامه من العدم. أوقف سيارته فجأة محاولا تجنب الاصطدام بها، فلم يستطع تفادي الاصطدام بها. سقطت أمام السيارة. تأفف بضيق، فهي ليست المرة الأولى تقوم فتاة بإلقاء نفسها أمام سيارته في سبيل التعرف إليه.
نزل من السيارة. وجد الفتاة قد نهضت من على الأرض تمسك رأسها بكلتا يديها وقد ارتسمت على ملامحها الألم الشديد.
كانت ترتدي فستانًا عاري الكتفين مظهرًا لمعان بشرتها النقية. تأملها ببطء من رأسها حتى أخمص قدميها. ثم ظهرت ابتسامة متلاعبة على شفتيه، محدثًا نفسه: "إنها تبدو كإحدى فتيات البار بزيها العاري الذي كان متواجدًا فيه منذ قليل. مجرد فتاة تبيع نفسها ليلة واحدة". هز رأسه بخفة والابتسامة ما زالت على وجهه متمتمًا: "لما لا...".
غمز لها ثم قال: "عايزة توصيلة؟"
أومأت رأسها بخنوع وسارت خلفه مشوشة الرؤية وهي تصدر أنينًا مكتومًا. وهي تتلوى سارت خلفه ببطء، وركبت بجواره. ودون أن تدري ذهبت في طريق لا عودة فيه. وضعت يدها الرقيقة على مقبض باب السيارة من الداخل كدعامة أمان لضعفها. أغمضت عينيها وهي جالسة بجواره. انطلق بالسيارة.
وهو ناظر للطريق أمامه قال بابتسامة متلاعبة: "اسمك إيه؟"
سمعت صوتًا يناديها. ظلت صامتة للحظات قبل الرد، فقالت بصوت مبحوح: "زوزو...". ثم همست بشرود: "أنا زوزو... كل أحبابي تاركوني... أبي مات وحبيبي هو الآخر... أنا زوزو...". شعرت بدوار شديد يجتاحها وألمًا مبرحًا بداخلها. الألم زاد أكثر وأكثر.
لم يكن واعيًا لعذابها، فهو كان في عالمه الخاص ومشاهد خاصة تجمعهما.
مد يده نحوها. لمس كتفها العاري. وعندما ظلت ساكنة، تجرأت أصابعه أكثر.
زهرة بفطرتها، أدركت وجود خطأ ما. هي لا تحب ما تشعر. انتفضت مكانها. فتحت عينيها المغمضتين مذعورة. الرؤية كانت مشوشة أمامها. تراجعت للخلف خائفة. حاول لمسها مرة أخرى.
بصوت أجش من الرغبة: "بتبعدي ليه... تعالي قربي جنبي...".
هتفت مذعورة، وهي تشعر بالرعب، فطرتها تخبرها بأنها في خطر ولابد أن تفوق لإنقاذ نفسها: "أبعد عني...". فجأة أصبحت الرؤية ضبابية أمامها. فأخذت تغلق عينيها وتفتحهما، لكنها لم تستطع رؤية وجهه جيدًا فقد كانت مشوشة الذهن.
أوقف السيارة ثم قال بلهجة يشوبها الرغبة: "قال أبعد... أنا عارف أشكالك كويس عايزين إيه...".
فتحت الباب، ثم ركضت والدموع تغشى عينيها. ركض ورائها. انقض عليها مسيطرًا بقوة على جسدها وأخذ يلهث بعنف نتيجة ركضه ورائها.
لم يبالِ بصراخها وبكائها ومحاولاتها للهروب من بين يديه وهو يرفعها لإكمال انتهاك جسدها. شعر بدموعها تلامس وجنته ولكنه لم يبالِ. فهو كان مغيب العقل نتيجة رغبة محرمة.
خرجت منها صرخة مدوية شقت سكون الليل.
بعد فعلته ألقى جسده على الأرض مستغرقًا في النوم.
أخذ يشهق بعنف عندما رجع من ذكرياته المؤلمة، فهو عندما فاق تذكر كل شيء. كل شيء. لم يكتب له النسيان بالرغم من سكره. بحث عنها كالمجنون لكنها اختفت تمامًا كأنها شبح لم يكن له وجود.
نهض من على الأرض، ثم مسح دموعه. لمعت عيناه بنظرة عزم، ثم خرج من الغرفة.
---
بمجرد دخول زهرة إلى شقتها وإغلاق الباب خلفها، ألقت نفسها على أقرب كرسي وأنهارت.
رن جرس الباب. حاولت زهرة تجاهل الرنين فهي لا تشعر بأنها بخير ولا تريد رؤية أحد. لكن الشخص الموجود في الخارج مصمم على مواصلة الرنين.
قامت من مكانها بخطى متثاقلة، وفتحت الباب. ومن مكانها دون أن تتحرك، قالت بلهجة خالية تمامًا من الحياة: "نعم يا ضحى؟"
ضحى لم تلاحظ برودة ردها. ردت بابتسامة: "كريم هيجي يخطبني بكرة... إيه مش هتقوليلي أدخل؟"
"ادخلي يا ضحى."
"إيه مفيش مبروك؟"
"مبروك على إيه؟"
ضحى ابتسامتها تلاشت عندما شعرت بأنها ليست على ما يرام: "مالك في إيه؟"
ردت زهرة: "مليش... أنا كويسة."
ضحى بتمعن: "ومادام كويسة ومفيش حاجة... ما أخدتيش بالك من كلامي ليه؟ ده أنتي بتسألني مبروك على إيه... مع إني لسه قايلالك... مالك يا زهرة؟"
زهرة بحدة: "بقولك مليش يا ضحى... لو سمحتي خلي الكلام ده بعدين... عشان مش فايقة دلوقتي للكلام."
ردت ضحى: "خلاص اللي يريحك... خلينا في الكلمتين اللي كنت عايزة أقولهم ليكي... كريم هيجي يخطبني بكرة."
قالت زهرة بابتسامة خفيفة: "مبروك يا ضحى... أنا مش قولتلك قبل كده ربنا هيعوضك."
ردت عليها مبتسمة: "وأهو ربنا عوضني بابن الأصول المحترم... ومش أي حد ده يبقى كريم قريب أكنان."
اختفت ابتسامتها عندما ذكرت اسمه. سألت بعدم تصديق: "انتي بتقولي كريم... كريم اللي أنا أعرفه؟"
هزت رأسها بالإيجاب: "أيوه هو... شوفتي الحظ... أنا مبسوطة أوي أوي يا زهرة... كلام في سرك... من اليوم اللي أنقذني فيه وهو مش بيفارق خيالي... وكنت بقول لنفسي هو فين وأنتي فين..." قفزت على قدميها من الفرحة. "أنا مش مصدقة نفسي..." وهتفت في سرور: "وأخيرًا اتكتبلي أفرح تاني..."
شردت زهرة بحزن، محدثة نفسها: "مستحيل أن أخبرها ما حدث له بعد معرفتها بالخطوبة..." أخفت حزنها وقالت بابتسامة: "مبروك يا ضحى."
ضحى بابتسامة مرحة: "على فكرة أنتي اللي هتعملي الميك اب بتاعي ومفيش حد غيرك فاهمة... ده أنتي عليكي تزويق... كنتي أشطر واحدة فينا بتزوق وتعمل أحلى ميك اب."
زهرة بلهجة رافضة: "ياااه يا ضحى أنتي لسه فاكرة... ده كان زمان... دلوقتي طلعت موضات جديدة... والواحد محتاج يتعلم عشان يعمل حاجة حلوة."
ضحى بإصرار: "مليش فيه قديم مش قديم مفيش غيرك هيزوقني."
هزت زهرة كتفيها وقالت بلهجة مستسلمة: "حاضر يا ضحى... مادام هتكوني مبسوطة."
ضحى بصوت مرح: "طبعًا هكون مبسوطة ومبسوطة أوي...."
---
في غرفة الصالون.
قالت ابتسام بحزن: "أنت بتقول إيه يا كارم... مش معقول."
كارم بلهجة مؤكدة: "للأسف يا ابتسام... نسبة أنه يكسب حضانة البنات كبيرة... بعد الأوراق اللي قدمها... اللي بتثبت عدم أهليتها أنها تربي البنات."
كانت رشا واقفة خلف الباب تتصنت عليهم. دمعت عيناها، ثم رفعت كفها لتجفف عبراتها. لمعت عيناها بنظرة غريبة. تركت مكانها وسارت تجاه غرفة بناتها وأغلقت الباب خلفها بهدوء.
ابتسام برجاء: "اتصرف يا كارم... دي رشا ممكن يجرالها حاجة لو أخد البنات منها... ده أنا مصدقت حالتها استقرت ورجعت طبيعية."
رد كارم بتفكير: "هشوف كده وححاول أتكلم معاه في مصلحة البنات."
ابتسام برجاء: "حاول معاه."
كارم بهدوء: "هكلمه النهاردة وأحاول أوصل معاه على اتفاق يرضي جميع الأطراف."
---
انتهزت سعدة خروج زاهر من المنزل، لتذهب إلى غرفته. طرقت على الباب حتى فتحت لها بيسان.
رأت سعدة ممسكة صينية عليها طبق طعام غريب الشكل.
سعدة بابتسامة: "دي أكلة عملتها مخصوص ليكي."
سألت بيسان بفضول: "هو إيه ده؟"
ردت بابتسامة مصطنعة: "دي اسمها عصيدة... أكلة مشهورة هنا."
بيسان باستفسار: "عصيدة؟ أول مرة أسمع الاسم ده... ودي بقا مكوناتها إيه؟"
قالت سعدة: "لبن ودقيق ومية وحاجات تانية... بس هتعجبك أوي."
حاولت بيسان الرفض فهي لا تهوى اللبن: "معلش يا سعدة."
سعدة لم تيأس حتى أقنعت بيسان بتناول عدة ملاعق منها.
"كفاية كده يا سعدة وتسلمي أنك فكرتي تدوقيني منها."
"العفو يا هانم." ثم انصرفت، لتذهب مباشرة إلى غرفة صفية.
أول ما دخلت سعدة سألتها بسرعة: "أكلت من العصيدة يا سعدة؟"
سعدة بابتسامة منتصرة: "أيوه يا ستي."
تنهدت براحة، وهي تأخذ وضعًا أكثر راحة على مقعدها: "أمتى بقا هيطلقها؟"
"الشيخ فرحات قال في أقرب وقت... وأنا أهو بنفذ كل اللي بيقول عليه وحطيت ليها العمل في العصيدة وأكلته."
"ياريت عشان أنام وأعرف أرتاح."
---
ذهبت زهرة إلى غرفتها وألقت نفسها فوق الفراش. أغمضت عينيها بتعب، وانفجرت في بكاء صامت. إلى متى ستدفع ثمن خطيئة لا ذنب لها فيها؟ تأوهت بألم. إلى متى؟
مر شريط ذكرياتها أمام عينيها بتناغم. رأت نفسها طفلة مع والد يدللها بالحب. رأت نفسها عروسًا تزف لأكثر الشباب وسامة وشجاعة، وأنجبت منه عشرات الأولاد. وفجأة تحولت ذكرياتها البريئة إلى كابوس. إلى هذا اليوم الذي سيظل عالقًا بداخل عقلها. وجدت نفسها تصرخ وتصرخ.
ترجل السائق من سيارته، أخذ يسب محدثاً نفسه: "أمتى الواحد ربنا يعفيه من الاشكال الضالة دي... فهذا الطريق قابل فيه هذه النوعية كثيرا. لكن مكان عمله كطبيب يجبره إلى خوض هذا الطريق."
توقف سبابه عندما رأى أمامه طفلة شبه عارية، ممزقة الثياب، والدماء مغطية قدميها وجسدها مغطى بالكدمات. شهق بعنف، توقف لسانه عن الكلام من صدمة ما رأى، وجد نفسه يقول: "أنتي بخير يابنتي."
نظرت زهرة له بصمت. كلامه أعطاها الإشارة لكي تفقد نفسها وتدخل في حالة من الصراخ الهستيري، لتسقط فاقدة الوعي أسفل قدميه.
هتف بصدمة: "أسترها من عندك يارب وعدي الليلة دي على خير." قام بحملها، عندما لم تستجب لمحاولة إفاقتها، واتجه بها إلى المستشفى.
دلف إلى المستشفى وذهب بها إلى غرفة الطوارئ. سألته ندى بفضول: "مين دي؟"
قال أديب: "بنت أغمى عليها قصاد عربيتي... وأشك أنها اتعرضت لمحاولة اغتصاب. بعد الكشف كله هيبان."
ندى شهقت: "بس دي باين عليها لسه عيلة."
تم الكشف عليها ونقلها إلى غرفة خاصة. وعندما استيقظت، للحظات، سألتها الممرضة عن اسمها، لتفقد الوعي مرة أخرى. ومن خلال الاسم توصلت الشرطة إلى العنوان، وتم إبلاغ أهلها بتواجدها في مستشفى الهلال. ذهبت هدى إلى المستشفى وقلبها يتأكله الخوف على ابنتها الوحيدة. فهي اختفت فجأة ولم تعلم أين ذهبت.
هدى بلهجة مرعوبة: "بنتي مالها يادكتور؟"
تردد أديب بإخبارها.
كررت هدى كلامها: "بقولك بنتي مالها؟"
أديب بلهجة مواسية: "كل شيء مقدر ومكتوب، واللي حصل لبنتك مقدر ليها تعيشه."
هدى بصراخ: "بنتي ماتت!"
أديب هز رأسه نافياً: "لا مش ماتت."
هتفت بانفعال: "أومال مالها؟"
رد عليها قائلاً: "بنتك اتعرضت لحالة اغتصاب... ودلوقتي في غيبوبة."
لطمت هدى على وجهها وهي تصرخ: "آآآه يابنتي آآآه." لم تتحمل هدى الصدمة، فسقطت فاقدة الوعي.
تقيد الحادثة ضد مجهول، وتخرج زهرة من المستشفى مغتصبة مع أم مشلولة.
ذهبت إلى شقتها، لكن نظرات الناس لم ترحمها، عندما علموا ما حدث لها. فهي في نظرهم خاطئة. عندما علمت بحملها، حاولت إجهاض نفسها، لكن حملها كان متقدماً، فهي اكتشفته متأخراً. باعت الشقة، وتركت المنطقة، وسافرت إلى مصر هي ووالدتها. غيرت من شكلها، منتحلة هوية زهرة الدميمة.
في يوم، أتاها اتصال من ضحى. فهي الوحيدة التي كانت تتصل بها، هي الوحيدة التي تعلم بمكانها.
زهرة ببكاء: "أنا تعبت أوي ياضحى... وخلاص مش قادرة أستحمل."
ضحى بقلق: "حصل أيه؟"
زهرة من بين دموعها: "صاحب البيت استغلالي وغلى عليا الإيجار... وأنا الفلوس اللي بتطلعي من الشغل مش مقضية المصاريف."
فكرت ضحى للحظات في مشكلتها. هتفت قائلة: "أنا عندي حل."
قالت بسرعة: "قوليلي عليه."
ضحى بهدوء: "في شقة عندنا في الدور الأرضي أيجارها مش كبير... وأنا هكلم بابا أنه يقلل الإيجار شوية كمان لما أقوله إنك بنت وأمها مريضة ومقطوعين من شجرة."
زهرة بلجلجة: "بس خايفة حد يعرفنا."
ردت ضحى بلهجة واثقة: "ومين هيعرفك بشكلك ده؟ ده أنا معرفتكيش من الصورة اللي بعتيه ليا."
زهرة بتردد: "خايفة حد يعرف ماما."
ضحى: "ومين هيشوفها من الأساس وهي مش بتعرف تتحرك؟ ومفيش حد من أهلي شاف حتى والدتك."
زهرة: "سيبني أفكر شوية."
ضحى: "في الوقت اللي هتفكري فيه أكون كلمت بابا عن الشقة. سلاااام."
عادت من ذكرياتها على صوت مواء ماشا وصغارها.
زهرة بلهجة متألمة وهي تحتضنها: "آآآه ياماشا... كله سابني ومبقاش ليا غيرك أنتي وولادك." همست بشرود: "فاكرة ياماشا أول ماشوفتك... قطة صغيرة تعبانة وكنتي حامل... فكرتيني بنفسي... لما كنت لوحدي وفي نفس وضعك وفي أيام كنت بحس إني خلاص هموت. لما بصيتي ليا وجسمك كان بيرتعش من البرد صعبتي عليا ولما شيلتك وعرفت إنك حامل مقدرتش أسيبك." لمعت عينيها بالدموع وهي تتذكر. "ولما تعبتي وعرفت إنك حامل في اتنين... شوفت نفسي فيكي... حاولت أعوض حرماني عن طريقك."
زاد مواء ماشا. ضحكت زهرة بألم: "أنا نسيت خالص العشا بتاعك... هقوم أحضرلك الأكل."
***
طرقت ابتسام على باب غرفة ابنتها، لتخبرها بوقت العشاء.
عندما لم تأذن له بالدخول، شعرت بالقلق، فقامت بفتح الباب ودلفت إلى الداخل. لم تجد ابنتها في الغرفة. لفت نظرها منظر خزينة الملابس مفتوحة وخالية.
ابتسام بهلع: "روحتي فين يارشا؟" ثم جريت مسرعة باتجاه غرفة البنات، فلم تجدهم وأيضاً خزينة ملابسهم فارغة. أمسكت هاتفها واتصلت برقم ابنتها. سمعت جرس هاتفها يأتي من غرفتها. ذهبت إلى غرفتها مسرعة، فرأت الهاتف ملقى على السرير.
صاحت بانفعال: "معتزز!"
دلف معتز إلى الغرفة مذعوراً: "في أيه تاني؟"
ابتسام: "أختك والبنات مش موجودين... ودولايب هدومهم فاضية... وتليفونها هنا."
معتز: "تلاقيها راحت شقتها."
ابتسام بلهجة يشوبها القلق: "طب روح شوفها هناك ولا لأ." وعندما رأته مازال واقفا في مكانه، قالت: "روح يابني الله يخليك... أنا قلبي مش مطمن."
رد معتز: "حاضر... هلبس وهنزل أروح أشوفها."
ابتسام بقلق: "أول ما توصل هناك طمني."
رد قائلاً: "هتصل طول."
عندما وصل معتز إلى شقة أخته، رن على جرس الباب وتفاجأ بأحمد أمامه وهو يتثائب.
معتز بارتباك: "هي رشا والبنات جوا؟"
أختفى نعاسه فجأة ثم قال: "مين اللي جوا؟ مفيش حد جوا."
معتز همس قائلاً: "أومال هتكون راحت فين بالبنات دلوقتي."
تحدث أحمد بغضب: "مين دي اللي اختفت؟ فين بناتي يامعتز؟"
معتز بتوتر: "معرفش فين... مرة واحدة اختفت من الشقة ومعاها البنات وسابت تليفونها في الشقة."
سمع أحمد رنين هاتفه، الرنين مازال لم يتوقف.
رد أحمد بضيق: "وعالله تطلع تمثيلية." رأى رقماً غريباً.
أحمد: "ألو."
سمع صوت ضحك، ثم قالت: "واحشتك صح؟"
أحمد بغضب: "فين البنات يارشا؟"
هتفت بانفعال: "بناتك مش هتشوفهم خالص يا أحمد... بتحلم لو أخدتهم مني." ثم أغلقت الهاتف.
سأل معتز: "رشا اللي كانت بتكلمك؟ مقلتش ليك هي فين؟"
أمسك أحمد في ملابس معتز، قال بغضب: "دي تمثيلية طبخنها سوا عشان تختفي بالبنات... دي بتقول عمرك ماهتشوف البنات."
نزع يديه بعنف من ملابسه، وهتف في وجهه: "مفيش تمثيلية... إحنا منعرفش هي فين." ثم قال: "عدي الليلة دي على خير."
هتف فيه أحمد: "تقصد أيه بكلامك؟"
تجاهل معتز الرد عليه، ثم خرج مسرعاً من الشقة.
***
أتعلم يا حبيبي
إني لأحسد نفسي عليك بأن أصبحت من نصيبي
عندما تبتسم أشعر بأن الكون بأسره هو ملكي
أنت عالماً لم أرى له مثيل
وفي داخل غرفة عروستنا، سألت زهرة ضحى بلطف وهي تقوم بوضع المكياج على وجهها: "بتحبيه؟"
بدون أن تنظر لها، قامت ضحى من مكانها وتحركت مبتعدة عنها، لتقترب من الشباك، ونظرت إلى السماء تتأمل لمعان النجوم فيها. بعد أن أخذت نفس عميق، غمغمت: "هتصدقيني لو قولتلك آه بحبه... وخايفة أوي من الحب ده."
تركت زهرة ملمع الشفاه الممسكة به بيدها على الطاولة، واقتربت منها. أخذت تنظر إلى وجهها الذي شحب مرة واحدة.
سألتها زهرة: "أيه اللي خلاكي تقولي كده؟"
ضحى بتردد: "حساه كتير عليا... حاسة إني مستاهلش واحد زيه... هو ابن مين وأنا بنت مين؟ خايفة مكنش مناسبة ليه... خايفة حبه ليا يروح ويجي عليه وقت ويعايرني."
هزتها زهرة بعنف، ثم قالت بغضب: "انتي مش ضعيفة فاهمة؟ خليكي واثقة في نفسك... لو هتفكري من دلوقتي إنه أحسن منك... يبقا بلاش الجوازة دي... بطلي ضعف... أنتي اللي أحسن منه... مش هو... حطي ده في دماغك."
رواية زهرة لكن دميمة الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سلمى محمد
الشيء الوحيد الذي يريحيني هو أنني أعرف من أنا... أعرف جيدا أن قلبي لا يضر أحد... لدي عزة نفس تكفيني لو أضطررت لأن أعيش كل حياتي حزينة... هذه أنا.
سألت زهرة ضحى بلطف وهي تقوم بوضع الميك أب على وجهها:
بتحبيه؟
بدون أن تنظر لها قامت ضحى من مكانها وتحركت مبتعدة عنها... لتقترب من الشباك... ونظرت إلى السماء تتأمل لمعان النجوم فيها... بعد أن أخذت نفس عميق غمغمت:
هتصدقيني لو قولتلك أه بحبه... وخايفة أوي من الحب ده.
تركت زهرة ملمع الشفاه الممسكة به بيدها على الطاولة... وأقتربت منها... أخذت تنظر إلى وجهها الذي شحب مرة واحدة.
سألتها زهرة:
أيه اللي خلاكي تقولي كده؟
ضحى بتردد:
حساه كتير عليا... حسه أني مستاهلش واحد زيه... هو أبن مين وأنا بنت مين... خايفة مكنش مناسبة ليه... خايفة حبه ليا يروح ويجي عليه وقت ويعايرني...
هزتها زهرة بعنف... ثم قالت بغضب:
أنتي مش ضعيفة فاهمة... خليكي واثقة في نفسك... لو هتفكري من دلوقتي أنه أحسن منك... يبقا بلاش الجوازة دي... بطلي ضعف.. أنتي اللي أحسن منه... مش هو .... حطي ده في دماغك... أنتي جميلة من جوا ومن برا وتستحقي الأفضل.. .... وأوعي تسمحي لأي حد مهما كان يقول لكي أنك متصلحيش تعملي أي شيء... أنتي قوية ومتقليش عن كريم مش عشان هو غني يبقا هو أحسن منك...... أنتي تستحقي أنسان يحبك قلبه ... يشوف فيكي الحاضر والمستقبل يعمل لكي أي حاجة عشان يسعدك... ثم هتفت بانفعال... فاهمة ياضحى أوعي تحسسيه أنك أقل منه...
هزت رأسها بصمت... لمعت عينيها بالدموع وبصوت مختنق قالت:
فاهمة...
قالت زهرة بلهجة حازمة:
بتحبيه يبقا تتعاملي معاه بمساواة ومفيش واحد فيكم أحسن من التاني... ثم قالت مغيرة الحديث... تعالى أقعدي عشان اصلح الميك اب اللي باظ.
رسمت على وجهها ابتسامة خفيفة:
صلحي بسرعة....
عندما أنتهت من تزيينها نظرت لها بتقدير... صفرت بأعجاب وقالت ممازحة:
تهبلي يابت.
دارت ضحى حول نفسها... بفستانها البيج ذو التطريز الخفيف... وشعرها البني الطويل يتطاير... يعانق وجهها... قالت بابتسامة:
لسه ايدك تتلف في حرير... أومال موضة قديمة ومش موضة قديمة... ده أنتي خبيرة يابنتي... لسه لمستك السحرية شغالة.
