رد أوڤاميندرا بوجهه الهاديء:
«هناك في عالمي ساحرٌ قويّ يُدعى دوبين؛ لا يبتغي ورقةً فحسب، بل يريد كتابَ العوالم السبع بأسرهِ، ليقفَ إلى جانبِ الشرِّ في كلِّ العوالم، وسيفعل أي شيء من أجل الكتاب.»
تلاشى الصمتُ لحظاتٍ ثم قال عامر بلهجةٍ مضطربة:
- طيب هو إزاي...
قاطعته خولة وهي تصرخ والذعر يكسو صوتها:
- عامر الحق! ابنك طلحة مش موجود برة، بندور عليه ومش لاقيينه!.
قام عامر واندفعَ كالمجنون يبحث في الشوارعِ والأزقَّة أمام بيتهم، والناسُ من حوله يهرولون معه ومع أهلِه، لا أثرَ لِطلحة في كلِّ مكان. عاد إلى خولة بنظرةٍ غاضبةٍ ظاهرةٍ على وجهه وقال لها:
- هو خرج إمتى؟
وهي تبكي وهي تردُّ:
- قبل ما تيجي
- خرج كان بيلعب برة وكنت ببص عليه كل شوية، وقلتله مايروحش بعيد ولا يسمع كلام حد، زي ما انت فهمتني.
جلس عامر على درج البيت، رأسه منكفئٌ إلى الأرض يفكِّر بهدوءه الذي يعقبه ارتطامٌ بالواقع، وأصواتُ أهله وجيرانه تملأ المكانُ بحثًا واستغاثةً.
أوڤاميندرا واقفٌ بجواره وهو يراقب، وبنتا عامرٍ الصغيرتان تقفان وتبكيان على أخيِّهما المفقود.
التفت عامر إلى أوڤاميندرا بعينين متهالكتين وسألَهُ بصوتٍ بملؤه الاتهام:
- ابني اختفى لما انت جيت.
أجاب أوڤاميندرا بفصاحةٍ واضحةٍ ورزانةٍ لا تكاد تُخفيها الكلمات:
«أعلم أنك ستشكُّ بي، لكنّي لم أُؤذِ طفلًا أبدًا في حياتي. أنت رجلٌ طيّبٌ، ولم أفكر في أذيتك أو أذيت أهلك أبدًّا.»
سمعوا صوتَ تسنيم ينادي من بعيد:
«طلحة هنا!»
فركض الجميعُ نحو الصوت، فإذا طلحة ساقطٌ على الأرض فاقدُ الوعي. حملوه إلى المشفى، وحازمُ وأبو عامر وصلا مسرعين من أعمالِهما.
وبعد دقائقٍ خرج الطبيب وقال بحيرةٍ:
بعد فحصٍ سريعٍ: «هو في غيبوبة، ومش عارفين السبب ولا نعرف هيفوق إمتى، لسه هنعمله إشعات تحاليل علشان نعرف اي السبب.»
بكت خولة بغزارةٍ وقالت لِعامر بنبرةٍ محمّلةٍ بالذنب:
- أنا مش فاهمة بيقول اي...
نظر إليها عامر بغضبٍ دفينٍ إذ رأى إهمالًا منها فيما بدا له.
اقترب أوڤاميندرا من طلحة بهدوءٍ، ثمّ كشف الملابس عن رقبته، ورأى علامةً غريبةً منحوتةً على الجلد؛ رمزٌ مألوفٌ له. رفع بصره إلى عامر وقال:
«لقد تركَ ختمه عليه.»
صرخ عامر عاجبًا ومندهشًا:
- مين؟
أجاب أوڤاميندرا: «دوبين؛ هذا الرمزُ خاصٌّ به.»
انفجر عامر بغضبٍ:
- بس أنا ساعدته وكنت هموت علشان أجيبله الورقة!.
