تحميل رواية زئير القلوب بقلم سهام احمد pdf
بقلم سهام احمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
عند سماع كلمة زئير، يتبادر إلى الأذهان تلك التي يهابها الجميع، ملوك الغابة الأسود؛ لأن زئيرها يلقي رهبة في قلوب كل من يسمعه، تهتز له الأبدان لقوته التي لا تقارن بغيرها، حيث تسمع قوة زئيرها من على بعد ثماني كيلومترات بقوة تصل إلى مائة وأربعة عشر ديسيبل، والتي تعد كقوة الرعد. لكن لا تزأر الملوك دون أسباب، فهناك دائمًا ما يجعلها تزأر. من أهم أسبابها هو فرض سيطرتها على منطقتها وإلقاء الرهبة في قلوب من حولها حتى ينصاعوا لأوامرها. السبب الثاني هو وجود منافس لها أو عدو، وخاصة الذكور منها، فعندما يوجد أ...
رواية زئير القلوب الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سهام احمد
تمر الأيام كلمح البصر في الفرح وفي القرب وفي الصحبة الجميلة، بينما يمر اليوم كأنه عام في الحزن والفراق والوحدة، هكذا كانت أيام ليلى بعد فراق فوزي. بالرغم من صعوبة الأمر عليها إلا أنها شعرت وكأن جبلاً قد أُسقط من على صدرها، لقد أثقل الأمر عليها كثيراً.
كل شخص لديه في داخله ما يكفيه من هموم. عندما يدخل كل شخص آخر اليوم بين جدران غرفته، وكأن الذكريات والأفكار تنتظر قدومه، تمتلئ الغرفة بها وتحيطه من كل ناحية. في تلك الغرفة يرقد السيد فارس على فراشه وينظر إلى ما تبقى من رفيقة دربه، تلك الصور التي تظهر ملامحها فقط وروحها غائبة. وفي الغرفة المجاورة تتألم ليلى من فراق عشقها الأول والأخير. وفي غرفة أخرى تبكي داليا وتلزم نفسها تتذكر ما قاله لها زوجها. ويجلس زوجها وحيداً في منزله، تتردد في أذنه ضحكات ثريا ولعبها في الأرجاء. بينما في منزل آخر يجلس خالد على كرسيه في التراس وتمر أمامه صور ليلى وهي تضحك تارة، وهي تتحدث تارة، وهي صامتة تارة أخرى، لكنه مازال وحيداً.
لم يكن يخفف عن ليلى حزنها سوى وجود والدها وابنها الصغير؛ حيث كانت تنشغل بقضاء الوقت معهما طوال اليوم.
بعد أسبوع من الزمن غادر فوزي إلى لبنان وعاد إلى موطنه الأصلي، وتزوج بسلمى كما أراد والده بعد بضعة أشهر من رجوعه. عندما كان يحتفل فوزي بيوم زفافه، كانت ليلى تحتفل في منزلها بعيد مولد ابنها الثاني. هناك فرحة عارمة في الأجواء الفخمة وزفاف لا مثيل له يكتظ بعدد من رجال الأعمال والأغنياء والكوادر الاجتماعية، بالرغم من ذلك تنقصه الروح والفرحة من القلب.
وهناك حفلة بسيطة لكنها مليئة بالفرح والسعادة، لوجود أشخاص مقربين. عندما كان يجلس فوزي ويقارن تلك الليلة بليلة زفافه الأولى على ليلى، كم كان سعيداً، بل يقفز فرحاً. وهنا فقط يجلس ويلتقط الصحفيون بعض الصور له ولعروسه؛ حتى تنشر في المجلات والصحف.
ذات يوم خرجت ليلى هي وفارس؛ لتشتري بعض الأغراض. عندما كانت تمر الطريق إذا بسيارة مسرعة توقفت فجأة قبل أن تضرب بها. فزعت ليلى وفزع فارس. حملته من العربة تحتضنه. نزل من السيارة راكضاً الدكتور خالد ومعه الدكتور خليل.
"إيه ده ليلى معقول؟!"
"معقول أنت يا دكتور خالد، في حد يسوق بالسرعة دي؟!"
"أنا آسف جداً والله حقك عليا، سعيد جداً إني شفتك بعد الفترة دي كلها، أخبارك إيه وأخبار فارس ماشاء الله كبر أهو."
"الحمد لله، متشكرة جداً."
"وأخبار عمو فارس إيه؟"
"بخير الحمد لله كويس."
بينما يتحدث إليها خالد، إذا بخليل يشده من ذراعه يستعجله في الذهاب.
"طب يلا مش وقته هانتحبس، بعدين طيب كفاية يلا."
"ماتهدي شوية يا زفت، انتي رايحة فين كده محتاجة أوصلك مكان؟"
"لأ متشكرة ربنا يخليك."
نظرت ليلى بعدما أمالت رأسها قليلاً خلف دكتور خالد ورأت خليل.
"دكتور خليل صح، إزيك عامل إيه؟"
ابتسم خليل وتقدم خطوتين.
"مدام ليلى إزي حضرتك عاملة إيه، معلش أنا آسف والله بس ورانا مشوار."
"ولا يهمك، أخبار مراتك وبنتك إيه؟"
"هو لحد دلوقتي الحمد لله كويسين، يلا يا خالد أبوس إيدك."
"شكلكو مستعجلين، طب اتفضلوا."
تحدث خالد وقال بإصرار.
"لأ والله أبداً توصلك الأول انتي رايحة فين الأول؟"
"لالا ربنا يخليك، أنا هاخد تاكسي، اتفضلوا انتوا علشان ماتتأخروش على مشواركم."
"طب انتي مشوارك فين، يمكن في نفس طريقنا يعني."
"أنا رايحة المول أشتري شوية طلبات."
"طب تمام يعني نفس مشوارنا، يلا بقا تعالي معانا أنا مصر."
حمل خليل عربة فارس الصغير بسرعة ووضعها في السيارة قائلاً.
"انتوا لسه هاتتعازموا على بعض، أبوس إيدك يلا."
صعدت ليلى معهم السيارة وجلست هي وفارس في المقعد الخلفي. قال خليل بتوتر.
"أبوس إيدك يا خالد بسرعة؛ علشان أنا حاسس أننا هانتحبس انهاردة."
استغربت ليلى من كلامه فتسألت عن سبب استعجالهم.
"خير يا جماعة، سجن إيه بس إن شاء الله خير."
"ماهو بسبب أخته اللي هي مراتي، إحنا ممكن نتحبس لو موصلناش هناك بسرعة."
"هو في حد اتعرضلها ولا حاجة؟"
"هههههه، يتعرضلها، لمين! داليا مراتي؟! والله انتي غلبانة يا مدام ليلى، أنا عايز أقولك إحنا عايزين نلحق صاحب المحل اللي في المول قبل ما نخنقه."
ضحك خالد ونظر في المرآة؛ ليتحدث إلى ليلى، لكنه شرد بها كأنه لم يراها منذ زمن. كيف له ألا يلاحظ هذا الجمال من قبل؟! وكيف له ألا يراها بهذه النظرة سابقاً. عندما تطايرت خصلات شعرها المسدول شديد السواد. لاحظت ليلى نظرات الدكتور خالد في المرآة، لكنها اعتقدت أن ذلك من الفجأة أو الصدفة التي جمعتهما.
"داليا دي حاجة غريبة جداً يا ليلى بس والله طيبة أوي، ربنا يستر بس لحد ما نروح."
وصل خالد بالسيارة ونزل خليل مسرعاً إلى المول. إلى أن نزلت ليلى من السيارة وساعدها خالد في تنزيل عربة فارس الصغير. خرج خليل وهو يشد داليا من ذراعتها بصعوبة يخرجها من المول وهي تقول.
"انتوا ماتعرفوش أنا مين، انتو فاكرين هاتقدروا تضحكوا عليا وتبيعولي حاجة مش ماركة على أساس أنها ماركة يا ولاد ال…"
ذهب إليها خالد مسرعاً ووضع يده على فمها وهو يهمس إليها.
"حبيبتي اهدي خلاص يا ماما، ينفع كده؟ أنثى رقيقة زيك تقول كده وتتكلم بالطريقة دي، برستيجك هايبوظ قدام الناس، اسكتي بقا."
ظلت تتحدث بصوت مكتوم تحت يده إلى أن دفعت يده بضيق قائلة.
"خلاص يا خالد، في إيه هاتخنقني، عمال أقولك خلاص خلاص الله."
"طب بصي مين واقف هناك كده؛ علشان كده بقولك برستيجك يا زفتة."
"إيه ده دي ليلى، ااااه، يا حبيبتي إيه المفاجأة الجميلة دي، معقول الغيبة دي كلها، عاش من شافك يا ليلى."
أقبلت عليها تقبلها وكأنها تعرفها منذ أعوام.
"طب مش تسألي على حبيبتك اللي سميتيها دي ومشيتي من غير ما تشوفيها كده."
جذب خالد داليا إلى الخلف يهمس في أذنها قائلاً.
"براحة يا حبيبتي مش أوي كده، محسساني إنك تعرفيها من مية سنة، هدي اللعب شوية بقا."
"يا غبي علشان البرستيج، إيش فهمك أنت، اسكت خالص."
عادت للحديث والإبتسامة مع ليلى. قالت ليلى.
"إزيك يا داليا، انتي عاملة إيه؟ ماشاء الله دي ثريا؟! قمورة بقت عروسة أهو، ممكن أشيلها؟"
"اه طبعاً يا حبيبتي، خليل لديها البنت."
حملت ليلى ثريا تلاعبها وحمل خالد فارس يلاعبه. جذب خليل داليا إلى الخلف وأمسك بذراعها بضيق.
"أنا عايز أفهم حاجة، هو انتي كل يوم والتاني تجيبيني كده على ملا وشي وتخليني أسيب شغلي بسبب تصرفات الأطفال بتاعتك دي."
"هو في إيه يا خليل، انت قالب بوزك كده ليه، وبعدين انت زعلان علشان جيت، مكنتش جيت، أنا كلمت أخويا مكلمتكش أنت على فكرة."
"هو انتي فاكرة نفسك إيه، لسه عيلة صغيرة، ياشيخة كفاية بقا اهتمي ببيتك وبنتك، انتي بقيتي أم، اكبري بقا شوية."
سمع خالد وليلى أصواتهم وهما يتشاجران، فقالت ليلى.
"على فكرة شكلهم بيتخانقوا والموضوع هيكبر بينهم."
أجابها خالد وهو ينظر إليهم.
"وانا كمان شايف كده، طب إيه رأيك نتدخل والا إيه؟"
"مش عارفة بس لو ما تدخلناش حاسة أنه مش هانعرف نسيطر على الموضوع، لاهو إحنا لازم نتدخل وحالاً."
"وانا كمان شايف كده، طب تعالي معايا."
ذهب خالد وليلى إليهم مسرعين. وقف خالد بجوار داليا وقال.
"في إيه يا جماعة، صلوا على النبي كده واهدوا."
قالت ليلى بلطف.
"اهدوا يا جماعة، إحنا في الشارع ما يصحش كده، تعالوا نقعد ونتكلم براحة."
تحدث خليل وزفر بضيق.
"أنا همشي، خالد خلي أختك عندك لحد ما تعقل شوية."
ذهب خليل في سيارة أجرة وهو يشطاط غضباً. فقدت داليا أعصابها وبدأت بالبكاء. حاولت ليلى تهدئتها.
"خلاص يا داليا، اهدي كده علشان البنت، تعالي نقعد شوية في الكافيه جوا لحد ما تهدي."
"لأ شكراً يا ليلى، أنا همشي، هاخد تاكسي وأروح عند ماما."
"لأ تاكسي إيه وانتي في الحالة دي، خالد يروحك."
قال خالد بتوتر، لا يريد الرحيل، يريد البقاء مع ليلى أطول فترة ممكنة.
"إيه اه طبعاً يلا يا دودو تعالي، بعد إذنك يا ليلى فرصة سعيدة وإن شاء الله نتقابل تاني قريب."
"إن شاء الله أكيد، خلي بالك من نفسك يا داليا، هبقى أطمن عليكي من خالد."
"تسلمي يا حبيبتي، مع السلامة."
"مع السلامة."
مرت فترة من الزمن قاربت العام ومنذ هذا الوقت أصبحت ليلى وداليا أصدقاء مقربين. استغل خالد تلك الفرص التي كانت تجمعهم بها؛ ليرى ليلى دائماً. تطورت مشاعره تجاهها وأصبح مغرماً بها لكنه لم يتجرأ على مصارحتها.
كانت أخبار فارس يعرفها فوزي دائماً من صديقه خالد، وهذا ما كان يبقيه على حرج من عشقه لليلى؛ لأنها كانت زوجة صديقه المقرب سابقاً.
كبر فارس وأصبح يذهب إلى الروضة برفقة ثريا ومن هنا بدأت قصة فارس وثريا منذ الصغر. كان خالد يستغل تلك الفرصة لإحضار ثريا من الروضة حتى يجلب معها فارس ويعيده إلى المنزل ليرى ليلى والسيد فارس والدها.
أنجب فوزي طفلان من زوجته سلمى وهما سارة وآدم. بعد فترة من الزمن توفي والده ضاهر بيه وأصبح فوزي هو المسؤول عن كل ممتلكاته. وزوجته سلمى وأولاده يعيشون معه في القصر ولم يعد إلى مصر مطلقاً بعد رحيله. حاول مراراً وتكراراً التواصل مع ليلى لكنها لم تستقبل طلبه.
في ذات يوم مرض السيد فارس مرضا شديدا. استيقظت ليلى من نومها وخرجت من غرفتها فلم تجده جالساً على كرسيه المفضل وينتظرها على طاولة الإفطار. تعجبت ليلى أنه على غير العادة، لم يفعلها سابقاً. بدأ ينتابها التوتر والقلق، فنادت عليه ودخلت إلى غرفته، ووجدته نائماً على فراشه.
"يا حج فارس إيه الكسل والنوم ده كله مش عوايدك يعني ها، بابا يا بابا مالك انت كويس."
وضعت يدها على جبهته عندما لم يجب عليها، تفاجأت بل صدمت وانتفضت فزعاً من على فراشه. هل يعقل هذا؟!
رواية زئير القلوب الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سهام احمد
تفقدت ليلى جبهة والدها فكانت حرارته مرتفعة للغاية، حتى أنه لم يستطع التحدث إليها.
زعرت ليلى وظنت أنها ستفقده كما فقدت والدتها.
- بابا بابا؟ مالك يا حبيبي فيك إيه؟ انت حرارتك عالية أوي أنا هكلم الدكتور بسرعة.
خرجت من الغرفة تركض لجلب هاتفها.
قامت بمهاتفة الدكتور خالد وهي تبكي.
- الو خالد الحقني.
- في إيه يا ليلى؟ مالك، فارس كويس، انتي كويسة، انطقي في إيه؟
- بابا تعبان أوي ارجوك تعالى بسرعة أنا مش عارفة ماله.
- طب اهدي اهدي مسافة السكة وأكون عندك سلام.
خرج خالد مسرعاً إلى سيارته حتى وصل إلى منزل ليلى.
طرق الباب فتركت ليلى تلك الفوطة المبللة من يدها حيث كانت تضع كمادات باردة على رأس والدها لخفض درجة حرارته حتى وصول الدكتور.
- خالد اتفضل.
- إيه يا ليلى، هو فين؟
- أنا في أوضته.
- ممكن تفهميني إيه اللي حصل طيب؟
- والله أنا ماعرفه صحيت من النوم مالقيتوش مستني كالعادة، استغربت دخلت أشوفه لقيته نايم وحرارته عالية جدا، عملته كمادات لحد ما إنت جيت دلوقتي.
- تمام كويس جدا تعالي معايا.
دخل خالد الغرفة مبتسماً حتى لا يشعر السيد فارس بشدة مرضه ويشجعه على الاستجابة للعلاج.
- سلام عليكم، إيه يا عمو فارس؟ قلقتنا عليك يا حج مالك بس في إيه؟ ممكن تديني إيدك نقيس الضغط.
مد السيد فارس يده، ثم قام خالد.
- ممكن تفتح بقك نقيس الحرارة، امممم أه حرارتك عالية شوية.
بعدما قام بفحصه جيداً قال:
- مفيش حاجة اطمنوا زي الفل شوية برد بس جامدين حبة وهايروحوا لحالهم، أنا هكتب لحضرتك علاج تاخده بانتظام وإن شاء الله هتبقى زي الفل. بعد إذنك، ليلى تعالي معايا.
خرجت ليلى مع خالد قلقة.
أمسكت بذراعه.
- خالد ارجوك ماتخبيش عليا بابا فيه حاجة؟
- لأ والله يا ستي ابداً بابا زي الفل، شوية برد زي ما قلتلك بس هو مع السن الموضوع صعب شوية مش أكتر.
