تحميل رواية زئير القلوب بقلم سهام احمد pdf
بقلم سهام احمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
عند سماع كلمة زئير، يتبادر إلى الأذهان تلك التي يهابها الجميع، ملوك الغابة الأسود؛ لأن زئيرها يلقي رهبة في قلوب كل من يسمعه، تهتز له الأبدان لقوته التي لا تقارن بغيرها، حيث تسمع قوة زئيرها من على بعد ثماني كيلومترات بقوة تصل إلى مائة وأربعة عشر ديسيبل، والتي تعد كقوة الرعد. لكن لا تزأر الملوك دون أسباب، فهناك دائمًا ما يجعلها تزأر. من أهم أسبابها هو فرض سيطرتها على منطقتها وإلقاء الرهبة في قلوب من حولها حتى ينصاعوا لأوامرها. السبب الثاني هو وجود منافس لها أو عدو، وخاصة الذكور منها، فعندما يوجد أ...
رواية زئير القلوب الفصل الأول 1 - بقلم سهام احمد
عند سماع كلمة زئير، يتبادر إلى الأذهان تلك التي يهابها الجميع، ملوك الغابة الأسود؛ لأن زئيرها يلقي رهبة في قلوب كل من يسمعه، تهتز له الأبدان لقوته التي لا تقارن بغيرها، حيث تسمع قوة زئيرها من على بعد ثماني كيلومترات بقوة تصل إلى مائة وأربعة عشر ديسيبل، والتي تعد كقوة الرعد.
لكن لا تزأر الملوك دون أسباب، فهناك دائمًا ما يجعلها تزأر. من أهم أسبابها هو فرض سيطرتها على منطقتها وإلقاء الرهبة في قلوب من حولها حتى ينصاعوا لأوامرها.
السبب الثاني هو وجود منافس لها أو عدو، وخاصة الذكور منها، فعندما يوجد أسد منافس لمناظره يزأر الآخر بقوة؛ ليظهر قوته وأنه لا يخاف وجود المنافس، وخاصة في وجود الجنس الآخر وهو الأنثى، والتي دائمًا ما تنحاز إلى أكثرهم قوة؛ حيث تشعر بالأمان والطمأنينة وأنه قادر على حمايتها والمحاربة من أجلها.
والسبب الثالث هو عندما تتألم الملوك، فيكون زأيرها أكثر قوة من أي وقت، ليس فقط عندما تتألم أجسادها، ولكن عندما تتألم قلوبها أيضًا! نعم، تتألم قلوبها.
بالرغم من قوتها وهيبتها وقوة أجسادها، إلا أن لديها قلوب عاشقة تنبض بالمشاعر، تتألم من عشقها. يقال أن عشق الأسد لأنثاه لا مثيل له، فهو يعشق بقوة ويظل وفيًا لأنثاه مهما حدث، بل ولا ينظر لأنثى غيرها على الإطلاق، فهذا هو قلب الأسد عندما يغمره العشق يا سادة، فكيف إذا لقلوب البشر؟!
يزأر قلب الأسد عندما يتألم عشقًا، ويزأر قلب الإنسان عندما يتألم حزنًا.
في ذات ليلة من ليالي الشتاء في مصر، انطلقت صرخات طفل عندما خرج للحياة، في منزل السيد "فوزي الضاهر" ابن عائلة الضاهر والوريث الوحيد لها، والذي هو من أصول لبنانية أبًا عن جد، والذي كان يقطن في منزل زوجته المصرية السيدة "ليلى فارس" بعدما دار خلاف حاد بينه وبين والده؛ لرفضه الزواج من ليلى، وقام بطرده من منزله وحرمانه من جميع ممتلكاته.
لكن فوزي كان عشقه لليلى أقوى من تلك التهديدات والتحديات، فقرر التخلي عن تركات والده والعيش في مصر مع ليلى ووالدها ووالدتها في منزلهم، إلى أن أنجبت ليلى ابنها الأول والوحيد، وأصر فوزي على تسميته بـ "فارس" تيمناً بوالدها الذي كان بالنسبة إليه بمثابة الأب أيضًا؛ ولأنه يعلم كم أن ليلى تعشق والدها وتحبه كثيرًا.
كان يملك السيد "فارس" محلاً تجاريًا للنجارة، حيث كان يصنع أشياء كثيرة من الخشب منها التحف والأثاث المنزلي، والأحصنة الخشبية والدمى التي كانت تعشقها "ليلى"، والتي كانت تحتفظ بقطعة مختلفة منها في كل عام بذكرى ميلادها، فتلك القطع الخشبية البسيطة متقنة الصنع تعد كنزًا بالنسبة إليها؛ فقط لأنها من صنع والدها بكل سعادة، والتي تحمل الحب الذي لا يوصف بكل تفصيلة من تفاصيلها.
عمل "فوزي" بالمحل لفترة طويلة مع السيد "فارس" يعينه ويساعده، تعلم منه صنع الأشياء خاصة تلك الأحصنة الخشبية الصغيرة التي تحبها مدللته.
بالرغم من عشقه لليلى، إلا أنه لم يكن معتادًا على هذا العمل الشاق، فهو الابن المدلل لعائلة الضاهر والذي كان يدير كل شيء بإشارة من إصبعه. في ذات يوم عاد "فوزي" إلى المنزل مجهدًا بشدة، طرق الباب وتقدمت ليلى لتفتحه مسرعة، دخل المنزل يزفر بضيق وهو يلقي السلام على الجميع قائلاً بهدوء:
- مسا الخير.
أجابه الوالد والوالدة:
- مساء النور عليك يبني، حمد الله على السلامة.
تقدم فوزي إلى غرفته مباشرة، أشارت ليلى بيدها إلى والدها تتسائل بصوت منخفض:
- بابا هو في ايه؟ ماله فوزي؟ في حاجة حصلت ف الشغل؟
أشار إليها والدها أن تذهب إليه قائلاً بعطف:
- ادخليله يا ليلى هوني عليه كتر خيره شقيان.
- حاضر يا بابا.
دخلت ليلى إلى الغرفة فوجدته جالسًا على مخدعه ينزع نعليه واحدًا تلو الآخر ويلقي به على الأرض، جلست بجواره برفق تربت على كتفه مقتربة منه:
- مالك يا فوزي فيك إيه؟
وقف غاضبًا وهو يخلع قميصه يزفر بضيق:
- مافيش يا ليلى مافيش.
وقفت خلفه باستغراب قائلة:
- ازاي يعني مفيش، انت مش شايف نفسك عامل ازاي، طب من فضلك قولي في إيه؟
أردف ينظر إليها وكأنه كان منتظرًا لتلك اللحظة؛ حتى يفرج عما في قلبه:
- هو انتي بتسألي في إيه يا ليلى، لسه بتسألي في إيه ومالي؟! أنا هقلك يا ستي مالي وفي إيه، بقيت اشتغل حاجة ماعرفهاش وبقيت أتعلم حاجات عمري ما كنت ممكن أتعلمها بحياتي بس عشانك، بقيت اشتغل ليل نهار؛ عشان أقدر أجيبلك كل اللي تحتاجيه واللي نفسك فيه ورغم كده مش عارف أجيبلك حاجة يا ليلى، بحاول كل يوم إني أكون زوج كويس وأب كويس بس إزاي؟ إزاي هكون أب كويس وزوج كويس وأنا مش عارف تكفي طلبات ابني ومراتي، أنا حتى مش عارف أجيبلك بيت زي باقي الخلق نعيش فيه براحتنا، إحنا عايشين عال على أهلك يا ليلى، الواحد ربنا ياخد أحسن من اللي هو فيه ده، أنا عمري ما حسيت بالعجز في حياتي كده وبتقولي مالك وفيك إيه.
سمع والدها أصوات مناقشاتهم عندما علت، فأشار السيد فارس إلى زوجته أن تدخل إلى الغرفة ودخل معها؛ حتى لا تُحرَج ليلى أمام والديها عندما تعلم أنهم سمعوا شجارهم.
تقدمت إليه ليلى تحاول تهدئته، تضع يداها على خديه قائلة:
- مين قال إنك مش أب كويس وزوج كويس؟! مين قال كده؟ أنت في نظري أحسن أب وأحسن زوج في الدنيا.
أبعد يداها وأدار ظهره إليها قائلاً:
- والنبي بلاش الكلام اللي مامنوش فايدة، لا هايودي ولا يجيب الله يباركلك.
تقدمت وقفت أمامه مبتسمة بلطف وهي تمسك بكتفيه:
- والله العظيم ده ما كلام، أنت بجد عملت علشاني وعشان ابنك اللي مفيش راجل زيك يقدر يعمله، أنا فخورة بيك أوي، تعالى معايا عايزة أقولك حاجة، تعالى.
امسكت بيده وأخذته إلى الفراش تجالسه جوارها تنظر بعينيه وتخاطبه برفق:
- أنا مش محتاجة بيت وانت جنبي؛ لأن عيونك هي بيتي الوحيد اللي بلاقي نفسي فيه، لو انت مدايق من الشغل في المحل مع بابا وتعبان منه خلاص شوف غيره أريح، ولو انت مدايق من قعدتنا هنا فأنت عارف حالة ماما كويس وصعب إني أسيبها لوحدها ولكن رغم كده أنا معنديش مشكلة إن يبقا عندنا بيت خاص بينا، عشان كده أنا كمان هشتغل وأيدي على ايدك ونعمل كل اللي نفسنا فيه، بس عشان خاطري بلاش أشوفك في الحالة دي تاني، والا أقولك الله يوفئك زي مانت بتقول.
- انتي بتقولي إيه يا ستي! شغل إيه بس وبتاع إيه، مش راجل أنا بقا صح كده، وبعدين انتي ناسيه ابننا يا ليلى؟
- افهمني يا فوزي فارس الحمد لله بخير وهايكون مع ماما طول الوقت اللي هكون فيه ف الشغل، وهي هاتاخد بالها منه كويس اوي، كمان هو متعلق بيها وبابا أوي، علشان خاطري وافق وبعدين إحنا هنعمل عشان مين مش عشان ابننا.
- بس مش لدرجة إني أخليكي تشتغلي يا ليلى، انتي كده بتثبتيلي إني رجال مش قادر يكفي مراتو وابنو، أنا ماتكلمتش معاكي ولا حكيتلك اللي ف قلبي عشان أسمع منك الكلام ده، أنا هعمل كل اللي أقدر عليه وكل حاجة ربنا يقدرني عليها هعملها مهما كانت صعبة؛ عشان أخليكي انتي وابني مرتاحين.
امسك برأسها يقبل جبينها قائلاً بحب:
- أنا بعت الدنيا كلها عشانك وسبت كل شيء ورايا عشان العيون الحلوة دي، وهعمل كل اللي في إيدي أعمله؛ عشان راحتك انتي وابني، أنا آسف يا ليلى على الكلام اللي سمعتيه مني أنا كنت مخنوق شوية ومحتاج أفضفض معاكي.
وضعت يداها على يديه وامسكت بيده تقبلها من الداخل بقبلة حنونة:
- ربنا يخليك ليا يارب، يلا بقا غير هدومك وخد حمامك لحد ما أحضرلك العشاء.
- اااه بقا حبيبت قلبي تسلملي الايدين الحلوة دي اللي بتدوقني كل حاجة حلوة منها.
ابتسمت ليلى بفرح وخرجت من الغرفة لتحضر الطعام، اتجه فوزي إلى سرير ابنه الصغير ووضع قبلة حنونة على جبينه الصغير الوردي برفق، وأمسك بتلك الأصابع التي تشبه وريقات الورود الهشة ذات الرائحة العطرية التي لا يمكن لأحد وصفها، تتخلل في الأنفاس لتبعث الطمأنينة والراحة في قلب كل أب وأم، والتي تشبه الجاذبية الأرضية في جذبها لكل هم وحزن من القلوب.
قبَّل تلك الأصابع بهدوء وحب قائلاً:
- ابني حبيبي الحلو انت أغلى شيء بحياتي، انت عمري كلو، بوعدك إني أعمل اللي أقدر عليه؛ عشان ميبقاش ناقصك حاجة أبداً، مهما كان إيه هعمله عشانك وعشان ماما يا عمري، ربنا يخليكم ليا.
~~~
في الصباح الباكر خرج فوزي ليفتح محل النجارة ليبدأ عمله، بينما كانت ليلى تبدل ملابس فارس الصغير وهي تلاعبه وتستعد للخروج بحثاً عن عمل لها، أتى ساعي البريد خلف فوزي وهو يضع المفتاح داخل الباب قائلاً:
- سلام عليكم.
أردف فوزي ينظر إليه يرد السلام:
- عليكم السلام.
- مش ده بيت الأستاذ "فارس سعيد"؟
- أيوه هو ده، خير في حاجة؟
- في جواب جاي من لبنان باسم الأستاذ فوزي الضاهر، شكلك انت هو صح؟
- أيوا صح أنا هو فوزي الضاهر.
- طب لو سمحت وقع هنا عشان تستلم الجواب.
- اه طبعاً تسلم ايدك، شكراً.
- العفو يا استاذ سلام عليكم.
- عليكم السلام ورحمة الله وبركاته مع السلامة.
امسك فوزي الخطاب ينظر إليه ويتساءل في ذهنه:
- يا ترى في إيه في الرسالة دي؟ معقول بابا يكون سامحني وعايزين ارجع أعيش معاه أنا وليلى؟! هفتحها وأشوف فيها إيه يا مسهل الحال يارب.
فتح فوزي تلك الرسالة التي لم يكن يعلم أن محتواها هو الذي سيحدد مصير حياته مع ليلى، وتلك الكلمات القليلة والبسيطة التي كانت بها بمثابة سيف حاد اخترق قلبه بشدة، صدم فوزي عندما قرأ رسالة والده والتي كان محتواها:
- بعد التحية والسلام.
ابني فوزي أنا عارف إني قسيت عليك كتير، بس أنا مش هسمحلك تدمر كل شيء بنيته بكل السنين دي، في إمكانك ترجع بيتك إذا انت حابب وتاخد كل شيء انت عايزه بس بشرط إنك….
بترت تلك اللحظات ليلى بخروجها وهي تنادي:
- حبيبي؟
أخفى فوزي رسالة والده بجيبه الخلفي لبنطاله، ثم قال يحاول استعادة السيطرة على نفسه حتى لا تلاحظ ليلى توتره:
- نعم يا حبيبتي أنا هنا تعالي.
تحمل فارس بين يديها وتقدمت نحوه تقول بفرح:
- صباح الخير يا بابا أنا جيت أسلم عليك وأقولك إني بحبك أوى.
أقبل عليه يمسك بيديه الصغيرتين يقبلهما ويشتم رائحته الجميلة:
- يا سيدي يا سيدي يسعدلي صباحو الحلو، يا الله إيه الريحة الجميلة دي، وأنا بحبك وبموت فيك يا عمري انت، رايحين فين كده على وش الصبح يا حلوين؟
- صباح الخير يا حبيبي.
رفع رأسه يقبلها من خديها:
- يسعد صباحك حبيبتي، رايحين فين ع الصبح كده؟ لسه بدري.
- رايحة مشوار كده مع واحدة صحبتي قلت آخد فارس معايا يشم هوا شوية، مالك انت كويس؟
- اه اه أنا بخير يا حبيبتي أنا بخير، خلي بالك من نفسك، حبيبي البطل خلي بالك ع الماما كويس أوك.
- أوك حبيبي يلا قول باي للبابا باي بابا.
- باي يا عمري، خدوا بالكم من نفسكم كويس.
بعدما غادرت ليلى أخرج تلك الرسالة ليكمل ما بها، وبدأت تزرف عيناه دمعاً وهو يقرأ:
- بس بشرط إنك تسيب البنت دي وتجوز بنت من مستواك، ابني أنا مش هعيش أكتر من اللي عشته، ودي آخر أيامي بتمنى أشوفك قبل ما أقابل ربي الكريم، وكده بكون رضيت ضميري قدام ربنا، أنا هاستنى ردك.
ابوك الضاهر.
طوى فوزي تلك الرسالة التي كانت كلماتها بالنسبة إليه كالصعقة، وقرر أن يخفي الأمر عن ليلى ولكن ظل باله مشغول بها طوال الوقت، وبعد مرور ثلاثة أشهر ذات يوم كانت ليلى عائدة من العمل في الساعة الثالثة عصرًا، وجدت ساعي البريد أمام منزلها يدق الباب، توجهت إليه:
- حضرتك عايز مين؟
أجابها الساعي:
- سلام عليكم.
- عليكم السلام.
معايا جواب باسم الأستاذ فوزي الضاهر جاي من لبنان، مش هو ساكن هنا برضوا.
- أيوا ممكن أستلمه أنا مكانه أنا مراته على فكرة.
- تمام واقعي هنا حضرتك بالاستلام.
- تمام شكراً الف شكر.
أخذت ليلى الرسالة وهي تنظر إليها باستغراب تحدث نفسها قائلة:
- يا ترى من مين الجواب ده؟! معقول يكون من أهل فوزي! ربنا يستر ما يكونش فيه خبر وحش.
دخلت المنزل وهي تبحث عن فوزي فوجدت والدتها تجلس في استقبالها هي وفارس يجلس على الأرض يلعب بالعافيه:
- حبيب ماما أنا جيت يا قلبي وحشتني، عاملة إيه يا ماما، امال فين بابا وفوزي؟
- الحمد لله يا ليلى، أبوكي نايم جوا، وفوزي في أوضته قال إنه هايرتاح شوية لحد ما تيجي.
- طب أنا هدخل أشوفه، خدي فارس بعد إذنك لحد ما أغير هدومي، روح عند تيته يلا.
أعطت فارس لوالدتها ودخلت الغرفة، وجدت فوزي مستلقيًا على فراشه ويضع يده فوق رأسه شارداً وهو مغلق عينيه، حتى أنه لم يشعر بقدومها وجلوسها جواره، أخافته ليلى بمزاح قائلة:
- إيه دا معقول انت حتى مش حاسس بيا، مالك سرحان ف إيه؟
- الله يسامحك يا ليلى وقعتيلي قلبي، مافيش حاجة كنت مستنيكي.
- طب يلا قوم عشان نتغدى سوا، بس قبل ما نتغدى معايا ليك حاجة.
اعتدل فوزي جالسًا بقلق، ظن أنها علمت برسالة والده، ثم أخرجت رسالة في يدها وقالت:
- دي وصلتك النهارده، استلمتها وأنا جاية من الشغل قدام البيت، اتفضل.
التقط فوزي أنفاسه وقال:
- دي وصلتني النهارده؟ من مين ياترى وفيها إيه؟
- مكتوب إنها من لبنان يعني أكيد حد من أهلك أو أصحابك افتحها وشوف بنفسك.
حاول فوزي التهرب من فتح الرسالة أمامها، ثم قال بتوتر:
- سيبك منها دلوقتي بعدين هفتحها وأشوف فيها إيه، أنا هشوف فارس لحد ما انتي تخلصي الشاور بتاعك وتغيري هدومك.
- طب ماشي تمام اللي يريحك هخلص وأجي.
دخلت ليلى إلى الحمام للاستحمام وتغيير ملابسها، وخرج فوزي ليتفقد فارس مع والدتها ويقضي معهم بعض الوقت، عندما انتهت ليلى خرجت من الحمام ولم تجد أحد في الغرفة فحاولت أن تبحث عن الرسالة، انتابها القلق لتصرف فوزي عندما رأى الرسالة، فجأة نظرت إلى الفراش فوجدت جزءًا منها تحت وسادته، أخرجتها وقامت بفتحها، وظلت تتمعن النظر في الرسالة وهي تقرأ بتوتر وغضب، ثم خرجت مسرعة تنادي فوزي بغضب:
- فوزي، فوزي؟
نظرت والدتها بقلق وفوزي قام من جوار فارس بفزع، خرجت وهي تمسك تلك الرسالة بيدها تشطاط غضبًا وهي تنظر إليه بعيون دامعة وكأنها في صدمة، لا تصدق ما قرأته وتقول.