رد أوڤاميندرا:
«هو لا يريد الورقة فحسب، بل يريد الكتابَ كله. لقد أصبحتَ مرئيًا في بلورته بمجرد حملك للكتاب، وأصبحتَ عدوًّا له، وسيجذبك إليه بمِكائدٍ على ابنك وكل عزيزٍ لديك لتسرق له الكتاب وتُقدِّمهُ له.»
هتف عامر ضاحرًا بالتهديدِ والوجع:
- مايهمنيش دوبين ولا أنت ولا كتابك القذر؛ كل اللي يهمني هو ابني. أقسم بالله لو ابني مارجعش زي ما كان هقتلك وهقتل دوبين وكل شخص هيحاول يقرب من أهلي هيقطعه وهشرب من دمه.
نصح أوڤاميندرا عامر بالهدوء مرةً أخرى: «اهدأ، هناك حل، دوبين سيتبعك عن طريق القلادة التي أعطاك إياها، لا تتركها أبدًا نحن نريد أن يتبعك.»
كان سؤالُ عامر مباشرًا وحادًا:
- قول الحل بسرعة.
قال أوڤاميندرا:
«سنذهب إليه.»
قال عامر راغبًا في الفعل فورًا:
- دلوقتي، يلا بينا.
قال أوڤاميندرا:
«تمهل، ليس الأمر بهذه السهولة. أنت رجل ذكي، ولطالما حينما حلت بك المصائب جلست تفكِّر فيما يمكنك أن تفعل.»
قال عامر مجددًا:
- بس دا ابني، فاهم يعني اي ابني؟!.
رد أوڤاميندرا بصوتٍ خافت:
«ولذا يجب أن تهدأ وتتريث أكثر من أي وقت مضى.»
ثم كشف عن الخطةِ التي لا بدّ أن تُنفَّذ:
«لا يمكننا أن نذهبَ إلى دوبين في عالمه؛ فهو يملك قومًا وخدمًا من الجنِّ وقُوًّا عظيمةً ستجعلهُ رابحًا في أرضه. ولكننا سنجعلُه يأتي إلينا، ليس هنا، بل نريده في عالمٍ نتحكّم فيه، نضعف فيه قواه.»
سأل عامر بسرعةٍ:
- فين؟
أوضح أوڤاميندرا:
«عالمُ الخيال؛ عالمٌ تَضعُهُ أنتَ على الورق. اكتب تفاصيلَه بدقّةٍ، وأعطنيها، وبطريقةٍ ما من خلال شفرات كتابي سأدخلك إلى هناك.»
تعالت الأصواتٌ، ثم قال حازم بحزمٍ:
- وأنا هروح معاك، مش هسيبك.
أما أبو عامر فكان مذهولًا ومتمثلاً بمخاوف الأبوة:
- أنا مش فاهم حاجة، إيه اللي دخلك يا بني في سكة الجن والسحر من الأول؟ كنا عايشين في أمان وبعيد عن الهم دا كله، أنا هاجي معاكم.
طمأنهم عامر:
- لا يا بابا خليك هنا، أوعدكم محدش هيقدر يضر ابني طول ما أنا لسه على وش الدنيا؛ ابني هيرجع كويس إن شاء الله. أنا هكتب النهارده تفاصيل العالم كله وبالليل هيكون بين إيديك يا أوڤاميندرا.
قال أوڤاميندرا:
«حسنًا، اتفقنا.»
جلست خولة بجانب عامر طوال النهار، تربّت على كتفه وهو يكتب، تحاول أن تسأله لكنه لم يُجبها، وأبت ألا تتركه لحظة. أخذ الليل كلهُ حتى طلع الصباح وقد أنهى كتابة عالمه الخاصّ؛ كان يكتب بتأنٍّ: أماكنٌ، أسماءٌ، قوانينُ ذلك العالم، تفاصيلُ الحواجز والمواقع، وحوادثٌ يمكن استدعاؤها داخل الخيالِ كي تُضعفَ دوبين.
جلس حازم مع أبو عامر في انتظارٍ متقلبٍ، ثم أخذ الكتابَ من عامر وذهب به إلى شقته السكنية، حيث ترك أوڤاميندرا يبيت فيها بمفرده.