- بجد يا خالد؟
- لازم أحلف تاني يعني، اطمني والله بابا كويس، بصي أنا هخرج دلوقتي أجيب الأدوية وأجبهالك، عندي شغل حوالي ساعتين كده هخلصه وارجعلك أطمن عليه، المهم تعديله علاجه وهانشوف.
- تمام حاضر أنا متشكرة يا خالد واسفة تعبتك معايا وخضيتك.
- عيب عليكي ماتقوليش كده، يلا سلام.
- مع السلامة.
خرج خالد واتجه إلى صيدلية قريبة بعض الشيء فوجد أحد أبناء جيران ليلى.
فقال له:
- ازيك يا محمد عامل إيه؟
- الحمد لله يا دكتور.
- أنا راجع البيت والا رايح فين؟
- أنا بجيب مسكن لبابا وراجع على طول.
- طب ممكن تدي ده لـ طنط ليلى عند بيت جدك فارس، قولها إن أنا اللي باعته.
- حاضر يا دكتور.
- شكراً يا حبيبي.
ذهب الصبي إلى باب منزلها وطرق الباب.
فتحت ليلى مبتسمة بلطف.
- ازيك يا محمد عامل إيه وبابا وماما عاملين إيه؟
- الحمد لله يا طنط خدي ده باهته الدكتور خالد.
- أه يا حبيبي شكراً ربنا يخليك.
- حضرتك محتاجة حاجة تانية؟
- شكراً يا محمد سلملي على ماما وبابا.
- يوصل إن شاء الله سلام.
- مع السلامة.
أعطت ليلى الدواء لوالدها وخلد إلى النوم.
رن جرس الهاتف بمكالمة واردة من خالد.
- الو إيه يا خالد.
- أنا اتصلت أقولك ماتقلقيش على فارس أنا هاجيبه معايا؛ علشان عارف إنك مشغولة مع باباك.
- ربنا يخليك يا خالد تسلم أنا بجد كنت لسه بفكر هجيبه إزاي.
- ولا يهمك يا ستي أنا هجيبه وأطمن على عمو فارس.
- ماشي تمام تنور في أي وقت.
جلب الدكتور خالد فارس الصغير من روضته وهكذا ظل يكرر الأمر طوال فترة مرض السيد فارس.
بعد مرور ثلاثة أيام من مرضه، استيقظت ليلى كعادتها وخرجت من غرفتها على أمل أن تجده منتظرها على طاولة الطعام، لكن الأمر قد طال وانتابها القلق.
دخلت غرفته تتفقد حالته وجدته مستيقظاً على فراشه وحالته أفضل من قبل.
فرحت ليلى كثيراً عندما رأته يتحسن.
- بابا حبيبي صباح الخير يا قلبي عامل إيه دلوقتي؟ أنا شايفه إنك بقيت أحسن الحمد لله.
ابتسم وهو يربت على يدها.
- الحمد لله يا ليلى، أمال فين فارس؟ وحشني أوي الواد ده.
- حبيبي فارس في الحضانة أول ما يرجع هاجيبهولك.
- الدكتور خالد فين يا ليلى؟
- مش عارفة بس أكيد هيكون في المستشفى حالياً، حضرتك كويس حاسس بحاجة؟
- لأ يبنتي أنا تمام بس عايزك تتصلي بيه عايزاه في كلمتين.
تعجبت ليلى من طلبه وشعرت بأن هناك شيء ما يخفيه عنها.
ترى ما الأمر!؟
ليست علاقتهم تلك العلاقة التي تتخللها أسرار أو ما شابه، لكنها لم تتردد في تلبية طلبه.
- حاضر يا بابا هكلمه وأقوله هو ممكن يجي بعد الضهر كده؛ لأنه بصراحة من وقت ما حضرتك تعبت وهو بياخد فارس ويجيبه كل يوم للحضانة.
- كتر خيره خالد ابن حلال، خلاص لما يجي خليه يدخلي ولو كنت نايم صحيني يا ليلى.
- حاضر يا بابا حاضر، هقوم أحضر لحضرتك الفطار؛ علشان تاخد العلاج.
- لأ أنا هنام شوية ماليش نفس دلوقتي اقفلي الباب وراكي من فضلك.
- حاضر.
خرجت ليلى من الغرفة وأغلقت الباب ووقفت أمامه يجول في خاطرها ألف فكرة عن الحالة الغريبة التي أصبح بها والدها، تملكها القلق والشعور بالخوف.
تردد في خاطرها:
- هو في إيه إيه الحكاية بابا مصر ليه كده على إنه يشوف خالد؟!
استرها يارب، يارب يكون بخير.
جلست ليلى في غرفة المعيشة تنتظر قدوم خالد.
طرق الباب فاسرعت إليه تفتحه.
- قول لماما أنا جيت يا ماما.
- حمد الله على السلامة يا قلب ماما، ازيك يا خالد تعالى ادخل اتفضل.
- عمو فارس عامل إيه انهارده؟
- والله ماعارفة أقولك إيه انهارده حالته غريبة جداً، بس هو مستنيك.
- خير في إيه؟! في حاجة تعباه؟
- تعالى ندخله سوا أنا خايفة عليه أوي يا خالد انهارده مش مطمنة.
- ياستي خير إن شاء الله ماتقلقيش عليه، تعالي.
دخلت ليلى غرفة والدها وهي تحمل فارس وخلفها خالد.
- بابا دكتور خالد جه.
فتح عينيه وقال:
- اتفضل يا دكتور اقعد، هاتي فارس يا ليلى.
أقبلت عليه بالطفل، فقام بتقبيله وتقبيل يديه ثم قال:
- ربنا يباركلك فيه، من فضلك سيبيني أنا والدكتور خالد شوية.
تحدثت ليلى بإحراج وخجل.
- حاضر يا بابا أنا برا لو احتجتوا حاجة.
خرجت ليلى من الغرفة واغلقت الباب.
اعتدل السيد فارس قليلاً من نومه يسند ظهره إلى مقدمة السرير.
امسك بيد خالد وقال:
- بص يا خالد يبني انت ابن حلال وربنا يعلم بمعزتك عندي.
- ربنا يخليك يا عمو فارس.
- خليني أكمل كلامي للآخر واسمعني كويس.
- طبعاً اتفضل حضرتك.
- أنا هسيبك معاك أمانة أمانة غالية أوي عليا، وعارف ومتأكد إن ماحدش هيحافظ عليها غيرك.
- عنيا يا عمو فارس قولي لمين وأنا أوصلها لحد باب بيته.
- قلتلك خليني أخلص كلامي للآخر يا خالد.
أشار خالد إليه معتذراً وأكمل السيد فارس حديثه قائلاً:
- الأمانة دي ليك انت يا خالد أمانتي ليك هي ليلى، أنا عايزك تتجوزي ليلى بنتي يا خالد، أنا خلاص اللي باقي مش أكتر من اللي راح من عمري وعايز أكون مطمن عليها قبل ما أقابل ربنا، أنا عارف إنك لسه مادخلتش دنيا ويمكن أكون بقول عليك بطلبي، مش هزعل لو رفضته طبعاً بس أنا عايزك تفضل جنبها على طول بعد ما أموت.
- ممكن أتكلم.
- أه اتفضل يا خالد.
- عمو فارس قبل أي حاجة ربنا يديك طولة العمر ويخليك لينا، وإن شاء الله تفرح بـ ليلى وفارس كمان، عايز أكون صريح معاك أنا عمري ماتوقعت إن حضرتك ممكن تطلب مني الطلب ده، عايز حضرتك تفهمني أناااا.
رواية زئير القلوب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سهام احمد
ظل الدكتور خالد يتمنى تلك اللحظة سنوات، لكنه لم يقدم عليها مرة واحدة لاعتقاده أنها تبعد عنه بعد السماء عن الارض، وها هي قد اتت إليه على طبق من ذهب دون أي معاناة؛ ذلك لأنه يستحقها.
عندما اخبره السيد فارس برغبته في الزواج من ابنته، لم يكن يصدق ما يسمعه، انتابه التوتر والصدمة تملكت منه، ظل صامتا لفترة وجيزة يستوعب ما يسمعه، هل حقاً ستكون لي؟! هل حقاً سأحصل عليها؟! لقد كانت حلمه الوحيد منذ أن رآها للمرة الاولى بعد انفصالها عن فوزي.
نظر إلى السيد فارس مبتسما وقال:
- انا عمري ماكنت اتخيل اني هتحط في الموقف ده، انا سعيد جدا بطلبك وفرحان جدا بكلامك يمكن لو فضلت عمري كله افكر اللحظة دي هاتكون ازاي مش هايخطر في بالي انها هاتكون كده ابدا، انا بحب ليلى يا عمو فارس بس عمري ماصارحتها بده، تأكد إن امانتك محفوظة في قلبي وعنيا لحد ماموت.
- وده عشمي فيك يا خالد يبني، ربنا يريح قلبك زي ما ريحت قلبي، ممكن تبعتهالي من برا عايز اتكلم معاها.
- حاضر من عنيا، بس ليلى ممكن ماتقبلش الموضوع بسهولة من فضلك مش عايزة تضغط عليها في اي حاجة.
- دي مسؤليتك انت بقا انك تقنعها بيك.
- ان شاء الله بعد اذن حضرتك.
- اتفضل يبني.
خرج خالد من الغرفة وكانت ليلى تخرج من غرفتها واغلق الباب، تقدم خالد وقال:
- فارس نام والا إيه؟
- اه لسه نايم، في ايه يا خالد بابا ماله؟
- مفيش حاجة اطمني، في أمانة كان عايزني اوصلها لحد معين بس ده كل الموضوع.
- خالد انت محبي عليا حاجة انا مش مرتاحة، وبعدين امانة ايه دي ولمين؟!
- عمو ما ادخليه هو عايزك كمان انا رايح مشوار صغير كده وجاي.
- رايحة فين؟
- ههههه بهزر هعمل تليفون كده على مانتي تخلصي كلام مع بابا.
- اه ماشي طيب ماتمشيش؛ عايزة اتكلم معاك بخصوص موضوع داليا وخليل.
- تمام مستنيكي.
دخلت ليلى إلى غرفة والدها وجلست امامه على مخدعه، امسكت بيده تقبلها:
- ايه يا حبيبي عامل ايه دلوقتي؟
- اسمعيني كويس يا ليلى، انا طول عمري بعملك اللي انتي عايزاه يبنتي وعمري ماضغط عليكي في حاجة، حتى موضوع فوزي ده كان اختيارك ورغبتك، علشان كده انا عايز اطلب منك طلب انهاردة ومش عايزك ترفضين ولا تراجعين فيه.
- خير يا بابا اتفضل انا عنيا ليك، اؤمرني.
- خالد طلب ايدك مني وانا وافقت، مش عايزك تردي كلمتي يا ليلى واعتبري ده اخر طلب هطلبه منك، انا عايز اكون مرتاح ومتطمن عليكي قبل ماموت.
دمعت ليلى وقالت:
- بعد الشر عليك يا بابا ماتقولش كده انا معرفش اعيش من غيرك انا وفارس.
- ده امر الله يا بنتي لكل أجل كتاب محدش بياخد اكتر من نصيبه.
- بابا علشان خاطري ماتقولش كده.
- اطمني انا كويس يا ليلى، بس عايز اطمن عليكي ريحني يا ليلى ريحني.
- حاضر يا بابا اللي تشوفه حضرتك حاضر بس حضرتك تقوم بالسلامة كده وتخف وهعملك كل اللي انت عايزه.
- اندهيلي خالد من فضلك وتعالي معاه.
- حاضر.
فتحت ليلى الباب ونادت على خالد فحضر إليها، جلست ليلى امام والدها على مخدعه ووقف خالد بجواره، امسك السيد فارس بيد كل منهم وجمعهما معا وقال:
- انا راضي عنكم وربنا يوفئكم في حياتكم، خالد عملت اللي قلتلك عليه؟
- حصل يا عمي زمانهم على وصول.
- طب ساعدني يبني عايز اخرج برا اقعد معاكم شوية.
- عينيا حاضر اتفضل على مهلك يا عمي.
خرج السيد فارس وجلس على كرسيه المفضل وطرق الباب، ذهب خالد يفتحه وحضر خليل واحد اصدقائه وبرفقتهم المأذون الشرعي.
تعجبت ليلى وقالت باستغراب:
- هو في ايه؟! انا مش فاهمة حاجة.
أقبل عليها خالد ومد يده إليها قائلاً بلطف:
- ليلى تقبلي تتجوزيني؟
اومأ إليها والدها برأسه بالقبول، فمدت يدها إليه قائلة:
- اقبل.
جلس الجميع وتم عقد قران خالد وليلى كما كان يرغب والدها، بعد الانتهاء وقف الجميع يبارك ويهنئ ليلى وخالد، كانت هناك ابتسامة عريضة على وجه السيد فارس لم تراها ليلى من قبل، ظنت انه سعيدا للغاية بزواجها لكنه كان سعيدا بشئ آخر.
دخلت ليلى المطبخ لتحضر مشروبات بادرة للجميع وتضايفهم، بينما يمزح الجميع كان السيد فارس يبتسم لتلك الملائكة التي تخرج من غرفته، وزوجته الجميلة التي كانت ترتدي فستان ابيض اللون وخصلات شعرها المسدول، اقتربت منه ومدت يدها إليه قائلة:
- يلا يا فارس.
- يلا يا حبيبتي.
امسك بيدها وغادرت روحه معها إلى الابد، لكن جسده في محله اغلق عيناه ومالت رأسه إلى اسفل، ظنت ليلى إنه قد غلبه النوم فقالت:
- بابا حبيبي؟ خالد ممكن تسنده معايا ندخله اوضته يا حبيبي نام وهو قاعد.
اقترب خالد وكان يعلم أنه قد فارق الحياة، أمسك بيدها يتفقد نبضه، رفع عينيه ينظر إليها بصدمة، صدمت ليلى من نظراته عندما صمت عدة ثوان فقالت وهي تهز رأسها يميناً ويساراً:
- لأ صح لا قول إنه لا.
جلست على ركبتيها ورفعت وجهه ممسكة بذقنه:
- بابا؟ بابا؟ رد عليا والنبي رد عليا يا بابا، انا عملتلك اللي انت عايزة قوم والنبي كلمني يا بابا، رد عليا.
قام خالد وامسك بها يبعدها عنه، ضمها إليه بشدة عندما علت صرخات بين احضانها تنادي:
- بابااااااااا لاااااااااا لاااااا يا باباااااا.
كانت تلك هي المرة الاولى التي يضم خالد ليلى إلى حضنه والمرة الاولى التي تتوجع فيها ويزأر قلبها الماً بين ضلوعه.
فقدت ليلى والدها ووالدتها وحب حياتها لكن عوضها الله بفارس ابنها وبخالد الذي يعشقها حد الموت، تلك هي الدنيا فراق وقران في آن واحد وهذا اكبر دليل على أن الدنيا لا يمكن التحكم بها ولا بما ستفعله، يمكن ان تخطط كما تريد لكن ماسيكون هو كما الله يريد.
ظلت ليلى فترة من الزمن حتى تستوعب غياب والدها لقد اصبحت يتيمة الاب والام.
ظل خالد يتردد عليها من حين لآخر لم تكن تعلم عائلته بزواجه منها بناءاً على رغبتها.
بعد مرور ثلاثة أشهر يحاول فيها خالد قدر المستطاع أن يقربها إليه وينسيها حزنها ويخفف عنها، ذات ليلة جلست ليلى في غرفتها بعدما خلد صغيرها إلى النوم، تجول في خاطرها الف فكرة وفكرة وفجأة قامت وتوجهت إلى الاستحمام وخرجت ارتدت ثوب نوم ابيض اللون ورقيق، وتزينت وتعطرت، ذهب إلى غرفة خالد وطرقت الباب.
كان خالد يرقد متكأ إلى الخلف على سريره، يضع يديه خلف رأسه شاردا، بعدما انهى مكالمة مع والدته واخبرها فيها أنه لديه مناوبة عمل وسينام الليلة في المشفى، قام جالساً وهو يقول:
- اتفضل.
فتحت ليلى الباب واستبقتها رائحتها العطرية التي لا تقاوم، تخللت أنفاسه وشهق منها براحة لا توصف، عندما دخلت خطوتين إلى داخل الغرفة ورآها بتلك الحالة وهذا الجمال، ظن انها قد افرجت عنه واخيرا من سجنه في بعده عنها.
ظل يردد في خاطره:
- معقول يا خالد خلاص؟! معقول اللي انت شايفه ده، اه يا قلبي انا مش مصدق عنيا.
اقبلت عليه ليلى خطوتين، ابتسم إليها وتخيل ما لك انت تتخيله كيف يفكر عاشق عندما يمكن الحصول على معشوقته، سنوات شوق وانتظار ومازال القلب منتظراً.
رواية زئير القلوب الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سهام احمد
عندما دخلت ليلى إلى غرفة خالد ظنت أنها قد رفعت تلك الأسوار التي بينها وبينه، وأنها ستعطيه فرصته ليثبت إنه جدير بحبها، لكن قد خاب ظنه عندما تحدثت إليه قائلة:
- ممكن أتكلم معاك شوية؟
- آه طبعًا اتفضلي.