رواية زئير القلوب الفصل الثاني 2 - بقلم سهام احمد
وقفت ليلى أمامه متعجبة، ليس مما أخفاه عنها، بل من مدى حبه لها وخوفه عليها.
كان فوزي يعتقد العكس في نفس الوقت، ظن أن ليلى علمت ما طلبه منه والده.
لكن الرسالة الثانية فاجأت فوزي وخيبت ظن ليلى في أنه يخفي عنها شيئاً ما.
قالت ليلى وهي تقترب منه، وعيناها تذرف دمعاً:
"انت ازاي تعمل كده؟"
أسقطت قلب فوزي بين قدميها ككرة صغيرة تقفز دون توقف.
"ليلى أناااا كنت هقولك والله."
"تقولي بإيه وامتى؟ انت ازاي أصلاً تفكر إني هسمح بحاجة زي دي تحصل؟"
"ليلى اهدي من فضلك، بليز خلينا نقعد ونحكي."
"احكي إيه بس احكي إيه."
أقبلت عليه تضمه بين أحضانها بشدة. تعجب فوزي من رد فعلها وكأنه تجمد جراء سقوط ماء مثلج على رأسه.
"انت ازاي تفكر إني ممكن أمنعك تشوف باباك التعبان؟ ازاي فكرت إني هكون قاسية للدرجة دي؟ ليه خبيت عليا إن باباك تعبان بقاله تلات شهور، وبعتلك قبل كده وانت مارديتش عليه؟ طب ليه؟"
تعجب فوزي مما تقوله، نظر إليها بشرود، ثم عاد من شروده مسرعاً بعدما أدرك أن تلك الرسالة ليست كما كان يعتقد.
التقط أنفاسه مطمئناً ثم قال بهدوء:
"بعتذر منك حياتي والله، مش قصدي إني أخبي عليكي شيء، أنا ما كنتش عايزك تشغلي بالك."
أمسكت بيديه وجلسته جوارها على الأريكة، بينما كانت تجلس والدتها على الكرسي المجاور.
"فوزي أنا عمري ما همنعك من إنك تشوف والدك وتطمن عليه، روح له يا فوزي، باباك تعبان ومالوش غيرك، أكيد هو محتاجلك دلوقتي أكتر من أي وقت فات. وبعدين يمكن لما يعرف إنه بقى عندك ولد صغير يغير رأيه وترجع المياه لمجاريها، والا إيه يا ماما."
تحدثت والدتها وهي تجلس فارس الصغير على قدميها:
"طبعاً يا ابني، المسامح كريم، واللي مالوش خير في أهله مالوش خير في حد. روح يا ابني لأبوك واطمن عليه، وربنا يهديكم لبعض."
زفر بضيق يحاول إخفاءه. ابتسم بزيف وهو يربت على كتفها:
"حبيبتي شكراً ليكي على الكلام الحلو ده، بجد ريحني جداً، بس أنا ما أقدرش أسيبك انتي وفارس هنا لوحدكم، مش هكون مطمن وأنا بعيد عنكم، علشان كده ما حبيتش أرد عليه."
نظرت إليه والدتها بعتاب وهي تقول:
"لا يا فوزي يا ابني مالكش حق تقول الكلام ده، لوحدهم إزاي بس وأنا وعمك فارس معاهم، ما تشغلش بالك عليهم، سافر وأنت مطمئن، دول في عنيا."
"ربنا يخليكم ليا وما يحرمني منكم أبداً، يلا حياتي ارتاحي دلوقتي وبعدين نتكلم في الموضوع ده."
بعد مرور أسبوع من الزمن، قرر فوزي الرحيل إلى لبنان للاطمئنان على والده، وذلك بعد إصرار من ليلى. بالطبع، لم تكن تعلم أن إصرارها على رحيله سيكون سبباً في خسارتها إياه.
سافر فوزي إلى والده، وكان بالفعل مريضاً، مستلقياً على الفراش يمضي بعض الأوراق الخاصة بالعمل. عندما رآه فوزي، كأن الحياة عادت إليه من جديد، وكأنه لم يكن مريضاً. انتفض من فراشه كالطفل الصغير بابتسامة عريضة وفرحة عارمة ودموع فرح وحب. بالرغم من حدة طباعه، إلا أن هناك قلب لا يعرف القسوة، وهو قلب الأب أو الأم، مهما كانت أفعالهم تظهر العكس.
احتضن فوزي أباه:
"شوي شوي بابا، على مهلك، انت كويس."
"ابني حبيبي اشتقتلك، كنت مفكر إني مش هشوفك مرة تاني قبل ما أقابل ربي الكريم، كنت بعرف إنك هتيجي وإنه عقلك هيرجع لك يا ابني."
بتر كلامه فوزي بصورة أخرجها من جيبه وهو يقول:
"بابا بترجاك، مالوش لزوم الكلام ده دلوقتي، بص كده هنا شوف، ده ابني فارس الصغير، الوضع دلوقتي بقى مختلف، بابا أنا بقى عندي ابن."
نظر إلى صورة الطفل واللهفة تخرج من ملامحه شوقاً لضمه بين يديه. ابتسم وهو يبكي قائلاً:
"بسم الله ما شاء الله على الوش الحلو، قد إيه بيشبهك الواد ده يا فوزي، وبيشبهني أنا كمان، مش كده؟ بس ليه ما جبتهوش معاك يا فوزي؟ مع مين سايبه هناك؟"
"مع أمه يا بابا، مع ليلى، ما أقدرش أجيبه هنا، أنا جيت علشان أطمن عليك وهرجع تاني عندهم مصر."
بدأت ملامح وجهه تتغير، وبدأ يتملكه الغضب أكثر فأكثر، بداية بالتعجب إلى الانفعال غير المسبوق. جلس والد فوزي على فراشه وهو متعجب:
"إيه؟! انت بتقول إيه؟ ازاي يعني ما تقدرش تجيبه هنا، وإنك هاترجع تاني عندهم؟ هنا إزاي يعني؟"
"بابا أنااااا."
بتر كلامه بصوت مرتفع يصرخ في وجهه:
"أنا مش قلتلك تسيب البنت دي يا فوزي؟ مش قلتلك الكلام ده قبل ما تيجي هنا؟ مفكر إنك كده بتلوي دراعي دلوقتي؟ انت مفهمتش أنا قلتلك إيه."
"بابا أنا ما أقدرش أسيب ليلى يا بابا ولا أقدر أسيبك يا ابني، لو انت عايزني أكون معاك فأنا هروح أجيب ابني ومرتي معايا هنا، ولو انت مش عايز كده فأنا همشي ومش هرجع هنا تاني يا بابا ولا حتى هنشوف وشي تاني بعد كده."
بدأ يتأثر ضاهر بيك سلباً جراء انفعاله. أمسك صدره وهو يتألم حتى فقد وعيه على الفراش. ازدادت ضربات قلب فوزي، ظن أنه قد فارق الحياة بسببه. ركض عليه مسرعاً يمسكه من رأسه يحاول إفاقته، ثم صرخ ينادي على خدام القصر:
"بابا؟ بابا؟ بترجاك رد عليا يا بابا؟ يا روبا يا مصطفى تعالوا بسرعة هنا بسرعة."
دخلت الخادمة "روبا" وهي التي تعتني بكل ما يخص القصر من طعام وشراب وغيره، والتي تعد تقريباً تربت وكبرت في هذا القصر مع والدها الذي كان يعمل به. ومن بعدها دخل "مصطفى" وهو سائقه الخاص والذي يعد كابن له أيضاً، لأنه في سن ابنه وترعرع معه في القصر إلى أن غادره.
"في إيه يا فوزي بيه؟ إيه اللي حصل؟"
"روبا اتصلي بالإسعاف فوراً وكلمي دكتور بابا بليز بسرعة، مصطفى شيله معايا بليز."
وصل الطبيب وبعد فحصه له أخبر فوزي أن والده لا يحتمل التوتر والانفعال، وأن قلبه أصبح ضعيفاً للغاية، لذلك عليه بمجاراته وعدم مجادلته وإلا سيفقدونه عما قريب.
شكر فوزي الطبيب وخرج معه مصطفى إلى باب القصر، ثم عاد إلى فوزي وجده جالساً بجوار والده وهو يبكي.
أمسك مصطفى بكتفه وقال:
"فوزي بيه تعالى ممكن نحكي شوية، سيبه يرتاح دلوقتي بعدين بتشوفه وتتكلموا مع بعض على رواق، تعالى معايا يلا."
خرج فوزي معه إلى حديقة القصر وجلس على الكرسي، وجلس جواره مصطفى قائلاً:
"أنا هتكلم معاك بصفتي أخوك اللي اتربيت معاه مش بصفتي خادم في القصر، ممكن تقولي انت إزاي عايش انت ومراتك وابنك؟ إزاي مكفي نفسك يا أخي؟ انت هنا بتعمل كل اللي انت عايزه والتصرف أد مانت عايز من غير ما حد يحاسبك، إزاي عايش هناك؟ ممكن تقولي إزاي هاتربي ابنك في الوضع ده؟ هاتقوله لما يحتاج حاجة وأنت مش معاك تجيبهاله؟ بترجاك يا أخويا فكر بكلام ضاهر بيك."
نظر إليه باستغراب:
"انت بتقول إيه يا مصطفى؟ انت عايزني أسيب ليلى؟ عايزني أعمل اللي هو عايزه وأنت عارف إنه غلط، دي ليلى يا مصطفى، انت عارف يعني إيه ليلى؟ يعني حب حياتي وعمري كله، دلوقتي كمان بقى فيه فارس الصغير ابننا اللي بقى عندي بالدنيا وما فيها، إزاي عايزني أسيبهم؟"
"أنا ما قلتش كده بس على الأقل لازم تفكر بمستقبل ابنك، هنا هيكون إزاي وهناك هيكون إزاي يا بيه، ممكن تتكلم مع أختي ليلى وتشرحلها الوضع، وممكن أجيبها معاك وتعيش بمكان تاني بعيد عن ضاهر بيه، وكده تبقى رضيت كل الأطراف وضمنت مستقبل ابنك ومستقبلك لحد ما تهدى الأمور بينكم، ماينفعنش تخاطر بكل حاجة مهمة لحياتك بس علشان حاجة واحدة وهي ليلى يا أخويا، بالطريقة دي هاتخسر أبوك وثروتك ومستقبل ابنك كمان، فكر كويس في كلامي قبل ما تأخد قرار ترجع تندم عليه بعدين يا فوزي بيه، أنا هسيبك ترتاح دلوقتي، لو احتاجت حاجة أنا موجود."
جلس فوزي شارداً لأكثر من ساعة، يفكر فيما قاله مصطفى وحالة والده وفي عشقه الأول والأخير ليلى وابنه الصغير. ثم قام متجهاً إلى غرفته ليرتاح. عندما دخل الغرفة، عادت إليه ذكرياته مع والدته ووالده عندما كان صغيراً، وعندما كان شاباً وهو يدرس، وعندما ترك تلك الغرفة آخر مرة. جلس على مكتبه وأمسك بقلمه وكتب رسالة لوالده وغادر إلى غرفة والده. نظر إليه من بعيد ثم وضع الرسالة بجواره وغادر القصر دون أن يراه أحد، ثم اتجه إلى المطار عائداً إلى مصر.
عاد والده إلى وعيه وهو ينادي باسمه ويبحث عنه:
"فوزي؟ فوزي؟ ابني ماتسيبنيش ماتمشيش بترجاك، فوزي."
تحدثت إليه روبا وهي تنظم الغرفة:
"السيد فوزي مش هنا يا ضاهر بيك، بترجاك ارتاح، قال الدكتور إنك لازم ترتاح كويس."
"روبا فين فوزي يا بنتي؟"
"هو مشي من غير ما يقول حاجة لحد بس ساب الرسالة دي لحضرتك."
أعطته روبا الرسالة وهي تدعي من قلبها ألا تكون تلك الرسالة سبباً في فقدانه. ومن ثم تعجبت لتلك الابتسامة التي ملأت وجهه، ثم قال بفرح:
"كنت عارف إن ابني مش هايسيبني يا روبا، حفيدي هيجي هنا عندي."
تعجبت روبا من حديثه ثم قالت بلطف:
"إن شاء الله خير يا بيه، ألف مبروك، حضرتك بتؤمر بتجهيزات لاستقبال حفيدك؟ اللي حضرتك تؤمر بيه هايكون جاهز يا بيه."
اعتدل من نومه قليلاً رافعاً رأسه، ساعدته روبا بوضع وسادة خلف رأسه. التقط أنفاسه مطمئناً وهو يقول:
"يا الله يا روبا، من قد إيه وأنا بستنى اللحظة دي، وأخيراً بقى عندي حفيد وهايجي يعيش معايا هنا وأربيه بإيديا دول، الحمد لله يارب، أنا عايزكم تحضروا أحلى شيء وكل شيء بيطلع بيديكم لاستقبال ابني وحفيدي بقصرهم، مش عايز حاجة تنقصهم ولا يحتاجوا أي حاجة. آه وكمان جهزوا لحفيدي أحلى أوضة في القصر كله علشان يكون مبسوط."
"بأمرك يا بيه، في شيء تاني حضرتك عايزه؟"
"آه يا روبا اتصلي بمهندسين الديكور لغرف الأطفال وكمان تجهيزات الغرفة والأثاث بتاعها، وكل شيء، عايز كل شيء يكون جاهز في خلال أسبوع من دلوقتي، حفيدي هيوصل بعد أسبوع من دلوقتي."
"تحت أمرك يا بيه، حضرتك بتؤمر أمر، من بعد إذنك هروح أشوف التحضيرات."
أشار إليها بيده للخروج وخلد للنوم وهو يمسك بصورة فارس الصغير. بعد مرور ثلاثة أيام وبعدما عاد فوزي إلى مصر، لم تكن لديه الجرأة ليخبر ليلى بما حدث معه، فقط أخبرها أنه اطمئن على والده وأنه يريد رؤية فارس الصغير. فرحت ليلى بذلك وظنت أنها ستغادر معهم إلى هناك، فبدأت بالتجهيزات والتحضيرات للسفر.
تعجب فوزي من كل تلك التجهيزات التي تقوم بها ليلى، فأقبل على سؤالها اعتقاداً منه أنها بالغت في ذلك، لأنه سيغادر هو وابنه فقط، بينما هي تتصرف على عكس ذلك، لأنها متيقنة من أنها ستغادر معهم. وهنا كانت اللحظة التي لعب فيها القدر دوراً غريباً لم يكن في الحسبان لكل منهما.
"حياتي مش كتير كل الحاجات دي لفارس وليا؟ يعني كلهم كام يوم بس."
تعجبت ليلى ثم قالت:
"حبيبي هو إيه ده اللي كتير؟ ده يا دوب كام غيار ليا ولك ولفارس لحد ما نستقر هناك ونجيب هدوم، وبعدين كام يوم إيه مدام ربنا هدا لك أبوك خلاص يا فوزي ماينفعش تسيبه وهو تعبان كده."
"لحظة لحظة انتي بتقولي إيه يا ليلى، انتي حضرتي حاجات ليكي ليه؟ أنا هسافر أنا وفارس يا حبيبتي، بابا عايز يشوف فارس وأنتي عارفة موقفه من ناحيتك إيه."
تركت ما بيدها من ملابس بصدمة، تقف وتنظر إليه:
"مش فاهمة يعني إيه عايز يشوف فارس وانت هاتسافر مع فارس لوحدك، طب وأنا إيه؟ مش فاهمة."
"ليلى حبيبتي…."
بترت حديثه بانفعال:
"آآآآه طبعاً أبوك لسه معترض على وجودي مش كده؟ وعشان كده طلب إنك تروح انت وفارس بس، وقال إيه كمان ها قالك إيه عليا، أنا مش عارفة هو بيكرهني ليه أنا عملتله إيه عشان يكرهني كده."
أقبل عليها يمسكها من كتفيها يهدئها:
"حياتي ممكن تهدي نفسك شوية بليز."
وإذا بها تدفع يديه عنها وتبعده قائلة بانفعال وتهديد:
"اسمع يا فوزي أنا ابني مش هايخرج من بيتي ولا هايروح مكان، عايز تسافر انت سافر لوحدك، إنما ابني لا."
"انتي بتقولي إيه يا ليلى؟ إحنا مش اتكلمنا في الموضوع ده، إيه اللي حصل دلوقتي، أنا مش قلتلك إني هاخد فارس لبابا عشان يشوفه، ما قلتش يا ليلى إنك هاتكوني معانا والا إيه، وبعدين هما كلهم كام يوم يا حبيبتي وهانرجع هنا فيها إيه دي بقى؟"
"وانا مش مرتاحة للسفرية دي يا فوزي، ابني صغير وبيُرضع وما يقدرش يقعد من غيري ولا ساعة، وقلتلك يا فوزي إن ابني مش هايخرج بره البيت من غيري فهمت والا لسه هانحكي تاني؟ باباك عايز يشوفه يجي يشوفه هنا وهو ف حضني وف بيتي، والا كتير علينا إن البيه يشرفنا بحضوره، طبعاً ما إحنا مش قد المقام."
"ليلى بليز بلاش الكلام اللي ملوش طعم ده دلوقتي، قلت إني هاخد فارس عند البابا وما عندي نقاش تاني في الموضوع ده من فضلك، فهمتي والا لسه هانحكي تاني؟ بعديلي كده لو سمحتي."
خرج فوزي غاضباً من غرفته إلى خارج المنزل. جلست ليلى على فراشها وهي تصرخ عند خروجه:
"مش هاتقدر تاخد ابني مني يا فوزي ولا انت ولا أي حد في الدنيا دي كلها سامعني، ابني مش هايخرج من بيتي مش هايخرج."
انهارت ليلى من البكاء جراء ما حدث بينها وبين فوزي. دخلت والدتها ووالدها يحاولان تهدئتها. كانت تلك هي المرة الأولى التي يتشاجران فيها، وكانت أيضاً الأخيرة.
رواية زئير القلوب الفصل الثالث 3 - بقلم سهام احمد
انفطر قلب ليلى حزناً على ما صار بينهما. شعرت أن خروج ابنها لن يعيده إليها مرة أخرى. بالرغم من أن هذا الأمر لم يكن في خاطر فوزي، إلا أنه أصبح يجول في خاطره الآن. خرج والدها ليتحدث معه، بينما والدتها قامت بتهدئتها حتى خلدت للنوم وهي تحتضن فارس الصغير.
"فوزي ابني؟"
"عمو فارس أنا هنا."
"ابني أنا هتكلم معاك كلمتين، والقرار ليكم انتو الاتنين ف الأول وف الآخر. ليلى تعبت كتير معاك وانت تعبت اكتر عشانها. انتو الاتنين اخترتوا حياتكم سوا ماحدش اجبركم عليها، بلاش الحاجة الحلوة اللي بينكم هي اللي تكون سبب زعلكم من بعض."
"عمي حضرتك مش شايف ازاي كانت ازاي ليلى كانت بتتكلم معايا، هو انا مش من حقي اخد ابني لبابا علشان يشوفه؟"
"طبعا حقك يابني بس بالهداوة كل حاجة تمشي بالراحة. انت عارف ليلى روحها فيك وفي فارس، وعارف انها زعلت واتفاجأت أن ابوك مش عايزها تكون معاكم."
"عمي أناااا."
"عارف يابني من غير ماتقول وحاسس بيك، من ناحية ابوك ومن ناحية مراتك وابنك، وده برضوا مهما حصل والدك، بس عشان خاطر عمك فارس اتكلم مع ليلى واتفاهموا بالراحة."
"حاضر يا عمي اللي حضرتك تشوفه واللي حضرتك تقول عليه انا هعمله."
"متشكر يابني ربنا يهديكم لبعض، تصبح على خير."
"وانت بخير عمي."