ابتسمت زهرة بخفة:
ماهو أنتي لما سبتيني... دخلت على النت والقيت نظرة على أحدث حاجة...
طرق الباب ودخلت أمينة مقاطعة حديثهم... وعندما رأت أبنتها:
تبارك الله.... ثم ابتسمت... ربنا يحفظك من العين يابنتي.
كريم برا... ومتخرجيش من أوضتك قبل ما أقولك... أسيبكم دلوقتي أشوف أبوكي هيقوله أيه.
في غرفة الصالون.
كريم بابتسامة هادئة:
طلباتك ياعمي.
قال عبد الفتاح:
بص يابني أحنا بنشتري راجل... الماديات دي متفرقش معانا في... كل اللي عايزه أنك تتقي ربنا فيها وتخاف عليها.
كريم بابتسامة:
ضحى في عينيا من جوا... وأنا ياعمي هتكفل بكل حاجة.
عبد الفتاح برفض:
أنا هجهز بنتي جهاز عرايس من كله.
قال كريم:
بس ياعمي أنا مش عايز حضرتك تكلفوا نفسكم بأي مصاريف.
رد عبد الفتاح بإصرار:
أنا همشي على الاصول وبنتي هتخرج من بيتي مجهزها من كله.
كريم باستسلام:
اللي يريحك ياعمي... ليا طلب عندك... أنت عارف أن كل شغلي برا... وكنت هنا الفترة دي عشان الشغل... ووجودي هنا مبقلش ليه داعي.
سأل عبد الفتاح مستفهما:
عايز تقول أيه.
كريم بابتسامة:
عايز الفرح علطول... هااا قولت أيه ياعمي.
تذكر عبد الفتاح الزيجة الاولى لأبنته وأستعجال كمال في أتمام الزواج وفى الأخر كان نصاب... حدث نفسه... شتان بين هذا وذاك... فكريم أصله معروف.
كريم مكررا سؤاله:
قولت أيه ياعمي...
هز رأسه بالإيجاب:
موافق.
قال بابتسامة:
الفرح نخليه بعد اسبوع وبعد الفرح هنسافر علطول.
رد مستنكرا:
فرح أيه اللي بعد أسبوع مش هنلحق نعمل فيه حاجة.
مانا قولتلك ياعمي أنا متكفل بكل حاجة.
وأنا قولتلك مينفعش.
طب قولي الوقت المناسب ليك.
شهرين على الاقل يابني.
هتف كريم:
شهرين كتير.
قال عبد الفتاح:
أيه رأيك نمسك العصاية من النص ونخلي الفرح بعد شهر.
فكر بهذا للحظة ونظر له:
وأنا موافق.
هتف بفرح:
يااااأمينة.... نادي على ضحى خليها تيجي.
أمينة من خارج الغرفة:
حاضر... ثم أطلقت زغرودة عالية مجلجلة.
عندما صوت الزغاريد... شعرت ضحى بارتجاف يديها ودقات قلبها السريعة.
زهرة بنبرة رقيقة:
أهدي.
دخلت أمينة عليهم والابتسامة تزيين شفتيها:
يلا ياضحي.
بلهجة خجولة:
حاضر.
وعند الانتهاء من القاء السلامات.
جلست بعيدة عنه... لم يستطع أبعاد عينيه عنها... أخذ يراقبها... خفق قلبها بعنف... حدثت نفسها بأن قلبها لم يخفق بمثل هذه القوة من قبل... وددت الأرض لو تنشق وتبتلعها من شدة خجلها... نكست رأسها للأسفل لا تقوى على رؤية نظراته لها.
ابتسم على خجلها... هامسا بخفوت:
أخيرا ستكون له ملك يمينه.
نهض زاهر مفزوعا على صوت صراخها... جلست على الفراش تلتقط أنفاسها بصعوبة... أرتمت على صدر زوجها.
أخذت تبكي وتبكي.
تحدث بلهجة يشوبها القلق:
مالك يابيسان.
شهقت بعنف ثم قالت:
كابوس مرعب يازاهر... خبأت وجهها بصدره مستكملة بكاءها.
ربت على شعرها بحنو... تحدث بلهجة رقيقة:
أهدي يابيسان... رفع كف يديها وقبلها برقة... وقام بمسح وجهها بكفه وقرأ عليها آيات من القرآن.
ولما خف بكائها قال برقة:
أحسن دلوقتي.
هزت رأسها بصمت... فأراح جسدها فوق الفراش... جذب الغطاء فوقها... ثم قبل جبينها قائلا:
أرتاحي.
همست بيسان برجاء:
أنا مش حابة أقعد هنا يازاهر.
زاهر بلهجة حنونة:
مينفعش نمشي اليومين دول أمي تعبانة.
ردت بلهجة كئيبة:
مخنوقة... مخنوقة أوي.
معلش أستحملي عشان خاطري... وأنا عليا مش هلخيكي تحسي بالزهق... هفسحك كل يوم... غمزه له بحاجبيه وقال... ده غير وقت الليل وجماله...
ثم أحنى رأسه لتقبيل وجنتيها... فقامت بأبعاد رأسها... لتسقط قبلته في الفراغ. نظرت له وقالت بجمود:
هو ده وقته... مش شايفني تعبانة.
نظر لها بذهول فقبلته لها كانت بريئة... مندهش من تغير مجرى الحوار... ولأول مرة يشعر برفضها له.
تحدث بهدوء:
تصبح على خير يابيسان... ثم نهض من فوق الفراش... متجها إلى الشرفة... تنفس بعمق... أخذ يتأمل القمر... داعب نسيم الهواء وجهه برقة.
دلفت سعدة مسرعة إلى غرفة صفية بعد طرقت على الباب وأذنت لها سيدتها بالدخول.
صفية باستفسار:
خير ياسعدة... أيه اللي جايبك دلوقتي.
ردت عليها مبتسمة:
بشاير الشيخ فرحات هلت.
حصل أيه.
شوفت زاهربيه من تحت واقف في بلكونة أوضته وشكله مش مبسوط... العمل أبتدى مفعوله والمشاكل باين عليها أبتدت.
تنهدت بحرقة:
أمتى أخلص منها وأرتاح.
ردت سعدة:
قريب أوي ياستي.
ظل لعدة ساعات يتسكع على غير هدى... بعد أن تملكه الضعف.
عندما توقف بسيارته أمام باب الملجأ لم يقوى على الخروج من سيارته.
من وقته يتجول بسيارته في جميع أنحاء المدينة تعذبه أفكاره وإحساسه بالذنب.
بعد ساعات من المعاناة مع الذات، توقف عند محل للعب الأطفال، وقام بشراء الكثير من الألعاب.
لثاني مرة يتوقف بالقرب من باب الملجأ.
أغمض عينيه وتحولت أفكاره إلى دوامة من الخوف والندم.
أحساس الذنب يتأكله.
أخذ يشد في مقدمة شعره، وعلى صفحة وجهه تلاطمت أمواج الندم والحنق.
تنفس بعمق عدة مرات حتى شعر بالهدوء.
دلف من سيارته إلى الخارج بخطى وئيدة.
ضغط بأصبعه على جرس بوابة الملجأ.
فتح له مبروك، وأول مارأه تذكره فورًا:
"جي تتبرع للملجأ تاني؟ يارب كتر من أمثالك. الملجأ محتاج اللي زيك كتير."
حدث نفسه، فهو لم يتبرع بأي أموال في المرة الماضية ومشى مسرعًا عندما علم بوجود أطفال له.
وعن ماذا يتكلم؟
سأل أكنان مستفسرًا:
"ليه الملجأ محتاج تبرعات الفترة دي بالذات؟"
تنهد مبروك بحدة:
"الموضوع كبير يابيه. الخلاصة أن كل اللي شغالين في الملجأ مش هيبقا ليهم شغل، وكمان الأطفال اليتامى هنضطر ننقلهم ملجأ من ملاجئ الحكومة. ومادراك إيه هي ملاجئ الحكومة. معاملة الأطفال هناك مش آدمية. أما الأطفال هنا بيتعامل كأنهم ولادنا. أحسن لبس وأكل وأحسن معاملة. ده غير ست ليلي مديرة الدار مش مخليهم محتاجين حاجة. ودلوقتي كل ده على كف عفريت. أهو ست ليلي بتحاول تدور إلى مكان تاني تأجره وننقل فيه الأطفال. الدار محتاج فلوس كتير اليومين الجايين عشان منضطرش ننقل الأطفال لملاجئ الحكومة."
شعر بألم مبرح داخل قلبه. صغاره هو أكنان في احتياج، معرضين للتشرد، وأن يكونوا بلا مأوى.
همس بوجع:
"آه."
سأل مبروك:
"في حاجة يابيه؟"
أخفى ألمه ثم قال:
"في شوية لعب معايا جايبهم للولاد. تعالى شيلهم معايا ندخلهم جوا، وبالمرة أروح لمديرة الملجأ."
بل لهجة سعيدة:
"الولاد هيفرحو أوي باللعب الجديدة."
ثم ذهب مع أكنان إلى سيارته وقاموا بحمل اللعب معه وأدخلوها إلى داخل الملجأ.
هتف مبروك:
"ثريااااا!"
أتت ثريا بسرعة على صوت نادئه المستمر:
"في إيه يامبروك؟"
رد مبروك:
"تعالي شيلي معايا ندخل اللعب دي في أوضة الألعاب."
ثريا بابتسامة:
"دول هيفرحو أوي. بقالهم كتير مجاش ليهم لعب. من يوم البيه مات."
سأل أكنان بفضول:
"بيه مين اللي مات؟"
"البيه فاروق. صاحب الفيلا دي اللي حولها بعد كده لملجأ، وهو اللي كان متكفل بكل بالأطفال اللي فيه. مكنش مخلي الملجأ محتاج حاجة. كان كل دخله بيطلعه على الملجأ ومصاريفه الشخصية وبس."
تنهدت بحدة.
"كان راجل طيب ملهوش ولاد. ودلوقتي الورثة عايزين يطردونا وياخدوا الفيلا. وداخلنا في قضايا ومشاكل في المحاكم. ولسه طالع الحكم بإخلاء الفيلا."
هتف بغضب:
"مفيش حد هيمشي وأنا هتصرف. وديني لمكتب مديرة الملجأ دلوقتي."
في داخل مكتب ليلى، بعد أن قامت بالترحيب به عندما علمت من ثريا أنه متبرع للملجأ.
ثريا بابتسامة:
"وحضرتك ناوي تتبرع للملجأ عن طريق شيك ولا فلوس سيلة؟"
قال أكنان بلهجة ثابتة:
"ناوي أجيب مكان جديد ويتجهز من كله، وهكون أنا المسئول الوحيد عنه."
فقدت النطق للحظات، ثم دعت بصوت مسموع:
"الحمد لله. ده أنا كنت بدور على مكان جديد لهم ودعيت كتير. وربنا استجاب لدعائي. وأمتى حيحصل ده؟"
بنبرة مسيطرة:
"أنا عندي المكان، وفي خلال أربعة وعشرين ساعة هخلص الإجراءات مع الحكومة وهجهز المكان لاستقبال الأطفال."
اتسعت عينيها غير مصدقة وهتفت بذهول:
"بكرة؟ بكرة اللي تقصده بكلامه؟"
هز رأسه في صمت وقال بلهجة واثقة:
"أنا بعلاقاتي الكتير وبفلوسي أخلص ده خلال يوم."
سألت بفضول:
"وكل ده ليه؟"
تحدث بهدوء:
"من غير ليه. وهو عمل اللي بيحب يعمل خير يتقاله ليه؟"
قالت معتذرة:
"آسفة على سؤالي."
سأل أكنان بثبات:
"عايز أقعد مع الأطفال شوية، أتعرف عليهم أشوفهم محتاجين إيه. ينفع دلوقتي؟"
ليلي بابتسامة هادئة:
"طبعًا ينفع."
ثم نهضت من مكانها وأشارت له.
"اتفضل معايا. دلوقتي وقت الفطار بتاعهم. وبعدين هيروحوا أوضة الألعاب يلعبوا فيها شوية. وبعدين على فصل الدراسة."
ذهب أكنان معها إلى غرفة الطعام.
أكنان عندما رأى طفليه، شعر برغبة للذهاب إليهم وتخبئتهم داخل قلبه. تحكم في دموعه بصعوبة.
قالت ليلي في هدوء:
"زي ما حضرتَك شايف. الأطفال هنا مش مخلينهم محتاجين حاجة."
قاطعها أكنان قائلاً:
"أنا عايز أقعد شوية معاهم. لو سمحتي يا مدام ليلي الكلام اللي بينا يفضل سر. مش عايز أي مخلوق يعرف اسمي وأني متبرع الملجأ الجديد."
ردت ليلي:
"حاضر. مفيش جنس مخلوق هيعرف اسمك. هسيبك دلوقتي، وأقعد معاهم الوقت اللي تحبه."
ثم انصرفت مغادرة.
تأمل المكان حواله. كان المكان مرتب ونظيف، ما جعل عذابه لنفسه يهدأ قليلاً.
أقترب منه أحد أطفاله وأمسكه من قماش بنطلونه.
ارتعش وكاد أن يقع. تمتم لنفسه: "أهدى وخد نفس."
أياد بصوت طفولي:
"إنت اللي جيت امبارح."
أخذ يتأمله كثيرًا. ابتلع غصة مؤلمة أفقدته النطق للحظات. نظر له بعينين زائغتين، زين على وجهه ابتسامة ثم قال:
"أيوه. اسمك إيه؟"
"أياد. وأشار إلى أخيه واللي هناك. أخويا وليد."
"وعندك قد إيه؟"
"تلات سنين وشهرين."
بلع ريقه بصعوبة، قال بلهجة معذبة:
"تحب تلعب معايا؟ أنا جبت معايا لعب كتير."
نظر حوله متفحصًا وقال:
"مفيش لعب شايفه."
رد بابتسامة حزينة:
"عشان مش هنا موجودين في أوضة الألعاب بتاعتكم."
هتف بمرح:
"وليد يا وليد. تعال نلعب."
سأل أكنان بابتسامة:
"أنا مش عارف الطريق ليه أزاي؟"
أياد بضحك:
"أنا بقا عارف. تعالى أوديك."
قبض بيديه الصغيرة على يديه الكبيرة. تلاشت يد الصغير بداخل كفه. شعر بدفء يسري بداخل قلبه من هذه اللمسة البسيطة. ابتسم له وشعر بسعادة غامرة وسط ذلك الحزن العميق. وقال بحب:
"وصلني بدل ما أتوه."
وفي الداخل ارتكز على ركبتيه وأخذ يلاعب الصغيرين بلعبة القطار الجديد.
ابتسم على صوت ضحكاتهم. أحس في هذه اللحظة أن حياته أصبحت لها معنى، بعد أن كانت حياة بائسة بلا معنى بلا رائحة بلا طعم. حياة بروح ميتة، لا تشعر بشيء من المرح ولا الحزن. البسمة الحقيقة لا تعرف طريقها إلى وجهه. أما الآن فالضحكة تنبع من داخل القلب.
بعد فترة من اللعب، قرر تنفيذ ما أراد فعله من البداية.
أخرج من جيبه مظروف مغلق. المظروف الذي أخذه من المعمل. ثم فتحه وأخرج منه مظروف أصغر فتح جانبه وأخرج منه فرشاه.
سأل أياد بفضول:
"إيه ده؟"
أكنان بابتسامة مشجعة:
"دي لعبة هنلعبها سوا. واللي هيسمع الكلام هجبله طيارة."
هتف كلا الصغيرين في نفس واحد:
"أنا هسمع الكلام."
أكنان بهدوء:
"كل واحد هيفتح بؤه."
وقام أكنان عن طريق الفرشاة بمسح خد أياد من الداخل عدة مرات. ثم وضع رأس الفرشاه داخل أنبوبة خاصة وأغلقها بأحكام. وقرر هذه الحركة من وليد. وأيضًا معه. ووضع كلا من الثلاث أنابيب داخل الظرف ثم داخل جيبه. ثم قال بابتسامة واسعة:
"شاطرين. بكرة وأنا جاي هجيب لكل واحد فيكم طيارة."
هتف الصغيرين بمرح. وألقى أياد ووليد أنفسهم على صدره. فقام باحتضانهم بحب. ولمعت عينيه بالدموع. وبلهجة متأثرة:
"أنا همشي دلوقتي وبكرة، هجي ليكم مع الطيارتين."
وخرج من الملجأ مباشرة إلى معمل المستشفى.
الطبيب:
"نتيجة التحليل هتطلع بعد أسبوعين."
هتف أكنان:
"وأنا عايز النتيجة في خلال تلات أيام أو أربع أيام."
رد بتوتر:
"بس ده مستحيل."
قال بقسوة:
"إنت ناسي أنا مين وممكن أعمل معاك إيه. مكالمة مني لمدير المستشفى اللي إنت شغال فيه هتكون برا على طول. أعتبر ده شغلك من وقت ما أمشي على طول. مفهوم كلامي؟"
رد عليه بلهجة متوترة:
"خلال أربع أيام هتكون النتيجة طلعت، ومبلغك بيها بنفسي."
وعندما انصرف من المستشفى وجد نفسه بدون قصد متوقفًا أمام باب منزلها.
في داخل شقة زهرة، رن جرس هاتفها.
عندما رأت المتصل، شعرت بالاضطراب.
بلهجة مذعورة:
"الولاد كويسين يامدام ليلي؟"
ردت ليلي بهدوء:
"الحمد لله كويسين."
سألت متوترة:
"طب حضرتك مش متعودة تتصلي بيا إلا لما يكون في حاجة."
"أنا حبيت أطمنك. وملوش داعي تتصرفي في أي فلوس عشان خاطر الملجأ."
"ليه يامدام ليلي؟ حصل إيه جديد؟"
"فاعل خير قرر يوفر مكان للأطفال وهيتكفل بمصاريفهم."
همست زهرة بالدعاء.
قالت ليلي بابتسامة:
"حبيت أطمنك. عشان متفضليش شايلة الهم. السلام عليكم."
ردت زهرة:
"وعليكم السلام."
ثم أغلقت الهاتف وتنهدت براحة، وكأن جبل قد انزاح من على صدرها.
سمعت الطرق على باب شقتها لتتجه إلى الباب، وهي مستغربة فمن سيأتي لها الآن في هذا الوقت من الصباح. ضحى نائمة وحتى السيدة أمينة نائمة.
تجمدت مكانها عندما رأته واقفًا أمامها.
أكنان بهدوء ظاهري:
"مش هتقوليلي أدخل؟"
نظرت له بكره ثم قالت:
"امشي من هنا."
تقدم خطوتين إلى الأمام وأمسك معصم يدها برقة:
"اضربيني عشان ترتاحي شوية. أو اقتليني عشان ترتاحي شويتين. أو اتجوزيني عشان ترتاحي علطول."
طغى الغضب عليها وهي تسمع كلامه:
"أتجوز مين؟ إنت أكيد اتجننت."
كادت تصيح فيه، لكنها ألجمت صوتها العالي بصعوبة، خائفة من إحداث أي شوشرة. فقالت بلهجة قاتلة:
"اطلع برا."
أكنان بنبرة مترجية:
"أنا عارف إني ظلمتك. بس والله كان غصب عني مكنتش في وعي. كنت بحسبك من بنت من البنات اللي بيترموا عليا. وجودك في الوقت ده من الليل ولبسك خلوني أفهمك غلط. سامحيني يازهرة."
قالت زهرة:
"امشي من هنا. الواحد يرتكب الذنوب والمعاصي ويقول أصلي مكنتش في وعي."
أكنان بتوسل:
"أنا مقدرش أعيش من غيرك. أنا مستعد أعملك أي حاجة عشان تسامحيني."
زهرة بألم:
"مستعد تعملي أي حاجة؟"
رد بأمل:
"اطلبي أي حاجة وأنا هنفذها ليكي على طول."
بلهجة متألمة:
"تقدر ترجع بالزمن أربع سنين للورا وتسيبني في اليوم ده أمشي؟"
هز رأسه بيأس:
"والله نفسي. إنت عارفة اللي فات من عمرنا عمره ما نقدر نرجعه حتى لو ثانية واحدة."
"مادام متقدرش. يبقى مشوفش وشك تاني. انساني من حياتك."
"مقدرش. مقدرش."
قالت بلهجة فحيح مهددة:
"متختبرش صبري كتير."
أكنان بإصرار:
"فكري يازهرة بعقلك شوية. إحنا بينا أطفال."
هتفت بغضب:
"متجيبش سيرتهم على لسانك تاني. إنت بكلامك ده خلتني أجيب آخري معاك."
ثم دخلت مسرعة إلى الشقة. وفي خلال لحظات كانت أمامه وقالت بلهجة واعدة بالشر وأخذت تلوح بالسكين أمام وجهه:
"امشي من هنا بدل ما أحققلك أمنيتك وأقتلك عشان ترتاح بجد."
أمسك يديها الممسكة بالسكين وجعل طرف النصل على صدره. ثم قال وهو يتنفس بحدة:
"اقتليني."
صرخت وهي تضغط بالسكين أكثر وأخذت الدماء تنزف:
"هقتلك."
رواية زهرة لكن دميمة الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سلمى محمد
قالت بلهجة فحيح مهددة: متختبرش صبري كتير.
أكنان بأصرار: فكري يازهرة بعقلك شوية... أحنا بينا أطفال.
هتفت بغضب: متجبش سيرتهم على لسانك تاني... أنت بكلامك ده خلتني أجيب أخري معاك.
ثم دخلت مسرعة إلى شقة، وفي خلال لحظات كانت أمامه، وقالت بلهجة واعدة بالشر، وأخذت تلوح بالسكين أمام وجهه: أمشي من هنا بدل ماأحققلك أمنيتك وأقتلك عشان ترتاح بجد.
أمسك يديها الممسكة بالسكين وجعل طرف النصل على صدره.
ثم قال وهو يتنفس بحدة: أقتليني.
صرخت وهي تضغط بالسكين أكثر وأخذت الدماء تنزف: هقتلك لو نطقت بكلمة ولادي مرة تانية... ولاد مين اللي بتتكلم عليهم... أنت ولا حاجة بالنسبة ليهم... هما ولادي أنا وبس.
همست بألم: أنا أتعذبت كتير عشانهم... عشان أضمن أنهم مرتاحين في حياتهم... ولسانك ده مينطقش بأسهم تاني... أنا ممكن أقتلك فيها... لو جبت سيرتهم تاني... المرة دي علمت عليك... أما المرة الجاية ممكن أموتك فيها.
سمع هدير أنفاسها المضطرب، وأرتعاش يديها الممسكة بالسكين، رأى داخل عينيها خوف وألم.
فقال بندم: أنا أسف.
أخفضت السكين وأنسحبت عنه متراجعة.
صوت أنفاسها تعالى وهي تنظر له قائلة وقد أسودت عينيها: أسف كلمة ملهاش معنى... تدبح البنأدم وتقول أنا أسف أصل مكنتش في وعيي... كلمة مفيش أسهل منها... مش مسامحاك... سامع كويس مش مسامحاك على كل اللي عيشته بسببك... أنا كنت بموت في اليوم ألف مرة بسبب اللي حصل... بسبب نظرات الناس ليا في الشارع لما عرفو باللي حصل معايا... نظراتهم كانت بتحملني الذنب وهي السبب في اللي حصل ليها... أحنا عايشين في مجتمع بينبذ المغتصبة وبيحملها الذنب وبيعتبرها مدانة.
سبحت بخيالها لتشاهد ذكرياتها والأمها.
نظرت له دون وعي، همست بشرود: أمي مستحملتش الصدمة أتشلت فيها... الناس مرحمونيش... فأخدت أمي وهربت سافرت بيها بلد تانية... محدش فيها يعرفني ولا يعرف بحكايتي... أتنكرت في شكل وحش عشان مفيش راجل يبصلي... كنت بخاف من نظراتهم أوي بقيت مجرد شبح بنت... وأحساسي بالعار والذنب اللي كان كل يوم بيكبر جوايا... ذنب مكنش ليا يد فيه... حاولت أموت نفسي لما عرفت بحملي... عيشت أكتئاب وأيامي كنت كلها ليل.
لمعت عينيها بالدموع وهي تتحدث: عاقبت نفسي... عذبت نفسي... كنت بجرح جسمي وأضحك على وجعي... كنت بعيط كل يوم... كنت معرضة للجنون في أي لحظة... روحت أتعالجت... عشان أقدر أتقبل وضعي وأعرف أعيش.
