الفصل 6 | من 8 فصل

رواية شفرة أوڤاميندرا (2)، عالم الخيال " كالثيرا " الفصل السادس 6 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار

المشاهدات
13
كلمة
5,636
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 75%
حجم الخط: 18

وقف عامر أمام حافة الغابة، والظلام يكتسح الأشجار التي اسودّت جذوعها وأوراقها حتى بدت كأنها تنبت من الرماد. كانت الأرض تحت أقدام الجيش موحلة بوحلٍ أسود، لزجٍ، يلتصق بالأحذية ويتشبّث بمن يجرؤ على التقدّم.

قال عامر بصوتٍ خافت:
«غابة النذر أو غابة الموت، لا تخضع إلا للأموات. أيّ كائنٍ حيّ يحاول عبورها...حتمًا يموت فيها.»

رفع حازم حاجبيه وقال:
«طيب ما فيش طريق تاني؟»

عامر:
«لا... أنا كاتب كدا، مفيش غير طريق غابة النذر.»
حازم وقد انتفض فجأة:
«لحظة، بمناسبة الكتابة، هو اللي حصل في حصن الموتى... كان مكتوب؟»
عامر:
«لا.»
حدّق فيه حازم وقال بصوت مرتاب:
«عارف دا معناه إيه؟»
عامر وهو ينظر للغابة كمن أدرك الحقيقة منذ زمن:
«إن العالم بعد ما دخلنا جواه... بقى بيرتجل الأحداث. انت لسه واخد بالك؟».

ابتلع حازم ريقه:
«يعني انت مش عارف هيحصل إيه في غابة النذر... ولا في مملكة الموتى؟».
قال عامر بثباتٍ:
«لا. أنا مكنتش كاتب أي حاجة من اللي حصلت من ساعة ما دخلنا كالثيرا. صحيح الأماكن والكائنات زي ما هي... لكن الأحداث كلها جديدة.»

سأله حازم: «ليه؟».
قال عامر:
«لأننا كسرنا التطابق. لو ركّزت... هتلاقي إنك انت وأوڤاميندرا ودوبين... مش من العالم دا أصلاً.».
تراجع حازم قليلًا:
«يعني... إحنا ممكن نموت عادي في مملكة الموتى؟»
أجابه عامر بصوتٍ مطمئن:
«إن شاء الله لأ... ربنا معانا.»

---

الاستعداد للعبور...

جمع عامر الجيش وقسّمهم إلى كتائب متعددة، ثم وقف أمامهم وشرح تفاصيل غابة النذر: أماكن الأرض المتحركة، الكائنات الخفية، مناطق الظلال القاتلة، والطريقة الوحيدة للبقاء على قيد الحياة.

كان في مقدمة الجيش عامر، وإلى جانبه حازم، والمرأة الحمراء، وقادة الأجناس.

قالت المرأة الحمراء وهي تنظر للظلام الممتد:
«هل سننجو من هذه الغابة؟».

أجابها عامر بصوت لا يُظهر ما في صدره من قلق:
«إن فعلتم ما أخبرتكم به... سننجوا جميعًا.»

دخل الجيش الغابة، وتصاعد الضباب الأسود من بين جذور الأشجار.

عامر:
«أول ما ستواجهونه... مكانٌ يبتلع كل من يسير فوقه. إن شعرتم بأن الأرض تتحرك... اركضوا فورًا.»

تقدّم الجيش بحذر، وكل خطوة تترك أثرًا... ولكن شيئًا لم يحدث.

---

الهدوء المريب...

بعد ساعة من السير، قال حازم وهو يتأفف:
«انت بتشتغلنا يا عامر؟ ما الغابة هادية وزي العسل أهي...»
قال عامر فجأة:
«اشششش.»
حازم:
«إيه؟».
عامر:
«سامع الصوت؟...»
نظر حازم حوله:
«صوت إيه؟ أنا مش سامع حاجة.»
قال عامر وهو يحدق بين الأشجار:
«فيه حاجة بتتحرك حوالينا... أنا حاسس بيها.»
قال حازم بعصبية:
«انت إيه اللي كاتبه طيب؟ قولي... مش عايز مفاجآت تاني.»
قال عامر:
«اللاشيء.»
حازم: «يعني إيه؟»

ولم يُمهله شيءٌ ليكمل.

صرخ الجنود في الخلف...
ركض عامر بأقصى سرعته، وحين وصل وجد أربعة منهم صرعى، بلا جروح، بلا دماء...
ميتة صامتة كأن الحياة توقفت فجأة داخلهم.

سأل أحد الجنود المرتجفين:
«ماذا حدث؟!»

فقال أحدهم:
«لم نرَ شيئًا! كانوا يسيرون بيننا... ثم ماتوا دفعة واحدة!».