جلس فوزي طوال الليل في ترأس المنزل يفكر ماذا سيفعل إلى أن أخذ قراره. ثم دخل إلى غرفته وجد ليلى وفارس نائمين. قبل كل منهما من جبينه وهو يمسك بيده رسالة. نظر إلى تلك الرسالة ثم عاد النظر إلى ليلى وغادر الغرفة. في تلك الأثناء، أفرجت ليلى عن أهدابها ببطء شديد فرأت ظهره وهو يخرج من الغرفة. لم تكن في كامل وعيها ثم عادت للنوم مرة أخرى وكان جوارها تلك الرسالة بدلا من فارس الصغير!
في اليوم التالي رن جرس المنبه. أفرجت تلك الجميلة النائمة عن اهدابها ببطء واطمئنان. اردفت تنظر جوارها بنية ضم صغيرها وتقبيله فانتفضت خوفا وفزعا عندما رأت تلك الورقة التي أخذت مكانه. بالرغم من صغر حجمها إلا أنها تحمل كلمات كالسهام الحادة التي اخترقت قلبها ومزقته إلى أشلاء صغيرة يصعب تجميعها. تلك الكلمات هي:
(آسف ليلى انا اخدت فارس معايا، مش هقدر اسيب ابني هنا يتعذب في الحياة دي، بامكانك تشوفيه وقت ماتحبي، بعتذر منك مكنتش عايز الوضع بينا يوصل لكده، لكن ماسبتليش خيار تاني، خلي بالك من نفسك)
"لأ لأ لأ لأ لأ لأ لأ لأ لأ لأ."
كانت تلك هي الكلمة الوحيدة التي ظلت ترددها ليلى لبضع دقائق متتالية؛ جراء صدمتها التي لا توصف. إلا أن أدركت رحيل ابنها وحب حياتها معا. زأر قلبها ولسانها بصوت تهتز له الجدران حتى أن قلب فوزي اهتز له بالرغم من أنه لم يسمعه.
تعالت صرخات ليلى وهي تنادي:
"فاااااارس فااااااارس ابنييي."
حتى انهارت من البكاء وفقدت وعيها. خرج والدها ووالدتها ركضا على صوت صرخاتها إلى الشارع. إذا بها ملقاة على الارض لا حول لها ولا قوة. قام والدها بحملها بمساعدة من الجيران واخذها إلى المشفى. بعد أن قام الطبيب بفحصها اخبرهم أنها تعاني من حالة انهيار عصبي حاد مما أدى إلى فقدانها الوعي ودخولها في غيبوبة.
بينما كانت الفرحة تعم القصر الكبير بقدوم فارس الصغير وفوزي، احتفالات بالطبول والمزامير، الرقص والذبائح. لكن فارس الصغير لم يتوقف عن البكاء فهو طفل رضيع بعمر التسعة أشهر يحتاج إلى والدته. لم يهدأ حتى حملته روبا بين يديها وشعر بالدفء حتى خلد إلى النوم.
دخل فوزي إلى غرفته يتفقده. إذا به نائم في سريره كالملائكة. أقبل عليه وقبل يده الصغيرة ثم قال لروبا:
"روبا دلوقتي ابني بقا مسؤوليتك وبامانتك، هو ماحسش بالأمان غير بحضنك، ارجوكي خلي بالك منه."
"فوزي بيه ماتآخذنيش بس الولد عمره مابيحس بالأمان وهو بعيد عن حضن أمه، ليه عملت كده يا فوزي بيه؟ بعتذر منك بس لو لا سمح الله اتأثر الولد بغياب أمه؟ الموضوع ده صعب عليه جدا في السن ده."
"تعرفي يا روبا انا مش خايف على فارس إنه يتأثر ببعده عن امه اد مانا خايف على ليلى من الموضوع ده، ليلى ماتقدرش تعيش ثانية واحدة من غير فارس، فارس بالنسبالها روحها بتموت فيه، انا خايف عليها اوي بس هي مادتنيش خيار تاني، انا عايز ابني يتربى كويس ومايتعذبش زي ابوه."
"ان شاء الله يا بيه هيكون كل شيء كويس، ماتشغلش بالك بالولد انا هشيله جوا عنيا الاتنين."
"شكرا ليكي يا روبا انا متأكد من كده بامكانك تخرجي."
"تصبح على خير يا بيه."
"وانتي بخير."
~~~
تلك هي الحياة بين الحزن والفرح، بين الموت والحياة، بين الحب والكره، بين القرب والفراق خيط رفيع يفصل بين الشيء ونقيضه. فمن كان يعلم أن فرحة ضاهر بيك ستبني على حزن ليلى، وإعطائه الحياة برؤية حفيده لبعض الوقت تجعل ليلى تصارع الموت في كل لحظة فراق بينها وبين رضيعها.
هناك ضحكات وطبول ومزامير وهنا دموع وسكون وحزن. حالة صمت تعم تلك الغرفة التي ترقد بها ليلى. لن نقول فراش الموت فمازال الوقت باكراً ولكن بالفعل كأنه فراش الموت في بعد عاشق ومعشوق، فراق قطعة من قلبها وجسدها وهو ابنها. ظلت ليلى في تلك الغيبوبة حوالي الثلاثة أشهر. في كل ليلة تمر وهي بعيدة عن منزلها ينفطر قلب امها واباها حزنا على ابنتهم. هل ستعود إليهم مرة أخرى ام أن تلك هي النهاية؟
حاول السيد فارس والد ليلى التواصل مع فوزي عدة مرات لكنه لم يجبه، ولم يحاول حتى التواصل معهم كل هذه الفترة؛ خوفاً من أن يضعف أمام ليلى. لم يكن يعلم فوزي بحالة ليلى إلا أن قرأ بالصدفة خبر وفاة والدتها على صفحة الفيس بوك الخاصة بالسيد فارس والدها.
حزن فوزي حزناً شديداً، تملكه الغضب من نفسه بعدما قرأ دعاء والدها بتمنيه شفاء ابنته ليلى. ظل يلوم نفسه مرارا وتكرارا ولكن لن يجدي الندم الآن ولا اللوم. ظل يكرر ويقول:
"الله يلعنك يا فوزي على عملتك دي الله يلعنك، كنت مفكر انها ممكن تتخطى الموضوع عادي كده ازاي! طلعت اغبى واحد في الدنيا لك، روبا؟ يا روبا؟"
دخلت روبا إليه مسرعة:
"بامرك فوزي بيه."
"حضري شنطة سفر لفارس وكل شيء بيلزمه وما تقوليش لبابا شيء."
"خير إن شاء الله يا بيه في شيء؟"
"اه هنروح نزور أم فارس، ليلى تعبانه اوي، مقدرش اعيش بالذنب ده طول عمري يا روبا لو لقدر الله جوالها حاجه بسببي، انا مش هسامح نفسي ابدا."
"حاضر يا بيه هروح احضر كل شيء فوراً، إن شاء الله بتكون بخير وبتطمن عليها."
"بسرعة روبا بسرعة بترجاكي."
"بامرك."
أخذ فوزي فارس الصغير وغادر دون علم والده إلى مصر؛ ليعيد فارس إلى أمه، لعله يكفر عن جزء بسيط من ذنبه.
توفيت والدة ليلى حزنا وقهرا على حالة ابنتها، حيث ازداد عليها المرض حتى تمكن منها كلياً. كانت ترقد ليلى في غرفة والغرفة المجاورة ترقد والدتها على فراش الموت. وبين الغرفتين يقف السيد فارس على بحر من الدموع لا نهاية له، فعلى يمينه قطعة من روحه وعلى يساره عشقه الأول والأخير وقلبه الذي ينبض بين ضلوعه.
حالة زوج وأب لا يحسد عليها ولا يتمناها أحد. قبل وفاة والدتها دخل السيد فارس الغرفة واقترب من زوجته، لكنه رآها وكأنه يراها للمرة الأولى في حياته. نفس الملامح التي رآها أول مرة عندما كان عمرها في الثانية والعشرون، وجهها يشع ضوءا، خصلات شعرها المسدول شديد السواد لم يتخلله خصلة بيضاء على عكس ما كان عليه. تعجب قائلاً:
"سبحان الله."
أبتسم وعيناه تدمع قائلاً:
"عارفة يا سلوى انا حاسس اني اول مرة اشوفك وكأني شايفك من تلاتين سنة فاتوا، عارفة وقتها ايه اكتر حاجة شدتني ليكي ضحكتك."
ابتسمت سلوى وهي على فراشها، ثم قال:
"ايواا هي الضحكة دي حسيت انها خطفت قلبي، ومن وقتها قلت أنا لازم اتجوز البنت دي."
امسك بيدها يقبلها وهو يشتم رائحتها ويعلم أنها المرة الأخيرة التي تعلق تلك الرائحة فيها بأنفه كما اعتاد أن يفعل كل صباح. أزالت عنها قناع التفس وقالت:
"طول عمرك بكاش يا فارس بس تعرف دي اكتر حاجة حبيتها فيك لسانك الحلو وكلامك اللى دايما رافع معنوياتي بيه."
ابتسمت قائلة وهي تتوالى دموعها واحدة تلو الأخرى ترقد على جانبي خديها:
"خلي بالك من ليلى يا فارس، امانتي ليك ليلى خلي بالك منها."
بتر كلماتها قائلاً:
"ليه إن شاء الله وانتي رايحة فين علشان انا اخد بالي منها، انتي هاتبقي زي الفل وهاتقومي وليلى كمان هاتقوم وتاخدي بالك منها بنفسك، وتريحوني انا بقا شوية علشان انا راجل عجزت خلاص."
ابتسمت تلك الابتسامة المشرقة بالرغم من دبلان ملامحها:
"ودي الحاجة التانية اللي حبيتها فيك انك مابتعرفش تكدب يا فارس، عنيك دايما فضحاك، سامحني يا فارس سامحني."
وضع راحتها على جبينه يخبئ عيناه أسفلها لا يستطيع التوقف، يريد الصراخ ولكنه يلتزم الصمت، لا يريد رؤيتها وهي تفارق الحياة ولا يريد تركها لحظة دون أن يكون بقربها. ها هو زئير القلوب، قلوب تزأر ألماً من لوعة الفراق، وجع لا يوصف ولا يحتمل ولا يمكن السيطرة عليه. عاد النظر إليها وقال:
"مسامحك يا سلوى والله مسامحك."
"راضي عني يا فارس؟"
شهق وجعا وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة من شدة الالم والبكاء ثم قال بهدوء:
"راضي عنك يا سلوى طول عمري قلبي راضي عنك لحد ماموت، والله راضي عنك يا سلوى راضي عنك."
ابتسمت له وكانت تلك هي الابتسامة الأخيرة. وضع يدها على عينيه وهو يكرر تلك الكلمة:
"راضي عنك والله يا حبيبتي راضي عنك بس خليكي معايا ماتسيبينيش يا سلوى، خليكي معايا."
شعر بثقل يدها فرفع رأسه مسرعاً ينظر إليها، وجدها تنظر إلى السقف بأعين ثابتة. امسك بكتفها يهزه برفق وهو ينادي:
"سلوى؟ سلوى؟ لا يا سلوى لا."
انهار من البكاء وعلت صرخته وهو ينادي باسمها. حاول أن يتملك أعصابه حتى يتم مهمته الأخيرة في حياتهما معا وهي أن يودعها ويحسن إليها في فراقها إلى آخر لحظة لها بجواره. قام بتسبيل عينيها ورفع الغطاء على وجهها، ثم دخلت الممرضة تركض إليه تسانده، وضربت جرس الانذار لاستدعاء الطبيب، وأخذوا السيد فارس خارجاً وهو بين الوعي واللاوعي، حتى فقد وعيه جراء انخفاض في ضغط الدم.
عاد فوزي إلى المنزل ومعه فارس الصغير فلم يجد أحدا. أخبرته جارتهم أنهم ذهبوا لدفن السيدة سلوى. طلب منها فوزي أن تعتني بفارس الصغير حتى يعود. أخذته منه وغادر إلى المقابر ليقف جانب السيد فارس. بعدما ذهب الجميع من على قبر سلوى، استعد السيد فارس للذهاب فتعسرت قدمه وكاد أن يسقط، فوضع يده فوزي تحت يده يسانده ويمسك بها من خلفه. نظر السيد فارس ظن أن أحدا لا يعرفه يستعد لشكره:
"شكرا يبني كتر خيرك."
فوجد فوزي جواره فقال وهو يبكي بقهر:
"شكراً يبني شكراً يبني."
ضمه إليه فوزي بشدة وهو يبكي بين أحضانه ويقول:
"بترجاك سامحني عمو فارس بترجاك سامحني، والله ما كان قصدي يحصل كده، ماكنتش أعرف ان الموضوع هايوصل لكده، والله العظيم ماكنت اعرف ان ده هيحصل، سامحني بترجاك عمو فارس."
"فين فارس يا جبان فين فارس؟ انت لو مش جبان مكنتش عملت كده ف بنتي بعد ماعتبرتك ابني يا حقير، فين فارس انطق؟"
"بترجاك اهدي شوية فارس هنا في البيت."
ترك عنقه وملأ الفرح الحزين ملامحه، دفعه بعيدا وذهب:
"فارس هنا يا سلوى فارس رجع، انا جاي يا حبيبي انا جاي يا ليلى فارس رجع."
ترك المقابر وذهب إلى المنزل وتبعه فوزي إلى هناك. عندما ترجل من سيارته وجد طفل صغير بعمر العام يمشي بخطوات متعثرة أمام المنزل وهو يقول:
"ماما، ماما."
ركض إليه يحمله وهو يبكي ويحتضنه بشدة حتى بكى فارس الصغير، فقال له:
"لأ يا جدوا لا ماتزعلش يا حبيبي انا هنا معاك اهو، انا هنا اهو، تروح لماما؟ ماما يا فارس؟"
"ماما."
"اه يا حبيبي ماما ماما اللي بتموت من يوم ما مشيت يا عمري، يلا تعالى نروح لماما تعالي يا قلبي."
دخل السيد فارس المشفى وهو يحمل فارس الصغير مستعدا للذهاب إلى ابنته وهو على يقين أنه سيعيدها إليه مرة أخرى، فوجد الممرضات والأطباء يركضن إلى غرفة ابنته. تعجب وبدأ يتساءل ما الأمر؟ فأخبروه أن حالة المريضة حرجة ويحاولون السيطرة عليها لكن..
رواية زئير القلوب الفصل الرابع 4 - بقلم سهام احمد
في قصر السيد ضاهر، تضع روبا الفطور على طاولة الطعام. قدم السيد ضاهر وجلس على مقعده منتظراً حضور ابنه فوزي لمشاركته الإفطار وحفيده الصغير. نظر إلى ساعته ثم قال:
"فوزي اتأخر ليه كل ده يا روبا؟ هو لسه نايم لحد دلوقتي والا ايه؟"
"لأ يا بيه. السيد فوزي صحي الصبح بدري، وطلع يتمشي شوي مع فارس بيه الصغير، وقالي إني أبلغ حضرتك ماتستناهوش على الفطور."
همهم باستغراب قائلاً:
"امممممم طيب إذا كان كده قدمي الفطور رجاءً، وقولي لمصطفى يحضر العربية أنا هطلع بعد شوي."
"بأمرك يا بيه."
قدمت روبا الفطور والقهوة للسيد ضاهر. دخلت إلى المطبخ لتخبر مصطفى بتحضير السيارة:
"مصطفى البيه عايزك تحضر العربية، قال إنه هيطلع بعد شويا."
استغرب مصطفى من طلبه، لم يكن معتاداً أن يخرج من المنزل في الصباح:
"ماقالكش هو رابح فين؟ غريبة ده عمره ما عملها."
"لأ ماقاليش حاجة، حتى إنه استغرب من طلعت السيد فوزي وفارس الصغير، كأنه في حاجة حصلت، مش عارفة."
"طيب دلوقتي نعرف في إيه، يا خبر إنهاردة بفلوس بكرة يبقا ببلاش، أنا هروح أحضر العربية، في حاجة لازماكي من بره أجبهالك معايا؟"
"آه خد الورقة دي فيها لستة بالطلبات، عايزها علشان العشاء."
"عيني يا ستي روبا حاضر، سلام."
"سلام يا حبيبي."
***
في تلك السيارة الفخمة من ماركة المرسيدس، صعد السيد ضاهر وسائقه مصطفى. كان السيد ضاهر بكامل أناقته بالزي الرسمي وبيده عصاه التي يتفاخر بها المطلية يدها بماء الذهب.
قال له مصطفى وهو يحمل:
"احم احم على الشركة يا بيه إن شاء الله؟"
"لأ يا مصطفى، هانروح بيت ظافر بيه."
"خير إن شاء الله في حاجة يا بيه؟"
"من امتى بتسأل يا مصطفى؟"
"العفو يا بيه بس افتكر فيه حاجة لاقدر الله، حضرتك يعني مش متعود تطلع بدري كده وعند ظافر بيه كمان، يعني استغربت الموضوع بس مش أكتر، يعني لو في حاجة أقدر أساعد فيها."
"سوق وانت ساكت يا مصطفى."
"احم حاضر يا بيه تحت أمرك."
***
وقف السيد فارس أمام غرفة ابنته في المشفى متجمداً، كأن الزمن توقف به. تدور الدنيا حوله أطباء وممرضات وأناس آخرون وهو يقف في صمت، فقط ينظر إلى باب تلك الغرفة. كل ما يجول في خاطره أنه سيفقد ليلى كما فقد أمها. إلى أن علت صرخات فارس الصغير وأعادته للوعي مرة أخرى.
حمله بين يديه ونظر إليه بتعاين دامعة. ثم طرأت له خاطرة أن هذه رسالة. ليس هناك من سيعيد ليلى للحياة سوى فارس كما أعاده إلى وعيه مرة أخرى. ركض إلى تلك الغرفة بفارس وجد ثلاث أطباء يقفون على رعايتها. أحدهم يتابع النبض والآخر يفحصها ويتفقد عينيها، والآخر يقف على جهاز الصدمات الكهربائية مستعداً للحظات حرجة قد تمر بها المريضة.
تقدم السيد فارس بالطفل فلمحه طبيب النبض وحاول منعه من الدخول:
"ممنوع يا فندم من فضلك انتظر برا، لو سمحت ممنوع حضرتك معاك طفل صغير."
"لو سمحت يا دكتور دي بنتي خليني أدخل، والولد ده ابنها، هو السبب في حالتها دي من فضلك، هو الوحيد اللي هايقدر ينقذها ويرجع بنتي أرجوك خليني أدخل بيه."
لم يتأثر الطبيب بحديثه ولا بدموعه وبكاء الطفل. بالطبع واجبه المهني يحتم عليه فعل ذلك، فلا مجال لعواطف قد تكون سبباً في خسارة أحد المرضى. بالرغم من ذلك دخل السيد فارس رغماً عنه. بعدما أخبر الطبيب أنه سيخرج وأعطاه الطبيب ظهره فدفعه متقدماً إلى سرير ابنته وهو يقول بصوت مرتفع مع صرخات الطفل التي تزداد من الخوف:
"ليلى فارس رجع يا ليلى، قومي يا بنتي هديه في حضنك، فارس خايف يا ليلى محتاجلك، قومي يا ليلى."
في تلك اللحظة صرخ فارس الصغير من الخوف جراء هذه الأصوات والأشخاص الذين لا يعرفهم من حوله، فصدعت تلك الصرخة في أذني ليلى ووالدها يقول:
"فارس خايف يا ليلى قومي هديه."
تكررت تلك الكلمة في أذني ليلى، وبدأت ضربات قلبها تزداد وفجأة شهقت ليلى بصوت مرتفع ورفعت رأسها وفتحت عيناها، ثم عادت إلى الفراش مرة أخرى. حالة تعجب لها الأطباء بعد مرور بضع دقائق استقرت حالة ليلى الصحية، وعادت إلى طبيعتها ولكنها لم تفقد بعد.