لولا أمي وأحتياجها ليا وأحساسي بالذنب أني السبب... كان زماني ياتجننت... ياأنتحرت... ولدت وليد وأياد كان ممكن أرميهم في الشارع أول ماتولدو ودي كانت نيتي في البداية بس أول ماشوفتهم وشيلتهم في حضني مقدرتش أعمل كده... حطيتهم في ملجأ... ومن رحمة ربنا قابلت مدام ليلى... أخدتهم في الملجأ وطلعت ليهم مدام ليلى شهادات ميلاد وبيتعاملو هناك أحسن معاملة... وبيتعلّمو... أنا عايشة ليهم هما وبس.
فاقت من شرودها.
نظرت له بوجع السنين.
أجفل وتراجع بعنف وقد تعرت نفسها المتألمة الخائفة أمامه.
سكين أنغرزت بداخل بقلبه لرؤيتها هكذا.
أخذ يفرك جبينه بعنف شاعرا بالعجز فكلمات الاعتذار لم تعد كفاية لكمية الوجع بداخلها.
همس بارتجاف: أنا أسف.
ثم أولى ظهره مبتعدا عنها.
هتفت بنبرة منخفضة مهددة: مشوفش وشك تاني.
أغلقت الباب خلفه.
أنهارت على الارض، سقطت على البلاط، أسندت ظهرها للحائط وأخذت تبكي بحرقة.
ومع أشراقة الشمس... في ذلك الوقت الندي المعطر بنسمات الصباح الأولى... رن هاتفها المحمول.
من بين نومها مدت بكسل إلى الطاولة الملاصقة للسرير وحاولت إطفائه لكنه كان بعيد عن مجال يديها.
فهي لم تنم البارحة إلا بعد أذان الفجر.
توضأت لصلاة الفجر، وأخذت تتضرع لربها كثيرا وأن يهديها لطريق الصواب.
ثم نامت بعدها مباشرة.
هتفت بحدة فهي لم تأخذ كفايتها من النوم.
شتمت في سرها على المتصل، عندما لمع اسمه في عقلها.
فتحت عينيها على أتساعها ونهضت من فوق الفراش.
أمسكت الهاتف ولكن المتصل كان بدون اسم.
ظلت ساهمة للحظات قبل الرد:
الو.
رد كريم بحب: صباح الخير.
ردت عليه التحية بصوت خجول: صباح الخير.
قال والابتسامة تزيين شفتيه وهو على الجهة الاخرى: عاملة أيه... نمتي كويس امبارح.
ترددت في الاجابة: أه نمت.
بضحكة خفيفة قال: بس أنا معرفتش أنام.
سألت ضحى: ومنمتش ليه؟
فكر للحظات قبل الرد: أنتي السبب... كنت بحلم بيكي وأنا صاحي.
خجلت من كلامه وقالت بصوت مرتبك: هوفي حد بيحلم وهو صاحي.
رد عليها: أنا أعمل أيه... أول ماشوفتك وأنتي قلبتي كياني... مش هتسأليني كنت بحلم بأيه طول الليل.
لم تقوى على سؤاله فظلت صامتة.
عندما لم تتحدث قال بابتسامة: مادام مش عايزة تسألي... أنا هقولك كنت بحلم بأيه... كنت بحلم أننا خرجنا مع بعض وبنلف شوارع الاسكندرية وماسك أيدك وقاعدين على البحر... أيه رأيك أجي ليكي دلوقتي ونخرج مع بعض والحلم يبقا حقيقة.
ردت بسرعة: مينفعش.
ومينفعش ليه... أنا شايف عادي نخرج مع بعض.
لا مش عادي... أحنا لسه الصبح بدري أوي... وبابا مش هيرضى.
خلاص هقوله.
اسمعني ياكريم بلاش تقوله عشان أنا عارفة رده... خلينا نخرج بعدين مش لازم دلوقتي.
بس أنتي واحشتيني وعايز أشوفك.
ردت عليه ضحى بخجل شديد: بعدين.
أبتسم ثم قال: بعدين معناها واحشتيني وأشوفك.
هزت رأسها بالأيجاب في صمت.
قال كريم بابتسامة هادئة: معنى سكوتك أه.
ضحى بخجل: تصبح على ماتتمنى.
رد بابتسامة: ياريت... يلا روحي كملي نوم... باين عليكي مش بتصحي دلوقتي... سلاااام.
ضحى بابتسامة: سلاااام.
كان زاهر يجلس بمفرده في الحديقة، فبيسان رفضت محاولته لكي يخرجها من الفراش للأفطار معه وظلت نائمة.
جاءت صفية من خلف ظهره حاملة أفطاره على صينية.
قالت برقة: صباح الخير.
عند سماع صوت والدته، التفت لها ونهض مسرعا من مقعده، قائلا بقلق: أيه بس اللي طلعك من أوضتك وأنتي لسه تعبانة... والصينية دي لمين... ثم أخذ الصينية من يديها ووضعها فوق الطاولة.
ردت صفيه: ده فطارك.
زاهر بحب: ليه تعبتي نفسك... ثم جذب لها كرسي.
أقعدي ياست الكل... وصباحك سكر.
أبتسمت وهي تجلس على الطاولة بجواره: أومال هتعب لمين... لو متعبتش ليك.
قال برقة: ربنا يخليكي ليا.
ردت صفية: ويخليك ليا... قولي بقا أيه اللي شاغل فكرك ومخليك سرحان ومش مبسوط.
مفيش حاجة يأمي.
عليا بردو يازاهر... أنا أكتر واحدة بحس بيك وبعرف أمتى بتكون مبسوط وأمتى بتكون مضايق... وأنت دلوقتي مش مبسوط.
تصنع الابتسامة: شوية مشاكل في صفقة تبع الشركة مش أكتر.
نظرة له بتمعن ثم قالت: صفقة بردو.
زاهر بحدة دون وعي: أيوه صفقة.
تحدثت صفية بهدوء: براحتك يابني... مد أيدك ويلا نفطر سوا زي زمان.
تمتم قائلا: حاضر... سعيدة طلعت الفطار لبيسان.
صمتت للحظة ثم قالت: أيوه... مأكدة على سعيدة أنها تودي ليها الفطار... وزمان سعيدة فوق راسها لحد ماتفطر... معرفش ليه مراتك هفاتنا ومش بتاكل... خد بالك من أكلها شوية يازاهر.
قطب بين حاجبيه ثم رد قائلا: هاخد بالي.
وبعد أن تناول عدة لقيمات، نهض من مكانه قائلا: أنا طالع فوق.
قالت صفية: بس أنت ملحقتش تفطر.
رد زاهر: خلاص شبعت.
ثم تحرك مبتعدا.
نظرت الى زاهر بعد مغادرته وشاهدت حجم المعاناة الذي يعيشها.
أحنت رأسها وهي تسأل نفسها هل فعلت الصواب وهي ترى تعاسة أبنها.
طبعا فعلت الصواب فهو سيصاب بالتعاسة معاها في وقت لاحق ويكون الاوان قد فات.
فهي لا تستحق أبنها... فهو يستحق فتاة من أهل بلدته ذات أصول صعيدية متربية على الأصول وليست خواجية تعيش في الخارج في عالم منحل.
سعدة عندما رأت حزنها أقنعتها بالذهاب إلى الشيخ فرحات.
ذهبت إلى الشيخ فرحات وهو معروف في كل أنحاء الجمهورية... وكل الناس يذهبون إليه من كل مكان وحتى من خارج مصر.
ذهبت إليه بعد أن عانت في الحصول مع موعد لديه.
أول ما دخلت الغرفة، رأت رجل عجوز ذو لحية بيضاء طويلة... مسلط على وجهه ضوء المصباح... وكانت الإضاءة الوحيدة في الغرفة... ضوء خافت يخيف كل من يدخل عنده.
قال بصوت غليظ: أدخلي يابنت أبية.
تمتمت بخوف: مفيش حد خالص يعرف بأسم أمي غير جوزي وأبني وبس... عرفت منين؟
لمعت عينيه قائلا: بلاش تسألي كتير وادخلي في الموضوع علطول... ولا أقولك أنا الموضوع.
أرتعدت أوصالها وبلهجة متوترة قالت: أتفضل حضرتك قول.
ما أنت يا شيخنا مكشوف عنك الحجاب.
قال بلهجة خالية من الحياة:
عايزة تفرقي بين ابنك ومراته. عشان شايفها مش مناسبة ليه. وعايزة تجوزيه واحدة على مزاجك انتي. عايزة تجوزيه بنت ابن عمك.
اتسعت عينيها بالذهول. فهي لم تقل لأي شخص ولا حتى لسعدى عن وجدان ورغبتها أن تكون هي زوجة ابنها.
هتفت قائلة:
الله أكبر. حضرتك طلع مكشوف عنك الحجاب بجد. وقلت كل اللي عايزة أقوله. طب وأيه الحل يا شيخنا.
_ تنفذي كل اللي هقولك عليه. وطلبك هيتجاب.
_ حاضر يا شيخنا وكل طلباتك مجابة.
عندما انتهت من تذكر ما فعلته، نكست رأسها للأسفل وهي تشعر بالضيق وعدم الراحة.
عندما أنهى الكلام معها وأغلق هاتفه، ظل مكانه جالسًا. أخذ يعبث في هاتفه. وقع نظره على اسم بيسان. خبط بكف يديه على رأسه بحدة. هتف بصوت عالٍ:
يااااه. ده أنا ما اتصلتش بيها وقولت لها إني هخطب. أووف. دي هتزعل مني.
حدث نفسه: زمانها مش فاضية ومشغولة في شهر العسل ومش هتزعل لما أقولها إن الموضوع جه بسرعة.
رن جرس الهاتف عند بيسان التي استلقت على فراشها مرة أخرى بعد أن أجبرتها سعدة على تناول الإفطار. أمسكت الهاتف ورأت أن المتصل هو كريم. فتحت الخط بسرعة. سمعت صوت كريم:
صباح الخير.
ردت بصياح:
صباحك زفت.
كريم بهدوء:
بدل ما تقولي صباح الخير.
ردت بضيق:
ولا صباح ولا خير. وصباح بمناسبة إيه.
استغرب من رد فعلها الحاد فقال:
مالك يا بيسان.
انطلقت من فمها تنهيدة عالية وقالت:
ما فيش. بتتصل ليه دلوقتي.
رد عليها قائلاً:
كنت عايزك تباركي لي. أصل قررت أتجوز ضحى وقريت الفاتحة امبارح.
ردت بحدة:
مبرووووك.
انزعج كريم من كلامها فقال:
مالك وبتقوليها من غير نفس ليه.
بيسان بانفعال:
عايزني أغنيها ليك. جي بعد ما خطبت بتقولي أنا خطبت. منتظر مني إيه غير كلمة مبروك.
صمت للحظة شاعرًا بالضيق لعدم إخباره:
خلاص بقى. ما تزعليش مني يا بوسة. والله الموضوع جه بسرعة. وأنا قلت أكيد مش هتزعلي إني قلت لك بعدها. لو زعلانة عشان خاطري ما تزعليش مني. أنتي عارفة إني مقدرش على زعلك.
سرى داخل جسدها ضعف شديد. لتنطلق من فمها أهة ألم:
آآآه.
كريم بلهجة قلقة:
مالك يا بيسان.
شعرت بضيق نفس فجأة. فقالت بصوت مخنوق:
مش عارفة مالي يا كريم.
سأل كريم:
مالك بجد يا بيسان. وصوتك أول ما سمعته حاسه إنه متغير. أنتي تعبانة ومش عايزة تقولي.
قالت بحيرة:
أنا مبقتش عارفة أنا مالي. خنقة طول الوقت ملازمني وحاسة بالندم طول الوقت.
قاطعها كريم قائلاً:
خنقة إيه وندم إيه اللي بتقولي عليه.
بيسان بتردد:
حاسة إني مبقتش مبسوطة مع زاهر. حاسة إني اتسرعت في الجوازة دي.
_ أوعي يكون زعلك.
_ لأ. مزعلنيش وديما كويس معايا.
_ اومال إيه السبب اللي خلاكي تقولي كده.
_ مش عارفة. مش عارفة.
ثم صمتت للحظات وقالت بشرود:
بقيت بخاف منه. أخاف أبص لوشه.
_ بتخافي من مين؟
ردت عليه بيسان بدموع:
أنا حاسة إني اتسرعت بالجوازة دي يا كريم. ومش عايزة أعيش معاه.
كريم هز رأسه بعنف. فهي تعشقه وفعلت المستحيل لكي تتزوجه. ماذا حدث لكي تقول هذا الكلام.
سأل بارتباك:
حصل إيه خلاكي تقولي كده. ومتقوليش محصلش حاجة عشان مش هصدق. إنك في أقل من أسبوعين تتغيري ومشاعرك تتغير ناحيته.
هتفت بانفعال:
محصلش حاجة. ومفيش مرة زعلني. بس مبقتش عايزة واتخنقت منه.
كريم بضيق:
اللي بتعمليه ده اسمه لعب عيال.
ردت بيسان على الفور:
أيوه يا كريم لعب عيال. وزهقت من اللعبة. وخلاص قررت أرميها وأشوف غيرها.
وسلاااام عشان هكمل نومي.
نظر كريم للهاتف المغلق بذهول، محدثا نفسه عن السبب الحقيقي وراء تغيرها.
خلف الباب كان واقفا، سمع كلامها. ضغط بيديه على جبينه، ثم مررها على فمه محاولا كتمان صرخة ألم. أنفجارات صامتة في صدره أخذت تزيد بالتدريج. أمسك مقبض الباب للدخول أليها ومواجهتها. هبطت يديه بضعف، أعطى ظهره للباب. هبط الدرج رويدا رويدا. كلماتها أخذت ترن في أذنه. شعر بأرتخاء في جسده. سالت الدموع حارقة على وجنتيه تعبر عما داخله من ألم. بدأ يفقد الأحساس بالأشياء من حوله. قاوم باستماته الدوار الذي أخذ يلف برأسه. أمسك رأسه بعنف وأخذت يده ترتعش من هول مافيه من صدمة. لتنزلق قدمه من على الدرج بسرعة رهيبة. أرتطم جسده على الارض بصوت مدوي.
سمعت صفية صوت أرتطام عالي. ذهبت لرؤية ماحدث. أطلقت صرخة مدوية لرؤية أبنها غارق في دمائه: أاااااابني.
***
تصاعدت الزفرات حادة داخل صدره. سأل نفسه بخوف: هل ممكن أن تظل على موقفها ولا تغفر له ذنبه. وجد نفسه أمام باب الملجأ مرة أخرى بعد عدة ساعات وفي يديه طائرتين كما وعد. أندهشت مدام ليلى عندما طلب رؤية الصغيرين فقط، لكنها لم تعلق بأي كلمة.
في فناء الملجأ، أخذ يلاعب الطفلين بالطائرة. رغم بؤسه شعر بالسعادة تتغلغل داخل قلبه.
"أنا مبسوط أوي معاك." قال أياد بنبرة طفولية.
"وتيجي وتلعب معانا علطول." قال وليد بتوسل.
كتم تأثره وقال بهدوء: أنا مش هجي وبس، أنا هاخدكم تعيشو معايا.
هلل كلا الطفلين بسعادة. رفع كلاهما على ذراعيه وأخذ يدور بيهم مشاركا لسعادتهم. رفعهم بسهولة لأعلى وانزلهم.
ضحك أياد من قلبه هاتفا: تاني.
أما وليد شهق باعتراض وأخذ يتلوى بين يديه مهددا إياه: نزلني، نزلني.
انزل كلا الطفلين على الأرض عندما شعر بخوف وليد.
"خواف." قال أياد بلوم.
"انا مش خواف." همس وليد بصوت مكتوم.
اخرج لسانه مغيظا إياه: خواف.
ارتعشت شفتيه بالبكاء. حمله أكنان على ذراعيه وجلس على الكرسي الموجود بجواره. أشار إلى أياد للجلوس بجانبه. ضم وليد اليه وهمس لوجه المختبىء: دموعك دي زعلتني، انت شجاع. ثم نظر إلى الآخر بتأنيب: مفيش أجمل من وجود أخوك في حياتك، أخوك هو سندك ومصدر قوتك، الاخ نعمة من ربنا. مين لما بتكون زعلان بتروح ليه علطول؟
"بروح ليه." رد أياد.
"مين بتحب تلعب معاه وبتكون فرحان ومبسوط؟"
"وليد."
"مين بيدافع عنك لما يجي حد يضربك؟"
نكس رأسه بخجل وقال وليد.
"أنتو اخوات وملكمش غير بعض، يلا خدو بعض بالحضن وقوله مش هزعلك تاني." قال أكنان بهدوء.
"متزعلش مني ياوليد." قال أياد بلهجة أسف، ثم حضنه.
"خلاص مش زعلان." قال وليد بابتسامة خفيفة.
رأته من بعيد. نظر كل منهم في عين الأخر. توقف الزمن يرقب من بعيد لحظات من الصمت المؤلم. لتتحرك بخطى سريعة تجاهه.
جسدها تشنج بالغضب. همست بصوت مكتوم: أنت أيه اللي جابك هنا.
قال بصوت هادىء غامض: نفس اللي جابك.
أشارت بيديها مهددة اياه: أمشي ومتجيش هنا تاني، أحذر غضبي، المرة اللي فاتت كان مجرد جرح خفيف، المرة الجاية معرفش ممكن أعمل معاك أيه.
تحدث بصوت منخفض: المكان هنا مفتوح للكل، مش من حقك تقوليلي مجيش.
صرخت ببعض الهسترية: أنت أيه، مش عايز تخرج من حياتي ليه.
غمز لها وأشار الى الطفلين ثم قال: ممكن نتفاهم ونتكلم بالعقل وأركني مشاعرك دي على جنب.
تنفست بعمق. صراخها شيء خاطىء أمام الطفلين. تصنعت الابتسامة وقالت لهم: روحو العبو على المرجحة شوية، عايزه أتكلم مع عمو شوية.
قال أياد بصوت بريء والابتسامة تزيين وجهه: عمو هياخدنا نعيش معاه.
نظرت إلى طفلها وإليه غير مصدقة ما سمعته ثم قالت: مين اللي هياخدكم تعيشو معاه.
أشار كلا الطفلين إلى أكنان: عمو ده.
قال أكنان بهدوء: يلا روحو العبو.
عندما أبتعد الطفلين، زهرة بصوت مكتوم: أنت، أنت ناوي على أيه.
نظر إليها بتعاطف ثم قال: انا مكنتش عايزك تعرفي دلوقتي، كنت همهد ليكي الأول، بس هو مقدر ومكتوب أنك تعرفي باللي كنت هعمله.
همست برفض: وأنا مستحيل اسيبك تاخدهم.
رفع نظراته لها وتنهد قائلا: وأنا بعد ما عرفت بيهم مستحيل اسيبهم عايشين في ملجأ لقطاء مجهولي النسب. أنا أذنبت في حقك وعارف ان اللي عملته معاكي مستحيل تسامحيني عليه، وبتمنى نظرة الكره اللي بشوفها في عينيكي تختفي في يوم من الأيام. لكن ولادي مستحيل اسيبهم عايشين في ملجأ، لزم يتكتبو بأسمي. أنا أبتديت في الاجراءات وأول ماتخلص وأثبت أني أبوهم هاخدهم وهكتبهم بأسمي.
صوتها تحول الى همس مختنق بالبكاء: ليه مصمم تعذبني، خرجني وخرجهم من حياتك.
تنهد أكنان وقال برقة: مينفعش أخرجهم من حياتي، مينفعش يازهرة. لو سبتهم يبقا بجني عليهم. دلوقتي هما مش فاهمين وضعهم، المشكلة بعدين لما يكبرو ويدخلو مدرسة، ولما يخرجو للحياة نظرة الناس ليهم مش هترحمهم، وأنتي أكتر واحدة عيشتي مرارة نظراتهم. المحتمع اللي هما عايشين فيه مبيرحمش اللي زيهم، أنتي عايزه ليهم كده، عايزه ليهم الذل والعار.
تصلب في وقفته وهو يراها ترتعش أمامه. صمت للحظة ثم قال: عارف ان الحقيقة ألمتك، الحقيقة اللي عاملة نفسك مش شايفها، مش شايفها عشان لسه صغيرين. فكري بعقلك شوية، أنا هديكي وقت لحد ماتتقبلي وجودي في حياة ولادي.
لمعت عينيها بالدموع وهي تتطلع الى التوأم. ثم قالت بانفعال رافض: مش هفكر وأخرج من حياتنا.
قال برقة متناهية: أنا هسيبك دلوقتي وعايزك تفكري بعقلي وحاولي تلغي مشاعرك عشان تقدري توصلي للقرار الصح.
ثم تحرك مبتعدا عنها.
نظرت لأختفائه بعيون دامعة. وتمنت أختفائه من حياتها الى الأبد.
***
أجمل فترة يمر بيها أي رجل وفتاة هي فترة الخطوبة التي تسبق الزواج. علاقة حب نهايتها زواج، عواطف متقدة وشوق لا يفتر، حياة جديدة على وشك البدء فيها، تطلعات وأمال.
بعد أن أستئذن ولدها لكي تخرج معه في نزهة لفترة قصيرة من الوقت.
في السيارة تحت منزل أهلها. سألها برقة: عايزه تخرجي تروحي فين.
هزت رأسها بالنفي في صمت.
سأل بدهشة: مش عايزه تخرجي معايا.
خجلت أن تقول له أنها تريد فقط البقاء معه فقط. يكفي جلوسه معاها في بيت أهلها هو وهي فقط.
فمال عليها وقال مبتسما: اللي هتقولي عليه هنفذه.
نظرت له بخجل: مش عايزه حاجة.
قرأ حبها ولهفتها له في عينيها. فأخفضت رأسها خجلا.
قال كريم بابتسامة: عايزه حاجة ومش عايزه تقولي.
همست وقالت بحياء: عايزه أي مكان يجمعنا، أنا وأنت.
زينت الابتسامة وجهه وقال: مش عايزك تتكسفي مني، واللي نفسك فيه تقوليه علطول.
قالت بخجل: عايزه أشوف غروب الشمس على البحر.
نظر لها مبتسما: شبيك لبيك ياصغيرتي. ثم أنطلق بالسيارة.
أخذ كريم ضحى وجلسا على الشاطىء. تطلعت هي للبحر وهو بدوره تطلع لها وشعرها يتطاير مع نسمات البحر. هي مفتونة بالبحر وهو مفتون بالنظر لها. أعجاب في لحظة واحدة بدون أن يشعر تحول الى حب. هي كل ماأراد في الفتاة التي سيحبها. أراد أسعادها بأي شكل. أراد أن تحمل له أطفاله وتكون بجواره حتى أخر العمر.
نظرت له. فوجدته يتطلع اليها بشرود.
فقالت له: مش بتبص للبحر ليه، البحر جميل أوي الوقت ده.
غمز له وقال: أنا بشوف اللي أجمل من البحر.
أحنت رأسها من الخجل. أضطربت وحركت يديها بارتباك فوق الطاولة. دون قصد لمست يديها مشروبها الساخن. فكاد يقع عليها. أبعد كريم بدون تفكير يديها بسرعة ليتانثر القليل من محتوى الكوب فوق كف يديه.
هتفت بقلق: أيديك جرالها حاجة.
قال كريم برقة والابتسامة على وجهه: الحمد لله بسيطة، مفيش حاجة.
رواية زهرة لكن دميمة الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سلمى محمد
وكانت بيننا قصة
وكانت تقول تهواني
تأتيني بالليل مشتاقة
تختبئ بين أحضاني
كانت بالعشق تولعني
تشق نصفين وجداني
تقول بيننا حب
عشق وحنين دامي
كانت ترقص على عزفي
تغني عزف ألحاني
تدور حولي كفراشة
تخرجني من سجن أشجاني
جعلتني أنسى ما اسمي
جعلتني أنسى عنواني
كانت تقول يا عمري
أنت في قلبي وكياني
كانت تقول ما عمري
سأنسى ليلك الشاجي
ونسيّت القطة الصغرى
وعوداً أعطتها وأماني
ذهبت وتركتني مشتاقاً
أذوب في باقي أحلامي
توارت عني الوردة
وتركت شوكها الدامي
من بعيد كانت تلقي عليه نظرة كاملة
جسده يحتل الفراش
شعرت بتمزق غريب يسري داخل قلبها
حاولت الاقتراب منه
لكن قدميها أبت التحرك
شعرت بروحها تسحب من جسدها
كلا والداه ظلا صامتين جالسين بالقرب من الفراش
منتظرين لحظة استيقاظه
تقلصت ملامح وجهه من الألم
هتف كل من صفية وناصر بدعاء: يارب
حاول الصراخ لكن صوته ظل عالقاً في حنجرته
يريد الصراخ
فالصراخ سيخفف من ألمه
حاول الصراخ لكن صوته اختنق داخل حلقه
كرر المحاولة فخرج صوته بأهة خافتة: آاه... بيسان
وفي خلال لحظات
بدأت أهدابه تتفتح ببطء
أغمض عينيه التي تأذت من وهج الغرفة
ثم عاد وفتحها بحذر
سأل بتمتمة: أنا فين؟
ردت عليه صفية بلهفة: سلامتك يا قلبي...