وعندما وصل أعطى أوڤاميندرا الكتاب ثم دخل إلى غرفته ليحضر قلمًا له كما طلب منه، وفي هذه اللحظة تجلّى في عينيه على حين غرّة روايةٌ قديمةٌ من تأليف عامر لعالمٍ اسمهُ «كالثيرا»؛ لَبِسَ الشغفُ قلبَهُ وقال في نفسه بعفويةٍ: أنا بحب الرواية دي وعايز أشوف عالمها والحاجات اللي فيها.
باغتته نفسه فأخذ الرواية القديمة بفضولٍ وقال لأوڤاميندرا مُناديًا:
- أعطني الكتاب وخد الكتاب دا بداله وشوف شغلك...
لم يجد أوڤاميندرا غضاضةً في الأمر فقال بفصاحةٍ: «أعطني»، فأخذه سريعًا ولم يقرأه، ثم فتح بوابةً إلى عالمِ الخيال.
في تلك اللحظات كان عامر يودِّع أهله في المشفى؛ الوجوهُ مرهقةٌ، القلقُ ينهشُ القلوب: تسنيم تقف وتمسك يده وتنهمر دموعها، وخولة تحتضنه وتقول له بلهجةٍ تغزلها الخوفُ والحبُ:
- أنا كنت دايمًا معاك، أرجوك ما تتركنيش لوحدي
- أحب أموت معاك ولا إني أعيش من غيرك.
همس لها عامر مطمئنًا وهو يقبّل بنتيهِ الصغيرتين(هاجر وعائشة)- ويُمسح شعرَيهما:
- حصل خير يا خولة، بس مش هينفع تيجي معايا، لازم تقعدي تربي بناتنا، خلي بالك منهم، وعرفيهم إني بحبهم جدًّا.
بعد الوداع ودعهم وتوجّه إلى شقةِ حازم حيث كان أوڤاميندرا وحازم في انتظاره. نظر عامر لهما وهو يسأل بصوتٍ هشّ:
- هل كل حاجة جاهزة؟.
أومأ أوڤاميندرا ثم قال بفصاحةٍ حاسمةٍ: «دوبين لا يملكُ سوى ورقةِ عالمِ الخيال؛ بمجرّد أن يرانا قد دخلنا إلى هناك سيأتي خلفنا. وهناك سنسعى لأن نأخذ منه الترياق الذي يعيدُ وعيَ ابنك، ثم نقتله.»
رد عامر بلهجةِ تحدٍّ:
- لن نحاول، بل نقتله، وأنا من سأقتلُه بيدي.
قال أوڤاميندرا بهدوءٍ: «حسناً، ولكن قبل أن نقتله، سنأخذ منه ما نحتاجه من ترياقٍ ليَفِيقَ بهِ طلحة.»
عامر:
« أخبرني دوبين أنَّ لن تفتح إلا باكتمال الكتاب».
أوڤاميندرا:
«البوابة قد تُفتَحُ دون الورقة، لكننا لن نخرجَ منها دونها.»
تحرّك الهواء حولهم وكأنَّ العالمَ كله يحبسُ أنفاسَه؛ أخذوا مواقعهم، شدّ عامر قميصه،
ثم جاءت مكالمة من خولة وقالت له جملة واحدة قبل أن يطمئنها ويغلق الهاتف، همست له:
- اعتن بنفسك من أجلنا، رجاءً.
ابتسمَ ابتسامةً مؤلمةً، ثم جهز الثلاثة سيوفهم-التي أحضروها منذ سنوات من غرناطة-
خطا الثلاثةُ نحو البوابة. الضوءُ تلاشى، ورائحةُ حبرٍ قديمٍ تبعثرت في الجو، وإحساسٌ غريبٌ بالتحوُّلِ اجتاحهم.