ومن بعيد... جاء صوت حازم صارخًا:
«الحقني يا عامر!!!».

التفت عامر فورًا، لكنه لم يرَ حازم.

حازم اختفى....

---

ركض عامر في كل الاتجاهات وهو ينادي:
«حااااااازم!!!».

ولكن لم يجبه إلا صدى صوته.

تحجّر جسده لحظة... ثم عاد يسمع صوت حازم يأتي من جهة ما داخل الغابة. أمر الجيش بالتوقّف، وأخذ معه بعض الأسافير وانطلق خلف الصوت.

كان الصوت يقترب كلما اقترب...وينادي كلما توقف عامر... كأن شيئًا يقوده عمدًا إلى مكانٍ ما.

حتى وصلوا إلى منطقة خالية من الأشجار.

وفجأة...
سكت الصوت.

حاول عامر الإنصات... ولكن لا شيء.

ثم... اهتزّت الأرض تحتهم.

صرخ أحد الأسافير:
«تتحرك! اركضوا!»

لكن الوقت كان قد فات.

انشقت الأرض كفمٍ أسود... وابتلعتهم جميعًا.

سقطوا في ظلامٍ لا ينتهي، قبل أن يستقروا في قاعةٍ عميقة لا ينيرها سوى الضوء الخافت الخارج من رؤوس الأسافير، التي أضاءت تلقائيًا.

---

مسكن اللاشيء

قال أحد الأسافير بصوتٍ مذعور:
«أين نحن؟!»

عامر وهو يتأمل الجدران السوداء التي تتحرك كأنها لحم حيّ:
«في باطن الأرض... مسكن اللاشيء.»

ارتجف الأسافير:
«اللاشيء؟!».
«أجل... خفاء يقتل دون أن يُرى أو يُلمس. أعلم جيدًا أين نحن... لكن لماذا لم يقتلنا؟، ولماذا أحضرنا هنا؟، هذا ما لا أعرفه...»

وفجأة... سُمع صوت خطوات... ضخمة... ثقيلة... تقترب.

تجمّع الأسافير حول عامر، ورفعوا رماحهم.

ومن الظلام... ظهر ميتٌ يمتطي عنكبوتًا هائلًا، حجمه كحجم بيت، عيونه حمراء مرعبة.

قال الميت بصوتٍ أجوف:
«الأسافير.».

فتح العنكبوت فكيه... وأطلق شبكة سوداء هائلة غطّت الأسافير جميعًا، وخنقتهم حتى انقطع صراخهم.

ثم نظر الميت إلى عامر وقال بهدوء:
«أحسنت يا عامر... لم تترك صاحبك. تعال معي.»

قال عامر بغضبٍ:
«إلى أين؟، لن أذهب إلى أي مكان... حتى أرى صديقي سالمًا.»

أجابه الميت:
«ستراه.».

ثم أشار إلى العنكبوت فأطلق شبكة أخرى قيدت عامر بالكامل، وسحبته إلى ظهره، وسار به في الظلام.

---

"مملكة الموتى..

سار العنكبوت يومين كاملين، لا يتوقف إلا لحظات قصيرة، وعامر عاجز عن الحركة، عاجز حتى عن شدّ أنفاسه بحرية.

ثم ظهرت أمامه قلعة سوداء عظيمة، تقوم على قمّة جبلٍ ضخمٍ، وعلى أطرافها ينتشر آلاف العناكب الضخمة، وجيش هائل من الموتى يحرسون الأسوار.

عند البوابة، نزل الميت وجرّ عامر على الأرض حتى أوصله إلى قاعةٍ واسعة تتدلّى من سقفها سلاسل طويلة، وتحت قدمي عامر أرضية زجاجية.

أزيلت الشبكة عنه... لكنه ظلّ عاجزًا عن الحركة.

رفع رأسه... فرأى شيئًا جعله يصرخ:

«المرجاااز!!»

وحين أدار وجهه... رأى ملك الموتى على عرشه.
مهيبًا... يرتدي بنطالًا أسود، وعلى رأسه تاجٌ ذهبي، وعرشه مصنوعٌ من جماجمٍ وعظام مصقولة.

وإلى جواره...
كان دوبين.

قهقه دوبين وقال:
«أجل أنا... كنت تظن أنك ستفلت مني؟».

عامر:
«قتلت أوڤاميندرا؟»
دوبين:
«للأسف لا... طعنني وهرب قبل أن أقتله.».

اقترب ملك الموتى ولمس وجه عامر بيده الباردة ثم نظر إلى جنوده، وقال:
«بشريٌّ حيّ؟! ألم تخبروني أن البشر قد انتهوا؟!»