شعر بصداع يكاد يفتك برأسه
حاول رفع رأسه بعناد لكنه فشل وأنهار ساقطاً على وسادته
أراد أن يحرك ذراعه فتألم
بدأ ينادي: بيساااان
دار ببصره المشوش يبحث عنها
حتى وقعت عينيه فنادى عليها: بيسااان
لم تقدر على البقاء معه
وهمت أن تخرج من الغرفة لكن صوت ندائه باسمها شل حركتها
التفتت له
تقابلت العيون في صمت
اكتفوا بنظرات تحمل كل معاني الألم والحزن والعتاب
لم تقو على البقاء
أعطته ظهرها لتخرج من الغرفة
نادى عليها: بيساااان
صفية بلهجة يشوبها القلق وهي ترى ما يحدث: ريح نفسك وبلاش تتكلم...
للحظة ظلت ساكنة ثم التفتت له ونظرت له نظرة خاوية باردة خالية من المشاعر
وخرجت من الغرفة
أغمض عينيه
تأوه بألم: مش عايز أفوق...
صرخ بشدة
انطلقت صفارات متقطعة من الجهاز الموصل به
وانهار في غيبوبة
صرخت صفية بهستيرية: آابني
تصلب ناصر في مكانه
ثم خرج مسرعاً لينادي الطبيب
كانت بيسان واقفة في الممر بالقرب من الغرفة
وعندما أتى ناصر ومعه الطبيب ألقى عليها نظرة لوم
أول ما أتى له خبر وجود زاهر في المستشفى
انطلق في التو إلى أسوان
بمجرد وصوله رأى بيسان موجودة في الخارج واقفة بجوار غرفته
قال باستغراب: واقفة بره ليه؟ زاهر كويس...
ردت عليه بهدوء: اتخنقت وقولت أخرج شوية
قطب بين حاجبيه بعمق: اتخنقتي... ثم أضاف: شكلك مش باين عليه إنك زعلانة...
أسبلت أهدابها وهمست: زعلانة طبعاً...
قوس حاجبه وقال: هدخل أشوفه... هتدخلي؟
هزت رأسها بالنفي: لا
تركزت عيناه عليها ولكنه التزم الصمت ولم يسأل ودخل الغرفة مباشرة
رأى الطبيب يقوم بالكشف على زاهر وبجواره ناصر وصفية
ران الصمت المعبر عن الألم بين الجميع
سأل أكنان: هو كويس؟
ردت صفية وقد كست ملامحها الهم: لا
قال ناصر بثقة مفتعلة: إن شاء الله هيكون كويس...
أخذت صفية تعض على شفتيها
شعور بأنها تعرف أنها فعلت شيئاً خاطئاً
وتوجهت بنظراتها المتألمة إلى ابنها
اندفعت إحدى الممرضات إلى داخل الغرفة
ومررت إلى الطبيب مظروف
أسرع يفضه مخرجاً منه صورة الأشعة
ثم وضعها على جهاز لوحي موجود بالغرفة
أضاء الجهاز ونظر للأشعة بتركيز
صاحت صفية بالطبيب: قولي الحقيقة يا دكتور...
ناصر بلهجة مهدئة: أهدي يا صفية
أجاب الطبيب عليها: خير إن شاء الله
كررت صفية سؤالها: ما تقولي ابني عنده إيه؟
صفية كانت منهارة
وغارقة في دموعها
سأل أكنان بلهجة حازمة: عنده إيه؟
أجاب الطبيب وهو يشير بأصبعه بحركة دائرية على الأشعة دون ملامستها: الحادثة عملت تجمع دموي على المخ... وده السبب في دخوله بغيبوبة...
صفية بصراخ: ابني
هتف ناصر فيها بحدة: اسكتي... خلي الدكتور يكمل كلامه
كمل الطبيب حديثه قائلاً: أحب أطمنكم إن دي مش أول مرة تمر عليا... في حالات كتير نفس حالة ابنكم... خفت مع العلاج وفاقت من الغيبوبة... ومارست حياتها الطبيعية عادي...
سأل أكنان: وهيفوق إمتى؟
رد الطبيب بهدوء: الله أعلم... كله في علم الغيب... أنا هبتدي معاه بالعلاج من دلوقتي... الأدوية اللي هياخدها هتساعد في إذابة التجمع الدموي...
كرر أكنان سؤاله: ما قلتش هيفوق إمتى؟
بسط يديه وقال: إمتى بالظبط معرفش... هنبتدي معاه بالعلاج وهنشوف هيستجيب ولا لأ
سأل أكنان: أعمل له عملية وأشيل التجمع ده؟
صمت للثواني ثم قال: للأسف مش هينفع في حالته وهتبقى مخاطرة...
- والعملية متنفعش ليه؟
- عشان التجمع موجود في منطقة حساسة... المركز المسؤول عن معظم الوظائف الحيوية في الجسم... ثم وجه نظراته للكل... أنتو دلوقتي عندكم حلين يا المخاطرة والعملية تتعمل... يا الصبر ونستنى نشوف نتيجة العلاج معاه... وأنا من رأيي نستعمل الأدوية الأول وإن شاء الله هيفوق...
قال كلامه ثم غادر تاركاً الجميع ينظرون لخروجه بصمت مؤلم
وقفت صفية بجوار الفراش
وأخذت تنتحب في صمت
وانسابت الدموع ملتهبة على وجنتيها
وارتسمت على قسمات وجهها كل معاني الحزن لأم تكاد تفقد ابنها
ذكريات اليوم وما فعلته هاجمتها بقسوة فهتفت بوجع: آاه...
قال أكنان بلهجة مطمئنة: إن شاء الله هيفوق ويرجع أحسن من الأول
أحتضن ناصر زوجته وقال بتصميم: ما تعيطيش زاهر هيخف وهيفوق... فاااهمة يا صفية
هزت رأسها بالإيجاب ودموع الذنب لم تتوقف عن الانسياب
عندما خرج من الغرفة لم يجد بيسان في الجوار
فقام بالاتصال بها
- بيسان انتي فين؟
- أنا روحت... حسيت إني تعبانة وعايزة أنام
أمسك أكنان الهاتف أمام وجهه ونظر للشاشة بذهول للحظات
ثم قال بصدمة: روحتِ تنامي وسايبة زاهر...
أجابت بيسان بلامبالاة: وجودي زي قلته مش هيفرق معاه...
أرتسمت على وجهه علامات التعجب وقال: أنتي مسألتش عنده إيه...
بسطت كف يديها وتأملت خاتم الزواج بشرود وهمست: عنده إيه؟
أكنان بلهجة غاضبة: لسه فاكرة تسألي... جوزك في غيبوبة يا هانم ويا عالم هيفوق منها إمتى...
ضمت أصابع يديها بعنف وقالت: متعصب ليه دلوقتي؟
هتف بحدة: بسبب برودك ولا مبالاتك... ده زاهر حبيبك وجوزك مش حد غريب...
أكنان بعصبية: إيه كمية البرود اللي أنتي فيها؟
رفعت حاجبيها وردت عليه بضيق: سلاااام عشان مصدعة ومش قادرة أتكلم
انفجر أكنان في الهاتف المغلق: مستهترة عديمة المسؤولية
شعر بانقباض داخل قلبه
غادر المستشفى حزيناً
فصديق عمره مريض وشقيقته تغيرت وأصبحت غريبة الأطوار
اتصل بكريم مباشرة
قال أكنان بكآبة: بتعملي إيه؟
سأله كريم بفضول: مش عوايدك تتصل... مالك؟
زفر بحدة قائلاً: زاهر في المستشفى... في غيبوبة
انتفض كريم في جلسته ثم عبس قائلاً: حصل إمتى وإزاي وهو وضعه إيه دلوقتي...
قال بلهجة حزينة: بيقولوا وقع من على السلم وراسه اتخبطت على الأرض
رد كريم بنبرة غير مصدقة: وقع على السلم... طب إزاي؟ وليه؟
تنهد بحيرة: معرفش إيه اللي حصل... بس ده كل اللي عرفته... وبالنسبة لوضعه الدكتور مع العلاج هيفوق بس محتاج وقت... أنا هفضل كام يوم هنا معاه... مش هقدر أسيبه اليومين دول خالص... عايزك تبقى تروح الشركة وتابع الشغل هناك كأني موجود...
أجابه بسرعة: طبعاً كأنك موجود... صمت على الهاتف للحظات ثم قال... وبيسان عاملة إيه دلوقتي؟
عندما ظل صامتاً
كرر سؤاله متوتراً: بيسان كويسة... أنا لما كلمتها الصبح... حسيتها متغيرة ومش على طبيعتها...
رد بعصبية: كويس ومفهاش حاجة...
- أومال إيه وصوتك اتغير ليه لما سألتك عليها...
- زي ما أنت قولت يا كريم بيسان مش على طبيعتها
- حصل إيه منها خلاك تقول كده
- سابت زاهر لوحده ومهتمتش تسأل عنده إيه... لما خرجت من الأوضة ملقتهاش... فقولت أتصل بيها أطمن عليها وأشوفها راحت فين... قالت إنها روحت عشان تعبانة وعايزة ترتاح... اتصرفت باستهتار
عقد بين حاجبيه بشرود: الصبح مكنتش مظبوطة وقالت كلام غريب
قاطعه في الكلام... قائلاً بفضول: كلام إيه؟
تنهد وهو يحك رأسه: إنها عايزة تسيب زاهر وإنها خلاص زهقت وإنه كان بالنسبة ليها زي اللعبة... قولت أكيد حصل حاجة بينهم... بس هي قالت لأ... وبعدين اللي حصل لزاهر وأنها كانت باردة في رد فعلها... فيه حاجة غريبة يا أكنان... مش دي بيسان اللي كانت هتموت على زاهر عشان تتجوزه... مش عارف إيه اللي غيرها كده...
هز أكنان رأسه بحيرة: بيسان اتغيرت يا كريم... اتغيرت جامد ومبقتش زي الأول... وأنا كمان مش عارف...
استأذنت ضحى والدتها في البقاء مع زهرة هذه الليلة والمبيت معها
استيقظت ضحى في منتصف الليل
لم تجد زهرة في الفراش
وباب الغرفة مفتوح على مصراعيه
نهضت جالسة على الفراش وخرجت من الغرفة
رأت زهرة جالسة على الكرسي وقد أسندت ذقنها على ركبتيها
شعرت ضحى بالقلق من منظرها
قالت ضحى بصوت لكي لا تفزعها: زهرة
أدارت زهرة رأسها نحوها ببطء
شهقت ضحى لرؤية عينيها منتفخة وحمراء من البكاء: أنا سبتك بمزاجي أول ما شوفتك... وقولت فيه حاجة مزعلاك وزعل جامد عشان كده مرضتش أسيبك تباتي لوحدك...
مالك يازهرة... ثم جلست على حافة الكرسي. مالك يازهرة... فضفضي ليا وأنتي هترتاحي.
ظلت زهرة صامتة تتأمل ضحى بصمت للحظات، ثم قالت بصوت مختنق: الكلام اللي هقولهولك سر ياضحى.
هبطت ضحى من على حافة الكرسي وجثت على الأرض، وجذبت زهرة من يديها للجلوس بجانبها، وقالت لها برقة: طبعا يازهرة كل كلامك ليا سر. ثم ضحكت بخفة: أسرارك كترت يازهرة.
الدموع سالت على وجنتيها، كانت خائفة وكلمات ضحى الرقيقة زادت من خوفها.
وضعت ضحى يديها على كتفها وضمتها اليها وقالت: أنا معاكي... أحكي كل اللي في قلبك عشان ترتاحي.
أغمضت عينيها للحظات ثم فتحتهم وتنهدت قائلة: عرفت مين أبو ولادي.
سألتها بارتباك غير مستوعبة ماسمعت: أبو ولادك؟
زفرة بألم: عرفت الراجل اللي أعتدى عليا يوم فرح أحمد.
عرفتي أزاي وأنتي مش فاكرة ملامحه ولا فاكرة الوقت ده؟ ثم هزت رأسها باستيعاب: أنتي افتكرتي اللي حصل؟
مفتكرتش حاجة.
قالت بحيرة: أومال عرفتيه أزاي؟
ردت عليها بصوت يدمي القلب: هو اللي اعترف ليا... لما عرفني واكتشف أن ليه أطفال.
تعلقت عينيها على زهرة، سألتها بصوت رقيق: ومين هو؟ ورد فعله لما عرف أن عنده أطفال؟
همست بتردد وهي تتطلع اليها بعيون متألمة: أكنان نجم.
الصدمة جمدت لسانها لبرهة من الوقت: أكنان اللي هو أكنان ابن عم كريم؟
هزت رأسها في صمت ثم قالت: أيوه هو.
سألت بلهجة حائرة: مش قادرة أستوعب كلامك... أزاي أزاااي يازهرة؟
شردت زهرة وهي تهمس بخفوت: أنا هحكيلك. وبدأت في سرد حكايتها كما أخبرها. أخبرتها كل شيء حدث بينهم، وعندما انتهت شهقت ضحى بعنف ثم هتفت بغضب: أناااا أناااا عايزة أخنقه وأطلع روحه في إيدي... يااااه كل ده يطلع منه. سألت مترددة: في حد يعرف باللي حصل غيركم؟ مقالش لأي حد؟
نظرة لها مستفهمة: تقصدي مين؟
قالت باضطراب: أقصد كريم.
ردت بنفي والدموع تنساب على وجنتيها: مفيش حد يعرف غيرنا وأنتي... أنا تعبانة أوي ياضحى ومش عارفة أعمل إيه... جوايا جرح لسه بينزف.
ربتت ضحى على رأسها بحنية، ثم قالت برقة: مع الوقت هتلاقي الجرح التأم والوجع قل... الوقت هو العلاج الوحيد ليكي دلوقتي... الوقت بيقدر يعالج أي جرح مهما كانت شدته.
هتفت بألم: يارب ياضحى.
***
جاء الصباح بطيئا على غير عادته على الجميع، لم يغمض لهم جفن، فقد كان يتملكهم خوف مما هو قادم.
نظر إلى ساعته، فوجدها قد اقتربت من وقت الظهيرة.
ارتدى ملابسه سريعا، لم يضع عطره المميز، لم يلتفت إلى تصفيف شعره، ركب سيارته وانطلق إلى المستشفى للاطمئنان على زاهر.
كان معظم أقاربه موجودين معه في الغرفة إلا من بيسان. ألقى السلام ثم خرج مباشرة وذهب إلى الطبيب المعالج لزاهر.
وضعه النهاردة إيه يادكتور؟
مش هيبان حاجة دلوقتي... مع العلاج والأشعة اللي هنعمله نقدر أقولك الوضع هيكون إيه.
تقصد إيه بالكلام ده؟
الطبيب بهدوء: العلاج لو جاب نتيجة التجمع الدموي حجمه هيقل وده هيبان في الأشعة اللي هنعمله بعدين... ولما الورم يقل ضغطه على خلايا المخ هيقل وبالتالي هيفوق من الغيبوبة. بعد إذنك هروح أشوف بقيت المرضى.
هز أكنان رأسه بالموافقة وبعد انصرافه، أخرج هاتفه واتصل ببيسان.
أنتي فين يابيسان؟
بيسان بهدوء: أنا في البيت.
قال بلهجة ساخرة: في البيت؟ أنتي ناسية إن ليكي جوز راقد في المستشفى؟ عايزك تلبسي وتيجي دلوقتي المستشفى.
ردت بلهجة باردة: مينفعش أجي دلوقتي... عشان أنا سافرت وعند بابا في الفيلا.
قال أكنان بصدمة: سافرتي وسبتي جوزك؟
أخذت تمضغ أظافر يديها وهي تتحدث: وجودي زي قلته... يعني هعمل ليه إيه... وأنا بصراحة اتخانقت من الجو هناك وقلت أغير جو... من الآخر كده يا أكنان أنا زهقت منه وقررت أطلب الطلاق.
سمع كلامها وهو في حالة ذهول وكأنه في كابوس، يتمنى الاستيقاظ منه سالمًا، فقال بانفعال: إيه البرود اللي بقيتي فيها ده؟ الإحساس انعدم من عندك... تطلبي الطلاق وهو في غيبوبة مش تستني لما يفوق الأول.
بيسان بغضب مكتوم: أنا حرة أعمل اللي أنا عايزه.
زاد انفعاله وقال: حصل إيه ليكي وإيه اللي غيرك مرة واحدة كده؟
كل اللي حصل إني فقت من وهم اسمه زاهر... سلااام وأقفل الكلام في موضوع زاهر. ثم أغلقت الهاتف في وجهه. وضعت يديها على كلتا أذنيها تحاول كتم صوت الصريخ بداخلها. أخذت الأصوات تتردد مدوية بداخلها مرددة: أنتي كده هترتاحي... هترتاااااحي... بس أنااا أنااا... ظلت أصوات الصراخ تتصارع داخل عقلها حتى غلبها النوم.
وعلى الجهة الأخرى، ظل زاهر واقفًا مكانه لفترة من الوقت مصدومًا من شقيقته، صدمة عمره. أتاه اتصال آخر جعله يفيق من شروده. هتف بحدة في المتصل: بتتصل ليه؟
أجابه بلهجة مترددة: حضرتك قلت لي لو حصل أي حاجة غريبة أتصل بيك.
أتكلم علطول.
البنت اللي مكلفني بمراقبتها... خرجت مع اللي اسمه أحمد وقعدوا سوا في مطعم وبعدين مشيت معاه وهو كان بيسند فيها وشكلها مش متزن وشبه غايبة عن الوعي.
صاح بانفعال: وقفهم بأي طريقة فاااهم بسرعة ياغبي... متخليهاش تروح معه.
رد بارتباك: بس بس.
أخذ قلبه يدق بعنف وصرخ فيه: بس إيه؟
قال بخوف: وأنا بكلمك... طلع بيها بالعربية.
هتف بغضب: اطلع وراهم ياغبي وخدها منه... عارف لو جرالها حاجة... هتكون نهايتك على إيدي... وسيب الخط مفتوح متقفلهوش... وبلغني بكل خطوة ليك أول بأول... وأنا هركب الطيارة وهجي اسكندرية دلوقتي.
رد عليه بلهجة مذعورة: حاضر يابيه. ثم انطلق بسيارته مسرعًا للحاق بالسيارة الأخرى.
تعالت نبضات قلبه تنبئه بكارثة سوف تحل، فهو قال أنها كانت غير متزنة وشبه غائبة عن الوعي.
***
قبل ساعة من الآن، رن جرس الباب.
تحركت زهرة لتفتح الباب وهي تحدث نفسها: أنتي لحقتي ياضحى... ده أنتي لسه طالعة... أهدي أنا جايه خلاص استني الجرس هيتحرق كده في إيدك. تفاجئت بوجود أحمد أمامها.
هتفت بحدة: إيه اللي جابك هنا تاني؟
نظر لها برجاء: أنا محتاج أتكلم معاكي يازهرة.
تمعنت في النظر له، وجهه أصبح نحيل وعيونه غائرة وملابسه غير منظمة.
كرر كلامه بتوسل أكثر: عشان خاطري يازهرة... محتاج من وقتك نص ساعة بس... نص ساعة بس... وبعد كده مش هتشوفني تاني... اعتبريها آخر مرة. وأخذ يترجاها لفترة من الوقت حتى شعرت بالشفقة تجاهه.
ردت قائلة له: خلاص يا أحمد... استنى برا بعربيتك على آخر الشارع وأنا هغير هدومي وهخرج معاك بس دي هتكون أول وآخر مرة... اتفقنا.
ارتسمت على وجهه ابتسامة باهتة: حاضر يا زهرة.
ارتدت ملابسها بسرعة، ثم خرجت من منزلها ووجدته منتظرًا بداخل سيارته في المكان المتفق عليه ويبدو عليه التوتر، وكان يضرب بيديه على عجلة القيادة بعنف. شعرت بالقلق وهي تدلف إلى داخل السيارة، وبمجرد دخوله أنطلق بالسيارة. توقف أمام كافيه لاتينو.
نظرة له بانزعاج: مش عارفة إيه لزمتها تجيبني هنا... ما كنت قولت اللي انت عايزه وإحنا في العربية.
بادلها نظرتها بنظرة رجاء ثم قال: أنا مش عايز أتكلم معاكي في العربية... عايز نقعد مع بعض وأكلمك براحتي... مش أكلمك في الطريق والعربيات رايحة جاية.
نزلت زهرة مضطرة من السيارة ودخلت معه إلى الكافيه. جلس كلاهما على طاولة موجودة بالركن ثم طلب من الجرسون عصير فراولة لها وعصير ليمون له.
قالت بضيق: مش عايزة أشرب حاجة... قول كنت عايز إيه وخلصني... أنا بجد زهقت.
تجاهل كلامها كأنه لم يسمع شيء: لسه فاكر كويس إنك بتحبي تشربي عصير الفراولة... مفيش حاجة نسيتها كانت بينا.
لو سمحت يا أحمد كلامك ده ملهوش لازمة دلوقتي. خلاص أنا شيلتك من حساباتي من يوم ماتجوزت... يا ريت تفهم كلامي كويس وإنساني وشيلني من حياتك.
عندك حق ملهوش لازمة الكلام في الماضي.
إيه بقا الكلام المهم اللي كنت عايزني فيه؟
قاطع كلامهم اقتراب الجرسون، قام بوضع الطلبات أمامهم، وعند انصرافه أمسك أحمد كأس العصير ومدّه باتجاه زهرة، وقال بابتسامة باهتة: بلاش تكسفيني.
أمسكت زهرة كأس العصير من يديه مضطرة وتناولت عدة رشفات منه ثم وضعت الكأس على الطاولة.
زمت شفتيها بضيق وقالت: عصير وشربته... هااا كنت عايز تقول إيه؟
قال بلهجة يشوبها الحزن: لدرجادي مش مستحملة وجودي؟
هتفت بحدة: لو مقولتش انت عايز إيه... هقوم وأسيبك.
ابتسم بألم: أنا محتاج أتكلم... الكلام معاكي بيريحني.
حاولت مقاطعة كلامه، لكنه استمر في الكلام قائلًا بحزن: معلش استحمليني الوقت ده... أنا كل اللي محتاجه إني أتكلم وبس معاكي... أتكلم وانتي تسمعيني.
وعندما انتهى من حديثه، شعرت زهرة بالشفقة تجاهه وهمست بعطف: ياااه كل ده حصل معاك... لو كنت أعرف أساعدك كنت ساعدتك.
نظر له بندم: قلبك طيب يا زهرة ومش بتعرفي تكرهي حد... أنا مبسوط إنك وافقتي تقعدي معايا وتسمعيني.
شعرت بالدوار، أمسكت رأسها.
سأل أحمد: مالك يازهرة؟
تمتمت بضعف ثم حاولت النهوض: آآآه.
كادت تقع، نهض بسرعة وقام بإسنادها: زهرة.... حاولي تمسكي نفسك شوية لحد ما نوصل العربية. لاحظ نظرات شخص تتبعهم لكنه لم يبالي. وبمجرد إراحتها على الكرسي، وجلوسه على مقعد القيادة أنطلق بالسيارة بسرعة شديدة ويديه تقبض على عجلة القيادة بعنف.
رواية زهرة لكن دميمة الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سلمى محمد
وعندما انتهى من حديثه، شعرت زهرة بالشفقة تجاهه وهمست بعطف:
"ياااه، كل ده حصل معاك... لو كنت أعرف أساعدك كنت ساعدتك..."
نظر لها بندم:
"قلبك طيب يا زهرة ومش بتعرفي تكرهي حد... انا مبسوط انك وافقتي تقعدي معايا وتسمعيني..."