***
هناك أشخاص يصارعون الموت وهناك أشخاص لا يستطيعون التوقف عن الضحك. بينما تصارع ليلى الموت بسبب فراق ابنها، تعلو ضحكات السيد ضاهر في منزل ظافر بيه صديقه المقرب، والذي ذهب إليه ليطلب منه ابنته الوحيدة التي تدعى "سلمى" للزواج من ابنه فوزي. لم يكن يعلم فوزي بخطة والده لإبقائه بجواره أنه سيرغمه على الزواج.
جلس السيد ضاهر وتناول القهوة برفقة صديقه المقرب. دخلت ابنته "سلمى" المدللة والتي تبلغ من العمر ثمانية وعشرون عاماً. كانت تحب فوزي من صغرها إلى أن تعرف على ليلى برحلة عمل إلى مصر وتزوج بها من بعد ذلك. لم تشأ سلمى أن تتزوج بالرغم من جمالها وأناقتها، لكنها مغرورة بعض الشيء.
تحدث السيد ضاهر عند رؤيته إياها:
"اها وعروستنا وصلت أهي."
دخلت سلمى من باب المنزل واتجهت إلى والدها تقبله من خده، ثم إلى السيد ضاهر تقبله أيضاً من خديها:
"إيه ده معقول إيه المفاجأة دي عمو ضاهر عندنا، ازيك يا بابا."
"أهلاً يا حبيبتي حمد الله ع السلامة."
"الله يسلمك، عمو ضاهر حبيبي، عامل إيه وحشاني جداً فينك كده؟"
"أهلاً بعروستنا الحلوة."
"إيه حكاية عروستنا دي شكل الزيارة دي وراها حاجة، مش عادتك كده، جايبلي عريس والا إيه؟"
ضحك السيد ضاهر ثم قال:
"بصراحة أه عندك حق يا سلمى فعلاً الزيارة دي وراها حاجة، أنا فعلاً جايبلك عريس ومش أي عريس."
"اوووو يا بابا شكل الموضوع كبير وعمو ضاهر ناويني المرادي، طيب حيث كده بقا أنا هطلع أغير هدومي وأجيلكم."
وقف السيد ضاهر وهو يقول:
"لأ استني يا سلمى أنا مش مطول يابنتي بعد إذنك؛ لأن الوقت مش في صالحنا."
استغربت سلمى ووالدها من حديثه. تقدمت إليه سلمى تمسك بيده بقلق:
"عمو ضاهر انت كويس في إيه مالك قلقتني؟ اتفضل اقعد طيب أنا سامعة حضرتك."
جلس السيد ضاهر ممسكاً بعصاه، ثم قال:
"بصراحة ومن غير مقدمات أنا جاي أطلب إيد بنتك سلمى يا ظافر، لابني."
تعجب السيد ظافر وتساءل مازحاً:
"ابنك مين يا ضاهر انت عندك ولاد تاني وأنا معرفش والا إيه؟"
"ابني فوزي رجع وها يستقر معايا هنا."
غضب منه ظافر لكنه حاول تمالك غضبه، وقال:
"انت نسيت أن فوزي متجوز من مصر يا ضاهر، لولا أنك صديقي المقرب أنا كنت اعتبرت دي إهانة ليا ولبنتي؛ لأنك عارف أن سلمى بنتي أي راجل ف الدنيا يتمناها."
"أنا عارف يا ظافر واللي خلاني أجي هنا وأطلب الطلب ده هو العشم اللي بينا، انت عارف أني من زمان نفسي آخد سلمى لفوزي، يمكن الوقت متأخر بس هكون ممنون لو وافقت على طلبي، أنا همشي وأسيبكم تفكروا بس رجاءً ماتتاخروش عليا."
"اعتبر أن ردي جاهز يا ضاهر وهو.."
بترت كلماته سلمى قائلة:
"بابا من فضلك، شرفتنا يا عمو ضاهر ومجيتك على راسنا، حضرتك بقا لازم تقعد تتعدى معانا الأول."
"ربنا يخليكي يا بنتي، أنا هاروح علشان أرتاح، سلام."
"مع السلامة."
خرجت سلمى إلى باب المنزل مع السيد ضاهر توصله وتودعه. عادت إلى والدها تعاتبه:
"في إيه يا بابا ليه كلمت عمو ضاهر بالطريقة دي؟"
"يعني إيه ليه؟ انتي مش شايفة جاي يطلب مني إيه هو فاكر بعد كل السنين دي وبعد ما ابنه رفض جوازه منك أنا هرجع أيامك ليه بإيديا، هو مايعرفش انتي مين وبنت مين؟"
"بابا من فضلك أهدى الموضوع مايتاخدش بالطريقة دي، وعمو ضاهر أكيد مايقصدش حاجة وحشة انت تعرفه أكتر مني."
"تعالي هنا هو انتي إيه حكايتك بالظبط؟! من وقت ما سمعتي أن فوزي رجع وها يستقر هنا وانتي مش على بعضك، رجعتي تحنيله تاني يا سلمى بعد اللي عمله فيكي؟!"
وقفت سلمى وأعطته ظهرها تداري دموع عينيها:
"بابا من فضلك مالوش لازمة الكلام ده دلوقتي بعد إذنك أنا طالعة أوضتي."
"سلمى سلمى؟"
ركضت سلمى إلى غرفتها وهي تبكي. آخر همها ما دار بحياة فوزي وماضيه، فقط عادت إليها الحياة بعودته. حب من طرف واحد وعذاب للطرفين، أحدهما قلبه معلق بالآخر، والآخر قلبه معلق بغيره.
وقفت سلمى على تراسها تلتقط أنفاسها وهي تغمض عينيها تستعيد ذكريات الطفولة بينها وبين فوزي، عندما كانت طفلة صغيرة سقطت وهي تركض فجرحت ركبتها. جلس فوزي جوارها وهو ينفخ بجرحها ويقول:
"ماتخافيش يا سلمى أنا هنفخلك فيها علشان ماتوجعكيش، ها خفت؟ يلا تعالى أسندي عليا أوصلك البيت."
"لسه بتوجعني يا فوزي، مش قادرة أمشي."
"معلش أسندي عليا واحدة واحدة."
شهقت تلك الجميلة أعلى تراسها وكأنها تتنفس للمرة الأولى.
***
بكى السيد فارس وهو يحتضن حفيده بعدما أخبره الأطباء أن حالة ابنته على ما يرام. خرج الجميع من الغرفة بعد الاطمئنان على حالة ليلى وجلس فوزي على الأريكة المقابلة لمخدعها. وجلس السيد فارس على الكرسي المجاور لها وهو يضع فارس الصغير على فراشها.
بدأ الطفل يتصرف على طبيعته ويصدر أصواتاً للعب والضحك، وهو ينادي ماما، يتسلق عليها وهو يضرب بكفه حتى يوقظها إلى أن صعد عند وجهها. وبدأ يمسك بيديها وهي فاقدة للوعي ويضع فمه على ذقنها ويعض عليه. حاول القيام فسقط على وجهها وارتطمت أنفه بانفعال فصرخ الطفل من الألم.
أفرت تلك الجميلة أخيراً عن أهدابها بسرعة البرق وتلقائياً ضمت يديها هذا الصغير؛ لتهدئه وتربت على ظهره برفق وهي تقول:
"بس يا ماما بس."
تجولت أنظارها في الغرفة فرأت فوزي واقف أمامها ووالدها يجلس جوارها وهو يبكي وغيرها بين يديها. استجمعت بعض أفكارها وضمت صغيرها برفق إلى حضنها وأمسكت بيد والدها وقالت وهي تدمع:
"بابا حبيبي."
"الحمد لله يا ليلى الحمد لله أنك بخير يا بنتي، حمد الله على السلامة، فارس أهو رجع تاني."
"فارس حبيبي يا ماما، يا عين ماما وروح ماما، بس يا قلبي أنا هنا جمبك اهو، الحمد لله يارب الحمد لله."
قال فوزي بهدوء:
"حمد الله على سلامتك يا ليلى."
نظرت إليه ليلى وكأنها أنثى أسد غاضبة ترى أمامها فريستها ولا تستطيع الإمساك بها من مرضها. بالرغم من ذلك فإنثى الأسد لديها إصرار شديد ولن تتوقف عن المحاولة في الحصول على فريستها حتى تفقد السيطرة على نفسها. وها هي أنثى الأسد لا تلقي بالاً لمرضها عندما يزأر قلبها ألماً. استعدت للهجوم وقامت بكل غضب. أعطت ابنها لوالدها ونزعت عنها تلك الأسلاك على صدرها وتلك الإبر المحاليل المعلقة بوريدها. ثم وقفت على قدميها وقلت أن تخطو الخطوة الأولى بكل هذا الغضب. سقطت ولكن أمسك بها ذاك الأسد بين أحضانه.
رواية زئير القلوب الفصل الخامس 5 - بقلم سهام احمد
عندما قررت ليلى أن تقف لتمسك بفوزي وتفرغ غضبها عليه، لم تكن تعلم أنها ستسقط؛ لأنها لم تقف على قدميها منذ أكثر من ثلاثة أشهر، وهذا طبيعي لأنها لم تستعد كامل قوتها وصحتها الجسدية بعد.
سقطت ليلى وأمسك بها فوزي بين أحضانه. عندما التقت عيناهما، كانت هناك لغة لا يفهمها سواهما: عتاب يصدر من عينيها وندم يجيب من عينيه، غضب تخبر به أنفاسها ومحاولة احتواء تنادي بها ضربات قلبه وأنفاسه معًا، لغة العشق التي لا مثيل لها ولا يفهمها سوى عاشق ومعشوق.
حملها فوزي بين يديه وأعادها إلى فراشها قائلاً:
- من فضلك اهدي دلوقتي وبعدين اعملي اللي انتي عايزاه.
قامت تدفعه بيديها وصرخت في وجهه:
- جبان ندل! أخرج برا مش عايزة أشوفك قدامي، أخرج برا.
تراجع فوزي خوفًا من أن يصيبها مكروه مرة أخرى، وهو يشير إليها بيديه أن تهدأ ويتراجع إلى الباب قائلاً:
- حاضر حاضر، هخرج بس اهدي، أنا خارج اهو خلاص، اهدي اهدي.
قال السيد فارس وهو يحمل الصغير ويمسك بيدها:
- اهدي يا ليلى يا بنتي، خلاص عشان خاطر ابنك، الواد مرعوب من الصبح من اللي شافه.
نظرت إليه وسيطرت على غضبها، ثم قامت بحمله وضَمَّته إليها وهي تقول:
- معلش يا ماما، حقك عليا، أنا آسفة. أنا مش هسيبك تاني أبدًا ولا حد هيقدر ياخدك مني تاني أبدًا.
بعد مرور ثلاثة أيام في المشفى، وبعد أن استطاعت ليلى أن تقف على قدميها بخطوات متعثرة قليلاً، قررت الخروج والعودة إلى المنزل على ضمانتها. في تلك الفترة، لم يتمكن السيد فارس أن يخبرها بوفاة والدتها، وأخبرها في كل مرة سألت عنها أنها مريضة لأجلها ولم تستطع القدوم.
خرجت ليلى برفقة والدها وابنها إلى المنزل، حيث استقبلتهم جارتهم السيدة زينب، صديقة والدتها، على باب المنزل. ترجلت ليلى من السيارة وهي تستند على يد السيدة زينب:
- حمد الله على سلامتك يا ليلى يا بنتي، والله الدنيا ما كان ليها طعم من غيرك يا حبيبتي، الحمد لله إنك بخير، تعالي على مهلك.
- الله يسلمك يا خالتي زينب، تعبتك معايا، ربنا يخليكي.
- لأ يا حبيبتي، ولا تعب ولا حاجة، على مهلك ادخلي بقى برجلك اليمين عشان ربنا يبعد عنك كل شر يا بنتي. استني بقى أما أبخرك، بسم الله الرحمن الرحيم، قل أعوذ برب الفلق، من شر ما خلق، ومن شر غاسق إذا وقب، ومن شر النفاثات في العقد، ومن شر حاسد إذا حسد، صدق الله العظيم.
- بس يا طنط، والنبي كفاية عشان ماما وصدرها والدخان.
تعجبت الخالة زينب وسرعان ما أدركت أنها لم تعلم بعد. نظرت إلى السيد فارس، فأومأ إليها بأنها لا تعلم. فقالت:
- آه يا حبيبتي، حاضر حاضر. تعالي بقى ارتاحي في أوضتك، أما أنا بقى عملتلك حبة شوربة خضار وفرحة بلدي كده ترمي بيها عضمك، هتاكلي صوابعك وراهم.
- ههههههه، أرم إيه بس يا خالتي، تسلم إيدك يا حبيبتي. أمال فين ماما؟ هي ما تعرفش إن أنا جايه النهارده ولا إيه؟ دي وحشتني أوي.
قال والدها وبتر كلام الخالة زينب قائلاً:
- لأ يا حبيبتي، هي ما تعرفش، كان تعبانة شوية من امبارح ولسه نايمة. ما حبيتش أصحّيها، انتي عارفة قلت أسيبها ترتاح عشان بتصحى بدري.
- آه يا بابا، حبيبتي يا ماما، أكيد تعبت أوي في غيابي. أنا هقوم أشوفها من بعيد وأبوسها لحد ما تصحى.
- لأ يا ليلى، خليها بعدين يا بنتي، ارتاحي انتي دلوقتي.
- ما تخافش يا بابا، مش هصحّيها، أنا هبوسها وأطلع، انت ماتعرفش وحشاني قد إيه.
غضب السيد فارس وصرخ بوجه ليلى قائلاً:
- قلتلك لأ، خلاص بقى.
تعجبت ليلى من ردة فعله وانتابها القلق أنه يخفي عنها شيئًا. زادها ذلك إصرارًا على رؤية والدتها:
- هو في إيه يا بابا؟ انتوا مش عايزينيني أشوف ماما ليه؟ ماما مالها؟ ماما فيها حاجة مش كده؟ هي تعبانة صح؟
خرجت من الغرفة بخطوات متعثرة قليلاً، تستند على الجدران والأثاث، تتجه إلى غرفة والدتها وهي تنادي:
- مامااااا، ماماااااا.
خلفها الخالة زينب والسيد فارس يحاولون منعها، حتى فتحت باب الغرفة ولم تجد والدتها. صدمت عندما رأت فراشها فارغًا. دخلت الغرفة وظلت تنادي عليها. فتحت خزانة ملابسها فلم تجد بها شيئًا:
- إيه ده؟! هي ماما فين؟ بابا انت زعلتها؟ ماما سابت البيت؟ لأ دي عمرها ما عملتها، ماما فين؟
صمت الجميع، وفجأة نظرت إلى الحائط فوجدت صورتها يعلوها شريط أسود. ظلت تقترب وتنظر إليها وتزرف عيناها دمعًا في صمت وصدمة وهي تهز رأسها يمينًا ويسارًا بالرفض، إلى أن وضع والدها يده على كتفها برفق قائلاً:
- وحدي الله يا بنتي، البقاء لله.
أردفت تنظر إليه بسرعة ثم انهارت من البكاء وارتمت بين أحضانه صارخة:
- مامااااااااا، مامااااااااا، لااااااااااا.
سمع فوزي صوت صراخها من خارج المنزل، فارتعب خوفًا ودخل مسرعًا إليها ظن أن أحدًا أصابه مكروه. وجدها تبكي في حضن والدها، فعلم أنها عرفت بموت والدتها. بعد لحظات، صمتت ليلى فجأة وهي في حضن والدها. اعتقد السيد فارس أنها هدأت وأخيرًا، لكن فوزي علم أنها ليست بخير.
أقدم عليها يقول:
- ليلى؟
أبعده والدها بيده وهو يضمها بالأخرى:
- ابعد عنها، أوعى تحط إيدك عليها ولا تلمسها.
- عمي، ليلى تعبانة.
- مالكش دعوة بيها، انت السبب في كل ده، أخرج برا.
- عمي، بقولك ليلى تعبانة، خليني أوديها على أوضتها ونكلم الدكتور.
- قلتلك أخرج برا.
لم يستمع فوزي لحديثه، أقبل عليه بقوة وجذب ليلى من بين أحضانه فوجدها فاقدة للوعي. نظر إليه بغضب قائلاً:
- قلت لحضرتك ليلى تعبانة، اتأكدت دلوقتي.
- ليلى بنتي؟! يارب استرها عليها يارب.
حمل فوزي ليلى إلى غرفتها، وقام بالاتصال بطبيب صديقه في المشفى المجاور. حضر الطبيب بسرعة وقام بفحصها:
- إيه يا فوزي؟ في إيه؟ مالها ليلى؟
- بعدين أحكيلك يا خالد، من فضلك شوفها، هي لسه خارجة من المستشفى بعد غيبوبة تلات شهور، وعرفت إن والدتها اتوفت.
- تمام تمام، ماتقلقوش يا جماعة، إن شاء الله خير.
قام الدكتور خالد بفحصها، هو يعمل في المشفى التخصصي المجاور للمنزل. شاب وسيم ومهذب وخلوق، يبلغ من العمر ثلاثين عامًا، أعزب ويقطن في إحدى الحارات المجاورة لمنزل السيد فارس. يعيش منزله مع والدته ووالده ولديه شقيقة واحدة تدعى داليا، متزوجة من صديق له في المشفى.
قال الطبيب خالد بعد فحصها:
- أنا هديها إبرة دلوقتي وخلوها ترتاح، محدش يزعجها لحد ما تقوم لوحدها. فوزي، تعالى معايا عايزك.
خرج فوزي مع الطبيب خالد إلى باب المنزل. وقفا يتهامسان بصوت منخفض:
- فوزي، على فكرة ليلى نفسيتها تعبانة أوي ومحتاجة دكتور نفسي ضروري جدًا. ليلى بتعاني من انهيار عصبي حاد بالإضافة للدمعة الأخيرة اللي كانت فيها. العقل والجسم منهارين يا فوزي. ارجوك خلي بالك منها ولازم يشوفها دكتور نفسي ضروري جدًا وفي أسرع وقت.
- حاضر يا دكتور خالد، هعمل كل اللي تقول عليه، وهحاول أقنعها بموضوع الدكتور النفساني.
- تمام، وأنا هاجي أطمن عليها بكرة إن شاء الله تكون هدت شوية وفازت. أنا هكتبلها أدوية تمشي عليها بانتظام، فاهم، بانتظااام.
- حاضر، فاهم. شكراً يا خالد، تعبتك معايا.
- ياراجل، عيب عليك، إحنا أخوات. يلا، أشوفك بكرة إن شاء الله. ربنا يطمن عليها يا صاحبي، سلام.
- مع السلامة.
فتح فوزي باب الغرفة وقال وهو يحمل فارس الصغير:
- أنا هروح أجيب الأدوية اللي كتبها الدكتور. خالة زينب، من فضلك ممكن تاخدي فارس لحد ما أرجع؟ هو تقريبًا عايز ينام.
قامت الخالة زينب من جوار ليلى وقالت:
- آه يبني، طبعًا ماتقلقش عليه. تعالى يا لولو، تعالى يا فارس، لا يا حبيبي، بس بس.
بكى الصغير وحاولت السيدة زينب التعامل معه حتى خلد إلى النوم. وضعته في غرفة ليلى على فراشها، بينما كانت ترقد ليلى بجواره. خرج الجميع من الغرفة وليلى بجوار صغيرها. جلس السيد فارس والخالة زينب في صالون المنزل. دخل فوزي وبيده الأدوية فقال:
- فارس فين؟
أجابته الخالة زينب:
- نايم يبني مع أمه جوا.
تحدث السيد فارس بتهكم قائلاً:
- كتر خيرك لحد كده، متشكرين أوي. تقدر تمشي، وجودك هنا ملوش لازمة.
وجدت السيدة زينب أن الأمر أصبح عائليًا الآن ولا يمكنها البقاء، فقامت تستعد للمغادرة قائلة:
- طيب، أنا همشي بقى أشوف البيت وأبقى أجي أبص على ليلى لما تروق كده وتهدى. لو في حاجة ابعتلي يا أبو ليلى.