قال أوڤاميندرا أخيرًا : «كونوا مستعدّين، فالعالمُ الذي كتبتموهُ سيكونُ ساحةً لاختبارِ عزمكم. إنَّ قوة دوبين تنقُص هناك، لكنّه ليس صيدًا سهلاً. وإن كان عليه أن يختار بين الفريسة وصائدها، فلن يختار دور الفريسة أبدًا حتى الموت، فاحذروا خِداعَه وشِبَاكَه.»
ثم تخطّوا الضوءَ، ودخلوا عالمَ الخيالِ
- عالمٌ حُفِرَتْ تفاصيلهُ بحبر رجلٍ واحدٍ
- هناك حيث ينتظرهم دوبين، وحيث ستبدأ معركةٌ لا تعرفُ الشفقةَ، وفيها سيتبارى الشر والانتقام.
---
«خرجوا جميعًا من البوابة، فتلقَّفهم عالمٌ لا يشبه ما كتبَهُ قلمُ عامر تمامًا. لم تكن الدروب كما رسمها؛ الأبنية كانت على هيئةٍ غير مألوفة، والأشجارُ تفترشُ جذوعًا معقّدةً، والسحبُ في السماءِ كانت تتلوّى كشرائطِ دخانٍ جامدةٍ فوق أرضٍ لا تُسمّى أرضًا. كلُّ شيءٍ هنا يهمسُ بلغةٍ غريبةٍ، لا تقبلُ الاستقرارَ في ذهن رجلٍ باحثٍ عن انتظامٍ يستطيعُ فهمَه.
جلس عامر للحظاتٍ يتأملُ التغيرات، ويحاولُ استدعاء ما تبقّى من ذاكرتهِ عن العالم الذي كتبَه، ثم وقعت عيناه على شيءٍ يتحرك، فلاحظَ من بعيد جسمًا يقترب. أخذوا يختبئون خلف شجرةٍ ضخمةٍ ذات لحاءٍ شائِك، لا يكادون يَظهرون منها.
رأوا المخلوقَ يتجلّى بوضوحٍ كلما اقترب أكثر: جلده كالتمساح، رأسه ضخمٌ بالنسبة لبقية جسده، لا ملامح له إلا عينانِ وحيدتانِ في منتصف وجهه، ويداه طويلتان جدًا تكادان تُلامِسان قدميه. وقبل أن يُكمِلوا صدمتَهُم، خرجَ صوتٌ من شفاهِ عامر على الفور، فقد تذكر شيئًا:
المخلوق دا شبه مخلوق اسمه الهادرون.
قال حازم بنبرة مفاجِئة:
«اه اللي كنت كاتبه في روايتك قبل كدا، فاكر»
عامر: «اه زيه بالظبط، بس أنا مكتبتوش تاني في الكتاب، اي اللي جابه هنا؟!»
أوڤاميندرا :
«ربّما كتبته وأنت لا تدري.»
عامر:
«مستحيل، أنا مكتبتش حاجة زي كدا إلا في رواية....»
حازم:
«كالثيرا، دا لسه كمان فيه بلاوي، مملكة الموتى، وأم الرماد، وغابة النُّذُر، دا أنا هموت وأشوفهم.»
ارتعد الهواء حولهم قليلاً، فتنهد عامر وقال بتثاقلٍ ومحاولةِ طمأنة:
« لو قابلناهم هتموت بس مش هتلحق تشوفهم، بطّل هبل يا حازم، إن شاء الله مفيش الكلام دا.»
ثم همس مخاطبًا الجميعِ بصوتٍ هادئ: «اصمتوا، إذا كان هذا هو الكائن الذي أعرفه، فهو يتغذى على أصوات من حوله؛ إذا تحدّثنا وهو على مقربةٍ منا سيختفي صوتنا لمدة يومٍ كاملٍ.»
سكتَ الجميعُ حتى مرَّ الوحشُ من أمامهم وابتعد. ثم واصلوا السيرَ بحذرٍ شديدٍ، لا يَبدؤونُ الكلامَ إلا بالضرورة؛ فالفضاءُ هنا يتوقّف عن منحِهم تَذوُّقَ الأمانِ. وفجأةً سادَ أجواءَهم صوتٌ عربيٌّ فصيحٌ قادمٌ من الهواءِ، فنظروا إلى السماء فلم يجدوا إلا غرابين يطيران.
