تحميل رواية زهرة لكن دميمة بقلم سلمى محمد pdf
بقلم سلمى محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
داخل عينيكي شعلة من التمرد ... تخبرني أن الحياة بيننا لن تكون دائما وردية ... لكن ستكون مليئة بالأشواك ... فأنتي الفتاة المدللة من الجميع وشاء قدري أن ينبض قلبي لكي أنتي فقط ياحبيبتي المدللة ... أنطلق زاهر بالسيارة بأقصى سرعة للحاق بطائرتهم ... تمللت بيسان بعصبية وهي جالسة بجواره ... فهو ظل صامتا بمجرد أنطلاقه بالسيارة ... وكل ثانية تمر بينهم بدون كلام جعلت أعصابها كشعلة اللهب ... تأففت بصوت مسموع عندما يأست منه ... ثم هتفت بحدة: هدي السرعة شوية تجاهل سؤالها واستمر في قيادة سيارته بنفس السرعة .....
رواية زهرة لكن دميمة الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم سلمى محمد
بعد مضي فترة من الوقت، كان أكنان في قمة توتره. بمجرد دخول همام، هتف بانفعال:
"عرفت المكالمة جايه منين."
رد همام بنفي:
"لأ معرفناش، المكالمة مموهة عن طريق الأقمار الصناعية."
أكنان بغضب هائل:
"أزاي معرفتوش المكان؟"
أجاب همام بارتباك:
"مستحيل نعرف طريقها، للأسف يا أكنان بيه."
رن هاتف أكنان معلناً وصول رسالة له. فتح الرسالة وجلس.
بسرعة التفت أكنان بمقعده بحدة ونظر للتسجيل بتركيز، وقد علت ملامح التفكير العميق على وجهه، وهو يعيد التسجيل مراراً وتكراراً. تارة ينظر إلى الفراغ وتارة إلى الفيديو. وعندما انتهى الفيديو، وقف منتفضاً في مكانه وأخذ يضرب بكلتا يديه بعنف على سطح المكتب، وأخذ يصيح بغضب هادر:
"عايز دينا عندي بأي طريقة."
ارتعب الكل، وقال أحدهم:
"حاضر يا أكنان بيه."
بمجرد خروجهم، قام بالاتصال بكريم.
استيقظ كريم من نومه على رنين الهاتف. نظر إلى الشاشة فوجد المتصل أكنان. حدث نفسه:
"خير، ماهي المصايب مش بتوقف."
قال كريم باستفسار:
"خير يا أكنان."
رد عليه بلهجة منفعلة:
"مفيش خير خالص يا كريم، الواطي شهاب خطف مراتي والولاد."
تلاشى النوم من عينيه، ونهض على الفراش جالساً. استيقظت ضحى هي الأخرى، نظرت له بقلق ثم سألته مستفهمة:
"فيه إيه يا كريم."
أشار لها بيديه ثم أكمل كلامه:
"أزاي حصل وأمتى."
"بعدين يا كريم، عايزك تجيلي الفيلا دلوقتي وتتصل بكل معارفك في الداخلية، عشان لما نروح المكان اللي خاطفهم فيه، نكون متجهزين من كله."
"مسافة السكة وهكون عندك."
سألت ضحى بقلق:
"ماتقولي حصل إيه، طمنيني يا كريم."
كريم بملامح عابسة:
"مرات أكنان وولاده اتخطفوا، والخاطف منافس لأكنان."
شعرت ضحى بأن قدميها لا تستطيع حملها، فجلست على الفراش، وقالت بانهيار:
"زهرة وولادها اتخطفوا، آآه يا زهرة مش مكتوبلك تفرحي في حياتك."
لم يستوعب كلامها، فقال مستفسراً:
"زهرة اللي هي مين بالظبط."
تنهدت بألم وقالت بشرود:
"زهرة مرات أكنان."
جلس بالقرب منها وسأل:
"ثواني كده يا ضحى، أنا مش فاهم ولا كلمة من اللي بتقوليه، خلي كلامك أوضح."
قالت برجاء وهي تفرك أصابع يديها بشدة:
"أوعدني يا كريم إنكم ترجعوا زهرة هي والولاد، أوعدني." انسابت دموعها وهي تتوسله.
مرر أصابعه في شعرها وقال:
"أوعدك يا ضحى، أوعدك إنها ترجع هي والولاد. قوليلي إيه الحكاية بالظبط."
بلهجة خافتة متألمة:
"هقولك يا كريم." وبدأت تحكي حكاية زهرة مع أكنان حتى وقتنا الحالي.
هتف بصدمة:
"ياآه، كل ده حصل ليها، دي تعبت أوي في حياتها، وإزاي أكنان يعمل فيها كده."
ردت بلهجة كئيبة:
"خلاص، مش وقته الكلام ده، المهم دلوقتي إنك تساعده ومش يجرالها حاجة. زهرة أكتر من أخت ليا ووافقت معايا كتير." دموعها انسالت بغزارة على وجنتيها.
مسح بأصابعه دموعها وقال برقة:
"دموعك غالية عليكي يا غالية، أوعدك زهرة والولاد هيكونوا في بيتهم النهاردة."
ابتسمت من بين دموعها:
"بجد هترجع النهاردة."
قبلها على وجنتيها:
"طبعاً، همشي وأسيبك دلوقتي."
"متنساش تطمنيني يا كريم."
"أول ما أرجع، هتصل بيكي علطول."
في الفيلا عند أكنان، كانت دينا مقيدة القدمين واليدين على الكرسي. وأمامها أكنان وكريم.
أكنان بغضب هادر:
"هتقولي العنوان اللي مخبين فيه مراتي وولادي، ولا أسيب رجالي يقوموا معاكي بالواجب."
كانت تلهث من الخوف:
"أنا معرفش حاجة، أنا أصلاً معرفش إنك متجوز."
قال بضحكة شريرة:
"بلاش لف ودوران يا دينا، قولي المكان اللي خاطفينهم فيه بالذوق، لحد اللحظة دي وبالي طويل معاكي ومستعملتش العنف."
بدأت دينا في البكاء:
"معرفش، معرفش."
لاحت ابتسامة قاسية على وجهه ثم قال:
"تعرفي مكانهم فين." وقام بوضع شاشة الهاتف وعمل زوم على نقطة معينة، وأشار بيديه: "مش ده بردو الخاتم اللي كنت مديهولك هدية؟ بيعمل إيه في الأوضة اللي خاطفين فيها مراتي وولادي."
نظرت بعينيها إلى أصبعها فوجدته فارغاً. تذكرت عندما ضربتها بالقلم على وجهها. الرعب ملأها خوفاً وكاد يقتلها. توسلت له:
"أناااا، أناااا مليش دعوة."
صاح فيها كريم بصوت عالٍ أرعبها:
"قولي العنوان." ثم أشار للحارس بإدخال الكلب.
الحارس أدخل الكلب، كان أسود اللون ضخم الحجم. ارتعبت دينا من رؤيته ووجهها لمع بحبيبات العرق.
قال أكنان مكملاً:
"لو مقولتيش العنوان دلوقتي، هسيب عليكي الكلب ينهش في لحمك اللي يستاهل يتقطع بسبب اللي عملتيه إنتي وشهاب."
أوقف الحارس الكلب أمامها الذي نبح بصوت عالٍ ومخيف واللعاب انساب من جانب فمه.
بصوت مرتجف:
"هقول العنوان، بس ابعدوا الكلب ده من وشي."
أشار أكنان للحارس، فقام بإبعاد الكلب وصاح فيها بقوة:
"قولي."
"حاضر." وقامت بإعطائه العنوان وخريطة تفصيلية بالمكان وبعدد الحراس وبالمكان الموجودة فيه زهرة.
وقبل خروجهم، قال للحارس:
"خلي الكلب معاها في الأوضة." وغمز لها.
وبخطوات مسرعة، خرج أكنان وكريم من الغرفة. أخرج كريم هاتفه مباشرة وقام بالاتصال باللواء مدير مديرية الأمن. وعندما أغلق هاتفه.
بأنفاس متوترة، قال أكنان للرجال المتواجدين أمامه:
"مش عايز أي أخطاء، إحنا هنطلع ومعانا قوات من الداخلية."
أخذ أكنان نفساً عميقاً ليهدأ من خوفه وتوترة. شرد ذهنه في زهرة وأطفاله ومدى خوفهم في الوقت الراهن وهو ليس بيديه حيلة. وشعور عارم بالغضب أخذ يتأكله من الداخل لأنه لم يستطع حمايتهم.
قطع شروده صوت كريم:
"يلا يا أكنان، العربيات جاهزة."
داخل غرفة زاهر في المستشفى، بمجرد إعلام صفية باستيقاظ ابنها، ذهبت إليه مسرعة.
شعر زاهر بوجود شيء بينهم، فكل منهما يتجنب النظر إلى الآخر، لكنه لم يعلق، فكل تفكيره مع بيسان التي لم يرها حتى الآن. قلبه أخذ في الانتفاض كلما يتذكر محادثتها مع كريم.
صفية بلهفة وهي تمرر يديها برقة على رأسه:
"إن شاء الله هتبقى زي الفل." ثم أردفت بحزن: "يارتني أنا اللي كنت مكانك."
أمسك يديها وقال:
"بعد الشر عليكي يا أم زاهر، هو إحنا ليكي بركة غيرك."
ناصر أخذ ينفخ بغضب وهو واقف، متمتماً بضيق:
"ندمانة يا صفية، بس بعد إيه."
مسحت صفية دمعة نزلت على خدها، لا تدري خوفاً من معرفة زاهر بما فعلته أم شعور بالذنب. وقالت وهي تحاول إخفاء دموعها:
"خارجة أجيب حاجة من بره." ونهضت من مكانها.
أوقفها زاهر قائلاً بقلق:
"بتعيطي ليه دلوقتي."