جلست ليلى على الكرسي وجلس خالد جوارها على الآخر ينتظر بكل شوق ولهفة أن تتقرب منه، ثم قالت:
- أنا عارفة إن الظروف اللي جمعتنا كانت غريبة، وعارفة إنك اتحملتني كتير في حزني وتعبي، يمكن كان لازم نقعد مع بعض كده من زمان وأقولك الكلام ده بس اللي حصل الظروف بجد كانت أقوى مني المرادي.
اعتزلت تتطلع إليه قائلة:
- خالد أنااا.
وهو يردد في ذهنه:
- ها يا ليلى يلا قوليها قوليها.
- خالد أنا عارفة إن ليك حق عليا وأنا النهارده جاية علشان أقولك إني مش همنعك من حقك تقدر تطلبه مني في أي وقت تحبه، أنااااا.
بترت كلماتها المؤلمة بالرغم من تمنيه أن يسمع منها تلك الكلمات لكن ليس بهذه الطريقة، زفر بضيق ثم هدأ قليلاً وقال بلطف:
- اسمعي يا ليلى يمكن إنتي لسه ماتعرفينيش علشان كده أنا مش هقدر أقولك ده إهانة منك، لكن أنا مش كده يا ليلى، أنا عمري ما هاخد منك حاجة من غير رضاكي وتأكدي إن عمري ما هضغط عليكي بخصوص الحاجة دي.
- خالد أنا مش قصدي خالص والله أنا.
- أنا عارف إنتي قصدك إيه وفاهم كويس لكن أنا بحبك يا ليلى أنا بحبك ومستني اللحظة اللي تقبلي فيها وجودي مش بس في حياتك وف قلبك كمان، وقتها بس تقدري تقولي كده.
- خالد أنا بعد ماما وبابا بقيت حاسة إني وحيدة أوي، قلبي تعبان مبقاش عندي طاقة أتحمل وجع تاني، خايفة خايفة بجد أقرب منك أناااا.
وضع يده على فمها ليوقفها عن الحديث، تسقط دموعها على راحته التي تلمس شفتيها للمرة الأولى، قام بمسح خديها ووضع يديه على عنقها:
- أوعي تقولي كده أمال أنا هنا بعمل إيه، أنا جمبك وعمري ما هبعد عنك ولا هسيبك لحظة واحدة، تخافي مني أنا ليه يا ليلى؟! أنا تخافي عليه مش منه.
مسح دموعها وطالت نظراته إليها، وطالت نظراتها إليه، حاول التقرب منها وعندما اقترب أكثر قامت مسرعة خجلة إلى الباب وخرجت من الغرفة إلى غرفتها، ازدادت ضربات قلبها وبدأت تتحدث إلى نفسها:
- إيه ده أنا إيه اللي بيحصلي ده في إيه؟!
بدأت تتعرق ودخلت إلى الحمام وقفت تحت صنبور المياه بملابسها، أسقطت المياه على رأسها وكامل جسدها؛ حتى تعود إلى طبيعتها وتهدأ حالتها، بدلت ملابسها وخلدت للنوم في حضن معشوقها الصغير الذي لن يضاهيه أحد في عشقه، ولن يتقاسمه أحد.
جلس خالد في الغرفة يضحك متفاجئًا من خجلها، الذي زاده حباً لها، وشرد على فراشه في طلتها التي أطلت بها عليه وسلبت منه روحه، تمنى لو كانت تنام الآن بين أحضانه فقط.
~~~
طرق باب منزل أهل خالد، فتحت داليا الباب وظلت صامتة متفاجئة، ثم تركت الباب ودخلت دون كلمة، دخل خليل إلى المنزل وركضت عليه ابنته ثريا وهي تردد:
- بابا بابا.
حملها بين يديه وظل يقبلها ويحتضنها بشدة:
- روح البابا وقلب البابا وحشتيني يا ثريا، عاملة إيه؟
- كويسة يا بابا الحمد لله، انت كنت فين كل ده ماما قالت بابا مسافر.
- آه يا حبيبتي كنت مسافر وجيت علشانك أهو.
- يووووه يا بابا كل حاجة شغل شغل شغل أنا زهقت.
- ههههه طيب يا أروبة فين جدو وتيته؟
نادى من الداخل والد خالد:
- تعالى يا خليل يا ابني اتفضل.
- سلام عليكم يا عمي إزي حضرتك؟
- الحمد لله في نعمة اقعد يا ابني، الشاي يا داليا.
- والله يا عمي بصراحة وبدون مقدمات أنا مكسوف من حضرتك ومش عارف أبدأ منين.
- قبل ما تتكلم يا خليل اشرب شايك الأول وخد واجبك.
- والله حضرتك كده صعبت عليا الموضوع أكتر والله أحرجتني بزوق حضرتك وكرمك.
- بص يا خليل أنا لو مش معتبرك ابني التاني عمري ما كنت هعاملك المعاملة دي، بس أنا زعلان منك؛ لأنك غبت كل الفترة دي من غير ما نشوفك ولا نطمن عليك، يعني إحنا كده بقا بالنسبالي أهل مراتك وبس والا إيه؟
- والله يا عمي كلام حضرتك على راسي بس حقك عليا اعذرني أنا نفسيتي كانت تعبانة والله، خصوصًا في غياب داليا وثريا عن البيت.
- يلا ربنا يهديكم يا ابني علشان ثريا، وياريت تكبروا شوية بقا.
نادى والدها عليها:
- داليا يا داليا.
- نعم يا بابا.
- تعالى يا بنتي، خليل جاي علشان يراضيكي ويرجعك البيت إنتي وثريا قولتي إيه؟
- هو لسه فاكر إنه عنده بنت والا أنا عندي بين أرجعله.
- لأ العتاب ده بقا بينكم إنتو الاتنين مع بعض في البيت، يلا اسمعي الكلام وحضري حاجتك وحاجة ثريا.
- يا بابا أنااا.
- أنا قولت حضري حاجتك وبلاش دلع.
قام خليل وتقدم إليها وقبل جبينها ويدها يعتذر منها:
- حقك عليا يا داليا سامحيني أنا غلط في حقك، ماتزعليش مني، تعالي بقا نوري بيتك البيت وحش أوي من غيركم والله.
ابتسمت داليا ودخلت مسرعة تحضر حقائبها، أخذها خليل وعاد إلى المنزل برفقتهم، قامت داليا بتنظيف المنزل وخلدت ثريا للنوم، كان خليل يحضر مفاجأة لزوجته يستقبلها بها، حضر طاولة طعام رومانسية على أضواء الشموع، وقامت داليا بارتداء ثوب نوم رقيق وتزينت وتعطرت وخرجت من الغرفة.
نظر إليها خليل كأنه لم يراها من قبل، يالهذا الجمال الفتان كيف له ألا يراها هكذا من قبل؟ أقبل عليها يقبل يديها وجبهتها، أمال رأسه إلى عنقها يقتطف قبلة رقيقة منه، ضمها إليه بشدة:
- وحشتيني أوي يا داليا.
- وانت كمان يا خليل والله، بس قولي صحيح هو خالد فين من الصبح برن عليه قلقني.
قبل خديها وشرد بوعيه في رائحتها يتحدث بغير وعي:
- هيكون فين يعني تلاقيه نايم في بيته.
- لأ مش في البيت ماما قالت إنه مارجعش.
- حبيبتي هاتلاقيه في سريره دلوقتي.
- هي المستشفى فيها سرير خاص بيه؟
- لأ يا قلبي في بيت مراته.
سكتت داليا بضع ثوان حتى تستوعب ما يقوله ثم دفعته إلى الخلف قائلة:
- مراته مين؟ هو خالد اتجوز من ورانا يا خليل؟! أنا سمعتك بتقول مراته، إنت عارف ومخبي عليا.
- أهدي بس يا حبيبتي مرات مين أنا قولت كده.
- أوعي تكدب عليا، وصلت لكده أخويا يتجوز وانت عارف وماتقوليش، اخص عليك يا خليل اخص.
دخلت داليا إلى غرفتها واغلقت الباب بقوة من الداخل، جلس خليل على الأريكة يندب حظه ويقول:
- يا ميلة بختك يا خليل أهي الليلة اتضربت بسببك يا خالد، أقول فيكم إيه بس أنا هلاقيها منك والا من اختك المجنونة، وأنا اللي قلت هقضي ليلة من ليالي العمر، آه يا حظك الأسود يا خليل.
رواية زئير القلوب الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سهام احمد
عندما تجبرك الحياة أن تكون برفقة احدهم، هل يعني هذا انها قاسية؟ بالطبع لا، ربما انت لا تدرك أن هذا هو خير لك. لا تنظر إلى الأمور من وجهة تكمن فيها مصلحتك فقط، ولا تكن أنانياً. دع الحياة لمرة واحدة تأخذك كما تريد، أن كنت دائماً تفعل ما تريد.
هكذا فعلت ليلى في علاقتها بخالد. لم تكن تتوقع أنه سيكون رفيق دربها يوماً ما، بالرغم من ذلك تركت الحياة تأخذها معه إلى ما كتب عليها. عندما علم أهل خالد بعلاقتهم، غضب والده كثيراً بالرغم من معرفته بليلى، وحزنت أمه كثيراً؛ لأنها لم تستطع أن تفرح بابنها الوحيد.
طرد خالد من منزل أهله بأمر من والده وعاش مع ليلى في منزلها. حاولت ليلى وداليا جاهدين أن يشرحوا لأهله ما حدث، وبالفعل تفهموا الوضع ولكن بعد عناء كبير.
ظل خالد يقطن مع ليلى في منزلها؛ لأنها تمسكت بهذا المنزل الذي تسكن بين أركانه ذكريات عارمة لها ولأهلها، وتقبل خالد رغبتها في ذلك.
بدأت تحدث خلافات ومشاكل بين خالد وليلى؛ بسبب رغبة والدته في إنجابه أطفال. لم يكن يريد خالد الضغط على ليلى مطلقاً في علاقتهم، لكن الوضع ازداد سوءاً. من جهة يرغب خالد في إرضاء أهله؛ لأنه تزوج سابقاً دون رضاهم أو علم منهم، ومن جهة أخرى يعشق ليلى ولا يمكنه أن يمكث بوعده لها.
لم يستطع خالد تحمل الضغط حتى أتى هذا اليوم، عندما كان عائداً من عمله بعد مكالمة طويلة من والدته وهو يقود السيارة. ظلت تتصل به حتى وصل أمام منزله. كانت آخر كلمات والدته له:
"أنا لو ماحليتش الموضوع ده يا خالد لا انت ابني ولا أعرفك."
وأغلقت الهاتف بغضب. أثارت غضب خالد من داخله تلك الكلمات المؤلمة. دخل خالد المنزل فوجد ليلى جالسة مع فارس تدرس معه وتلاعبه. ألقى السلام عليهم وقبل فارس من خده وقال بهدوء:
"أنا داخل أرتاح شوية، تصبحوا على خير."
لاحظت ليلى ما به من ضيق فطلبت من فارس الدخول إلى غرفته والخلود إلى النوم. بعدما خلد فارس إلى النوم، طرقت ليلى باب الغرفة ودخلت بينما كان خالد يبدل ملابسه. شعرت بالحرج وأردفت تخرج مرة أخرى، فناداها خالد:
"تعالى يا ليلى ادخلي."
"أنا آسفة مكنتش أعرف إنك لسه بتغير."
"هو انتي غريبة يعني يا ليلى؟"
"لأ يعني بس، هو انت مالك في حاجة مضايقاك؟ شكلك متغير كده ليه؟"
"مفيش ماتشغليش بالك، حوار كل يوم مع ماما."
"طب يعني هي إيه اللي يرضيها طيب يعني؟ قولي أعملها إيه علشان ماتبقاش مضايقة منك يا خالد بالشكل ده."
قالها خالد بكلمة واحدة دون تردد:
"تتجوزيني."
استغربت ليلى وظنت أنه يمزح فقالت:
"هههه اتجوزك إزاي وأنا متجوزاك؟! يعني لو هو ده اللي هايرضيها تمام، نتجوز تاني يا سيدي."
اقترب خالد منها بضع خطوات وقال لها:
"أنا مش بهزر يا ليلى، أنا بتكلم جد. انتي شايفة إن إحنا كده متجوزين بجد."
حاولت ليلى التهرب من الحديث وقالت بتوتر:
"خالد لو سمحت، إحنا اتكلمنا في الموضوع ده. أنا هشوف فارس، تصبح على خير."
أمسك خالد بذراعها يجذبها إليه بقوة. نظر في عينيها وأمسك بذراعيها بقوة غاضباً:
"أنا لسه ماخلصتش كلامي. انتي عايزة إيه تاني يا ليلى؟ محتاجة كام سنة كمان يضيعوا من عمرنا علشان نقدر نكون مع بعض؟ بقالنا تلات سنين متجوزين وعايشين في مكان واحد وانتي مش شايباني حتى. حاولت كتير نقرب من بعض وعملت كل اللي أقدر عليه علشان سعادتك، لكن أنا بجد تعبت، مش قادر، افهمي بقى مش قادر."
"خالد انت بتوجعني، من فضلك سيب إيديا."
لم يلقَ بالاً لما تقول بل ازداد حديثها غضباً:
"انتي بتتوجعي وأنا بموت كل يوم بشوفك فيه قدامي ومش قادر المسك، مش قادر آخدك في حضني وقت ما أحتاجلك، لكن انتي كل مرة تحتاجين فيها تلاقيني مش كده. انتي ليه بقيتي أنانية كده."
"خالد من فضلك، إيدي ااااه."
ضمها إليه خالد وطوقها بذراعيه رغماً عنها. طوقها بشدة، تحاول إبعاده لكنها لم تستطع.
تمكن من ضمها بين أحضانه رغماً عنها وقال:
"ليه مش من حقي تكوني في حضني كده، ليه؟ قولتيلي قبل كده إن وقت ما هحتاج حقي هاتديهولي صح، تمام، أنا عايز حقي منك يا ليلى."
صرخت وهي تحاول فك ذراعيه:
"خالد انت بتعمل إيه، ابعد عني ااااه."
بدأ خالد يقبلها ويحتضنها بقوة وهي تقاوم حتى أخذها على فراشه وهو يحملها بين يديه. لم يتركها خالد حتى انهارت ليلى من البكاء بعدما وضعها على مخدعه وظل يقبل بعنقها وهو يمسك يديها بشدة. عندما رأى دموعها وعلا صوت بكائها لم يحتمل قلبه رؤيتها هكذا. تلك الدموع أعادته إلى وعيه.
ترك يديها وقام يمسك رأسه ويضربه، يلوم نفسه على ما فعل بها. ذهب إليها بعدما جلست على فراشه مرتعبة تبكي بقهر. جلس عند قدميها:
"ليلى أنا آسف والله آسف، حقك عليا سامحيني. أنا مش عارف إزاي عملت كده، أنا آسف يا ليلى أبوس إيدك سامحيني."
قامت ليلى وهي تضم ثيابها إليها، وذهبت مسرعة إلى باب الغرفة وخرجت منه إلى غرفتها. لم تتوقف عن البكاء لساعات. ذهب إليها يطرق بابها:
"ليلى ليلى انتي نمتي؟"
كانت مستيقظة لكنها لم تجبه. تلك هي المرة الأخيرة التي ضم بها خالد ليلى، وإن كان رغماً عنها. طلبت ليلى الطلاق وانفصلت منه وعاشت منفردة في منزلها مع ابنها. ظل خالد بعد انفصاله منها يلوم أهله على ما حدث بينهم. ومع مرور الوقت أجبرته والدته على الزواج من أخرى. بعد مرور عام من انفصاله من ليلى، تزوج خالد فتاة من بنات جيرانه، وأنجب منها فتاة وسميت بـ "عبير".
لكن ليلى لم تسمح بدخول رجل آخر إلى حياتها. عاشت مع ابنها فقط، وعاش خالد مع زوجته وابنته بعيداً عن البلدة. طلب نقل عمله إلى مكان آخر؛ حتى لا يرى ليلى مطلقاً ويتذكر ما حدث.
واستمرت الحياة هكذا لأعوام متتالية حتى كبر فارس وأصبح شاباً يدرس بالجامعة، في كلية السياسة والاقتصاد. وكانت تدرس ثريا في نفس الجامعة، جامعة القاهرة، لكنها كانت تدرس الموسيقى. كبر فارس وثريا معاً في قصة حب منذ الطفولة.
كانت ثريا هي كل ما يملك فارس بعد والدته ليلى.
ذات يوم كان خارج فارس إلى جامعته في العام الدراسي الأخير:
"حبيبي هاتعدي على ثريا؟"
"آه يا ماما طبعاً، أمال هخليها تمشي لوحدها، افرض حد كلمها حد عاكسها."
"ماشي يا قلبي خلي بالك على نفسك وعليها، والله كبرت يا فارس وبقيت راجل وبتحب كمان."