أوڤاميندرا بدهشةٍ وحيرة:
«طيورٌ تتكلم.»
كذّب عامر ما سمعه وقال باستهجانٍ:
«ربما نتوهم ذلك؛ لأننا لم ننم جيدًا.»
حازم مبتسمًا ابتسامةٍ ماكرة:
«لأ مش بتتوهموا، دي حقيقة، مش دا شبه اللي انت كاتبه في عالم كالثيرا؟!»
لم يجبه عامر، وظلَّ يسيرُ وهو يفكّرُ ويترقَّب كلَّ مشهدٍ كأنَّه يُمسك بخيطٍ يسقطُ من بين أنامله على الأرض. بحثوا حتى وجدوا مكانًا متواريًا يجلسون فيه لبرهةٍ يلتقطون فيها أنفاسَهم.
اقترب أوڤاميندرا منهم وقال بنبرةٍ تحذيرية: «يجب أن تعلموا أنَّ كلَّ دقيقةٍ هنا تساوي دقيقتين من عمركما البشري. فكلما بقيتما أطول ستدفعان من عمركما الضعف.»
قال عامر بحزمٍ:
«إذن يجب أن نسرع ونجد دوبين.»
قال أوڤاميندرا: «القلادة معك؛ فهو من سيجدنا.»
قال حازم مازحًا ومستثيرًا:
«ما تيجوا ناخد لفة كدا ونستكشف المكان.»
ردَّ عامر بقلقٍ:
«مفيش حاجة من اللي كتبتها موجودة وبتظهر حاجات من كتابات قديمة ليا، حاسس كتباتي دخلت على بعض، الوضع خطر. أنا فاكر كل حاجة بشوفها، أنا وصفت الحاجات دي بتفصيلها قبل كدا في عالم كالثيرا.»
لم تمر لحظةٌ حتى لمح حازم طفلًا صغيرًا واقفًا ويدير وجهه إلى الناحية الأخرى، فاندفع نحوه بنيةٍ بريئة، فناداه عامر وطلب منه أن يتوقف، وفي اللحظة التي التفت فيها، انقلب وجهه إلى قناعٍ لا ملامحَ فيه، ثم قفزَ على حازم كوحشٍ لا يرحم.
حاول حازم أن يهرب، فإذا بقدماه تُمسَكان وكأنَّ الأرضَ صارت لزجةً من تحته.
اندفع أوڤاميندرا وعامر نحوهما بسرعةٍ حادةٍ؛ وضربا الطفلَ المتوحشَ، فأصاباه في مقتلٍ سقط ميتًا.
التفت عامر إليه وهو يقلبه على ظهره، ومرّت في ذهنه لحظةُ إدراكٍ حادة أخرى: تذكَّر أنه قد صوّر مثلَ هذا في روايةٍ كالثيرا. فقال بصوتٍ مضطرب: «عرفت الآن أين نحن، ومن نواجه؛ نحن في عالمِ كالثيرا...»
أجاب أوڤاميندرا:
«وما الخطورة في ذلك؟»
قال عامر وقد علت وجهُه شحوبُ القلق:
«كل شيء هنا خطر؛ كلُّ شيءٍ هنا كتبته من أجل الموت.
عالمٌ لا يصلحُ إلا للقراءةِ فقط. وإذا بقينا هنا سنموت حتمًا.»
قال أوڤاميندرا مُعيدًا تذكيرَهُ بصوتٍ هادئٍ: «قلتُ لك قبل أن نأتي: سندخل، ولكن لن نستطيعَ الخروج دون الورقة.»
تساءل عامر بصوتٍ متهالكٍ:
«لماذا لم يَأتِ دوبين حتى الآن؟»
رد حازم بنبرةٍ ساخرةٍ كعادته:
«تلاقيه دخل على مملكة الموتى وماسكينه بيعجنوه دلوقتي.»