- كتر خيرك يا ست زينب، تعبناك معانا. سلمي ع الحج محمد والأولاد.
- ماتقولش كده يا أبو ليلى، انتوا أهلي. الله يرحمك يا سلوى يا أختي. تسلم يا أبو ليلى، سلام عليكم.
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
جلس فوزي بعد وضعه الأدوية على الطاولة، ثم نظر إلى السيد فارس قائلاً بعدما التقط أنفاسه ندمًا:
- أنا مش هبرر لنفسي يا عمو فارس ولا هدافع عن نفسي، بس بما إني سبب كل اللي حصل ده والسبب في حالة ليلى، أنا مش همشي من هنا غير لما ليلى ترجع زي الأول وأحسن، وكل حاجة ترجع زي ما كانت.
شبك أصابعه متكئًا بيديه على فخذيه مائلاً قليلاً للأمام وهو جالس على كرسيه، تحدث إليه بتهكم وسخرية:
- امممم، هاترجع كل حاجة زي ما كانت، مش كده؟
- إن شاء الله، وأحسن من الأول كمان.
- آه، ويا ترى بقى هاترجع سلوى يا فوزي بيه؟ هاترجع التلات شهور اللي ضاعوا من عمري وأنا بعيد عن بنتي؟ هاترجع التلات شهور اللي ضاعوا من عمرها وعمر ابنها وهو بعيد عنها؟ هاترجع أم لبنتها والحياة تاني يا فوزي بيه؟
لجم لسانه وكأنه مقيد، لم يستطع الرد على كلامه. ماذا سيقول؟ فلا مجال للحديث هنا. شعر فوزي بالذنب الشديد والندم الشديد على فعلته. لم يكن يعلم أن الأمور ستوصله إلى هذا الحد. أطرق عيناه أرضًا خجلًا قائلاً:
- أنا معنديش كلام أقوله لحضرتك، بس كل اللي أقدر أقولهولك إني مش همشي من هنا لحد ما ليلى ترجع لطبيعتها وتقدر تاخد بالها من ابنها.
قام فوزي واتجه إلى خارج المنزل. جلس في حديقة المنزل على الأريكة حتى غلبه النوم. بعد مدة قاربت الساعتين وتخطت الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل، تتقدم خطوات شخص ما إلى فوزي حتى ظهر الظل على وجهه وهو نائم، ثم قامت يدان بوضع فراش عليه وتغطيته أثناء نومه.
رواية زئير القلوب الفصل السادس 6 - بقلم سهام احمد
دق جرس الباب وتقدمت روبا لفتحه.
كان ضاهر بيه يجلس يقرأ جريدته ويحتسب القهوة صباحاً وهو يرتدي نظارته.
فتحت روبا الباب وابتسمت:
- اهلاً وسهلاً سلمى هانم، اتفضلي.
- ازيك يا روبا؟ عمو ضاهر موجود؟
- آه طبعاً اتفضلي، هو في الصالون بيشرب قهوته.
- تمام شكراً.
رفع عينيه أسفل نظارته مبتسماً عندما رآها قائلاً:
- أهلاً أهلاً بعروستنا.
اقبلت عليه تقبله من خديه:
- صباح الخير يا عمو، عامل ايه؟
- الحمد لله يا سلمى، اتفضلي اقعدي يابنتي.
- بصراحة وبدون مقدمات، أنا جاية أقول لحضرتك ماتزعلش من بابا، انت عارف طبعاً أنه ماكنش يقصد كلامه ده.
ضحك بهدوء قائلاً:
- تشربي ايه يا سلمى؟ والا نفطر سوا، أكيد لسه مافطرتيش.
- تسلم يا عمو ربنا يخليك، أنا مش بفطر دلوقتي.
- روبا؟ شوفي سلمى هانم تشرب ايه.
- تشربي ايه يا سلمى هانم؟
- ممكن قهوة مظبوط يا روبا.
- تمام يا هانم، دقيقة وتكون عند حضرتك.
- شكراً روبا.
- بتؤمر بشيء تاني يا بيه؟
- لأ ياروبا شكراً.
اعتدل في جلسته ينظر إليها:
- بصي يا سلمى يا بنتي، أبوكي معاه حق في كل اللي قاله، ولازم تعرفي أن قيمتك عندي كبيرة جداً على عكس ما أبوكي قال. بس أنا عشمي فيكي وفيه أكبر بكتير. أنا أيامي معدودة وعايز أموت وأنا مطمن على فوزي، ومش هطمن عليه غير وإنتي معاه ياسلمى. أنا مش بضغط عليكي والله يا بنتي ومهما كان جوابك وجواب والدك أنا هقبله. وقبل أي حاجة لازم ظافر يكون راضي.
- أنا عارفه يا عمو وفاهمه حضرتك. عموماً أنا جيت أقولك ماتزعلش من بابا. أما موضوع فوزي ده، فأنا مش هقول غير بشرط واحد لو حضرتك تسمحلي.
تعجب من كلامها، أن تشترط على ضاهر بيه شيئاً، إنه أمر غريب ولم يسبق لأحد فعله. بالرغم من ذلك تقبل الأمر واستمع إليها:
- اسمعيه يا سلمى.
- مش عايزة حضرتك تفهمني غلط، لكن أعتقد إن ده من حقي لو حضرتك زي ما بتقول بتعتبرني بنتك.
- طبعاً يا سلمي، أنا سامعك يا بنتي، قولي.
- شرطي هو إن فوزي هو اللي يجي يطلبني بنفسه من بابا.
رسمت ثلاث خطوط طولية بين حاجبيه من كثرة الاستغراب. تغيرت ملامح وجهه ثم قال بضيق:
- أنا مش قد المقام يا سلمى؟
- العفو يا عمو ضاهر، افتكر إني قبل ما أتكلم قلت لحضرتك ماتفهمش كلامي غلط. فوزي لما يجي بنفسه يطلبني ده معناه إنه مش مجبر عليا، وأنا لا يمكن هفرض نفسي على حد؛ لأن حضرتك عارف اللي حصل وسبب موقف بابا ده.
- فهمتك يا سلمى.
- استأذن أنا بقا.
أتت روبا وهي تحمل القهوة بينما تستعد سلمى للخروج:
- القهوة يا ست سلمى.
- شكراً يا روبا، معلش مرة تانية يا دوب الحق الشغل، سلام.
- مع السلامة يا ست هانم.
كانت روبا متجهة إلى المطبخ فنادى عليها ضاهر بيك قائلاً:
- روبا؟ فوزي بيه لسه بيتمشى برا من امبارح هو وفارس.
تقلقلت روبا في حديثها أجابته تدعي الجهل:
- ليه يا بيه؟ هو فوزي بيه لسه مارجعش من امبارح؟ معقول؟!
تحدث إليها بصوت حاد قائلاً:
- روبا، أول وآخر مرة تكدبي فيها عليا وتخبي عليا حاجة تخص فوزي، فاهمة؟ أنا عارف إنه رجع مصر وعارف إنه راجع تاني برضه، لكن اياكي انتي أو مصطفى تخبوا عليا شي تاني.
- بعتذر منك يا بيه، بس فوزي بيه...
- عارف يا روبا، عارف. لكن ده مش معناه إنك تكدبي عليا.
- أنا آسفة يا بيه، حاضر اللي تؤمر بيه.
- اتفضلي شوفي شغلك.
- بعد إذنك.
أشار إليها بإصبعه أن تذهب. زفر بضيق ثم طرأت له خاطرة. ذلك العجوز الذي لا يفعل شيئاً هباءً، فهناك دائماً هدف وسبب بتصرفاته وأفعاله. امسك بهاتفه وقام بالاتصال بفوزي.
رن جرس الهاتف لفوزي وهو يجلس يطعم فارس الصغير:
- حبيبي جدو بيتصل، آه يا عمري جدو. الو بابا، أنا حبيت أقضي شوية وقت مع فارس بالاوتيل.
- فوزي ابني، مفيش داعي تكذب على أبوك في السن ده. أنا عارف إنك في مصر، ومش ممانع يا ابني، ده واجب عليك.
تعجب فوزي من تغير والده المفاجئ ثم قال:
- آسف يا بابا، بس مقدرتش أقولك، كان لازم آجي.
- طبعاً يا ابني، في الأول والآخر دي أم ابنك، ومراتك ولازم تكون جنبهم في وقت زي ده.
امسك فوزي بالهاتف ينظر إليه وهو يقول في خاطره:
- معقول اللي أنا سامعه، هو بابا تعبان ولا حاجة.
ثم عاود وضع الهاتف على أذنه مرة أخرى قائلاً:
- بابا، معلش أنا ممكن أتأخر شوية.
- ابني، خد راحتك لحد ما تطمن على مراتك وعيلتها، ووصل سلامي ليهم.
- شكراً يا بابا، أنا هكلمك وقت ما أفضي. المهم انت تاخد بالك من نفسك ومن صحتك.
- حاضر يبني، خد بالك انت من نفسك ومن فارس. عامل ايه حبيب جدو، وحشني أوي.
- بخير يا بابا، فارس كلم جدو.
- جدو!
- آه يا قلب جدو، مستنيك يا حبيبي. يلا يبني مش هطول عليك أكتر، سلام.
- مع السلامة يا بابا.
أغلق فوزي الهاتف وهو متعجب من طريقة حديث والده، لكنه أقنع نفسه أنه ربما تغير حاله بعد رؤية فارس الصغير. تابع إطعام طفله إلى أن أتت الخالة زينب لتعنى به:
- صباح الخير ع الشطور فارس، حبيبى. برافو انت أكلت طبقك كله يا عمري، برافوا عليك. يلا تعالى نلعب سوا. عامل ايه يا فوزي يبني؟
- الحمد لله يا خالة زينب، أنا بخير. أنا هدخل أشوف ليلى، ادعيلي ربنا يهديها عليا عشان أعرف أتكلم معاها.
- معلش يبني، اللي حصلها مش شوية، خليك صبور وطول بالك. ربنا يهديكم لبعض.
- يارب، شكراً خالة زينب.
- حبيبي، روح يلا.
~~~
دخل فوزي الغرفة حيث كانت ليلى نائمة كالملائكة. اقترب منها برفق، ثم جلس على مخدتها يلامس بأصابعه خصلات شعرها المسدول، يتمعن النظر إليها. اشتاق لتلك الملامح الملائكية. بدأ يقترب بوجهه إلى وجهها ليختطف قبلة من شفتيها الوردية. شعرت بأنفاسه وأفرجت عن أهدابها برفق ثم صرخت بفزع:
- انت بتعمل ايه هنا؟ يا بابا، بابااااا!
- اهدي يا ليلى، أنا جيت أطمن عليكي.
- اخرج برا، اخرج برا! قلتلك إني مش عايزة أشوف وشك تاني، انت مابتفهمش.
وقف من على فراشها يشير إليها بيديه أن تهدأ:
- حاضر يا ليلى، أنا ماشي، حاضر. اهدي، اللي انتي عايزاه هعملهولك.
أدار ظهره وتقدم خطوة إلى باب الغرفة ليخرج، فقالت:
- استنى.
رفع أنظاره إلى السماء يتمنى من قلبه أن تكون قررت إعطائه فرصة أخرى. لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه. أردف وهو يبتسم:
- نعم يا ليلى؟
- ابني فين؟
زفر بضيق ثم قال بهدوء:
- مع خالة زينب برا بتاخد بالها منه.
- محدش هاياخد باله من ابني غيري. وسع كده، فارس، فارس! بابا؟
كادت أن تسقط فأمسك بها ثم قال مازحاً بسخرية:
- خد بالك من نفسك الأول وبعدين خدي بالك من ابنك، انتي حتى مش قادرة تقفي على رجليكي.
استفزتها تلك الكلمات المقصودة، والتي كان غرض فوزي منها أن يعيد إليها ثقتها وقوتها وإصرارها. ثم رسمت ابتسامة ساخرة على ثغره جعلتها تدفعه بعيداً عنها قائلة بضيق:
- اوعى كده، بني آدم مستفز.
خرجت ليلى إلى حديقة المنزل وحملت فارس من أرجوحته وأخذته إلى غرفتها وأغلقت الباب. وضعته على مخدتها وجلبت بعض الألعاب وجلست جواره وهي تحدثه شاكية:
- حبيبي انت يا عمري، قال بيقولي مش قادرة آخد بالي من نفسي. أنا حتى لو مش قادرة آخد بالي من نفسي، هاخد بالي منك انت يا قلبي. أنا روحي فداك يا فارس. بس أوعدك إني هعمل كل اللي ربنا يقدرني عليه عشانك. انت تعرف إن ماما مش هتعرف تاخد بالها منك. إنسان مستفز. إيه يا عمري، دي خدها يا قلبي، بطة! انت اللي بطة يا روح ماما.
في الخارج اعتذر فوزي من الخالة زينب:
- خالة زينب، أنا آسف، ماتزعليش منها.
- لأ يا حبيبي، أبداً، دي بنتي وانت ابني. ربنا يهديها يارب ويشفيها. أنا همشي بقا، لو احتجت حاجة ابعتلي، ماتتكسفش.
- شكراً خالة زينب.
~~~
امسكت بهاتفها وقامت بالاتصال بوالدها:
- الو بابا، حضرتك فين؟
- ليلى حبيبتي، صباح الخير. أنا جاي ع البيت، طلعت أجيب حبة طلبات عشانك انتي وفارس وجاي يا حبيبتي. انتي كويسة؟ محتاجة حاجة؟
- لأ يا بابا، شكراً، ربنا يخليك تيجي بالسلامة.
- ماشي يا حبيبتي، سلام.
- سلام يا بابا.
وضعت الهاتف على الطاولة ووضعت رأسها على وسادتها تلعب مع فارس بجوارها.
كان فوزي أمام باب المنزل يتحدث إلى الدكتور خالد عبر الهاتف. أتى السيد فارس أثناء حديثه، ترجل من سيارته وحمل الأغراض وتقدم إلى باب المنزل. بتر فوزي حديثه مع الطبيب:
- طيب يا دكتور خالد، هكلمك بعدين، سلام. عمو فارس؟
تجاهله السيد فارس وتخطاه بخطوتين. امسك بيده وقال:
- عمو فارس، لو سمحت، أنا عايز أتكلم معاك بخصوص ليلى. في حاجات قالي عليها دكتور خالد حضرتك لازم تعرفها عشان مصلحة ليلى.
سقطت من بين يديه تلك الأغراض وقال بخوف:
- ليلى بنتي مالها؟ في ايه؟ ليلى مالها؟
- اهدى يا عمو، اهدى، ليلى كويسة، هي مع فارس جوا. بس الدكتور قال ضروري نعرضها على دكتور نفسي؛ لأن حالتها الصحية والنفسية ممكن تسوء، واحنا في غنى عن كده؛ عشان كده لازم لازم نشوف دكتور نفساني في أقرب وقت عشان ليلى.
وهما يتحدثان صدر صوت يقول:
- أنا مش مجنونة.
نظر كل منهم باتجاه مصدر الصوت وهو من داخل باب المنزل، فوجدوا ليلى تقف أمامهم وهي تحمل فارس الصغير. نظر كل منهم إلى الآخر خوفاً عليها من سماعها الأمر، وتأسف كل منهم على ذلك بصمت.
رواية زئير القلوب الفصل السابع 7 - بقلم سهام احمد
دق جرس الباب وتقدمت الخادمة تفتح، إذا بتلك الجميلة ذات الغرور تدخل منزلها بكل ثقة.
"حمد الله على السلامة يا سلمى هانم."
"الله يسلمك يا عبير، امال فين بابا؟"
أجابها من الداخل وهو يجلس على طاولة الطعام ينتظرها لتناول الغداء:
"انا هنا يا هانم، هو انتي لسه فاكرة أن ليكي اب تسألي عليه؟"
لم تلق بالا لتلك الكلمات التي عاتبها بها، ولم تعرف انتباه، ذهبت باتجاه الدرج قائلة:
"انا طالعه ارتاح في اوضتي شوية يا عبير، من فضلك مش عايزة حد يزعجني؛ علشان عندي اجتماع مهم كمان ساعتين."
"حاضر يا سلمى هانم."
عندما تخطت قدماها الثلاث درجات، وقف غاضباً ينادي عليها، يزفر أنفاسا حاذقة:
"استني هنا، انتي نسيتي نفسك يا بنت والا إيه؟ انتي ازاي تتعاملي معايا بالاسلوب ده؟!"
اردفت تنظر إليه بهدوء ونزلت درجة واحدة وهي تقول:
"اسف يا بابا بعد اذنك انا طالعة ارتاح."
أدارت ظهرها إليه وصعدت تلك الدرجة التي نزلتها سابقاً، زفر بضيق وصعد خلفها:
"قلتلك استني."
نظرت إلى الخادمة بنظرات حادة وكأنها تتسائل عن جرأتها للبقاء وسماع احاديثهما معا، طأطأت تلك العبير رأسها أرضا وذهب مسرعة إلى الداخل، امسك والدها بزراعها على الدرج يجذبها إليه قائلاً:
"وانتي اتجننتي يا سلمى! كل ده علشان واحد رفضك قبل كده وسابك زي ال…"
"زي ايه يا بابا ما تكمل، حضرتك تقصد زي الكلبة مش كده؟ سكت ليه؟"
التقط أنفاسه بحزن يحاول التحدث بهدوء:
"انا ابوكي يا سلمى انا خايف عليكي، وعمرك ما هتلاقي حد يخاف عليكي ادي، انا مش عايزك تتوجعي تاني افهمي بقا."
"من فضلك يا بابا نتكلم في الموضوع ده بعدين، انا بجد تعبانة ومش قادرة اتكلم دلوقتي ومحتاجة ارتاح."
ترك زراعيها ثم ربت على كتفيها برفق:
"انا عايزك تعرفي حاجة واحدة، انا ماعنديش في الدنيا دي كلها حاجة اغلى منك ولا اهم منك؛ علشان كده مش هسمحلك انك تأذي نفسك تاني يا سلمى، ياريت تفهمي اني خايف عليكي، انتي اللي باقيالي من ريحة امك الله يرحمها، لو جرالك حاجة انا مش هعيش تاني يا سلمى."
ضمته إليها بشدة وهي تحاول تهدئته:
"بعد الشر عليك يا بابا ماتقولش كده، حضرتك مكبر الموضوع ومديه اكبر من حجمه."
"انا برضوا اللي مكبر الموضوع؟!"
"اه يا بابا حضرتك؛ لأن انا بفكر فيه بطريقة مختلفة، وتأكد أن عمري ماهعمل حاجة وحضرتك مش راضي عنها، عمري ما هقلل منك في حاجة، اللي دايقني من حضرتك انك اخدت القرار عني من غير ما تاخد رأيي ولا تناقشني، من غير حتى ماتسمعني ولا كلفت نفسك تسألني ايه احساسك ولا جواكي ايه."
"سلمى يا بنتي اسمعيني."
"انا عارفة يا بابا عارفة؛ علشان كده انا بقول لحضرتك خلينا نتكلم في الموضوع ده بعدين؛ لأني بجد تعبانة ومحتاجة ارتاح ؛ علشان اجتماع بالليل."
"مافي يا سلمى زي ماتحبي، المهم انك ماتكونيش زعلانه مني."
"لأ يا بابا انا عمري مازعل من حضرتك."
"ماشي يا بنتي اطلعي ارتاحي."
"ماشي يا بابا اشوفك بعدين."
"بالتوفيق في اجتماعك."
"شكرا يا حبيبي."
صعدت إلى غرفتها ورميت بحقيبة يدها على سريرها واسرعت إلى تراسها، امسكت بسوره بشدة تلتقط أنفاسها من الهواء النقي، تحاول إيقاف تلك الأمطار التي تتساقط من عينيها دون توقف، بالكاد منعت سقوطها أمام والدها، عندما سمعت منه تلك الكلمات المولمة "واحد رفضك قبل كده وسابك زي ال…".