ضمها إليه بشدة وقال:
"بس مفيش حد هاياخد حبك انتي يا ملكة قلبي، ربنا يخليكي ليا يا ماما."
"ويخليك ليا يا حبيبي."
"عايزة حاجة من برا؟"
"ماتحرمش منك يا قلبي، مع السلامة."
"سلام."
ذهب فارس إلى منزل ثريا ماشياً على الأقدام، وهو يرتدي قميصه وبنطاله. شاب مهندم ورشيق القوام، جميل الشكل والمظهر. ينتظر طلته جميع فتيات الجامعة. وقف تحت منزلها وأخرج هاتفه وقام بالاتصال بها:
"يلا أنا تحت البيت انزلي."
"حاضر اديني بس دقيقة واحدة ونازلة."
"طيب أوك، ماتتأخريش."
"حاضر، باي."
"باي."
ظل منتظراً حوالي العشر دقائق ونزلت ثريا بفستان قصير بعض الشيء وشعرها مسدول وتضع بعض من مساحيق التجميل البسيطة في وجهها. نظر إليها فارس وهي تقول:
"يلا أنا جيت."
"إيه اللي انتي عاملاه في نفسك ده؟"
"إيه، عجبتك؟"
"أنا مش بهزر يا هانم، انتي رايحة فرح. اطلعي غيري هدومك وامسحي وشك ده."
"هو في إيه يا فارس الله ماله اللبس؟ أنا مش شايفة إنه في حاجة ملفته يعني."
"لأ يا حبيبتي فيه، مد لفت نظري أنا يبقى فيه وهايلفت نظر غيري، وأنا اللي هايبصلك يا ثريا بعينه، هاقلعها من مكانها، ونروح في داهية بقى ع الصبح."
اقتربت منه تمسك بياقة قميصه بدلال وهي تقول:
"إيه ده، انت بتغير عليا أوي كده."
"بس بقى بلاش الدلع ده ع الصبح، والله هخطفك."
"هههه لا بجد بتغير عليا أوي كده؟"
"لما أنا مش هغير عليكي أمّال هغير على مين يا عبيطة. اطلعي بقى غيري وماتتأخريش."
"حاضر."
ذهبت ثريا وبدلت ملابسها وكالعادة سمعت من والدتها داليا نفس الكلام الذي تسمعه في كل مرة يفرض فارس عليها رأيه في شيء ما:
"هو انتي مراته علشان يتحكم فيكي؟ ماهو الغلط منك انتي، انتي اللي سايباه يعمل كده."
نزلت ثريا وهي تزفر بضيق. وقفت والدتها في تراس المنزل تنظر إليها من أعلى. قالت ثريا:
"عاجبك كده؟ مرشح كل يوم بسببك. فيها إيه لو كنت سبتني أخرج كده."
"بس يا بت اسكتي، وبعدين انتي جميلة من غير حاجة، مش عايز أشوف غير جمالك الطبيعي وبس."
ابتسمت ثريا بفرح ورأت والدتها تتطلع إليهم من أعلى فقالت:
"طب امشي بسرعة، بتبص علينا."
رفع فارس نظره إلى أعلى ورفع يده يلوح لها:
"طنط حبيبتي، عاملة إيه؟"
أجابته بإشارة منها وهي تردد بصوت منخفض:
"أهلاً يا أخويا، أنا مش عارفة عاجبها فيك إيه. أي نعم انت حليوة ومسمسم والبنات هاتموت عليك يا ابن ليلى، بس مطلع عينها معاك."
ذهب فارس وثريا إلى الجامعة. عندما وصلا ظل الفتيات يتقربن من فارس بإلقاء السلام عليه. اشتعلت ثريا من غيرتها وأمسكت بفارس وأخذته جانباً:
"ده إيه ده بقى إن شاء الله، انت بتبص ليه عليهم أصلاً."
"ببص إيه يا هبلة، يعني ناس بتصبح عليا وأنا برد السلام."
"لأ يا حبيبي انت ماتردش، أنا اللي أرد وبس. اتفضل على محاضراتك ومش عايزة عينك تروح يمين ولا شمال، وإلا قسماً بالله يا فارس."
"خلاص يا حبيبتي خلاص، همشي زي أبو الهول بالظبط."
"أيوا كده اتفضل، وريني هاتمشي إزاي."
ذهب فارس بخطوات ثابتة. ونادت إحداهما عليه فنظر إليها:
"أهلاً صباح الخير."
فقالت ثريا من خلفه:
"هااااا."
أشار إليها فارس وقال:
"آسف آسف، باي لما تخلصي كلميني."
"ماشي."
كان لدى ثريا صديق في قسمها يدعى "عماد". كان يرغب في التقرب منها. هو شاب من أسرة غنية ويعرفه الجميع في القسم، خاصة الفتيات. لكنه كان يرى ثريا دائماً مختلفة عنهم، وكان يرغب في التقرب منها دائماً. لكن يعلم الجميع أن ثريا تحب فارس وفارس يحبها.
عندما كانت تتحدث معه ثريا كانت تتحدث بلباقة كعادتها وبحدود. عندما رآها اقترب منها وقال:
"صباح الخير يا ثريا، عاملة إيه؟"
"أهلاً يا عماد، إزيك؟ الحمد لله."
"أنا كنت عايز أسألك لو وراكي حاجة النهارده بعد الجامعة."
"ليه؟ خير؟"
"هانخرج كده وزمايلنا كلهم، لو حابة تخرجي معانا."
"شكراً يا عماد، معلش أنا مش هقدر. ماقولتش لماما وممكن تقلق عليا."
"طب مش عايزة تعرفي إحنا هنروح فين؟"
"مفيش داعي، كده كده مش هينفع أخرج."
"طيب، إحنا رايحين الأوبرا على فكرة، وكنت عارف إنك كان نفسك تغني على مسرح الأوبرا علشان كده قولتلك."
"والله بجد؟ معقول رايحين الأوبرا؟ بجد كان نفسي والله، بس مرة تانية إن شاء الله."
"ثريا دي فرصة، إحنا ممكن ناخدلك إذن من مامتك."
"لالا مفيش داعي، أنا مش هقدر أخرج النهارده."
"يبقى الموضوع مش مامتك بقى؟ قولي إنك لسه ماخدتيش إذن فارس، والا إيه؟"
تحدثت ثريا بضيق وقامت:
"مش فاهمة تقصد إيه؟"
"أقصد إنك تستاهلي أحسن من كده بكتير، وبلاش تخلي حبك لفارس يقتل طموحاتك وأحلامك يا ثريا."
"عماد من فضلك خد بالك من كلامك، وبعد إذنك عندي حاجات عايزة أخلصها."
"انتي شايفة كده؟"
"آه. اتفضل لو سمحت روح على مكانك وخليك في حالك يكون أحسن."
جلست ثريا وهي تزفر بضيق. وجلست جوارها صديقتها "نايا"، فتاة غنية أيضاً لكنها خلوقة وتحب ثريا كثيراً. هي المقربة لديها من بين أصدقاء الدراسة:
"مالك يا بنتي؟ فيه إيه؟ عماد دايقك والا إيه؟"
"أنا مش عارفة هو ليه بيدخل نفسه في حياتي، إيه الفضول اللي هو فيه ده!"
"لأ يا هبلة ده مش فضول ده إعجاب."
"والنبي ناقصاكي انتي كمان."
"هههه كبري دماغك منه يا ستي، خليكي في السيد فارس بلا جواد."
"ههههه ده فارس قلبي أنا."
"يا سيدي يا سيدي، أوعدني يا رب."
أنهت ثريا محاضراتها وخرجت. تبعها عماد؛ ليعتذر منها عن حديثه الذي أزعجها. من بعيد يرى فارس ثريا ويتقدم نحوها. أوقفها عماد:
"ثريا ثريا."
"خير يا عماد، فيه حاجة."
"أنا آسف مش قصدي أضايقك بكلامي الصبح، ماتزعليش مني."
"حصل خير، بعد إذنك."
أمسك بزراعها برفق وهو يقول:
"استني، مش هاتروحي معانا برضه."
رآها فارس من بعيد وظن أنه يتعرض لها أو يزعجها. ركض إليها مسرعاً وهو ينادي:
"ثريا ثريا؟"
رواية زئير القلوب الفصل السادس عشر 16 - بقلم سهام احمد
اقترب فارس من عماد وثريا، وأمسك بعماد من عنقه يخنقه بغضب قائلاً:
- انت بتمد إيدك عليها ليه؟ إزاي تتجرأ تمسك إيدها.
صرخت ثريا وهي تحاول تهدئتهما:
- فارس خلاص، ارجوك سيبه.
أفلتت ثريا يد فارس التي كادت أن تزهق روح عماد بصعوبة، وفرقت بينهما:
- عماد، امشي من فضلك، امشي.
وجه عماد حديثه إلى فارس وهو يشير إليه بإصبعه:
- هانتـقابل يا حيلتها.
كان فارس يريد أن يقتلع لسانه من فمه لولا ثريا:
- خلاص يا فارس، كفاية.
- انتي إزاي تسمحي لواحد حيوان زي ده يمسك إيدك؟
- فارس، هو ما مسكش إيدي، انت فهمت غلط.
- كمان بتبرري؟ أنا شايفك بعيني وهو بيمسك إيدك.
- فارس، خد بالك من كلامك، انت اتجننت.
قام فارس بصفعها على وجهها بقوة وقال:
- أنا هوريكي الجنان على أصله يا ثريا، تعالي.
أمسك بها من ذراعها بشدة يجذبها خلفه، أفلتت ذراعها بقوة ونظرت إليه بضيق وهي تلتقط أنفاسها بسرعة، وقامت برد تلك الصفعة إليه في الحال وقالت:
- إياك تتجرأ تمد إيدك عليا مرة تانية، وإلا.
نظر إليها وأمسك بكتفيها بقوة ودفعها إلى الخلف ثم قال بأسى وحزن:
- ما فيهاش إلا بعد انهارده يا ثريا، خلصت خلاص.
ذهب فارس يشتعل غضباً، بكت ثريا بقهر وكادت أن تفقد توازنها، إلى أن أتت صديقتها نايا وحاولت تهدئتها:
- أهدي يا ثريا، خلاص أهدي، خدي نفسك براحة.
قامت نايا بتوصيل ثريا إلى منزلها بسيارتها، وعندما كانت تغادر رأت فارس بالصدفة وهو يمشي، سمع صوت سيارتها فنظر خلفه، توقفت وقالت:
- ممكن نتكلم شوية.
- نايا، من فضلك.
- على فكرة، مالوش علاقة بثريا، عايزة أتكلم معاك في موضوع مهم، يلا تعالى.
بينما كان يصعد فارس إلى سيارة نايا، رأته والدته ليلى من النافذة وشعرت بالقلق، يجول في خاطرها:
- من هذه الفتاة؟ وماذا تريد من ابنها؟
ودارت في رأسها ألف فكرة وفكرة حول رؤيتهما معاً.
بينما تقود نايا السيارة تحدثت إلى فارس وقالت:
- إيه بقا مالك مبوز ليه كده؟
- مش عايز أتكلم دلوقتي يا نايا، قوليلي انتي في إيه؟ موضوع إيه اللي عايزة تتكلمي فيه؟
- انت شايف اللي انت عملته ده صح يا فارس؟
- وبرضه انتي، من فضلك نزليني على أي جنب هنا.
- طب خلاص خلاص، اهدى، بس أنا عايزة أقولك حاجة، بجد أنا طول عمري بشوفك جنتل مان، التصرف اللي حصل منك ده خلاني أغير رأيي فيك على فكرة.
- بصي يا نايا، أنا وثريا علاقتنا حاجة تانية، مينفعش تتقارن بأي علاقة في الدنيا، أنا مربي ثريا على إيديا وهي مربياني على أيديها كمان، مش عارف أقولك إيه بس مهما شرحتلك مش هتفهميني.
- طب ما تجرب كده.
- أجرب إيه؟
- جرب تشرحلي، يمكن أفهم.
- غيري الموضوع لو سمحتي.
- طيب، ماشي زي ما تحب.
- المهم، انتي كنتي عايزاني في إيه؟
- آه، فاكر لما سألتني عن شغل بس يكون في تخصصك إدارة الأعمال؟ أنا لقيت لك شغل.
- بجد والله، ده فين بقا؟
- شركة راجل محترم جداً اسمه أشرف بيه، أنا كلمته عنك، انت هاتنزل كمتدرب في الأول، هايشوف شغلك وأسلوبك ومعاملتك وطريقة إدارتك للشغل، لو عجبه بعد التخرج هتلاقي وظيفتك على طول مستنياك، رغم إني بعد اللي حصل ده أشك في موضوع أسلوبك ده ها.
- ههههه، والله بجد هي كده يعني، انتي عارفة أنا قد إيه شاطر في مجالي وإدارتي للأمور، لكن المواضيع التانية دي برا الشغل.
- والله هانشوف، ها تحب تقابله امتى؟
- وقت ما هو يقول طبعاً.
- طيب تمام، هحدد لك معاه معاد وأكلمك، أوك.
- أوك، تمام.
نظر فارس في ساعة يده وقال لها:
- يا نهار أبيض، نايا معلش بقا رجعيني تاني.
- في إيه مالك، إحنا لسه هانقعد نشرب حاجة في أي مكان.
- لأ، معلش، ماما زمانها مستنياني ومأكلتش حاجة خالص، مش هقدر أتأخر عليها أكتر من كده.
- تمام، أوك.
أوصلت نايا فارس إلى منزله، كانت تتطلع إليها والدته عبر النافذة، رآها فارس وقال لنايا:
- اتفضلي معايا بقا، مينفعش تبقي قدام البيت وما تدخليش تشربي حاجة.
- معلش، مرة تانية بقا.
- لأ، مش هينفع، انتي بخيلة والا إيه؟ تعالي يلا، أعرفك على الكوين بتاعتي.
- هههه، طيب يا سيدي، أوك.
ترجلت نايا من السيارة بثوبها الفخم ونظاراتها الشمسية وحذائها ذي الكعب المرتفع، كأنها تقول أن لا أحد هنا سواها يملك هذا الجمال وهذا الثقة وهذا الغنى أيضاً.
فتحت والدته الباب ورحبت بهما، عرفها فارس عليها وقال:
- ماما، دي نايا زميلتي في الجامعة.
- أهلاً وسهلاً يا نايا، اتفضلي.
- ميرسي يا طنط، أهلاً بحضرتك.
دخلت نايا المنزل وجدت طاولت الطعام جاهزة، قالت ليلى لفارس:
- يلا يا حبيبي، غير هدومك وتعالى، وأنا هاقعد مع نايا على ما أنت تخلص.
- حاضر يا ماما، نايا البيت بيتك، خدي راحتك.
- ميرسي يا فارس.
دخل فارس إلى غرفته، وجلست ليلى ونايا على الأريكة، فقالت ليلى:
- نورتي يا نايا، انتي مع فارس في نفس القسم؟
- ميرسي يا طنط، آه أنا وفارس في نفس القسم.
- انتي سيدة أعمال شاطرة بقا؟
- ههههه، لا يا طنط، أنا مش كده خالص، بابا هو اللي ماسك كل شغله.
- ليه، ماعندكيش إخوات صبيان؟
- لأ، للأسف، أنا وحيدة، ما عنديش أي إخوات، لا صبيان ولا بنات.
- حبيبتي، ما تزعليش، فارس موجود أهو زي أخوكي، لو احتجتي أي حاجة هو مش هايتأخر.
- عارفة يا طنط، والله ربنا يخليهولك.
- كمان زيك، ماعندوش إخوات؟
- الحمد لله، نصيبنا كده.
- وماما بقا بتشتغل هي كمان؟
تحولت ملامح نايا للحزن فجأة، طأطأت رأسها قليلاً وقالت:
- ماما الله يرحمها، ماتت من زمان أوي، كنت لسه طفلة، كان عندي حوالي أربع سنين.
أقبلت عليها ليلى وضمتها إليها، شعرت بها، لأنها ذاقت مر هذا الكأس من قبل، ولن يشعر بالشخص سوى من عاش نفس المعاناة. خرج فارس فوجد والدته تحتضن نايا، فقال بمزاح:
- الله الله الله، إيه دا بقا من ورايا؟
أجابته ليلى بسخرية مازحة:
- لأ، قدامك أهو، إحنا بنخاف والا إيه يا ولا.
ضحكت نايا وفارس وليلى، ثم قال فارس:
- حبيتوا بعض كده على طول، بدون مقدمات.
ربتت ليلى على كتف نايا بحب وقالت:
- هي بصراحة، نايا تتحب.
- ميرسي يا طنط، ربنا يخليكي.
قامت ليلى واتجهت إلى طاولت الطعام وقالت:
- يلا بقا، تعالوا، يلا يا نايا، تعالي دوقي أكلي بقا وقوليلي إيه رأيك.
- لأ يا طنط، ميرسي، أنا يدوب أمشي، أكيد بابا مستنيني.
