تحميل رواية «شِفرة أوڤاميندرا "سر العوالم السبعة" (الجزء الأول)» PDF
بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
عامر شاب عشريني، يبلغ من العمر ثمانية وعشرين عامًا، مغرم بالكتابة، وكتابة الروايات الخيالية على وجه التحديد، يعيش عامر مع والديه وأخته الصغيرة تسنيم ذات التسعة عشر عاما في أحد أحياء القاهرة، وهم من أصلٍ صعيدي. - وفي أحد الصباحات الجميلة من العام 2023 كان عامر يجلس كعادته على مكتبه ليكمل كتابة روايته" كنز نيان"، وبينما هو مندمجٌ في الكتابة سمع صوت جرس الباب فذهب ليفتحه. عامر: مين؟ ساعي البريد: البريد، معايا ليك جواب بعلم الوصول، اتفضل، وامضي هنا عامر: جواب؟!، ليا أنا؟!، متأكد إنه باسم عامر طيب سا...
رواية شِفرة أوڤاميندرا "سر العوالم السبعة" (الجزء الأول) الفصل الحادي عشر 11 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار
سكن الليل في غرناطة، لكنه لم يجلب سكينة، بل أثقل المدينة بأصداء الغدر، إذ لا تزال كلمات الرسالة الملطّخة بدم "سعيد" تتردد في رأس عامر كطَرقات مطرقة على سندان.
> "إليك هديتي الأولى...
لم أكن أنوي قتل سعيد، لكن الحبر نفد، وكنت بحاجة إلى دمٍ أكتب به رسالتي...
دعنا من هذا، وأخبرني كيف نجوت من خنجري؟
كل من ذاقه لم يُكتب له أن يتنفس بعدها...
إلا أنت.
نجوت...
لكنك لن تنجو مرةً أخرى....."
---
وقف عامر بين رجاله، والدم ما يزال يبلل أطراف الرسالة.
عبد الرحمن (بحزن):
"كان وفيًّا، مستعدًا أن يموت في سبيلنا... سعيد لم يكن جنديًّا فقط، بل كان أخًا."
عامر (بصوت مبحوح):
"وقد رحل كالأبطال، لكن دمه لن يذهب هدرًا."
-اقتربت خولة، وجهها شاحب، وحاجباها منعقدان من شدّة الغضب والكتمان.
خولة:
"الظل يلهو معنا... يترك لنا رسائل لا لشيء إلا ليكسرنا. إنه لا يكتفي بالقتل، بل يُمعن في إذلالنا."
-المعتز بالله (وهو يتأمل الرسالة):
"لكن هذا لا يشبه سلوك قاتل مأجور... هذا شخص يعرفكم، يعرف نقاط ضعفكم، يختار ضحاياه بعناية ليؤلمكم، لا ليُنهيكم."
-عامر (وقد حدّق في الورقة طويلًا):
"هو يهددني... يطلب مني أن أغادر غرناطة وأفتح أبوابها للأسبان. هذا ليس قاتلًا... بل خائنٌ يعمل لأجل قوةٍ أكبر."
ثم رفع عينيه فجأة وقال:
"أين كان الحراس ؟ كيف دخل الظل إلى القصر؟"
حازم:
"راجعنا المناوبات... لا شيء مريب. لا أحد دخل عبر البوابات. سعيد كان في جناحٍ مغلق لا يدخله أحد دون إذن."
صمت عامر لحظة، ثم قال:
عامر:
"إذن، هو يعرف الممرات. يعرف أماكن غرفنا. وربما... يعيش بيننا."
خولة (بهمس متوتر):
"سيدي... ماذا لو كان في مجلسنا؟"
-نظر عامر إلى الوجوه حوله...
كلها مألوفة،
لكنه لم يعد يثق بأي وجه....
---
*في الصباح التالي...*
-أصدر عامر أوامر صارمة بتشديد الحراسة، وتبديل مواقع الحراس كل ساعتين. منع الدخول والخروج من القصر دون إذن شخصي منه.
-أمر بتفتيش كل الممرات القديمة، خاصة تلك التي تؤدي إلى الجناح الخلفي.
-عامر (بحزم):
"الظل اختار سعيد ليقول شيئًا. لقد نزع ورقة من شجرة قوية ليُضعف الجذع... ولن نسمح له بأن يظن أن تلك الضربة شقّت أرواحنا."
---
وفي المساء، جلس عامر في قاعة القصر يتأمل شجرة الأنساب المعلّقة على الجدار، يتتبع أسماء الأمراء، القادة، الأسر القديمة...
ثم تمتم:
-عامر (بصوت خافت):
"السيد عثمان... أين أنت الآن؟ ألم تكن في سجون عبدون؟ لم نعثر عليك يوم سقوطه... ولم نرَ لك أثرًا حتى الآن."
-رفع رأسه ببطء، ثم نظر إلى خولة الجالسة بعيدًا تقلب دفاتر المدينة.
عامر:
"هل يُعقل... أن يكون هو.....؟! "
---
وإلى جانب نافذة القصر، وُضِعَت وردة سوداء، غُرِزَت في حافة الحجارة. لم يضعها الحرس، ولم يرها أحد حين أشرقت الشمس...
تحتها ورقة صغيرة، طُويت بعناية، كُتب فيها:
> "الخسارة الأولى كانت تحذيرًا... التالية ستكون إعلانًا.
في المرة القادمة، لن يكون مجرد جنديّ.... بل قلب المملكة ذاته."
> - الظل
---
*وفي مكانٍ آخر....*
كانت الليلة ساكنة، على غير العادة.
المدينة نائمة، لكنّ الشر لا ينام.
بعيدًا عن القصر، في أطراف غرناطة الشرقية، كان بيت مهجور غارقًا في السكون... لا يزوره أحد، ولا يجرؤ أحد على الاقتراب منه. اعتاد الناس أن يصفوه ببيت النُذر، بيت الحكايات البائسة، حيث يُقال إن الأشباح تتحدث فيه بعد منتصف الليل.
لكن داخله...
كان الضوء خافتًا، ينبعث من مصباح زيتٍ قديم.
وفي منتصف الغرفة، جلس رجل طويل القامة، مغطى بالسواد من رأسه حتى قدميه، قناع معدني يكسو وجهه، لا يظهر منه سوى عينين لا تشبهان أعين البشر.
جلس أمام طاولة حجرية، فوقها خرائط متهالكة، ورموز غريبة، وأسماء حُفرت بأداة حادة.
أسماء معروفة:
سراج الدين
خولة
عبد الرحمن
موسى
حازم
وأسماء أخرى... لم تُذكَر من قبل.
ثم رفع رأسه، وقال بصوت خفيض ولكن مشبع بالكره:
"لقد جرّبتم أن تحاصروني... لكنني الماء، أتسلّل من الشقوق.
قتلتُ أحدكم، وبقيتُم واقفين.
الآن... ستنهار حجارتكم واحدة تلو الأخرى."
- وبعد لحظات ومن ظلامٍ دامس جاءت امرأة، ملثّمة، ترتدي عباءة خضراء داكنة، وعلى عنقها وشمٌ صغير لرمحٍ يمرّ خلال وردة.
المرأة:
"وصلت رسالتي إلى يد عامر. تمامًا كما طلبت."
-الظل (دون أن يلتفت إليها):
"أحسنتِ. سيشكّ في الجميع، وسينهار من الداخل."
المرأة:
"لكنهم بدأوا يتتبعونك... وأوشكوا أن يكتشفوا الطريق."
-أشار الظل إلى جدارٍ خلفه، فانفتح بطريقة سرّية، كاشفًا عن ممرٍ تحت الأرض.
الظل:
"لدي مئة مخرج... ولدي مئة تابع، كلٌّ منهم مستعد أن يقتل دون أن يسأل، ويموت دون أن يتردد."
ثم أمسك بخنجر مغطى بقطعة قماش سوداء، وقال:
"لم ينجُ أحدٌ من هذا الخنجر... إلا سراج الدين.
وسيندم أنه نجا."
---
في مكان آخر... داخل حيّ متواضع من أحياء غرناطة...
كان عبد الرحمن يسير خلف رجلٍ غريب، يتبع تعليمات عامر بمراقبة من يدخل ويخرج من المدينة بعد نشر خبر محاكمة عبدون.
الرجل بدا مرتبكًا، ينظر خلفه كل لحظة، ثم توقف عند منزل صغير، ودقّ الباب ثلاث دقات قصيرة، ثم طويلة.
فتح له غلام صغير، نظر حوله ثم أدخله.
انتظر عبد الرحمن قليلًا، ثم اقترب.
لكن قبل أن يلمس الباب،
اخترق الجدار بجانبه سهمٌ تفاداه في اللحظة الأخيرة.
-اختبأ فورًا خلف سارية حجريّة، ونظر حوله، لكن لا أثر لأحد.
رفع صوته:
عبد الرحمن:
"أنا لا أهابك يا ظل، أخرج إن كنت تملك شجاعة المواجهة!"
لكن لم يُجبه أحد.
فقط، سقطت عند قدميه ورقة مربوطة بريشة سوداء.
فتحها:
> "عيوننا مفتوحة... وآذاننا أقرب إليك مما تظن.
لا تراقبنا... بل راقب من بجانبك."
---
*وفي القصر...*
كان عامر يتلقى تقريرًا من أحد الرسل:
الرسول:
"سيدي، تم العثور على قطعة من ملابس سعيد، في بئرٍ قديم مهجور على أطراف السوق."
عامر:
"وماذا في ذلك؟"
الرسول:
"كانت هناك أيضًا قطعة من وشاحٍ أبيض... عليه تطريز خاص."
عامر (وقد عقد حاجبيه):
"تطريز؟"
الرسول:
"نعم، نقش قديم كان يستخدمه فقط خدم القصر في عهد الملك الراحل... من ضمنهم، شخص يُدعى عثمان."
---
عامر وقف فجأة، قلبه يخفق بشدّة.
عامر (لنفسه):
"السيد عثمان... إن عاد، فهو يعرف كل الطرق، كل الأسرار...
وإن خانه قلبه، فإننا أمام مصيبة لا تُدرك حدودها."
رفع رأسه وقال بصوتٍ عالٍ:
"فتّشوا أرشيف الحرس القديم. أريد كل شيء عن عثمان... من اعتقلوه، من استجوبوه، من قابلوه آخر مرة... وأين اختفى...."
---
في صباح اليوم التالي، اجتمع عامر برجاله في قاعة الاجتماعات الخاصة: عبد الرحمن، موسى، حازم، خولة، والمعتز بالله.
وبينما كانوا يناقشون الخطط المقبلة، فُتح الباب ودخلت الأميرة سارة، يعلوها الوقار، وتخطو بثبات ملكيّ.
سارة (بلهجة واثقة):
"أطلب أن أكون جزءًا من هذه الاجتماعات. لي حقٌّ في معرفة ما يُخطط لمملكتي حتى يتم مبايعة ملك جديد لغرناطة."
عامر (بهدوء):
"تفضّلي، يا أميرة غرناطة."
-جلست سارة، وأخذت تُراقب وجوه المجتمعين، ثم تركّز بصرها على خولة، التي جلست بصمتٍ معتاد.
-دار النقاش حول تحركات "الظل" المقبلة، وتفاصيل عملية اختراق شبكته. ظلّت سارة صامتة برهة، ثم قالت فجأة، بنبرة باردة:
سارة (بالفصحى الصارمة):
"ألم يكن وجودكِ بيننا، يا خولة، بدافع إنقاذ والدك؟ وها قد عاد، فما عادت لكِ ضرورة في هذا المجلس."
-ساد الصمت....
خفضت خولة عينيها ولم ترد، وبدت على وجهها علامات الانكسار، لكن كرامتها منعتها من التفوّه بشيء.
-تابعت سارة، بنفس النبرة الجافة:
"من الأفضل أن تغادري الآن... فهذه الاجتماعات للقادة والأميرات فقط."
هنا نهض عامر من مكانه، وعلت نبرته، وقد تغيرت ملامحه:
عامر (بغضب):
"كُفِّى يا سارة. السيدة خولة ليست غريبة عنا، بل هي إحدى أعمدة هذا المجلس، ومستشارتي الخاصة، ولن أسمح بإهانتها ما دمتُ على رأس هذا المكان."
سارة (وقد خفضت صوتها):
"لم أقصد الإهانة... بل..."
عامر (مقاطعًا):
"ما قصدتِه لا يُبرر ما قيل. لن يُطرد أحدٌ من هذا المجلس، خاصةً من قدّم حياته لهذه المملكة."
-التفت إلى خولة، لكنها كانت قد نهضت وغادرت القاعة في صمت.
---
*في باحة القصر الخلفية...*
أسرع عامر في أثرها، حتى لحق بها قرب السور الحجري.
عامر (لاهثًا):
"لماذا غادرتِ بهذه السرعة؟"
خولة (بصوت خفيض):
"لا أرغب في أن أكون سببًا في نزاع بينك وبين زوجتك."
عامر (وقد تغيرت ملامحه):
"كم مرة ينبغي لي أن أقول إن سارة ليست زوجتي؟!"
خولة (بأسى وهي تنظر إليه):
"سامحني... يبدو أنك فقدت صوابك، يا سيد سراج الدين."
صمت عامر لحظة، ثم نطق بشيء كاد يهزّ الأرض من تحته:
عامر (بهدوء ممزوج بالحزن):
"أنا لست سراج الدين... أنا عامر، رجل من عالم آخر. سارة هي من استدعتني إلى هنا، وأنا لا أنتمي إلى هذه البلاد."
نظرت إليه خولة بدهشةٍ صامتة، وكأنها تسمع كلماتٍ لا تُصدَّق.
خولة (بتردد):
"عامر؟ عالم آخر؟... سيدي، لعلّ التعب قد أثقل روحك. عليك أن ترتاح، وسيمضي هذا كله."
عامر (وقد اتسعت عيناه):
"أتعنين أنني مجنون؟"
صمتت.
عامر (بحسرة):
"لا بأس... أخطأت حين أحببتك. كنت أنوي أن أطلب يدك من أبيكِ بعد أن نتخلص من الظل. ولكن يبدو أنني كنت واهمًا."
-استدار وغادر المكان بخطواتٍ ثقيلة، يجرّ خلفه حزنًا لم يعد يستطيع حمله.
---
ليلٌ جديد يُطلُّ على غرناطة، ولكن هذه المرة، المدينة لا تصرخ ولا تشتعل.
الهدوء الثقيل يملأ ممرات القصر...
كأن شيئًا على وشك الانفجار، لا في الخارج، بل في الداخل. في القلوب.
كان عامر يجلس وحيدًا في القاعة الغربية، أمام موقدٍ خافت، ناظراً إلى اللهب كما لو كان يقرأ فيه شيئًا لا يراه سواه.
خطوات ناعمة اقتربت من خلفه.
لم يلتفت.
سارة، بثوبٍ أبيض فضفاض، وشالٍ ثقيلٍ يُغطي كتفيها، تقف على بُعد أمتار منه، صامتة للحظة، ثم قالت(بصوت خافت):
"أيعقل أنك ما زلت غاضبًا؟"
-لم يجب.
سارة (تتنفس ببطء):
"ربما كنت قاسيةً أكثر مما ينبغي... لكنني لم أكن أقصد أن أجرحك."
-التفت عامر نحوه أخيرًا، بعينين هادئتين، دون حدّة، لكن أيضًا دون دفء.
عامر:
"لا يهم ما كنتِ تقصدين، بل ما قلتِ، وما فعلتِ."
-سارة (بخجل):
"أنا... لست معتادة على أن يُخالفني أحد، أو أن يُغضبني رجل... ربما لهذا تصرّفت بتلك الحماقة."
-ابتسم عامر بسخرية خفيفة.
عامر:
"إذا كنتِ تطلبين الصفح لأنكِ معتادة على السيطرة، فلستِ بحاجة لاعتذار.
أنا لست من رجال بلاطكِ يا سارة."
-اقتربت منه قليلاً، وجلست بصمت، تنظر إلى اللهب معه، ثم همست:
سارة:
"لكنك لست أيّ رجل...
أنت أنقذتني، واخترت أن تلقي بنفسك في وسط النار على رغم أنك كنت تملك مفتاح العودة، أنا على قيد الحياة الآن بسببك أنت، وغرناطة لم تسقط بسببك أنت."
-لم يرد.
سارة (تنظر إليه):
"عامر... أنا آسفة."
-قالتها بصوت خفيض، دون أن تنظر إليه هذه المرة، وكأنها تخشى ردّه.
-صمت ثقيل مرّ بينهما....
سارة:
"أتعلم؟... كنت أظن أني أعرف معنى القوة.
أن أحكم، أن أُصدر أوامر، أن يُسمع لي الكلام.
لكنني حين رأيتك ترفض كلامي دون تردّد، شعرت لأول مرة أنني لا أملك شيئًا... ولا حتى قلبي."
رفع عامر نظره نحوها، لكن لم يقل شيئًا.
سارة (وقد ابتسمت بمرارة):
"كنتُ أعجب بك منذ لحظة دخلت من بوابة القصر...
ثم كرهتك لأنك لم تلتفت إليّ كما يفعل الجميع.
ثم أحببتك، فقط لأنك كنت مختلفًا... صادقًا."
-ظل عامر صامتًا، عيناه لا تهربان من عينيها، لكن لسانه يقيّد ما يشعر به.
سارة:
"هل ترفضني لأنني قاسية؟... "
عامر (بهدوء):
"لا أرفضك، يا سارة... بل أرفض أن أكون جزءًا من صراعات لا أفهم دوافعها.
أنا غريب عن عالمكم... وأنا نفسي، ما زلت لا أعرف من أكون تمامًا."
سارة (وقد اقتربت قليلاً):
"أنت من نحتاجه الآن...
وأنا...
أنا أحتاجك."
-امتدت يدها لتلامس يده، لكنه سحبها بهدوء.
عامر:
"لا تطلبي مني أن أبادلك شعورًا لا يزال يتخبط داخلي.
قلبي ليس فارغًا... ولا مستعدًّا لأن يكون ساحة حرب بينكِ وبين أيّ أحد."
صمتت سارة، وعيناها تنكمشان كأنما تخشى الدموع أن تفضحها.
سارة (بهمس):
"هل أحببتَها؟"
-أدار وجهه، ولم يجب.
سارة (تبتسم بسخرية):
"لا حاجة للإجابة. السكوت كان دومًا أبلغ من الكلام."
وقفت بهدوء، نظرت إليه طويلًا، ثم قالت بلغة أكثر نضجًا، كأن شيئًا ما في داخلها انكسر بهدوء:
سارة:
"شكرًا لأنك لم تخدعني...
وشكرًا لأنك أنقذتني من غروري، قبل أن تنقذني من عبدون."
-استدارت لتغادر، لكن قبل أن تصل إلى الباب، توقفت، ثم همست دون أن تلتفت:
"إذا احتجتني... ستجدني دائمًا إلى جانبك، واسمح لي أن أحضر في مجلسك، أمَّا عن خولة فأنا سأذهب وسأعتذر لها ولأبيها وسأعيدها إلى مجلسك من جديد، لعلك تسامحني."
-وغادرت.
---
جلس عامر في مكانه، يحدّق في الموقد، والنار تتلاشى شيئًا فشيئًا.
همس لنفسه:
"وهل أحتاج حقًا إلى مزيد من المعارك... في قلبي؟".....
---
*قبل الفجر بلحظات...*
جلس عامر في جناحه الخاص، يُراجع الرسائل المضبوطة، والأسماء المتورطة في خيانة عبدون، والرموز التي لم تُفكّر بعد.
أحسّ بشيء ناقص، شيء لم يُغلق بعد.
تأمل قائمة المعتقلين...
ثم همس:
"السيد عثمان... أين هو؟"
رفع رأسه ببطء، وكرّر:
"ألم يكن السيد عثمان من أوائل المعتقلين في عهد عبدون؟
أين اختفى بعد تحرير القصر؟"
أسرع إلى غرفة الاجتماعات، استدعى عبد الرحمن وموسى على الفور.
دخل الرجلان وهما لا يكادان يلتقطان أنفاسهما من الحيرة والقلق، فبادرهم عامر:
عامر (بحزم):
"هل تفقّد أحدكم قائمة السجناء المحرّرين ليلة سقوط عبدون؟"
عبد الرحمن:
"راجعنا معظم الأسماء، وأرسلنا من يعيدهم إلى منازلهم بعد التوثيق... لم نُبلّغ عن فقدان أيّ شخص."
عامر:
" والسيد عثمان؟."
موسى (باستنكار):
"لا أدري ولكن لا أظن خيانة عثمان، مستحيل... لقد كان حجرًا في أساس المملكة، وكان الظل يطارده منذ أعوام!"
عامر:
"ومن يُطارَدُ طويلًا... يعرف كيف يختبئ جيدًا.
أو... كيف يُخفي خيانته."
-ساد الصمت....
عبد الرحمن:
"أتظن أنه انقلب؟"
عامر:
"لا أظن، لكنني لا أستبعد. عبدون لم يكن يعمل بمفرده. كان هناك يد خفية تحرّكه وتُنسّق معه في الظل... شخصٌ أذكى من أن يُرى... أقدم من أن يُنسى."
موسى:
"هل تعني... الظل؟"
عامر نظر إليهما نظرةً طويلة، ثم تمتم:
"أخشى أن يكون الظل قد لبس قناع عثمان."
---
*صباح اليوم التالي..*
اجتمع عامر برفاقه في القاعة الكبرى.
-خولة بعد أن عادت وسارة أيضًا حضرتا الجلسة، كلتاهما تحمل تعبيرًا مختلفًا؛ الأولى يقظة، مركّزة، والثانية هادئة، حذرة.
-وضع عامر أمامهم خريطة صغيرة، تحيط بالقصر ومراكز الاعتقال المؤقتة.
عامر:
"عثمان لم يُسجّل في أيّ من مراكز التوقيف. لا جثة، لا أثر، لا رسالة، لا شيء."
سعيد (وقد عاد من جولة خارجية):
"سيدي... لدينا دليل."
أخرج ورقة صغيرة، عليها ختمٌ مشوّه وكلمات ممزقة، سلّمها لعامر.
قرأها الأخير بصوتٍ منخفض:
> "...لا تفتحوا الباب الثاني... إنه ليس كما تظنون... عثمان... لم يعد عثمان..."
-ارتفعت رؤوس الجميع.
سارة (بتوتر):
"ما معنى هذا؟ هل أصيب في السجن؟ هل تعرّض لغسيل دماغ؟"
-خولة (بهدوء قاتل):
"أو أنه انقلب علينا قبل ذلك بكثير... وتظاهر بالولاء حتى اللحظة المناسبة."
عامر:
"يبدو أن عثمان خرج من السجن... قبل دخولنا بساعات.
والأغرب أن الحراس لا يذكرون أنهم رأوه يغادر."
المعتز بالله:
"هل يكون استخدم أحد الممرات السرية؟"
عامر:
"ربما... أو أن من أخرجه كان من داخل القصر.
أريد كل مَن كان ضمن طاقم الحراسة تلك الليلة، يُستجوب قبل الغروب."
---
*ما بعد الغروب...*
عاد عبد الرحمن مسرعًا يحمل تقريرًا صغيرًا:
عبد الرحمن:
"أحد الحراس اعترف بأنه تلقّى أمرًا شفويًا بإطلاق سراح عثمان، والأمر جاءه من رجل يرتدي زيًا ملكيًا، لكنه لم يكن من رجال القصر المعروفين."
عامر (بهدوء):
"قناع جديد... بل ظلّ جديد."
-سكت لحظة، ثم تابع:
"بدأت أشعر أن 'الظل' ليس رجلًا فقط... بل فكرة.
وقد يكون في جسد عثمان الآن...
أو أسوأ من ذلك... عثمان هو من أنشأه."
-نظر إلى رجاله:
"سنجد السيد عثمان...
وسنعرف إن كان خائنًا، أم ضحية."
-ثم أردف وهو ينهض من مكانه:
"وإن كنّا قد أسقطنا عبدون، فربما لم نكن نُحارب سوى خيال.
والمعركة الحقيقية لم تبدأ بعد.......
رواية شِفرة أوڤاميندرا "سر العوالم السبعة" (الجزء الأول) الفصل الثاني عشر 12 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار
جلس عامر في حجرته، لا يكتب، لا يقرأ، فقط ينظر في الفراغ.
كأن شيئًا يُخاطبه من الداخل، يقول له:
"عثمان لم يختفِ... عثمان يراك الآن."
دخل عليه عبد الرحمن، قال بصوت خافت:
"هناك من رآه."
اعتدل عامر في جلسته.
عامر:
"من؟ متى؟ أين؟"
عبد الرحمن:
"امرأةٌ عجوز من حارة الزيتون، قالت إنها رأت عثمان عند الفجر يسير بثوبٍ أسود، يضع على كتفه حقيبة جلدية، وكان يمرّ بجانب بئرٍ قديم في طرف المدينة، ثم اختفى هناك."
-نهض عامر فورًا:
"جهّز فرقة صغيرة. لا تخبر أحدًا. لا خولة، لا سارة، لا حتى موسى."
عبد الرحمن (بتردّد):
"حتى خولة؟ كانت دائمًا... أول من نُشركه."
عامر (بعينين تشتعلان):
"من الآن... نُقلّل الكلام. عثمان قد لا يكون وحده."
---
-بعد ساعة...
وصل عامر وعبد الرحمن واثنان من الجنود إلى أطلال بئر مهجور عند أطراف غرناطة.
البئر مسدود بالحجارة، لكن الحجارة عليها آثار حديثة.
عامر (وهو يتحسّس الحجارة):
"أحدهم فتح الطريق... ودخل."
أمر الجنود برفع الغطاء.
تحته، سلّمٌ حجريٌّ ضيّق، يهبط إلى ظلامٍ بلا نهاية.
عبد الرحمن (بهمس):
"وكأننا ننزل إلى فم الوحش."
-نزلوا بصمت، والمشاعل ترتجف في أيديهم.
---
-داخل السراديب
الهواء بارد، رطب، والجدران مغطاة بطبقة طينية رمادية.
صدى الخطوات يتردد كما لو أن المكان يحفظ آثار من دخله من قبل.
بعد دقائق من السير، لمحت أعينهم ضوءًا خافتًا من بعيد.
أحد الجنود (بهمس):
"هل تراه؟ ظلّ يتحرّك هناك."
اختبأ الرجال خلف أعمدة صخرية قديمة، راقبوا جيدًا.
ثم ظهر...
رجلٌ نحيف، ذو لحية كثيفة، يحمل ورقةً في يده، ويتحدّث إلى نفسه.