ردت بابتسامة متألمة:
"مبسوطة إنك فوقت."
مرت بالقرب من ناصر، همست له برجاء:
"متقولش على اللي عملته، أنا ممكن أخسره."
قال بحدة:
"خلاص اطمنتِ عليه، مش عايزة أشوفك هنا تاني."
صفية باستعطاف:
"عشان خاطر العشرة اللي بينا يا ناصر."
"امشي يا صفية، على فكرة أخوها سمع كل حاجة ولو مقولتش ليه أنا، هو هيقولها. ومتجيش هنا تاني وروحي لأهلك، مش خلاص اطمنتِ عليه."
نكست رأسها بيأس ثم خرجت من الغرفة.
أقترب ناصر من ابنه.
رفع زاهر إحدى حاجبيه وسأل:
"هو فيه إيه بينكم بالظبط."
"مفيش حاجة يا زاهر."
"طب لما تيجي هسألها إيه اللي بينكم."
"أمك روحت البيت."
قال مستنكراً:
"روحت؟ باين على الموضوع كبير."
رد عليه بابتسامة شاحبة:
"هتعرف كل حاجة بعدين، لما تخرج من المستشفى."
أشار زاهر إلى السرير:
"تعالى اقعد جنبي، وقولي فيه إيه بالظبط. ليه كل ما أسألك على أي حاجة تتهرب مني."
جلس ناصر بجواره وقال:
"مش بتهرب بس مش وقته."
قال بصوت يكسوه الحزن:
"طب وبيسان، كل ما أسألك عليها تقولي بعدين."
"هقولك كل حاجة لما الدكتور يطمنا على صحتك."
"أنا شفت بيسان."
"شفتها إزاي يعني."
قال بتردد:
"حلمت بيها وكان شكلها تعبان."
رد بقلق:
"حلمت بيها إزاي."
نظر له بشرود:
"كنت بتستنجد بيا، مع إن آخر مرة سمعت منها كلام كسرني نصين، سمعتها بتقول كلام صعب أوي." لمعت عينيه بالدموع عندما تذكر. "ماتريح قلبي وتقولي هي فين."
"بيسان سبتني صح؟ بس إزاي وأنا بحلم بيها وهي بتستنجد بيا؟ أنا تعبت من كتر التفكير."
نظر ناصر إلى سقف الغرفة في تفويض:
"يارب."
أمسك زاهر رأسه:
"آآه."
انتفض ناصر في مكانه:
"مالك، أنادي لك الدكتور."
أردف بحزن:
"صداع من التفكير." ثم أمسك يد والده لتقبيلها. قال متوسلاً: "قولي حصل إيه."
قال بلهجة مستسلمة:
"بيسان بتحبك، ولو سمعت منها حاجة وحشة يبقى غصب عنها."
هتف بانفعال:
"أومال مشوفتهاش لحد دلوقتي ليه."
حاول تهدئته:
"للأسف بيسان في المستشفى عشان كده مشوفتوهاش لحد دلوقتي."
ارتعش قلبه، انتفض جسده، فحبيبته مريضة. سأل بقلق:
"حصلها إيه."
نظر له بحزن، فما حدث سيكون بالنسبة له صدمة قاسية في أمه وفي زوجته عندما يعلم ما حدث لها. أردف بحزن:
"الغيرة وحشة، ممكن تخلي البني آدم يرتكب أي ذنب، أي معصية."
قال بعدم فهم:
"تقصد إيه بكلامك."
بلع ريقه بصعوبة ونظر تجاهه بشفقة:
"أمك كانت غيرانة من بيسان، وبسبب الغيرة عملت ليها سحر عشان تفرقكم من بعض، وده كان سبب بعد بيسان عنك."
لم يصدق أذنيه في بادئ الأمر. سأل برفض:
"أمي عملت سحر لبيسان."
هز ناصر رأسه في صمت ثم قال:
"أيوه."
ارتجف جسده من شدة صدمته. هز رأسه برفض ثم صاح بألم:
"آآه."
سأل بقلق:
"زاهر."
نظر له والدموع محتبسة بداخل عينيه:
"سيبني الله يخليك دلوقتي، عايز أقعد شوية مع نفسي."
قام ناصر من مكانه على مضض بعد توسل زاهر له لكي ينصرف. بمجرد خروج والده هتف بعذاب:
"آآه."
كانت ضحى تشعر بالتوتر في كل لحظة تمر، وحتى الآن لم يتصل بها كريم ليطمئنها. سمعت رنين جرس الباب، انتفضت في جلستها فهي لا تتوقع مجيء أحد. نهضت من مكانها متوترة وذهبت لكي تفتح الباب. تفاجئت بأم زوجها أمامها.
قالت ضحى مبتسمة:
"الدنيا نورت بوجودك." ومدت ذراعيها لاحتضانها، لكنها تراجعت خطوة للخلف مبتعدة.
شعرت ضحى بالإهانة وساد الصمت بينهم للحظات، قاطعته قائلة بابتسامة باهتة:
"مش معقولة هنفضل واقفين على الباب."
قادتها ضحى إلى غرفة الاستقبال. لوت نيروز شفتيها بامتعاض وهي تتأمل الأثاث والستائر والصور المعلقة، ثم تأملت ضحى وقالت:
"أكيد ده ذوقك، مفيش تناسق خالص."
ابتلعت إهاناتها للمرة الثانية وقالت بهدوء:
"تشربي إيه."
جلست نيروز على الكرسي ووضعت ساقاً فوق أخرى قبل الرد:
"مش بشرب من أي حد مش واثقة في نضافته."
لم تظهر انزعاجها رغم أنها كانت تستعر غضباً من الداخل، فقالت بابتسامة خالية من الود:
"اللي يريحك يا ماما."
زمت شفتيها بضيق:
"بلاش كلمة ماما، مش بحبها."
جزت على أسنانها وسألت:
"أومال أقول لحضرتك إيه."
"نيروز، قولي نيروز وبس."
"ياترى ممكن أعرف سبب الزيارة السعيدة."
"بصي بصراحة، أولاً أنا مش جايلك، أنا جايه لكريم، فقولت أجي ليه هنا بنفسي."
ضحى بهدوء مفتعل:
"للأسف يا نيروز، كريم مش هنا."
نيروز باستفسار:
"أومال هو فين."
هزت رأسها نافية:
"معرفش."
قالت بحدة:
"إزاي متعرفيش، بلاش كدب."
جزت على أسنانها بحدة:
"معرفش، لما يجي هقوله حضرتك كنتِ بتسألي عليه." بعد إذنك دقايق هعمل حاجة وجاية، اعتبري البيت بيتك. ثم انصرفت، وبمجرد خروجها أسندت ظهرها على الباب وتنفست بعمق. وحدثت نفسها: "يانهار أبيض، وأنا هعيش معاها إزاي، ربنا يعدي الأيام الجاية على خير. أنا هغسل وشي أنسى الدش البارد اللي أخدته جوه."
وفي الداخل، هبت نيروز من مكانها غاضبة، متمتمة بانفعال:
"متعرفش عليا بردو الكلام ده، بنت الـ... أما أوراتك."
انفعلت بشدة لدرجة احمر وجهها من شدة الغضب، وفي خلال ذلك شعرت بنهجان. تنفست بصعوبة فأغمضت عينيها في محاولة لاستعادة هدوئها، لكنها فشلت. شعرت بانقباض في حلقها والهواء ينفذ. حاولت التحرك ناحية الباب.
بمجرد دخول ضحى الغرفة، انصدمت من رؤية حماتها على هذا الشكل، فقالت بخوف:
"مالك يا نيروز."
وضعت نيروز يديها على رقبتها تحاول التنفس وأشارت باتجاه الخارج وبصوت متقطع:
"مش عارفة أتنفس."
حاوطت قوات الشرطة والعربات المصفحة ورجال أكنان المكان، وفي خلال لحظات اقتحمت الشرطة القصر، وتوغل الرجال بالداخل كالطوفان مستغلين عنصر المفاجأة. وتم إلقاء القنابل المسيلة للدموع، والتقط أحد الضباط ميكروفوناً قائلاً بهدير:
"سلموا نفسكم، المكان محاصر."
كان شهاب في مكتبه عندما سمع أصوات إطلاق النيران وصوت يأمره بتسليم نفسه. فهب هارباً من مكتبه باتجاه غرفتها، فهي وسيلة خروجه الوحيدة الآن من هذا المكان.
أما زهرة، ففزعت وانتفضت في مكانها وشددت من احتضان طفليها. توجهت إلى الشرفة فوجدت من يسقط مصاباً غارقاً في دمه. وضعت يديها على فمها وسالت دموع الخوف على وجنتيها. وما زاد ذعرها صوت الطرق العنيف على الباب. انزوت زهرة هي وأطفالها في الزاوية، وحاولت التكلم بهدوء عندما سمعت بكائهم:
"كل واحد يغمض عينيه ويفتكر حاجة بيحبها، وأنا كمان هغمض عينيا."
سمعت فجأة صوتاً مدوياً وانفتح باب الغرفة على مصرعيه، وما إن رأته حتى هبت واقفة في مكانها. أقترب منها أكنان مسرعاً.
ألقت نفسها عليه وبكت. شدد من احتضانه عليها وعلى أطفاله وقال مهدئاً:
"بقيتي في أمان إنتي والولاد، يلا بينا نخرج من هنا." وأخذ يحدثهم بلهجة هادئة.
وهما في الخارج، حاول شهاب الهروب من قبضة الشرطي، وبمجرد رؤيته لأكنان ومع زوجته وأولاده تملكه الجنون. فهو خسر كل شيء وأكنان فاز في النهاية. وفي تلك اللحظة استطاع فك يديه وفي سرعة جنونية انتزع المسدس من جراب الشرطي وصرخ في وجهه قائلاً:
"مش هسيبك تفوز عليا." ثم أشهر المسدس وأطلق النار.