- الله، انتي هاتخليني أصدق كلام الواد ده عنك والا إيه؟ انتي بخيلة؟
- ههههه، لا، طب إيه رأيك؟ أنا هاقعد وأكل وأثبتلك العكس.
- طب يلا تعالي، ألف هنا.
جلست نايا على الطاولة، وعندما رأت أصناف الطعام نظرت إليها وتذكرت والدتها، وعندما تناولت أول قضمة من طبق الخضراوات عادت بعمرها إلى سن أربع سنوات، عندما كانت والدتها تحضر لها هذا الطبق خصيصاً لها؛ لأنها تحبه.
دمعت عيناها واعتذرت منهم وخرجت مسرعة إلى سيارتها، تعجب فارس وليلى مما حدث وقال فارس:
- إيه يا نايا؟ انتي كويسة؟
- معلش يا جماعة، أنا بعتذر، لازم أمشي.
قلقت عليها ليلى وقالت:
- إيه يا بنتي، انتي كويسة؟
- ميرسي يا طنط على الأكل، بعد إذنك.
- فارس، وصلها يبني، ماتسيبهاش تمشي كده.
خرج فارس مع نايا ببجامة المنزل خاصته وصعد معها إلى السيارة، كانت نايا تسوق السيارة بسرعة، توقفت على الطريق بعد أن أصر عليها فارس بشدة، ترجلت وهي تبكي بقهر، ذهب إليها فارس وأمسك بكتفيها يهدئ من حالتها:
- نايا، إيه؟ قلقتيني، طب أهدي طيب، أهدي وفهميني، فيه إيه؟
بعد قليل هدأت نايا وقالت بهدوء:
- أنا آسفة يا فارس، بجد، أنا افتكرت ماما ومقدرتش أمسك نفسي، مش معقول إن مامتك بتعمل نفس الأكلة المفضلة عندي وبنفس طعم وريحة الأكل بتاع ماما، أنا مجرد ما حطيت لقمة في بقي حسيت وكأنه ماما قاعدة جنبي.
- ربنا يرحمها، انتي وقعتي قلبي، وزمان ماما قاعدة دلوقتي قلقانة علينا.
- معلش، أنا آسفة بجد، اعتذري لها بالنيابة عني، طب قوم بقا أرجعك البيت عشان ما تتأخرش عليها أكتر من كده.
- طب يلا يلا يا شوية مجانين، انهارده يوم حظي مع المجانين والا إيه.
بعدما قام فارس وأمسك بباب السيارة يفتحه وهو يقول:
- يلا، هاتفضلي قاعدة عندك كتير يا حاجة.
- فارس.
- نعمين.
- شكراً بجد.
- ليه؟ مش أنا كنت جنتل مان من شوية وغيرتي رأيك؟ اركبي اركبي، مش بقولك مجانين.
- ههههه، بقا كده، طيب يا سيدي، شكراً.
- العفو يا ستي، بس ما تاخديش على كده.
صعد فارس ونايا إلى السيارة وأوصلها إلى منزله وغادرت، دخل فارس المنزل وكانت ليلى تنتظره بقلق:
- إيه يا فارس؟ إيه يبني، قلقتني، مالها نايا؟
- أهدي يا ماما، مفيش حاجة، هي بس افتكرت مامتها، مامتها الله يرحمها كانت بتعملها نفس الأكلة وبنفس الطعم والريحة، تخيلي.
- يا حبيبتي يبنتي، صعب جداً عليها وهي لسه صغيرة، أنا لما كنت في سنها وماما ماتت، كنت بموت بعدها.
- بعد الشر عليكي يا ملكة قلبي.
- حبيبي أنت، طب وانت ما تعرفش يا فارس أمها ماتت إزاي؟
- كانت تعبانة يا ماما، كان عندها كانسر.
- ربنا يرحمها يارب ويصبرها، طب يلا بقا، تعالى كمل أكلك، انت ما أكلتش.
- لأ، أكل إيه بقا خلاص، ماليش نفس.
- ليه يا حبيبي؟ وإيه اللي سادد نفسك؟ حد يبقى قاعد مع القمر دي ونفسه تتسد.
- مش فاهم تقصدي إيه يا ملكة.
- يا واد، إيه قصد إيه؟ أقصد نايا طبعاً، عروسة زي القمر ومحترمة وبنت ناس، مش زي ناس منكدة عليك ليل ونهار.
- يا ماما، يا ماما، اشحال لو ما كنتيش انتي اللي مسمياها بنفسك.
- آه فعلاً، سميتها وكنت مبسوطة بيها أوي، قلت إنها هتبقى زي صحبتي اللي سميتها عليها، لكن طلعت نسخة من داليا أمها.
- ماما، انتي عارفة إن ثريا عندي حاجة تانية، ونايا دي مجرد زميلة وبس، ها، زميلة وبس، أنا داخل أرتاح شوية.
بدأت تهمس لنفسها بصوت منخفض:
- ثريا، ثريا، مش عارفة عملتلك إيه.
- بتقولي حاجة يا ماما؟
- لأ يا حبيبي، بقولك ارتاح يا ماما.
***
في مطار لبنان، دخلت فتاة جميلة بحقائبها، ترتدي نظارة فخمة وحذاء ذو كعب مرتفع، وفستان كلاسيك أسود اللون، تصعد إلى رحلة طيران إلى القاهرة، لإكمال العام الأخير من دراستها في قسم الموسيقى الذي تدرس به ثريا. وقفت الفتاة تراجع بياناتها على شباك التذاكر:
- أهلاً بيكي يا فندم، رحلة سعيدة. اسم حضرتك؟
- ميرسي، أنا "سارة فوزي الضاهر".
- تشرفنا يا فندم، حضرتك نازلة القاهرة في رحلة دراسية مش كده؟
- آه، فعلاً.
- تمام يا فندم، اتفضلي حضرتك، رحلة سعيدة.
- ميرسي.
صعدت إلى طيارتها المتجهة إلى مصر لأول مرة في حياتها؛ لتدّرس وتنهي بعض الأعمال الخاصة بوالدها هناك. عندما وصلت إلى مصر، رن هاتفها وهي في سيارة الأجرة التي ستوصلها إلى فندق "الماسة" في العاصمة الإدارية الجديدة، بعدما وصلت إلى جناحها الخاص واستقبلها مدير الفندق خصيصاً.
ألقت بحقيبتها على الفراش واستلقت عليه، رن هاتفها بمكالمة فيديو واردة من "مامي":
- مامي، أوووووف، آدم، ليه بتتكلم من فون ماما؟
- سارة، بقيتي تتكلمي مصري من أول يوم يا بنتي.
- بلاها برودك دلوقتي، آدم فين ماما؟
- حبيبة قلبي، اشتقتلك يا سارة.
- ماما، على فكرة، هي لسه ما بقالهاش كام ساعة ماشية.
- وبرضه يا آدم، حتى لو بقالها كام دقيقة، وحشتني برضه.
- وانتي كمان يا ماما، وحشتيني.
- سارة، إيه أخبار مصر؟ احكيلي يا أختي، صحيح هي أم الدنيا زي ما بيقولوا.
- والله أنا لسه ما شفتش ده لحد دلوقتي، بس من وقت ما جيت وكل الناس ذوق جداً وشيك جداً، أنا هارتاح دلوقتي عشان أنظم وقتي للشغل والجامعة.
- أوك، يلا باي، كلمينا لما تفضي.
- سارة بنتي.
- نعم يا ماما.
- خلي بالك من نفسك يا قلبي.
- حاضر يا ماما، يلا باي.
- باي.
عادت للاستلقاء مرة أخرى على فراشها.
***
بعد مرور عامين، تخرج فارس وعمل فارس بالشركة التي أخبرته عنها نايا، وما زال منفصلاً عن ثريا، وطلب منه مدير الشركة إن يستقبل سيدة أعمال ويقنعها بصفقة شراكة بين شركتها وشركتهم، عمل فارس بجهد على دراسة جدوى لتلك الصفقة، وقام بمهاتفة تلك السيدة وتحديد موعد معها للمقابلة، أرسل إليها فارس سيارة الشركة الخاصة لتوصيلها إلى مكان الاجتماع.
رواية زئير القلوب الفصل السابع عشر 17 - بقلم سهام احمد
زئير القلوب
لقاء آخر.
الفصل السابع عشر
نلتقي دائما باشخاص كثر في رحلتنا العمرية، نعرفهم او لا نعرفهم، قريبون منا او بعيدون عنا، يمكن أن تكون هناك روابط تجمعنا ونحن لا نعلم بها، يمكن أن يقف بجوارك شخص ما تراه وتبتسم له ويبتسم لك، ربما تكون تلك المرة الاولى التي تراه فيها وهو كذلك، لا تعلم من هو او حتى ما اسمه، ويكون الرابط المبهم بينكما اقوى مما تتخيل.
هكذا جمعت الصدفة والتي تخفي خلفها القدر بفارس وشقيقته سارة، التي لم يراها بحياته، حتى إنه لا يعلم انها شقيقته، فقط شعر بارتياح لرؤيتها بالرغم من بعدها عنه، كانت تلك السيدة تقف بظهرها على البار تتحدث مع عامل البار عن مصر والاماكن السياحيه المشهورة بها، سأل فارس عنها الاستقبال، فاشار إليها عامل الاستقبال وقال:
-هناك حضرتك هي دي اللي بتتكلم مع عامل البار.
-تمام شكراً.
وقف خلفها فارس وقال:
-آنسة سارة؟
ادارات ظهرها إليه مبتسمة ووقفت وقالت:
-ايوا انا مين حضرتك؟
-انا فارس كلمت حضرتك امبارح بخصوص الصفقة.
-اه اهلا استاذ فارس اتفضل هنا، معلش دي اول زيارة ليا في مصر؛ علشان كده تلاقيني يسأل اي حد عنها اتفضل اقعد.
-وليه تسألي احنا موجودين، عايزة تروحي فين في مصر حضرتك؟
فرحت سارة كثيرا بكلامه معها وروحه المرحة والتي دائما ما تحبب فيه الناس من اللحظة الاولى للقائه بهم:
-بجد والله؟! انا مش عايزة اتعب حضرتك معايا.
-ولو يا فندم ده واجب علينا كمصريين.
-هههه يا ترى بقا كل المصريين دمهم خفيف زيك كده وروحهم مرحة؟
-امال يا فندم انتي لسة ماشفتيش حاجة هههه.
-طيب حيث كده بقا من اللحظة دي انا مسؤولية منك تعرفني كل شبر في مصر، وكمان بلاش حضرتك والرسميات دي انا عندي واحد وعشرين سنة.
-بجد! ماشاء الله انتي صغيرة اوي، يعني لقب سيدة اعمال حسيت انك سيدة كبيرة يعني شوية.
-هههههه فظيع انت يا فارس، طب ايه رأيك نتكلم في الشغل وبعدها تعزمني على الغدا في مكان حلو على زوقك، بس بشرط انا اللي هحاسب.
-لأ يا فندم حضرتك كدة بتشتميني في بيتي يصح برضوا تبقي مع راجل وتقولي الكلام ده.
-ههههه طيب خلاص اوك زي مانت شايف بس نشيل بقا الالقاب والرسميات تمام.
-تمام يا فندم قصدي يا ساره ساره تمام كده.
-تمام يلا بينا؟
-تمام بالنسبة للشغل بقا.
شرح فارس دراسة جدوى المشروع لسارة بطريقة احترافية، وصادقة بل وشرح لها كل المميزات والعيوب الوحيدة التي ستقابلهم في رحلة عملهم على هذا المشروع، اعجبت سارة بالمشروع والطريق التي ادى بها فارس عرض العمل الخاص به، بعد أن انهى كلامه صفقت سارة مبهورة به:
-بجد انا مبهورة، انت بقالك كام سنة بتشتغل يا فارس؟
-ميرسي، انا بقالي حوالي سنة وشوية.
-معقول الاحترافية دي في سنة وشوية، طيب عموما انا احب اقولك اني موافقة على المشروع وقبلت الصفقة، ده مش علشان انت هاتفسحني طبعا لا، بس بجد لأني شايفة المشروع قدامي هايبقا عامل ازاي.
-ده شيء يشرفني طبعا وان شاء الله تكون شراكة خير مابينا وتنبسطي معانا هنا في القاهرة.
-ان شاء الله.
-طيب كده احنا خلصنا كل حاجة تخص الشغل وإن شاء الله شوفي امتى الوقت اللي يناسبك علشان نمضي العقود في الشركة.
-بكرة كويس؟
-كويس جدا تمام هكلمك الصبح؛ علشان نحدد المعاد وابلغ مدير الشركة وبعدها ليكي عندي عزومة على الغدا في احلى مكان ممكن تاكلي منه.
-بجد والله انا متحمسة جدا.
-طيب عربية الشركة هاتوصلك مكان مانتي عايزة وهاتيجي تاخدك برضوا بكرة وقت مانتي عايزة، صحيح انتي قاعدة في فندق ايه؟
-فندق الماسة.
-اه ده في العاصمة، طيب حضرتك هاتجيبي حاجتك وتعملي شيك اوت بكرة إن شاء الله وانا هحجز لحضرتك في مكان اجمل من ده بكتير، هو صحيح مش في جمال الماسة علشان اكون صريح معاكي، لكن هاترتاحي فيه.
-اوك تمام معنديش مانع.
-تمام اشوفك بكرة باي.
-بااااااي.
بعدما انهت سارة مقابلتها مع فارس هاتفت والدها:
-الو بابا، عامل ايه.
-انتي عامله ايه يا حبيبتي؟ ها طمنيني عملتي ايه في الشغل؟
-تمام يا بابا بكرة إن شاء الله هنمضي العقود، المشروع حلو جدا وعجبني جدا جدا، بالإضافة إلى ان عندهم شخص مسؤول عن الصفقات شاطر جدا، يعني تقريبا مشفتش حد في شطارته.
-انا قولتيلي شكله كل عقلك يا بنت وعلشان كده قبلتي الصفقة ها؟
-ههههه لا بتكلم بجد يا بابا والله، الشاب ده مكسب لينا كبير اوي على فكرة، انا ببص لقدام حضرتك عارفني.
-انا واثق في قراراتك يا حبيبتي ومعاكي في اي حاجة تحتاجينها قوليلي بس انتي عايزة ايه، وانا معاكي.
-بابا بصراحة عايزة منصب المساعد الخاص بتاعي ومدير الشركة الجديدة.
-سارة انتي متأكدة يا بنتي؟! يعني المناصب دي مش اي حد يقدر يشتغل عليها، لازم حد ثقة.
-ماتقلقش يا بابا انا اد كلامي.
-تمام حاضر خلصي انتي بس ونشوف.
-اوك حبيبي هكلمك تاني باي.
-اوك باي.
~~~
عندما تضع الانثى هدفا امامها لا تتركه حتى تحصل عليه، هكذا فعلت ثريا، ظلت ترى فارس امامها ولا تستطيع الاقتراب منه لكنه لم يكن لها عائقا عن تحقيق احلامها وطموحاتها، تلك الفتاة الرقيقة صاحبة الصوت العزب والجمال الخلاب، جاهدت بإصرار وبشدة حتى حققت حلمها في أن تصبح نجمة الغناء ومدرسة موسيقي للاطفال.
لكن لم يحقق حلمها بعد في اعتلاء مسرح الاوبرا المصريه بناءاً على رغبة الجميع وحبهم لصوتها، هذا ما كانت تنتظره، ظلت تكافح وتجتهد من جهة ويكافح فارس ويجتهد من جهة اخرى، بالرغم من فراقهم الا ان قلب كل منهم مازال معلق بالآخر.
كان عماد هو الداعم لها من جهة ونايا هي الداعمة لفارس من الجهة الاخرى، ظن كل من عماد ونايا انهم سيحصلون على حبهم بتلك الطريقة، لكن ربما للقدر رأي آخر.
كان فارس وثريا كل منهما يتابع اخبار الآخر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لم يرى احدهما الاخر سوى من خلال الصور التي كانت لدى كل منهما، والتي التقطت لهما في الصغر وقبل انفصالهما في الجامعة.
اتصلت ساره بفارس وقامت بتأجيل توقيع العقود الخاصة بالشراكة:
-فارس عامل ايه؟
-تمام يا سارة انتي اخبارك ايه؟
-الحمد لله تمام، انا باتصل علشان اقولك حابة نأجل توقيع العقود لآخر الاسبوع يعني كمان خمس أيام.
-مفيش مشكلة يا سارة بس ممكن اعرف ايه السبب؟
-اه طبعا بصراحة حابة نعمل حفلة كبيرة تليق بشركتنا وشركتكم ونعلن فيها عن الشراكة ونوقع العقود.
-فكرة جميلة جداً، طيب حابة تكون الحفلة ازاي، في عندك افكار معينة للتنظيم.
-بصراحة الحاجة الوحيدة اللي حباها هي فقرة غنائية وتكون في مسرح الاوبرا المصريه لو أمكن، انا ممكن احل موضوع المغني عندي شخص معين هايغني.