كان هو... عثمان.
لكن ملامحه تغيرت.
وجهه أكثر ظلالًا، وعيناه لا ترمش، وحركته غير طبيعية، وكأن فيه ثِقَلًا من عالمٍ آخر.
عبد الرحمن (بدهشة):
"ما به؟"
عامر (بهمس):
"لا تتكلّم. راقبه فقط."
صوت عثمان يتردّد:
عثمان (وهو يتمتم):
"لم يكن عليَّ أن أعود... ولكن الرسالة لم تكتمل.
ذلك الأحمق من القاهرة، سقط في الفخ وأخذ الكتاب ولا يعلم أنَّه سيقتله."
عامر ارتجف.
"من القاهرة!!، الكتاب!!..."
-همس في داخله:
"هل يقصدني؟!"
-نظر إلى عبد الرحمن، الذي بدت عليه ملامح الصدمة.
عامر:
"عودوا الآن. لا نقترب.
أنا سأكمل وحدي."
عبد الرحمن:
"مستحيل! هذا فخ!"
عامر (بحسم):
"إن اقتربنا كلنا، قد لا نعود.
أما أنا... فربما هو من ينتظرني."
---
عامر يتقدم... وحده.
يقترب من عثمان خطوة خطوة.
يضع يده على مقبض سيفه، لكن لا يسحبه.
يخطو خطوةً أخرى... ويقول بهدوء:
"سيد عثمان..."
توقّف عثمان فجأة.
لم يلتفت.
عثمان (بصوتٍ غريب):
"أخيرًا... قرّرت أن تأتي."
عامر (يحاول التماسك):
"كنا نظن أنك قُتِلت، أو أنك هربت... ما الذي يحدث؟"
-ضحك عثمان(بقهقهةٍ):
"ما يحدث؟
أنت من يُحدث كل شيء، يا عامر...
أو ربما يجب أن أناديك: سراج الدين."
-عامر لم يرد.
عثمان (بصوت متهكم):
"كيف حال غرناطة؟
هل صدّقوك؟ هل ظنّوا أنك مخلّص؟
أم أنك بدأت تصدّق كذبتك؟"
عامر (وقد بدأ يفقد صبره):
"لست هنا للّعب بالألغاز. قل لي من أنت؟، ولماذا جئت بي إلى هذا العالم وتركتني؟"
-عثمان يقترب وينظر إلى عامر ثم يضحك.
-عامر يرفع سيفه ببطء:
"أجِبني، وإلا..."
عثمان (يضحك أكثر):
"وإلا ماذا؟ ستقتلني؟
اقترب، وسترى ما لم تُرِده منذ البداية."
ثم فجأة، يُسحب عثمان إلى داخل تجويف مظلم خلفه، كأن يدًا خفيّة ابتلعته.
صرخ عامر:
"عثمااااان!!"
لكن لا صوت، ولا حركة.
اختفى... كما ظهر.
---
خرج عامر من السرداب وحده، يعلوه الغبار، ووجهه كأنّه رأى شبحًا.
عبد الرحمن:
"ما الذي حدث؟! أين هو؟"
عامر (بصوتٍ مبحوح):
" ليس هذا هو السيد عثمان الذي قابلته أول مرة، لقد تحول إلى شخص آخر، أنا سيجن جنوني مما سمعت ورأيت، ويبدو أننا نبحث عن أشباح."
---
عاد عامر من السرداب متعبًا، يعلوه الغبار، تملأه الريبة، وأعينه تترنح بين الصدمة والخوف.
وما إن وطئت قدماه عتبة القصر، حتى وجد خولة واقفة تنتظره عند مدخل المجلس، وعيناها تشعّان غضبًا وعتبًا.
خولة (بصوت مرتجف لكن صارم):
"لماذا لم تأخذني معك؟! ألم أكن دائمًا إلى جانبك؟!"
عامر (متردّدًا):
"لم أرد أن أعرّضكِ للخطر، خشيت أن يؤذيكِ الظل، أو... أن تكون فخًا لا نخرج منه."
خولة (وقد قطعت حديثه):
"أم أنك لا تزال تشك فيَّ؟!
كل ما فيك يُخبرني بذلك، نظراتك، صمتك، حتى حذرك حين تكون بجانبي."
سكت عامر، وبدت الحيرة على ملامحه، لكنه فجأة رفع رأسه وقال:
عامر (بصوت ثابت):
"أنا لا أشك فيكِ يا خولة... بل أخاف عليكِ، وهذا أمرٌ مختلف.
لقد أحببتك، ومن شدة خوفي عليك، فضّلت أن أذهب وحدي، وهذا كل شيء.
وإن كنتِ لا تصدقين... فسأثبت لك الآن."
نظرت إليه خولة وقد اختلطت مشاعرها، لكنها لم تنطق.
عامر (بهمس):
"سأذهب هذا المساء إلى أبيكِ، وأطلب يدكِ منه."
شهقت خولة دون أن تشعر، ثم قالت وقد ارتجفت نبرتها:
خولة:
"وزوجتك الأميرة؟!
هل ستسمح لك؟ هل سترضى أن تتخذ من فتاةٍ عاديةٍ زوجةً ثانيةً في قصر الملوك؟!"
عامر (بصوت حاسم):
"سارة ليست زوجتي... وأنا لستُ من هذا العالم أصلًا.
سأروي لكِ كل شيء، من بدايته."
تنحّى بها إلى زاوية الحديقة، وراح يحكي، وعيناه في الأفق:
عامر:
"كنتُ في القاهرة، كاتبًا بسيطًا، غارقًا في أوراقي.
وصلني خطاب غريب ذات ليلة، كتبته فتاة تدعى سارة، تدعوني فيه إلى عالمها، وتطلب نجاتها.
لم أكن أؤمن بالخيال كما أؤمن به الآن، لكنني وجدت نفسي هنا، في غرناطة، باسمٍ ليس اسمي، في جسدٍ ليس جسدي، وسط حربٍ ليست حربي... ومع ذلك، قاتلت.
قاتلت لأن الظلم واحد، والحب أيضًا لا يحتاج وطنًا.
وسارة لم تكن زوجتي، بل كانت أميرة تنتظر إنقاذًا، لا حبًّا."
أنهى حديثه، ونظر في عينيها. لكنها لم تتحرك.
خولة (بجفاء):
"أحسنت أنت مؤلف مبدع، أصبحت الآن تختلق قصصًا من وحي خيالك، فقط لتجعلني أوافق على الزواج منك.
أنا لا أحب الكذب، يا سيدي.
عد إلى زوجتك... وانسَ أمري، واعتبرني جندية في مجلس القادة، لا أكثر."
عامر (وقد تقدّم خطوة نحوها):
"ولكنّي أحببتك..."
خولة (وهي تحبس دموعها في عينيها):
"وأنا... لم أحبك."
ثم أدارَت ظهرها، ومضت تمشي بخطى ثابتة، وانتهت الكلمات في حلقه عند كلمة:
"وداعًا... يا سيدي."
---
في حديقة القصر، ليلًا
جلس عامر وحيدًا، يحدّق في نافورة صغيرة ساكنة، وعقله شارد بين الماضي والآن.
راح يسترجع صورتها وهي تداوي جرحه، تهمس له وقت التوتر، تشير إلى الممرات، تحذّره من الانحناءات...
ثم تبتعد.
أغمض عينيه، وأخذ ينشد بصوت خافت:
> "وَطرٌ ما فيهِ من عيبٍ سوى
أَنَّهُ مرَّ كلمحِ البصرِ
سَدّدَ السّهَمَ وَسَمّى وَرَمَى
فَفُؤادي نَهْبَةُ المُفْتَرِسِ
والذي أَجْرى دُموعي حينما
أَعرضْتَ من غيرِ سببٍ
ضع على صدري يمناك فمَا
أجدَر الماءَ بأن بإطفاءِ اللهبَ"
لم يكن يغنّي، بل كأنّ الكلمات تُنطق عنه، كما لو أنّ الحنين نطق لسانه.
وفي ظلِّ الشجرة القريبة، وقفت سارة تستمع، ثم اقتربت بهدوء.
سارة (بابتسامةٍ خفيفة):
"لم أعلم أن القادة يعرفون الشعر... أم أن الغربة علّمتك الأشعار أيضًا؟"
نظر إليها عامر دون أن يجيب.
سارة (وهي تجلس بجانبه):
"أعلم أنّك حزين... لكنّ الحزن لا يليق بك، يا سراج الدين.
دعني أخبرك نكتةً عن أبي حين أضاع طريقه إلى حفل التتويج..."
بدأت تحكي، وتحاول أن تُضحكه.
لكن ملامحه بقيت كما هي، هادئة، متماسكة، كمن يحمل على عاتقيه جبالاً من الحزن.
وقبل أن تُكمل حديثها...
ركض عبد الرحمن إلى داخل الحديقة، وجهه شاحب، وصوته يلهث، ثم قال (بصوت مضطرب):
"سيدي... الأمر خطير!
لدينا خبرٌ لا يُنتظر الصباح..... "
---
نهض عامر فجأة:
- ما الأمر؟ تكلّم!
- السيدة الفاضلة... والدتك، اختفت. ذهب أحد الخدم لإحضارها من جناحها صباحًا فلم يجدها... غرفتها خالية، لا أثر يدل عليها.
ضرب عامر صدره بكفه:
- هذا مستحيل... كانت هنا البارحة! رأيتها، تحدّثنا... كيف تُختطف من قلب القصر؟!
ردّ عبد الرحمن بصوت مرتجف:
- لا نعلم كيف دخلوا، ولا كيف خرجوا، لكننا وجدنا هذا...
-مدّ يده بورقة مطوية وعليها ختمٌ أسود على شكل خنجر مائل، يعرفه عامر جيدًا.
فتحها عامر بلهفة، وقرأ الكلمات المكتوبة بخطٍ دقيقٍ وبارد:
> "أما زلت تظن أنك منتصر؟
أنا الظل...
أنا خلفك، أمامك، وفي كل من حولك.
الطعنة القادمة ستأتيك من أكثر شخص لا تتوقعه...
ومن حيث لا تحتسب.
أمهلك ثلاث ليالٍ...
لتفتح أبواب غرناطة للأسبان.
وإلا، فدماء والدتك ستكون أول ما يُراق.
ــ الظــل"
تجمّدت ملامح عامر، لكنه لم يسمح لأحد برؤية اهتزاز صوته:
- أخبروا الجميع. من هذه اللحظة، أن تُغلق أبواب المدينة، ويُضاعف الحرس في كل ممر وسرداب. ولا يخرج أحد دون إذني.
ثم التفت إلى عبد الرحمن:
- اجمع القادة الليلة. هذا لم يعُد شأنًا عسكريًا فقط... لقد دخل إلى عقر دارنا. لابد أن بيننا من يعمل لحساب الظلّ.
صمت لحظة، ثم أضاف بصوتٍ أهدأ:
- أريد أن أرى خولة أيضًا.
عبد الرحمن (بتردد):
- سيدي... منذ آخر مرةٍ، لم تعُد إلى القصر، تقيم الآن مع والدها في الحي الشرقي.
عامر شدّ قبضته، وهمس:
- سأذهب إليها بنفسي.
---
في الحي الشرقي، منزل المعتز بالله والد خولة...
كان الليل قد أسدل ستاره، حين طرق عامر الباب بقوة.
فتح له المعتز بالله بنفسه، وبادره قبل أن يتكلم:
- علمت بما حدث، تفضل يا سيدي، خولة في الحديقة الخلفية، منذ الصباح لم تنطق بكلمة.
دخل عامر بخطاه المثقلة، وتوقف عند باب الحديقة. كانت خولة تجلس تحت شجرة توت، عيناها لا تبارحان الأرض.
اقترب منها ببطء:
- خولة...
رفعت رأسها، وعيناها قد أنهكهما البكاء :
- يبدو أنك أتيت الآن لأنك بحاجة إليّ، بعد أن تركتني؟
تنهد عامر، وجثا على ركبتيه أمامها:
- لم أترككِ، بل كنت أحاول حمايتك. خفت أن يؤذيكِ الظل إن رآكِ معي.
نظرت إليه بثبات:
- أم تخشى أن أكون أنا الظل؟
تراجع قليلًا، كأنما تلقت روحه طعنة.
أراد أن يردّ، لكن صوته خانه.
في تلك اللحظة، دخل المعتز بالله وقال بهدوء:
- أنا وابنتي سنعود معك. نحن جميعًا في الخطر، وهذا ليس وقت شجار.
هزّ عامر رأسه امتنانًا، ثم نظر إلى خولة:
- سأعيد والدتي، وسأكشف هذا المجرم. لكنني لا أستطيع فعله دونك.
لم تجب، فقط وقفت بهدوء ومضت نحوه.
---
*في القصر..."
اجتمع القادة من جديد: عبد الرحمن، موسى، حازم، خولة، المعتز، وسارة التي أصرت على الحضور.
جلسوا حول الطاولة، وعلى وجه كلٍّ منهم ملامح القلق.
قال عامر وهو ينظر إلى الوجوه:
- لا أريد شكوكًا عامة... ولكننا لا نملك ترف الثقة الكاملة بعد الآن.
الظل بيننا... وربما ساعده أحدنا دون أن يدري.
ثم وضع الرسالة على الطاولة، فقرأتها سارة بصوتٍ مرتجف:
- "الطعنة تأتيك من أكثر شخص لا تتوقعه..."
نظرت حولها فجأة، وتوقفت عيناها عند خولة، لكنّها لم تقل شيئًا.
عامر ختم الاجتماع بقوله:
- لدينا ثلاث ليالٍ...
ثلاث ليالٍ لنكشف فيها من هو الظل... وننقذ والدتي.
ثم أضاف هامسًا، كأنه يحدث نفسه:
- لكن من الذي خان؟
ومن أين ستكون الطعنة القادمة...؟
---
*وبعد ساعة...*
جلس عامر في غرفة التحقيق السرية أسفل القصر، وُضعت أمامه الوثائق التي كانت في خزانة عبدون، والرسائل التي وصلتهم من الظل، ومحاضر الجواسيس الذين تم القبض عليهم مؤخرًا.
دخل عبد الرحمن بخطى سريعة:
- سيدي، وصلنا شيء جديد...
عثرنا في غرفة أحد الخدم القدامى الذين عملوا في جناح عبدون على خريطة قديمة بها ممرٌ آخر، لا يظهر في خرائط القصر، يؤدي إلى مشربٍ مهجور تحت الحديقة الشرقية.
نظر عامر بسرعة إلى الخريطة، وقام واقفًا:
- اجمع الرجال، سنتحرك الليلة.
---
في عمق الليل، الحديقة الشرقية...
كان السكون يعم المكان، وفريق صغير بقيادة عامر يزحف بصمت نحو المشرب القديم.
أزاح موسى الحجارة المغطاة بالطحلب، فكشف بابًا حديديًا صدئًا تحته فتحة عتيقة تنبعث منها رائحة العفن والرطوبة.
فتحوا الباب، ودخلوا...
كان الممر ضيقًا، ينزل بدرجات حجرية ملتوية، وأصوات قطرات الماء يتردد صداها في جدرانه.
وفجأة، توقف حازم وأشار بإصبعه إلى نقش محفور على الجدار:
- هذا شعار الظل... نقش خفي على الجدار الأيسر.
قال عامر وهو يتقدم:
- إذًا نحن على الطريق الصحيح.
واصلوا السير، حتى وصلوا إلى غرفة صغيرة، بداخلها قفص حديدي، فارغ...
ولكن على الأرض، قطعة من القماش الممزق... وعليها آثار دماء.
عامر انحنى، أمسكها بيده، وبدأ يهمس:
- هذا قماش ثوب أمي... كنت أعرف خياطته.
وقبل أن يُكمل، دوّى صوت خطوات في الممر الخلفي!
صرخ عامر:
- اختبئوا!
لكنّ الصوت لم يكن لعدوّ... بل كان عبد الرحمن يعود مسرعًا، يتنفس بصعوبة:
- سيدي، وجدنا السيد عثمان... حيًّا.
عامر:
- أين؟!
عبد الرحمن:
- في بيت مهجور خلف المصبنة القديمة. كان مربوطًا ومعصوب العينين، ويبدو أنه كان مخدَّرًا منذ أيام.
صُدم عامر:
- إذًا... الظل استغل اسمه؟! أم أنه أراد التخلص منه لسبب ما؟
خولة (بصوت متوتر):
- يبدو أن ما نراه... ليس إلا جزءًا من خدعة أكبر.
---
في القصر، بعد ساعات قليلة...
دخل عامر على عثمان الذي جلس شاحب الوجه، يتنفس بصعوبة:
- من اختطفك؟ هل رأيت وجهه؟
هزّ عثمان رأسه:
- لا... كنت في طريقي لإحضار أدوية إلى جناح الأميرة، وأشعر أن أحدهم ناداني من الخلف، ثم لا أذكر شيئًا.
عامر (وقد نظر إلى خولة ثم إلى رجاله):
- إن الظل لا يعمل وحده... إنه شبكة، وبعض خيوطها ما زالت داخل أسوارنا.
ثم وقف وقال بصوت عالٍ:
- فليُعلَن في المدينة: أي شخص لديه معلومة عن مكان السيدة الفاضلة، أو لاحظ تحركات غريبة في الأيام الأخيرة، فليأتِ إلى ساحة المجلس فورًا وله مكافأة كبيرة.
ثم تمتم:
- لا بد أن الوقت ينفد... والطعنة تقترب.
---
وبينما كانت الشمس تشرق على غرناطة...
كان رجل مقنّع يقف على سطح أحد البيوت يراقب القصر من بعيد، يدوّن شيئًا في ورقة صغيرة، ثم يضعها في زجاجة، ويعطيها لطفل صغير قائلاً:
- أوصلها إلى "صاحبك" خلف السوق، وقل له إنّ ما وعدته به... قد اقترب.....
رواية شِفرة أوڤاميندرا "سر العوالم السبعة" (الجزء الأول) الفصل الثالث عشر 13 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار
في ساحة المجلس، كان الطفل الذي أُرسل بالرسالة يقف أمام عامر، يرتجف من شدة التوتر، والجنود يحاصرونه.
عامر (وهو يجلس أمامه بلين): - لا تخف يا صغيري، فقط أخبرني... من أعطاك الرسالة؟
الطفل (بهمسٍ): - رجلٌ طويل... يرتدي عباءة سوداء، لم أرَ وجهه، قال لي فقط: أوصلها بسرعة، ولا تنظر خلفك.
أخذ عامر الزجاجة من يد الطفل وفتحها بحذر. في داخلها ورقة صغيرة مطوية بعناية، وعليها:
> "أمُّك بخير... ولكنَّها أصبحت واحدةً منَّا.
أنا لا أختبئ منك، بل أسير من خلفك.
أنا بين جنودك... بين من تثق بهم.
والطعنة المقبلة ستأتيك من حيث لا تتوقع...
كن مستعدًا لخسارة المزيد؟"
- الظــل
تجمد عامر في مكانه، وعيناه تشتعلان بالغضب والقلق معًا.
تقدّمت خولة نحوه وهمست:
- سيدي... رسائله لا تخيفنا، لكنها تُربكك.
عامر (بصوت حاد): - لأنني أعرف أن تهديده ليس مجرد حبر على ورق.
لقد خطف أمي... ويهددني بأحد المقربين. هذا يعني أن خائنًا جديدًا بيننا.
---
ليلاً...
عاد عامر إلى قصره متعبًا، غاضبًا، ومهمومًا. خطواته كانت ثقيلة، وعيناه شاردتان.
دخل إلى الحديقة الداخلية، وجلس على الأرض بصمت، ثم مدّ يده إلى التراب، وأخذ قبضة صغيرة بين أصابعه، تمعّن فيها طويلًا، ثم همس:
- أم سراج الدين... أقسم أنني سأعيدك، مهما كان الثمن.
وفجأة، جاءه صوتٌ من خلفه، قاطعًا عليه خلوته:
- سيدي القائد... لقد جئتُ بخبرٍ عاجل.
التفت عامر بسرعة، فوجد عبد الرحمن يركض، ويلهث، ووجهه مبلل بالعرق، وثيابه مغبرة.
عامر (ينهض بسرعة، وعيناه تشتعلان قلقًا):
- تكلّم، ما الأمر؟
عبد الرحمن (وهو يحاول التقاط أنفاسه):
- الأمر... يتعلق بـ السيد عثمان.
عامر (وقد ضاق جبينه فجأة): - ماذا به؟
عبد الرحمن:
- لقد... اختفى، مرةً أخرى.
عامر:
- ماذا تقول؟! متى كان ذلك؟!
عبد الرحمن:
- قبل ساعةٍ فقط. وخروجه هذه المرة لم يُرَ من أيّ باب، ولم تفتح أية بوابة. لكنه... ليس في القصر، وكل محاولات العثور عليه باءت بالفشل.
سكت عامر لحظة، ثم قال ببطء، كمن يربط الخيوط معًا:
- إذًا... كان هنا تحت أعيننا، والظل يتحرك كما يشاء، وأمي اختُطفت من بين أيدينا، والسيد عثمان يختفي كلما اقتربنا من الحقيقة...
عبد الرحمن:
- هل تشكّ في أنه...؟
عامر (بصوت منخفضٍ كالسيف):
- لا أريد أن أشكّ، ولكن... الظل قال: "الطعنة تأتيك من أكثر شخص لا تتوقّعه".
- ثم نظر عامر إلى سيفه وعيناه لا ترمشان:
- إن كان السيد عثمان هو الظل... فلن يهرب هذه المرة.
وإن لم يكن...
فمن هو الظل الذي نعيش معه في كل مجلسٍ، وكل خطة، وكل خطوة؟!
عبد الرحمن (بصوتٍ مرتجف): - وما العمل الآن؟
عامر (بحزم):
- اجمع الرجال. أغلقوا أبواب القصر، لا أحد يخرج ولا أحد يدخل.
وأحضر لي خولة... أحتاج عقلها الآن قبل سيفي.
----
اجتمع عامر مع رجاله في الغرفة السرية، وخارطة المدينة مرسومة أمامهم.
عامر (وهو يشير إلى نقطة على الحافة الشرقية للمدينة): - ثلاث ليالٍ من المطاردة... وكان يترك كل مرة أثرًا متعمدًا، كأنما يقودني.
خولة:
- تريد القول إنه يريدك أن تذهب إليه؟
عامر:
- أجل، ويريدني أن أصل... في الوقت الذي يحدده هو.
عبد الرحمن (مقاطعًا):
- ولكننا راجعنا كل الأماكن التي ذُكر أنها استُخدمت كمخابئ. كلها فارغة.
عامر (بصوتٍ حاد):
- لم نراجع مكانًا واحدًا... مغارة عين الصقر.
موسى:
- لكنها مغلقة منذ عشرين عامًا!
عامر:
- إلا على من يملك المفتاح.
- ثم أخرج عامر من جيبه تميمةً قديمة، كانت ضمن أشياءٍ وجدت في جناح عبدون، محفورٌ عليها نقش غريب:
"تُفتح للحاكم إن دخلها وحده."
---
وعند منتصف الليل...
وقف عامر مع خولة ورجاله أمام باب المغارة، والمصباح الزيتي في يده.
-همس وهو يضع التميمة في شق صغير: - إن كنتَ هناك... فاعلم أنني سأدخل إليك وحدي، كما أردت.
ببطء، انفتح الباب الحجري، كاشفًا عن نفق عميق لا تُرى نهايته.
دخل عامر، وأخرج سيفه.
في الداخل، كانت الرطوبة خانقة، والهواء ممتلئًا برائحة الرماد والعفن... حتى وصل أخيرًا إلى غرفة حجرية تتدلى من سقفها سلاسل، وعلى الجدار... كانت أمه مقيّدة، مغطاة الرأس، مستندة إلى الحائط كجثة ساكنة.
- أمي! أمي، أفيقي!
ركض نحوها، وجثا أمامها، فكّ عنها القيد، وهمّ أن يرفعها... حين سمع صوتًا خلفه:
- دائمًا تأتي في اللحظة التي أريدك أن تأتي فيها يا... سراج الدين.
استدار عامر بسرعة، ليجد الظل واقفًا على الحافة المقابلة، وجهه مغطّى بقناع نصفه محترق، والنصف الآخر أسود قاتم، وبيده سيف.
عامر (وقد أشهر سيفه):
- هذه نهايتك... لن تفلت منِّي هذه المرة.
الظل (بصوتٍ خافت):
- النهاية؟ لا... بل هي البداية.
- وانقضّ عليه فجأة، تبادلت السيوف والضربات شررًا، وكان عامر أسرع، وأكثر حذرًا.
وحين أفلت القناع من وجه الظل، لم يظهر شيء... سوى وجه مغطّى بالوشم، ملامح مجهولة تمامًا، كأنما ليست لهوية بشرية حقيقية.
-ثم، باغته الظل بطعنة مفاجئة في جانب بطنه، وتراجع راكضًا نحو النفق المظلم.
عامر (وهو يترنح من الألم، ثم يتماسك):
- لن تهرب هذه المرة...
لكنه سقط على ركبتيه، فالتفت إلى أمه التي استعادت وعيها ببطء.
- هيا بنا يا أمي... سنعود معًا... سنعود إلى القصر.
اقتربت والدته منه بهدوء غريب... عيناها جامدتان، بلا دموع، بلا رجفة.
ثم مدت يدها نحو سيفه... وانتزعته منه ببطء.
عامر (بدهشة): - أمي؟! ماذا تفعلين؟!
رفعت السيف إلى صدره... واقتربت منه خطوة.
- من اليوم... أنا لست أمك.
عامر (وقد بدأ قلبه يخفق بشدة):
- أمي... ماذا تقولين؟ ......
أجابته بصوتٍ هادئ لكنه خالٍ من الرحمة:
- إن اقتربت من الظل مرة أخرى... سأقتلك بيدي...
ثم أدارت ظهرها... وسارت نحو ظلام النفق، تاركة عامر ينزف على أرض المغارة.
ظل يردد لنفسه كالممسوس:
- أمي......
----
وبعد لحظات حاول أن يقف على قدميه وخرج من باب المغارة وهو يمسك جانبه بيده ويده ملطخة بدمائه.
وقف الجميع عند مدخل المغارة، وجوههم يملؤها الانتظار والقلق...
موسى كان أول من انتبه إليه، فركض نحوه:
موسى (بلهفة):
- سيدي، ما الذي حدث؟ هل وجدتها؟ هل أنقذتها؟
لكن عامر مرّ بجانبه دون أن ينظر إليه، كأنه لا يراه.