شعرت بالدوار. أمسكت رأسها.
سأل أحمد:
"مالك يازهرة؟"
تمتمت بضعف ثم حاولت النهوض:
"أااه..."
كادت تقع. نهض بسرعة وقام بإسنادها:
"زهرة.... حاولي تمسكي نفسك شوية لحد ما نوصل العربية..."
لاحظ نظرات شخص تتبعهم لكنه لم يبالي. وبمجرد إراحتها على الكرسي وجلوسه على مقعد القيادة، انطلق بالسيارة بسرعة شديدة ويديه تقبض على عجلة القيادة بعنف.
وقعت مغشية عليها. أسرع بها إلى أقرب مستشفى.
توقف بسيارته أمام باب المستشفى، وقبل أن يخرج وجد فجأة من يفتح عليه باب السيارة وأنحنى على زهرة ليحملها.
انتفض أحمد في مكانه ثم خرج مسرعاً وأمسك بذراع الرجل الغريب، مجبراً إياه على تركها. هتف بوجهه محتقن:
"انت مجنون؟ امشي من هنا بدل ما أبلغ عنك!"
نظر له الهامي بتهديد:
"انت خاطفها وأنا بنقذها منك."
بلهجة مندهشة:
"على أساس إيه قررت إني خاطفها؟ دي خطيبتي وأغمى عليها وزي ما أنت شايف... ده لو كان عندك نظر وبتشوف واقفين قصاد باب مستشفى!"
قاطعه الهامي:
"انت مش خطيبها!"
لم يريد الجدال معه. كل همه الآن الاطمئنان عليها. هتف في وجهه بحدة:
"ملكش فيه..."
وانزاح على جنب.
في الداخل...
سأل بلهفة الطبيب:
"مالها يادكتور؟"
"ضغطها واطي... وده سبب الإغماء."
"يعني هي كويسة؟"
"هي كويسة ومعندهاش حاجة... خليت الممرضة تركب ليها محلول عشان نرفع من ضغطها... وهتفوق لوحدها."
ظل بجوارها لمدة ثلاث ساعات على الكرسي المجاور للسرير الراقدة عليه. ظل ينظر إلى تفاصيل وجهها الشاحبة المختفية تحت قناع لم يعلم حتى الآن سببه، وجسدها أصبح نحيفاً بات لا يتحمل شيئاً. فأغمض عينيه في سكون. فكلاهما عانى بشدة في حياته. هو تزوج إنسانة مريضة بحب السيطرة، حاولت خطف بناته، والآن هي في مصحة عقلية في حالة انهيار تام بعد أن عثروا عليها في إحدى الفنادق الرخيصة وبناتها مع جدتهم. وهي عانت بسببه وبسبب رشا، ويا عالم ماذا حدث لها في السنوات الماضية بعد سجنها ووفاة والدها. ما يبدو له أنها عانت بشدة.
فتح عينيه ورأى يديها تتحرك.
ووجدها تنظر له بإعياء قائلة:
"هو أنا هنا بعمل إيه؟ هو حصل إيه؟"
ابتسم بخفة:
"ضغطك وطى مرة واحدة وأغمى عليكي... وأنا شيلتك وجبتك هنا المستشفى."
قالت بخفوت:
"تعبتك معايا."
نظر لها بحزن:
"نفسي أتعب عشانك... وياريت أقدر أعوضك شوية عن كل اللي قاسيته في حياتك."
شعرت بالإرتباك وأبعدت نظراتها عنه:
"أحمد بلاش..."
استاء قلبه وأراد الصراخ والتوسل لها لكي تعطيه فرصة. لكنها صارت رافضة له. حدث نفسه بصمت:
"غلطة عمري إني سبتك تضيعي من إيديا."
أمسك ذراعها وقال بتوسل:
"اديني فرصة تانية."
همست بحزن:
"ماينفعش."
دخل أكنان من باب المستشفى مسرعاً. وجد أمامه الهامي منتظراً إياه. سأله وهو يتنفس بحدة:
"هي موجودة فين؟"
"الدور الرابع أوضة ستة."
لم ينتظر المصعد. خوفه عليها لا ينتظر. قلبه لا ينتظر. أخذ يركض على سلالم الأدوار بخفة. فتح باب غرفتها دون طرق ودلف إلى الداخل بسرعة.
تبخرت نظرة القلق في عينيه لتحل محلها نيران من الغيرة عندما رآه يمسك بذراعها. ابتلع ريقه بصعوبة. تنفس بحدة يحاول على قدر المستطاع التحكم في غضبه لكي لا ترتعب منه. اقترب وجسمه ينبض بغضب مكتوم.
صدمت زهرة من رؤيته. نظرت له بعينين متسعتين.
صر على أسنانه بعنف قائلاً:
"شيل إيدك من عليها."
تذكره أحمد جيداً، فهو نفس الشخص الذي قابله في عزاء والدتها وشعر بوجود شيء بينهم وكذب هذا الشعور عدة مرات. هز رأسه برفض عندما وصلت أفكاره عند نقطة معينة. هل يكون هو السبب في رفضها الرجوع إليه؟ هل تجمعهما علاقة عاطفية؟ ترك أحمد يديها ونهض ثم نظر له ببرود:
"انت مين وإزاي تدخل هنا من غير استئذان؟"
بملامح وجه متهجمة قال:
"قوليلي أنا مين بالنسبة ليكي يازوزو..."
سأل أحمد:
"مين ده يازهرة؟"
جلس أكنان فوق الفراش وقال بهدوء مفتعل:
"قوليلي أنا أبقى مين، ولا أقوله أنا؟"
شهقت عندما سحبها بجواره. حدق في عينيها التي اتسعت من الخوف وهي ترى شرارات الغضب تنطلق من عينيه. ثم قال:
"أنا خطيبها وأبو ولادها... قصدي أبو ولادها في المستقبل."
رفرفت رموش عينيها بصدمة.
أحمد بلهجة رافضة:
"خطيبك يازهرة؟"
همس بخفوت بالقرب من أذنها:
"خليه يمشي، والأحسن مشوفش وشه بقربك تاني."
ظلت تحدق به بعجز. تريد أن تنساه لكن ما يجمع بينهما جعل نسيانه شيء مستحيل. أطفالها عند تلك النقطة استعادت توازنها وتنفست بعمق:
"أيوه ياحمد خطيبي."
رأى أكنان أصابعها ترتجف فعلم أنها تكبت انفعالها بصعوبة.
من صدمته ارتد خطوة للخلف وتجمد في مكانه للحظات. نهاية الأمل بالنسبة له. فهي أحبت غيره. ولا يملك سوى تمني السعادة لها. قال بابتسامة شاحبة حزينة:
"مبروك..."
ردت عليه بابتسامة باهتة:
"الله يبارك فيك."
نظر لها نظرة وداع ثم خرج من الغرفة، مقرراً الخروج من حياتها نهائياً.
ألمع الشرر في عينيها وهي تقول:
"ارتحت بعد ما نفذت كلامك؟ اتفضل اطلع برا."
غمز بإحدى حاجبيه:
"انتي نسيتي إنك بقيتي خطيبتي؟ ده كلامك مش كلامي."
هتفت بانفعال:
"أنا قولت كده عشان أقطع الأمل عنده إني ممكن أرجع له في يوم من الأيام، مش عشان خوفت منك. وقولي أنت عرفت إزاي باللي حصل ليا؟"
قال بهدوء:
"مكلف واحد ياخد باله منك."
صاحت في وجهه بغضب:
"أنت مخلي واحد يراقبني؟ مش من حقك تعمل كده!"
"من حقي... أنتي أم ولادي."
"كفاااية بقا حرام عليك!"
"أنتي اللي كفاية وبلاش تنشفي دماغك... أنا قولت هديكي وقت لحد ما تتقبلي الصدمة وتفكري في مصلحة ولادنا وتركني مشاعرك وكرهك ليا على جنب. بس أنتي مصممة تعاندي معايا. هسألك تاني موافقة تتجوزيني؟"
هزت رأسها ثم قالت بإصرار:
"لأ."
ابتسم بمكر ثم قال:
"أنا سألتك وأنتي قولتي لأ... وغلبِتِ مشاعرك على مصلحة ولادنا. إنما أنا فكرت في مصلحتهم كويس. وقررت الآتي... الولاد هاخدهم من الملجأ وهكتبهم باسمي وهطلع ليهم شهادات ميلاد باسم الأب اللي هو أنا واسم الأم اللي هتكون أي واحدة هتجوزها. أنا مستعدة أتزوج أي واحدة عشان خاطرهم هما عشان يبقوا جايين من علاقة شريعة."
اتسعت عينيها من صدمة ما تسمع:
"انت بتقول إيه؟"
قال بلامبالاة مصطنعة:
"اللي سمعتيه..."
"بس ده تزوير!"
"اسمه بضمن ليهم حقهم وأخلي راسهم مرفوعة."
"أنا مش هسكت!"
"اعملي اللي أنتي عايزاه... أنتي عمرك ما هتقدري تقفي قصادي. أنا اتكلمت معاكي بالعقل والمنطق وأنتي رفضتي."
لمعت عينيها بالدموع وقالت بنبرة مضطربة:
"ليه القسوة دي؟"
شعر بطعنة مؤلمة داخل صدره وهو يرى دموعها. لكنه قرر الحصول على موافقتها بالزواج منها بأي طريقة. حدث نفسه: لا تجعل دموعها تضعفك. فهي لن توافق على الزواج منك إلا بهذه الطريقة. أمسك ذراعها وهتف:
"مش قسوة... بفكر في مصلحة ولادي. لو خرجت من الأوضة دلوقتي قبل ما أسمع ردك... انسى إنك تشوفي الولاد بعد كده."
ثم أولاها ظهره وتحرك ببطء ناحية الباب، داعياً في سره أن تقول نعم. قولها يازهرة. قبض على مقبض الباب وفتحه وخطى أول خطوة باتجاه الخارج.
صاحت بألم:
"أنااااا... أناااا موافقة..."
تقوس فمه بابتسامة واسعة أخفاها بسرعة ثم التفت لها قائلاً بهدوء ظاهري:
"أنتي كويسة؟"
استغربت من سؤاله. هزت رأسها:
"أيوه."
"تقدري تمشي؟"
"أيوه."
تحدث بهدوء:
"يبقى يلا بينا."
مسحت دموعها وقالت بتوجس:
"يلا بينا فين؟"
أجابها قائلاً:
"كام مشوار."
سألت بإصرار:
"مشاوير إيه؟"
أجابها بهدوء:
"أول مشوار.... هنروح على أقرب مكتب مأذون عشان نتجوز."
ثم أخرج هاتفه واتصل بسائقه.
وقفت متصلبة مكانها تنظر له بصدمة. وجدتها يجذبها من ذراعها قائلاً بهدوء:
"يلا يازهرة."
مضت زهرة بذهن مشوش إلى الخارج معه. هبطا في المصعد إلى الدور الأرضي وخرجا من المستشفى. كان السائق بانتظارهم. فتح لهم الباب. وبمجرد جلوسهم انطلق السائق. أغمضت عينيها ثم راحت تردد بخفوت:
"أنا بحلم أنا بحلم."
سمع همسها. تقلصت ملامح وجهه بألم وفضل الصمت على الكلام.
توقفت السيارة بعد وقت قصير أمام مكتب المأذون ونزل السائق. وبعد عدة دقائق أتى ومعه ثلاث رجال. فتح المأذون أوراقه في السيارة. وبدأ في توجيه الأسئلة التقليدية إلى العروس والعريس والشاهدين. ثم وثق الشيخ وثيقة الزواج. ثم وقعت زهرة وأكنان والشاهدين. خرج المأذون والشهود ولم يتبق في السيارة سواه. أشار أكنان للسائق بالتحرك.
نظرت له بتوهان. كل شيء حدث بسرعة. حدثت نفسها: هل هي أصبحت حقاً زوجته؟ شعرت أنها تعيش حلماً مزعجاً. سألت بصوت مرتعش:
"هو إحنا كده اتجوزنا؟"
نظر إليها ملياً ثم أجاب برقة:
"أيوه يازهرة."
عبرت السيارة بوابة حديدية. نظرت من خلال الزجاج تتساءل إلى أين ذهب بها هذه المرة.
قال أكنان بهدوء:
"ده الملجأ الجديد."
ردت بلهجة مضطربة:
"ملجأ إيه؟"
"ملجأ بديل عن ملجأ الملائكة الصغار."
"هو أنت المتبرع المجهول؟"
"أيوه أنا... خليكي هنا في العربية. هدخل لمدام ليلى أكلمها وهاخد منها أياد ووليد. أنا مكنتش مخطط آخدهم دلوقتي خالص. لكن كل حاجة جت بسرعة."
وبعد أقل من نصف ساعة. رأته من على بعد عدة أمتار يحمل كلا الصغيرين في حضنه. والابتسامة تضيء وجوه أطفالها. لمعت عينيها بالدموع وهي تشاهد فرحتهم الغامرة. مسحت بسرعة دمعة فرت هاربة من عينيها عندما اقتربا من باب السيارة. بمجرد دخول الصغيرين إلى داخل السيارة. أخذ يقفزان بمرح فوق الكراسي.
هتف أياد بمرح طفولي:
"عمو هياخدنا نعيش معاه يا أبلة زهرة؟"
قال أكنان بهدوء:
"من يوم ورايح هتقولي يا بابا ومفيش عمو تاني. وأبلة زهرة هتقولها يا ماما. ووزع نظراته على كلا الطفلين. سمعتوني كويس؟ إحنا هنبقى ماما وبابا وبس."
تقبل وليد الكلام ببرائة دون تعقيد. هذه الكلمة لا تعني لهم الكثير سوى مجرد كلمة.
هتف وليد وأياد في نفس واحد:
"بابا أكنان وماما زهرة."
ثم ألقوا أنفسهم في حضن زهرة بسعادة.
أياد بمرح طفولي:
"أنا مبسوط إنك ماما."
وليد بابتسامة واسعة:
"وأنا كمان عشان بحبك... ماما."
وأخذ يكرر كلمة ماما:
"ماما... أنا بحب أقول ماما... ماما."
رقرقرت الدموع في عينيها ثم أردفت بصوت مختنق من التأثر:
"وأنا كمان بحب كلمة ماما وكان نفسي أسمعها من زمان."
ضمتهم بالقرب من صدرها. ضمة والدة غاب ولدها ثم عاد لها بعد غيبة طويلة. ضمت الصغيرين بالقرب من بعض. وانسابت دموعها الحارة على وجنتيها دون توقف. دفنت رأسها بينهم وانخرطت في البكاء. شعروا بالفزع من بكائها.
نزع وليد نفسه مبتعداً شاعراً بالخوف. أما أياد ظل في حضنها وأخذ يبكي هو الآخر.
قال بتأثر:
"أهدي يازهرة... الولاد اتفزعوا منك."
قالت من بين شهقات بكائها:
"بلاش عياط يا أياد... أنا بعيط عشان فرحانة. ومسحت دموعها وابتسمت لهم: آخر مرة هتشوفوني بعيط. أنا دلوقتي فرحانة أوي."
توقف بكاء أياد ونظر له بعيون متسعة وقال:
"وأنا كمان... عشان بحبك أوي."
وهتف وليد هو الآخر:
"وأنا كمان بحبك."
شعرت في هذه اللحظة أنها تطفو فوق غيمة من السعادة. بسبب نطقهم كلمة ماما. رأى عينيها تلمع ببريق لامع.
قال برقة:
"في حد عايزة تودعيه؟"
سألته زهرة:
"تقصد إيه بكلامك؟"
"زهرة اللي شايفة دلوقتي قصادي خلاص مش هيبقى ليها وجود. زهرة اللي تحت القناع هي اللي هتظهر للكل باسم مراتي أم ولادي. كنا متجوزين زمان وسبنا بعض وبعدين رجعنا لبعض. وده هيكون بس الكلام اللي هقوله للكل. اتقابلنا إزاي وليه انفصلنا. ردنا هيكون دي خصوصيات والماضي شيء وانتهى."
كانت تكفيها نظرة واحدة لطفليها وهي ترى سعادتهم اللانهائية. فتناست كرهها له وقالت باستسلام:
"اللي تقول عليه هنفذه. بس قبل أي شيء وديني شقتي الأول. أسلم على ضحى وأهلها. ضحى صحبتي وأكتر من أختي ساعدتني كتير ووقفت معايا وهي خلتني أسكن في البيت عندهم. هي الوحيدة اللي عارفة سري وحفظت عليه. طب أهلها أقولهم إيه؟"
"قوليلهم اللي شايفه صح وهيريحك."
توقف بالسيارة أسفل منزلها. ثم قال:
"أنا هستناكي هنا بالولاد. ومتاخديش أي حاجة من شقتك. أنا هكلف ناس يفضواها ليكي وبعدين تبقي تختاري اللي عايزة تخليه معاكي."
خرجت من السيارة بسرعة حتى لا ترجع في قرارها. وصعدت السلالم ووقفت أمام شقة ضحى للحظات وهي تتنفس بحدة. ثم طرقت على الباب.
زهرة بابتسامة شاحبة:
"ضحى جوه؟"
ردت أمينة بابتسامة:
"هتلاقيها في أوضتها."
"ممكن أدخلها؟"
"ادخلي يابنتي من غير استئذان. ده البيت بيتك."
"تسلميلي يا طنط."
طرقت زهرة على باب غرفة ضحى. ثم دلفت مباشرة.
ضحى بفضول:
"يادي النور... مش عوايدك أنتي اللي تطلعي ليا. خير يا ست زهرة."
زهرة بارتباك لا تعلم من أين تبدأ الحوار:
"من الآخر كده... إن اتجوزت."
انتفضت ضحى في مكانها. قالت مرددة بذهول:
"اتحوزتي؟ اتحوزتي؟ دا اللي هو إزاي وإمتى؟"
زهرة بصوت مخنوق متقطع:
"النهاردة وبالأصح من ساعة تقريباً."
هزت رأسها بصدمة:
"أنتي بتتكلمي جد؟ قولي اللي أنتي بتهزري... أنتي بتهزري صح؟"
ردت نافية:
"لأ مش بهزر. أنا اتجوزت النهاردة. اتجوزت أكنان أبو ولادي."
جذبت ضحى ذراع زهرة وأجلستها فوق الفراش وجلست بجواره. ونظرت لها بفضول:
"احكيلي كل اللي حصل بالظبط فاهمة يازهرة؟"
بدأت زهرة في سرد ما حدث وظلت ضحى تستمع فقط دون التعليق على كلامها بأي كلمة.
وعندما انتهت تنهدت ونظرت إلى ضحى قائلة:
"وبعد رفضي فجأة لقيت نفسي متجوزاه. اتجوزته رغم كرهي له. مش عارفة إزاي..."
همست بشرود:
"أنا عارفة ليه اتجوزته. عشان ولادي. أول ما قال هياخدهم وهيكتبهم باسم واحدة تانية... فقدت كل قوتي. وأول ما أخدهم من الملجأ وقالوا ليا ياماما... كان قلبي هيطلع من مكانه. حسيت بقلبي هيقف من الفرحة."
سالت دموعها على وجنتيها دون أن تشعر. لما سمعت كلمة ماما نسيت كل حاجة. كل حزن وألم عيشته.
ضمتها ضحى وربتت على رأسها بخفة. وقالت بنبرة رقيقة:
"أنتي نصحتيني كتير يازهرة. وأنا شايفة نفسي في وضع لزم أنصحك فيه. طبعاً مفيش عذر لغلطته معاكي دي جريمة."
أنا بكرهه أكتر منك بسبب اللي عمله معاكي... لكن بصراحة في غيرك وفي نفس وضعك هما اللي بيحاولو يثبتو نسب ولادهم للأب... أما هو العكس هو اللي عايز يثبت ولاده ليه... وأنا شايفه دي حاجة كويسة فيه... هو بجوازه منك بيقدملك فرصة العمر... ولادك هيبقوا ليهم أب وأم وهيكبروا في حضنك... خلاص يازهرة... انسى الحادثة... انسى الماضي... انسى إنه جوزك... عيشي الحاضر مع ولادك وبس.
مسحت دموعها وتنهدت بألم: وده اللي ناوية أعمله... هنسى عشان خاطرهم وهستحمل... ما أنا ياما استحملت.
سألت ضحى: ناوية تعملي إيه دلوقتي؟
ردت زهرة: قولي هو اللي ناوي يعمل إيه؟
_ وهو ناوي يعمل إيه؟
_ مش عارفة لسه... الصدمات منه عاملة زي المفاجآت... زي جوازي منه اللي حصل في غمضة عين.
ثم ضحكت بألم: وبعدين ولادي اللي أخدهم من مدام ليلي بكل سهولة ومن غير إجراءات... وبيقولي: انسى يا زهرة دي وأرجعي لحقيقتك.
هتفت ضحى بموافقة: أخيرًا يا زهرة... هتشيلي تنكرك ده.
نظرت لها نظرة غريبة: هو أنتي كل تركيزك فيه أني هشيل وشي المزيف؟
قالت ضحى بلهجة رقيقة: هو أنتي مبسوطة بنفسك كده؟
_ أيوه مبسوطة واتأقلمت على شكل ده لحد ما اتعودت عليه.
_ أنا بقى مكنتش مبسوطة ليكي... وكنت بقول ده البديل الوحيد قصادك أنك تبقي مجهولة عشان تقدري تعيشي بين الناس من غير ما حد يتعرض ليكي أو يطمع فيكي... عشان تقدري تاخدي بالك من أمك الله يرحمها... بس دلوقتي كل الأسباب دي انتهت وتقدري تعيشي بشكلك الحقيقي من غير العذاب اللي بتتعذبيه كل يوم لما تخرجي للناس... لازم البروكة واللنسز والفاونديشن اللي بتستعمليه اللي مداري على لون بشرتك... لو رجعتي لحقيقتك هترتاحي من كل التعقيد اللي بتعمليه في نفسك كل يوم... يا زهرة اتوكلي على الله وعيشي حياتك بقى كأن مفيش حاجة حصلت... وأما هو اعتبريه كأنه مش موجود قصادك... ومسير الأيام هتدواي جرحك.
انسى عشان تقدري تعيشي.
هزت رأسها باستسلام لمصيرها المقدر والمكتوب: إن شاء الله يا ضحى... وأهلك يا ضحى هقول لهم إيه لما أختفي فجأة من حياتهم وفرحك وهو مستنيني تحت مع الولاد في العربية... أول ما خطي برجلي جوه العربية هتكون دي نهاية زهرة اللي شايفاها قصادك.
فكرت ضحى للحظات ثم قالت: في موضوع كنت مخبياه عنك... وجاء وقته.
سألت زهرة: موضوع إيه اللي كنتي مخبياه عني؟
ضحى بهدوء: بابا باع البيت... وكنا هنعزل لشقة تانية... بس عشان جوازي اللي جاء بسرعة... أجلوا العزال لبعد فرحي.
نظرت لها زهرة بصدمة: كنتوا هتمشوا من غير ما تقولولي؟
ردت بلهجة أسف: كنت هقولك... بس قلت بعدين ظروفك ما كانتش تسمح لصدمة تانية... كنت والله هقولك.
_ من غير حلفان يا ضحى مصدقة.
_ موضوع أهلي واتحل هما مشغولين في جوازي... ومش هيلاحظوا وجودك في البيت... وأنا هبقى أقولهم أي حاجة... ممكن أقولهم أنك طلع لك أهل من بعيد ورحتي تعيشي معاهم بعد ما بقيتي وحيدة... وأنتي اللي عليكي تبقي تتصلي بيهم تودعيهم وتقوليلهم الكلمتين دول... أما أنا أمري سهل.
_ إزاي بقى سهل... أنتي أكتر من أخت ليا وكان نفسي أبقى معاكي في كل حاجة.
_ يا أختي أنا مسامحة... كفاية عليا أنك هتحضري الفرح ولبسه فستان شيك وبشكلك الحقيقي... مش شكلك ده اللي كان هيعرني في الفرح... أهو لقيت ميزة في أم الجوازة دي.
وضحكت.
وكزتها زهرة في صدرها بعنف وقالت: أنا بردو شكلي عرة.
ردت بابتسامة خفيفة: أومال شكلك ده إيه... ده أنا بحمد ربنا إني هترحم منه أخيرًا بعد سنوات من عذاب التشوه البصري اللي جرالي بسببك... وفكي التكشيرة دي من على وشك... هااا فكي بدل ما ألغي جوازاتي من كيمو العسل... كيوووت وراجل أوي وحنين أوي.