-طب تمام حلو سيبي بقا التنظيم والحجز وباقي التفاصيل عليا انا هحلها.
-اوك كده اتفقنا، طيب بالنسبة للفندق والحجز، والغداء بكرة ده ليه علاقة بالتوقيع؟
-لأ طبعا يا فندم دي هدية التعاقد حضرتك، سارة طلعتي مصلحجية كنت مفكر الموضوع ده عندنا بس هههههه.
-هههههه ماشي يا سيدي مقبولة منك وبعدين في حد يلاقي دلال ومايستغلوش.
-لأ طبعا على رأيك، تمام على معادنا بكرة إن شاء الله.
-اوك اشوفك بكره باي.
-باي يا سارة.
~~~
تجلس ثريا مع عماد في مطعم على العشاء، قبلت دعوته بعد إصرار دام لشهور، كانت ترتدي ثوب قصير احمر اللون، كانت تبدوا كالملكة عندما دخلت المطعم، جذبت إليها كل الانظار ولفت انتباه الجميع، تمشي بخطى واثقة تدك الارض من اسفلها دكا، جلست ثريا بخجل وقال عماد:
-معقول ايه الجمال ده كله يا نجمة.
-ميرسي يا عماد عيونك الحلوين.
-ها تشربي حاجة والا نطلب العشا؟
رن هاتف ثريا بمكالمة واردة من رقم مجهول، قالت ثريا:
-ممكن ثواني ارد على الفون.
-اكيد طبعا خدي راحتك.
-الو ايوا انا مين حضرتك؟ اه اهلا وسهلا، امتى الحفلة؟ تمام اوك ممكن اشوف جدول اعمالي واتواصل مع حضرتك؟ ههههه اكيد احنا تحت امر لبنان واهل لبنان، تمام خلاص مش هكسفك، لا ده تتواصلي فيه مع مدير اعمالي الاستاذ عماد، هبعتلك رقمه، اوك فرصة سعيدة مع السلامة.
ظهرت علامات الفرح والسعادة على وجه ثريا، قالت بحماس:
-مش هاتصدق يا عماد، دي واحدة جاية من لبنان او حاجة زي كده المهم عندها حفلة في دار الاوبرا المصريه علشان شركتها، عايزاني اغني فيها تخيل يا عماد حلمي ليتحقق واخيرا.
-اكيد يا ثريا انتي تستاهلي اكتر من كده بكتير.
امسكت بيده برفق وقالت مبتسمة:
-انت وشك حلو عليا اوي، بجد شكرا من غيرك مكنتش هعمل حاجة من ده كله.
نظر إلى موضع يدها وشعر بقلبه كأنه سيخرج من بين ضلوعه من شدة الفرح، ضربات قلبه تزداد، امسك بيدها وقبلها برفق قائلا:
-انا اللي مش عارف كنت هعمل ايه من غيرك.
ضمت يدها إليها بخجل وقالت:
-عماد من فضلك.
-خلاص تمام انا وعدتك، سيبيلي بقا موضوع الحفلة دي انا هظبطته.
-تمام وانا واثقة انك هاتعمل كده.
-طيب نطلب العشا؟
-اكيد انا دلوقتي نفسي انفتحت اكتر بصراحة.
-لأ كده بقا في كلام تاني انتي اللي هاتحاسبي ههههه.
-هههههه بقا كده.
انتقلت سارة للمكوث في منزل فارس مع والدته بدعوة منه إلا أن تشتري بيتا لها، تعرفت على ليلى ولكنها لم تعرف انتباهها انها تعرفها، ظنت انه تشابه بالاسماء، لكن عندما رأتها ليلى شعرت بالقلق، لم تكن مرتاحة لوجودها في منزلها، كانت تظن انها ستأخذ ابنها منها كما فعل فوزي سابقاً واخذها من اهلها.
مرت تلك الايام في لمح البصر يبذل فارس قصارى جهده في التحضيرات للحفل، وتبذل ثريا قصاري جهدها لأجل إحياء الحفل، وها قد اتت اللحظة الحاسمة يوم الحفل.
بعد ان غادر فارس وسارة صباحاً من المنزل، دخلت ليلى غرفة سارة تبحث بها عن اي معلومة عنها، من هي ومن اين وماذا تفعل اي شيء؟ وجدت حقيبة يدها والجهاز اللوحي الخاص بها، ظلت تبحث بين الاوراق فوجدت هويتها، تحمل اسمها "سارة فوزي ضاهر".
صدمت ليلى عندما رأت الإسم وقالت:
-قلبي كان حاسس إن وراكي حاجة، اكيد جاية علشان تبعد ابني عني، اكيد ابوها بعتها علشان تزغلل عنيه بالفلوس وتاخده معاها.
فتحت الجهاز الخاص بها فوجدت صورتها مع والدها ووالدتها واخوها، نظرت إلى الصورة بتمعن وظلت تتأمل ملامح فوزي بعد هذا العمر، وقالت له بتهكم:
-مش هسمحلك تاخد ابني مني مهما عملت، مش هسمحلك ابدا يا فوزي.
وضعت الاشياء مكانها وخرجت من الغرفة تتصل بفارس لكنه لا يجيب هو لايسمع هاتفه.
~~~
تجهزت ثريا للحفل بثوب مثير وجذاب فستان ذهبي اللون، كانت في منتهى الشياكة والجمال، بينما كان يقف فارس مع سارة والمدير الخاص بشركته التي يعمل بها ونايا، عم الصمت المكان ونظر الجميع إلى المسرح في انتظار طلة المطربة، قال فارس وهو يهمس في اذن سارة:
-مش عايزة تقوليلي مين اللي هايغني؟
-لأ دي مفاجأة بس اقدر اقولك هاتنبسط اوي.
-اوك.
بدأت تعتلي ثريا المسرح خطوة تلو الاخرى، شعر فارس أنه يسمع صوت خطواتها، كعب حذائها وهو يضرب الدرج واحدة تلو الاخرى، لا احد يسمعه سواه، تعجب من حالته فظل ينظر إلى مصدر الصوت حتى بدأت تظهر خصلات شعرها ثم عينيها ثم وجهها الى ان صعدت ثريا على المسرح وصفق الجميع لقدومها، صدم فارس عندما رآها، كاد قلبه أن يخرج من موضعه؛ لرؤيتها بعد كل هذه الفترة.
ابدعت ثريا في الغناء على مسرح الاوبرا باغنية جميلة ورقيقة رومانسية، حتى قام الجميع بالتهليل والتصفيق بحرارة وظلت وسائل الإعلام والكاميرات تتسارع بالتقاط الصور، إلى أن رأت فارس أمامها، تجمدت بارضها وكأنها توقفت عن التنفس.
لحظات اللقاء دون موعد تخطف القلوب، وترهب الابدان، وتعيد الزكريات.
ظلت ثريا تنظر إليه وينظر إليه كأنه لايوجد سواهما بالمكان، بدأ يمشي بخطوات تجاهها دون تردد، وبدأت تخطوا إليه دون وعي، الى ان تلاقت اعينهما ووقف كل منهم في وجه الآخر تتبادل اعينهما الاحاديث دون توقف.
رواية زئير القلوب الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سهام احمد
ربما تتلاقى الأعين رغم افتراق الأشخاص، وربما تتلاقى الأرواح رغم افتراق الأبدان، فلكل لقاء لذته وآثاره.
كان لقاء فارس وثريا الأول بعد غياب دام لفترة طويلة. عندما تلاقت أعينهما، لم يرى كل منهما سوى الآخر رغم ازدحام المكان بالناس، كأن الزمن قد توقف في تلك اللحظة. صمت الجميع وتحدثت القلوب والأعين. يتحكمون في اقترابها وافتراقهم، لكن لا حكم على القلوب، ولا سلطان عليها.
نظرت في عينيه تلومه بصمت، ونظر في عينيها يعاتبها بصمت. إلى أن تعجب الحضور من وقفتهم التي دامت هكذا لبعض الوقت. إلى أن رآهم عماد، اقترب من ثريا من خلفها وبتر تلك اللحظات التي كان من الممكن أن تكون بداية جديدة لهم.
"ثريا؟! في حاجة، انتي كويسة؟"
فزعت ثريا وانتفضت، لأنها لم تكن مدركة الجميع حولها. غابت عن الوعي عندما حضر عشقها، سلب منها وعيها وكأنه سحر سيطر على جميع حواسها.
"لأ، لأ، أنا تمام بخير."
وقفت نايا أيضاً بجوار فارس ووضعت يدها على كتفه، مقتربة منه إلى حد جعل ثريا تنظر إليها بصدمة، تتساءل ما الأمر؟ هل هذه صديقتها التي كانت تناسبها دائماً؟ أم أنها لم تكن كذلك من البداية وكان لها رغبة أخرى في قربها منها؟
أزال فارس يد نايا عن كتفه بذوق، وقال وهو ينظر إلى عماد بتهكم، اشتعلت به نيران الغيرة ورغبة الانتقام، لأنه كان السبب الأول في بعدها عنه.
"انت بتعمل ايه هنا؟"
وضع عماد يديه في جيبه، يقف بثقة وغرور رافعاً رأسه، يتحدث إليه من طرف أنفه، كأنه يخبره أنني أنا من ربحت وبقيت بجوارها وأنت لا.
"لازم اكون موجود، أي مكان فيه ثريا أكيد هاتلاقيني فيه."
تحدث فارس بسخرية.
"والله دا أنت لزقة بقا من يومك."
كاد أن يشب شجار بينهما لولا أن وقفت ثريا بينهم وقالت وهي تنظر لفارس.
"عماد هو مدير أعمالي، طبيعي إنه يكون موجود معايا في أي حفلة، بس الغريبة هو وجودك هنا انت ونايا."
تحدثت نايا بهدوء وقالت.
"ايه الغريب في كده؟ انتي ما تعرفيش إنك كنتي بتحيي حفل شركتنا والا ايه؟"
تعجبت ثريا وظنت أن فارس تركها لأجل نايا ومالها. قالت بصدمة.
"شركتكم؟"
أجاب فارس عندما لاحظ الصدمة على وجه ثريا، يشرح لها.
"أنا بشتغل في الشركة، والحفل ده بيخص توقيع عقود لصفقة مهمة خاصة بالشركة."
"بس أنا اللي كلمتني واحدة لبنانية، ازاي؟"
"اه، دي آنسة سارة الشريك اللي هانمضي معاه عقود الصفقة، أهي هناك أهي، سارة."
أشار إليها فارس، وانت إليهم وهي مبتسمة. مدت يدها إلى ثريا وقالت.
"ثريا بجد صوتك يجنن، أنا من أول ماشفت الفيديو بتاعك وأنا قولت محدش هيغني في الحفلة غيرك. عايزة أقولك صوتك أصلاً اللي خلاني أفكر أعمل حفلة."
سلمت عليها ثريا وقالت وهي مبتسمة بحزن تدعي الفرحة.
"ميرسي ليكي يا سارة، أنا كمان سعيدة بمعرفتك. أكيد لسه منورانا في مصر شوية؟"
"اه أكيد، أنا عندي دراسة هنا بدرس موسيقى في جامعة القاهرة."
"معقول، ده كان مجالي ودراستي أنا كمان."
"بجد والله، حيث كده بقا أنا هستغلك طول فترة وجودي في مصر."
"أكيد، ليه لا، أنا تحت أمرك. استأذنكم، فرصة سعيدة."
أجابتها سارة بحب.
"إحنا أسعد، أشوفك قريب، باي."
"أكيد، باي."
ذهبت ثريا، وخلفها عماد. توقف عدة ثوان أمام فارس يستفز مشاعره وهو يبتسم دلالة على انتصاره برفقة ثريا. عندما أوشك فارس أن يتقدم نحوه ويتشابك معه، أمسكت بزراعه نايا وقالت.
"اهدى يا فارس، أرجوك الناس حوالينا."
تحدث فارس بانفعال وغضب إلى سارة وقال.
"ليه ما قولتيليش إنها ثريا اللي هتغني؟ كان لازم تعرفيني يا سارة."
نظرت سارة باستغراب لطريقة كلامه وانفعاله وقالت.
"أنا آسفة، مكنتش أعرف إنك هاتتضايق من وجودها كده."
"أنا مش مدايق من وجودها، أنااا."
توقف عن الحديث واعتذر منهم وذهب خلف ثريا. لا يمكنه الانتظار حتى يتحدث إليها.
وقفت سارة مزعوجة من حديث فارس، فقالت لها نايا.
"معلش يا سارة، ماتزعليش، فارس مدايق؛ لأن هو وثريا كانوا بيحبوا بعض وانفصلوا من فترة، تقريباً دي أول مرة يتقابلوا من وقتها، وانتي السبب؛ عشان كده هو مدايق."
"بس أنا معرفش حاجة زي دي، يعني أكيد لو كنت أعرف مكنتش كلمتها أو دايقته بده."
"مش مشكلة، حصل خير، هو شوية وهايهدى، ماتقلقيش."
انتاب سارة الحزن على حالة فارس وما حدث بسببها. ظنت أنها تسببت له في جرح جديد. ذهبت سارة تبحث عنه، فوجدته متجهاً إلى سيارة ثريا.
نادى ثريا وركض خلفها يمسك بزراعها.
"ثريا ممكن نتكلم شوية لو سمحتي؟"
وقف عماد ليرد عنها فقال.
"ثريا مش فاضية."
أقبل عليه فارس ليتشابك معه قائلاً.
"وأنا مال أهلك، بتتدخل ليه؟"
وقفت ثريا بينهم وعلا صوتها وقالت.
"خلاص كفاية، عماد من فضلك امشي، أنا كمان عايزة أتكلم مع فارس شوية."
"تمام يا ثريا، اللي تشوفيه، سلام."
صعد عماد بالسيارة وذهب مسرعاً. بينما كانت سارة تقف خلف الحائط تترقبهما.
وقفت ثريا ونظرت إليه بضيق وقالت.
"اتفضل، سمعاك، عايز تقول إيه؟"
"طمنيني عنك الأول، انتي كويسة؟"
رفعت ثريا يديها وضربت على جانبيها برفق تسخر من سؤاله، ترى كيف ستكون وهي بعيدة عنه.
"انت شايف إيه، أكيد طبعاً كويسة."
"أنا عايز أفهمك إنــ."
بترت حديثه بلا مبالاة.
"مش محتاجة أفهم يا فارس، أنا فهمت اللي كان لازم أفهمه من زمان. انت كمان مش مجبر تبررلي، بعد إذنك."
عندما أدارت له ظهرها وبعدين خطوتين قال لها.
"يعني أنا كمان فهمت كده سبب وجود عماد معاكي، ومش محتاج إنك تبرريلي؟"
توقف بانفعال وعادت إليه غاضبة.
"انت بتقول إيه، عماد ده مدير أعمالي وبس، لكن الدور والباقي على نايا. نايا اللي كنت فاكراها صحبتي، واللي وجودها معاك مالوش أي مبرر غير."
بتر حديثها قائلاً.
"غير إنها شريكة في الشغل يا ثريا، شريكة وصديقة وبس."
تحدثت ثريا بوتر شديد وانفعال.
"أنا أصلاً مش عارفة أنا بسألك ليه، دي حياتك وانت حر فيها. شريكتك حبيبتك انت حر، مبقاش يهمني."
أمسك بزراعها وهي تغادر وأعادتها إليه. جذبها بشدة حتى ارتطمت بصدره. نظر إليها وهي تتنهد بين أحضانها.
"بجد مبقاش يهمك يا ثريا، خلاص."
تحدثت بهدوء وهي تتسارع أنفاسها بين يديه.
"خلاص، دي انت اللي قولتها يا فارس، مش أنا."
"اللي انتي عملتيه وقتها مكنش ينفع يتعمل يا ثريا."
"واللي انت عملته وقتها كان ينفع يتعمل، مش كده؟"
"ثريا أنا راجل المفروض إنك تحترميني، أنا غلطت أه، بس ده من غيرتي عليكي."
دفعته ثريا بعيداً عنها وقالت بضيق.
"هي دي مشكلتك بس إنك انت الراجل، وطبعاً تصرفي هان رجولتك مش كده؟ لكن مفكرتش أنا إحساسي كان إيه لما شكيت فيا."
"أنا عمري ماسكين فيكي، وانتي عارفة كده كويس، بس مكنش ينفع تعملي راسك براسي يا ثريا."
صفقت ثريا سخرية من حديثه.
"برافوووو أستاذ فارس، برافووو. انت الراجل وأنا الست، مش كده؟ والمفروض إني أقبل منك أي تصرف حتى لو فيه إهانة ليا، بس لمجرد إنك انت راجل وأنا ست. يا خسارة يا فارس، طنط ليلى معرفتش تربيك صح."
"الزمي حدودك يا ثريا، والا."
"والا إيه؟ هاتضربني تاني؟ يلا اضرب، اضرب."