خولة اقتربت مسرعة، وقلبها يتلوى:
خولة (بصوتٍ مختنق):
- سراج الدين... أنت تنزف! ماذا جرى؟ أجبني أرجوك... أجبني!
توقف عامر ببطء، رفع عينيه نحوها...
لكن نظرته لم تحمل الحزن، ولا حتى الغضب، بل شيئًا أبرد من الموت....
ثم استدار نحو رجاله:
عبد الرحمن، موسى، حازم...
وبصوتٍ مبحوح، مكسور، خرجت منه كلمات كأنها تُنزف لا تُقال:
- كلّكم... خَونة.
عبد الرحمن (مصدومًا):
- خونة؟! نحن يا سيدي؟!
عامر (بصوتٍ حاد كالسيف):
- لا أريد أن أسمع شيئًا... لا تبرير، لا قَسم، لا نظرات كاذبة.
أريد أن أمشي... وحيدًا.
اقتربت خولة وقالت (بصوت مرتجف):
- دعنا نداوي جرحك أولاً ثم نتحدث فيما حدث لاحقًا، لا تخف نحن معك... أنا معك... وأنت تعرف هذا...
نظر إليها مطولًا، كأن كلمتها تمزّقه أكثر، ثم قال:
عامر:
- لا أريد أحدًا معًا.
ثم سار بلا التفات، أما خولة فتبعته وسارت خلفه تكلمه وهو لا يجيبها حتى وصلا إلى القصر فركضت وأحضرت الطبيب له.
دخل عامر القاعة الكبرى، مترنّح الخطى، يتكئ بيده المصابة على الجدار ثم سقط أرضًا هنا دخلت خولة وأوقفته ومعها الطبيب ووضعوه على الأريكة.
-لم تمر لحظات، حتى انفتح باب القاعة فجأة، ودخلت سارة مسرعة، ووجهها يعلوه الهلع.
- سراج الدين! - صاحت باسمه وقد جثت أمامه - ماذا حدث؟! ما هذا الجرح؟ من فعل بك هذا؟!
مدّت يدها تتحسس موضع الدم على ثوبه، ثم نظرت إليه بعينين تملؤهما الدموع والرجاء:
- أخبرني... أرجوك... أنت تُخيفني!
لم يجبها عامر، فقط اكتفى بنظرة ساكنة...
-حينها دخلت خولة، تحمل لفافات الشاش وبعض الماء، وقبل أن تقترب، رفعت سارة عينيها نحوها، ثم وقفت ببطء.
- لا حاجة لنا بكِ، - قالتها سارة بجمود - أنا سأتولى أمره.
ثم التفتت إلى عامر، وأمسكت يده بحنان:
- من هذه اللحظة... لن أسمح لك أن تخرج وحدك مرةً أخرى. أينما ذهبت، سأكون إلى جانبك.
ثم نظرت إلى خولة نظرة حادة، ونطقت بنبرة صارمة:
- ولن أسمح لأيٍّ كان... أن يؤذيك. إلا على جثّتي.
خولة ظلّت واقفة في مكانها، يملؤها صمتٌ ثقيل، لا ردّ على ما قيل، ولا غضب. فقط نظرة واحدة ألقتها على عامر، ثم انحنت برأسها قليلاً، واستدارت خارجة من القاعة.
-عامر، رغم ألمه، نظر إلى الباب الذي خرجت منه، وكأن روحه تسير خلفها.
-لكن سارة أحاطته بذراعيها وقالت بهدوء:
- أنت لست وحدك يا سراج الدين... لن أتركك تواجه هذا الظل وحدك أبدًا.
رفع نظره نحوها أخيرًا، وقال بصوت متهدّج:
- بل أنا وحدي منذ البداية.
ثم أغمض عينيه... وسقط منهكًا بين ذراعيها.
---
في صباح اليوم التالي...
كان ضوء الفجر يتسلل إلى أرجاء القصر..
في غرفةٍ هادئة، استيقظ عامر على صوت خافت وهمسة قريبة:
- سراج الدين... هل أنت بخير؟
فتح عينيه ببطء، فإذا بسارة تجلس على الأرض إلى جوار فراشه، رأسها مائل على حافة السرير، وعيناها محمرّتان من السهر والبكاء.
عامر(بصوتٍ منهكٍ):
- لم تَنَمِي؟
رفعت رأسها، ونظرت إليه بلهفة:
- كيف أنام وأنت تتألم؟ كنت أضع يدي على صدرك كل ساعة لأتأكد أنك لا تزال تتنفس.
صمت عامر لحظة، ثم قال:
- لا تستحقين كل هذا العناء من أجلي....
أمسكت سارة يده بقوة وقالت:
- بل تستحق أكثر من ذلك... كلّ ما فيك يستحق أن يُقاتَل من أجله.
ثم سكتت، ونظرت في عينيه نظرة طويلة، وكأنها تحاول أن ترى قلبه من خلالهما.
- سراج الدين...
- نعم؟
- أنا أعرف أنني كنت قاسية عليك من قبل... لكنني خفت، خفت أن أفقدك كما فقدتك من قبل أنا ما زلت أراك زوجي سراج الدين.
- وماذا تريدين؟
ارتجفت شفتيها قبل أن تتكلم، ثم قالت بصوتٍ مرتعش:
- أريدك أن تعدني... أنك لن تذهب إلى أي مواجهة أخرى دون أن أكون إلى جانبك.
- هذا خطر، يا سارة.
- أنا لا أطلب الإذن... أنا شريكتك في كل شيء، ولا أنسى أبدًا أنك بقيت هنا من أجلي. فإن كان قد كتب عليَّ الموت فأريد أن أموت وأنا معك.
ابتسم عامر رغم ألمه، ثم أغلق عينيه قليلاً.
وبينما كان السكون يخيم على الغرفة، دخل عبد الرحمن ببطء، وملامحه تنذر بعاصفة.
عامر (بصوت متقطعٍ وهو يفتح عينيه): - ماذا هناك يا عبد الرحمن؟ لا تخبرني أن عثمان ظهر مجددًا...
عبد الرحمن (بقلقٍ شديد): - لم يظهر، ولكن... هناك أمر آخر.
سارة نهضت بسرعة، واقتربت منه:
- تكلم!
قال عبد الرحمن وهو يتلفت حوله ثم يهمس:
- وصلتني رسالة مشفّرة... من أحد عملائنا في السوق القديمة.
- وماذا تقول؟
- "السيد عثمان شوهد قبل ساعةٍ واحدة... يدخل سردابًا قديمًا خلف جامع المنار. ولم يكن وحده... بل كانت معه امرأة... تُشبه تمامًا... أمك."
جفّ الدم في وجه عامر، ووقف وهو يمسكه جانب بطنه من الألم، ثم ضرب زجاجات الدواء فأوقعها أرضًا وقال (بصوت يملؤه الغضب) :
- الظلّ، الظلّ، الظلّ، ماذا تريد مني يا ظلّ، تريدني أنا إذن تعالى وقاتلني وأقسم أنني سأقطع عنقك.
-أوشك من شدة ألمه أن يسقط فأمسكت سارة وعبد الرحمن بذراعيه وأجلساه وقالت بحزنٍ:
ــ اهدأ، أنت مازلت تتألم، جرحك عميق ويحتاج إلى راحةٍ وهدوء، أرجوك اهدأ وسيكون كل شيء على ما يرام.
عامر: أنت من بدأت اللعبة يا ظلّ وأنا اليوم سأنهيها......
رواية شِفرة أوڤاميندرا "سر العوالم السبعة" (الجزء الأول) الفصل الرابع عشر 14 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار
في ليلةٍ ساكنة، كانت خريطة المدينة منبسطة أمام عامر على الطاولة، بينما سارة وخولة وعبد الرحمن وموسى وحازم يحيطون به. كان الجرح قد بدأ يُشفى، لكن عينيه ما تزالان تشعّان بعزمٍ لا يهدأ.
عامر (بصوتٍ حاسم):
– نحن لن ننتظر تحرّكه بعد الآن... سأجبره على الظهور.
خولة (بتفكير):
– كيف؟
عامر:
– سيظن أننا سنهاجمه في جامع المنار وهو ينصب لنا فخًا هناك ولكنه ليس هناك... ولكننا سنرسل إلى هناك فرقة من الحرس ملثمين يرتدون ثيابنا بقيادة موسى وحازم.
سارة:
– وأين سنذهب نحن؟
عامر (بابتسامة خافتة):
– أنا الآن أفكر بعقله، وسنكون حيث يكون هو. هنا في هذه النقطة يوجد الظل.
عبد الرحمن:
– متى سنتحرك؟
عامر (وهو ينظر إليهم):
– في منتصف الليل.
سارة (بصرامة):
– وأنا سأكون معك، أليس كذلك؟، لا تمنعني. وعدتني أن لا تتركني.
عامر (صامتًا للحظة ثم قال):
– ستكونين معي.
سارة(بابتسامة تملأ وجهها وهي تنظر إلى خولة):
ــ أجل، أحبك يا زوجي العزيز
---
وبالفعل، مع اقتراب منتصف الليل، كانت فرقة الحرس تتحرك في اتجاه جامع المنار... لكنها ليست سوى طُعم.
أما عامر، فكان يتسلل مع خولة وعبد الرحمن من الجهة الغربية نحو سردابٍ قديم تم تصميمه لحماية الأطفال والنساء بداخله إذا هاجم الأسبان غرناطة ونجحوا في دخلولها في أية لحظة.
-حين دخلوا، وجدوا شعلة واحدة مطفئة فأشعلوها ثم ساروا وسط نفق ضيق، يقود إلى غرفةٍ مفتوحة.
عامر (وهو يهمس):
– الآن سينتهي كل شيء.
دخل عامر أولاً، ثم عبد الرحمن وخولة بعده... كانت الغرفة خالية إلا من صناديق حجرية ودوائر محفورة في الأرض، وقدر ضخم مملوءٍ بالزيت المغليّ.
وفجأة، صفق أحدهم.....
صوت مألوف، غامض:
– أحسنت يا سراج الدين...ذكاؤك أرشدك إلى مخبئي السريّ، وهو نفسه الذي جاء بك إلى حافة النهاية.
عامر:
– أجل وأنا أيضًا أريد أن أكتب النهاية الآن.
ثم ألقى شيئًا صغيرًا على الأرض... كان كرةً صغيرة من زجاج معطر... ما إن انكسرت، حتى تصاعد دخانٌ أزرق كثيف، أربك كل من في المكان.
-وفي هذه اللحظة ظهر الظل، وبجواره السيد عثمان، وعيناه متوهّجتان بالحمرة، وخلفه... أم سراج الدين.
عامر (بصوتٍ عال):
– عثمان! أما زلت تهرب؟!
الظل:
– هو الآن لي.
ثم صاح:
– اقتلوه.
-اندفع السيد عثمان نحو عامر بسيفه، وعيناه خاليتان من الرحمة. ولحقت به أم عامر من الخلف، تتلو تعاويذ وترمقه بنظرات قاتلة.
عامر (وهو يصد ضربات عثمان):
– لا أريد قتالك يا عثمان! قاوم! أنت أقوى من هذا السحر!
-لكن الضربات كانت شرسة.
خولة من الجهة الأخرى كانت تحاول أن تصد أم عامر دون أن تؤذيها، فيما كانت سارة تقف وتراقب المشهد من مدخل السرداب، وهي ترتجف.
ثم، باغت عامر عثمان بضربة على معصمه، أفقدته سيفه. ركض عبد الرحمن نحوه وساعد في تقييده.
في الجهة المقابلة، كانت أم عامر تمسك سيفها، تتقدم نحو عامر...
– أمي، توقفي، أرجوكِ!
لكنه اضطر أن يتصدى لها بسيفه وهو يدمع... إلى أن ارتجفت يدها فجأة، وسقط السيف من يدها.
أسرع عامر واحتضنها من الخلف، وهي تقاوم وتصرخ بلا وعي.
– خولة، قيديها بسرعة... لا تؤذيها.
ربطتها خولة بحذر وهي تهمس:
– سامحينا يا أمِّي.
الظل، وقد بدأ الدخان يشتد من حوله، حاول الفرار.
لكن عامر ركض خلفه، ثم انقضّ عليه:
– هذه نهاية لعبتك!
اشتعلت المعركة بينهما، وكان عامر يُقاتل بقلبه قبل سيفه، إلى أن دفع الظل إلى الحائط وضربه في كتفه.
وقع القناع عن وجهه أخيرًا، ليرى الجميع وجهًا مشوّهًا، مليئًا بالوشوم والتعاويذ، لا يُشبه البشر.
عامر (بصوتٍ مخنوق):
– من أنت؟!
الظل (بضحكةٍ مريضة):
– أنا كابوسك الذي لن ينتهي، أنا الخوف الذي سيطاردك حتى يقتلك.
-فضربه عامر بسيفه ضربةً قطعت رأسه.
خولة (بهمس):
– الحمد لله لقد انتهى.
عامر (وهو يلهث):
– لا... ليس بعد.
خرجوا جميعا إلى من السرداب ثم التفت إلى رجاله:
– خذوا السيد عثمان وأمي... هناك رجل في السوق القديمة يُدعى نوح، يقال إنه يعالج المسحورين. أوصلوهما إليه بسرعة. ولا تتركوهما لحظة واحدة.
خولة:
– وماذا عنك؟
سارة (بابتسامةٍ سمجة):
– سيبقى معي، وسنذهب سويًا إلى القصر.
- نظرت إليها خولة ثم نظرت إلى عامر وغادرت.
---
في صباح اليوم التالي...
وتحديدًا في قاعة المجلس الكبرى، كان عامر يجلس في صدر المجلس، يُحيط به رجاله من الجنود والقادة المخلصين: عبد الرحمن، موسى، وخولة، وحازم، فيما وقفت سارة بجانبه، تمسك بكأسٍ من الماء وتراقب وجهه الذي بدأ يستعيد شيئًا من صفائه.
الزينة الخفيفة عُلّقت على الجدران، والنيران تُشعل في مشاعل الذهب، بينما خفَتت الأصوات احترامًا لكلمة القائد.
عامر (وهو ينظر في الوجوه):
– لقد انتهت مرحلةٌ مظلمة من تاريخ غرناطة... أُعدِمَ عبدون، وسقط الظل، وحرّرنا من بيننا من كان معتقلاً أو مسحورًا أو خائنًا.
سكت لحظة، ثم تابع:
– لكنَّ المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد.
-في تلك اللحظة، دخل أحد الجنود مسرعًا، يحمل لفافة مختومة بشمعٍ أحمر.
الجندي (وهو ينحني):
– سيدي القائد... وصلت هذه الرسالة، وعليها ختم الملك فرديناند.
أخذ عامر الرسالة وفتحها بحذر، وبدأ يقرأ بصوتٍ عالٍ:
> "إلى من يلقّب نفسه بحاكم غرناطة... بلغنا أن بينكم أسرى من جنودنا، ونُطالب بإطلاق سراحهم فورًا. وإن لم تفعلوا، فسنحشد جيوش الممالك الصليبية كاملة، ونحاصر غرناطة حتى نسقطها حجراً حجراً. لديكم ثلاثة أيام فقط.
– فرديناند"
-ساد الصمت في القاعة، ثم ارتفعت همهمات خافتة، بعضها مذعور، وبعضها متحفظ، والوجوه بدأت تتغير.
سارة (بقلق): – هل يظنون أن غرناطة بلا سيف؟
عبد الرحمن (وهي يعقد ذراعه):
– إنهم يختبروننا.
عامر (وهو يقف، صوته يعلو):
– لن نكون طعماً لتهديداتهم. لن نسلّم أسرانا، ولن نركع.
موسى:
– فما العمل؟
عامر:
– العمل هو أن نُعلن الآن اختيار ملكٍ لغِرناطة. ملكٌ يقودنا إلى حربٍ طويلة الأمد مع الصليبيين نستنزف فيها قوتهم، إلى معركةٍ تحفظ الكرامة. جيشٌ منظم، وأرضٌ متماسكة، وصوتٌ واحد.
سارة (بصوتٍ حازم):
– وهل هناك مَن هو أحق منكَ بالعرش؟
عامر (وقد رمقها بنظرة عميقة):
– غرناطة ليست لي وحدي، ولن أحكمها إلا إن أراد شعبها.
عبد الرحمن:
– نحن نبايعك، ولن ننتظر إذناً.
سارة (وهي تبتسم بفخر):
– أنت الملك الذي انتظرته هذه الأرض.
-ارتفعت الهتافات في القاعة، وبدأ الجنود يقرعون بنعالهم على الأرض علامة الولاء.
لكن خولة كانت قد سحبت يدها بهدوء، ثم تقدّمت خطوة ووقفت أمام عامر.
خولة (وهي تسلمه سيفها):
– انتهى دوري الآن يا سيدي، لقد ساعدتك حتى تخلّصتَ من عبدون والظل... الآن سأعود إلى حياتي العادية.
عامر (مصدومًا):
– ماذا تقولين؟
استدارت وغادرت القاعة، وصمت عامر للحظة، ثم ركض إلى غرفته وأحضر شيئًا وركض خلفها.
...
-في الأزقة الضيقة المتشابكة، كان صوت خطواته يتردد، حتى لمحها تسير باتجاه بيتها القديم.
عامر (وهو يلهث):
– خولة... انتظري!
استدارَت خولة فجأة، وثبّتت عينيها في عينيه كحدّ السيف، ثم قالت بصوتٍ قويّ:
– ما الذي تريده منّي يا سراج الدين؟! أظننتَ أن ما كان بيننا ضعفٌ أو ميلٌ؟! ما فعلتُه كان من أجل غرناطة، لا من أجلك.
تقدّمت خطوة، ورفعت سيفها نحوه بثبات:
– أنا لست امرأةً تُحاصرها العواطف، ولا لقمةً سائغة في مائدة الرجال. لست من أولئك اللاتي يرمين أنفسهنّ حين يُلوّح لهنّ فارسٌ بسيفه.
ثم أضافت، وهي تحدق في عينيه:
– كلُّ ما بيننا كان واجبًا... لا أكثر. وإن كنتَ تظنّ غير ذلك، فأنت لا تعرفني بعد.
-ثم رفعت السيف في وجهه:
– ابتعد... قبل أن يُجبرني شرفي على أن أُريق دمك بهذا السيف.
عامر (بهدوء):
– لن أرجع.
- تركته ومشت إلى بيتها وفتحت الباب، وهمّت بالدخول، لكنه تبعها. استقبله والدها ووالدتها بدهشة.
عامر (بأدب):
– اسمحوا لي بالدخول، أتيت أطلب يد ابنتكما...
-لكن خولة خرجت مسرعة وقالت:
– لا أريدك!، لا تأتِ لتروي لي أساطيرك واسمك الغريب وعالمك الآخر!
-صمت عامر، ثم قال بهدوء:
– أرجو منكما أن تتركاني وحدي معها، دقيقة واحدة فقط.
-أومأ الأب، وانسحب هو وزوجته.
عامر (بصوتٍ خافت):
– أعلم أنك لن تصدقيني، ومعك حق. لكن فقط تعالي معي... سأُريك شيئًا.
خولة (ببرود):
– سأذهب... لكن إن كنت تخدعني، سأقتلك بسيفي هذا.
...
وبعد ساعة...
وقف عامر ومعه خولة وأبواها قرب كهفٍ جبليّ، الرياح تعصف بثيابهم، والسماء تميل إلى الحمرة.
عامر(وهو يهمس لها):
– سيبقى والداك هنا، أما نحن، فسنفتح البوابة، هم لا يعرفون لماذا نحن هنا ولا أريدهم أن يعرفوا شيئًا.
-ثم دخل إلى الجبل وهي تسير خلفه رافعة سيفها حتى وصل إلى البوابة أخيرًا، ثم أخرج المفتاح ووضعه في فتحةٍ صغيرة في البوابة.
نظر عامر إلى خولة:
– ادخلي خلفي.
-فتح عامر البوابة بحذر، وخرج من النيش الخشبي ثم أخذ خولة إلى شرفةٍ عالية تطلّ على أحد شوارع القاهرة المزدحمة.
-كانت العربات تمرّ، والناس بملابسٍ حديثة، وأصوات أغانٍ تملأ الشوارع، وصوت السيارات يعلو في الخلفية.
خولة (بذهول):
– ما هذا...؟!
نظرت إليه، وعيناها تتسعان، ثم نظرت إلى الأبنية الشاهقة، واللافتات، والسيارات.
خولة (بهمس):
– أنت ساحر.
ثم بدأت تتنفس بسرعة، وجسدها يرتجف...
خولة (بصوتٍ مبحوح):
– غير معقول...
-خولة..... خولة.........
---
في غرفةٍ عالية تُشرف على شوارع القاهرة، كان عامر يجثو بجانب خولة، يُربّت على كتفها محاولًا إفاقتها. عيناها مغمضتان، وأنفاسها متسارعة.
عامر (بصوتٍ قلق):
– خولة... خولة، استفيقي، أنا هنا... لا تخافي.
-فتحت عيناها فجأة، نظرت حولها ثم إليه، وقالت بصوتٍ مرتعش:
– ماذا حدث؟! أين أنا؟
عامر (بابتسامةٍ خفيفة):
– أنت في عالمي... في القاهرة.
-وضعت يدها على رأسها، ثم قالت ببطء وكأنها تحاول تذكّر شيء ما:
– أجل... أنت ساحر. ما رأيته لا يُصدّق. هذه المدينة... الناس... الأبنية... لا يُمكن أن يكون هذا حقيقي!
عامر (واقفًا، ثم يمد يده لها):
– قومي وانظري مرة أخرى.
-نهضت ببطء، اقتربت من حافة الشرفة، ونظرت مجددًا. السيارات تزمجر، وأضواء المحال تتلألأ، والناس يسيرون في عجالة.
خولة (وهي تتمتم):
– مستحيل...
عامر (بهدوء):
– هذا هو زمننا الآن... نحن في العام الهجري 1444.
تجمدت الكلمات على لسانها، ثم التفتت إليه بدهشة:
– 1444؟!، كيف؟!
عامر (بثقة):
– نعم... أما زلت تظنين أنني سراج الدين؟
خولة (بصوتٍ خافت):
– لا... لا يمكن... إذًا فأنت... عامر؟
عامر (ينظر إليها بصدق):
– عامر، ابن هذا الزمن. لا علاقة لي بسراج الدين سوى الشبه... وسارة؟ ليست زوجتي. كل ما كان جزء من مهمة.
-خولة ببطء نحو الحافة، تنظر إلى الناس مرة أخرى، ثم قالت:
– هل تُريدني أن أصدق أنك جئت من المستقبل؟ أن كل ما رأيناه في غرناطة قد مضى منذ قرون؟
عامر (يقترب منها):
–أجل كما صدّقتِ أنا أنكم ما زلتم تعيشون في زمنٍ انتهى منذ مئات السنين.
-صمتت للحظات، ثم جلست على أحد المقاعد، واضعة يديها على رأسها:
– هذا جنون... لا أستطيع استيعاب الأمر... عقلي يرفض هذا الواقع.
عامر (جالسًا إلى جوارها):
– ستصدقينني إن تزوجتيني و أتيتِ معي إلى بيتي. ستقابلين أمي وأبي وتسنيم... أختي الصغيرة. ستسمعين لغتهم، وترين تفاصيل هذا العالم بعينك.
رفعت عينيها إليه، وقالت:
– حسنًا... سأوافق على زواجي منك وسأذهب معك.
-ابتسم عامر، لكن خولة رفعت إصبعها بإشارة تحذير:
– ولكن لدي شرط.
عامر:
– ما هو؟
خولة (بصوتٍ حاد):
– تقسم بالله أنك صادق، أنك لا تكذب عليّ، ولا تخدعني. وإن كنت تكذب، يا سراج الدين أو عامر... سأقتلك بسيفي هذا.
عامر (رافعًا يده):
– أُقسم بالله، أنني صادق في كل كلمة قلتها، ولم أخدعك يومًا.
-حدقت فيه طويلاً، ثم أغمضت عينيها وقالت: – حسنًا... فلنعد إلى أبي وأمي ثم نرتب للزواج وإلى مقابلة أهل عالمك، احكي لي كل شيء حدث معك، أريد كل شيء تفصيلاً....
عامر(بابتسامة عريضة): حسنًا، سأحكي لك كل شيء، ولكن أولاً يجب أن.....
– تجمّد صوته فجأة عندما سمع في تلك اللحظة صوت مفتاحٍ يدور في قفل الباب الخارجي للشقة ببطء، كأنّ من بالخارج يحاول فتحه بحذرٍ أو تردُّد.
-التفتت خولة بسرعة نحو الباب، وعينيها تتسعان من الذهول:
ــ من هذا الصوت؟!
ــ فيما عامر وقف بحدّة، وقد تلاشت ابتسامته.
عامر (بهمسٍ جاد):
– أحدهم يحاول فتح الباب.
خولة (وهي تضع يدها على مقبض سيفها):
– إذن مَن يكون؟
صدر صوت احتكاك المفتاح مرة أخرى... ثم تبعه نقـرة خفيفة...
وبدأ المقبض يتحرك ببطء.....
رواية شِفرة أوڤاميندرا "سر العوالم السبعة" (الجزء الأول) الفصل الخامس عشر 15 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار
في اللحظة التي بدأ فيها مقبض الباب يتحرك ببطء، وقف عامر وخولة في حالة ترقّب، وكلٌّ منهما يضع يده على سيفه.
عامر (بهمس): - استعدي... لا نعلم من هناك.
انفتح الباب فجأة، وظهرت فتاة شابة ترتدي لباسًا أسودًا فضفاضًا، ونقابًا أسودًا، وعيناها حمراوان من البكاء.
- عامر!
-تسنيم!
-هرعت فجأة إلى الداخل، وبكاؤها سبق خطواتها، ثم قفزت نحو أخيها تحت ذهول خولة، وارتمت في حضنه وهي تضربه على صدره بقبضتيها(وهي تبكي):
- يا كذاب! مش قلت إنك مش هتتأخر، وإنك راجع تاخدني؟ ليه غبت كل دا؟ أنا كنت بعيش في رعب كل يوم! خفت تكون مُت!، أو حصلك حاجة.
عامر (وهو يضمها بقوة ويُقبّل رأسها): - آسف... آسف يا تسنيم، كنت مرغم. والله ما قدرت أرجع، بس الحمد لله رجعت، وربنا جمعنا تاني. بس انتي عرفتي ازاي إن أنا هنا دلوقتي؟
تسنيم (تمسح دموعها):
- أنا كل يوم باجي أقعد قدّام النيش... بستناك. أهو في مكانك دا، كنت بقول يمكن ترجع فجأة... ولما بزهق بمشي وأرجع تاني. وكنت ناوية لو اتأخرت يومين كمان هدخل أدور عليك!