قال دوبين:
«لا يا سيدي، هذا من عالمٍ آخر... عالمٍ مليءٍ بالأحياء، يخططون لغزو عالمكم وقتل جميع الأموات.»

نظر ملك الموتى نحو المرجاز، حيث ظهرت بوابة عالم عامر بالفعل، ثم قال بغصبٍ:
«أنتم!، تقتلون الأموات؟»

عامر صاح:
«إنه يكذب!»
دوبين:
«بل أنت.»

عامر:
«هم لا يخططون لغزو أحد... ولا يعرفون بوجودكم أصلاً.»

دوبين:
«إذًا... افتح البوابة. أثبت لهم أنك لست كاذبًا.»
عامر:
«لا أستطيع...المفتاح مع أوڤاميندرا.»

دوبين:
«إذن أعطني الكتاب لنحضره.»
عامر:
«لن أعطيك الكتاب.»

---

فكّر عامر بسرعة... وابتسم ابتسامة صغيرة.

قال:
«سيدي ملك الموتى... سأعقد معك صفقة.»

قال الملك ساخرًا:
«صفقة؟، بشريٌّ حيٌّ حقير يريد أن يملي علينا شروطه، افتح البوابة وإلا سأقتلك بيدي؟».

قال عامر:
«ليست شروطًا... بل اتفاقًا.»

صرخ دوبين:
«إنه ماكر! يريد خداعك!»

فأشار الملك له بحدة:
«اصمت. كلمة أخرى وسأقتلك أنت أيضًا.»

ثم نظر لعامر:
«تابع... لكن لا تختبر صبري.»

عامر:
«سأجعلك تدخل عالمي من هذه البوابة.»
الملك:
«الآن؟»
عامر:
«لا... المفتاح مع أوڤاميندرا. سأجده في كالثيرا.»

الملك:
«أريد المفتاح بسرعة.»

عامر:
«لكن... أريد أن أرى صديقي.»

أشار الملك لجنوده.
فجاؤوا بحازم مقيدًا بالسلاسل ورموه أمامهما.

قال حازم بانفجارٍ غاضب:
«الله يخربيتك ويخربيت رواياتك وبيت اليوم اللي اديت فيه الرواية الزفت دي لأوڤاميندرا!!»

عامر:
«يعني انت اللي عملت كدا... قاصد؟!»

حازم:
«آه... سامحني. كنت عايز أعملك مفاجأة... وبعد كدا الموضوع قلب جد... خفت أقولك.»

صرخ عامر:
«يعني اي؟، وحياة ابني وحياتنا من امتا بقت ضحك وهزار بالنسبالك؟! انت إنسان غبي... وهتفضل طول عمرك غبي!»

نظر حازم إلى الأرض وقال بصوتٍ مختنق:
«أنا فعلاً غبي... علشان مرضيتش أسيبك. غبي... علشان ضيّعت سنين عمري علشانك... وكنت فاكرك صاحبي وأخويا... وفي الآخر تقولّي إني غبي.»

قال عامر بغضبٍ مرير:
«الزفت اللي إحنا فيه دا... آخر ما بيني وبينك.».

لم يردّ حازم... وظلت عيناه معلّقتين بالأرض.

قال ملك الموتى ببرود:
«هل انتهيتم؟، أريد المفتاح... وإلا قتلتكم قبل أن أقتل بقية الأحياء في عالمكم.»

عامر:
«سنحضره لك... لكن سيأتي حازم معي.»

الملك:
«وما الذي يضمن عودتكما؟»

عامر:
«بوابة عالمي هنا... لن نعود إلا عالمنا إلا من خلالها.»

الملك:
«لا.»

فقال عامر بذكاءٍ:
«إذن... خذ هذا الكتاب. ولكن لا تعطه لهذا الوغد... سيخدعك.»

حدّق ملك الموتى في دوبين طويلًا... ثم قال:
«سأصدّقك مؤقتًا... لكن إن خالفتني... سأجعلكما تتمنيان الموت ولا تجدانه.»

عامر:
«طريق خروجنا بين يديك... سنعود بالمفتاح. الآن يجب أن نرحل.»

قال الملك لجنوده:
«رافِقوهما.»

فقال عامر بسرعة:
«بمفردنا.»

توقف الملك... ثم قال:
«حسنًا... ولكن إن رأيتك تلهو، أظنك تعلم ما سأفعله بكما.»

---

خرج عامر من قلعة الموتى، وخلفه يسير حازم، يرافقهما جنديٌّ في غابة النذر ليخرجهما سالمين. سار الاثنان في صمت متوتر، الخصام واضح بينهما، والهواء المحيط بهم يثقل أنفاسهما.

عامر كسر الصمت أخيرًا:
«أنا آسف إني قلت كدا وعليت صوتي.»