ثم مسحت براحتيها خديها المبللين وعادت ترتمي بين احضان فراشها ووسادتها التي هي المأوى الوحيد لها لتفضي به كل ما بها من آلام وأوجاع.
***
في غرفة الاستقبال يجلس السيد فارس وعلى يمينه ابنته ليلى تحمل صغيرها، على يساره فوزي زوجها، يحاولان تبرير تلك الكلمات التي سمعتها ليلى عن حالتها؛ حتى لا تسر اكثر فاكثر.
تحدث السيد فارس قائلا:
"ليلى يا بنتي انتي محتاجة لدكتور نفساني مش علشان انتي مجنونه ولا حاجة لا سمح الله؛ علشان يا بنتي الفترة اللي كنتي فيها في الغيبوبة فارس كبر وانتي بقالك فترة ماتعاملتيش معاه؛ علشان كده الدكتور نصح بدكتور نفسي؛ علشان مصلحة ابنك يا ليلى مش اكتر."
تحدث فوزي بجدية قائلاً:
"ليلى انتي لازم تاخدي بالك من نفسك وترجعي زي الاول؛ علشان ابنك محتاجلك وعلشان.."
بترت حديثه يتهكم قائلة:
"اسكت انت ماتتكلمش خالص، اصلا ماحدش طلب منك رأيك ولا طلب منك تتكلم، هو انت اصلا بتعمل ايه هنا؟ انت ايه مقعدك هنا؟"
تحدث السيد فارس والدها بهدوء قائلاً:
"عيب يا ليلى مايصحش كده، ده ابو ابنك ماينفعش اللي بتقوله ده يا بنتي انتي بتفهمي في الاصول."
"اصول؟! اصول ايه يا بابا؟ هو ده يعرف يعني ايه اصول."
وقف منتفضاً يزفر بضيق من شدة الغضب:
"ليلى، خدي بالك من كلامك، انتي بتكلمي جوزك وابواب ابنك، مش معنى اني غلطت في حقك وانك معاكي حق تزعلي يبقا هقبل انك تهينيني بالشكل ده، لآخر مرة هقولك يا ليلى خدي بالك من كلامك."
زفرت أنفاسا حاذقة وقامت منتفضة تعطي الصغير لوالدها، اقبلت عليه تواجهه وجها لوجه، كمواجهة أنثى الاسد لعدوها وهي تضع عيناها بعينيه بكل ثقة، تفرض هيمنتها على منطقتها وعليه:
"هاتعمل ايه ها؟ فاكر إن كلامك ده هز شعرة مني هه تبقا غلطان، انت ماغلطش في حقي يا فوزي، انا اللي غلطت في حق نفسي لما صدقت واحد ندل وجبان زيك."
رفع يده الى اعلى غير مدركاً ما يقدم على فعله من شدة الغضب، بصوت مرتفع ونبرات تهديد يلفظ اسمها:
"ليلى."
اغمضت عيناها خوفاً ورفعت يداها بتلقائية امام وجهها تحميه، ثم وقف والدها بصوت حاد جعله يتراجع عما كان مقدما على فعله وهو يصفعها:
"نزل ايدك، ليلى خدي ابنك وادخلي اوضتك."
"بابا."
"قلت خدي ابنك وادخلي اوضتك."
حملت الصغير باكية متجهة إلى غرفتها، وقف امامه السيد فارس وهو يعقد يديه خلف ظهره، ثم حاول فوزي الاعتذار منه:
"عمو فارس أناااا."
أفرج عن يديه وبترت حديثه تلك الصفعة التي تلقاها على وجهه منه، كأانها رياح عاتية تضرب اغصان الاشجار بشدة؛ حتى تترك بها اثرا لا ينسى ولا يمكن إصلاحه:
"القلم ده اللي انت كنت عايز تضربه لبنتي قدامي وفي بيتي، بالرغم من كل اللي انت عملته واللي انت اتسببت فيه بقول انك ابو فارس وعيب ومايصحش وماينفعش."
امسك بياقته بقوة، بنبرات تهديد وغضب:
"لكن لما توصل انك تتجرأ وتفكر ترفع ايدك على بنتي قدامي وفي بيتي وانت مش عامل اي حساب ولا احترام لو ودي يبقا تتفضل تطلع برا من غير مطرود برا."
دفعه بيديه بقوة إلى الخلف ثم قال وهو يشير إليه بإصبعه:
"البيت ده ماتدخلوش تاني، اما بقا اللي بينك وبين ليلى دي حاجة تخصها انا مقدرش اتكلم فيها ولا اخد قرار فيها، ولحد ما هي تاخد قرارها ماشوفش وشك هنا تاني، اخرج برا برا."
دفعه إلى خارج المنزل واغلق الباب، وقف فوزي امام المنزل وهو يضع يده على فكه يتحسس تلك الصفعة التي آلمته بقلبه اكثر من وجهه، اخرج هاتفه وقام بالاتصال بصديقه الطبيب خالد وطلب منه البقاء في منزله لفترة قصيرة؛ حتى يستعد للذهاب، بعدما الخبره بما حدث بينه وبين ليلى ووالدها.
بينما كان يقف يتحدث عبر الهاتف، تسللت بانظارها من خلف ستار النافذة تتفقد حالته، يا لهذا العشق الذي يضرم النيران في قلوب العشاق مائة مرة، ويطفئها في نفس الوقت مائة وخمسون مرة؛ لذلك أقول أن كل عاشق مجنون وليس كل مجنون عاشق.
بينما تنظر دخل والدها السيد فارس:
"ليلى."
تركت الستار منتفضة، عادت إلى صغيرها على السرير على الفور:
"تعالى يا بابا اتفضل، انا كنت بشم شوية هوا."
"اقعدي يا ليلى عايز اتكلم معاكي وبهدوء ومن غير عصبية."
"اتفضلي يا بابا."
"انا طردت فوزي من البيت، بس ده مش معناه اني همنعك تشوفيه او يشوفك ويشوف ابنه في اي وقت؛ لانك لسه مراته وفارس ابنه."
"يا بابا أناااا."
"اسمعيني للآخر يا ليلى، مفيش قرار يا بنتي بيتاخد وقت الغضب بيكون صح، اللي بينك وبين فوزي حاجة تخصكم، تكملي معاه او تسيبيه ده قرارك انتي حرة فيه، لكن انا بالنسبالي فوزي هو ابو ابنك وبس."
"بابا انا عمري ماهقدر اكمل مع انسان كان السبب في موت ماما، عمري ماهقدر اعيش معاه تاني."
"لأ يا بنتي لاانتي انسانه عاقلة ومتعلمة يا ليلى، امك الله يرحمها كان ده عمرها يا بنتي، وقضاء ربنا قبل اي شيء."
"ونعم بالله يا بابا لكن ايه الاسباب اللي خلت ماما حالتها توصل لكده، مش تعبي انا ومين كان السبب في تعبي؟ مش هو يا بابا."
"انا مقدرش ابررله ولا اقدر اشرحلك اسبابه؛ علشان كده انتي قدامك حل من اتنين، يا اما تقعدي معاه وتسمعيه ويسمهك وتحكوا مع بعض وتنهي الموضوع ده وتاخدي قرارك فيه، يا اما الموضوع يتقفل على كده وكل اللي بينك وبينه ابنك وبس، ومش هسمحلك تفتحي الموضوع ده بعد كده او تتكلمي فيه طول مانا عايش، القرار ليكي فكري وقوليلي نويتي على ايه، تصبحي على خير."
"وحضرتك من اهله يا بابا."
بعدما خرج والدها اسرعت إلى النافذة ظنا منها إنه مازال منتظرا بالخارج، لكن قد خاب ظنها غادر ولا تعلم الى اين.
عادت إلى فراشها تفرك جبينها بتفكير وشرود طوال الليل، بعدما غفل صغيرها تجولت في الغرفة طوال الليل، كأنها قصر كبير لا نهاية له، حتى عليها التعب والنعاس وكانت قد تخطت الساعة السادسة صباحاً.
يجلس كل فرد شاردا في همه وما يؤلمه او يفرحه، يجلس السيد فارس بغرفته وحيدا على فراشه بعد موت رفيقة عمره، ويجلس السيد ضاهر في غرفته الفخمة بقصره الكبير على تراسه يفكر ماذا سيفعل وكيف سيقنع ابنه بالزواج من سلمى، بينما تتأمل سلمى عبر اللاب توب صورها مع فوزي وهي صغيرة، وفي غرفة تنام ليلى وهي تحتضن صغيرها لا تدري ماذا سيكتب عليها القدر لاحقاً، بينما فوزي يجلس بتراس غرفة صديقه يبكي حزيناً على ما وصل إليه وماحدث بينه وبين ليلى ووالدها، لقد خسر حب حياته وكان معتقدا إنه يفعل الصواب.
كل شخص لديه وجهة نظر مختلفة ورؤية اخرى للامور، لكن احكام القلوب لا وصي عليها ولا سلطان، فعندما يحكم القلب تخضع له جميع الجوارح.
رواية زئير القلوب الفصل الثامن 8 - بقلم سهام احمد
بعد مرور ثلاثة أيام، دخل الدكتور خالد بعد طرق الباب. وجد فوزي يحتسي قهوته في تراس الغرفة.
"صباح الخير يا فوزي بيه."
"صباح الخير يا خالد، اقعد."
"لأ يا سيدي، أنا نازل المستشفى يدوب أوصل على معادي، إيه الأخبار؟"
"اهو زي ما أنت شايف، مفيش أخبار. أنا مسافر بعد بكرة هأرجع لبنان. مبقاش عندي حاجة هنا أقعد عشانها."
"اهو ده بقى الكلام اللي مالوش لازمة، معندكش حاجة إزاي؟ أما ليلى وفارس دول يبقوا إيه؟"
"ليلى خلاص يا خالد ضاعت مني للأبد وأنا اللي ضيعتها. أما فارس، فأنا مقدرش أبداً أبعدها عنه تاني، ومضطر أتحمل غيابه زي ما خليتها هي تتحمل غيابه."
جلس الدكتور خالد على الكرسي أمامه.
"يا بني، اللي أنت بتعمله ده هو الغلط في حد ذاته. أنت لازم تقعد مع ليلى وتتكلم معاها، على الأقل قبل ما تمشي تبقى عارف راسك من رجليك."
"أتكلم معاها إزاي يا خالد؟ هو أنا عارف أتكلم معاها كلمتين على بعض؟ دي مبقتش تطيقالي كلمة ولا تطيق تشوفني."
"خلاص يا سيدي، سيب الموضوع ده عليا وأنا هأظبطه. بس أنت كمان توعدني إنك متستفزهاش، خصوصاً بعد اللي أنت عملته آخر مرة قدام أبوها."
"يا سيدي والله كان غصب عني، هي اللي استفزتني."
"اهو ده اللي أنا عامل حسابه. أنت تقول هي استفزتني، وهي تقول هو استفزني، ومش هنخلص."
"يا سيدي، لأ والله. كلمها أنت بس وأنا هأحط جزمة في بقي ومش هتكلم، بس هي تسمعني يا خالد، تسمعني بس."
"هتسمعك يا روميو، بس أنت تكون عندي قبل الساعة ستة مساءً، لا أكتر ولا أقل. تمام؟"
"تمام، ماشي. بس قولي هاتجبها إزاي؟"
"مالكش دعوة أنت بقى، الله. المهم تكون عندي قبل ستة. يلا سلام."
"سلام يا دك. مش عارف أنا مدام أنت شاطر كده مش عارف تظبط نفسك ليه."
"هههه، مش لما أظبطك أنت الأول يا سي روميو."
"هههه، ماشي يا سيدي. بقا ليك فضل علينا اهو."
أغلق باب الغرفة وهو يضحك قائلاً: "سلاااااام."
~~~
خرج من الغرفة فوجد شقيقته داليا تجلس على الكرسي. لقد قدمت لتوها.
"إيه دا يا دودو، قلب أخوكي. هانت ولا لسه قربتي تفقسي وترتاحي من الكرش ده؟"
أمسكت ببطنها وهي حامل توشك على وضع طفلها بعد أيام.
"اخص عليك يا خالو، طيب أنا بس أجي وشوف أنا هأعمل فيك إيه. هنتفك زي الفرخة كده ريشة ريشة."
"هههههه، حبيب خالو، بس تعالي أنت."
أقبل عليها يقبلها ويقبل بطنها.
"عاملة إيه يا حبيبتي؟"
"الحمد لله يا حبيبي. ماما قالتلي إن عندك ضيوف."
"آه، ده فوزي صاحبي قاعد عندي يومين كده."
"أنا مش ده اللبناني اللي اتخانق مع مراته؟ هو فيه حد يعمل في مراته عملته دي؟ ده أنا لو خليل جوزي عمل كده كنت نتفته تنتيف."
"هههه، اسكتي يا لمضة، وبطلب تحشري مناخيرك في اللي مالكيش فيه. إيه يا ماما، هو الفول مبقاش يتبل في البيت ده ولا إيه؟"
خرجت والدته من المطبخ تقول بسخرية:
"إيه يا حبيبي، بتقول حاجة نفسك في الفول ولا إيه؟"
"أنا طبعاً، مانا مش هأخلص منكم انتوا الاتنين. أنا نازل، عايزين حاجة؟"
"عايزين سلامتك يا ابني، ربنا معاك."
"خلودة، والنبي حاجة حلوة كده وانت راجع، أنت عارف ها. ماتقولش لخليل."
"ههه، حاضر يا طفصة. ربنا يستر الواد ما يطلعش طفص هو كمان زي أمه."
"حبيبي يا لودا. ااااااااه."
توجهت أثناء الكلام وبدأ يزداد ألمها أسفل بطنها.
"ااااه يا ماما، في وجع جامد. ااااه يا خالد، الحقني."
عاد خالد من جوار الباب راكضاً.
"إيه يا بنتي، مالك؟ في إيه؟ مانتي كنتي زي القردة دلوقتي. أوعي تكوني هاتعمليها. خدي نفس كده واهدي."
بدأت تلتقط أنفاسها بهدوء. شهيق ثم زفير، شهيق ثم زفير، حتى هدأ الوجع. مالت رأسها للخلف على الأريكة.
"ااااه ياني ياما، إيه الوجع الغريب ده يا ماما؟ أنا عمري ما حسيته بيه قبل كده. يانهار أبيض، ده أنا حسيت إن روحي بتطلع."
وضعت والدتها يدها على رأسها تتحسسها برفق قائلة:
"اهدي يا قلب أمك، ده بس تلاقي الواد بيتعدل للولادة يا داليا. ما يبقاش قلبك رهيف كده، اجمدي. ده أنا خلفتك أنتِ واخوكي في صرخة واحدة."
وقف يضرب كفاً على كف ضاحكاً:
"اهو ده اللي أنا مش عارفه إزاي أنا كنت قاعد مع دي جوه بطنك يا ماما في نفس الوقت. يعني كنت متحملها إزاي جوه، أنا مش عارف."
ضحكت بهدوء ثم اعتزلت في جلستها ورفعت رأسها:
"ماشي يا خويا، هو أنت تقدر تعيش من غيري لحظة يا تنك؟ أنا مش عارفة أنت بتتنك علينا ليه أصلاً. الله يرحم، مش عايزة أتكلم."
"ههه، لأ، أبوس إيدك ماتفتحيش. أنا نازل. يلا خدي بالك من نفسك، لو حسيتي بحاجة كلميني أو اتصلي يخليلي على طول، سامعة؟ ماشي يا ماما."
"حاضر يا حبيبي، ربنا معاك يا خالد يا ابني ويكتب لك في كل خطوة سلامة."
أمسك بمعطفه، وهو يخرج من الباب ثم قال:
"هو لازم سلامة ده؟ طب قولي عليا، ولا حسناء ولا حتى نفيسة، أي حاجة يا ماما."
"روح يبني."
أغلق الباب وخرج مسرعاً ولم يستمع إليها. ضحكت والدته ثم تحدثت إليها داليا بجدية قائلة:
"إيه يا ماما، هو انتي مش ناوية تفرحي بخالد بقا؟ ماتشوفيله عروسة كده محترمة وبنت ناس. مانتي طول اليوم قاعدة تحكي مع أم فلان وأم علان."
"يختي، وهو راضي وأنا قلت لأ. أنا كل ما أفتح معاه الموضوع يقولي مش دلوقتي يا ماما، لسه يا ماما، لما أكون نفسي يا ماما."
"يكون إيه يا ماما؟ هو فيه تكوين أكبر من كده؟ ده بقا قد الباب أهو، قال يكون قال."
"هههههه، يخرب عقلك يا بت يا داليا، دمك خفيف. طالعة لأمك."
"طبعاً يا حبيبتي، ربنا يخليكي لينا."
خرج من باب غرفته يحمحم:
"احم احم، طبعاً مين يشهد للعروسة؟ البنت وأمها."
كانت داليا تستعد للقيام لتقبل يد والدها وتسلم عليه:
"بابا حبيبي."
"خليكي مرتاحة يا بنتي، كتر خيرك."
"عامل إيه يا بابا؟"
"الحمد لله بخير يا بنتي، انتي عاملة إيه وجوزك عامل إيه؟"
"الحمد لله يا حبيبي بخير، طول ما أنت بخير. لسه كنت بكلم ماما في موضوع خالد وجوازه."
"والله يا بنتي أنا سايبه على راحته. مش عايز أضغط عليه ويختار وخلاص عشان يريحنا ويرجع يندم. الموضوع ده بالذات مفيهوش ضغط، وربنا يرزقه ببنت الحلال وأنا معاه في كل حاجة لحد ما يدخل بيته، عشان أبقى عملت اللي عليا معاكم قدام ربنا، عشان لما أموت تفتكروني بدعوة حلوة."
قبلت يده بحب قائلة:
"بعد الشر عليك يا حبيبي، ماتقولش كده. ربنا يديك الصحة ويخليك لينا وتفرح بعيالنا وعيال عيالنا كمان."
"الحمد لله يا بنتي، محدش بياخد أكتر من نصيبه."
"الحمد لله يا حبيبي، أنا هنزل بقى يا ماما شوية كده علشان ألحق أجيب طلباتي وأرجع قبل ما خليل يجي من الشغل."
قالت والدتها:
"طب ماتخليكي معانا النهارده وخلي بابا يكلم خليل ويجي مع أخوكي."
"سيبي البنت تشوف بيتها وجوزها يا هانم. شوفي يا بنتي جوزك الأول وبيتك مفتوح في أي وقت تيجي فيه."
"حاضر يا بابا."
وقفت داليا تستعد للخروج، فقدمت والدتها إليها تقول:
"طب استني أجيبك لا تتتعبي في الطريق ولا حاجة."
"لأ يا ماما، توصليني إيه بس؟ أنا كويسة وبعدين أنا هاخد تاكسي من قدام الباب ينزلني قدام الباب، لا تعب ولا حاجة. يلا أشوفكم على خير، سلام عليكم."
"مع السلامة يا حبيبتي، خلي بالك من نفسك."
"حاضر يا ماما، حاضر."
~~~
دخل الدكتور خالد المشفى، اتجه إلى غرفة خليل صديقه وزوج شقيقته. خليل شاب في التاسعة والعشرون من عمره، تزوج منذ عام، يعمل طبيب أسنان، يعيش منفرداً مع زوجته في القاهرة. من أصول صعيدية، تعيش أسرته في محافظة قنا. قدم إلى القاهرة للدراسة وبعدها تعرف على خالد وأسرته، وتزوج من شقيقته.
دخل خالد الغرفة دون صوت فوجد خليل نائماً على مكتبه. قام بالسخرية منه والمزاح. قام خليل منتفضاً:
"يخرب بيتك يا خالد، يا أخي أنا قلت المدير."
"هههه، إيه يا حلو، أنت نايم على نفسك من دلوقتي، أما لما البيه يشرف هاتعمل إيه؟"
مسح وجهه براحتيه، ثم قام برشف قطرات من كوب الماء وقال:
"أعمل إيه بقى في اختك دي اللي مش مخليني أنام طول الليل؟ كل شوية خليل الحقني، أنا شكلي هولد. خليل الحقني، الواد بيتحرك. خليل خليل خليل، لما خلتني كرهت اسمي. يا راجل، ده أنا لتمنيت أكون دكتور نساء وتوليد عشان أطمنها وتقتنع بكلامي."