عامر (منفعلًا):
- أنا مش قلتلك... إياكي تفتحي البوابة أو تحاولي؟! أنا وعدتك إني هرجع، ماينفعش تعملي كده تاني أبدًا، واضح؟
تسنيم (بخجل):
- أنا آسفة... بس أنا كنت خايفة عليك أوي...
-في تلك اللحظة، كانت خولة تقف جانبًا، تنظر إلى المشهد، وقد بدا الغضب في عينيها، ثم قالت بصوتٍ جاف:
- يا لكَ من مخادعٍ كذّاب... الحمد لله الذي كشف لي حقيقتك قبل أن أتزوجك.
تسنيم (بتعجب وهي تنظر إليها):
- مين دي؟ ومالها بتتكلم كده؟ هي مدبلجة ولا اي؟
عامر (مرتبكًا):
- دي خولة... كنّا...
-لكن خولة قطعت كلماته، وأدارت ظهرها، وبدأت تتجه نحو البوابة وهي تقول:
- لن أبقى معك لحظةً أخرى.
عامر (راكضًا نحوها، يمسك بذراعها):
- انتظري، سأشرح لكِ...
-خولة (تسحب يدها بعنف، وترفع سيفها):
- إن حاولت لمسي مجددًا، أو حتى الاقتراب مني، سأقتلك...!
تسنيم (تسحب عامر من يده):
- سيبها تمشي علشان خاطري... شكلها ناوية على شر، وبعدين هي مين دي أصلًا؟ وليه بتتكلم معاها بالفصحى كأننا في ناشونال جيوغرافيك، أجل لقد أمسكت بسمكة التونة العنيدة، يا للهول.
عامر (بصوتٍ خافت، وهو يرى خولة تفتح البوابة):
- خولة، انتظري! هذه أختي... تسنيم! أختي التي حدثتكِ عنها.
-توقّفت خولة، ثم أغلقت البوابة مجددًا، واستدارت نحوه ببطء، وقالت بحدة:
- لماذا لم تُخبرني منذ البداية؟! ألم تعلم أن ذلك سيضايقني؟!
عامر (بصوتٍ نادم): - كنت أخشى أن تتوتر الأمور. تسنيم متعلقة بي كثيرًا، وكانت خائفة بسبب غيابي. أردت فقط أن أطمئنها. أعتذر... مرة أخرى، أعتذر.
خولة (وهي تعيد سيفها إلى غمده):
- لا بأس... أهلاً بكِ يا... قلتَ لي ما اسمها؟
عامر:
- تسنيم.
خولة:
- أهلاً بكِ يا تسنيم.
تسنيم (تقترب من خولة، تمد يدها للمصافحة):
- أهلاً بيكي يا خولة، وانتي شبه عصاية المكنسة كده ليه؟! ما عندكوش أكل ومحشي ولا إيه؟
عامر (منزعج):
- اتلمي يا تسنيم، مش عاوزين مشاكل.
-خولة (وقد سمعت اسم "عامر" تخرج من فم تسنيم):
- سراج الدين... سمعتها تناديك "عامر". لكنني لا أفهم بقية كلامها.
عامر:
- هذه لغتنا... العامية المصرية. سأُعلّمك إياها لاحقًا. تسنيم، حدّثيها بالفصحى، ولكن بلُطف.
تسنيم:
- ماشي... ماشي، بس لسه مقولتش... مين دي؟ ومعاك ليه؟
عامر (بتردد):
- خولة... خطيبتي. وهتبقى مراتي.
تسنيم:
- نعم يخويا؟! ده إمتى وازاي؟! وبعدين ملقتش غير المعصعصة دي؟ وكان مالها منة بنت عمك على الأقل بتتكلم زي الناس!
عامر (يضحك):
- معلش، اهدي علشان خاطري، لو فهمتك ممكن تزعل!
تسنيم (بابتسامة رغم الغضب):
- وكمان خايف على زعلها! طيب، طيب يا عامر.
عامر (جديًّا):
- تسنيم... بالله عليكي، كنت في دمار وحرب وحاجات فوق الوصف. لما أرجع تاني هفهمك كل حاجة بالتفصيل وهتعذريني أنا عارف.
تسنيم (ترفع حاجبها):
- لما ترجع؟! يعني إنت ماشي تاني؟
عامر:
- لازم نرجع... أبوها وأمها مستنيينّا، يمكن نلاقيهم طالعين من النيش دلوقتي.
تسنيم:
- وهترجع إمتى؟
عامر:
- يومين بالضبط، وراجع. مش هطوّل.
تسنيم:
- يومين يا عامر...
عامر (مبتسم):
- يومين يا تسنيم، بس بقولك...
تسنيم (بنعومة):
- نعم؟
عامر (بجدية):
- اوعي تحاولي تفتحي البوابة دي أو تيجي ورايا أبدًا.
تسنيم:
- حاضر... أوعدك مش هعمل كدا إلا لو اتأخرت.
- احتضنها عامر، ثم ودعها، وأخذ خولة وعاد بها إلى البوابة. وما إن عبراها، حتى وجدا والدي خولة في انتظارهما، القلق بادٍ في أعينهما، لكنه ما لبث أن تبدد حين رأت خولة والديها، فطمأنتهما:
- نحن بخير، لا تقلقا.
---
وفي صباح اليوم التالي...
في ساحةٍ واسعة داخل القصر، تناثرت الزهور، وتزينت غرناطة، واحتشد أهلها لحضور زفافٍ لم يشهدوا مثله من قبل.
عامر، في حلّةٍ بهيّة، وخولة، بثوبٍ أبيض مرصّع بنقوشٍ أندلسية، يتقدمان وسط الحشود.
أما سارة، فكانت تراقب من بعيد، والغيرة تنخر صدرها، والابتسامة متجمّدة على شفتيها.
- مبارك لكما، قالتها سارة، لكنها كانت تقولها من بين أسنانها.
اقتربت من خولة، وقالت لها:
- لا تفرحي كثيرًا... لقد فزتِ به اليوم، لكن الحرب لم تنتهِ بعد.
خولة (بثقة وهي تمسك يد عامر):
- بل انتهت، وربحتُ بها قلب رجلٍ لا يخون.
عامر (وهو يبتسم للاثنتين):
- نحن اليوم في فرح... دعونا نحتفل.
لكنّ الاحتفال لم يدم طويلاً، إذ دخل رسولٌ إلى المجلس، يحمل لفافة عليها ختم أحمر ووشاح ملكي.
الرسول (وهو يقف أمام عامر ويطلب الإذن منه):
- رسالة من الملك الصليبي...الملك فرديناند.
أخذ عامر الرسالة، وفتحها، ثم قرأها بصوتٍ عالٍ:
> "إلى عامر، الذي ظن نفسه ملكًا...
سمعنا بزواجك، فهنيئًا لك، وإن كانت فرحتك لن تكتمل.
سنمد لك المهلة أسبوعًا آخر حتى تفرح بزفافك
... وعند انتهائها، لن تجد من ينقذك من المصير الذي ينتظرك.
زوجتاك، سارة وخولة، ستكونان جاريتين في قصري...
وأنت... سأعلّقك على بوابات غرناطة، ليعلم الجميع ألا مفرّ من سيف الصليب.
> فرديناند"
ساد صمتٌ ثقيل، ثم بدأ الهمس يدبّ بين الجنود والقادة...
عامر (وهو يطوي الرسالة ويقف بثبات):
- الآن، أصبح الأمر متعلقًا بالشرف، لقد أخطأ فرديناند عندما كتبت يده أسماء خولة وسارة، وأنا أعده أنني سأقطع يده أمام أعينهما، وإنا كان يظنّ أن غرناطة ستُركع، فهو لا يعرف سراج الدين....
---
عبد الرحمن: سيدي بماذا سنرد عليه؟
عامر (بصوتٍ عالٍ بعد أن طوى الرسالة):
- لا ردّ على هذا التهديد اليوم. فليهنأ بما كتبته يداه، وسأجعله يندم على كل حرفٍ كتبه. لكنني لن أسمح أن تُفسد فرحة خولة بسبب تهديد أجوف.
- أيها القادة، غدًا صباحًا نجتمع جميعًا، نناقش الردّ المناسب، ونضع خطّتنا المقبلة. أما اليوم... فليكن فرحًا نقيًا لا يعكّره شيء.
أومأ الجميع موافقين، وبدأت الاحتفالات تعود تدريجيًا إلى الساحة، وبعد ساعتين أمسك عامر بيد خولة وأكمل السير بها نحو غرفتهما، وقد بدت الفرحة على وجهها، ممزوجةً بشيءٍ من القلق.
**
في صباح اليوم التالي، داخل القاعة الكبرى لقصر الحمراء...
وقف عامر أمام خريطة عظيمة مفصّلة لمدينة غرناطة، محاطة بجدرانها العريقة، مرسومة بعناية فوق لوحٍ حجريّ عتيق. كانت الشمس تتسلل من النوافذ المزخرفة، بينما اجتمع القادة من حوله، يترقّبون كلمته.
عبد الرحمن:
- هل نثق بأن الملك فرديناند سيمنحنا مهلة أسبوع كما زعم؟
عامر (بصوتٍ خافت):
- لا. هذا ليس وعدًا بل فخ، يريدنا أن نستكين، أن نغفل. لكننا لن نمنحه هذه الفرصة.
موسى:
- وما العمل إذًا؟ هل نتحرك قبل انتهاء المهلة؟
عامر:
-أجل، وكلما تأخرنا سنكون في خطرٍ أكبر.
موسى: إذًا نحتاج إلى ابن الأمين
عامر: من ابن الأمين هذا؟
موسى: محمد ابن الأمين أحد مساعديك الكبار،
قائد مخضرم يعرف كل شبرٍ في غرناطة وفي الأندلس بأسرها، إنَّه داهية الحرب، كيف لا تذكره لقد كان هو المساعد المقرب لديك.
عامر: أجل أجل تذكرته، سامحوني لقد أثرت ضربة الظل على ذاكرتي عندما حاول قتلي أول مرة، وأين هو محمد ابن الأمين الآن؟
عبد الرحمن: سيدي، لقد أصدرت أمرًا ببقائه في السجن.
عامر: أنا؟!، متى؟، أنا لم أفعل هذا!.
عبد الرحمن: عندما أخرجنا القادة الذين اعتقلهم عبدون، وكنت سأخرج القائد ابن الأمين، أنت أرسلت أحد الجنود إليَّ برسالةٍ موقعةٍ منك ببقاء ابن الأمين في السجن.
عامر: أنا لم أرسل أيّ أحدٍ ولم أكن أعلم بوجود ابن الأمين في السجن، ولكن من الذي تجرأ واستخدم اسمي لبقاء ابن الأمين في السجن؟
عبد الرحمن: المهم الآن هو أن نخرجه ونوضح له الأمر وينضم إلينا سريعًا، وأنا أعدك أنني سأتولى بنفسي التحقيق في أمر الجنديّ هذا.
- ذهبوا وأخرجوا القائد ابن الأمين وأجلسه عامر واعتذ له عمَّا حدث وحكى له عن كل شيء، وطلب منه أن يستريح حتى المساء.
وفي المساء اجتمع عامر بهم مجددًا ووقف محمد ابن الأمين يشرح على خريطة غرناطة خطة مواجهة الصليبيين....
ابن الأمين (بصوتٍ حازم وهو يشير إلى الخريطة):
- غرناطة ليست مدينةً عادية... هي حصنٌ منيع، ولها أسوارٌ لو تحدّثت، لروت ألف معركة. أمامنا ثلاثة أيامٍ قبل أن يتحرّك فرديناند، وهذا وقتٌ كافٍ لنُعدّ له مفاجأة تليق بوقاحته.
أشار أولًا إلى باب إلبيرا (باب البيرة ):
- هنا المدخل الشمالي الشرقي للمدينة، بوابة مهمة تربطنا بجبال سييرا نيفادا... طريقٌ جبليّ، لكنه ممر حيويّ. ستُعزز فرقة حازم هذا الباب، وتزرع كمائن صغيرة في السفوح المؤدية إليه، فإن تحرك العدو من هذه الجهة، اصطادته الجبال قبل أن يقترب.
ثم أشار إلى باب الرملة غربًا:
- هذه البوابة قريبة من سهل فيغا، وهي الجهة الأضعف لأنها مفتوحة نحو الأراضي الزراعية. موسى، ستتولى إغلاق هذه الجبهة بحصونٍ خشبية ومراصد عالية. وأريد أن تكون هناك أنفاق خفية خلف المزارع، لنخرج منها إذا التفّوا من الخلف.
ثم رفع يده نحو أعلى الخريطة، حيث باب فُخّار :
- منفذ شديد الخطورة، يقود مباشرة إلى ضفاف نهر شِنيل. العدو قد يستخدمه كمسلكٍ ليليّ. عبد الرحمن، أريد كتيبة خفيفة الحركة هناك، مستعدة للقتال داخل الأزقة، إن اضطررنا. وأرسلوا رجالاً لاستكشاف أي حركة مريبة من النهر.
انتقل ابن الأمين إلى قلب الخريطة، وأشار إلى باب العديسة:
- هذه بوابة تؤدي مباشرة إلى حيّ القصبة داخل الأسوار. وهي معبرٌ استراتيجيّ. من هنا سيبدأ خطّ الانسحاب إن لزم الأمر، وسنقيم خلفها مركز قيادة متنقل، للاتصال بين الأطراف كافة.
ثم أدار نظره إلى أطراف المدينة:
- في الشمال الشرقي، قرب جبل شلبيّار، نُنصّب أبراج مراقبة. هذه الهضبة تمنحنا رؤية كاشفة لجميع تحركات الجيش الصليبي، وسنستخدمها لمباغتتهم بالمنجنيق، لكن بخُدع: نُشعل نارًا في مواقع وهمية، بينما الجنود يتحرّكون من أنفاق قديمة حُفرت منذ زمن الموحّدين.
وهنا تقدم عامر وتنهد، ثم أشار إلى قلب المدينة، حيث قصر الحمراء:
- وهنا... قلب غرناطة، وروحها. لن نُدافع عنه فقط، بل سنجعله شَرَكًا... إن ظنّوا أنهم سيقتحمونه بسهولة، فسيُفاجأون بالنيران من تحته، والسهام من خلفهم.
صمت قليلًا، ثم التفت إليهم وقال:
- كل خطة، مهما كانت قوية، تسقط إن لم يكن الرجال على قدرها. هذه الأرض لنا... وأقسم، إن مرّت أيامنا الأخيرة هنا، فلن تمرّ إلا وقد كتبناها بدماء العزّ لا بذلّ الركوع.
عبد الرحمن (بصوت متهدّج):
- ومتى نبدأ التنفيذ يا سيدي؟
عامر (بثبات):
- نبدأ الآن. خلال يومين، يجب أن تكون المواقع جاهزة، الأفخاخ منصوبة، والخطط البديلة مرسومة.
ثم نظر عامر إلى الأفق من إحدى نوافذ القصر، وقال:
- لتكن غرناطة هي البداية... لا النهاية.....
---
ثم نظر عامر إلى مساعديه وقال (بصوتٍ هادئ وحازم):
- إنّ ما نواجهه في قادم الأيام ليس معركة عادية، بل هي حربُ بقاء. أنتم الركيزة، والعقل، والسيف الذي نثق به. لذا... أطلب منكم أن تُقيموا الليلة في الجناح الخلفي من القصر، تحت حراسة مشددة.
عبد الرحمن (بقلق):
- أمرك يا سيدي، وسامحني أن سألت لماذا؟
عامر:
- أرواحكم في خطر، أشعر باحتمالية الغدر بكم. أنتم رأس المعركة، وإن سقط الرأس، سقط الجسد. أرجوكم... ابقوا هنا، فإنّي بحاجة إليكم، وغدًا نواصل ما بدأناه.
أومأ القادة موافقين، على مضضٍ، ثم انصرفوا. أما عامر، فقد توجّه إلى جناحه الخاص بصمت، ودخل غرفته.
وبعد ساعات من النوم والسكينة ..
فجأة، شعر بحركة خلف الباب، فهبّ واقفًا، وأمسك بسيفه بسرعة، يحدّق نحو الخارج بترقّب، حتى ظهرت خولة، تعود إلى الغرفة بخطى حذرة.
عامر (بلهجة مرتابة):
- خولة؟! أين كنتِ؟ ما الذي تفعلينه في الخارج في مثل هذا الوقت؟
خولة (بهدوء لكن بنبرة قلقة):
- سمعتُ صوتًا قرب الغرفة، فخشيتُ أن يُصيبك مكروه، فخرجتُ لأتأكد.
نظر عامر إلى يدها، فإذا بخنجرٍ صغير يقطر دمًا.
عامر (وقد اتسعت عيناه):
- ما هذا؟ الخنجر! والدم؟!
استدارت خولة ببطء، تعطيه ظهرها، ثم رفعت الخنجر إلى يدها وجرحتها جرحًا سطحيًّا، وهمست بصوت مكسور:
- أخشى إن أخبرتك بالحقيقة... أن تغضب مني، أو تُوبّخني.
عامر (يقترب منها بخوف وقلق):
- قولي لي! ما شأن هذا الخنجر؟ ومن أين هذه الدماء؟!
استدارت نحوه ببطء، ورفعت يدها المجروحة أمامه.
خولة:
- إنه جرحي... حين أمسكت بالخنجر دون حذر، جُرحت.
تغيّرت ملامح عامر، وقد انقلب قلقه إلى حنان، فأمسك يدها برفق، وقادها إلى المقعد، وأجلسها، ثم جلس على ركبتيه أمامها.
عامر (بلهجة حانية):
- سأجلب لكِ طبيبة... يجب أن يُنظّف الجرح وتُعالج يدك فورًا.
لكنها سحبت يده برقة، وابتسمت:
خولة:
- الجرح بسيط... لا يحتاج طبيبة. لا تنسَ أنني أفهم في الطب؟ أتذكُر يوم طعنك الظل؟ أنا من داويتك آنذاك، واليوم أنا سأخبرك بما تفعل... وأنت تنفّذ فقط.
-أحضرت قطعة قماش، وأشارت إليه كيف يضع الدواء. فامتثل عامر، يمسح الجرح برفقٍ، ثم يضع الدواء بعناية. وخولة تبتسم وتداعب شعره بيدها الأخرى.
خولة (بهمس):
- عامر... أتحبني إلى هذا الحدّ حقًا؟
عامر (وقد رفع عينيه إليها):
- إنّ الحب الذي أُظهره لكِ ليس إلا جزءًا ضئيلًا مما أخفيه. أنتِ اليد الحانية التي آوتني منذ مجيئي إلي هذا العالم، كنتِ قوتي التي انتصرت بها على الظل، ودرعي أمام غدر عبدون. كنتِ سيفي، وراحتي، وروحي.
ابتسمت خولة، ثم انحنت وقبّلت جبينه بحنان:
خولة:
- وأنا... لم أمنحك قلبي وجسدي فقط، بل روحي أيضًا. لن أسمح لأحد أن يؤذيك، إلا إن مرّ على جثتي أولاً.
بعد أن انتهى عامر من تضميد يد خولة، جلست تُراقبه بعينين مشعتين بالحُب، ثم قالت بابتسامة ماكرة:
خولة:
- عامر... تعلم؟ لو أنّ قلبي فارس، لكان سلّم نفسه لك دون قتال.
عامر (ضاحكًا وهو يرفع حاجبه):
- وهل تعنين أنني محاصِرٌ لقلبك من البداية؟!
خولة:
- بل كاسرٌ لحصونه دون إذنٍ أو استئذان!
عامر:
- هذا اتهام خطير... أخشى أن يُرفع إلى قاضي العشق، فيحكم عليّ بالسجن المؤبّد في عينيكِ!
خولة (تمثّل الجدية):
- بل بالحَبس في قلبي، مع الأشغال الشاقّة من القُبَل والدلال!
عامر (يضحك):
- إذًا، لا أطلب عفوًا! أيُّ رجلٍ يُعاقَب بهذه النعمة، ويريد النجاة منها؟!
تضحك خولة، ثم تهمس له وهي تعبث بخصلات شعره:
خولة:
- أخشى عليك من هذا اللسان، فهو قد يغري العدو قبل أن يُقاتله!
عامر (يتنهّد بمرح):
- دعيني أعترف... أمامكِ، كل أسلحتي تسقط.
ضحكا معًا، ثم تمددت خولة على الوسادة، بينما أسند عامر رأسه إلى يدها. وما هي إلا لحظات، حتى استسلم كلاهما للنوم، وقد أرخى الليل سكينته على قلبيهما.
---
في صباح اليوم التالي...
الباب يُطرقُ والصوت يعلو شيئًا فشيئًا، أفاق عامر، وتوجّه إلى الباب، وفتحه بقلق.
كان عبد الرحمن واقفًا هناك، ووجهه شاحب.
عبد الرحمن (بصوتٍ خافت):
- سيدي... خبرٌ سيء
عامر:
ــ ماذا حدث؟
عبد الرحمن:
ــ لقد عثرنا على محمد بن الأمين... مذبوحًا في فراشه.
عامر (بذهول):
- ماذا تقول؟! متى حدث هذا؟!
عبد الرحمن:
- أخبرنا الطبيب أن القتل وقع ليلًا....
تجمّدت ملامح عامر، ثم ضمّ شفتيه، والتفت إلى الأفق، وقال بحدة:
عامر:
- لقد طعنتني في ظهري يا فرديناند... وأقسم أنني سأجعلك تدفع ثمن هذه الطعنة أضعافًا مضاعفة!.......
رواية شِفرة أوڤاميندرا "سر العوالم السبعة" (الجزء الأول) الفصل السادس عشر 16 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار
مش عارف الرواية عجبتكم ولا لأ بس عمومًا أنا هخلي البارت دا موجود ولو عندكم نقد أو حاجة عليها ملاحظة أو تعليق لطيف والعياذ بالله عادي برضو 😁❤✨
تقدروا هنا تعلقوا وتقولوا كل اللي نفسكم فيه
وماتنسوش طبعًا التصويت للفصول والترويج والريڤيو الجميل للرواية لو عجبتكم لحد دلوقتي
ملحوظة: الرواية مخلصتش لسه مستمرة ⏳🤌❤
أحبكم في الله يا ألطف قراء 🤎✨
رواية شِفرة أوڤاميندرا "سر العوالم السبعة" (الجزء الأول) الفصل السابع عشر 17 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار
ساد الصمت المهيب أرجاء قصر الحمراء، والجميع يترقّبون أوامر سراج الدين، الذي وقف شامخًا رغم الطعنة التي ألمّت به. مقتل ابن الأمين لم يكن حدثًا عاديًّا، بل ضربةٌ موجّهة في قلب الخطة الدفاعية، وفي خاصرة الثقة.
عامر (بصوتٍ ثابت):
– لا وقتَ للدموع، ولا مجالَ للفوضى. أريد تحقيقًا شاملًا... كل من دخل جناح القادة تلك الليلة، كل من حمل طعامًا، من أشعل شمعة أو مرّ عبر الرواق، يُسجَّل اسمه بدقّة. لن ينجو الخائن هذه المرّة.
عبد الرحمن (بغضب):
– أعاهدك يا سيدي، إن وصلتُ إليه، لن أتركه يتنفّس.
عامر:
– لا يا عبد الرحمن، نريد الحقَّ لا الانتقام. الخائن لن يُعذّب... بل سيُعلَّقُ على أسوار غرناطة ليكون عِبرة. أرسلوا في طلب موسى وحازم فورًا.
عبد الرحمن (ينحني):
– حالًا.
---
بعد ساعة، اجتمع القادة المتبقون في القاعة ذاتها. ظهرت علامات التوتر على وجوههم، لكن عامر لم يُبدِ أيّ اضطراب. وقف أمام الخريطة مجددًا، وقد أُزيل عنها اسم القائد المغدور، واستبدله بخانة فارغة.
عامر:
– نحن لا نحارب العدو فحسب، بل نحارب شبح الخيانة من داخل أسوارنا. هذه الخيانة دليل أنّ هناك عيونًا وآذانًا تنقل الأخبار للعدو.
موسى:
– هل تظن يا سيدي أن فرديناند له عملاء داخل القصر؟
عامر:
– بل أنا متيقّن. وقد تكون خيانة ابن الأمين بداية السلسلة فقط. لهذا... أحتاج إلى قسمٍ جديد من المقاتلين، لا يعرفهم أحد، ولا يرتدون لباس الجيش. سمّوهم "فرقة الظلام"، أريدهم أن يخبروني بكل شيء يحدث في غرناطة حتى لو طلبت منهم حصر عدد الأنفاس، وكل همسةٍ ولمسةٍ تحدث في الظلام وخلف الجدران.
موسى (بحماسة):
– سأتولى تدريبهم بنفسي، يا سيدي.
عامر (بصوتٍ حازم):
– لك ذلك. ولكن اجعل أمرهم سرًّا حتى عن أقرب الناس إليّ. أريدهم أن يتحركوا في صمت، أريدهم أشباحًا.
ثم أدار نظره إلى عبد الرحمن:
– وأنت... أعدّ لي مراسم جنازة تليق بابن الأمين. رجلٌ مثله لا يُدفن في الخفاء، بل تحت رايات الشرف.
عبد الرحمن:
– كما تأمر.
---
في مساء ذلك اليوم، وقف عامر فوق ربوةٍ عالية تُشرف على المدينة، والمشهد من خلفه كان مهيبًا. الجنود مصطفّون، والسكان خرجوا جميعًا، لتوديع القائد محمد ابن الأمين.
حُمل النعش على الأكتاف، ووقفت غرناطة بأسرها تبكي قائدها بصمت.
عامر (بصوتٍ مرتجف وهو يلقي كلمته):
– اليوم نودّع جسد ابن الأمين، لا روحه. روحه باقية هنا، في جدران هذا الحصن، في ذرات ترابه. لقد عاش جنديًّا ومات شريفًا، وسيُبعث يوم الحشر تحت راية من أحبّ أرضه وأهله... وداعًا يا ابن الأمين، وموعدنا الجنة.
---
وبينما القادة يودّعون النعش، تسلّلت خولة إلى جانب عامر وهمست له:
خولة:
– ليس الأمر دائمًا كما يبدو والأيام ستكشف كل شيء، إنا لله وإنا إليه راجعون
عامر (وهو يضغط على قبضته):
– إن شاء الله سأكشف كل شيء يحدث وراء ظهري، وأقسم أنني سأقتل الخائن بيدي هذه.
