وصل أدهم وسارة في نفس الوقت، ولم تكن هناك سوى طاولة واحدة فارغة. هناك مواقف تمر عليها، يصبح لك فيها تصرفات غير مفهومة، قد تكون غير واعية أو ناضجة بالنسبة لعقلك، لكنها واضحة جداً لقلبك. ولكن من يقدر أن يفهمه؟ الموقف كان واحداً منها بالنسبة لسارة، التي قالت بسرعة: "لو حضرتك مستني حد، تقدر تقعد معايا. أنا مش مطولة." كان أدهم سيتراجع، لكنها كانت مقابلة عمل مهمة. نظر إليها وقال: "متشكر جداً." ابتسمت، وقعدت قصاده.
"استريحت دلوقتي يا مضخة الدم انت؟ دبستني وارتحت؟ " كان الحوار يدور في ذهنها وهي تنقل عينيها بين اللوحات المعلقة في المقهى. جاء الويتر وسأل أدهم: "حضرتك تشرب إيه؟ رد أدهم وهو ينظر في هاتفه: "قهوة سادة." أردف الويتر وهو يبتسم: "طب والآنسة؟ رفع عينيه عن الهاتف ونظر إليها وقال بنبرة حاول أن يجعلها لطيفة قدر الإمكان: "تطلبي إيه؟ حركت يديها الاثنتين بنفي قاطع: "ولا حاجة. أنا مليش في المنبهات دي خالص." أدهم
بتفكير وهو ينظر للويتر: "هاتلها عصير مانجا." لما مشى، قالت سارة بخجل: "بس أنا مطلبتش حاجة! أدهم بثقة: "اعتبريها رد جميل." "لاحظت البالطو الأبيض معاكِ. أنتِ دكتورة؟ سارة: "آه، أخصائية علاج طبيعي. ومش كدا وبس، دا أنا رسامة كمان." أدهم بدهشة، عدل جلسته وبدأ يركز معها: "رسامة؟! سارة بغرور: "أومال، دا أنا موهوبة جداً. برسم مناظر طبيعية وبورتريهات. تحبي تشوفي؟ ابتسم وقال لها: "أحب أشوف. وريني!
أخرجت هاتفها بحماس، وجابت فولدر رسوماتها الذي عليه. وضعت الهاتف أمامه: "قلب بقى، وقولي رأيك." أخذ الهاتف، وابتسم بعفوية وهو يقلب. سارة، التي كانت قلقة من ردة فعله، اطمأنت وابتسمت لابتسامته وهي واضعة يدها على خدها وتنظر له بتركيز. أدهم لاحظ نظرتها، عدل نفسه وقال: "احمم. مش بطالة. أتمنى متوقفيش رسم علشان كدا هنخسر موهبة جميلة زيك." احمرت وجنتاها، وقالت وهي تنظر في الساعة بارتباك: "آه.. مـ مش عارفة اتأخرت كدا ليه!؟
زهرة كانت وصلت، جاءت من وراء سارة ووضعت يدها على عينيها: "اتأخرت؟ قامت سارة ووقفت بسرعة، وقالت: "آه جداً... اتفضلي حاجتك أهيه، مع السلامة." استغربت زهرة منها، ونظرت على الطاولة لقت أدهم. استغربت أكثر وقالت: "أدهم؟ بتعمل إيه هنا؟ أدهم نظر إلى سارة وهي ماشية: "أبداً مقابلة شغل. انتِ تعرفيها؟ زهرة: "آه، دي سارة صاحبتي! ابتسم أدهم وعان الهاتف في جيبه بدون تركيز: "أها... قوليلها إني اتبسطت بمقابلتها جداً."
