يقترب وملامحه جادة جدا، كأنه ينتظر شجارًا مع أي كان. يخفف من حدة خطواته وتتضح له الرؤية قليلًا. يرفع حاجبه لتلك المتكومة الصغيرة. جسد أنثوي بدون شك. ثم يقترب أكثر ليقف أمام الكرسي ويضع يده في جيب بنطاله.
ينحني للأمام قليلًا ليميز من هذه المتكومة على ذاك الكرسي في هذا الليل بحديقته. كان وجهها مغطى بشعرها الذهبي الذي زادته هذه الإضاءة الخافتة جمالًا وجاذبية. فلأول مرة ينتابه الفضول لإزاحة ذاك الشعر. وبالفعل مد إصبعه ليزيل الشعر ويتبين له نصف ملامح الفتاة. ثم اعتدل ووقف منتصبًا وعلامات الصدمة بادية على وجهه.
ابتعد قليلًا للوراء وهو يتأمل طريقة نومها. لم يوقظها، اكتفى بالابتسام بسخرية وابتعد ليتابع طريقه للمدخل ليجيب على مكالمة سريعة وينسى ما حصل منذ قليل في جزء من الثانية. أما هي فتستيقظ على لمسات أحد ما. تقوم بفزع متسائلة: "من أنت؟ فيجيبها الرجل الكبير: "أنا عمك حسن، السائق الخاص بآسر باشا يا ابنتي. لمَ تنامين هنا وهكذا في هذا الليل البارد؟ تلتفت سما للمكان وتستوعب ما حصل لتردف بخوف قائلة:
"لقد كان هناك شيء بالغرفة أفزعني، وخفت كثيرًا، ولم أستطع معرفة هويته فخرجت إلى هنا ولم أدري بما حصل. اعتذر." يبتسم السائق حسن ويتكلم بكل حنان قائلًا: "لا عليكي. هيا يا ابنتي، سأريك غرفة أخرى. إن القصر مليء بالغرف. وبعدها اطلبي من السيدة رجاء أن تغير غرفتك، هل اتفقنا؟ تومئ برأسها بالموافقة ليدلها على غرفة ثانية. تنام فيها بكل راحة بعد تأكدها من سلامة الغرفة.
تستيقظ صباحًا لتستقبل يومًا جديدًا من العمل ولم تر أميرها الوسيم بعد، رغم رؤيته هو لها دون أن تشعر، ولا تدري هي من الأساس بما حدث بالليل. كانت ترتب شيئًا ما بالمطبخ لتشعر بضربة خفيفة على ظهرها. تلتفت لتري فتاة في نفس عمرها تقريبًا. تتشقق الفتاة وتصرخ قائلة: "هل أنتي خادمة هنا؟ تبتسم سما على شكل الفتاة المضحك قائلة: "نعم، أنا جديدة هنا. لمَ الصدمة؟ تتحسس الفتاة جبينها وترمش عدة مرات قائلة:
"أنتي حقًا رائعة جدًا. ماذا حدث بالدنيا لتكوني أنتِ خادمة؟ يا إلهي أنتِ جميلة جدًا. رائعة. لا يليق بكِ هذا العمل ولا هذا المكان." تبتسم حينها سما برقة وهي تقول: "شكرًا لكِ هههه، رغم أنكِ أخفتيني." تمد الفتاة يدها لتردف قائلة: "أنا هدى. وأنتي؟ تمد سما يدها: "وأنا سما." تجلس هدى في كرسي بجانبها قائلة: "هل رأيتي آسر باشا؟ أخبريني. ماذا كان يرتدي؟ كيف كانت نظراته؟ تلتفت سما لحمقاء أخرى مثلها لتبتسم وتطرق رأسها:
"لا، لم أرَ الباشا. ليس بعد." تنهض هدى وتتكلم بكل رومانسية: "إنه لا يظهر إلا نادرًا. لم نره إلا مرات قليلة تعد على رؤوس الأصابع. لا يكلمنا مباشرة. نتلقى الأوامر من مدام رجاء. أتعرفين السيدة رجاء تخاطبه فقط في الهاتف. لا تتواصل معه كثيرًا." تضع هدى يديها على قلبها لتردف قائلة:
"إنه كمخلوق فضائي. لم أرَ مثيله في حياتي. مرة ما كنت محظوظة ليمر من أمامي. أتعرفين أسكرني عطره. لم يغادر حواسي لأشهر. ملابسه، شعره، سياراته الثمينة. كل شيء متعلق به راقٍ. أتعرفين لو عرضوا علي العمل موظفة بمكان ما سأرفض لأبقى بجانبه. رغم أني لا أراه مباشرة أو يتكلم معي." تجهم وجه سما وطبول ضخمة تقرع في قلبها. يخرج صوتها خفيفًا: "كل هذا. يبدو أنه محبوب." تصرخ هدى:
"محبوب. محبوب. هههه لقد تخطى مرحلة محبوب هذه، بل قولي صار معشوق. كل العازبات هنا مجنونات به. فلنترك من بالقصر. أتعرفين كم امرأة تحاول إغواءه عندما يقيم حفلة ما. أنا أراهم يوشكون على البكاء ليكلمهم. أنا أتكلم عن الطبقة الغنية الراقية. أما أمثالنا، لا يجب أن ننسج أحلام اليقظة كثيرًا. فنحن مجرد هائمات حالمات لا أكثر. لا نرى ولا يشعر بنا أحد." تبتعد هدى لتهم بالرحيل وتتكلم بجانب مخرج المطبخ الضخم:
"أنصحك بالابتعاد عن الباشا. لا تنصاعي مع القطيع، فستتألمين جدًا لأنه صعب المنال جدًا." تومئ سما بسرعة وتشرع في إتمام مهامها. فأحست بثقل في قلبها لسماع كل ذاك المديح لسيد القصر. أغمضت عينيها لتتنهد وتهمس لنفسها قائلة: "سأنسالك. أنت لست في متناول يدي. أنت بعيد جدًا. لن أؤذي نفسي بعد الآن بحب من طرف واحد. وأبدًا لن أنصاع مع القطيع." وفي تلك اللحظة يفاجئها صوت مدام رجاء ورائها تقول:
"سما، أسرعي للذهاب مع السائق الخاص بالقصر لتنظيف بيت الجبل الصغير. سيزوره آسر باشا في المساء ويحتاج من يخدمه. هيا بسرعة." لم تكن سما سعيدة لذهابها هناك. فقد صممت على نسيانه ولا تريد أي فرصة لرؤيته. استقلت سيارة السائق ليصلوا إلى بيت بعيد شكله مريح شيئًا ما. ودعها السائق عند نزولها لتدخل بعدها ذاك البيت. وكان عبارة عن طابقين وديكوره جميل ومألوف. استغرقها تنظيفه ساعات طويلة.
كانت غرفته آخر شيء ستنظفه. انتهت من كل شيء تقريبًا لتجلس أرضًا وتحل رباط شعرها وتنزع حذائها لتريح قدميها. كان منظرها كلوحة لفنان ما. وشعرها الذهبي ملقى على كتفيها وقدميها الناصعتين البياض. مغمضة العينين تتأوه بخفة من شدة تعبها. لكن صوتًا كالجليد شل حركتها من خلفها: "من أنتِ؟ ومن أتى بك؟ وماذا تفعلين هنا؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!