خولة:
– وماذا عني؟ ألا تخشى أن أكون أنا الأخرى... خنجرًا في ظهرك؟
نظر إليها طويلًا، ثم ابتسم بحزن:
عامر:
– حتى الخنجر إن كان بيدك... لن يقتلني، بل سيحميني.
---
وفي منتصف الليل...
في زاوية مظلمة من المدينة، دخل رجلٌ ملثّم إلى سردابٍ قديم تحت الأرض. وهناك، كان ينتظره شخصٌ آخر، جالسٌ على كرسي خشبيّ متهالك.
الرجل الجالس:
– هل تمّت المهمة؟
الرجل الملثّم (بصوتٍ أجش):
– نعم، أنجزت المهمة كما طلبت.
الرجل الجالس (بابتسامةٍ خبيثة):
– ممتاز... الآن نبدأ بالمرحلة الثانية. حين تهتزّ الثقة، تسقط الجدران بلا حصار.
---
في صباح اليوم التالي...
اجتمع القادة مجددًا في قاعة قصر الحمراء. كان الصمت يُخيّم على الوجوه، والقلق بادٍ في الأعين. ولكن عامر، رغم الحزن، لم يُظهر تردّدًا. كان أكثر شراسة من ذي قبل، وكأنّ موت ابن الأمين قد صقل إرادته بالنار.
عامر (وهو يشير إلى الخريطة):
– بناءً على توصيات ابن الأمين، نبدأ اليوم تنفيذ خطة الدفاع. لكن علينا أن نُجري تعديلات عاجلة... لأن ما نواجهه ليس هجومًا فقط، بل طعنة من الداخل.
موسى:
– سيدي، فرقة الظلام بدأت العمل الليلة، وانقسمت إلى ثلاث مجموعات: واحدة داخل القصر، وأخرى في الأسواق، والثالثة في محيط الأسوار. والهدف مراقبة كل من يتحرّك، دون استثناء.
عامر:
– جيد. ولكن... هناك شيءٌ ناقص.
موسى:
– ما هو؟
عامر (بصوتٍ خافت):
– لا أشتمّ رائحة دماء عدوٍّ بيننا... بل رائحة مؤامرة أكبر. شيءٌ داخليّ لا أستطيع الوصول إليه بعد.
عبد الرحمن (مقاطعًا بقلق):
– سيدي... أحد رجال فرقة الظلام أبلغني منذ قليل أن هناك من دخل قبوًا مهجورًا في حيّ القصبة فجر اليوم. تبِعه أحدهم، ولم يخرج بعد.
عامر:
– حيّ القصبة؟ ذلك المتاهة القديمة؟ من يجرؤ على دخولها في هذا الوقت؟ أرسلوا وحدة كاملة... أريد هذا المكان محاصرًا الآن.
---
بعد ساعة...
تسلل عامر بنفسه، ومعه عبد الرحمن وموسى وحازم، إلى ذلك القبو القديم تحت حي القصبة. السلالم تؤدي إلى أعماقٍ مظلمة، والرائحة العفنة تملأ المكان.
عبد الرحمن (وهو يرفع شعلة):
– هنا حدث شيء... آثار أقدام حديثة.
موسى:
– اسمعوا... هناك صوت خافت قادم من الجهة الأخرى!
اندفع الأربعة إلى داخل السرداب، وهناك... وجدوا رجلًا مقتولًا مكبّل اليدين، مكمّم الفم، ينزف من كتفه. وبجانبه ورقة قد كُتِبَ فيها:
-وصلت متأخرًا كالعادة يا سراج الدين، لا تحاول تتبعنا وإلا سنقضي على جميع رجالك المخلصين.
تجمّد عامر، وشحب وجهه، ثم التفت بسرعة:
– هذه ليست خيانة فردية... إنها شبكة! أحد القادة معهم... وإلا ما وصلوا إلى هذا المستوى من التنظيم!، أين المعتز بالله وعثمان.
عبد الرحمن:
ــ لقد اعتذرا عن استكمال عملهما في الجيش يا سيدي.
عامر:
ــ اعتذرا وأنا لم أقبل اعتذارهما، ابحثوا عنهما واجعلوهما تحت مراقبة فرقة الظلال.
عبد الرحمن:
ــ ولكن يا سيدي السيد المعتز هو...
عامر: أعلم، هو والد زوجتي، ولكن لن أدير ظهري لأي أحدٍ بعد اليوم إلا زوجتي وأنتم فقط... والبقية في دائرة الاتهام..
---
في القاعة الكبرى بعد ساعة...
اجتمع عامر بجميع قادته، وبرفقة المعتز بالله وعثمان، وقف عامر في المنتصف، وعيناه تراقبان كل وجه بدقة.
عامر (بصوتٍ حاد):
– أحدكم... ليس منّا.
سكت الجميع.
عامر:
– أحدكم دسّ السمّ في قلب هذه المملكة، وخطط لكل خطوة. قد لا أعلم من هو بعد، لكن أقسم أنني سأكشفه وسأجعله عبرة لكل خائن.
عبد الرحمن (بعزم):
– سنصل إليه، حتى لو بحثنا تحت كل حجر.
خولة (من الباب، بعد أن دخلت فجأة):
– وقد بدأتُ بالفعل... سيدي، وجدت أمرًا غريبًا في جناح القادة.
اتجهت أنظار الجميع نحوها.
خولة:
– خريطة صغيرة لغرف قصر الحمراء، وُجدت تحت وسادة أحد الخدم، وعليها ختم لم يُستخدم إلا في السجلات القديمة.
عامر (بعينين لامعتين):
– هذا يعني... أن من يعمل مع العدو يمتلك نسخًا من مفاتيح هذا القصر، وخرائطه!
حازم:
– إذًا، هو ليس جنديًّا... بل من خاصّتك!
صمت عامر، ثم أغمض عينيه وقال:
عامر (بهدوءٍ غاضب):
– المعركة لم تبدأ بعد، لكنها اشتعلت بيننا... وأُقسم أن من خانني، سأقتصّ منه بنفس اليد التي قطعت رأس الظل.
---
وفي تلك الليلة...
كان رجلٌ يركض في الممرات الخلفية لقصر الحمراء، يحمل شيئًا في يده. ظنّ أن الظلام سيُخفيه، لكن سهمًا انطلق من أعلى البرج، وأصاب كتفه بدقّة.
سقط أرضًا، يئنّ. انقضّ عليه رجال فرقة الظلام، ورفعوا عنه القناع...
عبد الرحمن (وهو يقترب):
– هذا هو!، لقد عرفته...إنَّه أحد حُرّاس قاعة الطعام... ولكن...
توقّف فجأة، ثم همس:
– أتوقع أنَّ هذا الرجل لا يعمل لحسابه... بل ينفّذ أوامر شخصٍ آخر... ربما من قائدٍ أعلى.
عامر (وقد وصل لتوّه):
– أريد اعترافًا منه قبل أن يموت.
اقترب أحد المحققين، وقام بتضميد جرح الرجل حتى استعاد وعيه.
عامر (وهو يجثو أمامه):
– قل لي... من أمرك؟ مَن خائن غرناطة الحقيقي؟
رفع الرجل عينيه، ثم بصق دمًا وقال:
الرجل:
– فات الأوان... غدًا عند الشروق... سيكون العلم الصليبي فوق الأسوار...
وسقط ميتًا.....
---
عامر (وقد اشتدّ صوته وهو يلتفت للقادة):
– لا وقت... حانت ساعة الفجر، وبعد قليل تدق طبول الحرب... وإما أن يُكتب النصر... أو أن نفوز بالشهادة!
---
في قصر الحمراء، وبين أروقةٍ باتت تُنذر بقرب العاصفة، كان عامر يعكف مع قادته على تدعيم الخطوط الدفاعية للمدينة، ولكن في الوقت ذاته، كانت هناك جبهات أخرى تُبنى في الخفاء.
في جناح النساء...
جلست سارة في زاوية الغرفة، تمسك بقطعة من القماش السميك، تخيطها بإبرتها بثبات. كانت تلك راية صغيرة، لونها أخضر، وفي وسطها لا إله إلا الله، محمد رسول الله، رمزٌ اختارته ليكون شعار النساء المدافعات. خولة دخلت عليها، تتأمل العمل بصمت، ثم جلست بجوارها.
خولة:
– تفضلي يا أميرتنا الجميلة.
سارة (بهدوء):
– هل هذه الكلمات من قلبك.
خولة:
– أجل ولمَ لأ، أنتِ ابنة الملوك وزوجة القائد سراج الدين الأولى. أليس كذلك؟!
سارة (وقد بدت مرتبكة): بلى، ولكن دعينا الآن من هذا الكلام، ولنبدأ في تجهيز نساء غرناطة للحرب كما أمرنا سراج الدين.
-اجتمعت النساء تحت إشراف سارة وخولة، وتم تقسيمهن إلى مجموعات:
مجموعة الإمداد: تتولى تجهيز الطعام والدواء، وتخزينه في مواقع سرية داخل المدينة.
مجموعة الإسعاف: تُدرب على معالجة الجرحى، بقيادة خولة التي تمتلك خبرة في المداواة بالأعشاب وتحضير الأدوية المختلفة.
مجموعة الحراسة الليلية: بقيادة فتاة تُدعى خديجة، تتسلح النساء فيها بالخناجر والأقواس الصغيرة، لحماية الأحياء الداخلية.
سارة (للنساء):
– غرناطة ليست ملكًا للرجال فقط، بل هي بيتنا وشرفنا أيضًا... ومن يقترب من شرفنا، سنجعله يذوق نار نساء غرناطة.
---
في ساحة التدريب، خارج القصر...
كان عبد الرحمن يُشرف على تدريبات "فرقة الظلام" الجديدة، رجالٌ لا يعرفهم أحد، لا يحملون شارات ولا يظهرون في العلن. يتنقلون كالهواء، يعرفون الزوايا والأنفاق والخفايا. خلفهم، كان موسى يدير مخزون السهام، والأسياف والدروع، ويضع علامات خفية على الطرق لتوجيه الإمدادات.
---
** أولى ضربات فرديناند **
في فجر اليوم السادس من المهلة...
رغم الوعد بأسبوع، تحرّك جيش الملك فرديناند قبل موعده بيومٍ كامل، كاسرًا العهود، داهسًا على كل أعراف الفرسان.
في السهول الغربية عند باب الرملة، كانت الأرض تهتز تحت وقع أقدام جيوشه. ارتفعت رايات الصليبيين، ومعها طبول الحرب، تربك الآذان.
في برج المراقبة، أطلق جندي غرناطيّ سهمًا يحمل شُعلة حمراء في السماء... إنها الإشارة المتفق عليها.
داخل قصر الحمراء...
وقف عامر على صوت الأجراس، ونهض مسرعًا، ثم دخل المجلس وهو يصرخ:
– بدأ الغدر! الكل في مواقعه، ونفّذوا الخطة كما اتفقنا!
هرع القادة: موسى، وعبد الرحمن، وحازم والمعتز وعثمان... ومعهم خريطة القتال.
عبد الرحمن:
– العدو يضرب باب الرملة أولًا!
عامر:
– كما توقّع ابن الأمين... رحمه الله.
---
في باب الرملة...
كان موسى ينتظر، وقد جهّز الأبراج الخشبية، وحفر الأنفاق الصغيرة خلف المزارع. العدو يزحف كالسيل، ألوية وسيوف وخيالة.
لكن حين اقتربت مقدّمتهم من الأسوار... وقع انفجار خفيف تحت الأرض، وتطايرت حجارة، وانهارت مقدّمة الجيش، إثر كمينٍ محكمٍ تحت التراب.
خرجت كتيبة غرناطية خفيفة من بين الأشجار، بقيادة حازم، وبدأت مناوشة خاطفة، ثم انسحبوا، جارِّين العدو إلى موقعٍ آخر أُعدّ له كمينٌ أكبر.
موسى (يصرخ):
– لا تطاردوهم بعيدًا!، فخّنا الأكبر بانتظارهم!
---
في قصر الحمراء...
وقف عامر على شرفةٍ عالية، ينظر إلى الأفق الغربي، حيث بدأت سُحب الدخان تتصاعد، وأصوات القتال تصلهم.
خولة اقتربت منه، بجانبها سارة.
خولة (بصوتٍ واثق):
– بدأوا الحرب قبل أوانها... سيندمون.
عامر (بصوت حازم):
– لا تنظروا إلى هذه الجولة على أنها بداية النهاية، بل بداية صبرٍ طويل، وأرضٍ لا تُسلَّم إلا على الأجساد.
سارة (وهي تلمح خيالة تقترب من بعيد):
– هناك وحدات تتقدّم من جهة الشرق أيضًا... عند باب فُخّار.
عامر:
– حان الآن دوري سأذهب مع عبد الرحمن هناك... وبأمر الله لن نُخذل، لا من الغرب ولا من الشرق.
---
في باب فُخّار...
عامر وعبد الرحمن كانا قد نصبا العشرات من الأقواس الثقيلة على السطوح، وتمركزت قوات خفيفة في الأزقة.
حين دخلت خيالة الصليبيين إلى الشوارع، أمطرتهم الأقواس بالسهام، والنيران، والحجارة. ثم أُغلق الباب خلفهم.
عامر (بابتسامة هادئة):
– الآن أصبحتم داخل القفص... لن تخرجوا إلا رمادًا.
---
نهاية اليوم الأول من القتال...
تراجع الصليبيون إلى مسافةٍ آمنة، بعد أن فقدوا المئات من رجالهم، بينهم قائدٌ بارز يُدعى "دييغو"، قُتل في فخّ باب العديسة.
- سجد عامر على الأرض وأمر جنوده بالسجود حمدًا لله على نصره لهم في اليوم الأول من الحرب، ثم قال:
عامر:
– غرناطة لن تنحني بل ستقطع يد كل من يتجرأ عليها.
---
في الليلة التالية من القتال…
ساد هدوءٌ ثقيل على أسوار غرناطة، كأن الأرض تحبس أنفاسها بعد معركة النهار. لكن عامر كان يعلم أن الصمت في الحروب ليس راحة، بل علامة على مكرٍ يتربّص.
في المجلس العسكري بقصر الحمراء...
جلس القادة حول الطاولة، والخرائط مبسوطة أمامهم، والشموع تترنح على وقع نسيمٍ بارد تسلل من نوافذ القصر.
عامر (وهو يطالع الخريطة):
– فرديناند لم يتراجع. تراجعه نهارًا ليس خسارةً بل تمويه. سيُهاجمنا ليلًا، متسللًا من موضع لا نتوقّعه.
عبد الرحمن (متوترًا):
– ماذا عن باب البيرة؟ لم يتحرّك منه أحد حتى الآن.
موسى:
– أو ربما باب القصبة، فهو الأقرب إلى مركز المدينة.
خولة (تدخل فجأة، بثوبٍ مبلل وعينين لامعتين):
– رأيتهم... رأيت رجالًا يتحركون في ظلال الحقول، في صمت. ليست وحدة عسكرية، بل مجموعة تسلل.
عامر (ينهض فورًا):
– أين رأيتِهم؟ أيّ جهة؟
خولة:
– من الشرق... خلف الأشجار قرب باب فُخّار.
عامر (بحسم):
– هذا هو الهجوم الليلي الذي توقّعناه. عبد الرحمن، جهّز كتيبة “الظلام”، وارسِل اثنين من أبرع رجالنا في التسلل… نريدهم أن يسبقوا العدو ويتعرّفوا على عددهم واتجاه تحركم.
عبد الرحمن:
– حالًا يا سيدي!
---
في الخارج قرب باب فُخّار...
كانت الأرض مبللة، وظلال الأشجار تتمايل بفعل الريح. تقدّم رجُلان من رجال “فرقة الظلام”، تسلّلا عبر مجرى مائي قديم يمرّ تحت السور. وبعد ساعة من الزحف في الطين والماء، عادا مسرعين.
الجندي الأول (يلهث):
– إنهم هناك! ستون رجلاً يتقدّمون بصمت، معهم معدات تسلّق وسلالم، ويقودهم رجلٌ غريب!
عامر (يقطّب حاجبيه):
– رجل غريب؟ صفه لي!
الجندي:
– طويل، ذو لحية رمادية، وله وشمٌ على كفّه اليمنى... ويضع على عينه اليمنى قطعة من الجلد.
موسى (بصدمة):
– لا..إن صح ما تقول. فإنّه "ألبرتو"، … أحد أخطر القادة الصليبيين، كان يُدرّب القتلة السريين في "برغش".
عامر (بصوتٍ غليظ):
– إذا كانت الكنيسة قد أرسلت "ألبرتو"، فهذا يعني أن فرديناند لا يريد فقط محاصرة غرناطة... بل يريد قتل القادة سرًّا وخلخلة الصفوف.
خولة (بجديّة):
– إذا وصل إلى هنا... فقد لا يبقى أحدٌ حتى يُكمل الحرب.
---
بعد ساعة... كمين مضاد..
في أحد الأزقة القريبة من باب فُخّار، كانت كتيبة صغيرة بقيادة عبد الرحمن وحازم تنتظر بصمت. نزعوا دروعهم الحديدية ليتحرّكوا بخفة، وسحبوا خناجرهم.
صوت خافت في الأفق... ثم همسات... ثم حذاء يخطو فوق الحصى...
عبد الرحمن أشار بيده:
– لا تُهاجموا حتى أعطي الإشارة.
اقترب العدو، وكان ألبرتو في الطليعة. رفع يده، وأشار للمجموعة أن تنتظر، ثم تقدّم وحده نحو أحد الأبنية.
وفي اللحظة التي رفع فيها عينه إلى نافذة القصر العليا، أُطلقت شبكةٌ من أعلى الزاوية، أحاطت به وسحبته إلى الأعلى.
عبد الرحمن (يصرخ):
– الآن!!
انقض رجال غرناطة، كالأسود، وبدأت معركة عنيفة في الأزقة الضيقة. صرخاتٌ مكتومة، ودماءٌ تسيل بصمت، ولكن الغلبة كانت لأبناء غرناطة.
وفي أقل من عشر دقائق، سقط أغلب المتسللين، وأُسِر ألبرتو وهو يُقاوم بعنف.
---
في القصر.... قبل الفجر...
ألبرتو مُقيَّدٌ بسلاسل غليظة، وعلى وجهه آثار الضرب.
عامر (ينظر إليه نظرة قاتلة):
– لماذا جئت إلى غرناطة يا كلب الصليبيين؟، أجبني!
ألبرتو (يبصق قرب قدميه):
– لأمزق قلبها... جئت لأنزع رأسك ورأس كل من يتجرأ ويقف في وجه الصليب.
عامر:
– والآن تجثو أمام أقدامي ذليلًا.
-أمر عامر أن يُحبس في السجن تحت حراسة مشددة، وأن يُمنع عنه الكلام والطعام إلا بقدرٍ لا يُميته.
---
عند شروق الشمس...
وقف عامر أمام الجنود، وصوته يجلجل:
عامر:
– الليلة، أرسل العدو بعض كلابه إلينا ليغدروا بنا، فقتلناهم وأسرنا بقيتهم، ومن هذه اللحظة، لن ننتظر حتى يهاجمونا... نحن من سيُهاجم.
الجنود (بصوتٍ واحد):
– الله أكبر! الله أكبر!
----
مع إشراقة صباحٍ جديد، وبعد ليلةٍ سُفك فيها الغدر تحت ظلال الأسوار، وقف عامر على ربوةٍ عالية تطل على سهول" فيغا" التي تعجّ بالخيام الصليبية.
بجواره وقف القادة: عبد الرحمن، موسى، حازم، وآخرون، وخلفهم خريطة كبيرة خُطّت عليها مواقع العدوّ.
عامر (بصوتٍ حازم):
– هذا يومنا... لسنا من ننتظر الموت خلف الأسوار.
عبد الرحمن:
– الخطة جاهزة يا سيدي. سنضربهم من ثلاث جبهات قبل الفجر.
موسى:
– كمينٌ من باب الرملة، وهجوم مباشر من باب العديسة، ونيران المنجنيق من أعالي شلبيّار.
دخلت خولة عليهم وهي تركض ووضعت أمامهم خريطة صغيرة:
– إليكم هذه الخريطة... نقطة الضعف الحقيقية: مخازن المؤونة والأسلحة الخاصة بهم في الطرف الجنوبي، قرب مجرى النهر. إذا أُحرقت، تشتّت جيشهم.
عامر (بتعجبٍ وذهول):
– من أين حصلتِ على خريطةٍ سريٍّةٍ جدًّا كهذه؟!.
خولة:
– سأخبرك لاحقًا، ما يهمنا الآن هو أن ننتصر في هذه الحرب ونرجع الصليبيين إلى حدودهم وهم يجرُّون أذيال الهزيمة والانكسار.
عامر (بابتسامةٍ واثفة):
–إذًا، ليكن يومهم نارًا من حيث لا يحتسبون.
---
في الليل... قبل ساعات من الفجر...
السماء ملبّدة، والقمر محجوب. تحت الغطاء السميك للظلام، خرجت وحدات غرناطة من الأبواب القديمة:
فرقة عبد الرحمن تسلّلت عبر الحقول الرطبة خلف باب الرملة، تتقدّم بصمت خلف الشجيرات.
كتيبة موسى كانت تتحرّك مباشرةً من باب العديسة، تحمل شعارات خفيفة وسيوفًا قصيرة للقتال القريب.
رجال المعتز بالله وعثمان، بقيادة نخبة مدرّبة، ساروا عبر ممرٍ مائي قديم نحو مخازن العدو.
فوق التلال، كانت عشرات منجنيقات غرناطة، محشوّة بالقذائف، تترقب ساعة الصفر.
---
الساعة الرابعة فجرًا...
عامر (يطلق سهمًا مشتعلًا):
– أشعلوا التلال!
في لحظةٍ واحدة، انطلقت قذائف النار من أعالي غرناطة، تشقّ السماء وتضرب أطراف المعسكر الصليبي، وألسنة اللهب تشتعل في مخازنهم.
القائد ريتشارد، من خيمته، خرج مذعورًا...
ريتشارد (يصرخ):
– ما هذا؟ من أين جاء الهجوم؟!
أحد القادة:
– إنهم ليسوا في موقع الدفاع... لقد قلبوا الطاولة، يا مولاي!
---
وسط الدخان واللهب...
انقض عبد الرحمن من الجهة الغربية، وهاجم خطوط الخيالة قبل أن يلبسوا دروعهم.
تقدم موسى مباشرةً إلى قلب المعسكر، وذبح الحراس قرب الخيام الكبرى.
المعتز بالله وعثمان حرّضوا فرقتهما على إحراق المخازن، ثم انسحبوا قبل أن يُكتشفوا، تاركين العدوّ بلا طعام ولا خيول.
عامر كان في المقدمة، ممتطيًا جواده الأسود، سيفه يبرق وعينه تتشوق لقطع الرؤوس. ثم صرخ بأعلى صوته قائلًا: الله مولانا ولا مولى لهم. الله أكبر!
-كل ضربة منه كانت تفتح طريقًا، وكل صيحة كانت تبعث الأمل في قلوب جنوده. تساقط الصليبيون كأوراق الخريف، وهم يتخبّطون في اللهيب وبين أسياف رجال غرناطة، وفقدوا السيطرة على جنودهم الذين أخذوا يفرّون جماعات.
---
وأمام خيمة قائد الحرب الصليبي ريتشارد، وقف مذهولًا، ثم قال:
– يبدو أننا لا نحارب جيشًا... نحن نحارب زلزالًا. ماذا حدث لجيش غرناطة.
اقترب منه عامر، بعد أن شقّ الطريق إليه وسط الميدان، ثم نزل عن جواده.
عامر (بعينين ناريّتين):
– مرحبًا يا هرَّتي الجميلة، انبطح على الأرض بهدوء وضع يدك خلف ظهرك ولا تقاوم عند تقييدك حتى لا أقطع رأسك وأعلقه على باب غرناطة.
استجاب ريتشارد وقام عامر بتقييده. ثم أمر عامر بأخذه أسيرًا..
أمَّا باقي الجنود الصليبيين فقد لاذوا بالفرار وعادوا إلى ملكهم بعد سحقهم من قبل جنود غرناطة.
---
عند شروق الشمس...
ارتفعت رايات التوحيد على كل أطراف المعسكر، بينما الجنود يُكبّرون، والنساء تزغرد، والأطفال يملؤون الساحات فرحًا.
خولة (وهي تمشي بجانب عامر):
– فعلناها يا عامر... غرناطة انتصرت.
عامر (بصوتٍ مفعم بالفخر):
– بل نصرنا الله عندما قضينا على الخونة.
خولة:
– ما زال الخونة يحيطون بنا فاحذر وانتبه.
---
بعد أيام من انتصار عامر....
تحت سماءٍ رمادية، نُصبت خيمةٌ كبيرة ذات ألوان محايدة، في أرضٍ فاصلة بين الحدودين. على الجانب الأيسر، جلس عامر وإلى جانبه القادة: عبد الرحمن، موسى، وحازم. وعلى الجانب الآخر، تقدّمت الملكة إيزابيلا الأولى، بثوبٍ أبيض ونظراتٍ باردة، وإلى جانبها الملك فرديناند الثاني، مكسور النظرة.
دخل المبعوث البابوي أولًا، يحمل لفافةً مختومة، ثم أعلن بصوتٍ عالٍ:
المبعوث:
– لقد وافق الملك والملكة، بعد المعركة الأخيرة، على توقيع هدنة دائمة مع غرناطة، وعدم التعرّض لها عسكريًّا أو سياسيًّا، مقابل إطلاق الأسرى الصليبيين، على أن يعيدا إلى غرناطة بعض الأراضي غير المحصّنة قرب حدود قشتالة.
قام عامر ثم نظر إليهما (بهدوء صارم):
– أعلم أنكم لن توفون بهذه المعاهدة، ولكني سألتزم بها حتى أشمّ منكم رائحة الغدر، وفي المرة القادمة ستكونون مكان ريتشارد، أما عنك أنت وقد هددني بزوجاتي فقد كان إذلالي لجنودك وقادة جيشك أول ردٍ على رسالتك، والرد القادم سيكون صعبًا إن حاولت العبث معي مرة أخرى، ترجم له لعله يفهم ما أقوله جيدًا.
- ثم نهض عامر، وتقدّم نحو المائدة الحجرية التي نُصبت في منتصف الساحة، ووضع توقيعه إلى جانب توقيع المبعوث وملكة قشتالة وملك أراغون، وسط صمتٍ مهيب.