نظرة عامر لحازم كانت مزيجًا من الاستهجانِ والسخريةِ:
«حازم هو انت مبسوط كدا ليه، احنا في مصايب سودا.»
حازم:
«يا صاحبي ليه مكبرين الموضوع كدا احنا أول ما ييجي دوبين الزفت دا هنمسكه كلنا ومعانا أوڤاميندرا السفاح دا هيخلص عليه وهنرجع كلنا وطلحة هيرجع كويس إن شاء الله.»
ردَّ عامر بثقلٍ: «تفتكر هتخلص بالبساطة دي.»
قال حازم واثقًا: «اه طبعًا، انت اللي عيل متشائم ومزودها.»
عامر: «طب ولو دوبين قتلنا احنا التلاتة.»
تلكَ الجملةُ جعلت حازم يَقِفُ للحظةٍ مندهشًا: «لحظة بس، هو ممكن...؟»
أجاب عامر بحدةٍ:
«اه، عادي جدًا ماسمعتش أوڤاميندرا السفاح بتاعك بجلالة قدره قال عنه اي.»
ثم اتخذ نبرةً أكثر جدّيةً وأضاف: «وكله كوم وأهل العالم دا كوم تاني خالص. احنا ممكن نموت لو حاجة منهم لمحتنا أو عرفوا إن فيه بشر في عالمهم.»
قال حازم وقد بدا عليهُ الارتجافُ قليلًا:
«انت بتهزر صح؟، هما دول مش كائنات كرتون زي الروايات.»
قاطعَه عامر بغضب: «كرتون!!، اسكت يا حازم علشان كلامك بيعصبني»
وأضاف مهدّدًا: «والموتى دول بقا كوم تالت لوحدهم.»
تكلم حازم مرتعشًا: «عامر، الموتى...»
رد عامر بصرامةٍ: « مش بهزر يا حازم، اه الموتى عددهم كبير وخطر جدًّا ولو مسكونا...»
ثم نطَقَ حازم بصوتٍ لا يخفي الرعبَ:
«عامر، الموتى وراك!»
التفت عامر لأوڤاميندرا الذي ردد هو الآخر كلمة حازم: «الموتى».
التفت عامر ببطءٍ وابتلع ريقهُ وهو يحدّق في الموقفِ ويتهيّأ لتجهيزِ سيفه. كان المشهدُ أمامهم يكفي ليقتلَ القلوب خوفًا: خمسةٌ من الموتى يقفون أمامهم، يحملون سيوفًا صدِئة، مخلوقاتٌ بدت كأنها عادت من الموت لتوِّها - عظامٌ يكسوها لحمٌ ميتٌ، وجلدٌ أزرقٌ منخورٌ، ووجهٌ مسلوخٌ ينثر في النفوس خوفًا.
هتف حازم بارتباكٍ:
«احنا هنعمل اي؟»
قال عامر بلا ترددٍ:
«هنموتهم.»
تلعثمَ حازم وهو يبتلع ريقه: «الميتين؟!»
عامر:
«اه، أو هما يموتونا»
حازم:
«نموت والناس في جنازتي يقولوا اي، واحد ميت موت حازم، دي هتبقى نكتة مش عزا»
عامر:
«طيب ركز، حاولوا تقطع الراس علطول وهما هيموتوا.»
تردّدَ حازم فصرخَ:
«لحظة بس هو فيه ميت بيموت؟!»
فأنكرَ عامر بسخطٍ:
«انت يلا ماتصدعنيش، مش وقت غباء دلوقتي.»
قال حازم مستجمعًا ما تبقى من جرأةٍ: «حاضر، بسم الله، يا رب أعنا على الكفار دول.»
اندلعت المعركةُ في لحظةٍ، لتندلع شرارةُ حربٍ بين الحياة والموت. تراشقت السيوفُ، وصدىَ ضرباتٍ على عظامٍ قديمةٍ.