حازم: «تمام.»
عامر عبّر عن استيائه:
«يعني إيه تمام؟ ما انت برضه يا حازم دخلتنا في العالم الأسود دا، وانت عارف إن حياة ابني في خطر، ومفيش رفاهية للهزار.».

حازم أجاب بصدق: «ابنك زي ابني يا عامر، أنا مستعد أموت علشانه. أنا مكنتش أعرف إن كل دا هيحصل، أنا آسف.»
ابتسم عامر بخفّة:
«حصل خير يا حزوم، المهم خلينا نشوف هنعمل إيه في المصيبة اللي احنا فيها.»

حازم توقف لحظة وفكر: «لحظة، أنا لسه مستوعب، هو عايز مفتاح البوابة ليه؟».
عامر:
«علشان يدخل ويقتل كل الأحياء في عالمنا.»
حازم:
«الأحياء!!، عالمنا!!»
عامر:
«اه، دوبين أقنعه بكدا.».
حازم:
«وانت هتديه المفتاح بكل سهولة كدا؟»
عامر: «أكيد لأ.»
حازم: «طيب، إيه خطتك؟»
عامر: «لازم نلاقي أوڤاميندرا، الخطة مش هتحصل من غيره.».
حازم:
«وده هنلاقيه فين؟»
عامر:
«هنرجع للمكان اللي كنا فيه.».
حازم:
«طيب والجيش اللي سايبينه في الغابة؟».
عامر:
«لو رحنالهم ولاقونا لسه عايشين مش هيصدقونا وهيقتلونا.»
حازم:
«وطيب ولو هما لاقونا؟»
عامر:
«هيقتلونا برضو.»
حازم:
«ولو مرجعناش بالمفتاح للرجل الميت هيموتنا برضو.»
عامر:
«مظبوط.»
حازم بصوت خافت:
«ممكن أسألك سؤال؟»
عامر: «إيه؟»
حازم:
«برودك وانت بتتكلم عن موتنا كدا بكل سهولة دا.. جايبه منين؟»
عامر بابتسامة هادئة:
«علشان يا حازم، احنا مش في الهوا، احنا معانا ربنا. أموات بقا مش أموات مش هتفرق.».
حازم:
«معاك حق، يا رب استرها معانا.»

تابعا طريقهما، وبعد أكثر من يومين، خرجا من غابة النذر وسارا بمفردهما، يتركان أثر خطواتهما على أرضها، متجهين نحو الأمل الأخير.

حازم بتردد:
«تفتكر هنلاقي أوڤاميندرا في نفس المكان؟».
عامر:
«هنحاول، مفيش أمل غيره.»

وبعد السير في الاتجاه المرغوب لبضعة ساعات..
توقف عامر فجأة:
«كنا هنا بالظبط...»
حازم:
«تمام، أوڤاميندرا بقا هرب في أي اتجاه.».
عامر:
«دوبين كان واقف هنا وهو مقيد أوڤاميندرا في الاتجاه اللي هناك، وأوڤاميندرا طعن دوبين زي ما قال... وبالتالي أعتقد إن أوڤاميندرا مزق قيوده وركض باتجاه دوبين هنا، وطعنه وبعدين جري من الاتجاه اللي كان ورا ضهر دوبين... يعني المفروض نمشي كدا...»
حازم:
«مفهمتش حاجة، بس تمام يلا بينا...»
عامر متألمًا:
«بسرعة، ابني بيموت... أنا قلبي واجعني على طلحة، يا رب احفظه بحفظك ونخرج من هنا على خير...»
طمئن حازم عامر:
«اتطمن يا صاحبي، ابنك هيكون بخير، ولو على موتي... بس تجوزني أختك.»
عامر ضاحكًا:
«اتلم ياد، ماتجيبش سيرتها غير لما تتجوزوا.»
حازم:
«حاضر ماشي يعني هتجوزني أختك؟»
عامر مبتسمًا:
«مفيش فايدة.»

أكملا الطريق على عجلة، يتلفتان في كل مكان بحثًا عن أوڤاميندرا، وعندما لم يجداه توقفا.

عامر:
«محتاج أقعد أفكر، تعالى نقعد هنا.»
حازم:
«ماشي.»
عامر:
«يا ترى رحت فين يا أوڤاميندرا؟، يا ترى لسه عايش ولا ميت»
حازم:
«ماتيجي نقعد هناك علشان الدنيا برد.»
عامر:
«هناك فين؟»
حازم:
«في البيت اللي هناك دا.»

التفت عامر بحذر: «بيت!، تعالى ورايا. أكيد أوڤاميندرا هنا.».
ذهبا إلى البيت، نادى عامر بحذر: «أوڤاميندرا... أنا عامر، إذا كنت بالداخل اخرج إلينا.»