إيزابيلا (تنظر في عيني عامر):
– غرناطة ربحَت اليوم، لكن التاريخ طويل... فلنرَ إن كنتم ستبقون أقوياء لفترة أطول.
عامر (بابتسامة ساخرة):
– بل أنتم من سيسأم التاريخ من كتابة سجلات هزائمكم.
-ثم أدار ظهره وغادر، يحيط به قادته، والجنود من خلفهم يكبّرون.
---
في قصر الحمراء غرفة المجلس العليا....
بعد ثلاثة أيام من توقيع معاهدة السلام...
داخل قاعة مُزينة بفسيفساء أندلسية، جلس عامر على الكرسي الأوسط، وإلى جانبه خولة. اجتمع حوله القادة، والمستشارون، وعدد من حكماء المدينة.
عامر (بصوتٍ واضح):
– معاهدة السلام تعني الهدنة ولكن لا تعني انتهاء الحرب. أنا آتٍ لكم من المستقبل وأخبركم أنَّ الصليبيين يريدون إسقاط غرناطة
في أيديهم كما أسقطوا بقية الأندلس من قبل، لم يبقَ أمامهم سوى غرناطة وهم يريدونها، وسيفعلون أيء شيء من أجل الحصول عليها.
---
عبد الرحمن:
– ما أولويتنا يا سيدي؟
عامر:
– أولًا: إعداد جيش هجوميِّ ودفاعيِّ قويٍّ وتصنيع الأسلحة الحديثة مثل المدافع والبنادق لأن الصليبيين سيمتلكونها قريبًا وستمنحهم قوة في حصار غرناطة وربما إسقاطها إن لم نمتلك أسلحة توازي أسلحتهم..
وثانيًا إعادة بناء ما تهدّم، وتحصين الأسوار، وإعالة أهل الشهداء من خزينة المملكة. خصصوا لهم أجرًا شهريًا يليق بهم.
موسى:
– والناس؟ لقد عانوا الجوع والخوف منذ عدة أيام، وبعض الأسواق لم تعد تعمل.
عامر:
– هذه لك يا موسى، يجب أن تذهب وتطمئن على إعادة كل الأسواق والأعمال إلى العمل.
خولة:
– وماذا عن التعليم؟ إننا بحاجة إلى علماء لا سيوف فقط.
عامر:
– سنفتح أبواب المساجد للتعليم، ونعيد فتح دار الحكمة، ويبدأ العلماء بتعليم الأطفال والنساء والرجال.
حازم (مبتسمًا):
– وماذا عن "فرقة الظلام"؟ هل سنبقيها؟
عامر:
– نعم، مازال أمامنا مهمة لكشف الخونة والتحقيق في جرائم الاغتيال التي حدثت، ستعاوننا في التحقيق، وستعمل على حماية التجار، وتأمين الطرق، ورصد أي تهديد داخلي أو خارجي.
عبد الرحمن:
– وبالنسبة للتجارة ؟
عامر:
– سنُحيي طرق القوافل، ونُعيد الشراكة مع تجّار المغرب ومصر والشرق، ونفتح أسواقًا مفتوحة كل يوم جمعة، ليعود النبض لقلب المدينة. ومن يتجرأ على الاقتراب من قوافلنا سأقطع يده.
خولة (وهي تمسك بيده):
– وهل سنكتفي بالدفاع؟ أم أن لدينا أحلامًا أكبر؟
عامر (بهدوء وثقة):
– لدينا حلمٌ اسمه "نهضة الأندلس"... سنبدأ من غرناطة، وسنُوصل الرسالة لكل مدينة نامت تحت رماد الخوف. نحن جيل لا يعرف الهزيمة، بل سيصنع التاريخ.
وقف عامر، فوقف الجميع من بعده.
عامر (يرفع صوته):
– من هذه القاعة... نعلن بداية فجرٍ جديد. فجرٍ لنهضة الأندلس بالسيف والعلم والعمل.
الجميع بصوتٍ واحد:
– الله أكبر!… الله أكبر!... يعيش سراج الدين.
---
وفي المساء....
كان الليل قد حلّ على غرناطة، والسكون يغشى الأرجاء بعد أيامٍ شاقة وحربٍ طاحنة. في غرفةٍ هادئة داخل القصر، جلست خولة على طرف السرير، تفكّ ضفائر شعرها أمام مرآتها، بينما عامر كان يقف عند النافذة يتأمل الأفق.
خولة (وهي تنظر إليه من خلال المرآة):
– لمَ أرَاك لا تبتسم، هل هناك ما يُقلقك؟
عامر (يُتمدد بكسل):
– بل أنا مرتاحٌ أكثر من أي وقت مضى... لكنني أفكر فيما بعد.
خولة (تجلس إلى جواره):
– وماذا بعد؟ لقد انتهت الحرب، ووقّعنا السلام، والناس بدأت تبني من جديد... بماذا تفكر إذًا؟
عامر (ينظر إليها مطولًا):
– بقي شيءٌ واحد... أن نأخذ نفسًا طويلًا، وأن نعيش قليلًا لأنفسنا، بعد أن عشنا كثيرًا للناس.
خولة (وهي تميل برأسها نحوه):
– أهذا يعني أننا سنهرب من كل هذا لبعض الوقت؟
عامر (يضحك بهدوء):
– لا نسميه هربًا... بل رحلة. وعلينا أن نستعد لها.
خولة (بفضول طفولي):
– رحلة؟! إلى أين؟ إلى الجبال؟ أم البحر؟ أم إحدى المدن الأندلسية؟
عامر (وهو ينهض ويقف أمام النافذة، ثم يلتفت إليها مبتسمًا):
– إلى القاهرة...
خولة (وهي تتفاجأ):
– القاهرة؟!.....
رواية شِفرة أوڤاميندرا "سر العوالم السبعة" (الجزء الأول) الفصل الثامن عشر 18 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار
-في صباح اليوم التالي، جهز عامر وخولة أمتعتهما من أجل رحلتهما إلى القاهرة، وأخبر عامر حازم أن يتبعهما في اليوم التالي.
-عبر الاثنان البوابة السحرية، ثم خرجا من النيش وغادرا العقار لتجد خولة نفسها في شارع مزدحم من شوارع القاهرة.
الضجيج، الباعة المتجولون، أصوات الحافلات، ونغمات "المهرجانات" تخرج من المحلات وتزلزل الآذان.
عامر:
- قبل أن نذهب إلى عائلتي سآخذك في نزهةٍ جميلةٍ في شوارع القاهرة.
خولة (تنظر حولها بدهشة):
- حسنًا، موافقة، يا إلهي... ما هذا الضجيج؟! أهذه موسيقى أم استغاثة جماعية؟!
ضحك عامر بصوتٍ عالٍ:
- هذه أغنية المطرب الشعبي الجديد مِلعَقَة.
خولة (تنظر بتعجب):
- ماذا قلت؟!، مِلعَقَة!.
عامر:
- أومال لو عرفتي إنه مَعلَئَة مش مِلعقة.
خولة:
- لم أفهم.
عامر:
- لا تقلقي، سأعلمك هذه الأشياء لاحقًا.
ثم فجأة سمعا بائعًا متجولًا ينادي من بعيد:
- بسبوووسة يا بسبوووسة... سخنة وبالمكسرات!
خولة:
- ما هذه الـ "بسبوسة"؟!
عامر(وهو يضحك):
- إنَّها نوعٌ من الحلوى...
خولة (باندهاش طفولي):
- أريد أن أتذوق هذه "البسبوسة"... يبدو أنَّ فيها سرًّا يُضحكك كثيرًا!، هل معك نقود؟.
عامر(وهو يبتسم):
- أجل معي بعض النقود كنت قد أخذتها معي عندما ذهبت إلى غرناطة.
أخذها عامر إلى البائع، واشترى قطعتين، وقدّم لها واحدة، فتذوّقتها وقالت:
- إنَّها لذيذة جدًّا، لماذا لا يوجد منها في غرناطة!
عامر (ضاحكًا):
- حلمك واجب يا حُلوتي؟!، سآتي إلى هنا كلما أردتِ عبر البوابة وأشتري لك البسبوسة وأعود.
---
وبعد ساعة....
عند تقاطع مزدحم بجوار محطة المترو:
كانت السيارات تُطلق أبواقها بلا هوادة، وعامر يسحب خولة من يدها بحذر.
عامر (مبتسمًا):
- لا تفلتي يدي، وانظري بجميع الاتجاهات دائما، هنا لا توجد قواعد مرور... هنا إحساس عام بالخطر فقط!
خولة (وهي تمسك بيده بخوف):
- أهذه طريق عام أم ساحة حرب؟!
عامر (يضحك):
- هنا أم الدنيا، حيث لا شيء متوقع هنا.
مرّت دراجة نارية بسرعة جنونية، وأطلق صاحبها صفارة عالية وقال:
- ابعد يا نجم انت وهي، الدنيا زحمة!
خولة (وقد وضعت يدها على قلبها):
- لقد شعرتُ أنني سأموت! من هذا المجنون؟!
عامر (يضحك مرة أخرى):
- هذا شخص عاقل... تخيّلي كيف سيكون الشخص المجنون!
---
وصلا عند بائع "الكشري" الشهير في وسط البلد:
وقف عامر يشرح لها المكونات:
- هذه الأكلة اسمها كشري... عدس، ومعكرونة، وأرز، وبصل مطهيّ... كلهم في طبق واحد!
خولة:
- أليس هذا تهديدًا مباشرًا للمعدة؟!
عامر (وهو يبتسم):
- لا، بل هو تمرين لها على التحمل.
-دخلوا المحل وجلسوا. صاح العامل بصوت عالٍ:
- اتنين كشري كبير، زيادة شطّة وبصل للأستاذ عااامر والمدام.....
خولة (مذهولة):
- كيف عرف اسمك؟!
عامر (يضحك):
- لأنني زبونٌ دائمٌ، كلما مررت من هنا، أدخل وأطلب الكشري.
---
وبعدما خرجا من المطعم قابلهما طفلٌ صغيرٌ يمدُّ يده بوردة باتجاه خولة..
خولة وقد جلست تأخذ منه الوردة وهي تبتسم وتمسح على رأسه:
ــ هل هذه لي يا طفلي الجميل...
- وقف الطفل ينظر إليها بريبةٍ وتعجب، ثم أزال يدها عنه وقال:
ــ بقولك اي ماتعمليش فيها هندية، هاتي عشرة جنيه يا تجيبي الوردة...
أخرج عامر من محفظته عشرة جنيهات وأعطاها للطفل... فتركهم وذهب..
خولة وهي تنظر بتعجبٍ:
ــ لماذا انزعج الطفل مني بعد أن أهداني الوردة، ولماذا أعطيته نقودًا.
عامر: لأنَّها ليست هدية...الطفل ظنَّ أنَّك تريدين أخذ الوردة بلا مقابل...لا يوجد شيء بلا مقابل هنا...
توقفت خولة ونظرت لعامر طويلاً:
ــ ولكنك أخذت قلبي بلا مقابل... هل هذا يعني أنَّك لص؟!!
ضحك عامر وأمسك يدها:
ــ وأنتِ أيضًا قد سرقتِ قلبي، وبالرغم من هذا اطلبي المقابل المناسب وأنا سأمنحك كل ما تطلبين.
أمسك خولة يد عامر بقوة:
ــ ألا تتركني مهما حدث، ولا تكذبني حتى وإن أخبرك الجميع يومًا أنِّي كاذبة.
عامر وقد نظر إليها بابتسامة خفيفة:
ــ أنام كل ليلة إلى جانبك وأترك رقبتي بين يديكِ وسيفي بيدك، هذا لأنِّي أعلم أنَّ هذه اليد لا يمكن أن تخون أبدًا.
---
وبعدما أنهيا حديثهما...
ذهبا معًا إلى حديقة الأزهر، وهناك جلست خولة تحت ظل شجرة، وقالت وهي تبتسم:
- لم أتخيل أن يكون عالمك بهذه البساطة والجمال. ربما هو ليس جميلًا ونظيفًا كغرناطة، ولكن كل شيء هنا ينبض بالفرح والضحك.
عامر (وهو يتأملها):
- وأنا لم أتخيل يومًا أن غرناطة ستجعلني أراها بهذا الجمال... في عينيكِ.
خولة (بخجل):
- عامر... لا تضعف قلبي بكلماتك. هذا ليس المكان المناسب.
عامر (يبتسم):
- بل فقط أردت تذكيرك بأنني ضحيةٌ لهاتين العينين البريئتين. وهذه اليد الرقيقة.
خولة (بنظرة حائرة):
- عامر... هل ستسامحني إن أخطأت يومًا ما، وتستمر في حبك لي؟، أم ستتركني؟.
عامر (بابتسامة لطيفة):
- سأسامحك، ما دمتِ لم تطعنيني بقلبي.
---
وبعد ساعات من السير والمرح في شوارع قاهرة المعزّ،
وبين الزحام، والضحك، ودهشة خولة البريئة، مضى النهار وكأن القاهرة كلها تفتح ذراعيها لهذين الحبيبين من زمنين مختلفين، اتحدا في قلبٍ واحد... وقصة واحدة.
---
وفي نهاية اليوم، وقفا سويًا على كوبري قصر النيل، والأنوار تنير مياه النيل.
خولة (تتنهد):
- الناس في عالمك يجمعون بين البساطة والجمال، والجنون أيضًا. خليطٌ يضفي للعيش بينهم مذاقًا جميلًا.
عامر:
- هذه هي القاهرة... أراها اليوم معكِ أجمل من ذي قبل.
خولة:
- وأنا أحببتها... لأنك معي.
---
- شارفت نزهتنا على الانتهاء هيا بنا نمر على القاهرة القديمة ومنها ننتقل إلى بيتي...
---
عامر وخولة يسيرون في شوارع القاهرة القديمة، والهواء جميل، ورائحة "الفطير المشلتت" تنبعث من محلٍ على الناصية.
خولة (بابتسامة خفيفة):
- كم أُحبُّ هذا الهواء... فيه روحٌ لم أشهدها من قبل.
عامر (ضاحكًا):
- دا اسمه "هوا مصر"... بيشيل الهمّ من القلب ويرميه بعييييد. فهمتيني؟!.
خولة:
- بعض الكلمات. ولكن لم أفهم ما تعنيه.
عامر (ضاحكًا):
- أحسن برضو... أنا كنت بكدب والهوا ملوث أصلا...
وفجأة شاب معدّي بعجلة وبيزعق:
- إبعد يا باشاااااااااااااااااااااااااا!
عامر شدّ خولة على جنب في آخر لحظة.
خولة (بدهشة):
- ما هذا؟!
عامر:
- إنها دراجة، اختراع حديث مثل باقي الاختراعات التي رأيتيها وأخبرتك عنها طوال اليوم.
---
والآن يمرون في درب ضيّق...
مجموعة أطفال يلعبون الكرة ويصيحون بصوت عالٍ:
- جول! يا عم ضربة جزاء دي، إنت مبتفهمش!
طفل صغير شاف خولة، وقام قال:
- يا نهار أبيض! دي أميرة! أنتو بتصوروا فيلم؟
واحد تاني قال:
- يا باشا خدني معاك أمثل معاها، أنا حافظ جدول الضرب ومش بغش في الامتحانات!
عامر (بنظرة مخيفة):
- ابعد ياد منك ليه. وبعدين اي اللي دخل التمثيل في جدول الضرب. آدي أجيال المستقبل.
خولة تضحك بخجل:
- كم قلوب الأطفال بريئة... ضحكتهم تشبه عصافير الصباح.
عامر (يضحك):
- عصافير الصباح؟!!. دول تنانين الصباح. تماسيح الصباح، اصبري بس لما تعيشي معانا وماتعرفيش تنامي منهم. مش فهماني طبعًا، أحسن برضو.
---
وبعد لحظات وصلا في منتصف الليل
عند عربة فول...
الراجل:
- تعالى يا باشا، فول بالشطة والطحينة.
عامر:
- لا لا، هي مش متعوّدة على الكلام ده. أخاف عليها تتعب كفاية العك اللي أكلته طول اليوم.
الراجل (بابتسامة):
- متخافش لازم تجرب مرّة، وهتدعيلي العمر كله.
خولة (بفضول):
- أهو هذا "الفُول" الذي أخبرتني عنه؟ وهل يؤكل هكذا في الخبز؟
عامر:
- أجل هو، الفول هنا بمثابة الماء لهذا الشعب.
أخذا رغيفين من الفول وسارا يأكلان فيهما،
-خولة وقد أخذت لقمة صغيرة... ثم ضحكت فجأة:
- لم أتوقّع أن أقول هذا... لكنّ هذا الفول أطيب من طعام قصر الحمراء!
عامر:
- حتى انتي يا خولة، خلاص كده بقيتي مصرية رسمي... ناقص نديكي بطاقة تموين.
---
وبعد دقائقٍ وصلا إلى بيت عامر....
عامر يطرق الباب وتقف خولة خلف ظهره...
فتحت أم عامر الباب وهي ترتدي عباءةً سوداء وارتمت في حضنه وهو تبكي...
-أختك ضاعت يا عامر...
عامر(وقد تغير لون وجهه):
ــ تسنيم؟؟؟، ازاي، وامتا دا حصل؟
أم عامر: اختفت من يومين ودورنا عليها في كل مكان ومش لاقيينها، هاتلي تسنيم يا عامر، أختك الوحيدة يا حبيبي أنا هموت عليها....
عامر:
ــ هي آخر مرة قالتلك رايحة فين...
قالت رايحة أجيب عامر وجاية، أنا افتكرتها بتهزر بس من يومها اختفت ومرجعتش تاني وحاولنا نوصلك انت كمان بس معرفناش....
عامر:
ــ راحت تجيبني!!.....
رواية شِفرة أوڤاميندرا "سر العوالم السبعة" (الجزء الأول) الفصل التاسع عشر 19 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار
كان ضوء الشمس ينساب بخفة على أسوار غرناطة حينما خطت تسنيم خطواتها الأولى في طرقات المدينة العتيقة، بملابس لا تشبه لباسهم، ولهجة لم تألفها آذانهم. كانت تنظر من حولها بدهشة، تتأمل النقوش العربية والعمارة الأندلسية الخلابة، لا تصدق أنها قد عبرت حقًا إلى عالم أخيها.
لم تكد تخطو خطواتها القليلة حتى اصطدمت بجمع من الناس يحدقون فيها باستغراب، ويتأملون ملامحها الغريبة، ويهمسون بعبارات مريبة.
"من أين أنتِ يا فتاة؟!" قالتها امرأة بفظاظة، وهي تراقب ملابسها التي لا تمت لغرناطة بصلة.
أجابت تسنيم مرتبكة:
"أنا... أنا جاية أدور على أخويا... هو اسمه عامر..."، ونطقت الاسم بلهجتها القاهرية الخالصة.
فُغرت أفواه البعض، وتغيرت ملامح آخرين. وكان أحد الجنود، يُدعى سامر، يراقبها من بعيد.
تقدّم نحوها وصرخ:
"ما هذه اللهجة؟!، وما هذه الملابس الغريبة؟!، من أي البلاد أنتِ؟!"
قالت بتوتر:
"أنا مصرية... يعني... من هناك... بس معرفش أشرحلكم إزاي وصلت هنا."
رمقها سامر بنظرة شكّ حادة، ثم أشار بيده نحو الحرس:
"ألقوا القبض عليها! قد تكون جاسوسة أُرسلت من قِبل القشتاليين، تتظاهر بالضياع ولا تُجيد لغتنا."
صرخت تسنيم:
"استنوا! أنا مش جاسوسة! اسألوا عامر! هو هنا! أخويا!"
لكنه لم يُنصت لها، وسُحبت من بين الجموع نحو مركز الحراسة.
---
وبعد يومين في القاهرة، داخل منزل الأسرة، كان عامر قد تلقّى صدمة اختفاء شقيقته.
احتضن أمه المكلومة وقال بصوت مملوء بالعزم:
"ماتقلقيش يا أمي، تسنيم هترجع إن شاء الله... أقسملك بالله هترجع."
ثم استدار نحو خولة، ونظرات الحيرة والقلق ترتسم على وجهه:
"لقد دخلت تسنيم من البوابة دون أن تدري حجم ما فعلت... علينا أن نعود إلى غرناطة فورًا."
أومأت خولة برأسها موافقة، وسار الاثنان مسرعين عائدين إلى شقة حازم، حيث انتقلوا عبر البوابة إلى العالم الآخر.
---
حين عاد عامر إلى قصره في غرناطة، كانت سارة واقفة تنتظره، تتأمل الأفق بقلق لم تعتده في نفسها.
سارة (بحدة ممزوجة بالقلق):
"أين كنت؟! اختفيت فجأة دون أن تخبر أحدًا! قلقت عليك كثيرًا."
عامر (بصوت خافت، يتملكه الهم):
"ذهبت إلى القاهرة... كان علي أن آخذ خولة إلى هناك."
سارة (بغضب متزايد):
"القاهرة؟! وهل تُخبر هذه الغريبة عن السرّ الذي بيننا؟! من تكون أصلاً؟! قلبي لم يرتح لها منذ أن رأيتها معك، وأشعر أنها ليست منّا."
عامر (ينفجر غاضبًا):
"كفى يا سارة! أختي مفقودة، ربما تكون في خطر، وأنتِ لا يهمك سوى السر وخولة، هل جننتِ!!."
سارة (بعينين دامعتين):
"آسفة... أنا آسفة..."
استدارت وانطلقت مسرعة في الممر، بينما كان عامر يهمّ باللحاق بها.
لكن خولة أمسكت بيده بلطف، وقالت بصوتها الهادئ:
"اتركها الآن،... أختك أولى، فلنبحث عنها قبل فوات الأوان."
نظر عامر إليها، ثم أنزل رأسه بتنهيدة، وأومأ موافقًا، ثم انطلقا سويًا ليعرف أين أُخذت تسنيم... وكيف سيُنقذها...
---
وبعد لحظات....
خرج عامر وخولة من بوّابة القصر الخلفيّة. كان كلٌّ منهما يرتدي عباءة أندلسية بسيطة، وقد غطّت خولة رأسها ووجهها بوشاحٍ داكن، فيما شدّ عامر عمامةً خفيفة على رأسه وأخفى ملامحه قدر المستطاع.
همست خولة، وهي تمشي بجانبه بخطواتٍ ثابتة:
- هل تظنّ أنّ أختك توجد في أحد المنازل؟ أم أنّها...
قاطعها عامر وردّ بنبرة منكسرة:
- لو أنّها بخير، لَسعت للبحث عني... أشعر أنّها وقعت في يد شريرة.
وصلا إلى سوق العطارين، حيث الضجيج لا يهدأ، والأصوات تتشابك. باعة ينادون على بضائعهم، نساء يساومن على الأسعار، وصبية يركضون بين الأرجل. وقف عامر بجانب أحد البائعين وسأله بنبرة هادئة:
- عفوًا يا عمّ، هل رأيت شابةً صغيرة، لا تعرف لهجتنا، كانت تتجول وحدها هنا البارحة؟
رفع البائع حاجبًا وقال وهو يهشّ الذباب عن بضاعته:
- كثيرةٌ هي الوجوه التي تمرُّ يا بنيّ، لكن إن كانت غريبةً في لهجتها... فربما أخذها الجنود.
تغير وجه عامر، وهمست خولة وهي تنظر إليه:
- إن صحّ ذلك... فقد تكون في خطرٍ كبير.
مرّا بعدها على سوق الحدادين، ثم دلفا إلى زقاقٍ ضيّق خلف الجامع الكبير، حيث جلسا ليستريحا برهة، قبل أن يقترب منهما فتى نحيل يحمل سلة برتقال.
قال بخبث:
- أنتما غريبان... أليس كذلك؟ تبحثان عن فتاة؟
انتفض عامر واقترب منه:
- ماذا تعلم؟ هل رأيت شيئًا؟
ردّ الفتى، وهو يبتسم ابتسامة ماكرة:
ــ سمعت، ولكن لكل شيء ثمن.
غضب عامر وأمسك به ووضع خنجرًا على رقبته:
- أخبرنا بما تعلمه، وإلا ستكون رأسك هي المقابل؟
ارتعش جسد الفتى وقال بصوتٍ مرتجف:
- لا أرجوك، لا تقتلني، سأخبرك، سمعت بعض الجنود يتحدثون عن فتاة "مختلّة في لسانها" تم القبض عليها في حيّ البوابة القديمة... أخذوها إلى دار الاستنطاق.
---
في تلك اللحظة، خلف أبواب دار التحقيق، كانت تسنيم تجلس مربوطة اليدين، تحدّق حولها بعينين غاضبتين ودموعها بالكاد تُحبس. أمامها وقف سامر، قائد الحرس، وقد شبك يديه خلف ظهره، يتأمّلها بصمتٍ طويل، ثم قال ببطء:
- اسمك؟
رمقته تسنيم باحتقار:
- تسنيم.
ابتسم سامر ابتسامة باردة:
- وقحة... غريبة... ولهجتك لا تشبهنا... من أين أتيتِ؟
أجابت بعناد:
- لن تفهم... حتى لو شرحتُ لك.
اقترب منها، ورفع عن وجهها النقاب، ثم أمسك بصفحة وجهها بيده المغطّاة بالقفاز الجلدي، ثم همس:
- نحن نفهم كل شيء... لكننا لا نحبّ أن يخدعنا أحد. هل أتيتِ من معسكر ملك قشتالة؟ هل أُرسِلتِ للتجسس؟
شهقت تسنيم، وقالت بعصبية:
- أنا أخت عامر... اسأله! أين هو؟! هو سيشرح لك كل شيء!
قهقه سامر ضاحكًا، ثم التفت إلى أحد الحراس:
- فتّشوا غرناطة من جديد... وابحثوا لي عن عن هذا الإسم... وإن لم نجده، فربما علينا أن نُخرج الحقيقة من هذه الحمقاء بطريقتنا.
---
في تلك الأثناء، كان عامر قد خرج من الزقاق وسحب خولة معه بسرعة.
خولة:
- سنذهب إلى دار الاستنطاق، ولكن ليس من الباب الأمامي... أعرف ممرًّا خلفيًّا يُستخدم لنقل الأسرى سِرًّا. إن كانوا قد أخذوها، فهناك سنعثر عليها ونأخذها دون أن يرانا أحد.
هزّ عامر رأسه بإصرار:
- فلنسرع إذًا... لا وقت للانتظار.
ومضيا في شوارع غرناطة، والخوف ينهش في قلب عامر.