كان عامر وأوڤاميندرا يبارزان أربعةً من الموتى، فيما شُدَّ حازم من قِبلِ واحدٍ آخرٍ فجرَّهُ من قدمه كأنه لعبة؛ وظل يجرّه الميت من قدمه وهو يئنُّ حتى سقط سيفه، فبدأ يصرخ في نبرة استغاثة لا تخلو من الهزل: «طب سيبني طيب وأنا هوريك هعمل فيك اي،
- يا كفرة يا ولاد الكلب،
الحقني يا عامر، الميت بيلعب بيا...
يا ربي يعني هدعي عليك بايه أكتر ما أنت ميت!»
ولكن هيهات فلم يترك حازم نفسه فريسةً سهلةً؛ أمسك حجرًا من الأرض ورماه في رأس الميت من الخلف. لوهلةٍ بدا أنَّ الميت يتوقفُ، ثم أفلتَ قدم حازم ونظر إليه.
قال حازم مازحًا:
«هه، اي يا صاحبي ايدك وجعتك ولا اي»
ثم رفع له قدمه وقال:
«خد كمل جر فيا، اوعى تكون فهمتني غلط، كان فيه دبانة على راسك بس.»
اقترب الميت من حازم بسيفٍ مرفوعٍ في بطءٍ دراميٍّ، فأغلق حازم عينيه وهمس بصوتٍ مكسورٍ:
«أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، ثم صرخ أعععععع».
وبعد لحظات فتح حازم عينيه ليجد الميت واقفًا فجأةً،
فقال بصدمةٍ:
«اي يسطا السيف علّق ولا اي؟»
ثم لمسه بيده فانهار الميت وسقط على ظهره.
وقف حازم يلتقط أنفاسه، ونظر إلى عامر وأوڤاميندرا اللذان أنهيا وهقتلا الموتى الأربعة الآخرين:
«شوفتوا الحركة دي، موتّه بلمسة واحدة.»
قال عامر متهكمًا:
«اه، اللي كان عاملك مكنسة من شوية دا؟!»
رد حازم بفخرٍ مصطنعٍ:
«دي كانت خطة، أنا سبته يعمل كل اللي عايزه علشان يتعب، أرهقته.»
تعجب عامر:
«أرهقته!»
فأشار حازم إلى عقله قائلاً: «اعمل بذكاء حتى تعمل ما تحب.»
عامر:
«بفكّر أقتلك معاهم وأرتاح وأريح البشر منك.»
رد حازم بلا مبالاةٍ:
«استنى بس لما أتجوز وأجيب حزازيم صغيرين.»
عامر:
«حزازيم!؟»
ـــ انت يا حبيبي نسلك لازم يقف عندك، ماينفعش يكون فيه اتنين منك في الكوكب، هيولع بينا.»
قال حازم ساخراً: «دا بدل ما تشكرني، أنا قتلتلكم أَمْوَت ميت فيهم، لولايا كان زمانكم ضايعين.»
عامر:
«على فكرة أنا اللي قتلته بالسيف ولما انت فتحت عينك وقع، شكله كان ممثل قبل ما يموت، وبعدين اي أموت ميت دي.»
حازم: «بطّل صفار وحقد بقا شوية.»
عامر: «حاضر.»
ثم عاد الصمتُ لبرهةٍ، إلى أن سأل عامر أوڤاميندرا:
«أين سنذهب الآن؟ لم يأت دوبين إلى الآن.»
"- ومن قال ذلك؟...
صوتٌ من خلفهم، عميقٌ، قريبٌ، لا يُدرَكُ مصدرُه، لكن يبدو أنه يعرفهم جيدًا
حازم:
«هو الصوت دا جاي مين؟»
أوڤاميندرا:
«لا أدري»
حازم:
«لا تدري ازاي، مش انت ساحر، كل حاجة لا تدري، انت أكيد كنت بتغش السحر من زمايلك».
وهنا تحدث الصوت مرة أخرى:
«أوڤاميندرا، كنت أنتظرك...»....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!