بدأت ثريا تنهار من البكاء وتضرب بصدره بقوة. يتراجع إلى الخلف خطوة بعد الأخرى من شدة ضرباتها. يحاول تهدئتها لكنها لا تستجيب.
"يلا اضرب يا فارس، اضرب، اضربني كمان، يلا."
"خلاص، أهدي، ثريا اهدي، خلاص، أنا آسف، حقك عليا، خلاص."
ضمها فارس إليه بشدة وهي تبكي وضمته بشدة وهي تتألم من وجع قلبها. تبكي بقهر. قالت وهي بين يديه.
"عمري ما كنت أتخيل إنك ممكن تسيبني في يوم من الأيام عشان نايا وفلوس وشركات عمري، مقهورة منك يا فارس أوي."
أمسك بكتفيها وقال منفعلاً.
"فارس إيه؟ انتي تفتكري إن أنا كده يا ثريا؟ أنا وصلت لكل ده بمجهودي وتعبي، عمرك ما هتفهمني يا ثريا، عمرك."
"مجهودك وتعبك يوصلك لكل ده في أقل من سنتين يا فارس، مش كده؟"
تحدث بانفعال وهو يلوح بيديه.
"عشان مكنتش بنام يا ثريا، مكنتش بنام. وانتي بعيدة عني كنت بموت نفسي في الشغل؛ عشان مفكرش فيكي وأشوف صورتك كل شوية قدامي. الحاجة الوحيدة اللي كانت بتخلي الوقت يعدي بسرعة عليا هي الشغل، الشغل يا ثريا."
أقبل عليها وأمسك بكتفيها وقال بعتاب وهو يضع أنفه بأنفها، وجبينه بجبينها.
"إزاي تفكري كده فيا، وانتي عارفة انتي عندي إيه، إزاي؟"
تسارعت أنفاسها وضربات قلبها. أغمضت عينيها لشدة قربه منها. وعندما هم يلتقط شفتيها بقبلة شوق، أوقفته بقولها.
"مش قادرة أصدقك."
نظر إليها بحدة وترك كتفيها مبتعداً. رفع يديه على رأسه يكررها على شعره بضيق. ثم قال.
"وانتي وصلتي لهنا إزاي يا ثريا؟ ها، مش غريبة أحلامك كلها تتحقق في أقل من سنتين وتبقي نجمة مشهورة، دفعتي إيه تمن شهرتك؟"
وقفت سارة خلف الحائط، وضع سارة يدها على فمها من الصدمة. نظرت إليه ثريا بصدمة شديدة لاتصدق، وقالت وهي تقترب منه بدموع لا تتوقف وقلب منفطر.
"انت إزاي تقولي كده، ها؟ انت إزاي تتجرأ تقولي كده؟ أنا مش مصدقة نفسي."
صرخت ثريا ترددها بانفعال وغضب لا يوصف.
"يا ريتني كنت مت قبل ماسمع منك الكلام ده، ده انت مبينيل على إيديك يا فارس، يا ريتني كنت مت، يا ريتني كنت مت، يا ريتني كنت من."
ركضت ثريا مسرعة إلى الطريق تبتعد عنه. وإذا بسيارة مسرعة كادت أن تضربها لولا أن فارس ركض خلفها وجذبها نحوك بقوة لترتمي بين أحضانها بعد صرخة خوف.
أبعدته عنها وقالت.
"شديتني ليه؟ ليه ماسبتنيش أموت ليه؟"
"ثريا اهدي، من فضلك اهدي، خلاص، طب استني أوصلك ثريا؟"
أوقف ثريا سيارة أجرة وصعدت بها. وفارس يقف على نافذة السيارة ينادي باسمها وهي تبتعد. للمرة الثانية كأن الزمن يتوقف في تلك اللحظات حتى تبتعد عنه. ذهبت ثريا وعاد فارس إلى الداخل.
عندما كان يمر بجوار الحائط الذي تقف خلفه سارة، شعر بوجود أحد خلفه. أردف ينظر متفاجئاً من وجودها. تقدمت إليه بخجل قائلة.
"أنا آسفة، كنت جاية عشان أعتذرلك وسمعتكم، مقدرتش أتدخل بصراحة، أنا آسفة كمان مرة، انت كويس؟"
"أنا عايز أمشي من هنا يا سارة، مش طايق المكان ولا طايق نفسي."
"طيب من فضلك استنى هنا، ماتروحش مكان، هجيب شنطتي وراجعة فوراً، ماتروحش مكان ها."
دخلت سارة إلى الحفل وجلبت حقيبة يدها بسرعة وخرجت. رأتها نايا تذهب مسرعة فتبعتها إلى الخارج. وجدتها تصعد إلى السيارة هي وفارس. حاولت أن تلحق بهما ونادت على فارس لكنه لم يجيب. طلب من سارة أن تذهب على الفور.
عندما كانت تقود سارة السيارة، كان فارس حزين للغاية. قال معتذراً منها.
"أنا آسف يا سارة على كل حاجة انتي سمعتيها."
"على إيه بتعتذر، أنا اللي آسفة، بسببي حصل كل ده."
"انتي مالكيش ذنب، اللي حصل ده كان لازم يحصل من بدري أوي، كان لازم هانتواجه في يوم."
"فارس انت شكلك بتحبها أوي على فكرة، وهي كمان بتحبك، ليه تعملوا في بعض كده عشان حد تاني؟"
"حد مين يا سارة؟ أنا مفيش حد في حياتي غير ثريا."
"بس واضح جداً إن نايا وعماد سبب في كل ده."
"نايا مالهاش ذنب، وقفت جنبي وساعدتني بدون أي مقابل. إنما عماد من وقت ما كنا في الجامعة وهو عينه من ثريا، دايماً كان سبب مشاكل بينا، وهو سبب انفصالنا عن بعض برضوا."
توقف سارة بالسيارة جانباً وقالت.
"بص يا فارس، مش كل الناس بعدي حاجة وتساعد بدون مقابل، وأنا شايفة بما إن نايا لحد دلوقتي ماطلبتش مقابل، يبقى هيكون المقابل كبير أوي، وتقريباً هاتحصل عليه من غير تعب."
"أنا مش فاهمة يا سارة، انتي إزاي قدرتي تعملي تقرير عنها، انتي أول مرة تشوفيها."
"المهم إنك تاخد بالك منها يا فارس، نايا من الواضح إنها مش سهلة."
"ممكن نروح ع البيت لو سمحتي؟"
"أكيد ممكن، بس لازم نتصل بمدير الشركة، أشرف بيه عشان نعتذرله عن خروجنا المفاجئ ده من الحفلة."
"تمام، اتصلي انتي، لأني مش قادر أتكلم مع حد."
رواية زئير القلوب الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سهام احمد
ليس دائمًا ما يكون الشريك في الحزن والفرح هو شريك العمر أو النصف الآخر لك. ربما يكون أخًا أو أختًا أو صديقًا وفيًا أو صديقة كذلك. يضع لنا القدر دائمًا من يعيننا على تخطي مصاعب الحياة، لكن المهم أن نحافظ على تلك الكنوز التي تمنحها إيانا الحياة، لأنها تمنح مرة واحدة في العمر.
منح القدر فارس تلك الأخت التي لم يعلم بها حتى الآن، والتي جعلها القدر عونًا له في حزنه، بل وستكون عونًا له في كل شيء لاحقًا.
وضعت سماعة الأذن لتجري مكالمتها عبر البلوتوث:
- الو اشرف بيه أنا سارة.
- إيه يا سارة، انتي فين؟ الناس بتسأل عليكي.
- معلش أنا بعتذر منك، تعبت فجأة واضطريت أمشي من الحفلة.
- ألف سلامة عليكي، طب انتي كويسة؟ محتاجة حاجة؟
- ميرسي يا اشرف بيه، ربنا يخليك. أشوفك بكرة إن شاء الله ونحتفل مع بعض كلنا ونعوض حفل النهاردة.
- ولا يهمك، المهم تكوني بخير. ماتعرفيش فين فارس؟
- آه فارس معايا بيوصلني، لأني مقدرتش أسوق العربية. بصراحة يا اشرف بيه، فارس هو سبب كبير من أسباب توقيع الصفقة دي، ذوقه وأخلاقه، وطبعًا حضرتك قبل أي حاجة.
- ده شرف لينا يا سارة، المهم تكوني مبسوطة وسطنا.
- أكيد، شكراً ليكم.
- تمام يا سارة، أشوفك بكرة إن شاء الله.
- تمام، أشوفك، باي.
تحدثت سارة مازحة عند وصولهم إلى المنزل وقبل دخولهم:
- إيه خدمة يا سيدي، حطيت لك بوينت كتير أهو من غير مقابل.
ضحك فارس بالرغم من حزنه وقال:
- عارفة أنا لتمنيت يكون عندي أخت زيك، إزاي بتقدري تخرجيني من مودى بسرعة وتخففي عني مش عارف.
- إيه دا؟ هو أنا مش أختك ولا إيه؟ داحنا حتى عايشين مع بعض في بيت واحد.
ضحك فارس وهو يفتح باب المنزل ويقول:
- آه طبعًا، أكتر أخت استغلالية في الكون.
كانت ليلى، والدته، تنتظرهم عند دخولهم. تجلس على الطاولة وأمامها جواز سفر سارة وهويتها وجوارها حقائبها. نظر فارس وسارة إلى بعضهما البعض باستغراب، ثم نظرا إليها بصمت ينتظرون ماذا ستقول.
أزاحت ليلى بتلك الأوراق في وجه سارة بانفعال. تفاجأت سارة من ذلك. وقف أمامها فارس وقال:
- ماما، في إيه؟!
تحدثت وهي تنظر إلى سارة قائلة بنبرة تهديد:
- لو انتي فاكرة إنك هاتقدري تاخدي ابني مني، انتي وأبوكي، تبقي غلطانة. خدي حاجتك وامشي من غير شوشرة. وقولي لأبوكي ليلى مش هاتسمحلك تبعد ابنها عنها تاني. قوليله إن أي حد هايفكر يمس ابني أو يبعده عني، هقتله. فاهمة؟ هقتله.
أمسك فارس بها يهدئها. فقالت سارة:
- تقصدي إيه حضرتك؟ أنا مش فاهمة حاجة. مال بابا ومال ابنك؟ ممكن تفهميني؟
- بجد لا بريئة؟ يا بت، طالعة لأبوكي.
- من فضلك، ممكن ما تغلطيش في بابا وتجاوبي على سؤالي.
- امشي! اطلعي برا! امشي! برا!
أخذت سارة أغراضها واستعدت للخروج وهي لا تفهم ماذا يحدث. حاول فارس تهدئتها فقال:
- استني يا سارة، من فضلك. ماما، أنا لو معرفتش في إيه دلوقتي، أنا كمان همشي معاها.
نظرت إليه بصدمة كبيرة وقالت:
- تسيب أمك يا فارس؟ عايز تسيبني عشانهم؟ هو ده اللي أنا كنت خايفة منه؟ قدروا يضحكوا عليك هي وأبوها؟
- ماما، من فضلك اهدي واقعدي وفهميني في إيه. تعالي يا سارة اقعدي لو سمحتي.
صرخت والدته بوجهه قائلة:
- أنا قلت تمشي يا فارس، يعني تمشي!
قالت سارة بجدية:
- فارس، خلاص. من فضلك خليني أمشي بعد إذنك.
- أنا قلت مش هاتمشي يا سارة. اهدوا بقا وفهموني في إيه؟! ماما، أبوس إيدك، أنا تعبان بجد ومش ناقص. قوليلي في إيه؟!
جلس الجميع وقالت ليلى:
- عايز تعرف في إيه يا فارس؟ اقرا اسمها وانت تعرف في إيه.
- سارة، من فضلك اديني باسبورك؟
- اتفضل.
أخذ فارس جواز سفرها وفتح صفحة البيانات الخاصة بها ونظر إلى الاسم فوجد مكتوب "سارة فوزي الضاهر". تعجب فارس من تلك الصدفة. هل هي حقًا صدفة أم أنه عمل مدبر كما قالت والدته؟ نظر إليها وقال بصرامة واضحة:
- انتي اسمك سارة فوزي الضاهر؟ أبوكي هو فوزي الضاهر، مش كده؟
- أيوا صحيح!
- ليه ما قولتيليش ده أول ما شفتك؟
- أقولك إيه؟ مش فاهمة؟! دخل اسمي واسم بابا إيه بالشغل؟!
- سارة، انتي نزلتي هنا مصر ليه؟
- ليه يعني إيه؟! أنا مش فاهمة، انتو مالكم في إيه؟
- جاوبيني لو سمحتي، نزلتي مصر ليه وبكل صراحة.
أخرجت سارة من حقيبتها من بين تلك الأوراق المبعثرة، ورقة تسجيل في قسم الموسيقى الخاص بدراستها. وأخرجت أيضًا عبر جهازها اللوحي تلك المحادثات بينها وبين مدير شركته بتاريخ شهر سابق، وموعد قدومها إلى مصر بهذا الخصوص وقالت:
- اتفضل. ده أول سبب، هو الدراسة. وده طلب التقديم بتاعي بتاريخ أسبوعين فاتوا. بص هنا كمان، دي المحادثات اللي بيني وبين المدير بتاع شركتك اشرف بيه، وفيه كمان معاد وصولي وتوقيع العقود. المعاد محدد من قبل شهر فات. ده سبب نزولي مصر.
تحقق فارس من صحة كل ما قالته، وأعاد إليها أوراقها وقال:
- ماما، سارة مش بتكذب. سارة ما تعرفش حاجة خالص.
- انت مصدق يا فارس الكلام ده؟ دي زي أبوها، بوشين.
تحدثت سارة إليها بضيق وانفعال:
- من فضلك يا طنط، كفاية. حضرتك عمال تغلطي في بابا من الصبح وأنا ساكتة، ومش فاهمة انتو بتعملوا كده ليه ولا تعرفوا بابا منين أصلًا. عمومًا، شكراً يا فارس، شكراً يا طنط، وكفاية أوي تهزيق لحد كدة. أنا ماشية.
أمسك فارس بذراعها وقال لها بحب بعدما علم أنها شقيقته:
- خليكي يا سارة، أنا محتاج تكوني جنبي.
أفلتت يدها وأزاحت بيده وقالت:
- أنا موجودة في الفندق يا فارس، وقت ما تحتاجني هاتلاقيني. شكراً على كل اللي انت عملته معايا. سلام.
جلس فارس مع والدته ليلى وقال لها بحزن:
- ليه يا ماما عملتي كده معاها؟ ليه؟! سارة فعلًا ما تعرفش حاجة فعلًا. ماتعرفش إنها كانت قاعدة مع أخوها كل ده.
- انت مصدقها يا فارس برضوا؟
- آه يا ماما مصدقها. مصدقها لأني ما شفتش منها حاجة غير الصدق. طول الفترة اللي عرفتها فيها دي، ملاحظتش عليها أي حاجة غير كده. سارة لو تعرف حاجة، كان بان عليها.
- أنا خفت عليك يا فارس. خفت يكون أبوك باعته عشان تاخدك معاها، تاخدك مني تاني زي ما عمل زمان.
بأعين دامعة يملأ وجهه الحزن وخيبة الأمل:
- حضرتك استكترتي عليا يا أمي إنّي ماكنش لوحدي. استكترتي عليا يكون عندي أخت. حتى استكترتي عليا أعرف أي حاجة عن بابا. كل ما أسألك عنه تقوليلي: معرفش عنه حاجة. معرفش هو فين، أنا عايش حتى معرفش إذا كان أبويا عايش ولا ميت. وحضرتك تعرفي، تعرفي إن عندي أخوات ومفكرتيش تقوليلي، وانتي عارفة قد إيه الموضوع ده مؤثر فيا.
رفع يديه يضرب جانبيه متعجبًا لحاله ولما فعله به حب والدته:
- مش عارف أقولك إيه يا أمي، مش عارف أقولك إيه. ربنا يسامحك.
خرج فارس من المنزل حزينًا غاضبًا. تنادي عليه ليلى وهي تبكي نادمة، منفطرة القلب من تلك الكلمات التي اخترقت قلبها فمزقته إلى أشلاء:
- فارس، استنى يا فارس! فارس رايح فين؟ فاااارس!
ركض فارس باكيًا لا يعلم إلى أين يذهب، إلى أن أخذته أقدامه إلى منزل ثريا. ظل واقفًا أسفل تلك النافذة التي دائمًا ما كانت تطل عليه من خلالها بين أحضان الليل وصوت أغصان الشجر، وهدوء الأجواء بين نسمات الهواء النقي.
انتظر طلتها، وبالفعل خرجت ثريا بالصدفة تستنشق الهواء النقي، فوجدته أمامها. ظنت أنه قادم لأجلها. ظلت ترمقه بنظرات الحزن والألم، إلى أن سالت دموعها كالدماء التي تتدفق من الوريد فور إصابته بجرح ما.