---
في أروقة دار الاستنطاق، كانت تسنيم ما تزال مقيّدة اليدين، والغضب يشتعل في عينيها، بينما سامر يواصل استجوابه بأسلوبٍ لا يخلو من الاستفزاز. وما إن فُتِح الباب فجأة، حتى دخل عامر بعباءته الطويلة، وخلفه خولة تمشي في صمت.
وما إن وقعت عينا تسنيم عليه، حتى ارتفعت صرختها مِلأ المكان:
- عامر! حبيبي! تعالى بسرعة... اضرب الراجل الوحش دا!
نظر إليها عامر ببرود، واقترب حتى وقف أمامها، ثم قال بصوتٍ جليٍّ:
-مَن عامر؟ يبدو أنّك قد فقدتِ صوابك. أنا القائد سراج الدين، ولا شأن لي بهذيانك هذا.
أشارت تسنيم إليه بإصرار:
- لأ! اِنت عامر! أنا مش هتلخبط، أنا أختك!
رمق عامر سامر بنظرة ثابتة، ثم قال:
- دعها لي يا سامر... سأتولّى التحقيق معها بنفسي. ولعلّني أستطيع انتزاع الحقيقة منها بطريقة أسرع.
أومأ سامر، وقال:
- كما ترى يا سراج الدين... هي لك.
أشار عامر لخولة، ففكّت قيد تسنيم بهدوء، ثم أمسكت بذراعها وسارت بها إلى الخارج، يتبعهم عامر بصمت. وما إن ابتعدوا عن أسوار الدار، ودخلوا في زقاقٍ ضيق تحجبه الأشجار، حتى التفتت تسنيم نحو عامر وابتسمت بدموعها:
- كنتُ واثقة إنك مش هتسيبني، بس... اتأخرت عليا يا وحش! ازاي تسيبهم يعملوا فيّا كده؟!
لم ينظر عامر إليها، بل ظلّ يخطو أمامها بصمت. أسرعت تسنيم خطواتها واقتربت منه أكثر، ثم وضعت يدها برفق على ذراعه وقالت:
- أنا آسفة... عارفة إنّي غلطت، ومكانش ينفع أعدّي من البوابة من غير إذنك... بس انت كمان اتأخرت أكتر من يومين، وأنا قلقت عليك، خفت يكون حصلك حاجة... خفت عليك يا عامر... سامحني علشان خاطري.
توقّف عامر عن المشي، ظلّ صامتًا لحظة، ثم التفت نحوها وقال بصوتٍ هادئ:
- خلاص... حصل خير يا تسنيم. يلا علشان هرجعك البيت، أمك وأبوكي هيموتوا من القلق عليكي. لكن فكّري هتقوليلهم اي؟.
ابتسمت تسنيم ابتسامة ماكرة وقالت:
- بسيطة! هقولهم إنّي اتقبض عليّ "اشتباه"، وكانوا بيحققوا معايا... مش أنا فعلًا اتقبض عليّ؟
ضحك عامر ونظر إليها نظرة فيها مزيج من العتاب والمحبة، ثم قال:
- عيلة سوسة... مابتغلبيش أبدًا. الحمد لله إني مش عدوك.
ضحكت تسنيم بخفة، ثم نظرت إلى خولة وسألتها:
- وأنتِ أيتها المدبلجة؟، هل ستأتين معي..
ابتسمت خولة وأجابت بلطف:
- ماذا تعنين بالمدبلجة؟
عامر:
- لا تعني شيئًا. اسكتي يا تسنيم.
تسنيم:
- حاضر بس علشان خاطري خليني أقعد معاك هنا شوية، أنا لسه مش مصدقة إن الحاجات دي حقيقية..
عامر:
- هترجعي علشان يتطمنوا عليكي، وأنا هبقى أجيبك مرة تانية... وإياكِ تحاولي تيجي هنا تاني من غير إذني..
تسنيم:
حاضر
---
عاد عامر وخولة إلى قصر غرناطة، تسير إلى جواره فتاةٌ صغيرة الملامح، يعلو وجهها القلق، وتخطو خطواتٍ حذرة في الممرات المرصوفة بالفسيفساء. كانت تسنيم تحدّق بانبهار في تفاصيل القصر، أما عامر، فقد بدا شاردًا، بينما خولة تمشي بمحاذاته، تلقي نظراتها على الفتاة من حين لآخر.
عند البوابة الداخلية، ظهرت سارة، بخطاها الواثقة، ينسدل ثوبها الأندلسي المطرّز برقة، ووجهها يملؤه التساؤل. وما إن وقعت عيناها على تسنيم، حتى اقتربت منها وابتسمت:
- من أنتِ؟!، ملابسك غريبة وغطاء وجهك أيضًا ليس كغطاء وجه نساء غرناطة!!.
تسنيم:
- اسمي تسنيم، أخت عامر... أقصد، سراج الدين، وأنا مش...
- أخت عامر؟! - قطعت سارة حديثها بدهشة، ثم نظرت إلى عامر - لم تخبرني أن لك أختًا!
لم يرد عامر، بينما خطفت خولة يد تسنيم بلطف:
- تعالي معي، سأريكِ الحديقة... فيها زهورٌ لم تري مثلها من قبل.
لكن سارة تقدّمت نحوها بخطوة وقالت بحدة:
- لا، تسنيم ستكون معي أنا! أريد أن أجلس معها قليلاً.
- ولمَ؟ - أجابتها خولة بهدوء متماسك - تسنيم أخت زوجي، وأنا أحبها وأريد أن أكون معها.
- (تنفعل سارة):
تريدين كل شيء لنفسك! أخذتِ سراج الدين، والآن تريدين أخته أيضًا؟
- خولة(بهدوء):
لم آخذ شيئًا، سراج الدين اختارني، وأنا لم أخدع أحدًا.
سارة(وهي تنظر إليها بغضب شديد):
- كاذبة! أنا أعلم أنكِ خططتِ لكل شيء، وأوقعتِه في شِباكك. وسأعرف كيف حدث هذا، وأكشفه.
خولة (وقد بدأ صوتها يرتجف من الضيق)
ــ سواء علمتِ أم لم تعلمي، سراج الدين زوجي، ويحبني، وهذه هي الحقيقة.
-في تلك اللحظة، دخلت تسنيم بسخريتها الطفولية المعتادة لتهدئة حدة الحديث قائلة:
- استوب! إيه كيد النساء ده يا جماعة؟ أنا شكلي جيت في وقت مش مناسب خالص!، ومن الآخر كدا، أنا مش هبقى معاكي ولا معاها... أنا هقعد مع عامر، ساكت ليه يا سي عامر؟! أنت طلعت خاربها هنا والستات بيتخانقوا عليك!، هو دا اللي اتفقنا عليه؟ مش اتفقنا محدش فينا هيتجوز؟ يا خاين!
انفجر عامر ضاحكًا، ورفع يديه ساخرًا:
- هقول اي يعني؟ لله الأمر!
ثم اقترب من سارة وتابع حديثه:
- اجلسي معها يا خولة، وأنا سأتمشى مع سارة قليلًا وسأعود إليكم. ثم تجلس تسنيم مع سارة قبل أن أعيدها إلى البيت بعد قليل.
نظرت خولة إلى عامر نظرة مريبة لم يفهم مغزاها، لكنه نظر إلى سارة:
- تعالي نتمشى قليلاً، أريد أن أخبرك شيئًا.
مشت سارة إلى جواره، صامتة، حتى جلسا في طرف الحديقة تحت ظل الزيتونة العتيقة.
قال عامر بنبرة هادئة:
- أنا آسف على ما حدث. كنت خائفًا على تسنيم، ولم أقصد أن أجرحك.
سارة( وهي تنظر بعيدًا):
- أو لأنني قلت شيئًا لم يعجبك عن خولة.
عامر:
- خولة فتاة طيبة، لا تكرهك يا سارة. لماذا لا تحبينها؟.
أدارت وجهها إلى عامر:
- لأن قلبي يخبرني أنك في خطر معها.
عامر:
- خطر؟ أهذه خولة نفسها التي وثقتِ بها، وتركتِ لي الرسالة معها حين اعتقلكم عبدون؟
تغيّر وجه سارة، واتسعت عيناها بدهشة:
- ماذا؟! أنا لم أترك لك رسالة مع خولة، لم أكن أعرفها أصلًا. الرسالة تركتها مع خادمة تُدعى سعاد. خولة كذبت عليك، .. وهذا يعني أنَّ حياتك في خطر بالفعل معها.
ساد الصمت برهة، ثم قال عامر:
- حسنًا، سأصدقك... أين الخادمة سعاد؟، ولا تخبريني أنَّها اختفت.
- ولكن هذا ما حدث بالفعل، لقد اختفت فجأة... ولا أحد يعرف لها أثرًا.
- اختفت!، أجل
ثم حدّق فيها طويلًا - أنتِ تغارين، وتريدينني أن أبقى في القصر، لا لكِ، ولا لغيرك. سارة... أنا لست زوجك، زوجك مات. أنا عامر... وخولة زوجتي. أرجوكِ، أريد أن أعيش حياة زوجية هادئة وإلا سآخذها وأغادر وأترك غرناطة بما فيها.
أخفضت سارة رأسها، ونظرت إليه نظرة حزنٍ وحسرة ثم انفجرت باكية، وركضت إلى غرفتها.
في تلك اللحظة، دخل عبد الرحمن مسرعًا:
- سيدي! الناس يتجمعون أمام القصر، ويصرخون بأنك أخفيت الجاسوسة، ويطالبون بمحاكمتها وإعدامها أمام أعينهم!
خرج عامر بسرعة، ووقف على درجات القصر العالية، ينظر إلى الجموع:
- ما الأمر؟ عن أي جاسوسة تتحدثون؟
اقترب سامر، وقد بدا عليه الغضب:
- عن الفتاة التي أدخلتها القصر. من هي؟
صمت عامر لحظة، ثم قال:
- إنها... إنها ليست جاسوسة.
- (يرفع سامر صوته) إذًا من تكون؟!
تردد عامر، ثم نظر إلى الجموع، لم يتفوه بكلمة، ولم يستطع أن يقول أنها أخته.
صاح سامر بصوت مرتفع:
- أرأيتم، يا أهل غرناطة؟! قائدكم سراج الدين يخبئ الجواسيس الصليبيين في قصر غرناطة، ويخفي حقيقتهم! أليست هذا خيانة؟!، بلى والله وأكبر خيانة.
-همهم الناس، وبدأ الغضب يظهر على الوجوه، بينما ظل عامر واقفًا مكانه، صامتًا، يحاول أن يُحكم قراره قبل أن تتصاعد الأمور...
---
عامر لا يزال واقفًا على درجات القصر، بينما هدأت الجموع قليلًا، تترقّب ما سيقوله. وفي تلك اللحظة، خرج عبد الرحمن من بين الحرس واقترب منه وهمس بصوتٍ حازم:
- سيدي، مرني بقطع رأس سامر الآن، وأعدك بأن يرتدع كل من يفكر في التمرّد عليك.
لكن عامر رمقه بنظرة صلبة، ثم قال بهدوء:
- لا. لن أقطع رقبة مسلم مثلي لمجرد أنه أساء الظن بي... ليست هكذا تُدار الأمور في دار الإسلام. علينا أن نجلس معه ونتحدّث بالحسنى، ونبيّن له الحقيقة.
قال عبد الرحمن محتدًا:
- سيدي! إذا رأى الناس سامر يتمرّد عليك ويتّهمك بالخيانة دون أن يُعاقب، فستتجرأ عليك رقابٌ أخرى، وسينتشر التمرد في المدينة كالطاعون... ردعه واجب يا مولاي، لا خيار فيه.
سكت عامر برهة، ثم قال بنبرة حازمة:
- قلت لا. لن تكون الدماء سبيلنا إلى الحكم. بل نردّ على الظلم بالعدل، وعلى التهكّم بالحجّة، وعلى الغضب بالحكمة.
ثم التفت إلى الحارس بجواره:
- نادِ سامر... ليأتِ إلى المجلس الآن، لنتحاور سويًّا.
مضى الحارس مسرعًا...
وبعد لحظات نظر سامر إلى عامر نظرة غاضبة وقال بنبرةٍ حادة:
- لن أجلس مع رجل يُخفي جاسوسة بين جدران قصره. لن أتحاور إلا بعد أن تظهر الفتاة علنًا وتُحاكم أمام أهل غرناطة كافة. وإن لم تفعل، فإننا سنعلن الخروج عليك.
عمّ الصمت المكان، وسرى التوتّر كالكهرباء في الهواء. تبادل الناس النظرات، والهمسات بدأت تعلو شيئًا فشيئًا. أما عامر، فبقي واقفًا بهدوئه المعهود، وعيناه تحدّقان في الأفق، وكأنّ عقله يسابق الزمن ليجد مخرجًا.
همس عبد الرحمن بجواره:
- الآن، ما العمل يا سيدي؟ إن سكتَّ، تفجّرت المدينة... وإن ردعتهم، كُسرت هيبتهم، ولكن استُعيدت هيبتك.
رفع عامر رأسه أخيرًا وصعد على مكانٍ مرتفع وفي مواجهة الحضور قال بنبرة واثقة، تخترق الصخب:
- أنا سراج الدين وأبي هو صهيب الغرناطي قائد جيش غرناطة الاسبق، وإن كنتم قد نسيتم فقد مات شهيدًا وهو يدافع عن هذه الأرض.. أنا جذر عميق في هذه الأرض، أنا بعضٌ من ترابها،
وأنا من وقفت قبل أيام اقاتل بسيفي معكم وأذللنا رقاب الصليبيين معًا، عندما حاولوا التعدي على شرف غرناطة، وها أنتم اليوم تقفون أمامي وفي أعينكم نظرات الخوف والشك.... أنسيتم من أنا ومن أبي وماذا قدمنا لهذه الأرض... أنا لا أفخر ولكن أذكركم.. بأنَّني لن أخون هذه الأرض حتى وإن خانها الجميع..
وفي هذه اللحظات هتف جميع الحضور للقائد سراج الدين..
وعند انصرافهم استدار عامر ليدخل إلى القصر، فناداه سامر...
سراج الدين...من اليوم أنا لست جنديًّا في جيشك... والقصة لم تنتهي بعد...
رواية شِفرة أوڤاميندرا "سر العوالم السبعة" (الجزء الأول) الفصل العشرون 20 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار
دخل عامر إلى القصر. ثم نظر إلى خولة وإلى تسنيم، وقال بهدوء:
- سنُعيد تسنيم إلى أهلها... سأذهب معها، وكذلك أنتِ خولة، ونمكث هناك أسبوعين.
ثم توجّه إلى سارة في رواق القصر، حيث كانت تقف ساهمة الطرف، تبدو عليها أمارات الحزن. قال لها بصوت هادئ:
- سأغيب لبعض الوقت، وإن سأل عنّي أحد، قولي له: لقد أخذ إجازة قصيرة ولا يرغب في مقابلة أحد.
سارة نظرت إليه نظرة مكلومة، ثم اقتربت منه بخطى بطيئة وقالت:
- لا تذهب مع خولة بعيدًا، أرجوك... أريدك أمام عيني، أخشى أن تؤذيك.
تأمّل عامر وجهها دون أن ينطق، فتابعت هي بصوتٍ مختنق:
- لستَ واثقًا بكلامي، كعادتك... لكن على أية حال خذ هذا وضعه في ثيابك من أجلي، لقد كنت أتلو فيه للتو...
وأخرجت من عباءتها مصحفًا صغيرًا، ناولته له بكلّ خشوع وقالت:
- أرجو الله أن يحفظك به.
أخذه عامر برفق، وقال مبتسمًا:
- جزاكِ الله خيرًا... إنكِ طيّبة ولطيفة يا سيدة سارة.
تورد وجهها قليلاً، ثم نظرت له وقد أغمضت نصف عينيها وقالت:
- لا تنادني "سيدة"... وإن كنتُ أكبر منك ببضع سنين، فهذا لا يُعطيك الحق في مخاطبتي بتلك الطريقة... نادِني باسمي فقط.
ابتسم عامر ثانية وقال ممازحًا:
- فدتكِ عيوني... كما تريدين يا سارة.
ثم ودّعها بلطف، ونادى على خولة وتسنيم، واتّجه الثلاثة نحو بوابة القصر.
---
كان موسى واقفًا عند مدخل القصر، ينتظر بملامح متحفّزة. وما إن رأى عامر يخرج بصحبة فتاتين حتى اقترب، ووقعت عيناه على تسنيم، التي كانت تخرج بحياء ظاهر، وتبدو عينها من خلف النقاب مثيرةً لفضوله.
قال موسى وهو يحدّق فيها:
- من هذه الفتاة؟ لباسها غريب، وغطاء وجهها لا يشبه نساء غرناطة.
رد عامر بثقة:
- هذه قريبتي... وهكذا لباسهنّ الجديد.
ابتسم موسى بإعجاب، وقال:
- جميل... بل رائع. إنني أحببت حشمتها، وأعجبني حياؤها. إن أذنت لي، أطلب يدها للزواج.
أجابه عامر بهدوء، وهو ينظر إليه نظرةً فيها احترام:
- أقدّر عرضك يا موسى، لكنّ الأمر ليس ممكنًا. أعتذر منك.
تغيّر وجه موسى، وارتسم عليه الامتعاض والغضب، لكنه تمالك نفسه وقال بجفاف:
- كما تشاء.
ثم انصرف دون كلمة أخرى، تاركًا خلفه صمتًا غريبًا خيّم على باب القصر.
أما عامر، فقد التفت إلى خولة وتسنيم وقال:
- هيا بنا... فالطريق طويل.
---
وبينما هم يواصلون المسير، التقى عامر بابن خالته حازم، وقد كان يسير نحوه متأهبًا.
قال له عامر وهو يربّت على كتفه:
- تعال معنا يا حازم... راقب الطريق جيدًا، ثم اتبعنا وعد إلى بيتك بعد قليل.
حازم:
- اتفقنا، يا رجل.
ضحك عامر وقال:
- ما شاء الله، يبدو أنك أتقنت الفصحى من معلمك الشيخ عبد البر!
ابتسم حازم:
- أظنّني الآن قادرٌ على الحديث مع الناس بعدما كنتُ صامتًا كالأصنام!
- منك لله! - دا أنا بوقي وجعني من قلة الكلام!
عامر:
- لو كنتَ اتكلمت، ما كناش هنفضل عايشين لحد دلوقتي أصلًا!
ضحك جميعًا، ثم مضوا في طريقهم عبر البوابة، نحو بوابة العودة إلى القاهرة.
---
حين عبروا البوابة ووصلوا إلى القاهرة، حملت رائحة الزحام والخبز الطازج في الأزقة نفحة من الحنين. ساروا في الأزقة القديمة حتى بلغوا منزل عائلة عامر.
دقّ الباب، وفتحت الأم الباب بلهفة، فصرخت:
- عامر!. تسنيييييم.
احتضنت تسنيم وهي تبكي.
أبو عامر وهو يسحب تسنيم من يدها باتجاهه ويقول بصوتٍ غاضب:
- كنتي مختفية فين كل دا يا هانم؟!.
عامر: اهدوا يا بابا بعد إذنك، تسنيم كان مقبوض عليها اشتباه مع واحدة تانية، أنا رحت ضمنتها وخرجتها.
أم عامر:
- يا قلبي يا بنتي، الحمد لله إنه نجاكي منهم.
أبو عامر بعد أن جلس وتنهد:
- لا إله إلا الله، آسف يا بنتي على الاستقبال دا بس حطي نفسك مكاني وأنا أب مش عارف بنته عرضه وشرفه وحبيبته حصلها اي
تسنيم: ولا يهمك يا بابا، أنا مقدرة خوفكم وقلقكم عليا الفترة اللي فاتت بس كان غصب عني والله، المهم اطمنوا أنا بخير الحمد لله، رحبوا بقا بعامر ومراته.
-نظر أبو عامر وقال:
- الحمد لله على سلامتك يا بطل، معلش يابني أختك ربكت دماغنا ملحقناش نفرح برجوعك وانت واحشنا أوي
عامر:
- ولا يهمك يا بابا، أنا عارف الظروف اللي عشتوا فيها الكام يوم اللي فاتوا، المهم إنها رجعت بالسلامة.
أم عامر:
ــ مين الحلوة اللي معاك دي يا حبيبي بلبسها الغريب دا.
عامر وهو يبتسم ويشير إلى خولة:
ــ دي مراتي، أنا عارف إني مكنش ينفع أتجوز من غير ما أقولكم بس هي جت كدا أنا آسف.
نظرت أم عامر إلى خولة، ثم فتحت ذراعيها واحتضنتها بشدة، وقبّلتها على جبينها، حتى اضطربت خولة وارتبكت.
قالت تسنيم ممازحة:
- على مهلك يا ماما...دي حتة بسكوتة أحسن تكسريها!، روحي يا عامر بقى ارتاح انت والبسكوتة بتاعتك دي.
ضحك الجميع، ثم دخلوا إلى غرفهم.
---
دخل عامر وخولة غرفته ليرتاحا قليلاً، وبعد أن استيقظا، اجتمعوا جميعًا في صالة المنزل. جلست خولة قرب أم عامر التي قالت لها بلطف:
- نورتي بيتنا يا قمر... اسمك اي يا حبيبتي؟
ابتسمت خولة، ثم نظرت لعامر وهمست:
- إنها تنظر إليّ... هل تقصدني؟
- نعم، تقول إنك أنرتِ بيتنا، وتشبهكِ بالقمر، وتسألك عن اسمك.
ابتسمت خولة بلطف:
- شكرًا لكِ يا أمي... أنتِ جميلة ولطيفة، اسمي خولة.
نظرت أم عامر إلى ابنها باستغراب:
- هي بتتكلم كدا ليه يا عامر؟
أجاب عامر:
- معلش هي مش بتفهم ولا بتتكلم إلا بالفصحى.
ضحك والده:
- إذن... تزوجتها لهذا السبب، أيها الماكر!، اي رأيك في الفصحى بتاعتي؟
عامر:
ــ ممتاز يا أبي، أنت شيخي ومعلمي الأول، حفظك الله.
ثم نظر إلى تسنيم:
- عاوزك تعلميها العامية المصرية علشان ماتتعبش معانا، عاوزها بعد أسبوعين قبل ما نمشي من هنا تكون خولة المصرية.
أجابت تسنيم بحماس:
- ماتقلقش سيب الموضوع دا على تسنيمة، أهلًا بيكي يا حلوة... من بكرة هصحيكي تجيبي العيش من المخبز!
عامر:
- لأ بلاش هبل، أنا قلت اللهجة بس.
تسنيم:
- طيب، خلاص ماتتحمقش عليها أوي كدا، موافقة بس فين اللي.... ؟!، مش عاوزة أوضح بقا..
عامر:
- انتي يا ولية يا قادرة مابتعمليش حاجة لله أبدًا؟!
تسنيم:
- لأ... مش كفاية إنك اتجوزت من ورايا يا خاين! أنا مستنية بس لما ترتاح وتفوقلي كدا، لحظة... هي بتبصلنا كدا ليه؟! هل تفهمين شيئًا يا خولة؟
قالت خولة بهدوء:
- لا، ولكني أشعر أن بينكما حديثًا لطيفًا... يبدو أن عامر يحبك كثيرًا.
تسنيم:
- وأنا كمان بحبه للأسف! بس جابلي ضرة والشوكولاتة هتتقسم على اتنين، ماشي يا عامر.
ضحكت أم عامر:
- انت قلتلنا في آخر شات بينا إنك مرتاح في شغلك، بجد مرتاح والدنيا كويسة معاك، أنا قلبي بيبقى واكلني عليك.
أجاب عامر:
- أيوا، الحمد لله... بس سامحوني، إني جاي ايد ورا وايد قدام كدا من غير أي فلوس أو أي حاجة.
قالت الأم بعطف:
- يا حبيبي فلوس اي وحاجة اي، دي كفاية دخلتك علينا دي بالدنيا كلها، انت اتجوزت وبقا عندك بيت واحنا الحمد لله ربنا ساترنا ومش محتاجين حاجة، كل منانا إن ربنا يسعدكم بس ويحفظكم لينا أنت ومراتك وأختك.
قالت تسنيم:
- عامر، روح يلا هات الشوكولاتة وماتتأخرش، وانتي يا حلوة تعالي معايا هعلمك تفهمي كلام الناس اللي بيستغفلوكي دول.
ضحك الجميع، وامتلأ البيت بنور اللقاء... وبداية حياةٍ جديدة.
---
[داخل قصر غرناطة - قاعة الاستقبال]
يقتحم عبد الرحمن القاعة مهرولًا، وعلى وجهه علامات القلق والتوتر، فيتجه مباشرة نحو الأميرة سارة التي كانت تجلس وتلاطف هِرَرِهَا(جمع هِرَّة..."القطة").
عبد الرحمن (بلهفة):
أيتها الأميرة، أطلب لقاءً عاجلًا مع القائد سراج الدين... الأمر لا يحتمل التأخير!
سارة (ترفع رأسها باستغراب):
ماذا حدث؟ تكلّم!
عبد الرحمن:
وردتني أنباء مؤكدة عن تحرّكات مشبوهة يقودها سامر وبعض الجنود التابعين له... يبدو أنهم يخطّطون للتمرّد على القائد. لا أستطيع اتخاذ قرار باعتقالهم دون أمر مباشر منه.
سارة (بقلق، ثم تهدأ نفسها):
القائد نائم حاليًّا... وحين يستفيق، سأُبلغه فورًا.
بعد أن انصرف عبد الرحمن، صارت سارة تسير في القاعة بخطى متوترة، تحاول التفكير بحل، ثم تتوقف فجأة كأن فكرة لمعت في ذهنها.
سارة (بهمس):
السيد طلعت...
---
[لاحقًا - وفي حديقة القصر الخلفية]
يدخل السيد طلعت، يقوده أحد الحُرّاس، فتتجه إليه سارة مباشرة.
سارة:
هل استعدت مفتاحك من عامر؟
السيد طلعت (ببرود):
لأ ولكني أستطيع عبور البوابة من دون مفتاح.
سارة (بإصرار):
جميل... إذًا نحتاج عامر حالًا. هناك خطر داهم، وتمرد يلوح في الأفق، ولا بد من حضوره.
السيد طلعت:
سأذهب إلى القاهرة وأحضره... ولكن، بالمقابل، أريد منك شيئًا.
سارة (ترفع حاجبها):
وما هو؟
السيد طلعت:
أريدك أن تبحثي في القصر عن الكتاب الذي أخذه عامر من بيتي حين كنت معتقلاً... لقد رفض إعادته إلا إن أخبرته بأسرارٍ لا يمكن البوح بها.