صمت المكان، لم يجب أحد، لكن بعد لحظة، ظهر أوڤاميندرا، وتبادلوا النظرات.
عامر:
«الحمد لله.»
أوڤاميندرا:
«أين كنتما؟، بحثت عنكما كثيرا».

حازم:
«واضح يا عم بروسلي، أومال لو مكنتش مستخبي»

عامر: «اتلم يا حازم مش وقته»

ثم وجه كلامه لأوڤاميندرا:
«سأحكي لك كل ما حدث، وما سيحدث.»
أوڤاميندرا:
«ما سيحدث؟!»
عامر:
«نعم، نحن في ورطة كبرى...»
أوڤاميندرا:
«أخبرني.»

حكى عامر له عن دوبين والمفتاح وتهديد عالمهم، وكيف أن أي خطأ قد يكون قاتلًا.

أوڤاميندرا:
«إذًا هو يريد المفتاح مقابل أن نعبر من البوابة، ويعبر بجيشه معنا.»
عامر:
«بالظبط.»

حازم ساخرًا:
«اه ويقتلنا ويدخل من البوابة ويروح يقتل أهلنا والناس كلهم. براڤو عليك خطة جميلة.»

أوڤاميندرا:
«لا أعتقد أن عامر يقصد هذا.»
عامر:
«شايف الراجل اللي بيفهم.»
حازم:
«طيب احكي، إيه الخطة؟»
عامر:
«سنخرج من بوابة عالمنا برفقة ملك الموتى وجيشه، ولكن قبل أن يخرج جيشه خلفه، سنفتح بوابة لعالم آخر ندخلهم فيه، ثم نغلق البوابة الأولى في وجه بقية الجيش، وهكذا نرسلهم إلى عالم آخر للأبد.»

أوڤاميندرا:
«جيد، ولكن دوبين يعرف أمر العوالم، سيكشف خطتنا.»
عامر:
«هذا دورك، عندما نذهب إلى ملك الموتى يجب أن تنقض على دوبين وتتشاجر معه، وأنا سأخبر ملك الموتى أن البوابة لن تُفتح حتى يقتل دوبين أولًا.»
حازم:
«وطيب، لو دوبين مامتش؟»
عامر:
«لازم يموت، لو مامتش هقتله أنا، يا أنا يا هو.»

انطلقوا جميعًا نحو غابة النذر، وكان الجنديُّ بانتظارهم، عبروا الغابة، حتى وصلوا إلى قلعة الموتى، ووقفوا جميعًا أمام ملك الموتى.
عامر:
«لم أتأخر كما أردت، وأوفيت لك بعهدي.»
ملك الموتى:
«أحضرت المفتاح؟»
عامر:
«أجل، ولكن يجب أن يموت دوبين حتى تفتح البوابة لنا...»

في هذه اللحظة، انقض أوڤاميندرا على دوبين، ودار بينهما شجار عنيف. احتدم القتال حتى تمكن أوڤاميندرا من تقييد دوبين بقواه السحرية وأجبره على الموت كما خططوا.

عامر إلى ملك الموتى:
«الآن سنفتح البوابة، ولكن لن يدخل الجيش مرة واحدة، سننظم خروجهم عبر البوابتين.»

تم تنفيذ الخطة بدقة، فبعد أن دخل ملك الموتى وبعض جنوده أغلق عليهم البوابة، ثم أغلقوا البوابة الأولى في وجه بقية جنوده، أغلقت البوابات تمامًا، واختفت عن الأنظار كما طلب عامر من أوڤاميندرا.

عامر نظر إلى أوڤاميندرا وعانقه، شاكرًا له شجاعته وتفانيه، والذي رفض الرحيل قبل الاطمئنان على سلامة طلحة.

توجهوا إلى المستشفى، حيث ركضت خولة لتحتضنه، وعانقته أمه وأخته تسنيم، وقد عاد طلحة إلى وعيه بعد إعطائه الترياق. الفرح ملأ الغرفة، والابتسامات عادت إلى وجوه الجميع.

عامر لاحظ خولة، عيناها ذابلتان من البكاء وجسدها نحيل من قلة الطعام والشراب، فاحتضنها وقال:
«أنا آسف، أنا السبب في كل دا.»
خولة بنظرة حب:
«أنت بطل... غامرت بحياتك لتنقذ ابننا، أنت كل شيء جميل، وكل شيء جميل بوجودك.»

---

على الجانب الآخر كان حازم واقفًا يحدّق في تسنيم بنظرة يملؤها الرجاء والتوتر، يحاول جمع شجاعته قبل أن ينطق أخيرًا:
«ازيك يا تسنيم، أخبارك اي، وأخبار شغلك في المستشفى».