صاحت زهرة في وجهها: فوووقي... وبالله عليكي أحلمي بيه في وقت تاني مش ناقصة فقعت مرارة أنا فيا اللي مكفيني.
ضحى بضحك: ياااه عليكي يا زهرة قطعتي أفكاري.
نهضت من مكانها: أنا همشي بقى عشان اتأخرت عليهم... وهسيبكم مع أحلامك.
قامت هي الأخرى وضمت زهرة وقالت لها بحب: ربنا معاكي يا زهرة ويقويكي على الأيام اللي جاية.
همست بدعاء: يارب يا ضحى... أنا مش عارفة أحوالي هتكون إيه.
_ كل خير يا زهرة... بقولك يا زهرة لما تخرجي تبقي تمهدي لماما على موضوع أهلك اللي هتعيشي معاهم... عشان لما أكلمها بعدين يكون عندهم خبر.
هزت رأسها في صمت ثم فتحت باب الغرفة ودلفت إلى الخارج.
نادى على أم ضحى.
خرجت أمينة من المطبخ وقالت: نعم يا زهرة كنتي عايزة حاجة.
ردت بابتسامة خفيفة: أيوه يا طنط... كنت عايزة أقولك هسيب الشقة.
أمينة بخضة: ليه يا بنتي في حد ضايقك.
ردت نافية: لأ مفيش حد... بس طلع لي قرايب من ناحية ماما الله يرحمها... لما عرفوا بخبر موتها... صمموا أسافر وأروح أعيش معاهم بورسعيد.
_ وهتمشي إمتى.
_ معرفش إمتى بالظبط... بس خلال يومين بالكتير.
_ طب وفرح ضحى.
_ غصب عني يا طنط... أنا ما صدقت حد من قرايبي يظهر لي بدل ما أنا مقطوعة من شجرة... الأهل عزوة... أنا قلت لضحى وهنكون على طول على اتصال مع بعض.
_ عندك حق يا زهرة الأهل عزوة.
_ هتوحشوني أوي لما أسافر.
أمينة ضمت زهرة وقالت بحنية: وأنتي كمان يا زهرة.
أغلقت زهرة الباب خلفها... أغلقت صفحة كانت مؤلمة في حياتها.
اتجهت إلى السيارة... فتحت الباب وفتحت صفحة جديدة من حياتها بهوية جديدة... ألقت نفسها على الكرسي وبمجرد إغلاقها الباب... أشار أكنان في صمت للسائق بالانطلاق.
وبعد فترة من القيادة توقفت السيارة... أمام إحدى المولات.
أكنان بهدوء: يلا بينا ندخل المول.
وليد وأياد في نفس واحد: في لعب جوه.
رد عليهم بابتسامة: في جوه حاجات حلوة كتير.
نظرت إلى سعادة أطفالها وأبتسمت لهم... ثم تحركت مع أطفالها إلى داخل المول ممسكة بأيديهم برقة... ترك وليد وأياد يدها بمجرد دخولهم... وأخذوا يركضون هنا وهناك بمرح.
قالت بهمس: أومال فين الناس.
رد بلهجة هادئة: أنا فضيت المكان عشان لما نيجي تعرفوا تاخدوا راحتكم فيه.
زمت شفتيها بعبوس: وسهلة إنك تفضي مول بالحجم ده في الوقت القصير ده.
رد بلهجة هادئة: سهلة عشان أنا صاحب المول.
هزت رأسها بضيق وتمتمت: أه.
ترك الصغار برفقة أحد الحراس يلعبون... وأشار إلى زهرة لكي تأتي معه.
وقفت مبهوتة أمام واجهة المحل... قالت بتردد: وقفنا هنا ليه؟
_ اختاري اللي أنتي عايزاه.
_ وأنا مش عايزة منك حاجة.
_ وقت الكلام ده فات... إحنا اتجوزنا وأنتي وافقتي هتغيري شكلك ده عشان لما تظهري للكل بشخصيتك الجديدة.
دخلت إلى الداخل مضطرة واختارت ما تريد وعند الانتهاء...
قال أكنان بابتسامة هادئة: يلا بينا.
ردت زهرة بسخرية: يلا بينا فين تاني.
تجاهل سخريتها وقال: مركز التجميل... عشان تشيلي كل اللي في وشك ده.
وذهب بها إلى مركز التجميل وكانت منتظرة قدومهم مدام جيجي.
جيجي بابتسامة مرحبة: أهلا بيك أكنان بيه.
أكنان بلهجة عملية: هسيب لكِ زهرة هتقول لك على كل اللي هي عايزاه.
جيجي بابتسامة: اتفضلي على الكرسي هنا.
تلاعبت يدي جيجي الماهرة في شعرها وأرجعته إلى طبيعته... ثم انتقلت إلى بشرتها... وفي خلال ساعتين انتهت... نظرت زهرة إلى نفسها في المرآة... فلم تصدق ما رأت... القناع اختفى.
قسمات وجهها كما هي، لكنها أصبحت أجمل بكثير عن وهي مراهقة.
هتفت جيجي بذهول: واو! مش مصدقة نفسي. أنتي بقيتي حاجة تانية خالص. هو أنتي كنتي عاملة في نفسك كده ليه؟
ردت زهرة بابتسامة خافتة: أصلي كنت في حفلة تنكرية.
جيجي بعدم تصديق: حفلة؟
زهرة باللامبالاة: أيوه حفلة.
ثم تركتها وغادرت مركز التجميل.
بحثت عنهم في الخارج لم تجدهم، لكن سمعت صوت ضحكاتهم. اتجهت مسرعة ناحية المصدر، في ملهى الأطفال. كانوا يجلسون جميعًا فوق الأرجوحة. كانت تدور، وكلما دارت أسرع تعالت أصوات ضحكاتهم، والبسمة تزين وجوههم. نظراتها تتبعت كل بسمة، كل حركة من أطفالها. لمعت عينيها بالدموع، وحدثت نفسها بأنها فعلت الصواب.
ثم فجأة نظر ليجد زهرة واقفة على بعد عدة أمتار. لم يصدق عينيه، كانت رائعة. أضاء وجهها نورًا زاد جمالها سحرًا.
حاول التحكم في أنفاسه المضطربة، وعندما توقفت الأرجوحة عن الدوران، استعاد تنفسه الطبيعي.
قال أكنان: يلا بينا عشان نروح.
كلا الطفلين هز رأسه برفض قائلين: عايزين نلعب تاني.
أكنان بلهجة حازمة: أوعدكم هتيجو هنا تاني، بس دلوقتي هنروح.
قال أكنان بابتسامة: يلا بينا بقا على البيت.
عندما حاولت زهرة إمساك يديهم، هتف وليد وأياد: مين دي؟
ابتسم أكنان قائلًا: زهرة، ماما.
نظروا لها بذهول وقاموا بفرك عيونهم: بجد! دي بقت حلوة أوي.
تصنعت الحزن ثم قالت: هو أنا كنت وحشة الأول؟
أياد بلهجة طفولية صادقة: أه.
أنا كده أزعل منك يا أياد.
وحشة بس بحبك.
ابتسمت على رده البريء: خلاص مش زعلانة. طب وبشكلي ده؟
وليد وأياد في وقت واحد: هنحبك أكتر.
اتسعت ابتسامتها وقالت: باين عليكم هتبقوا أشقية لما تكبروا.
ذهب بهم إلى فيلته الخاصة.
في الداخل، الأطفال بمرح: إحنا هنعيش هنا.
هز رأسه بخفة: أيوه. وأشار للخادمة، ثم قال: طلعيهم على أوضتهم. يلا يا حبابي، اطلعوا شوفوا أوضتكم الجديدة.
وعندما ذهبوا، نظر إلى زهرة التي ظلت واقفة صامتة في مكانها، عينيها تتبع اختفاء صغارها.
حاول أخفاء مشاعره لكي لا يخفيها، يكفيه حتى الآن وجودها بالقرب منه. قال لها بلهجة رقيقة: الفيلا دي بتاعتك أنتي والولاد. أنا فيها مجرد ضيف. كل يوم طبعًا هجي أقعد مع الولاد شوية وهمشي. المكان هنا فيه كل حاجة، فيه خدم وحرس. مش هتحتاجي حاجة خالص. أنا هظبط أموري، وكل الإجراءات بخصوص الولاد، هطلع ليهم شهادات الميلاد، وهشوف ليهم مدرسة. ولما تستقروا هنا، وياخدوا على الوضع وياخدوا علينا، هطلع أقول للكل عليكم، وأننا اتعرفنا زمان وبعدين انفصلنا، وأنتي كنتي مسافرة، وبعدين رجعنا لبعض. واسم زهرة ده انسيه، أنا من يوم ورايح هناديكي يازوزو.
همست زهرة بسخرية: في حاجة تاني؟
رد أكنان بثبات: لا مفيش. أنا ماشي، واحتمال مجيش بكرة عشان مسافر.
ثم تركها واستدار مغادرًا، تاركًا إياها تواجه حياتها الجديدة.
***
شعرت صفية أنها السبب فيما يحدث لابنها، وأن السحر انقلب عليها. ذهبت إلى الشيخ فرحات لكي تفك السحر عن زوجته، لعل وعسى الله يغفر لها. لكن لم تجده، فقد سافر إحدى البلاد العربية. حاولت الاتصال ببيسان العديد من المرات لكي تأتي لرؤية زاهر، لكنها رفضت المجيء.
صفية بغضب والدموع تنهال على وجنتيها: أنتي السبب، أنتي اللي دلتيني على طريق الشيخ ده. أعمل إيه دلوقتي بعد ما سافر ومعرفش طريقه فين؟ أفك السحر عن مراته إزاي؟
سعدة بارتباك: معرفش. طب خليها تيجي هنا، ونخلي أي شيخ يرقها، ويفك السحر عنها.
صفية ببكاء: هي مش عايزة تيجي. ماهي بس لو جت، هجيب ليها شيخ من اللي بيفكوا السحر، يفك السحر اللي عملته ليها. كل ده على ابني. آآآه يا ابني، آآآه يا حتة من قلبي.
وقامت باللطم على صدرها: آآآه يا ابني، أنا السبب.
قالت سعدة بتوتر: هيقوم يا ستي ويخف.
نظرت لها صفية بغضب: مش عايزة أشوف وشك خالص قصادي. اطلعي براااا.
هرولت سعدة إلى الخارج بسرعة.
***
ذهب كريم لمقابلة بيسان عندما علم من أكنان ما حدث لزاهر، وتصميم بيسان على البقاء بعيدة عنه.
في داخل غرفتها.
كريم باستفسار: ممكن أعرف إيه اللي حصل معاكي يا بيسان؟ مش ده زاهر اللي كنتي هتموتي عليه عشان تتجوزيه؟ إزاي تسيبيه لوحده في المستشفى من غير ما تكوني معاه؟
بيسان بحدة: هو مال الكل عليا ليه؟ هااا؟ أنا مش عايزة أقعد هناك.
لمعت عينيها بالدموع وهي تتكلم: ليه الكل مأذيني؟ أنا بتخنق هناك، بحس إني بموت، ولسه بتخنق. أنا تعبت يا كريم، أنا حاسة إني بموت بالبطيء.
وأخذت تصيح بانفعال: تعبت! تعبت!
كريم بلهجة يشوبها القلق: طب أهدي يا بيسان.
بيسان بصياح والدموع تنهمر من عينيها: أنا تعبت، وامشي من هنا.
كريم انصدم من رؤيتها هكذا، ثم خرج مسرعًا من غرفته لكي يتصل بالطبيب. بمجرد خروجه رأى جيلان أمامه.
جيلان بقلق: هي طردتك أنت كمان؟
كريم بسؤال: هي بتعمل كده مع الكل؟
هزت جيلان رأسها في صمت: وحتى مع باباها طردته. من اليوم اللي جيت فيه وهي حبسة نفسها في أوضتها ومش بتخرج منها. لو حد دخل ليها تصرخ في وشه وتعيط. حاولت أنا وباباها نخرجها من أوضتها معرفناش.
الوضع ده ميتسكتش عليه.
أنا حاولنا معاها كتير اليومين اللي فاتوا وفشلنا.
أنا هتصل بالدكتور عزت يجي يكشف عليها.
اتصل ونعرف منه إيه اللي عندها.
بعد مرور بعض الوقت وهو يحاول إقناعها بضرورة الكشف.
بيسان بضيق: هتسكت وهتمشي لو وافقت أكشف.
كريم بابتسامة متوترة: أيوه، وهمشي علطول.
هزت رأسها بيأس: خلاص، خليه يدخل.
هتف كريم من مكانه: أدخل يا معتز.
قام معتز بالكشف عليها، وعندما انتهى قال بهمس لكريم: أنا كشفت عليها، معندهاش أي حاجة عضوية. مفيش أي حاجة. بس هي في منتهى العصبية والتوتر. محتاجة تخرج وتغير جو. ولو الوضع ده استمر كتير ومش اتحسنت، يبقى محتاجة تروحوا بيها عند دكتور أعصاب يديها حاجة مهدئة تريح لها أعصابها.
تمتم كريم: هنشوف بس هي توافق الأول. شكرًا يا معتز.
جيلان سألته كريم بمجرد خروجه من الغرفة: مالها يا كريم؟
معتز قال معندهاش أي حاجة عضوية، والموضوع في الأساس نفسي ومحتاجة تغير جو. حاولي تقنعيها على قد ما تقدري يا جوجو تخليها تخرج.
ححاول يا كريم.
***
مرت الأيام سريعًا. بالنسبة لضحى كانت مليئة بالمشاوير التي لا تنتهي. فكريم قام بشراء فيلا لهم، لكي يعيشون فيها خلال الفترة التي يتواجدون بها في مصر. وكانت الفيلا تقوم بتجهيزها على ذوقها. وزهرة تتصل بها يوميًا لمعرفة آخر تطورات الزفاف.
... زهرة كانت تتجاهل أكنان بمجرد وصوله إلى الفيلا، تختفي تمامًا من أمامه. هو لم يحاول إجبارها على أي شيء، يريد أن تتعود على وجوده أولاً، مع الوقت سيكون كواقع بالنسبة لها.
وكان دائم الانتقال بين الإسكندرية وأسوان للاطمئنان على زاهر الذي مازال في غيبوبته حتى الآن. حاول إقناع أخته كثيرًا لكي تسافر معاه، لكنها كانت تقابل سؤاله بالرفض التام.
وبيسان مازالت منطوية في غرفتها بالرغم من توسلات جيلان ووالدها لها، ونادرًا ما تخرج للجلوس في حديقة الفيلا.
***
يوم الزفاف.
طرقة على الباب أفزعتها من شرودها، فقالت بوهن: مين؟
أتاها من الخارج صوت كريم: أنا.
هتفت بيسان: ادخل يا كريم.
كريم بابتسامة: أنتي عارفة إن النهاردة فرحي وسمعت إشاعة إنك مش هتروحي.
بيسان بصوت حزين: أنا تعبانة بجد يا كريم. معلش مش عايزة تزعل مني عشان مش هروح. أنا لو روحت الفرح هكون كئيبة. وكمان بص لشكلّي، هروح إزاي بالمنظر ده؟
كريم بابتسامة هادئة: أنا عملت حساب كل حاجة، وجبت معايا فستان ليكي على ذوقي.
قابلت إلحاحه بالرفض التام، قالت بحزن لرفضها: معلش يا كريم، بلاش تضغط عليا. ومش عايزة تزعل مني.
قال بلهجة قلقة وهو يرى شحوب وجهها ونحول جسدها: عمري ما هازعل منك. بس اوعديني إنك تروحي تكشفي على نفسك وأنا مش هازعل.
قالت بابتسامة لا حياة فيها: حاضر يا كريم، هروح أكشف.
وعد.
وعد يا كريم.
ثم انصرف كريم مغادرًا، وقال لنجم وجيلان: مش عايزة تخرج، بس وافقت إنها تكشف.
نجم بقلق: من بكرة هاخدها المستشفى بنفسي.
***
أمينة بدعاء: كن يا الله مع بنتي، وافتح ليها أبواب الخير.
طرق باب غرفتها ودخل حسام: يلا هتأخرينا يا حاجة. بابا مستني تحت، وكمان العربية وصلت تحت هتوصلنا على القاعة.
ابتسمت وقالت: أنا جاهزة.
في قاعة الفرح، كان الجميع سعيد. كانت زهرة متواجدة بصفتها زوجة أكنان نجم. اندهش الجميع من وجود زوجة له وقد ظهرت من العدم في يوم وليلة. حاول كريم سؤاله عنها، لكنه حاوره في الكلام ولم يأخذ منه جملة مفيدة. نجم وجيلان انصدموا من وجود زوجة له، ومن حاول سؤاله عن أي شيء كان غامضًا في إجابته، فالوقت لم يحن حتى الآن للإعلان الرسمي. نيروز والدة كريم كانت حاضرة في أبهى زينتها، أما والده لم يحضر مدعيًا انشغاله.
الفرح كان جميلًا كالحلم الوردي. كريم اهتم بكل التفاصيل، كان عروسين في منتهى السعادة. بعدها بساعات انصرفا من القاعة، وفي داخل الفيلا، تنفست ضحى براحة وقالت له: الكعب العالي هيموتني.
نظر لها بابتسامة متلاعبة: أوعي تكوني عايزاني أشيلك زي الأفلام لحد أوضة النوم. ده أنتي بتحلمي لو فكرتي إني ممكن أعملها وأشيلك. أخاف على العمود الفقري في ليلة زي دي، تبقى نكسة لو جراله حاجة.
ضحكت بصوت مرتفع: كل ده عشان قولت رجلي وجعاني. أومال لو قولتلك شيلني، هتعمل إيه؟
شاركها الضحك ثم قال: أنتي بس قوليلي شيلني وأنا أمري لله هشيل. هو أنا أطول أشيل؟ بس مقولتليش، هو الوزن كام عشان أطمن على العمود الفقري يطلع سليم.
دفعته بكف يديها برفق في صدره وقالت معاتبة وهي تضحك: فين الجنتلة والتربية الأمريكاني؟ في حد يسأل بنت كيوت زيي وفي ليلة فرحها عن وزنها؟ سؤال الوزن هنا في رقاب بتطير.
وضع يده على رقبته مدعي الخوف: آآآه يا رقبتي. خلاص متزعليش وسؤال الوزن وساحبته. هااا، لسه عايزاني أشيلك زي الأفلام؟
هزت رأسها باستحياء وهمست بخجل: أيوه.
حملها على ذراعيه، ودخل بها إلى غرفة النوم. ابتسمت له فقد تحققت أمنية أن يحملها زوجها وحبيبها في ليلة عرسها. بمجرد فتحه باب الغرفة، شهقت في سعادة، فالغرفة مزينة كما كانت تحلم. الفراش عليه ورقات الورود الحمراء على هيئة قلب، وأرضية الغرفة أيضًا مغطاة بالورد والشمع المعطر يضيء الغرفة برومانسية حالمة.
سألها بترقب: عاجبتك زينة الأوضة؟
قبلته بخجل على خده وقالت له: طبعًا عاجبتني. كأنك قريت كل اللي نفسي فيه يوم فرحي.
وضحكت بخفة: معظم اللي كنت بحلم بيه اتحقق.
سأل بفضول: وباقي الأحلام؟
همست بضحك: هتعرفهم بعدين.
نزلني بقا.
أبتسم وقال لها: لسه.
أقترب من الفراش ثم أجلسها على مقدمته، وأرتكز على كلتا ركبتيه، وأخذ يتأمل ملامح وجهها بحب.
بصوت مبحوح من شدة خجلها: أنت هتعمل إيه؟
غمز لها والابتسامة تزين وجهه الوسيم: طبعًا هقلعك الجزمة اللي بتوجع رجلك، أومال كنتي فاكراني هعمل إيه. أاااه من بنات اليومين دول اللي دماغهم بتروح شمال.
دفعته في كتفه وهتفت بارتباك: كريم بطل.
قال بابتسامة: حاضر ياقلب كريم، ممكن خمس دقايق من وقتك الثمين عشان أقلعك الجزمة.
هربت ضحكة خافتة من بين شفتيها: خمس دقايق، ليه كل ده؟
غمز لها بمكر: بلاش السؤال ده، ثواني وهتعرفي ليه الخمس دقايق.
أحنى رأسه وفي ثواني نزع الحذاء، ثم رفع رأسه وقال بابتسامة: تمت المهمة بنجاح.
أبتسمت له بخجل: على فكرة أنت ضحكت عليا وقلعتني الجزمة بسرعة.
رفع إحدى حاجبيه وأبتسم له: دماغك بقت على فكرة شمال.
قالت بعتاب: هزعل. ولوحت بأبهامها تجاه وجهه: هزعل منك.
قضم أصبعها بخفة، وهمس بحب: وأنا مقدرش على زعلك.
همست ضحى بنعومة: وأنا كمان، هدخل الحمام هغير فيه الفستان.
روحي وأنا هستنى هنا.
دخلت إلى الحمام وأبدلت ملابسها وعندما خرجت وجدته جالس على الفراش. أشار لها بالاقتراب، جلست بالقرب منه في صمت. كانت في يديه فرشاة الشعر.
قالت بخجل: هتعمل إيه؟
رد بابتسامة عذبة: هسرحلك شعرك. وراح يتأملها بحب.
أحنت رأسها فلم تقدر على مواجهة نظراته، وهو يمشط شعرها أغدقها بكلمات الحب والغزل التي جعلت قلبها يدق بسعادة هائلة لم تشعر بها قبل الآن. أرتعش قلبها بخجل وهي تسمع كلماته. رفع يديها وقبل باطن كفها. رفع رأسها وأطال النظر داخل عينيها وهمس برقة: أنتي فيكي شيء مميز مخليني مشدود ليكي قوي، لدرجة أني مش قادر أقاومك أكتر من كده. أخذ ينظر لها كأنها أجمل شيء رأته عيناه، أجمل نساء الكون.
أحست ضحى بفرحة غامرة وهي تراه ينظر لها كأنها شيء ثمين بالنسبة له.
أحتضنه برقة، أرتعشت بين يديه، فسألها بقلق: مالك ياضحى، في حاجة تعباكي؟
ردت عليه بلهجة متوترة خجلة: لا مش تعبانة.
قال برقة: أنتي خفتي مني؟
أجابتها برفض: لا طبعًا، بس أي عروسة طبيعي بتبقى قلقانة في اليوم ده.
نظر طويلا داخل عينيها بحب: بس لو الاتنين بيحبوا بعض يبقا مفيش داعي للقلق، وأنا بعشقك.
أبتسمت له بخجل ثم همست: أنا أسعد إنسانة عشان أتجوزتك.
ضمها إليه بحب وطبع قبلة رقيقة على جبينها، وزاد من احتضانه لها.
أسدل الليل ستاره على العشاق، الا من ضوء القمر يزيد بهاء ليلتهم جمالا، حتى أصبحت زوجة الرجل الذي عشقته بكل جوارحها.
في الصباح استيقظ على رنين الهاتف المتواصل. نظر إلى رقم المتصل وعقد حاجبيه بعبوس. نظر له فوجدها لازالت نائمة، فنهض من فوق الفراش بخفة واتجه إلى الشرفة للتحدث لكي لا يقلقها في نومها.
استيقظت ضحى بمجرد تركه الفراش. أسندت رأسها على الوسادة ونظرت باتجاه الشرفة وهي تبتسم بسعادة. كريم كان في منتهى الرقة وتفهم خجلها وتعامل معها بلطف.
فاقت من شرودها مفزوعة على صوت صياحه: وده حصل إزاي؟
دخل إلى الشرفة مسرعًا، فسألته بقلق: في إيه؟
رواية زهرة لكن دميمة الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سلمى محمد
بمجرد أن ترك كريم الفراش، استيقظت ضحى. أسندت رأسها على الوسادة ونظرت باتجاه الشرفة وهي تبتسم بسعادة. كان كريم في منتهى الرقة ويتفهم خجلها وتعامل معها بلطف.
فاقت من شرودها مفزوعة على صوت صياحه: "وده حصل إزاي؟"
دخل إلى الشرفة مسرعًا، فسألته بقلق: "فيه إيه؟"
بدا على وجهه الهم والضيق. اتجه إلى الخزينة وأخرج ملابس له، ثم قال بشرود: "غصب عني مضطر أنزل وأسيبك."
