توقفنا البارت اللي فات عند مغادرة سما المزرعة والاسطبل الذي كانت تعمل فيه متخفية بوشاحها الأسود خوفا من مضايقات العاملين بالمزرعة. وكانت تسير مع مدام رجاء رئيسة الخدم نحو القصر لتعمل بداخله بديلة عن خادمة سابقة، وهي فرحة ومسرورة من قربها من حبيبها وأن حالها سيتبدل للأحسن. فانهارت مدام رجاء من نظرات العاملين بالمزرعة الذين تفاجأوا من رؤية ذلك الوجه الفاتن لأول مرة، وهم الذين ظنوها إما رجلاً أو مشوهة خلف وشاحها.
وسمعت سما وهي تمر أمامهم همساً ومعاكسات تتغزل بجمالها الفاتن، وظلت الأنظار تلاحقها في دهشة وتغزلاً حتى اختفت من أمامهم ودخلت القصر، وتفاجأت بجماله وتصميمه الرائع. وتوقفنا عند استلامها وظيفتها بالمطبخ وغرفتها الخاصة وهي بحالة نشوة وفرح.
وتوقفنا أيضاً عند ظهور الخادمة الثرثارة هدى التي صادقت سما وتفاجأت بجمالها، وظلت تتغزل في آسر باشا أمامها بطريقة فجة جعلت قلب سما ينفطر من كلامها وحديثها عن عاشقاته ونظرات الكل نحوه وأفعاله. وتوقفنا أخيراً عند ذهابها للبيت القديم بأمر من مدام رجاء لتنظيف وترتيب القصر المطل على الجبل.
وعند استراحتها جلست على المقعد تأخذ أنفاسها، فسمعت صوتاً من خلفها وهي جالسة تستريح افزعها، وقبل أن تلتفت له وانفاسها تتصارع سمعت سؤالاً صارخاً: "من أنتِ… وماذا تفعلين… ومن أتى بك إلى هنا؟ انطقي؟ تقف بفزع لذاك الصوت الرجولي القوي… شيء ما ارتجف بداخلها… إنها تتذكر هذا الصوت، لا حاجة لها للالتفات… حتماً ستصاب بالإغماء، هذا ما فكرت به وهي متجمدة مكانها تعطيه ظهرها ولا تستطيع الالتفات له.
تبتلع ريقها لسماع خطواته المقتربة منها. فجأة اختلط النسيم بعبق عطره المسكر والذي حذرتها منه صديقتها هدى الثرثارة. أغمضت عينيها وشعرها منساب على خديها وكتفيها… تورّد خديها وارتجفت أوصالها، جعل مشاعرها تتخبط. انتشلته من صدمتها صوته القوي ورنة صوته الجذابة ذات البحة المرنة المختلطة بخشونة صلبة. "أجيبيـني من أنتِ…؟ لم ترفع سما رأسها لعلمها بقربه الشديد منها… فهمست بشيء لم تسمعه هي ليسمعه هو.
ليأتيه صوته جاداً: "تكلمي من أنتِ… هل أنتِ خادمة جديدة هنا؟ لم ترفع رأسها لتنظر لملابسها وتتذكر مكانتها، فهي مجرد خادمة… تهمس بحرج: "أجل ياسيدي…! يبتعد آسر عنها ولم يكلف نفسه التعريف بنفسه، فهي المقتحمة لا هو… فخرج صوته بارداً: "اخرجي من الغرفة حالاً… لا أحب هذه الحركات أيتها الطفلة…" لم تستوعب وقوفها بجانبه لتستوعب كلماته الجارحة… أوشكت على الوقوع لولا تماسكها لتبتعد بخطوات مترنحة لا تقوى على حملها.
أغلقت باب غرفته بهدوء لتقع أرضاً واضعة يدها على قلبها من شدة خفقانه. وجلست تهمس بداخلها: "إهدئي ياسما… لقد أهانك للتو… إنه مغرور بحق… إن صورة فارس الأحلام لا تنطبق عليه يا سما… إنسيه… حاولي أن تنسيه وتبعدي هذه الأفكار الخيالية من بالك." فعلاً أحست بشيء من الغدر من مشاعرها الجياشة لحبها لشخص مغرور ومتعجرف مثله… فوقفت تؤنب نفسها وضميرها بشدة.