فابتسمت له ابتسامة خفيفة، وقالت بلهجتها الهادئة التي فاجأته:
«الحمد لله يا حازم، شكرا ليك...عارفة عامر ممرمطك معاه وانت أصيل عمرك ما سبته لوحده لحظة».

تجمد حازم في مكانه، وكأن الزمن توقف. لم يتوقع منها كلمة الشكر، ولا ذلك اللطف الذي طالما حلم أن يسمعه منها، فبدا مذهولًا غير قادر على الرد.

وقطعت أمه شروده وهي تناديه بنبرة ضيق واضحة:
«حازم!»

ظل واقفًا في عالم آخر، لا يسمع إلا صدى صوت تسنيم في رأسه، فارتفعت نبرة أمه أكثر: «حاااازم! مالك؟... انت يا زفت يا آخرة صبري!»

انتفض من شروده قائلًا:
«نعم يا ماما... دايمًا كدا تبوّظي لحظاتي السعيدة».

نظرت إليه بنفاد صبر، مشيرة بيديها نحو عامر وأسرته: «انت ياد ماعندكش دم؟ مش شايف قدامك أب وأم وأطفال؟ عايزة أشوف ولادك قبل ما أموت».

أطلق حازم جملة ارتجالية دون تفكير:
«ما تقلقيش... هتشوفيهم قبل ما تموتي إن شاء الله».

ثم أدرك فجأة ما قاله، ونظر حوله ليجد الجميع يحدّق فيه، فقال وهو يحاول إصلاح عبارته: «لأ... مش قصدي تموتي إن شاء الله... هي ركبت غلط بس قصدي صح... قصدي قبل ما تموتي إن شاء الله هتشوفيهم».

أمسكت أمه رأسها بتأفف: «انت ياد هتجلطني! أصحابك اللي زيك اتجوزوا وبقى عندهم عيل واتنين وتلاتة طولك».

فقال مستسلمًا:
«حاضر يا ماما».

سألته فجأة:
«إيه رأيك في فوزية بنت عمك؟»

اتسعت عيناه رعبًا:
«فوزية!!! فوزية إيه يا ماما... انتي عارفة فوزية دي كنا مسمينها إيه وإحنا صغيرين».

تدخل عامر بسرعة وهو يشير إلى الأطفال: «خلاص يا حازم... فيه أطفال».

لوّح حازم بيده:
«ماشي مش هقول... بس لو كانت آخر واحدة في الدنيا... أنا مستحيل أتجوز فوزية بربورة».

همس عامر بضيق:
«غبي... الله يخربيتك».

حاولت أم حازم تجميل صورة فورزية:
«يا ابني دي كبرت ونضفت وبقت عروسة... الناس بتموت بعض عليها».

أجابها بلا تفكير:
«يموتوا بعض على فوزية!! دي بربورة».

كرّر عامر زجره: «يا ابني خلاص».

وفي هذه اللحظة اقتربت هاجر، ابنة عامر، وسألت ببراءة أربكت الجميع: «يعني إيه مرمورة يا بابا؟».

انحنى عامر نحوها:
«دي كلمة عيب ماينفعش نقولها يا حبيبتي».

ردّت بلطف:
«حاضر يا بابا... وحشتني أوي... جبتلي معاك آيس كريم؟».

لم يتمالك نفسه من ابتسامة حنان:
«وانتي كمان وحشتيني أوي... وإحنا ماشيين هجيبلك آيس كريم إنتي وعائشتي حبيبتي... هو بابا عنده مين يجيبله حاجات حلوة غيركم يا روحي؟».

فجأة صدر صوت غيرة خافتة خلفه: «صحيح».

التفت ليجد خولة تحدّق فيه، فابتسم واقترب منها يعانقها ويقبّل رأسها قائلاً:
«أما انتي بقا، فانتي عمري يا خوختي... وكل حاجة في الدنيا دي... ربنا يخليكي ليا».

همست بنبرة فرحة:
«مش هتتركنا وتذهب لأي مكان تاني... صح؟»

فأجاب بلا تردد:
«أوعدك مش هعمل كدا أبدًا».

وبينما كانت أجواء الأسرة تمتلئ بالدفء، قطع حازم الصمت وهو يتقدم بخطوات مرتبكة قائلًا:
«يا جماعة... بالمناسبة السعيدة واللحظة العائلية الجميلة دي... أنا كنت عايز أقول حاجة... بعد إذنك يا عم السيد».

نظر إليه أبو عامر بهدوء الأب:
«اتفضل يا ابني».

ابتلع حازم ريقه وقال دفعة واحدة:
«أنا بطلب منك إيد بنتك... تسنيم».

اتجهت الأنظار كلها نحو تسنيم، لكنها ظلت واقفة، لا تجيب ولا تنظر إليهم، مما زاد توتر الموقف.