قامت من الفراش واقتربت منه، وبصوت متوتر سألته: "ما تقول لي فيه إيه يا كريم؟"
قال بسرعة: "جيلان اتصلت بيا، قالت إنهم نقلو بيسان المستشفى."
ظلت صامتة للحظات، تدير كلماته داخل عقلها، ثم سألت بلهجة يشوبها القليل من الغيظ: "ومالك أول ما وصلك الخبر وأنت مش على بعضك؟"
التقط سمعه الغيرة في صوتها. رفع إحدى حاجبيه وقال متعجبًا: "إنتي بتغيري يا ضحى؟"
مطت شفتيها وقالت: "أغير من إيه؟ لأ طبعًا مش بغير."
ابتسم كريم لا إراديًا، ومال على شعرها يشم عبيرها المميز، مغمض العينين في انتشاء. خجلت مما فعل فأحنت رأسها للأسفل. جذبها بجواره ثم أجلسها على الأريكة، وجلس بجوارها. نظر لها بحب وقال بتفهم: "لكي حق تغيري لما جوزك حبيبك ينزل ويسيبك تاني يوم جواز عشان خاطر بنت عمه. حابب أعرفك عشان المستقبل ومنعًا للغيرة بعدين، إن بيسان تبقى أختي في الرضاعة وأفراد العيلة بس هما اللي يعرفوا كده."
مالت ضحى ناحية كريم وعانقته بخفة، وهمست بأسف: "زعلت مني؟"
ضحك بخفة: "تبقي عبيطة."
ابتسمت ضحى وهي تميل إليه. افتر ثغرها عن ابتسامة لا إرادية: "أيوه."
نهض من جانبها وقال: "معلش حبيبتي هسيبك."
"أجي معاك."
"لأ خليكي أنتِ هنا وأنا هبقى أتصل بيكي."
"هتوحشني."
"وأنتي كمان هتوحشيني." ثم خرج مسرعًا من الغرفة.
نظرت ضحى بشرود إلى الباب الذي خرج منه. اتكأت بكلتا مرفقيها على ركبتيها، وأخذت نفسًا عميقًا. رن هاتفها وكان المتصل أمها.
سألت الأم ابنتها لكي تطمئن عليها: "الأخبار إيه؟"
ضحى بابتسامة خجولة: "مبسوطة أوي."
"ربنا يسعدك يابنتي ويفتح لكِ أبواب الخير."
***
أخذت تركض بأقصى ما عندها، هاربة من شيء مجهول يجري خلفها، خائفة من الالتفات خلفها لرؤية ماهيته. سمعت كلمات تقرأ اخترقت عقلها الغائب عن الوعي. حاولت فتح عينيها، لكنها كانت تشعر بالألم في رأسها وطنين بأذنيها شديد، وألم لا يحتمل في معدتها. فتحت بيسان عينيها ببطء لتجد الرؤية ضبابية أمامها. أغمضت عينيها مجددًا وحاولت فتحها مرة أخرى.
انتبه الجميع إلى حركتها، فهي ظلت غائبة عن الوعي لأكثر من ساعة بعد خروجها من غرفة العمليات.
انتبه الجميع إلى حركتها، وضعت جيلان المصحف التي كانت تقرأ منه بسرعة على الطاولة. اقترب منها أكنان وكريم ونجم.
سألت بصوت متألم: "أنا فين وحصلي إيه؟"
جيلان بنظرات قلقة: "أغمي عليكي."
حاولت النهوض، لكن ألمًا شديدًا تمكن منها جعلها تهتف بوجع: "آآآه... أنا حصلي إيه؟ حد فيكم يرد عليا."
ردت عليها جيلان بحزن: "كنتي حامل والبيبي نزل."
رمقت الجميع بنظرات ملتاعة هائمة في صمت مؤلم، لا تدري مابها أتبكي أم تفرح. عقلها أصبح مشوشًا، أصبحت لا تعرف نفسها وكأنها داخلة على هذا الجسد.
جيلان برقة: "متزعليش يابيسان بكرا ربنا هيعوضك خير."
أكنان بلهجة حزينة: "بكرة تقومي وتكوني أحسن من الأول."
حاول الكل مواساتها، بقول كلمات مشجعة لها.
صوتها ترقق، وتحول إلى لهجة ضعيفة تدمي القلب: "أنا كويسة." صوتها تلاشى. شعرت بالدوار. "بابا."
هتف نجم بهلع: "بيساااان."
تصلبت جيلان في وقفتها وهي ترى بيسان تغمض عينيها. أما كريم وأكنان خرجا من غرفتها مسرعين لمناداة الطبيب.
في الداخل، عندما انتهى الطبيب من الكشف عليها، قال الطبيب بهدوء: "هي محتاجة راحة دلوقتي." ثم أشار للممرضة الموجودة بجواره، فقامت بتغيير المحلول المغذي الفارغ بآخر جديد ووضعت فيه مهدئًا. عندما انتهت، قال الطبيب موجها كلامه للجميع: "ياريت الكل يخرج دلوقتي."
خرج الكل على مضض، إلا من جيلان التي ظلت جالسة على الكرسي المجاور لفراشها.
في الخارج.
قال كريم بصوت كئيب: "إيه اللي حصل وخلاها توصل للمرحلة دي؟"
نجم بحزن: "معرفش يا كريم، من يوم ما جيت من أسوان وهي حالتها مش طبيعية. وما فيش حد فينا حاول يجبرها على أي حاجة ولا حد فينا ألح في سؤاله ليه سابت زاهر وهو في وضعه ده."
نظر لهم أكنان، ثم ضاقت عينيه بتفكير للحظات، وقال: "أكيد فيه حاجة حصلت وخلاها توصل للحالة دي. حادثة زاهر وانطواء بيسان وعزلتها. أكيد فيه سر."
سأل كريم بملامح مفكرة: "إزاي الواحد مفكرش في الكلام ده، وإن ممكن تكون فيه حاجة؟ بس إيه اللي ممكن يحصل يخلي بيسان تتغير كده؟"
هز رأسه بحيرة: "معرفش. بس الوضع ده ميتسكتش عليه أكتر من كده."
نجم وكريم في وقت واحد: "وناوى تعمل إيه؟"
ضيق عينيه أكثر ثم قال: "أنا هسافر أسوان، أحاول أعرف الحقيقة منهم هناك، وأشوف كان فيه مشاكل بين بيسان وزاهر هي اللي خلت الوضع بينهم بالسوء ده."
***
رأت سيارته تتوقف أمام الفيلا، لكنها كانت تشعر بالغضب. فالنهار شارف على الانتهاء والشفق بدأ يقترب، ولم يكلمها سوى مرتين فقط لا غير طوال الساعات الماضية، وكان كلامه قاصرًا على جملتين: "خلي بالك من نفسك."
رآها تقف في الشرفة معطية له ظهرها، استشعر غضبها من طريقة وقفتها وعدم التفاتها له.
كريم بلهجة رقيقة: "وحشتيني الكام ساعة اللي فاتوا، وكنت ديمًا على بالي. بس أعمل إيه؟ الوضع كان في المستشفى صعب والواحد كان على أعصابه. أول ما وصلت لقيتها في أوضة العمليات وأجهضت البيبي."
شهقت ضحى بفزع: "هي كانت حامل وسقطت؟"
هز رأسه بأسى: "أيوه. مكنش حد فينا يعرف. جسمها مستحملش الحمل. من وقت ما انفصلت عن جوزها وهي بقت زاهدة في الدنيا وعلطول حبسة نفسها."
تبخر غيظها واختلج قلبها لكلامه: "وهي عاملة إيه؟"
"الحمد لله أحسن."
أدارها إليه لتواجهه. حاول التخفيف من جو الكآبة فقال ممازحًا: "شكلك كان حلو وأنتي واقفة بتنفخي ومستنية تشوفي وشي عشان تطلعي نار في وشي."
لم تبتسم على مداعبته وقالت: "هزار تقيل على فكرة. أنا كنت مضايقة عشان اتأخرت عليا ومهنش عليك تريحني بجملة مفيدة. وكنت خايفة وقلقانة عليك أوي."
"الواحد اتلاهى في اللي حصل. متزعليش مني."
أدارت له ظهرها فأمسكها بسرعة وقال: "شكلك زعلانة."
تذكرت هلعها وخوفها، فقالت بحدة: "كنت وخلاص مبقتش زعلانة."
شعر بالندم، فهو أخطأ لأنه لم يطمئنها على الوضع في المستشفى.
ربت على وجهها برقة وقال بحب: "أعمل إيه عشان أصالحك ومتفضليش زعلانة؟"
"متعملش حاجة."
"لأ لازم أصالحك."
ابتسمت بخبث: "مصمم تصالحني."
كريم بابتسامة عاشقة: "أكيد مصمم."
ضحى بهدوء: "يبقى تسيبني. عايز تصالحني يبقى تسيبني لوحدي."
صاح بها تلقائيًا: "لأ طبعًا. ده أنا صدقت أجي هنا وأشوف وشك اللي بينسيني الهم والزعل. تيجي تقولي أسيبك لوحدي. اطلبي أي حاجة غير أسيبك."
أخفت ابتسامتها وهي تقول: "سيبني وشوف وراك إيه؟"
ثم أدبرت عنه. شعرت به يرفعها ويحملها بين ذراعيه، ثم ألقاها فوق الفراش.
جلست بحدة على الفراش وقالت له: "أنا مش عايزة أنام."
ابتسم بهدوء: "بس أنا عايز أنام." وقام بتغيير ملابسه.
خفق قلبها وابتسمت دون أن يراها. غضبها ليس له وجود، ولكنها أرادت إيصال له أنها شعرت بالخوف والقلق وهو بعيد عنها.
عندما بدل ملابسه، رقد على الفراش ثم ضمها إلى صدره، وراح يمسح على شعرها بحنان ونظر لها بحب: "آسف على القلق والخوف اللي سببته ليكي."
أمسكت يديه وقبلته وقالت برقة: "أنا كنت خايفة وأنت بعيد عني. لكن أول ما شفتك الخوف راح."
"مش زعلانة مني؟"
"أنا مقدرش أزعل منك. أنت حبيبي وجوزي."
***
صاحت صفية بعصبية: "أنتي مطرودة ومشفتش وشك هنا تاني."
سعدة بتوسل: "أبوس إيدك يا ستي. والله أنا كنت عايزة أساعدك. لما شوفتك زعلانة من جواز سي زاهر."
ارتسم على وجهها ندم هائل وهي تقول: "مش هقول غير روحي منك لله وياريتني ما سمعت كلامك ومشيت وراكي. أهو ابني راقد في المستشفى في غيبوبة وكله من ورا سمعاني كلامك. روحي للشيخ فرحات هيعملك عمل يريح قلبك ويبعد مراته عنه. ابني اللي اتأذى من الحكاية دي." ثم هتفت بلوعة محترقة: "آآآه يابني، أنا السبب."
بلهجة مترجية: "بلاش تطرديني يا ستي."
صفية بلهجة مليئة بالألم: "الكلام اللي قولت عليه يتنفذ، وما أشوفش وشك في البيت هنا تاني. اطلعي براااااا."
انحنت سعدة رأسها لتقبل كف صفية، لكنها نهرتها بعنف وصاحت في وجهها: "براااا."
كان ناصر في الخارج. سمع كل كلامهم. لم يستوعب للحظات ما سمع. ازدرد ريقه بصعوبة. تملكه غضب عارم. دخل إلى الغرفة مسرعًا. نظرت له صفية وسعدة برعب.
صفية بلهجة مفزوعة مرتبكة: أنت كنت في المستشفى... أيه اللي جابك دلوقتي؟
نظر لها بوجه محمر من الغضب ثم هتف بانفعال: جيت عشان أعرف حقيقتك ياصفية... طب سعدة جاهلة... أنتي أيه مبررك؟ سحر بتلجأ للسحر ياصفية... ليه متعرفيش أن السحر حرام وأنه من السبع موبقات؟
ضرب كف على كف بقوة: لا حول ولا قوة إلا بالله... سحر سحر ياصفية... لجئتي للسحر عشان تفرقي بين ابنك ومراته؟ أهو ابنك هيضيع بسبب أفعالك... وبتسألي جيت بدري ليه؟ عشان أقولك أخر المصايب... بيسان كانت حامل وسقطت.
أنسالت الدموع على وجنتيها في صمت وهي تسمع كلامه: الحفيد اللي كنتي بتتمنيه مات بسببك قبل مايشوف النور.
لمعت عيناه بالدموع ثم قال بألم: الحفيد اللي كنت بتمناه أنا كمان مات... ويا عالم ابني هيفوق من غيبوبته ولا إيه؟
انتفضت في مكانها قائلة ببكاء: متقولش عليه كده... هيقوم وهيخف.
صاح بألم: مش باين هيقوم فيها... لمي هدومك ياصفية وروحي على بيت أهلك.
صفيه بدموع متوسلة: خليني هنا ياناصر.
صاح في وجهها: أمشي ياصفية... بدل ماأرمي عليكي اليمين دلوقتي... روحي عند أهلك وهيبقا ليا معاهم قعدة بعدين.
قالت بتوسل: ميبقاش زاهر وأنت كمان.
- أنتي السبب. ثم هتف بألم: أنتي السبب... أمشي ياصفية.
ونظر إلى سعدة بغضب مميت: وأنتي مشوفش وشك هنا ولا بالقرب من أي مكان أكون موجود فيه.
***
حاولت زهرة نسيان آلامها. الأيام التالية على تواجدها في هذا المكان مع أطفالها كانت كفيلة بتخفيف ألمها ومعاناتها. من أجل راحتهم وسعادتهم بالتأكيد ستنسى مع الأيام جراحها. من أجلهم، من أجل سعادتهم وراحتهم هم... أهم لديها من سعادتها هي.
كانت زهرة تقوم بتقليب التربة والحفر. من أجل زراعة عدد من النباتات. وهي تحفر ألقت نظرة عليهم بحب وحنان وهما يساعدنها بالحفر. وصغار مايش يقومون باللهو بجوارهم. شعرت في هذه اللحظة أنها تملك الكون وهي ترى تورد ملامح وجههم بالمرح والسرور. ابتسمت لرؤية ابتسامتهم.
تألق وجه أياد وقال بحماس: خلاص خلصت. ونفض يديه بمرح.
قال وليد بابتسامة: وأنا كمان خلصت.
ردت زهرة بابتسامة: وأنا كمان.
وليد وأياد بمرح طفولي في وقت واحد: هنعمل إيه تاني؟
بلهجة سعيدة قالت: هنسقي الزرع بالمية وكل يوم هنسقيه ميه... عشان الزرع يكبر ويطلع ورد... وكل واحد ليه زرعة واحدة دي هتبقا بتاعته هو اللي هيهتم بيها.
وأشار كل واحد فيهم إلى البنات الذي سيقوم براعايتها والاهتمام بها.
وبعد الانتهاء من سقي النباتات. قالت زهرة بابتسامة هادئة: يلا ندخل عشان تستحمو... زمانكم تعبتوا من كتر اللعب.
وليد وأياد برفض في وقت واحد: بس إحنا مش تعبنا لسه.
- بس أنا تعبت وعايزة أرتاح.
- خلاص إحنا هندخل بس بشرط. وغمز إلى شقيقه أياد.
رأت غمزة العين فابتسمت قائلة: اتفقتوا على إيه من ورايا.
وليد بخجل: شوفتك بترقصي.
قاطع أياد كلامه: هو قال رقصك أحلى وأنا بقوله رقص سنوايت أحلى.
وليد بابتسامة خجولة: بترقصي أحلى منها... ممكن توريه؟
قرصت أذن وليد بخفة وقالت بضحك: عيب تبص على حد.
همس بخفوت: مانا خبطت وإنتي مش حسيتي.
همست هي الأخرى: لو كان كده أنت مش غلطان... أنا لما برقص بنسى الدنيا واللي فيها... بطلع كل خنقتي وضيقي.
وليد بلهجة طفولية: خليه يشوف أن رقصك أحلى.
هزت رأسها بصمت ثم قالت بمرح: رقصي أحلى بكتير من رقص سنووايت.
بقدمين حافيتين لمست الأرض بخفة. رقصت وبعد لحظات اندمجت بروحها وكامل حواسها.
عند ذلك الوقت توقفت سيارته أمام بوابة الفيلا. لفت انتباهه صوتهم المرح. تصلب في مكانه عندما رآها من على بعد. اقترب منها كالمغيب حتى أصبح على عدة خطوات منها. كانت حركاتها الراقصة رائعة. خفيفة. مبدعة. مثيرة. كان الفرح يشع من عينيها. كانت تدور بسرعة هائلة فتحولت إلى فراشة مرحة مثيرة. شخصيتها نابضة بالحب. انتفض في مكانه فلأول مرة يرى السعادة في عينيها.
لم تنتبه لوجوده، فكانت في عالمها الخاص.
شعر بقلبه يصحو من سباته، ينتفض بعنف.
رآها زنبقة تتمايل بقدها، ترقص حافية القدمين.
كالمنوم مغناطيسياً، وبدون إرادة منه خطى باتجاهها، يريد الارتواء من رحيقها.
تملكها إحساس غير مريح، شيء أخبرها بوجود عيون أخرى تتلصص، نظرات غير مرغوبة.
توقفت عن الرقص، تسمرت مكانها عندما رأته أمامها مباشرة.
شاهدها بأكثر من شكل، والآن هي ريشة تلهو بها الأمواج الهادرة.
حاول الوصول إليها، لكن الأمواج الغاضبة المنبعثة من داخل عينيها منعته.
قالت بانفعال: "إيه اللي جابك دلوقتي؟"
رد عليها بهدوء ظاهري لا يعكس ما بداخله من أشواق متقدة: "كنت جاي أشوف الولاد قبل ما أسافر."
وليد بفضول: "هتركب طيارة؟"
"أيوه، هركب طيارة."
"طيارة بتطير في الهوا؟"
"أيوه يا وليد، طيارة حقيقية."
وليد مكرراً كلامه: "حقيقية حقيقية."
ابتسم أكنان بهدوء: "أيوه يا وليد."
وليد وأياد في وقت واحد: "خدنا معاك، نفسنا نركب طيارة."
رد عليهم بلهجة ثابتة: "المرة الجاية."
وليد برجاء: "خليها المرة دي."
رد عليهم بلهجة حازمة: "قلت المرة الجاية يبقى المرة الجاية."
ثم احتضنهم وقال برقة: "هتوحشوني أوي."
الصغيران في نفس واحد: "وأنت كمان."
نظرت زهرة إلى أطفالها وقالت بابتسامة: "يلا عشان نستحمى ونغير هدومنا اللي اتوسخت."
ثم انحنت وحملت صغار ماشا.
تحركت وتحرك كلا الصغيرين معها.
نادى أكنان قائلاً: "خلي بالك من نفسك ومن الولاد."
أدارت له ظهرها ولم تكلف نفسها عناء الرد عليه.
ارتسمت على وجهها ملامح عابسة ثم زمت شفتيها بضيق، داعية أن تتحمل رؤيتها دون أن ينقبض قلبها.
اختفت ابتسامته الهادئة وهي تمشي مبتعدة عنه.
انهار تماسكه، محدثاً نفسه بحزن: "إلى متى؟ إلى متى سأتحمل؟"
***
تعلق بصر ناصر على حجرة الأشعة، منتظراً خروج الطبيب بالأشعة الجديدة.
انفتح الباب وخرج الطبيب.
لم ينتظر قدوم الطبيب إليه، فتحرك مسرعاً باتجاهه.
هتف ناصر بانفعال: "طمني يادكتور."
قال الطبيب بلهجة مطمئنة: "خير إن شاء الله."
سأل ناصر بإصرار: "أنت بتقول خير، هيفوق إمتى؟ قول لي هو هيفوق إمتى."
قال الطبيب بهدوء: "الأمل كبير إن شاء الله."
ناصر بلهجة مترجية: "طمني يادكتور، ما دام الأمل كبير ليه هو لحد النهاردة في الغيبوبة؟ هو في حاجة وأنت مخبيها عني؟"
هز الطبيب رأسه نافياً: "مفيش حاجة، والأشعة اللي في إيدي بتقول إنه بيتحسن والورم حجمه قل عن الأول. الموضوع محتاج وقت واصبر لحد ما يفوق."
ناصر بلهجة منفعلة: "هيفوق إمتى؟ أعرف ابني هيفوق إمتى؟"
حاول الطبيب تهدئة من روعه فقال: "ابنك مش أول حالة تقابلنا، في أكتر من حالة كانت نفس نظام ابنك، ومع العلاج فاقت من غيبوبتها."
كرر ناصر سؤاله: "إمتى هيفوق؟"
رد الطبيب: "معرفش إمتى."
صمت للحظات ثم قال: "خلاص، اعمله العملية."
الطبيب بلهجة عملية: "العملية خطر عليه. إحنا منتظرين نشوف هيفوق ولا لأ من غيبوبته، والعملية هتكون آخر حل قصادنا لو استمر في غيبوبته كتير. أنت قصادك حلين، يا الصبر يا المخاطرة، والكلمة الأخيرة راجعة ليك."
تقلصت ملامح وجهه بالألم ثم قال: "أنا قصاد حلين أصعب من بعض."
قال الطبيب بهدوء: "هقول كلامي تاني، خلي العملية آخر حاجة. وهقولك حاجة كمان، الكلام اللي هقوله ليك، الدراسات اللي فيه مش مؤكدة."
سأل ناصر بحيرة: "كلام إيه؟"
"العامل النفسي ممكن يكون ليه دور إنه يفوق من غيبوبته بجانب العلاج. اقعد معاه، كلمه في أي حاجة. الأشخاص المقربين ليه يقعدوا ويتكلموا معاه. الشخص اللي في غيبوبة بالرغم إنه مش بيحس ولا بيشعر بأي مؤثر خارجي، بس في بعض الحالات ممكن الأشخاص دول الكلام ده يوصل لعقلهم، ويكون سبب في شفائهم. حاول تتواصل معاه، اتكلم، ممكن يفوق. ودي نصيحة مني ليك."
ثم تركه الطبيب مغادراً.
دخل ناصر إلى غرفة ابنه وأخذ ينظر له بحزن.
فقد بهتت ملامح وجهه وهزل جسده.
ارتسم على وجهه حزن هائل، فهو يرى ابنه يفقده أمام عينيه.
لمعت الدموع بداخلهم وهو يتذكر ما حدث في منزله.
جذب الكرسي واقترب به من الفراش، وربت برفق على كف ابنه، قائلاً بحزن: "فوق يا قلب أبوك، فوق ومتسبنيش لوحدي. لو سبتني والله ما أقدر أعيش يوم من غيرك. فوق عشان خاطر مراتك وحبيبتك اللي بتعشقها. هي كمان محتاجة وجودك معاها. مراتك كانت حامل وسقطت. إن شاء الله لما تفوق وهي تخف من اللي فيه، ربنا هيرزقكم بأطفال كتير. مش عارف هقدر أسيبك وأروح لها إزاي، بس لازم أروح لها عشان أقف معاها وأفك السحر اللي معمول لها، عشان ترجع لك بيسان بتاعت زمان، بيسان اللي بتحبك."
تسمر أكنان في مكانه عندما سمع ما قاله ناصر.
التفت خلفه عندما أصوات تقترب منه.
أكنان بصدمة: "الكلام اللي سمعته ده حقيقي؟ طب إزاي والكلام ده بجد وحقيقي؟ وبيسان اللي فيها بسبب سحر معمول لها؟"
هز رأسه رافضاً ما سمع: "مستحيل."
تطلع إليه ناصر بنظرة متألمة: "تعالى نتكلم برا أحسن."
في خارج الغرفة.
احتدم فيه أكنان قائلاً: "سحر؟ هو الكلام ده بجد؟"
تردد قليلاً ثم أجابه: "أيوه، للأسف. اللي مرت بيه بيسان ملهوش إجابة غير كده. بيسان اتغيرت تماماً، وبعد ما كانت بتحبه، بقت تكره تشوف وشه وتسمع صوته. سابته لوحده مريض وهو في أشد احتياج ليها. فضلت أسأل نفسي السؤال ده كتير: ليه نظرات الخوف والكراهية اللي كانت بتبص له؟ ليه؟ كتير اتكررت في دماغي، لحد ما عرفت السبب النهاردة، بسبب السحر اللي اتعمل لها."
أصابه الذهول من كلامه.
صمت للحظات مفكراً، فهو سأل نفسه نفس السؤال عن سبب تحول بيسان.
فكر في كثير من الإجابات، ولكن لم يخطر على باله هذا أبداً.
