فجأة سمعنا صوت حاجة بتتكسر جاية من أوضة راسل. بعدها خبطة قوية حسيت بيها في صدري. في واقع الأمر مكنتش خبطة، كانت ضربة عنيفة من قلبي وهو بيحاول يعبر عن خوفه وتوتره. ثواني معدودة وكنا عند راسل. والشعور اللي حسيت بيه وقتها كان شبه شعوري لما أفتح التلاجة وألاقي علبة آيس كريم وأفرح، أفتحها ألاقي فيها مخلل. كان شبهه في الصدمة، لكن ده كان أقوى وكسر خاطري أكتر.
لما عرفت أن مصدر التكسير كان سببه أمبولات الحقن اللي وقعت من إيد الممرضة. مسح أدهم بإيده على وشه بضيق كبير، ومامته قعدت على الكنبة وهي حاطة إيدها على وشها بتعب. سيبان الأعصاب اللي بييجي بعد لحظات التوتر دي بيبقى متعب. مش وقته، أنا عارفة. لكن في المرايا اللي قدامي شوفت شبح ابتسامة بتترسم على وشي. لأن أخيرًا لقيت حد مشاركني مشاعر الخوف والترقب، اللي عشت وحيدة وأنا أسيرة في سجنها لسنين.
بص لي أدهم في صمت، ولمحت إيده وهي بتتقفل بعصبية، وسنانه وهي بتجز. واضح إنه بيحاول يتحكم في غضبه قدامي. ثم قال بضيق، وهو بيحاول يخفض من صوته: دا أول وآخر تحذير ليكي أن الحادثة دي تتكرر، فاهمة؟ هزت راسها بخوف، واستأذنت بعد ما لمّت الإزاز من على الأرض. بصيت عليها وهي خارجة. وبرا الباب لمحت كيسة الحاجة اللي كنت شارياها. برقت وأنا بتحسر على ذاكرة السمك اللي عندي. أزاي أنسى إني بقيت خالة قد الدنيا؟
قربت من راسل، ومليت عيني منه. ثم استدرت لأدهم وقولت: أنا.. هضطر أستأذن دلوقتي. بسرعة وقفت مامة راسل وقالت بعصبية: تستأذني تروحي فـ.. قاطعها أدهم لما زجرها بنظرة حادة، ثم غمض عينيه وفتحها براحة كأنه بيطمنها. قال لي وهو بيبص في عيني: إذنك معاكي. هزيت راسي، وكنت لسه هخرج، لكن وكالعادة ضميري نخزني. وللأسف نخزتني وحشة أوي وبتفضل معلمة لو محصلش اللي يرضاه. قعدت على الأرض قصاد مامت راسل وأنا ماسكة إيديها في محاولة لطمأنتها:
أنا عارفة أن أول مقابلة ما بينا كانت من دقايق، لكن قلوبنا اتقابلت من زمان في قلب راسل. أنا وأنتي اللي في نفسنا واحد، واللي قلبنا بيتمناه مفيش غيره. هو أن راسل ينور حياتنا من تاني. وصدقيني لو كان نص قلبك واخدة راسل، والنص التاني لأدهم.. فأنا راسل واخد قلبي كله. فلو سمحتي ممكن متقلقيش. وثقي فيا لأني يهون عليا أي حاجة ولا إني أخون ثقة حد ملوش غيري بعد ربنا.