واختلطت أصوات الطلقات بأصوات صراخ وهمهمات متألمة.
رواية زهرة لكن دميمة الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم سلمى محمد
عذبتني حيرة مشاعري نحوه، بالرغم من قسوته كان يحنو عليا أنا فقط، طلب المغفرة وتوسلني، أعطاني الأمان وأسرة دافئة، لكني لست قديسة كي أسامحه تمامًا برغم كل ما يفعله لي، ما زال هذا الألم يأبى أن يزول.
أنا لست قديسة.
أنا مجرد فتاة تعذبت، تألمت، عانت من قسوة الحياة.
بمجرد دخول ضحى الغرفة، أنصدمت من رؤية حماتها على هذا الشكل، فقالت بخوف: مالك يا نيروز؟
وضعت نيروز يديها على رقبتها تحاول التنفس وأشارت باتجاه الخارج وبصوت متقطع: مش عارفة أتنفس... بخاخة النفس بتاعتي في شنطتي.
نظرت ضحى حولها بهلع ثم ردت بتوتر: مش شايفة أي شنط قصادي.
ردت عليها باختناق وبصوت مبحوح: شنطتي في العربية.
خرجت ضحى من الغرفة مهرولة حتى توقفت أمام السيارة، فتحت الباب وهي تتنفس بقوة، ألقت ببصرها في الداخل حتى وقعت عينيها على الشنطة، فتحتها بأصابع ترتعش من شدة توترها لم تعثر مباشرة على الجهاز، فقامت بتفريغ محتوياتها على الكرسي، رأته مع العديد من الأشياء، أمسكته مباشرة ثم جرت مسرعة إلى الداخل.
رأتها تتنفس بصعوبة مخرجة أنينًا متألمًا، وضعت جهاز الاستنشاق على فمها وقامت بالضغط، أخذت تدعو لها بخفوت.
فتحت عينيها وهي تتنفس بصوت مسموع، تأملتها نيروز لثوانٍ وهي ترى نظرات الخوف في عينيها بالرغم مما فعلته معها، ابتسمت ابتسامة متعبة ثم أردفت قائلة: تعبتك معايا... شكرًا ليكي يا ضحى.
ردت عليها قائلة: مفيش حاجة تستحق الشكر وحصل خير... أتصل بالدكتور يجي يشوفك.
شعرت بالخجل من نفسها فلم تجرؤ على النظر بداخل عينيها: مفيش داعي أنا كويسة.
قالت لها بهدوء: نصيحة مني خلي الجهاز في جيبك أو شنطتك المهم مش يبعد عن متناول إيدك.
هزت رأسها ثم أردفت قائلة: هاخد بكلامك يا ضحى... أنا همشي بقى.
قالت ضحى: مينفعش تمشي وأنتي لسه تعبانة.
ردت نيروز: أنا بقيت كويسة.
قالت ضحى: طب مش هتستني كريم؟
ردت نيروز: هبقى أكلمه... ثم تحركت باتجاه الباب وكانت بجوارها ضحى في نفس اللحظة فقالت لها مترجية: اقعدي شوية كمان تاخدي نفسك.
ردت عليها نيروز: لو حاسة أني مبقتش أحسن مكنتش اتحركت... وعايزة منك طلب قبل ما أخرج.
سألتها ضحى باهتمام: طلب إيه؟
أردفت قائلة بابتسامة خافتة: مش عايزة كريم يعرف حاجة باللي حصل... مش عايزاه يتخض عليا والأفضل متقوليش له إنّي جيت وأنا هبقى أتصل بيه.
سارت ضحى خلفها في صمت حتى تأكدت من ركوبها سيارتها في سلام، ظلت في مكانها لدقائق تنظر إلى الفراغ وتساؤل في عينيها، أدركت بغريزتها أن هناك شيء ما، ودعت أن تكون حياتها سهلة مع عائلة زوجها.
أشتاقت له بشدة وبعد مضي فترة من الوقت، ذهبت إلى الشرفة تنتظره، فهو اتصل أخبرها كل ما حدث وأنه تم القبض على شهاب ودينا وأن الجميع بخير وهما في طريقهم إلى المنزل وهو قادم في الطريق، شعرت بالراحة النفسية عندما أطمأنت على كل أحبابها، راحت تراقب الأشجار وأوراقها الخضراء، تابعت بنظراتها كل شيء أمامها، أغمضت عينيها بتركيز واستمعت لصوت الكون حولها، الهواء، الشجر... وعندما فتحت عينيها وجدته أمامها يتأمل وجهها بحب.
نظرت له بدهشة: أنت جيت امتى وإزاي وصلت من غير ما أحس بيك... ده أنا كنت مستنياك.
أجابها بابتسامة عاشقة: كنتي سرحانة في إيه خلاكي مش تحسي بوجودي... أكيد فيا طبعًا.
ردت بابتسامة: لا مش فيك بالظبط... كنت سرحانة شوية مع الطبيعة.
وضع يده على قلبه وقال بضحك: آآه يا قلبي وبتقوليها في وشي طب قولي آآه.
غلب ضحى الضحك: آآه كنت بفكر فيك.
قال كريم: بعد ما زعلت خلاص مش مسامح.
قالت ضحى: هو ده شكلك وأنت زعلان ياريت تبقى زعلان علطول، ثم ضحكت.
أمسك بيديها وقبلهما بحب جارف، نظر إلى عينيها قائلاً بشوق: واحشاني أوي... أخذ يداعب يديها برقة ثم ضمها إلى حضنه، كل حاجة فيكي واحشاني.
قالت ضحى: وأنت كمان واحشني.
أدارها في حضنه وقال بحب: إنتِ ليه دلوقتي حلوة أوي بزيادة.
ابتسمت بغرور متصنع: ده العادي بتاعي على فكرة.
ضحك على طريقة كلامها وغمز لها: طب ما تيجي ندخل الأوضة.
حاول ضمها فدفعته بمرح: نتعشى الأول أنا مأكلتش طول اليوم ولا أنت كمان.
غمز لها مرة أخرى: هتندمي.
ضحكت وهي تبتعد عنه: هندم على حاجة واحدة لو سمعت كلامك ومعملتش العشا واتعشينا.
بعد وقت قليل أعدت ضحى الطعام ووضعته على السفرة.
قال كريم بابتسامة: كلي دي من إيدي... قام بإطعامها وسط جو مليء بالضحك وكلمات الغزل.
كانت تبتسم له ولكن كل ذلك لم يمنع شرودها غير المقصود، فيومها كان حافلًا بالمفاجآت، فالمصائب تأتي دفعة واحدة على رأي المثل، بداية من خطف زهرة حتى زيارة حماتها.
وضع كريم يده فوق يديها وربت عليها برقة ثم رفع يديها وقبل باطنها بحب، نظر لها مبتسمًا وقال: هنضطر نسافر بعد بكرة نيويورك.
قالت ضحى: بسرعة كده.
قال كريم: المفروض كنا نسافر قبل كده لكن بسبب الظروف اللي حصلت من مرض بيسان وخطف مرات أكنان منعوني عن السفر... دلوقتي بيسان بقت أحسن وزهرة وولادها كويسين.
قالت ضحى: عايزة أروح أشوف زهرة بكرة... بحاول أتصل بيها تليفونها مقفول... عايزة أطمن عليها.
قال كريم: حاضر بس خليها بعد بكرة قبل ما نسافر هوديكي ليها ومن عندها على المطار دوغري.
قالت ضحى: ومينفعش بكرة ليه؟ أنا عايزة أشوفها.
قال كريم: مينفعش يا ضحى ورايا كام مشوار مهمين بكرة.
ابتسمت في تفهم: طيب خليها بكرة... طلب أخير عايزاه.
قال كريم بابتسامة: اطلبي يا حبي.
ابتسمت قائلة: الكلام اللي قولتهولك بخصوص زهرة وأكنان... ياريت محدش يعرف بيه ولا حتى أكنان... هو لو عايز يتكلم هيتكلم.
تصنع كريم الزعل: أنا مش وعدتك لما حكتي ليا حكايتهم... قولتلك إيه بعدها اعتبري سرك في بير.
قالت بهدوء: حبيت أكد عليك مش أكتر... ثم مدت يديها وقامت برفع أول طبق، أمسك يديها وأرجع الطبق لمكانه غمز له قائلًا: وبعدين يا حبي.. أنا استنيت كتير.
جفل أكنان وجلس فوق فراشه عندما ظهرت أمامه، بدت في غاية الجمال والعذوبة، كانت ترتدي فستانًا أبيض، كان وجهها وجسمها يشعان بالنور وشعرها البني الذهبي منسدل طليقًا على ظهرها، وعينيها الزرقاوين تلمعان ببريق خاص، وأسنانها تكشف عن ابتسامة عابثة.
قال بذهول: زهرة أنتي كويسة.
ردت عليه ضاحكة: صحتي تمام، وقامت بفرد يديها ثم ثنتهم بحركة رياضية.
أبتسمت له ثم رقصت أمامه بخفة كالفراشة، وبقدميها الحافيتين أخذت تدق على الأرض بنعومة.
حركت سبابتها بأغراء لكي يأتي لها.
وجد نفسه أمامها في غمضة عين، وبشوق ظل محبوس لوقت طويل حضنها بكل ما يملك من قوة.
قال أكنان برقة: بحبك يازهرة.
ردت عليه بابتسامة أسرة: وأنا كمان.
ردها أسكرها بالسعادة من رأسها حتى أخمص قدميها.
فقبلها بقوة وأصبح ليلهما ليل خاص بالعشاق.
قبل استيقاظه، ارتسمت على شفتيه ابتسامة سعيدة.
ألقى يديه بجواره فلم يجدها.