ردّ أبو عامر أخيرًا بنبرة عقلانية:
«طيب يا ابني... الحاجات دي ما بتجيش كدا. نرجع ونرتاح الأول... إحنا بقالنا أيام هنا».

خفض حازم رأسه:
«أكيد طبعا يا عمي... فاهمك... أنا اخترت وقت غير مناسب... آسف».

وبعد فترة قصيرة خرج الجميع من المشفى، ورحل أوڤاميندرا إلى عالمه وذهبت كل أسرة إلى بيتها، بينما بقي عامر مع حازم قليلًا في الخارج.

قال عامر وهو يراقب صديقه:
«إيه الابتسامة اللي على وشك دي؟»

توهّج وجه حازم فرحًا: «قالتلي شكرا... قالتلي شكرا... أعععععععععع!»

نظر إليه عامر بلا اكتراث:
«عادي على فكرة».

صرخ حازم قلقًا:
«يعني دا مش معناه إنها...؟»

قاطعه عامر:
«حازم يا حبيبي... تفتكر فيه أنثى دماغها بالبساطة دي؟، تفهمها من كلمة شكرا؟»

اقترب حازم أكثر:
«طيب... هي أختك وقريبة منك... أكيد فاهمها... قولي... هتوافق ولا... هترفض؟»

أجابه عامر منهكًا:
«بص يا حازم... أنا تعبان ومش مركز... نرتاح زي ما قال بابا ونشوف الحاجات دي على مهلنا».

تنهد حازم مستسلمًا:
«حاضر».

عاد كل منهما إلى بيته، ودخل عامر مع خولة غرفتهما بينما توجه الأطفال لغرفتهم. جلست خولة، ومد عامر رأسه في حجرها، فمررت أصابعها بلطف بين خصلات شعره قائلة: «اشتقت إليك».

رفع رأسه قليلًا وقال مبتسمًا:
«كنتي بتتكلمي مصري حلو أوي... رجعتي للفصحى».

سألته بخفة:
«وهل الفصحى سيئة؟»

ضحك وهو يجيب:
«بالطبع لا... أنا أحب لغتنا العربية الفصحى... بس بحب أسمع الكلمة دي بلهجتنا المصرية».

غمرتها الدهشة: «كلمة إيه؟».

نظر إليها بنصف ابتسامة: «والله!... بقيتي مكّارة... تسنيم بوظت أخلاقك».

ازداد احمرار وجهها:
«تقصد... وحشتني؟»

فقال وهو يضم وجهها بين يديه: «وإنتي وحشتيني أوي... بحبك يا خولة».

فأجابته بصدق:
«وأنا بحبك أوي يا عامر... ما تبعدش تاني».

ضمّها أكثر وقال:
«أنا عمري ما تعمدت أبعد عنك... ولا بقدر أصلا... الحياة من غيرك باهتة... عديمة القيمة... ملهاش أي لون ولا طعم... ربنا ما يحرمنيش منك أبدا يا خولة».

ومع كل كلمة كانت دموعها تقترب، حتى قالت بصوت يفيض عشقًا:
«آمين... أنا معاك لحد الموت».

تجهم وجه عامر:
«بلاش موضوع الموت دا».

اعتذرت بهدوء:
«حسنًا... آسفة».

عامر:
« على فكرة بابا وماما بيحبوا طلحة أوي... كانوا هيموتوا من الخوف عليه...».

ثم انتبه لصمتها فجأة:
«سكتي ليه؟».

لم ترد. وعندما التفت إليها وجد الدموع تتجمع في عينيها.

اقترب منها بسرعة، ورفع وجهها بيديه ثم ضمّها إلى صدره:
«مالك؟ قولي بتبكي ليه؟».

انطلقت الكلمات من قلبها، محملة بكل ما أخفته طويلًا:
«اشتقت لأمي... تركتها وتركت عالمي كله من أجلك... ولن أندم على ذلك أبدًا... وحرمت نفسي من رؤيتها حتى لا نعود إلى ذكريات سارة وغرناطة وأحلامك المزعجة،... ولكن... أشتاق إليها كثيرًا... كنت كل يوم بعد نومك أظل مستيقظة... أتذكرها وأبكي».

ضم عامر رأسها أكثر، وهمس بلطفٍ يمسح الألم عن قلبها:
«حقك عليّا يا روحي... أنا السبب في كل دا... أوعدك هنروح ونشوفها... البوابة لسه موجودة... ومعايا مفتاح من مفاتيح عالم الماضي... نقدر نروح ونرجع في أي وقت... حتى لو كل يوم... تروّحي تطمني عليها... هعملك كدا».

رفعت عينيها إليه:
«حقًا؟»

ابتسم لها وهو يمسح دمعتها: «أه طبعا... بس بلاش تبكي علشان خاطري... وكل اللي نفسك فيه هعمله... هو أنا عندي كام لولو في حياتي يعني؟»

ألقت نفسها في حضنه:
«أحبك... أحبك... أحبكككك».