عمري ما كنت كويسة في الارتجال، وفي المواساة مش أحسن حد، لكن في اللحظة دي حسيت أن قلبي هو اللي كان بيتكلم. وأظن الرسالة وصلت لقلبها هي كمان، فاطمنت أخيرًا. بصت لي بعيون مبتسمة، وشدت على إيدي وهي بتقول: اعذريني يا بنتي لو بان كأني شخص متحكم، وأنانى لكن.. قاطعتها، بصوت هادي: أنا فاهمة كل اللي عايزة تقولي. ابتسمت، وقمت وقفت وأنا بعدل هدومي. وقولت بمرح: جدران الأوضة هتحفظ وشي الفترة الجاية.. لأن هاجي كل يوم. قال لي أدهم:
يبقى من حظنا. ابتسمت، وخرجت بسرعة عشان مسؤوليتي كأخت تحتم عليا أكون مع حنان حالًا. أول ما خرجت زهرة من الأوضة، ملامح أدهم الجامدة اتحولت لابتسامة رقيقة وقال لمامته: راسل عمره ما اختار غلط. دايما كل اختياراته بتيجي في الجون. *** *غرفة حنان* كانت زهرة واقفة على الباب من برا، متأكدة أنها لو دخلت هينهال عليها سيل من الأسئلة: اتأخرتي ليه؟ كنتي فين كل دا؟
أسئلة كلها تدور في سياق واحد، وإجابتها واحدة. جهزت هتقول إيه، ودخلت. لكنها اتفاجأت بالصمت وهو بيقابلها. راحت ناحية حنان ملقتش البيبي معاها. سألت: فين.. البيبي؟ حنان بحزن: راح الحضانة.. واضح أنه محتاج يقضي هناك فترة. حضنتها زهرة جامد: خلي أملك في ربنا كبير. أنا متأكدة أن شملنا هيتجمع قريب جدًا. *** بقيت أزور البيبي معاهم كل يوم، وأعدي على راسل. ولما خرج سليم من الحضانة -أيوه اتسمى على اسم والد يحيى
-بقيت أخلص محاضراتي بدري وأعدي عليه. لما كان يفوتني يوم ومشوفهوش، كنت بشيل اليوم ده من عمري. لأن شوفتة كانت بتصنع يومي وبتحسسني بالحياة. مكنتش أعرف أني بحبه أوي كدا غير لما دخلت الممرضة فجأة لما كنت معاه، وفي إيديها مكنة حلاقة وطبق فيه ميه. سألتها بفضول: لإيه الحاجة دي؟ جاوبتني: هحلق دقنه، مش شايفة طولت إزاي؟ في ثواني تخيلت نفسي وأنا بحرق المستشفى اللي فيها. لو الكلام ده حصل، قمت ومن غير تفكير نتشت الحاجة
من إيدها وقولت بثقة: من النهاردة الموضوع ده يخصني أنا.. تمام؟ رفعت كتافها وقالت: زي ما تحبي. أستاذ أدهم موصينا أن كلامك كله يمشي. ابتسمت بثقة أكبر: احمم.. روحي أنتِ شوفي شغلك. أدهم، كان دايما واخد باله مني. حتى الدكتور اللي قال إنه هيسقطني، بسبب مكالمة من أدهم نجحت في مادتي بإمتياز. الثقة اللي كانت في عيونه لما قالي "لو طلبتي روحي هديهالك من غير فصال" مكنتش جاية من فراغ. هو فعلًا ممكن يعمل كدا لو لزم الأمر.
بالرغم إني بعتبر كلامي أنا وراسل سري، شيء مميز بيني أنا وهو بس، لكن كـ تعبير عن امتناني لوجودكم جنبي طول الوقت، هحكيلكم شوية صغيرين. *في اليوم الأول* كنت قاعدة جنبه على الكرسي وبقول: بعد ما قابلتك، تعلقي بيحيى قل. واوعى تفتكر أني ببدل واحد بواحد. تؤ تؤ، أنا اكتشفت أني كنت عايشة في وهم كبير وأنت خرجتني منه. معرفتش معنى الحب إلا معاك. *بعد أسبوع* كنت حاطة إيدي على خدي وباصاله وأنا بقول بتفكير:
بفكر أغير قصة شعري. تعرف أنها متغيرتش من ساعة ما قابلتني؟ مش عارفة لما يقوم هتبقى لسة حاببها ولا إيه. *بعد شهر* فردت جسمي على الكنبة قصاده لأني كنت تعبانة، وكلمته: أنا عرفت أن عيد ميلادك الجاي هتكمل ٢٥.. يعني لما قابلتك كنت في ٢٣. عمومًا.. تحب أجيب لك إيه في عيد ميلادك؟ *بعد ثلاثة أشهر* يوم عيد ميلاده، دخلت وأنا إيديا ورا ضهري. تا تا ن، أحلى إسوارة صنعتها بإيديا ليك، وبص عملت لنفسي واحد برضه. قعدت جنبه وهي بتلبسهاله:
الاسوارة دي بقى يا سيدي بيقولوا إن أي حبايب بيلبسوه بيفضلوا سوا العمر كله. هستنى لما يقوم عشان تلبسهالي بإيديك. *بعد ستة أشهر* قعدت على الكرسي جنبه، وكنت بحكيله: ضاع نص عمرك لما فاتك فرح حنان، أصلك مشوفتنيش. كان كل اللي يشوفني لازم يعلق على حلاوتي وحلاوة فستاني. لكن بيني وبينك يا راسل، أنا مكنتش شايفة شكلي حلو أوي كدا. وعد لما تفوق هوريك صورتي وأنت تحكم. لما تفوق بس. عيونها بدأت تدمع ونزلت راسها جنبه على السرير.
لما تفوق بس.. امتى هتفوق بقى يا راسل، امتى تفوق؟ بدأت تبكي، ومرة واحدة.. حست بإيد حد على راسها. رفعتها بصدمة. لقت راسل بيقول بتعب: متأكد أنك كنتي أحلى واحدة في الفرح.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!