"هههههه، الله يخرب عقلك يا خليل، والله ضحكتني."
"ههههه، اضحك يا خوي، بكرة تدوق من نفس الكاس وتقول إن الله حق."
"لأ يا ابني، أنا مستق نفسي كده تمام، ميت فل وعشرة."
"طب يا خوي، داليا جت عندكم؟ كانت بتقول هعدي على ماما أطمن عليها."
"آه، سايبها هناك مع ماما وبابا."
رن هاتف خالد، أخرجه من جيبه ونظر ثم أشار إلى خليل ألا يصدر صوتاً:
"الو، سلام عليكم."
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."
"إزيك يا ليلى، عاملة إيه دلوقتي؟ وفارس إخباره إيه وعمو؟"
"الحمد لله بخير يا دكتور خالد، والله تمام، شكراً لسؤالك."
"ولو يا ستي، إحنا أخوات، ماتقوليش كده."
"ربنا يخليك، تسلم. أنا لقيتك رانن عليا، معلش لسه شايفة الفون."
"آه، أنا فعلاً رنيت عليكي عشان كنت عايزك تيجي تشوفيني في العيادة. بصراحة، آخر مرة شفت فيها فارس معجبنيش، فحبيت أعمله شوية تحاليل كده وأطمن عليه لو ماعندكيش مانع."
"فارس ابني أنا؟ خير يا دكتور، ماله فارس؟ أنا معاه وكويس أهو، مش شايفه فيه حاجة تخوف، الله يخليك ماتقلقنيش عليه."
"لأ والله، ولا تخافي، ده شوية تحاليل روتينية كده عشان نطمن على وضعه الصحي بس مش أكتر. فياريت لو أنتِ فاضية النهارده ممكن تحبيه على الساعة ستة كده، هكون فاضي وفي انتظارك، عشان آخد بالي منه كويس."
"تمام يا دكتور، حاضر، اللي تشوفه هجيبه لحضرتك، ماشي."
"خلاص، تمام، كويس أوي. هستناكم، وصلي سلامي لعمو فارس."
"الله يسلمك، وهو بيسلم عليك."
"الله يسلمه. هستناكم، ماتتأخروش، سلام."
"تمام، ماشي. سلام."
أغلق الهاتف فسأله خليل:
"إيه ده؟ في إيه؟ مين دي؟"
"لأ، ماتأخدش في بالك أنت، ده حوار كده، عبقري أقولك عليه بعدين. يلا قوم نشوف شغلنا."
"يلا يا سيدي، هلاقيها منك ولا من اختك في البيت."
بعدما أغلقت الهاتف شعرت بقلق وتعجبت من مكالمة الدكتور خالد لها. فسألها والدها السيد فارس عندما لاحظ القلق عليها والشرود:
"ليلى، انتي كويسة؟ مالك، في حاجة؟"
أردفت تنظر إليه بقلق:
"والله يا بابا ما عارفة."
"مين كان بيكلمك؟"
"ده الدكتور خالد، بيقول إنه عايز يشوف فارس ويعمله شوية تحاليل، عشان حالته ما كانتش عجباه آخر مرة شافه فيها. بيقولي عايز يطمن عليه."
"طب وماله يا بنتي، خالد جدع وابن حلال. والولد برضوا تعب يا ليلى من وقت ما رجع، وهو ع طول خايف وقلقان. خديه وروحي، وأنا هاجي معاكي."
"لأ يا بابا، الموضوع مش مستاهل، حضرتك خليك مرتاح، أنا هوديه ومنها نشم شوية هوا أنا وهو، بقالنا فترة ما خرجناش بره البيت."
"ماشي يا بنتي، اللي تشوفيه. إمتى هاتروحي؟"
"الدكتور خالد قال إنه هيكون مستنينا على الساعة ستة كده."
"تمام، إن شاء الله خير."
"إن شاء الله يا رب."
~~~
قاربت الساعة الخامسة مساءً، رن جرس الهاتف المحمول وهي تمسك حقائب بها أغراض التسوق والخضروات. لا تعلم كيف تخرج الهاتف من حقيبة يدها وهي تحمل كل تلك الأشياء، وفي نفس الوقت كبر حجم بطنها جراء الحمل يصعب عليها الأمر.
ظلت تتنهد وتلتقط أنفاسها بصعوبة. استندت على حائط جانبي لإحدى المنازل في الشارع العام، وضعت أغراضها جانباً وأخرجت الهاتف وأجابت:
"الو، إيه يا خليل."
"إيه يا داليا، مالك؟ أنتِ بتنهجي ليه كده؟ أنتِ كويسة؟"
"آه، آه، أنا كويسة، ماتقلقش. أنا بس كنت قاعدة برتاح شوية لحد ما ألاقي تاكسي."
"أنتِ خلصتي حاجتك يعني؟"
"آه، خلصت تمام. في حاجات بقى مالقيتهاش، قلت أبقى أنزل أجيبها وقت تاني. بيني وبينك، النهاردة مش مظبوطة."
"طب أجلك؟ أنتِ فين كده؟ هاجي آخدك."
"لأ يا حبيبي، مش مستاهلة. أنا تمام، هاخد تاكسي يوصلني لحد البيت."
"طيب، ماشي. طمنيني عليكي لما توصلي."
"حاااضر، من عنيا. يلا سلام."
أغلقت الهاتف ووقفت على الرصيف تنتظر قدوم سيارة الأجرة. بينما تقف على الرصيف الآخر ليلى وهي تحمل فارس تنتظر سيارة أجرة أيضاً. بدأت تتأفف من حرارة الجو وتتعرق، لا تحتمل الوقوف من ثقل بطنها:
"يارب، إيه الحر ده؟ هي التاكسيات خلاص دلوقتي خلصت؟ ولا تاكسي، بقالي ساعة واقفة."
نظرت إلى الجهة المقابلة بحقد وغل.
رواية زئير القلوب الفصل التاسع 9 - بقلم سهام احمد
في الجهة الأخرى ليلى:
- حبيب ماما ياروحي، الجو حر عليك انهارده. معلش شوية وهانلاقي تاكسي، اهو جه تاكسي تاكسي.
وتنادي داليا في ذات الوقت:
- تاكسي تاكسي؟
توقف سائق السيارة أمام ليلى، أقبلت عليه بينما كانت داليا تمشي إليه بصعوبة حتى وصلت إليه.
قالت ليلى:
- المستشفى التخصصي العام.
- اتفضلي يا مدام، اركبي حضرتك.
- شكراً.
عندما فتحت ليلى باب السيارة تستعد للصعود، أمسكت بباب السائق داليا:
- استنى، انت رايح فين؟ أنا اللي ندهت عليك الأول.
توقفت ليلى عن الصعود وقالت:
- حضرتك أنا اللي وقفته الأول، علشان كده هو وقف عندي مش عندك.
- لأ، أنا اللي وقفته الأول. وقف عندك علشان مش هينفع يعدي الرصيف ويجي الناحية التانية.
- بعد إذنك بس علشان أنا متأخرة.
- وانت كمان متأخرة، أنا بقالي ساعة واقفة مستنية تاكسي.
- ماشي حضرتك، ده مش ذنبي والله.
- ولا ذنبي أنا كمان يا حبيبتي.
نزل سائق السيارة وصرخ قائلاً:
- باااااس! إيه يا مدام منك ليها؟ هو انتو اشتريتوا التاكسي ولا إيه؟ أنا ماشي. لا انتي ولا هي.
قالت داليا:
- لالا بص، يا حضرت، انت ممكن توصلني أنا الأول وبعدين توصلها. أنا ماعنديش مانع إنها تركب معايا.
أشارت إليها ليلى بإصبعها قائلة بغضب:
- يوصل مين الأول؟ هيوصلني أنا الأول وبعدين يوصل حضرتك. وبعدين أنا مشواري مش بعيد.
للمرة الثانية سائق السيارة:
- باااااس! هو انتي رائحة فين يا مدام؟ مشوارك هو اللي هايحدد مين فيكم هاتوصل الأول.
أجابته داليا:
- أنا رايحة المعادي.
- تمام، يبقا كده هوصلها هي الأول المستشفى وبعدين أوصلك المعادي، علشان هي مشوارها أقرب. تمام كده؟ ولا أمشي وانتوا بقا تتصافوا مع بعض.
- خلاص خلاص، وصلها.
- اتفضلي، سيبي الشنط وأنا هحطها لحضرتك في الشنطة علشان المكان.
- ماشي يا اسطا، كتر خيرك.
رواية زئير القلوب الفصل العاشر 10 - بقلم سهام احمد
صعد الاثنان السيارة وأثناء جلوسهم تحدثت داليا مع والدتها عبر الهاتف.
"أيوا يا ماما أنا في التاكسي مروحة."
"اتأخرتي كده ليه يا داليا انتي كويسه؟"
"اه يا حبيبتي كويسه هاعمل ايه ناس معندهاش ذوق، شايفين واحده بطنها قدامها المفروض يخلو عندهم شويه دم، لكن مفيش."
"في ايه يابت انتي اتكلمتي مع حد في الشارع."
"لأ يا ماما ف التاكسي مش في الشارع."
استفزت ليلى من طريقة حديثها عنها فقالت:
"انتي تقصدي مين باللي معندهمش ذوق في التاكسي ها، على فكرة أنا من الصبح وأنا ساكتالك مش عايزه ارد عليكي علشان خالتك دي لكن انتي إنسانة قليلة الذوق ومش محترمة."
تركت الهاتف من يدها وأمها تنادي عبر الهاتف:
"داليا يا داليا؟"
نظرت إليها داليا قائلة:
"هي مين دي اللي مش محترمة يا مهزقة اااااااااه."
بينما كانت ليلى تتحدث وترد عليها والسائق يهدئ بينهم، صرخت داليا باستمرار. ظنت ليلى أنها تفعل ذلك عمداً حتى أمسكت بيدها داليا وهي تبكي وتتألم وتقول:
"أنا بولد اااااااه بولد بولد."
ارتعبت ليلى عندما نظرت تحت أقدامها فوجدت دماء ومياه تسيل بين أقدامها. ويبكي فارس خوفاً من الأصوات المرتفعة. ولعن السائق تلك الساعة التي جعلته يلتقي بهما. حاولت ليلى أن تهدأ من روعها ومن بكاء فارس:
"خلاص يا ماما اهدى خلاص، وانتي اسكتي شوية بقا قربنا نوصل المستشفى اهدي وخدي نفس كده براحة، خلاص يا قلبي اهدي ماما معاك اهو."
"ااااااه مش قادرة الحقوني."
ثم قامت بعض يد ليلى، وصرخت ليلى ثم كتمت صرختها عندما رأت الدموع في عين فارس. بعدما تركت يدها قامت ليلى بضربها على كتفها برفق:
"اتهدي شوية بقا يا شيخة يخرب بيتك إيه ده، انتي جوزك عايش معاكي إزاي، اهدي بقا خلاص إحنا على وصول."
"ااااااه مش قادرة يا ناس هموت."
"خلاص خلاص إحنا وصلنا اهو، أيوا يا اسطا الله يباركلك هنا على جنب تمام بس كده."
نزلت ليلى من السيارة راكضة وهي تحمل فارس إلى الطوارئ وأخبرتهم بحالة داليا. خرج فريق من المشفى بكرسي متحرك، حملوا المريضة على الكرسي وهي لا تتوقف عن الصراخ وقالت ل ليلى:
"الحاجة والنبي الموبايل في العربية، الحاجات في الشنطة والنبي هاتيهم."
تعجبت ليلى من تفكيرها ثم قالت في نفسها:
"يخرب بيتك إيه ده انتي في إيه والا في إيه يا بعيدة، بتولد وإنتي في الحاجة والموبايل، طيب تمام ماشي ماشي روحي أنا هطلعها أطمن، ياربي ع اليوم ده اوووووف استغفر الله العظيم."
جلب سائق السيارة أغراضها والحقائب:
"اتفضلي يا مدام الشنط بتاعتنا."
"تمام شكراً والموبايل معلش واقع تحت الكرسي ورا."
"تمام ماشي، اتفضلي الموبايل اهو وأنا بقا مين هايحاسبني انتي والا هي؟"
"لالا أنا هحاسب حضرتك اتفضل كتر خيرك شكراً."
"هاتي يا ستي نسوان رغم جاتكو الهم."
"طب ليه يعني ليه الغلط ده هو انت حد كلمك."
"امشي يا شيخة أنا مش عارف جوازكم مستحملكم إزاي."
انطلق بسيارته بسرعة حتى انتفضت من صوتها المزعج. قالت وهي تلتقط أنفاسها:
"اهدي يا ليلى خلاص اهدي، معلش يا قلب ماما حظك معايا كده، إيه ده انت بقيت تضحك دلوقتي، مبسوط إن ماما اتهزقت يعني، ماشي يا سيدي."
نداها صوت من خلفها:
"يا مدام."
أردفت تنظر إليه باستغراب:
"أيوا."
"اتفضلي حضرتك علشان تملي البيانات بتاعة المريضة وادخلي الحسابات؛ علشان المريضة هاتدخل العمليات حالة ولادة."
"لأ معلش هي مش قريبتي أنا معرفهاش أنا ساعدتها بس في التاكسي."
"طب ممكن حضرتك اتفضلي لحد ما نعرف نتصل بحد من أهلها، ماينفعش تمشي غير لما نتصل بحد من أهلها وييجي."
"طيب ماشي تمام، معلش ممكن تساعدني ف الشنط دي هي بتاعتها على فكرة."
"ولا يهمك اتفضلي حضرتك."
~~~
تخطت الساعة السادسة وفوزي ينتظر في غرفة الدكتور خالد. يأخذ الغرفة طريقاً ذهاباً وإياباً، حتى قال الدكتور خالد بزهق:
"ما تهدى بقا يا اخي خيلتني."
"خالد انت متأكد إنك قلتلها تكون عندك الساعة ستة."
"اه والله قلتلها."
"طب إيه اللي آخرها كده الساعة داخلة على سبعة إلا ربع، طب اتصل بيها تاني."
"يبني اتصلت ومش بترد، هي شكلها حست بحاجة ومش هتيجي."
"لالا ليلى ماتعملش كده على الأقل كانت اتصلت بيك واعتذرت، لكن ماتردش لا ده مش أسلوبها، أكيد في حاجة حصلت، أنا هاروحلها."
"استنى بس تروح فين أنا هتصل كمان مرة يمكن ترد."
أخرج الدكتور خالد الهاتف من جيبه، ثم رن هاتفه بمكالمة واردة من مدام ليلى:
"الو مدام ليلى."
"أنا آسفة جداً يا دكتور خالد على التأخير، كنت في موقف صعب جداً، معلش أنا قدامي نص ساعة وأكون عند حضرتك لو الوقت مش هايسمح ممكن أروح وأجيلك بكرة."
"لالا خالص تمام أنا في انتظارك، انتو كويسين فارس كويس؟"
"اه اه الحمد لله بخير، موقف بعيد عننا يعني لما أشوف حضرتك هحكيلك."
"تمام يا مدام ليلى في انتظارك."
"شكراً لحضرتك."
"اهو يا سيدي نص ساعة وتيجي."
"ما قالتلكش إيه اللي آخرها كده؟"
"انت مش سامع المكالمة يابني بتقولك حصل موقف ولما تيجي هانعرف."
"طيب ماشي يارب يكون خير."
دخلت الممرضة بعد طرق الباب:
"دكتور خالد؟ عايزين حضرتك في الاستقبال تحت."
"استقبال؟! ماتعرفيش في إيه؟"
"لأ والله يا دكتور."
"طيب أنا جاي حالا، شكراً، أنا هروح أشوف في إيه يا فوزي وارجعلك ماتتحركش من هنا ولو اتأخرت عن نص ساعة وليلى جت ماتخليهاش تمشي لحد ما أجي."
"ماشي تمام."
~~~
بينما يتجه الدكتور خالد إلى المصعد وجد الدكتور خليل ينتظر أمامه، سأله قائلاً وهو يربت على كتفه:
"على فين العزم يا أبو خليل؟"
"إيه يا خالد معرفش بعتولي في الاستقبال عايزيني معرفش ليه."
"والله! وأنا كمان نفس الموضوع."
"غريبة جداً صح!؟"
"دلوقتي نشوف في إيه."
دخلوا المصعد ثم نزلوا إلى الطابق الأرضي، اتجهوا إلى موظفة الاستقبال معاً. سأل الدكتور خالد:
"لو سمحتي أنا الدكتور خالد حسام الدين، وده الدكتور خليل مراد، بعتولنا من قسم الاستقبال هنا."
"اه يا دكتور بعتنا لحضرتك بالفعل؛ لأن في حالة ولادة قالت إن حضرتك أخوها والدكتور خليل زوجها، هي حالياً في غرفة العمليات اسمها داليا حسام الدين."
نظر كل منهم إلى الآخر وركضوا مسرعين إلى قسم العمليات غرفة الولادة. دخل الدكتور خليل وهو ينهج إلى ممرضة الاستقبال الخاصة بالقسم:
"لو سمحتي لو سمحتي، مدام داليا حسام الدين في غرفة العمليات حالة ولادة، عملت إيه؟ قصدي هي فين؟ أنا جوزها."
"لحظة يا فندم هشوف الكشف، هي خرجت يا فندم من العمليات وحالياً في غرفة رقم أربعتاشر."
ركضوا مسرعين خلف بعضهم ثم عاد خليل من نصف الممر وقال:
"هي فين الغرفة دي معلش."
"آخر الممر يمين يا فندم."
"شكراً شكراً."
ركض خليل وخلفه خالد إلى الغرفة فوجدوا سيدة تقف بظهرها وتحمل طفل صغير بينما يجلس الآخر في عربة الأطفال. وداليا ترقد على فراشها. ركض إليها خليل مسرعاً أمسك بيدها يقبلها:
"داليا انتي كويسه حمد الله على سلامتك يا حبيبتي فداكي أي حاجة المهم انتي بخير، مش مهم أي حاجة تانية إن شاء الله ربنا يعوضنا بعيال كتير جدا يا قلبي."
تركت يده وهي مستعجلة من كلامه:
"في إيه يا خليل إيه اللي انت بتقوله ده، بعد الشر ليه بتقول كده؟"
"داليا أنا عارف إن الموضوع صعب والصدمة كبيرة عليكي، خالد الحقني هي مش مستوعبة والا إيه داليا جرالها إيه؟ حبيبتي هتبقي كويسة إن شاء الله."
أشارت داليا إلى ليلى إن تجلب إليها الطفلة:
"هاتيها معلش، اتفضل يا خليل يا حبيبي، شكلك انت اللي مش مستوعب."
"إيه ده؟! قصدي مين ده؟"
"لأ قصدك مين دي؟ دي بنتك يا حبيبي بنتنا."
"بجد والله العظيم يعني هي كويسة؟ أنا لما شفتك لوحدك والمدام معاكي افتكرتهم أولادها، هههه ياربي بجد مش مصدق، الحمد لله الحمد لله، حبيبت قلبي انتي نورتي الدنيا وحياتي كلها، خالد تعالى شوف."
ابتسم الدكتور خالد وتقدم خطوتين إلى الأمام وقف جوار ليلى دون أن ينظر إليها:
"ربنا يخليها لكم تتربى في عزكم يارب، حمد الله ع السلامة يا داليا، أنا كنت شاكك في أمرك من الصبح."
ضحكت داليا ثم قالت بمزاح:
"البركة في المدام بقا هي اللي ولدتني بدري."
ردت عليها ليلى وقالت:
"ليلى اسمي ليلى يا ستي حمد الله على سلامتك، استأذن أنا بقا."
نظر إليها الدكتور خالد باستغراب ثم قال:
"إيه ده معقول مدام ليلى."