جلس فوق الفراش، الابتسامة اختفت عندما اكتشف أنه كان يحلم بها.
ثم تنهد بعمق قائلا لنفسه: ياليت هذا الحلم كان واقع.
فهذا الحلم كان أجمل أحلامه.
اغتسل بسرعة وذهب مباشرة إلى غرفتها.
فتح الباب بهدوء، ثم دلف ببطء ونظر إليها من مكانه.
رآها مازالت نائمة ومستغرقة في نوم عميق وصوت شخير ناعم يصدر منها.
عندما اطمئن عليها أغلق الباب خلفه.
شعر بوخز داخل قلبه: إلى متى ياقلبي ستظل تتألم.
أخرج هاتفه واتصل بطبيب بيسان للاطمئنان على حالتها.
ثم ذهب لرؤيتها وفي داخل غرفتها في المستشفى.
كان الجميع متواجد معها، فالطبيب أذن لها بالخروج.
كريم ممازحا: ماشاء الله وشك منور وبقيتي أحسن من الأول.
قالت بابتسامة خافتة: اهو ارك ده اللي جابني هنا.
تصنع الزعل: كده بردو يابوسة. ده أنا سبت العروسة عشان خاطر عيونك الحلوين.
قالت: قولي بقا عامل إيه في الجواز.
قال: مفيش أحلى من كده، ياريتني سمعت كلامك من زمان أول لما كلمتك عنها.
قالت: عشان المرة الجاية تبقى تسمع كلامي.
قاطعهم أكنان قائلا: أنا عارف لما بتفتحوا في الكلام مش بتسكتوا. يلا عشان تلبسي ولا قعدة المستشفى عاجبتك.
أبتسمت له وبنبرة فيها القليل من الألم: لأ طبعًا، ده أنا مصدقت هخرج النهاردة. أنا زهقت بجد وعاوزة أخرج من هنا.
جيلان بابتسامة: مش أنتي لوحدك ياحبيبتي.
نجم أمسك بيديها برقة: الحمد لله أنك بقيتي كويسة.
رن هاتف كريم فقال: هطلع برا دقايق أرد على نيروز.
غادر الغرفة ولحقه أكنان مباشرة.
سأله أكنان عندما رأى عبوس وجهه: مالك.
قال: ماما سافرت من غير ما تقولي.
قال أكنان: عادي مش مستاهلة التكشيرة دي.
قال: مش تكشيرة بس مستغرب، أحنا كنا متفقين نسافر مع بعض بكرا وهي تسافر النهاردة. مش مرتاح.
رد أكنان بهدوء: هي نيروز ديما كده عليها تصرفات غير متوقعة. المفروض إنك اتعودت.
أجابها بلهجة عابسة: أه وهو المفروض.
سأله أكنان: هتروح تجيب الشيخ إمتى.
رد عليه قائلا: هروح أجيبه دلوقتي، عقبال ما بيسان تروح هكون جبته معايا زي ما قال أول ما تخرج من المستشفى يروح ليها.
تفاجأ أكنان وكريم بظهور زاهر أمامهم.
هتف كلاهما في وقت واحد: زاهر.
زاهر بابتسامة: طبعًا زاهر بشحمه ولحمه.
سأله أكنان بحيرة: أخر مرة اتصلت الدكتور قال إنك لسه في غيبوبة.
أجابه بابتسامة شاحبة: ماهو أنا أول ما فوقت وعرفت باللي حصل وقدرت أتحرك ركبت أول طيارة عشان أطمن على بيسان.
تقلصت ملامح وجه أكنان بالغضب لمجرد ذكر ما حدث.
قال له بحدة: أنا مرضتش أتصرف وسكت عشان خاطرك أنت يازاهر. لولاك كنت قلبت الدنيا.
ابتلع ريقه بألم: عارف إن الاعتذار ملهوش لازمة دلوقتي، بس اللي حصل مكنش ليا يد فيه. أنت عارف كويس إن بيسان روحي ومستحملش عليها أي حاجة. واللي أذاها أمي، أمي اللي كل في إيدي أدعي ليها ربنا يسامحها ويهديها. كل اللي عايزه منك تديني فرصة أحاول أصلح الوضع.
كريم بانفعال: مفيش تصلح الوضع، أنت معرفتش تحافظ عليها.
قاطعه أكنان قائلا: براحة ياكريم.
زاهر بلهجة برجاء: إحنا الاتنين منقدرش نعيش من غير بعض. اللي حصل ليها واكتئبها عشان بعدها عني، واللي حصل ليا لما حسيت إنها ممكن تسيبني.
سأل أكنان مستفسرا: تقصد إيه.
شرد زاهر في ذكرياته وأخذ يسرد ما حدث والسبب الذي أدى وقوعه والدخول في غيبوبة وكلام الأطباء أنه لا يوجد سبب لاستمراره في الغيبوبة. وعندما انتهى قال: كل اللي عايزه فرصة.
أكنان أشار بأبهامه وقال بلهجة محذرة: هديك فرصة ودي هتكون أخر فرصة. مش عايز أخسرك.
هتف كريم: إيه اللي بتقوله ده ياأكنان.
أشار له بالتوقف: كريم اهدى شوية وفكر. بيسان بعد ما ترجع لطبيعتها محتاجة زاهر معاها.
صمت للحظات وقال: اللي تشوفه.
سأل زاهر متلهفا: أدخل أشوفها وبيسان هتكون في عيني.
أكنان قال بهدوء: مش دلوقتي. هي هتخرج النهاردة وهنجيب شيخ يرقبها. مش دلوقتي لما الشيخ يقول إنها بقت كويسة.
قال زاهر بألم: إن شاء الله تخف.
قال أكنان: تعالا شوفها بكرا أحسن.
هز رأسه في صمت كئيب: هجي بكرا.
أنصرف كريم ودلف أكنان إلى الداخل وأستعد الجميع للرحيل.
وقف زاهر أمام المستشفى في الركن وانتظر خروجها لرؤيتها لكي يملي عينيه منها. فقد كان مشتاقا لها. أشتاق لسماع صوتها لكل شيء فيها.
تسارعت دقات قلبه عندما رآها من بعيد كانت تمشي بهدوء ورزانة، ورغم مرضها وجهها مازال محتفظ بجماله الخاص، لكن لمعت عينيها انطفئت وصارت خواء.
انتفض في مكانه متألما لرؤيتها هكذا وبعيون لا ترمش ولا تحيد عنها. ظل متتبع تحركها حتى ركبت السيارة واختفت.
لتسقط دمعة وحيدة ووعد نفسه أنه سيصلح الأمور بينهم مهما تطلب منه من وقت.
*****
استيقظت بعد عدة ساعات من انصرافه.
كان شعرها مبلل ملتصق من شدة العرق.
أصابتها الحمى في جسدها.
حاولت الاعتدال والجلوس فوق الفراش لكنها فشلت فالحمى تمكنت منها.
قرع الباب ودلف الصغيرين وأخذا في القفز واللهو بجوار الفراش.
أياد بابتسامة طفولية: يلا قومي بقالك كتير نايمة.
حاولت الرد، لكن الكلمات ظلت حبيسة حلقها.
شعرت بالعجز.
دموعها انسا بت بألم.
أرتعشت شفتها.
أصابها دوار قاتل فسقطت نائمة مغمضة العينين.
حاول الصغيرين جعلها تفيق لكن كل محاولاتهم بائت بالفشل.
خرجا إلى الخارج.
ما إن دلف أكنان إلى داخل الفيلا حتى استقبله الصغيرين.
أياد بلهجة طفولية: كنت فين.
رد عليه بابتسامة: كنت عند عمتكم وأول ما طمنت عليها جيت هنا علطول.
شرد لثواني في أحداث أخر ساعة. عندما أتى الشيخ وقام برقيتها وقال أنها أصبحت أفضل والسحر المعمول لها أصبح ليس له وجود. وبعد انصراف الشيخ استغرقت بيسان في النوم مباشرة.
جذبه وليد من البنطلون بعنف وهتف فيه: روحت فين.
أكنان بابتسامة: موجود أهو قصادك.
سأل وليد: هو أنا عندي عمة.
قال أكنان: أيوه عندكم وعمة عسولة أوي كمان.
قال وليد وأياد في وقت واحد: عايزين نشوفها.
رد عليهم بابتسامة: حاضر هتروحوا تشوفوها. هي فين ماما.
قال أياد بضيق: لسه نايمة ولما جيت أصحيها مش ردت تصحى.
قاطعه وليد قائلا: وأنا لما لمستها كانت سخنة أوي.
أكنان بمجرد سماعه كلمات ابنه، لم ينتظر التأكد منه وأخذ يركض على السلالم بسرعة.
وجد نفسه أمامها.
رأى جسدها يرتعش.
لمس جبهتها وجد حرارتها مرتفعة.
وباضطراب أخرج هاتفه وأتصل بالطبيب.
لم يعرف الطبيب سبب إصابتها بالحمى، فطلب مجموعة من التحاليل ليتأكد من تمام صحتها.
لازمها أكنان وأخذ ينظر إليها في فراشها بعيون حزينة وقلب متألم.
أستشعر بغصة لرؤيتها ضعيفة وتعاني.
جلس على حافة الفراش همس باسمها بخفوت.
بللت دموع الندم وجنتيه.
أتى الليل ومازال الوضع كما هو.
إلا من اتصال الطبيب الذي أخبره أن التحاليل سليمة ولا يوجد بها شيء، وكل ما يجب فعله أن تأخذ مخفضات للحرارة وكمادات مياه باردة.
في العتمة وسط هذيانها، كان هو الوحيد بجوارها.
أخذ يمسح وجهها وشعرها بمنديل مبلل بالماء البارد.
فتحت عينيها بضعف تشابكت النظرات.
نظرة متلهفة تقابلها نظرة شاردة مغيبة.
همست بأعياء: عطشانة.