طأطأ رأسه إلى أسفل وأدار ظهره إليها. رأته في تلك الحالة، علمت أن هناك خطب ما. ذهبت مسرعة إلى الدرج لتذهب إليه، لكن قد فات الأوان. في تلك الأثناء، أوقف فارس سيارة أجرة وذهب. عندما نزلت ثريا إلى الشارع لم تجده. بحثت عنه يمينًا ويسارًا ولم تجد شيئًا. ظنت أنها كانت تتوهم رؤيته وصعدت إلى الأعلى.
أخرج فارس هاتفه واتصل بسارة عدة مرات ولم تجبه. ظل يتصل بها حتى أجابت وقالت:
- فارس، من فضلك، أنا مش عايزة أتكلم في حاجة.
بتر حديثها قائلاً بحزن:
- ممكن أشوفك شوية؟ بجد محتاجلك أوي يا سارة.
عندما سمعت بكاءه، ارتجف قلبها خوفًا بتلقائية، وقالت:
- فارس، انت بتبكي؟! انت كويس؟ مالك؟ في إيه؟
- انت فين؟ ابعتيلي لوكيشن، أنا هاجيلك.
- أوك، هبعتلك حالا.
وصلته رسالة الموقع في فندق هيلتون رمسيس. أخبر سائق التاكسي بوجهته ووصل إلى الفندق. صعد إلى غرفتها. فتحت الباب وعندما رآها، ارتمى بحضنها وهو يبكي. استغربت سارة وحاولت تهدئته. أبعدته عنها بذوق. هي لا تعلم أنه شقيقها. من هذا الرجل الغريب الذي يرمي بأحضانها دون مقدمات؟ بالرغم من حزن فارس، جعلته تلك اللحظة يبتسم لما فعلته. تأكد من أخلاق أخته وحسن تربيتها وأنها بالفعل لا تعلم من هو.
ساندته وقالت:
- اتفضل يا فارس، اهدى من فضلك. هجبلك حاجة تشربها.
- لالالا، أنا مش عايز أشرب حاجة. أنا عايز أتكلم معاكي شوية.
جلست سارة ثم قالت:
- بعدين يا فارس، مش وقت كلام. أنت شكلك تعبان جدًا.
أخرج فارس من جيبه هويته وأعطاها إلى سارة وقال:
- خدي يا سارة، دي هتفهمك كل حاجة.
أمسكت بها وتطلعت إليها فقرأت الاسم وهي تقول:
- فارس فوزي الضاهر.
ثم توقفت لحظات تستوعب وتردد الاسم. إلى أن نظر إليها وهو يبكي ويبتسم في آن واحد:
- أيوا يا سارة، انتي أختي بجد.
هزت رأسها يمينًا ويسارًا لا تستوعب الخبر. هي لم تكن تعلم أن لديها أخوات من والدها في الأصل. لم يخبرها والدها عن زواجه الأول أو فارس مطلقًا.
قالت باستغراب:
- لأ مش معقول. إزاي؟ أنا ماعندييش غير أخ واحد هو آدم. إزاي انت أخويا؟ بابا عمره ما قالي إن عندي أخ أو إنه كان متجوز قبل ماما. طب ليه يخبئ عليا حاجة زي دي؟ ليه؟
- لو انتي مش مصدقة، أنا عندي استعداد أجيبلك أي إثبات. حتى لو وصلت إني أعمل معاكي تحليل DNA. انتي أختي يا سارة. بصي دي كمان. دي صورتي أنا وبابا وماما لما كنت صغير.
- فارس، أنا مش مصدقة. انت لو أخويا بجد، هاتفضل دي أجمل حاجة حصلتلي في حياتي. ولحد ما أتأكد من ده، هاتفضل بالنسبالي أخ برضوا وأحسن أخ قابلته في حياتي.
- اتفضلي بابوكي يا سارة واسأليه، وانتي تعرفي.
- فعلًا عندك حق.
أمسكت بهاتفها واتصلت بوالدها وقالت:
- الو بابا، مش هاتصدق أنا قاعدة مع مين. مع فارس.
- آه فارس؟ الولد بتاع الشغل اللي حكيتيلي عنه، مش كده؟
- لأ يا بابا، فارس أخويا. أخويا اللي حضرتك خبيته عني طول السنين دي كلها.
- أخوكي؟! انتي وصلتي له إزاي؟! إزاي عرفتي بالموضوع ده؟ سارة ردي عليا، انتي فين؟ أنا جايلك.
- مفيش داعي يا بابا تيجي. أنا موجودة مع أخويا دلوقتي، ماتقلقش عليا.
- سارة، اسمعيني يا بنتي، أنا كنت مضطر أخبي عليكم.
- خلاص يا بابا، هسمعك بعدين وهاسيبك تشرحلي بعدين. المهم دلوقتي إنّي أتأكدت من اللي سمعته. باي.
بعدما أنهت سارة المكالمة، ارتمت بين أحضان شقيقها الذي لم تراه في حياتها. ظلت تبكي وهي تضمه بشدة. ظل فارس معها في الفندق لمدة قاربت الأسبوع، إلى أن تحدثت إليها والدته من قسم الاستقبال وقالت لها:
- سارة، أنا تحت عايزة أشوفك لو سمحتي. بلاش تقولي لفارس.
- طيب، أوك. أنا جاية حالا.
قال فارس وهو يحتسي قهوته الصباحية:
- إيه؟ في حاجة ولا إيه؟
- لأ، عندي حاجة كده هستلمها من الاستقبال، كنت طالباه أون لاين وجاية حالا.
- أوك، ماتتأخريش عشان نفطر سوا.
- أوك.
نزلت سارة إلى قسم الاستقبال وجلست مع ليلى. اعتذرت منها ليلى وقالت لها أن هناك أشياء لم يعرفها فارس جعلتها تتصرف هكذا معها. أخبرتها أيضًا أنها تريد عودتهم إلى المنزل، وتريد التحدث إليهم عما حدث.
وافقت سارة وتقبلت كلامها بهدوء وتقدير، ثم أخذتها معها إلى الغرفة. فتحت الباب وقالت:
- اتفضلي. فارس، عندي ليك مفاجأة. اتفضلي يا طنط.
قام فارس من على كرسيه منتفضًا:
- ماما؟
تحدثت سارة قائلة وهي تضمها إليها:
- أيوا يا سيدي. أنا اتكلمت مع طنط واتفاهمنا خلاص، وهي عايزة تقعد تتكلم معاك.
ركض إليها فارس يضمها إليه وهي تضمه بشدة باكية وتقول:
- فارس يا حبيبي، وحشتني. كده تسيب أمك لوحدها كل ده؟
- حقك عليا يا ماما، أنا آسف. تعالي اقعدي كده واهدي. أنا آسف.
رواية زئير القلوب الفصل العشرون 20 - بقلم سهام احمد
جلس فارس وسارة وليلى.
أخبرتهم ليلى بما حدث معها في الماضي، وكيف أخذ فوزي فارس في صغره وتسبب بموت أمها. وأخبرتهم بكل ما حدث بينهم حتى انفصلوا عن بعضهم.
قال فارس بحزن:
- يااااه، إزاي متقوليليش كل ده يا ماما وتفضلي كاتمة في قلبك؟
- كنت خايفة عليك يا فارس، خايفة لما أحكيلك اللي حصل بينا تكرهه، وخايفة كمان تبعد عني وتروح له.
- يعني فكرك إني صغير ومش واعي للدرجة دي؟ أنا ماليش في الدنيا غيرك، إنتِ أمي وأبويا. إنتِ اللي ربتيني وعشت معاها عمري كله. معقول أسيبك وأمشي لواحد مفكرش يطمن عليا مرة من أكتر من عشرين سنة.
- لأ يا فارس يا ابني، الحق يتقال. أبوك كان بيطمن عليك دايماً من خلال الدكتور خالد صاحبه، واللي كان جوزي في يوم من الأيام. بس أنا سبت خالد، وهو اتجوز وسافر، ومن وقتها منعرفش عنه حاجة غير من كام يوم. سمعت إنه رجع بالصدفة هو وبنته.
- طب ليه مفكرش يجي يشوفني حتى؟ ليه مفكرش إني محتاج لحضن أبويا ووجوده جنبي؟
ربتت سارة على كتفه تواسيه وقالت:
- الكلام ده هو بس اللي يقدر يجاوبك عليه يا فارس. إنت لازم تشوف بابا وتحكي معاه وتسأله عن كل اللي إنت عايز تعرفه.
وقف فارس يرفض بشدة:
- لأ طبعاً، أشوف مين؟ أنا مش عايز أشوفه يا سارة.
- ماتبقاش متسرع يا فارس. المفروض والصحة إنك تسمع منه هو كمان زي ما سمعت من طنط وتفهم أسبابه. أنا عشت مع بابا عمري كله يا فارس وعارفاه كويس، علشان كده بقولك لازم تشوفه.
رفضت ليلى أيضاً بشدة وخوف:
- يشوفه فين؟ إنتِ عايزة ابني يبعد عني تاني يا سارة؟ فارس مش هايروح مكان أبداً. فارس، إنت هاتروحله فعلاً؟
- أهدي يا ماما، أهدي. ماما معاها حق يا سارة. الدور على بابا دلوقتي. هو عرف إني عرفتك وعرفت إنه لسه عايش وموجود. لو هو عايزني ويفرق معاه إني أعرف منه وأسمعه، أكيد هاييجي علشاني. أما لو مش فارق معاه غير وجودك هنا، تأكدي إنك هاتفضلي اختي مهما حصل بيني وبينه.
قالت سارة مستسلمة:
- طيب يا فارس، أوك اللي تشوفه. أنا هنزل بقا علشان اجتماع أشرف بيه بالليل، وإنت كمان حضر نفسك على الموعد.
- تمام، أوك. خلي بالك من نفسك.
عندما كانت سارة تستعد للخروج، أمسكت بزراعها ليلى.
أردفت تنظر إليها باستغراب، ثم قالت ليلى بلطف:
- سارة، ارجعي البيت يا بنتي. ماينفعش تقعدي في فندق وبيت أخوكي الكبير موجود. ارجعي البيت.
نظرت إليها سارة مبتسمة بفرح، وعادت النظر إلى فارس. أومأ برأسه إليها أن تقبل. ابتسمت وقالت:
- أكيد طبعاً، متشكرة يا طنط.
ضمتهم إليها وخرجت إلى صالون التجميل للاستعداد للحفل.
***
في قصر السيد ضاهر رحمه الله، ينادي فوزي بغضب:
- روبا، روبا؟
- نعم يا فوزي بيه.
- قولي لمصطفى يحضر العربية، أنا رايح المطار. بسرعة.
- حاضر، حاضر يا بيه.
خرجت روبا مسرعة لتخبر مصطفى بطلبه. فضربت زوجته سلمى دون قصد عند خروجها من غرفة مكتبه. أوقفتها سلمى تتساءل ما بها:
- على مهلك يا روبا، في ايه؟
- بعتذر يا سلمى هانم، أنا آسفة. فوزي بيه طلب مني أقول لمصطفى يحضر العربية علشان رايح المطار.
- مطار؟! ما قالكش ليه؟
- لأ يا ست سلمى.
- طيب، روحي إنتِ اعملي اللي قالك عليه.
طرقت سلمى باب الغرفة ودخلت إليه:
- فوزي، إنت مسافر والا إيه؟ في حاجة؟
- عرفت يا سلمى، عرفت.
- هي مين اللي عرفت؟ مش فاهمة.
- سارة عرفت بموضوع فارس أخوها.
- إنت بتقول إيه؟ سارة بنتي؟ طب هي كويسة؟ فيها حاجة؟ أنا عايزة أروح لها يا فوزي، أرجوك.
- سارة كويسة يا سلمى، اطمني. بس أنا اللي مش كويس. أنا اللي خبيت عليهم كل ده وحرمتهم من بعض. حتى فارس مشفتوش بقاله حوالي عشرين سنة. أنا مش عارف هايقابلني إزاي بعد العمر ده كله.
- فوزي، إنت مالكش ذنب. إنت حاولت كتير توصله ومامته هي اللي منعتك منه.
- عارف يا سلمى، بس ليلى كانت معذورة برضه.
- إنت بتبررلها يا فوزي؟ إيه عذرها في إنها تحرم ابن من أبوه وإخوات من بعض؟
- أنا مش ببرر يا سلمى ولا حاجة، أنا بقول الحقيقة. أنا هسافر، لازم أواجه فارس وسارة وأتكلم معاهم.
- طب وليه إنت تسافر؟ ما تقوله يجي هنا وواجهه براحتك.
- لأ يا سلمى، ماينفعش. هو اللي يجي دلوقتي. أنا اللي لازم أرحاله. إنما هو يجي بعد كده وقت مايحب ييجي، لكن لازم أنا أروحله على الأقل أشوفه وأملي عنيا منه شوية.
طرقت روبا الباب وقالت:
- فوزي بيه، العربية جاهزة.
- تمام روبا، شكراً ليكي.
بدأت سلمى تشعر بالغيرة من حديث فوزي عن ابنه، وبدأ يتكون داخلها خوف وغيرة على أبنائها من وجود فارس بينهم، أو أنه سيأخذ أملاكه ويتقاسم معهم كل شيء يملكه والده.
لكنها انتظرت أن ترى ما سيحدث أولاً، ولم تستبق الأحداث، وقررت أن تراقب من بعد.
سافر فوزي إلى مصر ونزل بنفس الفندق التي تقيم فيه ابنته، لكنه لم يجدها. وأخبره موظف الاستقبال أنها غادرت الفندق اليوم برفقة أهلها.
علم أنها غادرت مع فارس وليلى، فذهب إلى منزل ليلى ووقف أمام المنزل يتطلع إليه ويستعيد ذكرياته معه. دخل وطرق الباب، فقامت ليلى بفتحه. صدمت من رؤيته وقالت:
- فوزي؟
- إزيك يا ليلى، لسه زي ما إنتِ جميلة، ماتغيرتيش.
وقف ينظر إليها وكأن روحه تسلب منه بالبطيء، فمازالت عشقه الأول والأخير. أما هي فكان عشقها الأول، لكنه لم يظل الأخير بعد اقترابها من خالد لفترة من الزمن.
- إيه اللي جابك يا فوزي؟
- مش هاتقوليلي اتفضل طيب؟ والا خلاص مبقاش في حساب حتى للعشرة اللي كانت بينا.
- لأ طبعاً، إزاي؟ اتفضل، مهما كان البيت كان زي بيتك في يوم من الأيام. وبيت ابني مفتوح لأي حد من طرفه.
دخل فوزي المنزل، لكن سارة وفارس لم يكونوا هناك. استقبلته ليلى وجلس معها، وأخبرته كيف علمت ابنته بالأمر، وقالت له:
- إزاي جالك قلب إنك تخبي عليهم حاجة زي دي كل ده؟ إيه مستخبي من ابنك ومش عايزة يعرف إن ليه أخوات؟ والا مش عايز ولاد الهانم يعرفوا ابن بنت النجار؟
- إيه الكلام اللي إنتِ بتقوليه ده يا ليلى؟ أنا عمري ما فكرت كده. افتكري كام مرة حاولت أتواصل مع ابني وإنتي ترفضيني وتبعديني عنه. عذرتك بسبب الغلطة اللي حصلت مني زمان، وخفت أقسى عليكي علشانه تجرالك حاجة وأكون أنا السبب وأعيش بالذنب طول عمري زي ما إنتي عيشتيني.
- عموماً، مالوش لازمة الكلام دلوقتي. اللي حصل حصل. فارس وسارة مش هنا، عندهم شغل بره وهايتأخروا. عندهم اجتماع مهم أو حاجة كده.
- ماشي يا ليلى، أنا همشي. ولما تيجي سارة وفارس عرفيهم إني جيت وخليهم يكلموني. عايز أقعد معاهم.
- هاتروح فين دلوقتي؟ تقدر تقعد تستناهم. إحنا برضوا بنفهم في الأصول يا فوزي بيه. دي أوضة فارس، وهنا قاعدة سارة. مكان ماتحب تقدر تقعد فيه.
- كتر خيرك يا ليلى، شكراً. أنا هستنى في أوضة فارس لو معندكيش مانع.
- لأ طبعاً، اتفضل. أنا هحضر العشا. فارس وسارة هايتعشوا برا.
- لأ، أنا متشكر بس محتاج أرتاح شوية لحد ما يرجعوا.
- زي ماتحب، اتفضل.
دخل فوزي غرفة فارس، والتي كانت غرفته سابقاً عندما كان يغضب من ليلى، كان يرقد بها. استعاد تلك الذكريات الجميلة التي رغم مرور أعوام عليها، إلا أنها مازالت تتخلل قلبه وعقله كأنها حدثت بالأمس.
تجددت روح العاشق بداخله عندما رأى ليلى، لكنه يعلم جيداً إنه خسرها للأبد. لكن لا مانع من أن يظل قلبه معلق بها، فهو قلبه، ولا سلطان لأحد عليه. حتى إنه لم يستطع السيطرة عليه بعد كل هذه الأعوام. مازال يقفز فرحاً من رؤيتها بالرغم من كلامها القاسي.