لما روح أدهم اكتشف أنه أخذ هاتف سارة، وسارة أخذت هاتفه! بالنسبة لشخص مثل أدهم لا يؤمن بشيء اسمه صدفة، كان الموضوع في غاية الخطورة بالنسبة له. هو القدر يخطط لأيه؟! صباح ثاني يوم في المستشفى. زهرة كانت داخلة عند راسل، لكنها تفاجأت بأدهم ينتظرها على الباب. الارتباك كان غالب الهدوء الذي يغلف ملامحه دائمًا. قال لها: "البنت بتاعة امبارح.. اللي اسمها.. "عامل نفسه بيفتكر" سارة.. آه سارة.. أقدر أشوفها تاني إزاي؟
ضيقت زهرة عينها ونظرت له: "وانت عايزها في إيه؟ أدهم بجدية: "لينا مصلحة عند بعض. هتقولي؟ سكتت شوية، وقالت: "هي عندها دلوقتي سكشن. بعد ساعة غالباً هتلاقيها في الكافتيريا بتاعة الكلية." أول ما خلصت كلامها، شكرها أدهم ومشى وهو يأخذ نفسًا بضيق، لأن ثقل الموقف على قلبه كان مسببًا له ضيق تنفس رهيب. بعد ساعة.
كانت سارة قاعدة لوحدها في المكان الذي قالت عليه زهرة. شافها أدهم، وكان مترددًا في كل خطوة يقرب بها منها. لكن ما كان يثبت رجله ناحيتها، كان شعور غريب بداخله أنه يريد رؤيتها ثانيًا، ويرى لمعة في عينيها عندما يتعلق الأمر بفنها. وقف جنبها، وقال: "آنسة سارة؟ كانت سارحة وتنظر أمامها. قطع عليها المشهد وقعد في وجهها: "خمس دقايق بس من وقتك." *طلع التليفون من جيبه*
"امبارح لما قعدنا سوا بدلنا التليفونات. اتفضلي تليفونك وهاتي... وقف كلامه لما رأى الدمعة في عينيها. لما عرفت أنه كشفها، لم تمسك نفسها أكثر من ذلك وبكت. دموعها لم تكن تنتهي. وأدهم أمامها لم يكن يعرف يتصرف كيف. هو آخر حد ممكن يقول كلام مواساة، أو يطيب خاطر.
لكن كان يعرف شيئًا واحدًا بس. لو حد زعلان، خليه جنبه، وطمنه. ويا سلام لو ضمته لصدرك وحسسته أن مهما كان العالم قاسي وبارد، فحُضنك سيفضل دائمًا حنين ودافئ. وسيفضل مرحبًا به في أي وقت. قام وقعد جنبها. لو سألته ساعتها عقله كان فين لما أخذ سارة وضَمّها لصدره، لن يعرف يجيب. مشاعره، كل مشاعره اتحدت عليه، وأمرته أن يفعل كذا. والقلب ما لوش كبير!
سارة لم تعترض. كانت في أضعف حالة لها، ووجود أحد بقربها كان بالنسبة لها طوق نجاة. تقدر تعدي مرحلة الخطر وتصل لبر الأمان من خلاله. لما هدت، سألها أدهم بغضب: "مين اللي خلاكي تعيطي كدا؟ سارة كانت مترددة تقوله ولا لأ، وفي الآخر أذعنت لطلبه وقالت: "ك.. كنت مشتركة في مسابقة رسم، والنهاردة روحت علشان أقدم رسمتي. الحكم شافها واتريق عليها قدام كل الموجودين وقال عليا إني رسامة فاشلة!
الدم لما بيغلي في دماغ أحد، لا يرى أمامه. عشان كذا أدهم قام بدون ما يتكلم ومسكها من إيدها. وفي مكتب الحكم، دخل أدهم بدون ما يخبط وهو ساحب وراه سارة، اللي دموعها ما كانت لسه نشفت. وأخذ لوحة من لوحات سارة علقها بغضب بدل لوحة ثانية كانت على الجدار. الحكم بعصبية شديدة قام وقف وقال: "انت اتجننت! إزاي تدخل مكتب الدكتور بالطريقة دي!؟ راح أدهم مسكه من لياقة قميصه بغضب وقال:
"انت مسمي نفسك دكتور لما تتريق على طالبة وتجرحها بالشكل دا؟! ... انت خسارة فيك كلمة راجل حتى! الدكتور: "ا انت تبقى مين علشان تكلمني بالطريقة دي؟! ... أنا هنادي على الأمـ... لم يكمل كلامه لأن أدهم شده وخرجه برا المكتب. الطلبة كلهم اتلموا. قال أدهم بغضب شديد: "لو متأسفتش ليها دلوقتي يبقى انت اللي جنيت على نفسك! ... انت متعرفش أدهم النويري يقدر يعمل إيه!