توقفت يديه الممسكة بالترمومتر في الهواء وتمتم بالدعاء والشكر عندما فتحت عينيها وطلبت الماء.
وضع الترمومتر جانبا وقام بصب كأس من الماء لها.
رفعها من فوق الفراش وأسند رأسها على صدره.
قرب حافة الكأس من شفتيها وسقاها.
وعندما انتهت من الشرب غفت مباشرة على صدره.
وبعيون ملتاعة أخذ يتأملها بحب شدها إليه أكثر.
مرر برقة أصبعه على جانب شفتيها ماسحا قطرات الماء المنسابة. مرر أصابعه بحنية على شعرها. تنهد بصوت مسموع مع كل لمسه لها. ظل على هذا الوضع فترة من الوقت. أنهكه التعب بعد فترة من عمل الكمادات لها. أراد أراحة جسده قليلا، فتسلل إلى جانب الفراش ونام بقربها. وظل بجوارها نائما حتى ساعات الفجر الأولى. استيقظ مفزوعا عندما وجد نفسه استغرق في النوم كل هذا الوقت. مرر أصابعه باضطراب على جبهتها فوجد الحرارة اختفت. وعندما اطمأن أنها أصبحت أحسن، قفز من فوق الفراش سريعا، فهي لن تتحمل رؤيته نائما بجوارها. تسلل من غرفتها بهدوء. وقبل خروجه نظر لها بحب لا نهائي ممزوج بحزن عميق.
بدأت أشعة الشمس تحيط بغرفة زهرة من الخارج والداخل. بدأت تسمع أصوات ضاحكة بجوارها. شعرت بالألم ففتحت عينيها ببطء شديد. فشاهدت أطفالها بجوارها مبتسمين.
"صحي النوم ياماما كل ده نوم."
"ده أنا لسه نايمة."
"لأ أنتي نمتي يومين بحالهم."
وضعت يديها على رأسها المتألمة وسألت باستغراب: "هو أنا نمت بجد يومين ولا بتهزرو؟"
"أه أحنا لما جينا هنا أمبارح كنتي نايمة وسخنة أوي."
"ولما قولنا لبابا أكنان جاب الدكتور وفضل جنبك طول الليل."
"وكان بيعمل ليكي كمادات ومرضاش أي حد فينا يقعد معاكي... أنا أضايقت أوي منه."
"وأنا كمان."
تململت على الفراش بعدم راحة وهي تسمع حديثهم فقالت بابتسامة خافتة: "هو عايز مصلحتك ياحبيبي عشان مش تتعدو مني."
"أصحي بقا عشان جعان."
"رحو أنتو وأنا جاية وراكم نفطر كلنا سوا."
بدأت زهرة بالتحرك حتى وصلت أمام الحوض. غسلت وجهها لكي تزيل بقايا غشاوة التعب والنعاس من على وجهها. أخذت تلقي دفعات من الماء على وجهها حتى انتظمت أنفاسها وشعرت بالهدوء.
على طاولة الأفطار، رأت أكنان متصدر مقدمة الطاولة. تناولت الطعام في صمت، لكن أطفالها لم يكفوا عن الكلام واللهو. نظراتها لهم كانت شاردة. سرحت في خيالات الليلة الماضية وبدون وعي لمست جانب فمها المرتعش.
لاحظ أكنان هذا الشرود الذي سيطر عليها، لكنه لم يعلق واستمر في تناول أفطاره.
نظرت له بحيرة فبادلها بنظرات دافئة وقال بهدوء: "أنا ماشي وهجي بالليل. ده كان أتفاقنا لما خرجنا من فيلا شهاب أني أفضل معاكي. لسه عند أتفاقنا ولا هتقولي متجيش هنا تاني؟"
همست بخفوت: "أنا مش برجع في كلامي والأتفاق أتفاق."
ابتسم بهدوء وقال: "مع السلامة ياحبايبي" ووزع نظراته على الكل وقبل كلا الصغيرين.
فتحت عينيها بوهن. لم تستوعب لأول وهلة تواجدها في غرفتها. حاولت النهوض لكنها توقفت عن الحركة والتفتت إلى صوت الباب الذي يفتح ببطء. ترقبت القادم. بدت مصدومة من رؤيته.
بخطوات مترددة أقترب منها وجلس بجوارها على الفراش وظل يتأملها بحب ممزوج بندم. خانتها دموعها فأنسابت في صمت. أشاحت بوجهها بسرعة لكي لا يرى دموعها التي لا تدري لها سبب محدد. ندم أم خوف أم خذلان أم فرحة لرؤيته؟
شعرت بيد تلمس كتفها ثم أدار رأسها تجاهه. مسح دموعها ونظر لها بحب. سألها برقة تغللت داخل أحاسيسها بسرعة: "حسه بأيه؟"
ارتفع صوت بكائها وهي تسمع صوته المحب.
سأل بقلق: "هو في حاجة وجعاكي؟"
أجابته وهي تمسح دموعها: "أنا كويسة." بدت الحيرة في عينيها. سألته بتشوش: "أنت عرفت أزاي؟ وجيت هنا أزاي؟"
"أنت كنت في غيبوبة."
قال بابتسامة باهتة: "الغيبوبة فوقت منها عشان أفضل معاكي. وجيت طبعا بالطيارة أول ماعرفت باللي حصل ليكي." سألها بتردد: "عرفتي السبب اللي وصلك لحالتك دي؟" هزت رأسها في صمت وقالت بخفوت: "أيوه أكنان قالي."
حاولت النهوض لكنها لم تفلح لشعورها بدوار مفاجئ.
وضع يده حول خصرها مانعا إياها من السقوط وبالأخرى عدل وضع الوسادة خلفها. وجدت نفسها محاطة بين كلتا ذراعيه. شعرت بدغدغة خفيفة تعتريها وزادت نبضات قلبها. شعرت بنفسها ضعيفة هشة بين أحضانه وصدره العريض الذي اختبرت نشوة دفئه العديد والعديد من المرات. شعرت بقلبها الذي أصابته البرودة ينصهر يشتعل. أرادت وضع أناملها على صدره للشعور بدقات قلبه. هل ينتفض كقلبها؟ أرادت ضمه لتصدق أنها لا تحلم. كادت ترفع يديها لكنها شعرت بالعجز. رجعت بجسدها للخلف متفادية الاحتكاك به.
لم يريد البعد عنها، لكن لابد له من الابتعاد مضطرا حتى لا يتفاقم الوضع بينهم. هي لازالت ضعيفة ومشوشة. تألم لرؤيتها هكذا، ضعيفة ومنكسرة.
قال زاهر بهدوء مصطنع: "وجودك في حياتي حسسني أني عايش مش مجرد ظل. كنتي النكهة الحلوة في حياتي. وكل دقيقة وكل ساعة وكل يوم كنا في مع بعض كنت في منتهى السعادة. كان بيمر عليا وقت والخوف يسيطر عليا أنك تبعدي. كنت مستكتر وجودك في حياتي. لحد ماالخوف ده أتحول ليقين." همس بألم عندما استعاد ذكريات هذا اليوم: "سمعتك بتكلمي كريم وبتقولي ليه خلاص زهقت وأنا ناوية أبعد. مستحملتش ولقيت الدنيا بتلف بيا ووقعت على السلم ودخلت في غيبوبة. غيبوبة لما فوقت منها أقتنعت أني فضلت فيها بأردتي. فوقت لما حلمت بيكي وأنك محتاجني. فوقت عشانك أنتي وبس. وبعدين عرفت باللي حصل ليكي واللي عملته أمي معاكي وأنك أتظلمتي واتألمتي كتير. سامحيني يابيسان أني مقدرتش أحميكي."
همست بارتجاف: "أطلع دلوقتي."
نطق كلماته بهدوء: "هفضل معاكي ومش هطلع. أنتي محتاجني وأنا محتاجك. أنتي أتخلقتي ليا وأنا أتخلقت ليكي. مقدرش أعيش من غيرك ولا أنتي تقدري تعيشي من غيري عشان مصيرنا أحنا الاتنين مربوط ببعض. مش همسح للي حصل يفرق بينا. هنقاوم أحنا الاتنين لحد مانعدي الازمة وترجعي بيسان حبيبتي."
رفع يديها وعقد أصابعه في أصابعها ثم قبل أناملها برقة قائلا: "بينا أحنا الاتنين هنعدي الازمة وهترجعي زي الأول فاهمة يابيسان أنتي حته مني."
ارتجف جسدها وشعرت بمشاعر مختلفة تغزوها فما مرت به لم يكن بالشيء الهين. فالحب ليس كل شيء في الحياة.
كانا في السيارة أمام الفيلا عندما قال لها كريم: "هسيبك معاها ساعة تطمني عليها. هروح أخلص أجرءات السفر وأجي أخدك."
نظرت له بحب: "وأنا هستناك."
بمجرد دخولها من باب الفيلا، أدار السيارة وأنطلق بها.
في الداخل تفاجأت زهرة بأن ضحى موجودة في الأسفل وتسأل عنها.
نزلت السلالم بسرعة وهتفت بسعادة لرؤيتها: "واحشتيني يابت."
"وأنتي كمان يازوزو. هنفضل كده وافقين مش هتعزميني على حاجة يابخيلة؟"
بادلتها الضحك: "هو أنتي لحقتي؟ حاضر هشربك." ثم نادت على الخادمة: "لسه بردو بتحبي عصير المانجا؟"
رسمت ضحى شكل قلب بأصابع يديها وقالت: "ده عشق العشق."
أحضرت الخادمة العصير. أرتشفت ضحى عصيرها بتلذذ واضح ثم قالت بابتسامة: "فكريني لما أجي من السفر أجيلك هنا عشان أشرب عصير مانجا. أصله طعمه حلو أوي."