وتحركت لتنزل للطابق السفلي وتدفن نفسها في أعمال البيت واشغالها… فهي عرفت مكانتها الحقيقية أمام رقي ذاك الضخم المتكبر. لم تره طوال اليوم وهي تنتظر مكالمة من مدام رجاء تعيدها للقصر، فكل برهة تلقي نظرة على الهاتف الأرضي الموصول بغرفة خاصة بالخادمات هناك. رنة واحدة جعلتها تركض لترفع السماعة: "مدام… لقد انتهيت هل أعود للقصر؟ ضحكت مدام رجاء بسخرية وهي
على الهاتف لتردف قائلة: "عجباً… فأول مرة أرى خادمة تريد العودة من مكان يقطنه الباشا بهذه اللهفة…" أطرقت سما رأسها لتتصنع القوة وهي تحدثها: "لقد أنهيت كل شيء يا سيدتي… فلم أجد هدفاً من مكوثي هنا مع الباشا…"
مدام رجاء: "حسناً يا سما… سأرسل السائق… وأنا بالفعل اخترتك لتنظيف بيت الجبل لأنكِ تبتعدين عن حركات وأفعال الخادمات الأخريات… وهذا نظراً لمكوثك مع الرجال لسنة كاملة بدون أن يعرفوا من أنت… فقد كسبتي ثقتي بسرعة… فالباشا يحب الاحترام والجدية في العمل…" أغمضت سما عينيها لتغلق الخط وتنتظر السائق. خرجت من الباب الرئيسي للبيت لتجلس بجانب البوابة تنتظر السائق لكي يعيدها للقصر بقلب يحمل كره سيحل محل حبها لسيدها.
تجلس أمام الباب وتضم نفسها بثيابها الرقيقة تلك… تبدو كأميرة خارجة من قصة. شاهدت السيارة تقترب ليفرح قلبها وتنهض بسرعة لتنظر للسائق… وتقف أمام باب السيارة. لكن ما إن توقف السائق حسن حتى حمل هاتفه وتكلم وكأنه يكلم رئيس البلاد… فرأسه منحنية وينصاع لأوامر أحد ما بكل خنوع. أغلق الهاتف ليفتح زجاج السيارة ويتكلم بخوف: "عودي يا ابنتي للداخل… فقد يحتاج السيد شيئاً ما هنا… سوف أعود فيما بعد… إلى اللقاء."
أغلق الهاتف وهو أمام نافذة غرفته يشاهد تلك الشعلة الذهبية تقف كالصنم متجمدة. لا يعرف لما فعل ذلك… فهذه ليست طباعه… إنها هي بكل تأكيد… تلك الفتاة التي كانت بالحديقة. ألقى بالهاتف بعيداً فوق السرير ليضع يده بجيب بنطاله ويحقق النظر فيها… فلقد كانت كالقطة الوديعة وهي تطرق رأسها أرضاً خائفة منه. لقد استنشق عبيرها منذ دخوله الغرفة… فأسره عبيرها الأخاذ. فيها شيء أشعل شعوره الذكوري بالإمتلاك.
لما أخذ عناء الاتصال بالسائق ليرجعه أدراجه بدونها لتبقى معه… فأكيد هو لا يحتاجها. نفض أفكاره ليبتعد عن النافذة ويشعل سيجارته ليدخن ببطء وكأن أفكاره تسرح بعيداً… بعيداً جداً. أرغمت نفسها على الرجوع لتسب حظها في سرها: "يا إلهي لا أريد قربه بعد الآن… لا أريد رؤيته بعد الآن… ما الذي فعلته بنفسي…" استلقت على السرير المجهز للخدم بجانبه هاتف موصول بغرفته لتلبية طلباته في كل وقت حيث يريد. استيقظت
على صوت الهاتف لتجيب: "نعم يا سيدي؟ فصوته الجدي وراء الهاتف أيقظها من نومها بسرعة لتكتشف أنه الصباح.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!