أيعقل أن يكون هذا السبب في تغير ومرض أخته؟
صرخ فيه قائلاً: "مين اللي عمل فيها كده؟"
غمغم بألم: "دلوقتي متفرقش مين اللي عمل فيها كده، المهم إنها تخف، ده الأهم بالنسبة لينا."
رفض أكنان قائلاً بإصرار: "قولي مين اللي عمل فيها كده."
عرف ناصر جيداً أنه لن يترك سؤاله دون إجابة.
تنهد بحزن: "أمه وسعادة الشغالة عندنا هما اللي عملوا لها سحر عشان يفرقوا بينها وبين جوزها."
انتفض أكنان من هول ما سمع، صرخ في وجهه مستنكراً: "أمه؟ ليه؟ ليه؟"
لمعت عينيه بالدموع وهمس بصوت مسموع: "غيرة. الغيرة عمت قلبها، وخلتها تمشي في طريق الكفر."
ضرب أكنان كفيه ببعض، هتف بغضب: "يااه، تدمر حياة اثنين عشان الغيرة."
وأشار بيديه بتهديد: "أنا مش هسكت على اللي حصل، وحق أختي وهخده منكم كلكم. أختي كانت أمانة عندكم، وأنتم معرفتوش تحافظوا على الأمانة."
تطلع إليه ناصر بنظرة حزينة: "حقك تعمل اللي أنت عايزه. بس خلينا دلوقتي في بيسان. أنا هسافر معاك، أشوف لها شيخ معروف في فك الأسحار."
نظر إليه بغضب: "مش عايزك تيجي معايا. كفاية اللي حصل بسببكم. أنا هتصرف وهشوف لها أحسن واحد."
ثم تركه بخطى غاضبة.
***
بينما يتحدث في الهاتف، جلست بجواره تتأمله.
أنهى كريم الاتصال، ولكنها كانت شاردة وهي تتأمله.
قال لها بابتسامة: "الجميلة سرحانة في إيه؟"
نظرت له بحب: "سرحانة فيك، مش مصدقة السعادة اللي أنا فيها."
ربت على كتفها وقال بلهجة مداعبة: "طبعاً لازم تسرحي فيه، هو أنا في زيي؟"
ضحكت بخفة على كلامه: "هعمل لك أي حاجة يا ضحى عشان أخليكي سعيدة ديما."
قبلته برقة على خده: "بحبك."
همس بابتسامة: "مش أكتر مني."
حضنها برقة.
الرقة تحولت بينهم إلى عاطفة مشتعلة، جرفتهم إلى عالم مميز خاص بهم.
رن هاتفه، فتمتم بعبوس: "هو التليفون ده مش هيبطل رن."
بمجرد فتح الهاتف، سمع صوت أكنان المنفعل.
كريم بلهجة قلقة: "إيه يا أكنان؟"
بدأ أكنان في سرد ما حدث.
كريم بعدم تصديق: "معقولة؟"
أكنان بلهجة غاضبة: "وأنا كمان مش مصدق اللي حصل. ملقتش غيرك أكلمه. أول ما أنزل من الطيارة، هشوف شيخ معروف في المواضيع دي، وهطلع بيه على المستشفى على طول."
ثم أغلق الهاتف.
هتف كريم لكي لا يغلق المكالمة.
ارتسم الذهول على وجهه.
سألته ضحى في لهفة: "مالك يا كريم؟"
برقت عيناه وقال: "كلام أكنان مش قادر أصدقه."
أستحثته قائلة: "كلام إيه؟"
"إن السبب مرض بيسان وكرهها لزاهر إن حماتها عملت لها سحر عشان تفرقهم. بيسان كانت بتحب زاهر أوي ومرة واحدة اتغيرت."
"أنت قولت إنها بتحبه."
"دي كانت بتعشقه، وكله على يدي. دي عملت كل حاجة عشان يعترف لها بحبه. وفي أقل من أسبوعين جواز، الحب ده اتحول لكره ملوش مبرر، وسابته وهو في غيبوبة."
تطلعت إليه للحظات ثم قالت: "بتحصل يا كريم، والموضوع ده انتشر أوي الفترة دي. في ناس بتلجأ للدجالين عشان مصالحهم. في شيخ بابا يعرفه، قول لي موافق آخد نمرته منه يروح يشوفها."
هز رأسه مفكراً: "مش عارف، لحد دلوقتي مش قادر أقتنع بالكلام اللي بيقوله."
قالت ضحى بهدوء: "جرب، مش هتخسر حاجة. الشيخ علاجه كله بالقرآن، يعني مفيش ضرر. الشيخ ده كويس أوي ومعروف إنه شاطر في الرقية الشرعية وبيعرف يفك السحر. على فكرة السحر موجود، بس إحنا اللي عاملين نفسنا مش شايفين ومش عايزين نقتنع بوجوده. والسحرة السحرة اللي بجد دول مش كتير، بس وجودهم واقع وبيمارسوا السحر."
قال كريم: "هاتي من والدك عنوانه بسرعة، وأنا هتصل بأكنان وأقوله إني هجيب واحد معايا يشوفها."
أنصرف كريم منطلقاً إلى العنوان الذي أخذه من ضحى.
***
في غرفتها وبجوار فراشها.
أخذ يتلو الشيخ آيات من سورة مريم ثم سورة الرحمن.
أخذ جسدها ينتفض بعنف وهي نائمة، تحت نظرات الجميع.
لا يستطيعون تصديق أعينهم.
استمر الشيخ في تلاوته وجسدها لا يتوقف عن الارتعاش.
همس كريم بصدمة: "لآخر لحظة مكنتش مصدق."
هزت جيلان رأسها مرعوبة.
فعندما قال أكنان لها سبب مرض بيسان، قالت عليه مجنون.
عندما انتهى الشيخ، قال بهدوء للجميع: "هي معمول لها أكتر من عمل، ومن ضمنهم عمل شربته أو أكلته. أنا دلوقتي رقيتها وحصنتها. ولما تخف وتخرج من المستشفى، محتاجة جلسة كمان عشان العمل اللي شربته. دلوقتي مينفعش لما تخف."
وقام الشيخ بإعطائهم عدة تعليمات ثم انصرف مغادراً.
وبعد أن اطمأنوا عليها، تركوها نائمة في سبات عميق، فهي لم تكن واعية لما يحدث لها.
في غيبوبته، وجد نفسه في مكان غريب.
سأل نفسه...
أين أنا؟ صمت مطبق يحيط به، فراغ تام، إلا من نور خافت آخر الممر. وجد نفسه مدفوعًا بالتحرك تجاه هذا الضوء. سمع صوتها مناديًا: "زااااااهر". هرول مسرعًا تجاه الصوت. وفجأة اختفى الصوت ووجد نفسه موجودًا في لا مكان.
في غرفتها، انتفضت جيلان في مقعدها عندما سمعت صوت بيسان مناديًا باسمه: "زااااااهر". اقتربت منها مسرعة فوجدتها مازالت نائمة.
قادته قدماه إلى الفيلا. وجد نفسه متوقفًا بالسيارة أمام الفيلا. دلف إلى الداخل. استغرب من رؤية الباب مفتوحًا على مصراعيه. انقبض قلبه وإحساسه بوجود شيء غير مريح في الأجواء. سمع تمتمات خافتة صادرة من المطبخ. اتسعت عيناه بذهول وهو يرى الخادمة مقيدة ومكممة الفاه. نزع الكمامة بسرعة وبمجرد نزعها هتفت صارخة بأعلى صوتها.
رواية زهرة لكن دميمة الفصل الثلاثون 30 - بقلم سلمى محمد
قادته قدماه إلى الفيلا... وجد نفسه متوقفًا بالسيارة أمام البوابة... دلف إلى الداخل... استغرب من رؤية الباب مفتوحًا على مصراعيه... انقبض قلبه... وإحساسه بوجود شيء غير مريح في الأجواء... سمع تمتمات خافتة صادرة من المطبخ... اتسعت عيناه بذهول... وهو يرى الخادمة... مقيدة ومكممة الفم... نزع الكمامة بسرعة وبمجرد نزعها هتفت صارخة بأعلى صوتها: المدام والولاد اتخطفوا.
ارتسم الذعر على وجه أكنان... ثم أمسك يد الخادمة... وقال بانفعال: مين؟
هزت الخادمة رأسها في صمت... تمتمت بفزع: معرفش.
خرج أكنان من الغرفة كالمجنون... وحدث نفسه كيف حدث هذا... خرج إلى الحديقة... وجد كلاب الحراسة ملقاة على الأرض... اتجه مسرعًا إلى غرفة الحرس... رأى الحارسين مقيدين ومكممين هما أيضًا... نزع الكمامة والقيد عن أحد الحراس.
نفخ أكنان في وجهه بقوة وسأله بصياح: إزاي ده يحصل وأنتم موجودين؟
حليم بلع ريقه بصعوبة وقال بخوف: اتأخدنا على خوانة.
مسح أكنان وجهه بعنف: احكيلي اللي حصل.
بدأ حليم في الارتجاف: كنا قاعدين عادي... فجأة سمعنا أصوات برا.... خرجت من الأوضة... شوفت الكلبين مرميين على الأرض ولسه هتحرك لقيت اللي بيضربني على راسي من ورا.... ملحقتش أشوف مين اللي عمل كده... ولما فقت لقيت نفسي أنا ورامي متكتفين.
وبدون مقدمات رفع كف يده وأنزله بقوة على وجهه وقال بصوت هادر: أغبية وجودكم زي قلته... معرفتوش تقوموا بشغلكم.
أنف حليم نزف من شدة الضربة وبلهجة مرتجفة: أنا بقالي سنين شغال عندك ولا مرة غلطت.
رفع أكنان كف يده وضربه أقوى من الأول على خده: غبي... غلطة غلطت عمرك... اللي اتخطفوا مراتي وولادي... أنا حطيت ثقتي فيك وأنت مكنتش قد الثقة... هتف في وجهه بغضب: تستاهل اللي هعمله فيك لو أي حد فيهم اتخدش بس.... قام بإخراج هاتفه وأتصل ببعض رجاله.... وفي أقل من نصف ساعة كانت الغرفة مكتظة بالحراس.
أشار أكنان بيده لرجالي الحراسة... فأسراعا بإمساك حليم ورامي الذي مازال مكممًا ومقيدًا.
بدأ حليم في الانتفاض في وقفته والدم غطى أنفه وفمه... حاول تقبيل يده وقال بتوسل: سامحني يا أكنان بيه.
الخوف كاد يقتله فهو يعرف مدى قسوته وشراسته مع أعدائه.
قال أكنان بقسوة: حطوهم في أي مكان تبعي... جذبا الحراس حليم ورامي خارج الغرفة... صاح حليم طالبًا العفو والمغفرة: اديني فرصة وأنا هصلح غلطتي.
أومأ له أكنان ظهرًا وقال لأحد الرجال: عايز تسجيلات الكاميرات دلوقتي.
بعد تفريغ الكاميرات... لم يستدل على شيء... فالخاطفين كانوا ملثمين... ضرب بعنف على الحائط... محدثًا نفسه: مين اللي ممكن يعمل كده... ثم صاح في الرجل الواقف أمامه... اتصرف... اتصرفوا كلكم.
فتحت زهرة عينيها ببطء... وبسرعة جلست في مكانها مفزوعة.... وجدت نفسها وحيدة في غرفة مغلقة... تذكرت ما حدث... نظرت حولها فلم تجد أطفالها... وبسرعة جرت نحو الباب وأخذت تخبط عليه وتصيح بكل ما أوتيت من قوة: فين ولادي... أنا عايزة ولادي... أخذت تصيح وتدفع الباب لفترة غير معلومة من الوقت... حتى تعبت وجلست على الأرض تبكي بشدة... تأملت المكان حولها بعيون باكية... وتتفحص عينيها كل ما تقع عليه للبحث عن مخرج من هذه الغرفة... اقتربت من النافذة... وجدت أكثر من كلب للحراسة... ورجل جالس بجواره سيدة كلاهما معطيين ظهرهم لها فلم ترى ملامحهم ولكن سمعت أصواتهم الضاحكة... هتفت صارخة: فين ولادي... هاتولي ولادي... لم تكف عن النداء والصراخ.
أشار شهاب إلى أحد الحراس قائلاً بحدة: غطي الشباك ده بأي زفت... ودخلوا العفاريت ولادها عندها... صوتهم وصراخهم جابلي صداع.
دينا بنبرة أنثوية مثيرة: ناوي تتصل بيه امتى؟
رد عليها بابتسامة ماكرة: حالا هبعتله فيديو ليهم.... وهطلب منه الفدية مقابل حياتهم... ضحك بتشفي... أخيرًا لقيت نقطة ضعف ليه وهعرف أنتقم منه على الملايين اللي خلاني أخسرها بعد ما فاز بالصفقة... ده أنا قربت أعلن أفلاسي... فكرتك يا حبيبتي جيت في الوقت المناسب... ومن فلوس الفدية اللي هاخدها منه مش هتخليني أعلن أفلاسي وأرجع زي الأول.
قالت بابتسامة باردة: طب هي والولاد هتعمل فيهم إيه... هترجعهم ليه ولا إيه؟
نفث الدخان من فمه... ونظر إليها وهو يتصاعد في الهواء ويتبدد من حوله ثم قال: مين دول اللي هرجعهم... أنا هاخد الفلوس من هنا وهخلص عليهم ولا من شاف ولا من دري.
سألت باضطراب: هتموتهم يعني؟
نظر لها باستغراب: هو ده سؤال يا دينا... طبعًا هخلص عليهم... دول دليل إدانتنا أحنا الاتنين... مش هيعرف مين اللي خاطفهم أبدًا.
ردت بلهجة متوترة: إدانة مين؟... أنا اقترحت عليك إزاي ترجع فلوسك لما ظهر ليه زوجة وولاد من العدم.
قال بسخرية: أنتي خايفة ولا إيه؟
_ لا مش خايفة وهخاف ليه؟
_ هتيجي معايا واحنا بنسجل ليها.
_ آه طبعًا هجي معاك.
وجد زاهر نفسه في نفس المكان من لا فراغ... سمع صوتها مناديًا إياه باستغاثة... زاهر زاهر... أخذ يركض وأنفاسه تتسارع... شعر بعظامه تؤلمه بشدة... مجرد صوت ونداء... أخذ يلتفت حوله وقال بصراخ... بيسان... تسلل إلى سمعه صوت طنين هادر... وظهرت أمام عينيه العديد من الصور أخذت تدور حوله محدثة أزيز مزعج... حاول الهرب... صرخ بألم... لكن صوت صراخه ضاع في الفراغ... ثم أطلق صرخته الأخيرة وكانت هذه المرة من حلقه.
انتفض ناصر في مكانه على صوت ابنه... اقترب منه مسرعًا... وقال غير مصدق نفسه: زاهر... الحمد لله يارب.
فتح عينيه ببطء... رأى والده أمامه.
سأل بصوت واهن: أنا فين؟
انتفض قلبه من السعادة وهو يرى استيقاظ ابنه... أجابه بابتسامة: إنت في المستشفى. تذكر خلال لحظات ما حدث قبل أن يهوي من على الدرج... تقلصت ملامح وجهه من الألم وارتعش جانب أنفه.
قال بلهجة قلقة: أنا هروح أنادي على الدكتور يشوفك.
سأل بخفوت: أنا كويس... سكت لثواني ثم قال... بيسان فين؟
تملل ناصر في وقته ورد عليه بلهجة مرتبكة: بيسان... بيسان هي البيت وكويسة.
بدأ الخدر يزول من أطرافه تمامًا وأصبح واعيًا لما يدور حوله.
لاحظ توتر والده.
ومضت داخل عقله مشاهد من بعض أحلامه، واستغاثة بيسان له. سأل بإصرار: "إيه؟ بيسان كويسة؟"
قال بلهجة متوترة: "أيوه كويسة."
قاطعه قائلاً: "قولي إيه اللي مخبيه عني."
رد عليه بلهجة مراوغة: "أنا هروح أنادي الدكتور يطمن عليك الأول..."
"قولتلك أنا كويس، ريحيني وقولي في إيه."
"مش وقته الكلام، لما الدكتور يطمني على حالتك نبقى نتكلم. أنا هروح أنادي على الدكتور." ثم أولى ظهره واتجه ناحية الباب. لم يلتفت لنداء ابنه ثم خرج وأغلق الباب خلفه.
شعر زاهر بحدوث مكروه ما. قلبه يخبره بذلك.
حاول النهوض. رفع رأسه بعناد فعجز. انهار على الوسادة. لمعت عيناه بالدموع لإحساسه بالضعف.
***
أشرق وجهها عندما رأته. وعندما اقترب منها، شعرت أنه شاحب.
فقالت بقلق: "مالك؟"
رد عليها بابتسامة باهتة: "مفيش حاجة."
"بيسان كويسة؟"
"آه بقيت أحسن من الأول وقربت تخرج من المستشفى."
"أومال مالك؟ حاسة إن في حاجة مضايقاك."
هز رأسه نافيًا ثم قال: "مفيش حاجة يا ضحى. إيه رأيك نخرج دلوقتي؟"
نظرت له برقة: "دلوقتي؟ دلوقتي؟"
أجابها بابتسامة محببة: "إيه دلوقتي؟ تحبي تروحي فين؟ إنتي كل اللي عليكي تختاري المكان بس."
تصنعت التفكير ثم قالت بابتسامة: "نفس المكان اللي روحناه وإحنا مخطوبين."
"غيري هدومك ويلا بينا." فهو أراد الخروج معها إلى أي مكان لكي ينسى المشاكل التي لم تتوقف بمجرد زواجه.
وبعد فترة قصيرة كان كلاهما في السيارة. أدار السيارة وانطلق بها باتجاه البحر. وطوال الطريق كان يمسك يدها ويقبلها برقة، وهي كانت تنظر له بعشق. فمنذ عدة أشهر كان بالنسبة لها مجرد حلم بعيد المنال، إعجاب ليس من حقها، غير مسموح لها بالبوح به. ودون أن تدري الإعجاب تحول إلى حب، والآن أصبح حبيبها زوجها. ارتسمت على وجهها سعادة بالغة ولمعت عيناها بلون الحب.
سأل برقة: "ممكن أعرف سبب ابتسامتك؟"
قالت بحياء: "إنت... إنت وبس."
ملأت الابتسامة وجهه: "وديمًا هكون السبب في ضحكتك."
نظرت إليه ونظرت طويلًا في عينيه وقالت: "بحبك."
أشرق وجهه عن ابتسامة واسعة وقال بسعادة: "كل مرة تقوليهالي كأن أول مرة أسمعها."
وهما على الشاطئ، قال بابتسامة: "مكنتش متخيل إنك بتحبي البحر لدرجادي."
أجابته بابتسامة حالمة: "البحر عشق، بحبه أوي."
"مين أكتر؟"
"إنت طبعًا."
ضمه إليه بحب وقال لها الكثير من الكلمات والهمسات العاشقة.
***
باب الغرفة فتح على مهل. قفز قلبها في مكانه وضمت طفليها بقوة وشددت من الضغط عليهم. انتفضت كسمكة خرجت لتوها من الماء.
اندفعت زهرة بالحديث وقد سبقتها دموعها: "إنتو عايزين منا إيه؟"
أخذ نفس من سيجارته وقال بلامبالاة: "أنا مش عايز منك حاجة، أنا عايز من جوزك. فأنت كده زي الشاطرة، هتتكلمي قصاد الكاميرا دي." ثم أشار للحارس الممسك بالكاميرا بالاقتراب. "وهتقولي الكلام اللي هقوله ليكي من غير زيادة ولا نقصان."
بمجرد ما رأتها، شعرت بغيرة تكاد تمزقها. تقدمت نحوها وقالت لها بحدة: "إنت بقا مراته؟" ثم رفعت يديها ولطمتها بعنف على وجهها. طفرت الدموع من عينيها من شدة الضربة. نظرت لها زهرة بذهول من كمية الكره المنبعث تجاهها، فهي أول مرة تراها. نهض الصغيران في محاولة للدفاع عنها، لكنها شددت من احتضانهما أكثر تمنعهم من النهوض حتى لا ينالهم الأذى. همست بهدوء: "نفذوا كلامي، اللي قولته ليكم، مفيش حد يتحرك من جنبي. هااا لو بتحبوني اسمعوا كلامي، أنا كويسة."
سكت الصغيران تحت نظراتها وصوتها الهادئ.
شهاب بخشونة: "جاهزة للتسجيل ولا هتتعبينا معاكي؟"
هزت رأسها وقال بهدوء مفتعل: "اللي تقولوا عليه هنفذه، بس ابعدوا عن ولادي."
قال شهاب: "بس قبل التسجيل هتكلمي جوزك، هتقوليله الكلمتين دول." ثم أعطاها ورقة. "ومتحاوليش تقولي أي حاجة تانية، رقبة ولادك تحت إيدي، مفهوم كلامي؟"
هزت رأسها بخوف: "مفهوم."
أعطى شهاب الهاتف إلى زهرة عندما أنفتح الخط.
اندفعت زهرة بالحديث وهي تبكي: "أنا زهرة."
انتفض أكنان في مكانه وقال بسرعة: "إنتي فين؟"
زهرة ببكاء: "أنا مخطوفة يا أكنان، معرفش أنا فين." أشار لها شهاب مهددًا لكي تلتزم بالكلام.
أكنان بانفعال: "مين اللي خطفك؟"
صرخت بخوف: "معرفش... معرفش... أنا مخطوفة والعصابة طالبين فدية. اسمع كلامهم في كل اللي يطلبوه." كانت الدموع تنساب على وجنتيها وهي تتكلم.
قال بلهجة رقيقة عكس ما بداخله من بركان ثائر: "أهدي يا زهرة، أنا هعملهم كل اللي هما عايزينه، لو اضطريت أبيع فيها كل اللي أملكه. المهم أنتم عندي، أنتم أهم حاجة في حياتي، عشان خاطركم أنتم وبس مستعد أضحي حتى بعمري، وميجراليش ليكم حاجة. اطمني وأوعي تخافي وخليكي زهرة القوية اللي أعرفه. هاتي أي حد أكلمه من العصابة."
تمتمت بخفوت: "عايز يكلم حد فيكم."
أشار شهاب لأحد الرجال بأخذ الهاتف.
بمجرد سماعه صوت الخاطف، هتف فيه بغضب: "محدش يقرب منهم وكل اللي أنتم عايزينه هننفذه، بس اطمن عليهم الأول."
"إحنا هبعتلك فيديو ليهم، وهما بنفسهم هيقولوا إنهم كويسين. هتسمع كلامنا، هتستلم مراتك وولادك حتى واحدة؟ هتلعب علينا ومش هتدينا فلوس الفدية؟ هتستلم كل يوم حتة منهم."
هتف أكنان باضطراب: "هسمع بشرط محدش يقرب منهم."
قال بلهجة غليظة: "تسليم الفدية بكرة."
رد عليه أكنان بلهجة متوترة: "المبلغ اللي طالبينه صعب أوفرُه بكرة، خلي ميعاد التسليم كمان تلات أيام، أكون قدرت أوفر المبلغ."
أشار شهاب إلى رجله بالموافقة.
"خلاص اتفقنا، التسليم هيكون كمان تلات أيام، وكلها دقايق ونبعتلك فيديو ليهم، عشان تعرف إننا بنعاملهم معاملة الملوك." ثم أغلق الهاتف.
أكنان بصياح: "حالا أعرف المكالمة دي جاية منين."
بعد مضي فترة من الوقت، أكنان كان في قمة توتره. بمجرد دخول همام، هتف بانفعال: "عرفت المكالمة جايه منين؟"
رد همام بنفي: "لأ معرفناش، المكالمة مموهة عن طريق الأقمار الصناعية."
أكنان بغضب هائل: "إزاي معرفتوش المكان؟"
أجاب همام بارتباك: "مستحيل نعرف طريقها، للأسف يا أكنان بيه."
رن هاتف أكنان، معلنًا وصول رسالة له. فتح الرسالة وجلس.
بسرعة التفت أكنان بمقعده بحدة، ونظر للتسجيل بتركيز، وقد علت ملامح التفكير العميق على وجهه، وهو يعيد التسجيل مرارًا وتكرارًا، تارة ينظر إلى الفراغ وتارة إلى الفيديو. وعندما انتهى الفيديو، وقف منتفضًا في مكانه وأخذ يضرب بكلتا يديه بعنف على سطح المكتب، وأخذ يصيح بغضب هادر.