صمتت وهي تسمع آخر كلماتها فقالت: "أنتي مسافرة؟"
أرسم العبوس على محياها وهي تقول: "مسافرة النهاردة مع أن من جوايا مش عايزه أسيب هنا. مع أن بابا وماما سابو البيت وسافرو مصر."
"هما أهلك سافرو خلاص؟"
"أيوه يازهرة. لما زروني بابا قالي عندي مفاجأة حلوة أنهم لقو شقة حلوة وكمان جاله شغل في شركة كبيرة وهيسافرو علطول."
بلهجة يشوبها بعض الحزن: "خلاص كله سافر وحتى أنتي كمان."
ضمتها ضحى وقالت بحب: "هتصل بيكي علطول. طمنيني عليكي الاول أنتي كويسة وأيه شغل العصابات اللي حصل معاكي؟ أنا بقرا الحاجات دي في الروايات وأشوفها في الافلام لكن عمري ماتخيلت أن ده يحصل معاكي. أحكيلي كل حاجة بالتفصيل." رأت نظرات زهرة المذهولة لكنها أكملت حديثها: "طبعا من بصتك دي هتقولي عرفت أزاي وأنتي مقولتيش حاجة. أنا عرفت من كريم ماهو أكيد كريم هيقولي. قوللي بقا تليفونك كان مقفول ليه؟ ده أنا أترعبت عليكي بالرغم أن كريم طمني بس قولت لزم ولابد أشوفك بنفسي. هو اللي أسمه شهاب ضرب علكيم نار والطلقات جيت في الهوا. الحمد لله أنها جيت في الهوا بصراحة الراجل ده يستاهل الشنق."
قاطعتها زهرة بضحك: "أفصلي شوية أيه تسجيل وأتفتح. وأنا كويسة وقعدة قصادك. تعالي هنا ومادام كريم حكلك على كل حاجة عايزني أتكلم ليه هو وجع دماغ وخلاص."
ضحكت قائلة: "عشان هو لو نسى حاجة أنتي تحكيها." ثم نظرت في أرجاء الفيلا بتركيز: "قوليلي يازهرة بصراحة أيه الوضع هنا في الفيلا؟ بعد ماعرفت أنه هيعيش هنا معاكم وأنتي أتقبلتي الوضع أزاي؟"
شردت زهرة وسرح تفكيرها وخيالها فيما مضى.
لاحظت ضحى شرودها المبالغ فيه، فحدثتها قائلة: "كل السرحان ده عشان جبت سيرته بس."
عادت زهرة من شرودها بعد تلك الكلمات التي أطلقتها ضحى وقالت لها: "أنا لحد النهاردة مش قادرة أنسى بالرغم كل اللي بيعمله معايا."
أردفت ضحى قائلة: "أركني ذكرياتك أحبسيها عشان تقدري تعيشي."
"أنا للأسف مش قادرة أنسى الماضي. اللي حصل زمان كان صعب أي حد يعدي منه وأنا عديت منه ياضحى بس بندوب لسه معلمه جوايا خلت مشاعري مشوهة. أنا بقيت منفعش منفعش أكون أي حاجة."
صمتت ضحى قليلا تفكر في كلماتها ونظرت لها بهدوء شديد: "قولتي يازهرة أنه ندمان ويتمنى ترضي عنه. ليه مش عايزه تفوقي من الشرنقة اللي معيشة نفسك فيها ليه رافضة تفوقي؟ ربنا بيسامح يازهرة سامحيه حاولي تسامحيه. أنسي وبلاش تفكري نفسك باللي حصل. النسيان نعمة وبكرا تقولي أنا كان عندي حق."
تشوشت رؤيتها بالدموع فهي تشعر بحيرة وتخبط في مشاعرها تجاهه وأصبحت لا تعلم ماذا تريد. شدت ضحى من قبضتها على يديها وقالت: "أسمعيني كويس يازهرة الدنيا أديتك فرصة من دهب حياة جديدة ومستقبل جديد بلاش تخسريهم وراجل بيحبك وندمان. في رجالة غيره بيهربو من ذنبهم ويقولو ملناش فيه." أكملت كلامها برجاء: "سامحيه حاولي تديله فرصة."
"ححاول ححاول ياضحى."
"أوعديني أنك تديه وتدي نفسك فرصة."
"أوعدك ياضحى."
"فين بقا الولاد عشان أسلم عليهم مش سامعة ليهم حس؟"
"فوق في أوضتهم بيلعبو."
"عايزه أبوسهم وأسلم عليهم قبل ماسافر."
"تعالي معايا نطلع ليهم ومتقوليش أني مش حذرتك."
"من أولها كده هتظلمي الولاد دول كيوت من غير ماشوفهم."
أول ما زهرة فتحت الباب، تعالت أصوات الصراخ. تسمرت ضحى على الباب للحظات ثم ضحكت على مايحدث أمامها.
"سيب اللعبة بتاعتي."
"لأ دي بتاعتي."
"لأااااا بتاعتي أنا."
"دي بتاعتي أنااااا."
وكلا الشقيقين يجذبون اللعبة وكلاهما يصرخ في وجه الآخر.
همست زهرة بضحك: "أتفضلي سلكي بين الكيوت حبايبك."
تصنعت ضحى الرحيل: "لااااياختي سلكي بينهم أنتي. أنا هروح أكمل العصير بتاعك لحد ماجوزي الكيوت يجي ليا."
قامت زهرة بدفعها لداخل الغرفة وأغلقت الباب وقالت بابتسامة: "روحي يلا فضي الخناقة."
ضحكت زهرة فبادلتها ضحى الضحك.
توقف الصغيرين عن الشجار والتفتوا إليهم بفضول. فتعالت أصوات ضحكاتهم أكثر وأكثر.
رواية زهرة لكن دميمة الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم سلمى محمد
مع الوقت ننسى الألم فيصبح الماضي كأن لم يكن.
في آخر النهار وبعد غروب الشمس واختفائها في الأفق، رجع أكنان إلى البيت فلم يجد أطفاله في الجوار. صعد إلى غرفتهم، فتح الباب بهدوء، رآها من مكانه تحكي لهم قصة ومندمجة في تقليد أصوات الطيور، والصغار يضحكون في محاولة لتقليدها. زينت شفتيه ابتسامة ناعمة لرؤيتهم هكذا. هتف إياد وقفز من فوق الفراش:
"بابا جاه!"
تبعه إياد هو الآخر ملقياً نفسه عليه.
التفتت زهرة له ونظرت إلى أطفالها فرأت الفرحة في عيونهم. رفعت عينيها دون قصد، تلاقت النظرات، رأت بداخل عيونه مشاعر متعددة. تملكها التوتر فأبعدت رأسها في الاتجاه الآخر.
قالت بارتباك:
"يلا يا حبابيبي وقت النوم."
رفض الصغيران طلبها بالنوم، فقال لهم أكنان بلهجة أمره:
"اسمعوا الكلام. لو نمتوا دلوقتي هوديكم بعدين تشوفوا عمتكم وجدكم."
لاحظ نظراتها الغاضبة عندما وعد الصغار بزيارة العائلة.
هتف وليد وأياد في وقت واحد:
"بجد؟"
"أيوه بجد، روحوا ناموا يلا."
"حاضر."
أسرع الصغيران، كل واحد باتجاه فراشه. قامت زهرة بجذب الغطاء على كل منهما وأعطت كل منهما قبلة وقالت بابتسامة:
"تصبحوا على خير وأحلام سعيدة."
"وانتي بخير يا ماما."
عندما أغلقت باب غرفتهم، ظل أكنان واقفاً أمامها بهدوء ثم قال:
"أنا مستني."
"مستني إيه بالظبط؟"
"شكلك بيقول عايزة تتكلمي بخصوص وعدي ليهم."
نفخت بضيق وردت عليه بلهجة منفعلة:
"انت إزاي تاخد القرار ده من دماغك؟ هما مش مستعدين دلوقتي يتعرفوا على أهلهم."
أجابها بثبات:
"بالعكس يا زهرة، ده أنسب وقت إنهم يتعرفوا على أهل باباهم. دي جذورهم ومستقبلهم ولازم يتعلموا حب العيلة. وبيسان أختي نفسها تشوفهم قبل ما تسافر. بلاش تحرمي ولادك من عيلتهم."
هتفت بحدة:
"أنا لو عايزة أحرمهم ما كنتش اتجوزتك، بس الوقت مش مناسب."
أخفى غضبه بصعوبة وقال بهدوء مفتعل:
"خلاص، أنا وعدتهم ومش هخلف وعدي ليهم."
وختم كلامه:
"تصبحين على خير."
ثم تركها مغادراً، تضرب أخماساً في أسداس.
كانت رحلة طويلة لها من مصر إلى أمريكا، استغرقت ساعات كثيرة. ولأول مرة في حياتها تطأ قدمها أرضاً غريبة غير مدينتها. كانت تنظر لوجوه الناس بتأمل عميق وللمباني الشاهقة التي تلمع واجهاتها الزجاجية من خلال السيارة.
توقفت السيارة أمام بوابة عريقة. أمسك يدها برفق وقال:
"هنا هنعيش."
وشعرت به يضع قبلة سريعة على خدها.
"يلا بينا."
فتح لها الباب وأصبحت في الداخل. وقفت ضحى في مكانها، تتأمل فخامة المكان ولمسات الفن المعماري المهيب. مشهد يسلب اللب. شردت للحظات، تخيلت نفسها أميرة في عصر الأميرات وهي تنزل بفخامة على السلالم، وفي الأسفل أميرات يضحكن وموسيقى ناعمة تنساب في الجو. بدأت تتحمس وتنفض عنها التوتر.
أشار للخادم بحمل الشنط إلى غرفته وتفريغها. التفت إليها فرأى شرودها، سألها مبتسماً:
"إيه رأيك؟"
"حلو أوي."