ثم تساءلت بقلق:
«وماذا عن أمك وأبيك؟ لن يوافقوا».

قال بثقة: «لن نخبرهم».

سألته بفضول: «هل سنأخذ أطفالنا معنا؟»

هز رأسه رفضًا: «لأ... مش عايز عقولهم تتشتت... لسه صغيرين على الكلام دا».

وافقت: «معك حق».

ثم نظر إليها وقال: «والآن؟»

خولة: «والآن ماذا؟، انتظر، أنا أعرف هذه الابتسامة الماكرة جيدًا... حسنًا ولكن أولاً... أريد سماع كلامك الجميل... أشعر أنك لم تعد تحبني».

ضحك وقال:
«مش بقولك... تسنيم علمتك المكر».

ثم اعتدل قليلًا وأضاف: «طيب... هقولك شعر أنا كتبته ليكي... وكنت ناوي أقوله... بس حصل اللي حصل».

تهللت ملامح خولة: «أجل... أحب الشعر... هيا أسرع... لكن... تعانقني الأول».

ضمها عامر برفق، وبدأ يلقي شعره:

إِنِّي أُحِبُّكِ عامِدًا مُتَعَمِّدًا
مُتَحَذِّرًا مِنْ كُلِّهِمْ إِلَّاكِ

وَأَنا المُتَيَّمُ في جَوَى مَحبوبَتي
وَالقَلْبُ غادَرَ أَضلُعِي وَأَتاكِ

قَد كُنْتُ صَدًّا في الهَوَى مُتَمَرِّدًا
وَأَراهُ مَحضَ مُصيبَةٍ وَهَلاكِ

أَقْسَمْتُ أَنِّي هاجِرٌ سُبُلَ الهَوَى
وَحَنِثْتُ في قَسَمِي وَذُقْتُ هَواكِ

سَيفِي الَّذي قَصَمَ الظُّهُورَ بِنَصلِهِ!
يَبكِي وَيُعلِنُ أَنَّهُ يَخْشاكِ؟!.

عَيْناكِ حَربٌ لَمْ تَضَع أَوْزارَها
وَيْحِي إذا حَلَّت بنَا عَيناكِ.

مُستَسلِمٌ وَبِلا شُروطٍ هَا أَنا
أنا فَارسٌ قَد صَارَ مِن أسرَاكِ

إِنِّي أُحِبُّكِ طِفْلَةً وَحَبيبَةً
فَتَدَلَّلي في قَلْبِ مَن يَهْواكِ

وَصَفَعتُ وَجهَ المُستَحيلِ بِعَهْدِنا
لا مُستَحيلَ وَوِجهَتي إِيَّاكِ

سُبْحانَ مَنْ قَسَمَ الجَمالَ بِعَدلِهِ!
وَبِكُلِّ أَصْنافِ الجَمالِ كَساكِ!

عِ، يا زَمانُ، فَلا فِراقَ يُخيفُنا
وَاحذَرْ جَسارَةَ عِشْقِنا الفَتَّاكِ

وعندما انتهى، رفعت خولة رأسها نحوه بعيون تلمع من التأثر، وقالت بنبرة تذوب عشقًا:
«ماذا فعلت بي... أنا أضعف أمام كلماتك... من كان يتخيل يومًا... أن خولة الجاسوسة الصليبية التي جاءت لقتل عامر... تجلس الآن وتسكرها كلماته الساحرة... أعد ما قلته مرة أخرى يا حبيبي».

وهكذا، عادت الأسرة إلى بيتها، لتستقر في هدوءٍ وسكينة، يملؤهما الحب والدفء بعد رحلة مليئة بالمخاطر والصراعات. الضحكات ملأت الأرجاء، والألفة بين أفراد الأسرة أعادت الحياة إلى كل زاوية، مؤكدين أن الحب والوحدة والوفاء أقوى من أي تهديد، وأن السعادة الحقيقية تكمن في اللحظات البسيطة المشتركة مع من نحب.

---

ولكن القصة لم تنتهي بعد، بل ما زالت في أسطرها الأولى..

" أتمنى من حضراتكم إذا عجبتكم الرواية وشفتوا إنها تستحق سواء الجزء الأول أو الثاني دا إنكم تعرفوا الناس بيها أصحابكم مثلا أو الناس في الجروبات ... محدش يعرفني غير حضراتكم ودا كفاية عندي طبعًا، بس خليني أطمع في ريڤيو صغير قد كدا عنها للناس🤏😁❤

جُزيتم الفردوس 🤲❤

•|مُصْطَفَى النَّجَّار|•

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...