ورماه على الأرض. نظر الدكتور حواليه، لقى العيون والهمس كله عليه. خاف على شغله، وعلى سمعته قدام الطلبة. فقال بصوت خافت لسارة: "أنا آسف." زعق أدهم وقال: "مش سامع! على صوته وقال بخوف: "أ.. أنا آسف يا آنسة سارة..! أدهم: "عارف لو اللوحة اللي علقتها اتشالت من مكتبك، أنا هقطع عيشك! وأخذ سارة من إيدها ومشى. راح بيها على الكورنيش. منظر الميه بيهديه. سارة ما كانتش عارفة تقول إيه وفضلت باصة قدامها بخوف. لما حس أن وترها،
قام من جنبها وقال: "ارجع ألاقيكِ مكاني! بعد شوية، كان جاي وفي إيده بوكيه ورد. من أزهار التوليب، اللي سارة أول ما شافتها اتبسطت جداً. قامت تشوفها، وقالت: "أنا بحبها أوي..! زق أدهم البوكيه ناحيتها وسابه بين إيديها وهو بيقول: "خديه، دا عشانك. وبالمناسبة أنا عارف إنك بتحبيها، مكنتش عشوائية مني." رفعت حاجب: "عرفت منين؟ اتحرج، وبص بعيد: "شفت خلفية تليفونك، كنتي ماسكة بوكيه ورد زي دا ومبسوطة." سارة بكسوف: "وكان شكلي حلو؟
أدهم اتفاجأ من ردها، لكنه استجمع نفسه وقال: "آه.. أظن إني وقعت في حب ابتسامتك بعمق! مسكت وردة منهم وقالت وهي تمشي صباعها عليها: "انت عارف زهرة التوليب بترمز لإيه؟ هز رأسه شمال ويمين بنفي. قالت وهي تنظر في عينيه: "بترمز للحب.. للحب الأبدي." *** خرج راسل من المستشفى، لكنه ما كانش لسه بيعرف يمشي. كان محتاج دكتور علاج طبيعي عشان يساعده على الحركة من تاني. وطبعًا مين القلب اللي هيبقى أحن عليه من قلبي؟
ولا العين اللي هتاخد باله منه أكتر من عيوني؟ متدوريش، مش ممكن تلاقي. عشان كدا بقيت أروح له البيت أتدرب على مهنتي وفي نفس الوقت أعالجه. وفي مرة كنت بسنده عشان يمشي، قال لي: "كنت عايز أسألك السؤال دا من بدري." زهرة بتعجب: "سؤال إيه؟ راسل: "لما كنت مرمي في المستشفى، كان طيفي بييجي في خيالك ولا لأ؟ يعني بالبلدي وحشتك؟ زهرة بتريقة:
"لا طبعًا. هو أنا كان عندي وقت أفتكرك طول السنتين والست شهور، والـ 16 يوم و 18 ساعة اللي غيبتهم عني؟ عمرك ما جيت على بالي! بصوا لبعض لثواني. بعدها انفجروا في الضحك. الروح مش محتاجة أكتر من لحظات الطمأنينة والسلام دي عشان تزهر. وعن أي إزهار بتتكلموا لما يبقى سببه المحبوب؟ فجأة باب القصر اتفتح وطلت منه آنسة بارعة الجمال. الهوا من وراها بيطير شعرها الأشقر الطويل والخدم حوالين منها شايلين شنطها وبيدخلوها القصر.
قالت بابتسامة واسعة: "مصدقتش وداني لما سمعت الخبر يا راسل! وحشتني أوي يا حبيبي!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!