"يلا نطلع أوضتنا، زمانك دلوقتي عايزة ترتاحي."
"بصراحة أه."
شعرت بالراحة وهي تجلس فوق الفراش، تتحسس ملمس الغطاء. أخذت تتأمل كريم وهو يتكلم في الهاتف، ونظرت حولها بشرود، لكن ذلك لم يمنع رؤيتها جمال وأناقة الغرفة. وعندما أنهى الاتصال، جلس بجوارها وضمها، واضعاً رأسها فوق قلبه وقال برقة:
"حاسة بإيه وأنتي هنا معايا؟"
ردت بهدوء:
"حاسة بالرهبة شوية."
نظر لها بقلق:
"إيه اللي خلاكي تقولي كده؟"
قالت له بلهجة رقيقة:
"رهبة عشان في بلد غريبة ومكان جديد عليا، لكن أنا في قمة سعادتي عشان موجودة معاك. وجودك معايا هو الأمان، هو سعادتي الحقيقية."
ضمها أكثر وربت على شعرها وقال:
"وأنا هعمل أي حاجة عشان أخليكي ديما سعيدة."
ثم رفع رأسها وقبلها على وجنتيها.
"زمانك تعبانة دلوقتي، نامي شوية."
ثم أراح جسدها على الفراش ونهض.
سألت بخفوت:
"رايح فين؟"
رد عليها بابتسامة:
"هخرج أخلص كام حاجة وهجيلك علطول."
هزت رأسها وهي تشعر بالإرهاق، وبمجرد خروجه استغرقت في النوم مباشرة.
وفي الأسفل، نزلت نيروز من سيارتها واتجهت إلى ملحق الفيلا المفضل لزوجها. رأت ناصر جالس على أحد الكراسي رافعاً قدميه على طاولة صغيرة كانت تتوسط المكان، وفي يديه مجلة مندمج في قراءتها.
بدأت نيروز بالصراخ:
"انت هنا وأنا برن عليك مش بترد!"
رد في هدوء:
"خير يا نيروز، كنتي عايزاني في إيه؟"
هتفت في وجهه بحدة:
"كنت عايزاك في حفلة تكريمي، وبلاش الأسلوب ده معايا. لوي الدراع ده مش عليا."
مط شفتيه بضيق:
"تقصدي إيه؟"
"انت عارف أنا قصدي إيه كويس. من وقت لما قولتلك خلاص أنا مش معاك في لعبتك وأبعد عنها."
قال بلامبالاة:
"وأنا سمعت كلامك وبعدت، عايزة إيه تاني؟"
قاطعته بعصبية:
"ترجع زي الأول وبلاش لوي الوش دي معايا."
استدار برأسه ورجع عدة خطوات باتجاه الملحق وهو يسمع صياحهم وهمهمات كلام غير مفهومة.
طرق على الباب ثم دلف. نظر كلا والديه إليه بصدمة.
قالت بارتباك:
"انت جيت أمتى؟"
"لسه جاي مبقاليش نص ساعة، وبدل ما ألاقيكم في استقبالي بتتطمنوا عليا، أسمعكم بتتخانقوا مع بعض. أيه سبب الخناقة المرة دي؟"
ضمته نيروز وقامت بتقبيله على وجنتيه وقالت بابتسامة مضطربة:
"حمد لله على سلامتك. متزعلش مني عشان مكنتش موجودة، بس للأسف كان عندي مؤتمر بتكرم فيه ولسه جاية منه دلوقتي. باباك السبب في الخناقة، رفض يجي معايا وقال مشغول، وأعرف إنه بيضحك عليا وقاعد في البيت."
ضحك وقال:
"متزعليش نفسك، ماهي مش أول مرة يزوغ عن مؤتمر بتتكرمي فيه. معلش بقا، مضطر أسيبكم، هروح مشوار ساعة وجاي علطول."
زمت شفتيها قائلة:
"هو أنا لحقت أقعد معاك؟"
رد عليها بابتسامة:
"بكرة تشبعي براحتك. سلااااام."
وأعطاها قبلة في الهواء وخرج مباشرة.
تنهدت نيروز براحة:
"الحمد لله، مسمعش حاجة."
تقلبت ضحى على الفراش وهي نائمة تحلم بكابوس، ثم نهضت وهي في حالة فزع شديد، ثم صرخت. دلف كريم بسرعة على صوت صراخها.
قال بلهفة:
"مالك حبيبتي؟"
وهي تلهث قليلاً قالت:
"كابوس، حلمت بكابوس."
أحاطت إحدى يديها بكفيه، فشعر بأناملها باردة وترتعش، فتناول يدها الأخرى وضمهم بين كفيه يفركهما لتدفئتهما.
"خير، أحكيلي بالراحة."
"كل اللي فاكره إني كنت في الضلمة. الضلمة وبس، وأنت بتبعد. وفقت لقيت نفسي بصرخ."
أحتضنها كريم وهمس في أذنها:
"متخافيش من أي حاجة طول ما أنا جنبك."
"خايفة."
"خايفة من إيه؟"
"خايفة الشغف والحب اللي بينا يروح."
أمسك يديها ووضعهما مباشرة فوق قلبه وهمس برقة:
"هنفضل نحب بعض وهنكمل مع بعض طول ما قلبي بيدق والشغف اللي بينا هيزيد."
ثم ضحك قائلاً:
"بس أكيد الحياة مش هتبقى علطول حب في حب."
نسيت توترها وابتسمت له:
"بالعكس، هتبقى أيامنا حب في حب."
وظلا متعانقين فترة من الوقت، ثم قال لها برقة:
"أنتي قرة العين لي."
"وأنت قرة العين لي يا حبيبي يا عمري يا روحي."
بعد مرور عدة أيام، لم يحدث فيها الكثير بالنسبة لضحى وكريم. أيامهم كانت شهر عسل دون منغصات من أهل زوجها. أما زاهر، نجح في اكتساب ثقة بيسان وقرر السفر إلى فرع الشركة في ألمانيا والبدء في حياة جديدة هناك بعيداً عن ذكريات الماضي. أما صفية، بعد العديد والعديد من الاعتذارات، رجعت إلى منزل زوجها، لكن العلاقة بينهم لم تعد كما الأول.
والعلاقة بين زهرة وأكنان أصبحت هادئة. حاولت زهرة الاستماع لنصيحة ضحى وتقبل وضعها ونسيان الماضي.
قررت بيسان قضاء آخر ليلتها الأخيرة في مصر مع أهلها قبل سفرها مع زاهر. دعت أكنان وأصرت على حضور زوجته وأولاده معه. أرادت رؤيتهم والتعرف إليهم. معرفتها بوجودهم كانت صدمة هائلة بالنسبة لها، لكنها استطاعت تخطيها وتمنت له السعادة، فهو عانى الكثير في حياته.
أجتمع الكل في حديقة الفيلا. زينت الحديقة بالأضواء فبدت كشموع تتلألأ لتضيف على وجوه الجميع بهجة ورضا. الرجال اهتموا بالشواء، فيما أخذت جيلان وبيسان وزهرة بتحضير المقبلات. ركض وليد وأياد في الحديقة وضحكات الجميع تملأ المكان.
سهرو مع بعض حتى آخر الليل. أضحكتهم بيسان بالنكات التي كانت تلقيها وبعض الحكايات المضحكة عن طفولة أكنان. وجدت زهرة نفسها بالتدريج تندمج مع المرح الذي ساد في الغرفة. ووليد وأياد لم يكفا عن اللعب والحركة مع نجم وجيلان حتى أنهكهم التعب.
لم يكف أكنان عن النظر لها، كانت ترتدي فستاناً أبيض ناعماً وحذاء من الجلد الخفيف ليس له كعب. ملابسها بسيطة وخارقة للعادة.
بساطة مثيرة...بساطة الشمس حين تطلع وحين تغيب. لم تكف عينيه عن التطلع إليها... يشتاق لها، يريد الارتواء من رحيقها المسكر.
عندما رأت تثاؤب أطفالها قالت لهم: "بعد إذنكم، عايزة أنيم الولاد."
نهضت جيلان من مكانها وحملت أحد الصغيرين وقالت: "تعالي معايا أوريكي الأوضة اللي هيناموا فيها."
وبمجرد انصرافهم، قالت بيسان بابتسامة متلاعبة: "عينيك متشالتش من عليها... باين عليك واقع على الآخر."
أكنان بابتسامة: "وأنتي بقا قاعدة مراقباني؟"
هزت رأسها بضحك: "هو بصراحة الكل، مش أنا لوحدي."
غمز لها زاهر: "براحة عليه يابوسة."
ابتسمت لزوجها قائلة: "حاضر هخف... ماتقولي ياكينو يا أخويا يا حبيبي حكايتكم من أولها وبلاش تلاوعني في الكلام... اتعرفت على زوزو إزاي وإمتى... وإزاي أنا معرفتش؟"
أردف بابتسامة ماكرة: "اتعرفنا على بعض زمان ورجعنا لبعض دلوقتي."
زمت شفتيها بضيق: "نعم؟ ودي بقا الإجابة على كل أسئلتي؟"
"أيوه يابوسة وبطلي فضولك ده شوية."
"ماشي ياكينو هبطل فضول بس مسيري هعرف."
قام أكنان من مقعده ثم قال: "تصبحوا على خير."
ابتسم نجم وقال في هدوء: "أخيراً جاه اليوم اللي أشوف ابني هنا وقاعدين كلنا مع بعض."
نظرت له بيسان وأردفت قائلة: "يعني معندكش فضول زيي تعرف إيه حكاية مراته وولاده؟"
لاذ بالصمت للحظات ثم قال ببطء: "هو لو عايز يقول لينا هيقول... وأنا كفاية عليا أنه حاول ينسى ويبتدي معايا صفحة جديدة... كفاية عليا أنه ممنعش أحفادي عني مع أن ده من حقه... أنا مكنتش ليه الأب المثالي."