"دكتور خالد؟! حضرتك تعرفها؟"
"داليا تبقا أختي التوأم والوحيدة."
"معقوووول وتوأم كمان مش باين عليها خالص إنها أختك."
تحدثت داليا وهي تقول:
"انت تعرفها يا خالد؟"
"اه يا داليا بعدين هبقا أقولك ارتاحي دلوقتي، اتفضلي يا مدام ليلى."
"لأ استنى يا خالد بصراحة مدام ليلى ساعدتني كتير وهي اللي جابتني لحد هنا ووقفت معايا لحد ما ولدت وخرجت من العمليات ولحد ما فقت وهي جمبي، شكراً يا مدام ليلى كتر خيرك."
"الله مانتي طلعتي ذوق اهو امال إيه بقا، الحمد لله إنك بخير حمد الله على سلامتك وتتربى في عزك إن شاء الله، مبروك يا أبوها صحيح هاتسموها إيه؟"
"خليل بعد إذنك أنا عايزة مدام ليلى هي اللي تسميها، لو معندكش مانع؟"
نظر إليها الدكتور خليل ثم قام وهو يحمل الطفلة بين يديه وتقدم إليها وأعطاها الطفلة قائلاً وهو مبتسم:
"لأ طبعاً ماعنديش أي مانع اتفضلي يا فندم لعله خير."
رسمت البسمة على شفاه ليلى وكانت تلك الفرحة الأولى التي تتخلل إلى قلبها بعد رجوع ابنها إليها. بأعين دامعة تقول:
"يا جماعة بجد انتو بتحرجوني جدا، يعني ممكن الاسم ما يعجبكوش طيب أو نفسكم تسموها حاجة تانية."
جلس خليل بجوار زوجته يضمها إلى صدره ثم قال:
"إحنا ماتفقناش على اسم، وأهم حاجة عندي إنهم بخير بنتي ومامتها، يبقى الاسم من نصيبك، وبعدين كفاية اللي انتي عملتيه معاها، انتي سديتي مكان جوزها وأخوها وأمها وأبوها كمان، يبقى ده أقل شكر نقدمه ليكي."
تحدث فارس بصوت مرتفع وهو يضحك قائلاً:
"مامااااا امامااااا هههه."
ضحك الجميع ثم قال خالد بمزاح:
"شفتي حتى فارس مصر كمان."
نظرت ليلى إليها تتأملها وهي تقول:
"أنا كان نفسي لما أخلف بنت اسميها ثريا، على اسم واحدة صحبتي، فلو تسمحولى اسميها "ثريا"."
فرحت داليا كثيراً بالاسم ورددته بصوت واضح وهي تضحك:
"ثريا خليل مراد يا سلام اسم كله مزيكا، بجد تسلمي يا ليلى كتر خيرك."
قبلت ليلى الطفلة وأعطتها لوالدتها ثم ودعت الجميع وخرجت مع الدكتور خالد إلى غرفته، بينما تتحدث معه عما حدث بينها وبين شقيقته داليا. وصلوا إلى الغرفة وفتح باب الغرفة وهي تضحك، ثم فجأة تغيرت ملامح وجهها وملأ الحزن عيناها وقالت باستغراب:
"إيه ده؟!"
الفصل العاشر
فراق للابد.
مازال الحزن يملأ قلبها بالرغم من لحظات فرح بسيطة تخللت وجدانها، إلا أنه مازال القلب يتألم ومازال الجسد يتوجع لآلامه. عندما رأت ليلى فوزي في غرفة الدكتور خالد لم تغضب فقط من رؤيته، لقد كان بالنسبة إليها عشق لا ينتهي وثقة لا تهتز، لقد خيب ظنها وكسر قلبها. في الحقيقة لم يكن يقصد ذلك لكنه قد فعل دون تردد.
وقفت أمام باب الغرفة وترددت في الدخول إلى أن قال فارس الصغير:
"بابااااااا."
ضحك فوزي ثم قام مسرعاً يجلس على أقدامه، وأمسك بيد طفله وقبلها:
"حبيبي، نعم يا روح البابا أنا هنا، يا الله على الريحة الجميلة دي، وحشتني أوي يا بابا."
ثم نظر إلى أعلى ووقف يمد يده إليها قائلاً:
"ازيك يا ليلى."
رمقته بتلك النظرات القاتلة، من أعلى إلى أسفل تتعجب من وقاحته وكأنها تقول:
"ازيك عين إزاي تمد إيدك وتسلم يا بجاحتك ياخي."
أدارت وجهها بعيداً عنه، ضم يده إليه بخجل وإحراج ثم قال وهو ينظر إلى أسفل:
"تمام ماشي، اتفضلي أنا حابب أحكي معاكي شوية."
لم تعره انتباه، ثم نظرت إلى الدكتور خالد بغضب:
"هو ده السبب اللي خلاك تجيبني هنا يا دكتور خالد، معقول؟! معقول يطلع منك كل ده."
أمسك الدكتور خالد بعربة الطفل ثم ابتسم قائلاً:
"لأ يا مدام ليلى حضرتك فهمتي غلط، أنا هاخد فارس أخلصله التحاليل اللازمة اللي قلت لحضرتك عليها، وده نفس السبب اللي جاب فوزي هنا هو ابنه، هو كمان من حقه يطمن عليه والا إيه؟"
"بس مش المفروض حضرتك تديني علم بوجوده وخصوصاً إنك عارف الوضع بينا، والا هو علشان صاحبك المقرب."
"أنا الاتنين أخواتي يا ليلى ويهمني مصلحة فارس قبل ما يهمني إيه الوضع بينكم، لو عايزة رأيي دي فرصة ليكم انتو الاتنين تتكلموا بهداوة وتتكلموا ياريت؛ علشان خاطر فارس وصحته، استأذن أنا."
أخذ العربة وتراجع مستعداً للذهاب:
"يلا يا بطل يلا يا فارس، نروح نجيب حاجة حلوة."
أشار إلى فوزي من خلف ظهرها وهو يهمس بشفتيه:
"بالهداوة براحة واحدة واحدة."
دخلت ليلى إلى الغرفة وجلست على الكرسي المقابل له، وضعت قدم فوق الأخرى. نظرت إليه بعد شهيق وزفير نظرة طويلة، تنتظر ماذا سيقول حتى تنفجر بكل قوتها بما يحمله قلبها؛ لقد أصبح الحمل ثقيل ومؤلم إلى حد لا يوصف.
رفع عينيه إليها يتأملها، ثم أزاح بنظره بعيداً خجلاً قائلاً:
"بلاش النظرات دي يا ليلى ابوس إيدك، خليني أتكلم معاكي كلمتين على بعض."
وضعت يدها أسفل ذقنه، ترفع وجهه إليها بأصابعها قائلة بتهكم:
"إيه؟! مكسوف؟! والا مش لاقي حاجة تبرر بيها موقفك؟"
رفع يده ليمسك بيدها فضمت يدها إليها مسرعة قبل أن تلمس يده وتراجعت إلى الخلف تعتدل في جلستها. قال فوزي بعدما زفر بضيق وابتسامة حزينة ثم قال:
"ليلى اسمعيني أرجوكي؛ أنا لما اخدت فارس اخدته علشان بابا كان تعبان وكان نفسه يشوفه، كنت فاكر إنه آخر مرة هايشوفه ويشوفني فيها، انتي ماسبتليش خيار حاولت معاكي وحاولت أقنعك لكن ماديتنيش أي فرصة يا ليلى، لكن رغم كل ده أنا عمري ما فكرت أءذيكي أو أكون سبب في أي حاجة وحشة تحصلك."
"ليلى انتي مش عارفة بابا لما شاف فارس كان عامل إزاي، ده كان عامل زي الطفل الصغير."
خرج جالساً عند قدميها وهو نادم، بعينين دامعتين يقول:
"ليلى أنا عارف إن مهما اعتذرت منك مش هكفر عن غلطي، ولا هرجع كل اللي ضاع منك بسببي، بس أنا آسف أنا آسف يا ليلى والله آسف على حاجة وحشة حصلتلك بسببي، إيه يرضيكي وأنا أعمله، لو قولتي أرمي نفسي من فوق دلوقتي هرمي نفسي، لو قولتي موت نفسك هموت نفسي لو ده يرضيكي بس قوليها يا ليلى لو ده اللي هايريحك قوليها."
أمسك بيديها يقبلها وهو يبكي:
"أبوس إيدك يا ليلى قولي أي حاجة، أنا بموت من جوايا كل يوم من إحساسي بالذنب والندم."
زرفت تلك الجفون دمعاً لا يوصف، دموع وجع وألم كانت مسجونة داخل جدران قلبها الصغير، الذي ذاق من العذاب ألوان بالرغم من صغر حجمه:
"ندم؟ ندم إيه يا فوزي ندم إيه، انت اللي زيك عمره ما يحس بالندم لأنه معندوش إحساس أصلاً."
أمسكت ياقة قميصه أوقفته على أقدامه، وقفت أمامه وهي غاضبة بل تشطط غضباً:
"انت عارف انت عملت فيا إيه؟ أنا كان ممكن أموت وابني بعيد عني، تلات شهور وأنا بين الحياة والموت وانت عايش حياتك مبسوط، مفكرتش حتى مرة تتصل تطمني أو تطمن بابا، ولا حتى كنت بترد عليه، وتقولي حاسس بالذنب."
دفعته إلى الخلف بقوة حتى سقط على الكرسي جالساً:
"حاسس بالذنب على إيه على الحالة اللي أنا فيها وعلى أمي اللي ماتت بسببك والا على إيه بالظبط."
وقف وهو منهار من شدة البكاء:
"ليلى أنا."
بترت حديثه بإصبعها الذي رفعته في وجهه:
"اخرص، اوعى تنطق اسمي تاني على لسانك، مفيش أي حاجة هاتغفرلك يا فوزي ولا هاتخليني أسامحك على اللي انت عملته معايا أبداً."
أدارت ظهرها تستعد للخروج، أمسك بيدها بقوة وجذبها إليه بشدة حتى ارتطمت بصدره، امسك بكتفيها بقوة:
"بصيلي يا ليلى بصي في عينيا، دي العيون اللي انت حبيتيها واللي كنتي بتموتي فيها تفتكري ممكن يوم تقدر تضرك بقصد، الوش اللي قدامك ده، ده أنا يا ليلى فوزي اللي عمري ما حب ولا هيحب حد غيرك، افتكري أي حاجة حلوة لينا مع بعض، حبنا ما يستاهلش إنك تديه فرصة تانية يا ليلى."
حاولت التخلص من قيدها بين أحضانه، لكنها لم تستطع فهو يمسك بها بكل قوته وكأنه امتلك شيئاً ثميناً لا يريد تركه يذهب من بين يديه:
"ليلى خلينا نبتدي من جديد وننسى اللي فات، انتي عارفة بابا دلوقتي عايز يشوفك طلب مني إني أستنى لحد ما أطمن عليكي، هو أول مرة يقولي خلي بالك من مراتك وابنك، عارفة يعني إيه؟ يعني مشكلتنا اتحلت ومفيش حاجة هاتقدر تبعدنا عن بعض تاني."
تعجبت ليلى من كلامه واشمأزت من طريقة تفكيره، أفلتت قيدها من بين يديه بقوة ودفعته بعيداً عنها:
"أنا مش قادرة أصدق انت فوزي اللي أنا حبيته؟! انت الإنسان اللي عاشرته وعشت معاه سنين من عمري، أد إيه انت إنسان أناني، دلوقتي باباك رضي عني وعايزني أكون معاك، لكن أنا عمري ما هرضى يا فوزي عمري، انت كنت خايف بس على أبوك إنه يضيع منك من غير ما تشوفه، لكن أنا أمي ماتت بسببك من غير ما أشوفها ولا تشوفني."
بصرخات مؤلمة تردد:
"ماتت من غير ما أشوفها أنا كان نفسي بس أشوفها، عارف يعني إيه، ربنا ياخدك ياخي زي ماخدتها مني، امشي بقا امشي، رووووح من وشي."
ظلت تبكي ليلى بقهراً. قبل عليها فوزي وضمها إليه بشدة، حاولت أبعده وهي تصرخ حتى تجمع الناس خارجاً حول باب الغرفة، لكن لم يتجرأ أحد منهم على الدخول ظناً أن هناك أحد مريض أو يتألم من مرضه، لكن استوقفهم ذلك الصراخ المؤلم بصوت أنثى تتألم بقهر. ظلت تضرب صدره بقوة بيديها حتى فقدت توازنها:
"ليه عملت كده فيا ليه ليه ليه؟ اه يا ماماااااااا، مامااااااا، حرام عليك حرام عليك أنا بموت من جوايا، ليه عملت كده لييييه."
سقطت على الأرض وهي بين أحضانه إلى أن توقفت عن البكاء، بعد أن حاول تهدئتها:
"اهدي يا ليلى ابوس إيدك اهدى علشان فارس، وحياة فارس عندك خلاص كفاية خلاص، هعملك اللي انتي عايزاه خلاص."
أمام الغرفة اجتمع الناس يتساءلون فيما بينهم ماذا يحدث. رأى تلك الضجة الدكتور خالد وهو قادم إلى غرفته ومعه فارس الصغير. انتابه القلق تقدم بخطوات مسرعة وسأل أحد الأشخاص المجتمعين حول الغرفة:
"هو في إيه يا جماعة خير مالكم واقفين كده ليه؟"
أجابه أحدهم:
"سمعنا صوت صريخ لواحدة وفي أصوات من الأوضة دي وقفنا نشوف في إيه."
"طب يا جماعة شكراً دي أوضتي أنا دكتور هنا ومعايا حالة خاصة من فضلكم ماينفعش كده دي أسرار مرضى، اتفضلوا بعد إذنكم كل واحد يروح لحاله لو سمحت."
انصرف الجميع من حول الغرفة، فتح خالد باب الغرفة تعجب لهذا الهدوء، يجلس فوزي على الأريكة بينما تجلس ليلى محلها، لكن تغيرت ملامح وجوههم من البكاء والصراخ. تمعن النظر في وجوههم ثم قال:
"خير يا جماعة في إيه؟ إحنا أكبر من كده والا إيه."
جلس الدكتور خالد على الكرسي المقابل ل ليلى، وكان فوزي خلفه، أردف ينظر إليه قائلاً:
"إيه يا فوزي في إيه مش كده."
"ما زالت تلك النظرات المتألمة لا تفارق ليلى من أعين فوزي. عندما تحدث إليه الدكتور خالد انهار من البكاء. بكى بشدة وهو ينظر إليها، ثم وقفت ليلى وهي تمسح وجهها براحتها قائلة:
"من فضلك يا دكتور أنا همشي وياريت تبلغ صاحبك يبعتلي ورقة طلاقي في أسرع وقت ممكن، بعد إذنك."
خرجت ليلى وتركت تلك الكلمات التي اخترقت قلب فوزي كالسهام الحادة حتى اقتلعته من موضعه. أغمض عينيه من شدة الألم الذي شعر به، وكأن الزمن توقف في تلك الخطوات التي كانت تخطيها ليلى إلى الخارج. يجول في خاطره أنها من الممكن أن تكون تلك المرة الأخيرة التي يراها فيها. خرجت ليلى بخطوات بطيئة ودموع مسرعة لا تتوقف. وقف فوزي وخرج خلفها ونادى بصوت مرتفع وهو يستند على باب الغرفة، وكأنه يأمل للمرة الأخيرة أن تعود إليه:
"ليلى؟ ليلى؟"
توقفت بضع لحظات ولم تنظر خلفها، رفعت وجهها بكل ثقة وتقدمت وتركت خلفها قلبها معلقاً في تلك الزاوية، ما أصعب تلك اللحظات لحظات الفراق.
عندما تفترق القلوب والأبدان معاً، ويبقى قلب كل منهم معلقاً في صدر الآخر، يظن الإنسان أن الزمن قد توقف وأن الحياة لن تعود كما كانت من قبل، لكن ربما تكون النهاية هي نقطة بداية لحياة أخرى، لا نعلم ماذا تكتب لنا الحياة غداً ولا نعلم ماذا يخبئ لنا القدر، ما علينا سوى الإيمان بأقدارنا ومواجهة عواقب اختياراتنا والتصدي للنتائج مهما كانت صعوبتها، فنحن من اخترنا ولم نجبر.
ربت خالد على كتف فوزي يساندة ويواسيه وهو يبكي. غادرت ليلى إلى منزلها بقلب منفطر وروح حائرة، بالرغم من ذلك فهي تشعر ببعض الراحة تلتقط أنفاسها بهدوء وكأن جبلاً قد سقط من على صدرها. عندما بكت بكل طاقتها أخرجت كل ما يكمن في خاطرها، فهذه هي الأنثى عندما تنفجر تصبح كبركان غاضب قرر الانفجار، لا يبالي بما أمامه ولا يعنيه من يترك خلفه أو لا يترك، فقط يخرج كل ما به من فوهته حتى يفرغ حممه البركانية ويستريح نوعاً ما إلى أن يعود للامتلاء مرة أخرى، وهكذا قلب الأنثى.
أخبر فوزي خالد أن يذهب لتوصيل ليلى إلى المنزل قلقاً عليها:
"خالد روح وصلها علشان خاطري ماتسيبهاش تمشي لوحدها وهي في الحالة دي ممكن يجرالها حاجة في الطريق وفارس معاها، روح يا خالد الله يخليك روح."
"حاضر حاضر يا فوزي ماتقلقش."
نزع معطف العمل خاصته ورمى به داخل الغرفة وركض خلف ليلى إلى باب المشفى:
"مدام ليلى، استنى يا ليلى بعد إذنك خليني أوصلك."
"شكراً يا دكتور خالد أنا هعرف أروح لوحدي."
"لو سمحتي علشان فارس من فضلك؟"
أومأت برأسها إلى أسفل وهي تمسح دموعها براحتها، جلب الدكتور خالد السيارة الخاصة به وصعدت ليلى ثم قال وهو في طريقه إلى منزلها بعد أن هدأت قليلاً:
"ليلى انتي أختي وفوزي أخويا أنا مش عايزك تتسرعي في قرارك، انتو في بينكم ولد صغير، اللي بيحصل ده مش كويس علشانكم، لو سمحتي فكري بهدوء."
التقطت أنفاسها ثم قالت:
"الموضوع منتهي يا خالد مبقاش ينفع خلاص، صدقني الفجوة اللي سابها فوزي جوايا مستحيل تتقفل أو يقدر الزمن يسدها، كده أفضل لينا كلنا."
"يعني ده آخر كلام عندك يا ليلى، فكري؟"
"اه آخر كلام يا دكتور، صحيح أنا عايزة أطمن على تحاليل فارس."
"بكرة إن شاء الله النتيجة، هجبهالك لحد عندك ومنها كمان أطمن على فارس وعلى عمو فارس لو معندكش مانع."
"لأ طبعاً حضرتك تشرف في أي وقت، تمام هنا كويس شكراً يا دكتور خالد كتر خيرك."
"الشكر لله يا ستي تحت أمرك انتي وأستاذ فارس."
حملت ليلى ابنها وساعدها خالد في تنزيل عربته، ودخلت المنزل وغادر بسيارته إلى المشفى مرة أخرى؛ ليطمئن على حالة فوزي وشقيقته.
~~~
دخلت ليلى المنزل وجدت والدها منتظراً يقرأ كتاباً في يده، ترك الكتاب جانباً ووقف يسألها:
"ليلى حمد الله ع السلامة يا بنتي، ها عملتي إيه إيه أخبار التحاليل؟"
"لسه يا بابا النتيجة بكرة إن شاء الله، بعد إذنك أنا جاية تعبانة وعايزة أرتاح، تصبح على خير."
"ليلى؟ مالك في حاجة حصلت؟"
"لأ يا بابا اطمن أنا بخير هحكيلك بكرة إن شاء الله بس دلوقتي من فضلك محتاجة أرتاح شوية."
"ماشي يا حبيبتي تصبحي على خير."
"وحضرتك من أهله."