سارة (تنظر له شزرًا):
ألم تقل إنك تستطيع عبور البوابة من دون مفتاح؟
السيد طلعت:
نعم... ولكن عامر سرق الكتاب.
سارة (تتقدم منه بخطوات غاضبة):
اصمت!، وإن تلفّظت بمثل هذه الكلمة مجددًا... سأقطع لسانك.
ينظر إليها طلعت مذهولًا:
ــ حسنًا، إذن يجب أن يعرف أهل غرناطة أنَّ سراج الدين ليس سراج الدين...وتحديدًا إذا علم المتمردون بهذا.. تخيلي معي ماذا سيحدث.
نظرة سارة بغضبٍ واقتربت أكثر منه ثم فجأة سحبت منه سيفه ووضعته على رقبته بحزم.
سارة (بصوتٍ بارد):
لا تظن أنني طيبة طوال الوقت... طيبتي لها حدود، وأنت قد تخطيت تلك الحدود.
السيد طلعت (يتحدث بصوت مختنق تحت حد السيف):
أنا آسف... لكنك لا تدركين ما يحمله ذلك الكتاب... عامر لا يعرف خطورته، ولا خطورة مَن يبحثون عنه... إن لم نعده إلى أصحابه، شفرة أوڤاميندرا ستقتلني، وتقتل عامر، وتحرق غرناطة بأكملها.
تركته سارة ثم قالت (بعينين ضيّقتين):
ماذا تعني بشفرة أوڤاميندرا؟
السيد طلعت (يتردّد):
لا يمكنني البوح بهذا السر... أرجوكِ، أعطني الكتاب.
سارة (بصلابة):
لن أخون عامر أبدًا... ولن أُعطيك شيئًا دون أمرٍ منه. اغرب عن وجهي!
السيد طلعت (يحاول رفع صوته):
لن أذهب إلى عامر... ولن أعيده!
سارة (تشير له بالخروج):
هو عائد بعد أسبوعين على أي حال... قلتُ لك: اغرب عن وجهي!
ألقت له سيفه ثم تراجع طلعت ببطء، والسيف، قبل أن يستدير ويغادر بخطى مثقلة، بينما تتنفس سارة بعمق، تحاول استجماع ثباتها أمام هذه التهديدات الجديدة.
---
مرت الأيام سريعًا في بيت عامر، وكانت خولة غارقة في سعادتها وسط أهله. تعلّمت شيئًا من لهجتهم، وتعلّقت بتسنيم وأم عامر بشدة. البيت كان دافئًا، والضحك يملأ أركانه، وكل يوم كانت خولة تكتشف أمرًا جديدًا عن هذا العالم المختلف.
كانت تستيقظ باكرًا مع تسنيم، تساعدها في أعمال البيت، وتضحكان على زلّات لسانها حين تخطئ في بعض الكلمات، وتحاول أن تتقن نطق "عيش" بدلًا من "خبز"، ونطق "بامية" و "ملوخية" وغيرها من الأشياء المختلفة. ومع مرور الوقت، شعرت أن هذا المكان قد صار جزءًا من قلبها.
وفي آخر يوم قبل الرحيل، كانت الشمس تودّع السماء بلونها الذهبي، والجو ساكنٌ كأنّه يتهيّأ للفراق. عامر كان يرتّب أمتعته، وخولة واقفة إلى جانبه، تساعده بصمت. وفي الصالة، كانت تسنيم تجلس بهدوء، تبدو شاردة قليلاً.
خرج عامر من غرفته، ثم اتجه نحوهم وهو يقول:
- إحنا هنمشي دلوقتي... أشوفكم على خير بقا إن شاء الله.
نظرت تسنيم إلى خولة، ثم قالت بلطف:
تسنيم:
- بعد إذنك يا خولة...
ثم ركضت فجأة، وارتمت في حضن عامر، ودموعها تبلل كتفه:
- ماتطوّلش علينا تاني، بالله عليك... قلبي بيتعب كل ما بتغيب.
احتضنها عامر بحنان وهمس:
- ماتقلقيش يا تسنيمتي، مش هغيب كتير... أنا دايمًا هاجي أنا وخولة. اتطمني.
بس بقى علشان خاطري... ماتعيطيش علشان قلبي بيوجعني عليكي.
اقتربت خولة من تسنيم، ووضعت يدها على كتفها، وقالت:
خولة:
- انتي طيبة وحنينة يا تسنيم....أنا حبيتك
عامر:
ــ الله، اي الجمال اللي أنا سمعته دا، بقيتي بتتكلمي مصري أحسن مننا أهو.
ضحكت خولة ثم احتضنت تسنيم بحنان وهي تربت على ظهرها، وردّت تسنيم العناق كأنما وجدت في خولة أختًا لم تنجبها الأيام.
كانت أم عامر تقف عند الباب، تمسك بمنديلها، تحاول أن تمنع دموعها من السقوط، ثم قالت:
- خلاص هتمشي يا عامر يعني مش هنشوفك تاني. أنا حبيتك وحبيت خولة مراتك، خلينا معانا شوية كمان علشان خاطري..
اقتربت عامر منها ومسح دموعها بيده ثم قبَّل رأسها، وقال بلطف:
ــ سامحيني يا أمي أنا مضطر إن شاء الله قريب هنجتمع كلنا ومش هنفترق تاني أبدًا.
دمعت عيون خولة ثم قالت بتأثر:
ــ انتوا أكتر ناس وحشين أنا شوفتهم في حياتي
عامر:
- لحظة... انتي قلتي إيه؟ وحشين؟!
ثم التف إلى تسنيم وقال:
- بت يا تسنيم، انتي عملتي فيها إيه؟! دي بتقول "وحشين"! دي كلمة مش حلوة يا خولة!
نظرت خولة إلى تسنيم مستنكرة:
- تسنيم، ألم تخبريني أنها جملة جميلة، ويجب أن أودّعهم بها؟
تسنيم (وهي تضحك):
- أيوا اتبلي عليّا بقا واظلميني، ماشي يا خولة! أنا غلطانة إني ماسيبتكيش عايشة مدبلجة زي ما كنتي.
ضحك عامر وقال:
- مع إني متأكد إنك قولتليلها كده فعلًا... بس ماشي يا تسنيم يا أروبة! لما أرجعلك المرة الجاية هعرف أتصرف معاكي.
اقتربت أم عامر من ابنها، وقبّلته في جبينه:
أم عامر:
- تروح وترجعلنا بألف سلامة يا حبيبي... أبوك كان عايز يشوفك قبل ما تمشي، يسلم عليك ويوصّلك.
تنهد عامر وقال:
- معلش، قوليله عامر سابلك أحلى سلام... مش عاوز أتعبه، كفاية عليه تعبه في الشغل... يلا بقى، في رعاية الله.
ودّعهم عامر وخولة، ثم اتجها سويًا نحو بوابة العالم الآخر، بينما كان قلبه ممتلئًا بالدفء، ولسانه يهمس لخولة:
"البيت... ليس جدرانًا وسقفًا فقط، بل قلوب تحبك من غير شرط، وتنتظرك مهما غبت."
---
في مساء يوم عودته، دخل عامر قصر غرناطة بخطى هادئة، والقلق يتسلّل بين ثنايا قلبه. لم يكد يخطو بضع خطوات حتى لحقت به سارة، وقد بدت على وجهها أمارات القلق والاهتمام.
قالت بصوت منخفض:
- سراج الدين، عليّ أن أخبرك بشيء مهم... لقد جاءني عبد الرحمن، وأخبرني أن هناك مجموعة من الرجال يتجمّعون في أحد أحياء المدينة ويتحدثون علنًا ضدك، بل ويتهمونك بالخيانة.
تغيّر وجه عامر، وقال بنبرة حازمة:
- أحضري لي عبد الرحمن وموسى في الحال، أريد سماع الأمر منهما بنفسي.
وبعد دقائق، اجتمع ثلاثتهم في قاعة صغيرة، وكان عامر واقفًا أمامهما، يحدّق فيهما بنظرة صارمة.
قال عبد الرحمن:
- سيدي، هناك مجموعة من المتمردين يُثيرون الفوضى في المدينة، يتآمرون عليك، ويشجّعون الناس على العصيان. أطلب إذنك بالقبض عليهم فورًا، قبل أن يستفحل أمرهم.
- غير أن موسى، وقد كانت نظرته حادة ومريبة، قال بهدوء:
- أنا لا أوافقك الرأي يا سيدي. لو قبضنا على أولئك الرجال لمجرد أنهم يختلفون معك في الرأي، فإن أهلهم سينتفضون، وسنجد أنفسنا في دوّامة لا تنتهي من التمرد. نستطيع احتواء الأمر بحكمة، دون تهوّر.
نظر عبد الرحمن إليه باستياء وقال:
- ولماذا تدافع عن المتمردين يا موسى؟! نحن بحاجة إلى يدٍ عليا في غرناطة، نحتاج إلى الحزم، وإلى إعلان القائد سراج الدين ملكًا للبلاد في أسرع وقت ممكن، وإلا سيفلت الأمن من بين أيدينا.
ردّ موسى وقد بدا عليه الإصرار:
- إن أعلنا القائد ملكًا الآن، فإن التمرد سيشتدّ أكثر. علينا أن ننتظر حتى تهدأ الأمور قليلًا.
تنهد عامر وقال بهدوء:
- أنا أتفق مع موسى... لا نلقي القبض على أحد الآن.
عبد الرحمن حاول الاعتراض:
- ولكن يا سيدي...
قاطعه عامر بصرامة:
- انتهى النقاش. سأفكر في الأمر، وأتخذ قراري لاحقًا.
انفضّ المجلس، وسار عامر في ممرات القصر، حتى وجد سارة جالسة وحدها في ركنٍ من الحديقة، تتأمل الغروب بصمت. اقترب منها وجلس بجوارها، وقال:
- سمعت آراء عبد الرحمن وموسى... ولكنني لا أدري ماذا أفعل، أنتِ أحكم وأعقل من في هذا القصر... قولي لي، ماذا أفعل؟
رفعت سارة عينيها إليه، وابتسمت بحماس:
- أتيتني قبل أن تذهب إلى خولة؟
أومأ برأسه وقال مبتسمًا:
- نعم، أتيت إليكِ أولًا.
أشرق وجهها فرحًا وقالت:
- أولًا، يجب أن نعلنك ملكًا لغرناطة هذا المساء. لا يمكن أن تظل المدينة بلا ملك، فالفوضى ستحكمها إن تأخّر الإعلان.
أما بخصوص المتمردين، فاترك موسى وفرقة الظلام يتتبعونهم بهدوء، ويراقبون تحركاتهم. فإن كانوا يخططون لشرّ، قبضنا عليهم وأخضعناهم لمحاكمة عادلة.
ابتسم عامر وقال:
- أريد أن أعترف لكِ بشيء... كلما تحدّثت معك، أشعر براحة عجيبة. أثق في رأيك أكثر من الجميع.
ابتسمت سارة، ولكن ملامحها تغيّرت قليلًا، وقالت:
- وبالنسبة لخولة، أريد أن أقول لك شيئًا...
قاطَعها برفق:
- إن كان شيئًا سيئًا، لا أريد سماعه. من فضلك، دعي خولة بعيدة عن هذا الحديث.
صمتت سارة لحظة، ثم قالت:
- حسنًا... كما تريد. لا أريد إزعاجك. فقط... انتبه لنفسك، وراقب جيدًا من يقف خلفك...
ثم نظرت إليه وسألته:
- أريد أن أسألك سؤالًا...
قال بلطف: - تفضلي.
همست:
- ماذا تعني لك سارة؟
نظر إليها عامر بحيرة، وأجاب بتردّد:
- سأخبرك لاحقًا...
ثم نهض وقال وهو يبتعد:
- سأذهب لأرتاح قليلًا حتى المساء.
وداعًا يا سارة.
وبقيت سارة في مكانها، تتأمل ظله وهو يغيب خلف الجدار، وهمست لنفسها:
- "سأنتظر، ولو طال الانتظار..."
---
في ساحة القصر الكبير، اجتمع أهل غرناطة من كل حدب وصوب، واصطفّ الجنود في صفوف منتظمة، ترفرف فوقهم رايات الأندلس المزينة بالهلال الأخضر والسيف الأبيض. زُيِّن القصر بالأقمشة المطرّزة والمشاعل المضاءة، وتعالت الهتافات من أفواه الجميع، وترددت في الأرجاء أصوات الفرح احتفاءً بالملك الجديد. أقيمت الولائم، وامتلأت الموائد بما لذ وطاب من الطعام، وجلس الكبار والصغار يرقبون المشهد التاريخي بقلوب نابضة بالأمل.
وقف عامر، الذي بات يُعرف في غرناطة بـ"سراج الدين"، على المنصة المُقامة وسط الساحة، مرتديًا عباءة ملكية من المخمل الأسود المطرّز بالذهب، وعمامة بيضاء تعلوها جوهرة زرقاء. على يمينه وقفت سارة بثوبٍ أبيض أندلسيٍّ جميل، تنظر إليه بعينين فيهما الفخر والحنان. وعلى يساره اصطفّ حازم، وعبد الرحمن، وموسى، وقد علت وجوههم الجديّة والمسؤولية.
رفع سراج الدين يده، فخفتت الأصوات وساد صمتٌ مهيب، ثم قال بصوتٍ حازم:
"يا أهل غرناطة الكرام...
لستُ أخاطبكم اليوم بوصفي ملكًا توّجتموه، ولا أميرًا جلستم له مجلس السمع والطاعة، بل أنا سراج الدين، أخوكم في الدم والدين، ابن هذه الأرض، وابن نسائها، وأبٌ لأطفالها.
جئتكم لا لأتسلّط عليكم، بل لأحمل معكم أعباء غرناطة، لأكون لكم عونًا لا عبئًا، سيفًا لا سوطًا، ظلًّا لا ظلامًا.
من اليوم، لن يكون في غرناطة جائعٌ ونحن نأكل، ولا فقيرٌ ونحن نملك.
بيت مال المسلمين سيعود، وسأشرف عليه بنفسي، ولن يُصرف درهمٌ فيه إلا بحق.
سندعم الزُّرّاع، وننصر التُّجّار، وسنأخذ من أرباحهم ما يعيننا على البناء، وسنزرع ونتاجر معهم، لا عليهم.
سنحمل السيف لنحمي غرناطة ونعيد هيبة الإسلام ورويدًا رويدًا سننظر إلى ما ضاع من الأندلس...
قد نكون اليوم وحدنا، محاطين بالصليبيين، لا سند لنا من بلاد الإسلام... لكن حسبُنا الله ونعم الوكيل.
سنثبت، وسنقاوم، وسنحمي غرناطة بإذن الله حتى آخر رمق.
وأخيرًا...
باب القصر مفتوحٌ لكم جميعًا، لا سلطان فوق العدل، ولا كرامة لملك يظلم رعيّته.
وإن ظلمتُكم يومًا، فتعالَوا إليّ، وحاكموني، فإنّني أقبل العقاب ولا أقبل الذلّ.
أعدكم اليوم بدولةٍ شريفة، عادلة، قويّة، لا تُبنى على دماء الأبرياء، بل على قواعد العدل وقول الله ورسوله."
وما إن أنهى خطبته حتى تعالت الهتافات: "سراج الدين! سراج الدين!"، وانطلقت الهتافات في كلّ أرجاء القصر، وانحنت الرؤوس إجلالًا لما سمعته من كلماتٍ لم يألفوها من ملوكٍ من قبل.
---
وفي خضمّ الاحتفال، اقترب عبد الرحمن نحو عامر، وهمس في أذنه، ثم انحنى قائلًا:
- "سيدي... وجد الجنود رجلًا ميتًا، على مقربةٍ من التلّ المطلّ على القصر... كان يحمل قوسًا وسهامًا، يبدو أنه كان يستعدّ لاغتيالك."
قطّب عامر حاجبيه، وسأل بحدة:
- "ومن قتله؟"
ردّ عبد الرحمن بحذر:
- "لا نعلم... لم يكن في المكان أثرٌ سوى جثته."
تلفّت عامر سريعًا وسأل:
- "وأين خولة؟"
وفي تلك اللحظة، ظهرت خولة من بين الجموع، تقترب بخطى واثقة، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامةٌ عذبة، وفي يدها صحنٌ صغير من الحلوى.
قالت بمزاح لطيف وهي تقف أمامه:
- "ملكنا الجميل... مقامٌ يليق بجميلٍ مثلك!"
ابتسم لها عامر وقال:
- "أين كنتِ؟، ولماذا تضعين لثامًا على وجهك"
قالت بخفة:
- لأنني أخجل من ظهوري أمام جمع من الناس، وذهبتُ لأجلب لك هذه الحلوى، لتأكلها احتفالًا بتتويجك."
ردّ مبتسمًا:
- "دعيها حتى أعود... الآن أريد أن أذهب إلى الشيخ عبد البر."
ثم التفت إلى حازم وقال:
- "أريد رؤيته في الحال."
هزّ حازم رأسه قائلًا:
- "هيا بنا، ستجده على الأرجح يُلقي درسه في المسجد."
وانطلقا معًا، وسط نظراتٍ من المحبة والهيبة في آنٍ واحد، بينما سارة تتابع المشهد من بعيد، وفي قلبها دعاءٌ لا ينقطع:
"اللهم احفظه، واحفظ غرناطة من كل شر."...
---
خرج عامر من القصر دون موكب ولا حراسة.
وقف عند بوابة القصر ونادى على حازم قائلًا:
- "سأذهب إلى المسجد، ولا حاجة لي بالحرس."
لكن قبل أن يخطو، أتى عبد الرحمن بخطوات قلقة، وقال بإصرار:
- "مولاي، دعني أكون برفقتك، فإن غرناطة لم تهدأ بعد، والأعين لا تأمن."
نظر عامر إليه بابتسامة خفيفة ثم قال:
- "لك ذلك، ولكن انتظرني خارج المسجد، أنت وحازم."
وصلوا إلى المسجد الكبير، وكانت أنواره خافتةً هادئة، تصعد من مشاعل الزيت، ورائحة البخور تعبق المكان بخشوع، ودخل عامر وحده، تاركًا عبد الرحمن وحازم عند الباب.
---
في الداخل، كان الشيخ عبد البر جالسًا على بساط من الحصير، وأمامه جمعٌ من طلبة العلم، وجهه أبيض كضياء القمر، تكسوه لحيةٌ بيضاء كثيفة، ونظرة مطمئنة يعلوها أثر السجود، يتلألأ من عينيه نور الإيمان.
كان يحكي لتلامذته في صوت هادئ لطيف:
"كان بشر الحافي من العابثين، يسرف في اللهو ويغرق في المعصية.
وفي ليلة من الليالي، كان في لهوه مع أصحابه، يشربون ويمرحون، فمرّ بهم رجلٌ صالح، فطرق الباب.
فخرجت إليه جارية، فسألها: أحرٌّ صاحب هذا الدار أم عبد؟
فقالت: بل حرّ.
فقال: صدقتِ، لو كان عبدًا لراعى أدب العبودية.
فبلغ كلامه مسامع بشر، فانتفض قلبه، وأسرع إلى الباب حافيًا، يبحث عن الرجل، فلما لحقه، سأله أن يعيد عليه كلماته.
فلما أعادها، خرّ بشر ساجدًا على التراب، وقال: بل عبد! بل عبد!
وهام على وجهه حافيًا منذ ذلك اليوم، وقال: لا ألبس نعلًا بعد أن صالحني ربي وأنا حافٍ.
فترك المعاصي، وهجر الذنوب، وأقبل على الطاعة، وصار من التائبين الزاهدين."
ثم قال بنبرة خاشعة:
"وهكذا، من رحم الظلمة تخرج أنوار الهداية، فطوبى لمن سمع فوعى، وعمل فنجا."
ثم أردف قائلًا:
"انتهى الدرس، وفي الختام نقول: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين."
قام الطلبة واحدًا تلو الآخر، وانصرفوا في هدوء، إلا عامر، الذي جلس في مكانه متأمّلًا، بعيدًا قليلًا، يرقب المشهد بعينٍ حائرة.
ثم اقترب شاب من الشيخ، كانت عيناه دامعتين، ووجهه مبلّلٌ بالدموع، وقال بصوتٍ متهدّج:
- "يا شيخ، لقد ارتكبت ذنبًا عظيمًا... وكنتَ تتحدث عن التوبة، فأردت أن أسألك: هل لي من توبة؟"
ابتسم الشيخ عبد البر بحنو، ووضع يده على كتفه، وقال:
- "نعم يا بني، فإن ربك هو التوّاب الرحيم، لا يرد من جاءه منيبًا. مهما بلغت ذنوبك، فإن رحمته أوسع، وإن مغفرته أعمّ."
انفجر الشاب باكيًا وهو يقول:
- "ولكنني أشعر بالخجل من ربي، رزقني المال والقوة، فعصيته بهما، ثم سترني، ثم يهديني للتوبة، والله بئس العبدُ أنا، ونعم الربُّ هو."
اقترب الشيخ منه، واحتضنه بحنان أبوي، وقال:
- "ابكِ يا ولدي، ابكِ لأنك أجرمت في حق العظيم، ولكن لا يدفعك بكاؤك إلى اليأس من رحمته، وهو الرحمن الرحيم.
إن دموع ندمك غالية عند الله، فإنها تغسل القلب، وتفتح باب الرجاء.
قال حبيبنا محمد ﷺ: (لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِن أَحَدِكُمْ كانَ علَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فلاةٍ، فَانْفَلَتَتْ منه وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فأيِسَ منها، فأتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ في ظِلِّهَا، قدْ أَيِسَ مِن رَاحِلَتِهِ، فَبيْمنَا هو كَذلكَ إِذَا هو بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فأخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قالَ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ)..صدق نبيُّنا ﷺ
يا بنيّ جرمك عظيم وخطأك كبير...
ولكن عفو الله أكبر وأعظم، فاذهب واسكب بين يديه عبرات ندمك واخفص رأسك بالخضوع والذل لقوته، واطلب العفو والمغفرة وعاهده على ألا تعود، وأبشر بالمغفرة إن شاء الرحمن.
رفع الشاب رأسه، وقال:
- "ويقبلُ صلاتي بعد كل ما فعلت؟"
تبسّم الشيخ وقال:
- "ويفرح الله بها، بل يفرح بك أنت! ألم يقل النبي ﷺ:
(إنَّ اللَّهَ حيىٌّ كريمٌ يستحي إذا رفعَ الرَّجلُ إليْهِ يديْهِ أن يردَّهما صفرًا خائبتينِ)
اذهب وصلّ ركعتي توبة، فالصلاة باب العودة، ومفتاح القرب."
انفرج وجه الشاب فرحًا، وجرى نحو موضع الوضوء، ليبدأ مع ربه صفحةً جديدة.
---
ظلّ عامر في مكانه، حتى رفع الشيخ بصره إليه وقال:
- "وأنت، يا من ترتدي الدنيا... ألك حاجة؟"
اقترب عامر بتؤدة، وقال باستغراب:
- "أرتدي الدنيا؟"
ابتسم الشيخ وقال:
- "من نظر إلى ثيابك علم أنك ترتدي الدنيا، وتخلع عنك ثوب الآخرة."
فأجاب عامر بتواضع:
- "أنا ملك غرناطة الجديد."
رفع الشيخ حاجبيه، ثم قال برفق:
- " ملك غرناطة الجديد، تعالَ معي، يا بني."
قاده إلى زاوية من المسجد، حيث كان موضوعًا نعشٌ خشبي صغير، ذلك الذي يُحمل عليه الأموات.
أشار إليه الشيخ وقال:
- "لقد حمل هذا الخشب ملكًا ومملوكًا، غنيًّا وفقيرًا، من لبس الحرير ومن لبس الخيش... الكل فيها سواء."
ثم رفع إصبعه نحو السماء وقال:
- "يا بني، هو الملك، وكل ما عداه مملوك."
تنهّد عامر، وقال بصوت متهدّج:
- "ولهذا جئت إليك، يا شيخي... لم أتخيل يومًا أن أكون ملكًا، وأحمل في عنقي شعبًا بأسره. سيسألني ربي عن كل جائع، ومظلوم، وخائف. سيسألني عن كل شيء يقع في ملكي."
أجابه الشيخ:
- "ما دمت تخاف، فلا تخف."
فقال عامر بدهشة:
- "لم أفهم، يا شيخي."
قال الشيخ:
- "ما دمتَ تخشى الله، وتحرص على العدل، فلن يكلّفك الله إلا ما في وسعك، ولن يعذّبك بما لم تطله يدك.
لكن إن اطمأنّ قلبك، واطمأننتَ في نومك، ونسيتَ رعيتك، فاعلم أنّك في طريق الهلاك، فإن الله لا يأمن مكرَه إلا القوم الخاسرون."
انخفضت رأس عامر، ثم قال بخشوع:
- "أنا بحاجة إليك... إلى نصحك، وتوجيهك... أريدك قريبًا من القصر، وسأعدّ لك..."
فقاطعه الشيخ عبد البر قائلًا:
- "لا أحب القصور، ولا أحب مجاورتها.
أنا أفضّل النوم على تراب داري، على أن أنام على حرير قصرك... أخشى إن اقتربت أن أنسى لحظة أنني عبد مملوك لسيدي. "
- ثم أشار نحو السماء.
قال عامر مبتسمًا بتواضع:
- "إذًا، فدعني أكون تلميذًا بين تلاميذك."
نظر إليه الشيخ، وقال:
- "لك ذلك، ولكن لا تأتِ إلى مجلس العلم وأنت ترتدي الدنيا، فإنه حجابٌ بين القلب والعلم.
فهمت يا بني؟"
هزّ عامر رأسه وقال بإجلال:
- "فهمت يا شيخي."
استأذن عامر وأدار ظهره وهمّ بالخروج من المسجد..
ولكن استوقفه صوت الشيخ عبد البرّ:
ــ رأيتك في رؤية ليلة أمس مع بعض الأشخاص، ولم أكن أعرفك، واليوم جاءت بك قدمك إليَّ...سبحان القادر
عاد عامر وسأله:
ــ ماذا رأيت؟!....
الشيخ عبد البرّ:
لا أريد أن أخبرك ولكن......
---
وفي نفس اللحظة في مكانٍ آخرٍ خارج حدود غرناطة...
يقف رجلٌ عملاقٌ يحتسي شرابه، ويقول:
ــ خرجت من القفص ثم أصبحت تحلم بالتحليق يا سراج الدين...
ثم تابع وهو يقهقه:
ــ ولا تعلم أيها الأبله أنَّك أنت من تدخل الآن خنجرنا في قلبك...
وقريبًا سيتمزق بيدك.....