شعرت بيسان بالحزن في صوته فقامت من مكانها وجلست على مسند كرسيه وأحاطته بإحدى ذراعيها وضحكت، مغيرة مجرى الحديث: "بس الولاد نسخة مني... دول لو كانوا ولادي أنا مكنوش هيبقوا شبهي كده."
ابتسم ببطء قائلاً: "شبهك أوي ودخلوا قلبي واحتلوه."
تصنعت الزعل: "وأنا بح خلاص بقا مليش مكان؟"
"لا طبعاً أنتي ليكي النص بحاله."
"وليه بحاله كتير أوي عليا؟ ولا أقولك خليها الربع."
قرص خدها بخفة وقال مبتسماً: "أنتي الكل في الكل طبعاً."
تابع زاهر في صمت حركات الأب مع ابنته... ابتسم وهو يرى سعادتها البادية على وجهها.. تحدث قائلاً: "أنا داخل أنام تيجي معايا؟" ومد يده إليها.. ابتسمت له وأمسكت يده: "هيجي معاك." وقبل أن تتحرك قبلت والدها على وجنتيه: "تصبح على خير."
"تصبحي على خير ياحبيبتي."
في الغرفة عند زهرة.
بعد أن تأكدت من نوم أطفالها أخرجت بيجامة من الدولاب وحدثت نفسها أن اليوم كان جميلاً بالرغم من توترها في البداية، فهي كانت تخشى مقابلة عائلته ولكن تحت إصرار الصغيرين ذهبت معهم مضطرة والآن هي تشعر بالراحة.. زينت شفتيها بخفة وهي تسترجع ما مضى وسعادة صغارها مع ولههم مع الجد والعمة. وعندما وصلت أفكارها باتجاهه متذكرة نظرته الخاصة لها فقامت بهز رأسها واتجهت إلى الحمام.
عندما خرجت تفاجأت به جالس على حافة الفراش.
سألته بلهجة متوترة: "أنت بتعمل إيه في أوضتي؟"
أردف بابتسامة هادئة: " قصدك أوضتي أنا."
بلعت ريقها بصعوبة: "أوضتك أوضتك."
"أيوه أوضتي أوضتي."
"ومادام هي أوضتك جيلان جابتني هنا ليه؟"
رد عليها في هدوء: "عشان أنتي مراتي وأوضتي هي أوضتك."
قالت بسرعة: "لا وأطلع بات في أي أوضة الفيلا كبيرة وفيها أوض كتير."
نهض من مكانه واقترب منها بخطى واثقة وتمعن في النظر لها... شعرت بالارتباك من نظراته.
همس بصوت أجش: "مراتي يازهرة ياريت تفهمي كلامي ده كويس أنا سيبك براحتك وبقول هي معذورة في تصرفاتها وزي ما بيقولوا للصبر حدود... أنا مكنتش هنام هنا." ثم أشار باتجاه باب مغلق "أنا كنت هنام في الأوضة دي."
سألت بهمس متوتر: "اومال كنت عايز إيه؟"
رفع خصلة شاردة من شعرها ووضعها خلف أذنها وهمس بخفوت: "كنت عاملك مفاجأة متأكد أنها هتبسطك أوي."
اضطرب جسدها من هذه اللمسة الخفيفة فقالت بحدة: "مش بحب المفاجأة."
"بس المفاجأة دي هتحبيها."
"مش عايزة أعرف."
"هتندمي على فكرة وعلمون مش هتحرك من مكاني إلا لما تعرفي المفاجأة وتقبليها كمان."
سألت وهي تشعر بالقلق: "مادام هتخرج أنا موافقة."
نظر بعينيها وقال: "قدمتلك في كلية الطب المفروض من أول السنة تتابعي دراستك فيها."
هزت رأسها عدة مرات غير مصدقة ما سمعت أذنيها... دخولها كلية الطب وأن تصبح طبيبة كان حلم حياتها هي ووالدها.
قالت وقد لمعت عينيها بالدموع: "ينفع أكمل دراستي عادي؟"
ابتسم وقال: "أنتي بقيتي طالبة في الكلية فأكيد ينفع."
شردت زهرة مع ذكريات الطفولة وحلمها الذي أصبح فيما بعد حلم بعيد المنال.
هو من خلال بحثه في خلفيتها علم عن حلمها.. هي أصبحت كل شيء بالنسبة له أصبح متعلق بها بشدة.. تردد قليلاً قبل أن يقول: "مبسوطة يازهرة..." ثم ربت على رأسها بخفة.
هذه الحركة البسيطة جعلتها تفيق من السعادة التي عاشت فيها للحظات.. ابتعدت عنه وواجهته: "أنت ليه عملت كده؟ ليه قدمت ليا في الكلية؟"
مرر أصابعه في شعره وقال: "مش عارفة ليه عملت كده؟"
ردت بخفوت: "إحساسك بالذنب صح؟"
اعترض على كلامها وهتف بيأس: "لا مش إحساس بالذنب يازهرة..." أمسك بيديه كلا كتفيها وهزها.. "أنا تعبت تعبت من مشاعري ناحيتك... أنا عملت كده عشان أشوف نظرة... نظرة سعادة واحدة في عينيكي... أنا عملت كده عشان بحبك..." هتف بألم "بحبك... حبيتك وأنتي زهرة بتاعت زمان وحبيتك أكتر لما عرفت زهرة الحقيقية... أنا عملت كل ده عشان بحبك.. اتجوزتك عشان بحبك مش عشان خاطر الولاد وبس... عشت معاكي في نفس المكان عشان مقدرش أعيش من غيرك."
أنكمشت وهي تسمع كلامه.. اندفعت من عينيها الدموع وصاحت: "بس أنا مش..."
ترك إحدى يديه الممسكة بها ووضعها على فمها وصاح هو الآخر بألم: "عارف... أنا كل اللي عايزو تتقبلي وجودي في حياتك وجودي كزوج حقيقي مش مجرد خيال..." أنزل يده وخرج بسرعة من الغرفة بخطى غاضبة.. غاضباً من نفسه بسبب انهياره وعدم تحكمه في أعصابه.
أنهارت زهرة جالسة فوق الفراش.. انسالت الدموع فوق وجنتيها.. لا تدري ماذا تفعل.. أغمضت عينيها في تعب وتكوّمت فوق الفراش.. هل يحبها حقاً؟ أم ماذا؟ هل تسامحه أم لا؟ أخذت تدعو كثيراً أن ينير الله طريقها فهي تشعر بالتعب والتشتت وعدم القدرة على اتخاذ القرار.. لا تعلم كم من الوقت مر وهي بهذه الحالة عندما فاقت واستعادت توازنها.
أخيراً عرفت ماذا تريد.. وقررت في أقرب وقت يجتمعوا سوياً ليخبرها بقرارها المتعلق بمصيرهم معاً.
في الصباح تناول الجميع الإفطار على سفرة واحدة.. ساد الجو المحيط بهم دفء الأسرة بهجة خاصة بهجة تجمع العائلة في مكان واحد.. شعر أكنان بوجود شيء مختلف فيها.. إحساس داخلي يخبره بذلك.. ابتسامتها ضحكاتها مختلفة حتى نظراتها.. وعند الانتهاء ركبت كل مجموعة سيارتها الخاصة حتى المطار وفي الداخل.
ضمت بيسان كلا الصغيرين بحب وقالت بتأثر: "هتوحشوني كتير."
إياد بلهجة طفولية: "وأنتي كمان هتوحشيني شوية مش كتير."
ضحك الجميع على رد إياد.
ضحكت بيسان بصوت عالي: "هوحشك شوية؟ شوفت ابنك ياكينو طالع ليك قال هوحشه شوية." ثم نظرت له مبتسمة.. "مقبولة منك ياسي إياد وإنت بقا يا وليد هوحشك قد إيه؟"
"هتوحشيني قد البحر."
"حبيبي يا وليد شوفتوا الواد الدبلوماسي..." ضحكت قائلة: "مش طالعلك ياكينو أكيد الدبلوماسية دي من مامته."
غمز أكنان لزهرة وقال: "طبعاً طبعاً المنبع كله عندها."
وبعد فترة ركبت بيسان وزاهر الطائرة الخاصة بهم.. وركبت جيلان السيارة مع ابنها. وقبل الانطلاق قال نجم: "تبقا تجيب الولاد كل فترة وبلاش تقطع بزيارتهم ليا قلبي اتعلق بيهم أوي."
أجابه بنبرة ثابتة: "هبقى أوديهم الفيلا... مع السلامة يجوجو."
جيلان بابتسامة: "مع السلامة ياحبيب جوجو... مع السلامة ياحبابيبي."
انطلق نجم السيارة.. وبعدها مباشرة انطلق أكنان هو الآخر.
زهرة كانت جالسة بجواره.. لسانها انعقد عن الكلام من شدة توترها.. همست بخفوت: "يااااه."
التفت لها وقال بفضول: "نعم يازهرة عاوزة تقولي حاجة؟"
ردت بارتباك: "آه أنا فكرت في كلامك امبارح وعاوزة أدي لعلاقتنا فرصة."
انصدم فقد النطق لثواني.. نظر لها يتأكد من وجودها بجواره وأنها هي نفس الشخص وسأل مكرراً: "قولتي إيه؟"
"أنا قررت أدي علاقتنا فرصة."
هتف بسعادة: "واخيراااا... اللحظة دي استنيتها كتير."
امسك كف يديها وضغط برقة.
وهمس بابتسامة: "أوعدك يازهرة أنك هتعيشي سعيدة معايا." وأخذ يصيح بسعادة.. "أنا أسعد إنسان في الكون."
شعرت بالراحة من قرارها لتزين شفتيها ابتسامة هادئة.. ودعت في سرها براحة البال وأن تملأ البهجة حياتها.